رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الإيمان الحقيقي

الإيمان الحقيقي هو أنك تؤمن ومن قلبك، وأن تؤمن بأن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً، ويكون تفكيرك منصبا على الآخرة وأن تعمل من أجل الآخرة ويجب أن تؤمن بأن كل ما يحدث لك في الدنيا هو خير لك، سواء كان سراء أم ضراء لأن الذي تراه شرا أو مصيبة هو عند الله خير وخير كبير. قال صاحبي: كيف أعرف إذا كنت مؤمنا أو لا؟ قلت: لن تعرف ذلك إلا إذا وقعت في مشكلة أو ابتلاء، واضرب لك مثلا: هناك رجل خسر مليون ريال أصابته سكتة قلبية، وهناك رجل آخر خسر نفس المبلغ ولكنه جلس راضيا مطمئناً ولم يصبه أي شيء، لماذا؟ لأن الثاني يخاف الله ومؤمن به، ويعلم أن هذا ابتلاء من الله، وأن الله سيعوضه أضعاف هذا المبلغ حسنات يوم القيامة، أجراً له على صبره. والرجل الأول لا يؤمن بالله، وهمه الدنيا ولا يؤمن بأن الله يجعل له بعد عسر يسرا. دخل المسلمون في غزوات رهيبة، وبأعداد قليلة. مثل غزوة بدر فهذه الغزوة بالمنطق والعقل وبعملية حسابية كان يجب أن ينتصر فيها المشركون، ولكن بالقلب والإيمان والتوكل على الله انتصرت أمتنا، وبعدها وبإيمانهم المطلق بالله حكموا العالم، والآن المسلمون ومع أعدادهم الرهيبة (مليار ونصف المليار) ومع ضعف الإيمان أو عدمه، يتحكم فيهم القلة القليلة بسبب عدم وجود الإيمان الحقيقي بأن الله يقدر على كل شيء ولدرجة أن هناك بعضا من المسلمين يؤمنون، بقدرة أمريكا أكثر من قدرة الله والعياذ بالله من ذلك. لم نسمع يوماً بأن أحد الصحابة أغلق باب بيته وجلس مكتئباً وانعزل عن الناس لأن مصيبة أصابته لأنهم كانوا مؤمنين ولا تهمهم المصائب ولا الابتلاءات بل على العكس كانوا يفرحون بها لإيمانهم بأن لهم أجرا عظيما، عند الله من وراء هذه الابتلاءات. أما في أيامنا هذه فإني أعرف شخصاً أغلق الباب على نفسه سنتين، ولم يخاطب أحدا وسخط على ربه لأن ابنه توفي في حادث، هنا الفرق بين الشخص المؤمن والشخص غير المؤمن. هل تريد – يا صاحبي – السعادة في الدنيا؟ هل تريد أن تكون أغنى الأغنياء؟ هل تريد أن تملك كل الدنيا ولك ما بها من نعيم وخير؟ عليك بالإيمان، عليك بالإيمان وليس غير ذلك، المسلمون في السابق حكموا العالم وحصلوا على خيرات الدنيا، وحصلوا على المال والذهب والجاه والعز، وكل ذلك بالإيمان ولأنهم اشتروا الآخرة وباعوا الدنيا، فجاءتهم الدنيا تجر أذيالها، فالدنيا خسيسة تبيع من يشتريها وتشتري من يبيعها، والآخرة كريمة تشتري من يشتريها وتبيع من يبيعها. هذا وبالله التوفيق.

8219

| 09 يوليو 2012

أيها الشباب: "تحلّوا بالصدق لتستقيم حياتكم فتستقيم حياة الأمة"

إن الكذاب لن تكون أخوته صادقة، ولا معاملته صادقة، ومن ثم فلن يكون الكذاب زعيماً صادقاً، ولا حاكماً صادقاً، ولا عالماً صادقاً، ولا موظفاً صادقاً، ولا عاملاً صادقاً، ومن هنا لم يجمع علماء الأخلاق، وعلماء النفس على الإشادة بفضيلة كفضيلة الصدق، وخطر رذيلة الكذب على الأفراد والجماعات.. ولو استعرضنا مشاكل العالم كله، لوجدناها ترجع إلى شيء واحد هو الكذب: كذب السياسي على شعبه، وكذب الرئيس على أمته، وكذب الحزب على أعضائه، وكذب النائب على ناخبيه. ولو صدق هؤلاء جميعاً لاستفاضت الثقة واستقامت الحياة، واطمأن الناس بعضهم إلى بعض. عين أبوبكر في خلافته عمر للقضاء بين الناس، فمكث سنة لا يختصم إليه اثنان.. لماذا؟ لأن الصدق الذي يحجز كل واحد من المتنازعين عن أن يصور الخلاف لنفسه كما يشتهي، بل يصوره كما تصور في الواقع والحق، فإذا هو ينصف الحق من نفسه إذا كان ظالما، ويرد الحق إذا كان معتدياً، ويتنازل عن حقه إذا كان مجنيا عليه.. وبهذا لم يحتج الناس إلى عمر ليقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.. إن الصدق وإن كان أساس الفضائل النفسية، إلا أنه ضرورة من ضرورات الاجتماع. فالزعيم الصادق أنجح الزعماء مسعى وأكثرهم اتباعاً، والسياسي الصادق أكثر السياسيين تأييداً من الشعب.. لقد كانت أمتنا من أشهر الأمم بالصدق، حاكمها أصدق حكام الدنيا، وعالمها أصدق علماء الأرض، وقائدها أصدق قادة الجيوش، وبذلك كانت كلمة العهد والأمان تصدر من قائد من قوادنا أقوى من المعاهدات السياسية والعسكرية التي توقع في وقتنا الحاضر بين الدول، ثم لا يكون لها من القيمة أكثر من قيمة الورق الذي كتبت عليه. ومن هنا كانت الأزمة التي يعانيها العالم اليوم، أزمة الثقة بالوعود والأقوال.. إن هيئة الأمم تشهد كل يوم زعماء الدول الكبرى يتنافسون على الدعوة إلى الإسلام، والتشهير بالعدوان، ولو صدقوا جميعا في وعودهم وعهودهم، لما كان على وجه الأرض نزاع ولا شقاء ولا حروب.. ولكنهم جميعا لا يثق بعضهم ببعض، وبذلك أخفقت المفاوضات وفشلت المؤتمرات، بل فشلت هيئة الأمم نفسها في تنفيذ مبادئها.. لماذا؟ لأن أقوى الدول – أيها الشباب – في هذه الهيئة يكذب على أضعف الدول فيها بما تسرف من وعود، وبما تقول من أحاديث.. قل مثل ذلك في حياتنا السياسية.. فلو كان زعماؤنا ورجال أحزابنا يثق بعضهم بأقوال بعض، لما وصلنا إلى هذه الحالة المؤسفة من الفوضى وعدم الاستقرار. ونستطيع إذن أن نؤكد مرة أخرى أن مشكلة العالم كله اليوم تبدأ من فقدان الصدق، وانتشار الكذب.. الكذب في الأقوال، والكذب في الأعمال، والكذب في النيات، والكذب في المظاهر، فليس غريباً إذن أن تقف الشرائع كلها متشددة في خلق الصدق، منكرة رذيلة الكذب. فالإسلام يجعل الصدق قرين التقوى، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"، التوبة: 120. والكذاب لا ينجح في حياته، حيث يقول تعالى: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)، "المؤمن 28". أما بعد، فما أجدر الساسة والزعماء، ورجال الأحزاب بأن يتحلوا بالصدق لتستقيم حياتهم فتستقيم حياة الأمة، وما أجدر المربين أن يربوا أبناءنا وبناتنا على الصدق حتى ينشأوا كراما مطبوعين على الجرأة والعفة والأمانة.

1538

| 02 يوليو 2012

الموت والحياة بيد الله تعالى

قال صاحبي: إن الموت من القضاء أي المرء ليس له يد في تغيير ذلك والمرء مجبر عليه وتحضره الوفاة دون أن يعلم أو يتحكم في ذلك، إذن ما رأيكم في الانتحار وهل من القضاء والقدر، وإذا كان كذلك فلم يحاسب الله شخصاً انتحر وقد كتب الله له ذلك؟ ولماذا نعاقب القاتل حين يرتكب جريمة قتل وقد كتب الله لشخص أن يموت على يد شخص آخر؟ قلت: الموت والحياة بيد الله تعالى وكما أن الله خلقك فهو وحده الذي يميتك والحق تعالى كتب لكل شخص أجله كأن يموت شخص عن عمر يناهز السبعين، أو الستين ولكن ما يحدث في الانتحار أو القتل أن يكون هناك اعتداء صارخ وواضح على حق يملكه الله فقط وهو "الإحياء والإماتة" فالله الوحيد الذي يحيي ويميت وهناك اعتداء واضح على الروح التي هي ملك الحق وحده والله له الحق في إحيائها وإماتتها متى شاء سبحانه وقد كتب الله على هذه الروح في القضاء أن تموت في الساعة الفلانية من اليوم الفلاني عن عمر يناهز سنا معينة فلنقل سبعين سنة ولكن ما يحدث أن يقوم هذا الشخص بالاعتداء على هذا القضاء الذي كتبه الله له ويقوم بقتل نفسه عن عمر يناهز أربعين سنة، إذن فهذا الشخص حرم روحه من أن تعيش 30 سنة أخرى، وسخط على الله وكفر والعياذ بالله لأنه اعتدى على حق الله في الموت والحياة وجنى على روحه بأن حرمها من هبات قدرها الله لها واعتدى على قضاء كتبه الله له وتحول موته إلى قدر ليس قضاء، إذن فالانتحار والقتل هما من القدر وليس القضاء لأن المنتحر هو من قرر أن يقتل نفسه بنفسه فيعتبر (قدر) أي من الأشياء التي بيدنا أن نغيرها ونتحكم بها وليس من القضاء أي أن يموت غصباً عنه وكذلك القتل فهو ينطبق عليه نفس الشيء فمن قتل إنساناً متعمداً فقد اعتدى على حق الله في التحكم بالموت والحياة وحرم إنساناً وروحاً من أن يعيش حياة قررها الله له واعتدى على قضاء كتبه الله له ومثل ما حرم هذا الشخص القاتل إنساناً بريئاً من كل هذه الحقوق، فلذلك يستحق القتل عقاباً، فالعين بالعين والسن بالسن ولزيادة التوضيح، الله سبحانه يكتب لشخص في القضاء بأن يموت في سن السبعين ولكن لأن هذا الإنسان عانى من بعض المشاكل والمصائب فقد علم الله في قدره بأنه سيقتل نفسه يأساً في سن العشرين، إذن فموته من القدر وليس من القضاء أي أن هذا الإنسان قد قتل نفسه بنفسه وبإرادته وكان بالإمكان أن يغير رأيه ولا ينتحر وينتظر حتى يموت في السبعين ولهذا لا يحق لنا أن نقول لم يعذبه الله لأنه هو من جنى على نفسه ولا يلوم إلا نفسه. هذا وبالله التوفيق.

42691

| 25 يونيو 2012

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة

قال صاحبي: ليس منا من لا يخطئ ولا ينحرف عن جادة الصواب، بل إن فينا من الطباع والغرائز ما يميل بنا إلى الرشد والغي، والخير والشر، وليس كل إنسان يعرف خطأه أو يهتدي إليه وبذلك كان من حق الأخ على أخيه أن يبصره بعيبه وينصح له في أمره. قلت: نعم، وليس أدل على رقي الأمة واستقامة ضمائرها من تمسكها بحق التناصح فيما بينها، ينصح الأخ لأخيه، والجار لجاره، والأب لولده، والمعلم لتلميذه، والمسؤول لأمته.. فلا ترى حينئذ إلا حقا محترما، وفضيلة يعمل بها، وإذا خلا المجتمع من هذا الخلق، فقد انتهت الأمة. قال صاحبي: ماذا لو لم تجد النصيحة أو ينشأ عنها ما هو أكبر ضرراً؟ قلت: يتحتم عليك أن تدارس من تنصحه، حتى يستقيم حاله، وتواتى الظروف الصالحة لنصحه ووعظه، وهذا هو حد المداراة، أما أن تنقلب إلى مشجع للشر، فهذا هو التملق الذي يمقته الخلق الكريم. والنصيحة يا صاحبي، ويا معشر الشباب عموما، على مراتب.. أولاها ألا تبادر إلى تصديق ما يقال عن جارك أو صديقك، بل تتأكد من ذلك حتى تستيقنه، فإن الناس اعتادوا إشاعة السوء، فلا تصدق ما يقال ولو سمعته ممن شاهده حتى تتأكد من تثبته فيما يشاهد.. ولذلك نهانا الله عنه، واعتبره إثما: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم" الحجرات: 12. وثانية خطوات النصيحة.. أن تقدر طباع الناس وغرائزهم، وأنهم ليسوا ملائكة، فلا تطمع ألا تعثر على هفوة لأحد من اخوانك، ولكن احمل ذلك على الضعف الإنساني الذي يكاد يخلو منه أحد. بل ما أروع قوله تعالى في وصف النفس الإنسانية على حقيقتها حين يقول على لسان امرأة العزيز: "وما ابرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي" يوسف: 53. وثالثة خطوات النصيحة، يا معشر الشباب ألا تحكم عليه بالخطأ والانحراف، من وجهة نظرك وحسب، بل انظر إليه من وجهة نظر صاحبه أيضا، فقد يكون مجتهدا فيما اعتقد من رأى، متحريا الخير فيما سلك من سبيل، فلا تسارع إلى الإنكار عليه، ما دام من الممكن أن يكون له وجه من الحق. ورابعة خطوات النصيحة.. أنك إذا تأكد الخطأ والانحراف، تقدم بالنصيحة إلى من تنصحه، سراً بينك وبينه، فإن النفس الإنسانية لا تقبل أن يطلع أحد على عيبها. قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أمام جمهور من الناس يا أمير المؤمنين إنك أخطأت في كذا وكذا، وانصحك بكذا وكذا.. فقال له سيدنا علي: "إذا نصحتني فانصحني بيني وبينك، فإني لا آمن عليك ولا على نفسي، حين تنصحني علنا بين الناس". وهذا هو قول الشافعي رحمه الله: "من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه". نعم، إذا نصحت إنسانا مرة بعد مرة ولم ينتصح، وكان ممن يؤتم به، جاز لك أن تذكر الناس ما هو عليه التحذير من اتباعه، لا للتشهير به شخصيا، فإن التشهير في حالة ما لا يجوز، مهما كان الباعث عن ذلك. فإذا استوت لك هذه الخطوات، ورأيت النصيحة واجبة، كان عليك تأديتها برفق وحكمة يقول تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" النحل: 125. أما بعد، فهذا حديث النصيحة، يا شباب الربيع العربي، في وقت نحن أحوج ما يكون فيه إلى آدابها وشروطها، بعد أن كثرت الخصومات، وساءت التهم، وافرطت الأقلام والألسنة في النقد بحق وغير حق.

839

| 18 يونيو 2012

يا حكام المستقبل: كونوا حازمين.. وحذار أن تكونوا مستبدين

لا يصلح المجتمع من غير نظام يضبط أمره، ويحجز بين الناس بعضهم عن بعض، ومن طبيعة النظام أن يرعى مصلحة المجموع ولو كان فيه تفويت المصلحة على بعض الأفراد، فتحريم المخدرات مفيد للصحة العامة وإن كان مضرا بالذين يتاجرون بها، ومنع القمار مفيد والأخلاق العامة، وإن كان مضرا بالذين يربحون منه. ومن طبيعة النظام أن يحرص على التسوية بين المواطنين جميعا في الحقوق والواجبات، ولا يفرق بينهم بسبب غناهم وفقرهم، أو علمهم وجهلهم، ومن طبيعة النظام أن يشتد على مخالفيه، وأن يؤكد العقوبة من غير تردد، ذلك لأن القوانين إنما تشرع لمصالح الناس، فمن الرحمة بهم أن يضرب على كل يد تعبث بمصالحهم وتفوت عليهم حقوقهم تلك هي طبيعة النظام تسوية بين المواطنين وشدة على المخالفين. وكلما كانت اليد المشرفة على شؤون الجماعة حازمة في تطبيق القوانين كانت في نعمة شاملة، والحاكم الحازم قد يقسو ويشتد وهي قسوة مقيدة بالقانون، والنظام، وهي لمصلحة الشعب ولضمان حقه. في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سرقت عربية متاعاً، وجىء بها متلبسة بالجريمة، فكلمه بعض الصحابة في إسقاط العقوبة عنها فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد. أما والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها". رواه البخاري ومسلم، فهذا هو العدل الحزم. لو لم يحزم أبوبكر في قتال المرتدين لنشبت الفتنة أظفارها في الدولة الإسلامية الفتية فقضت عليها في مهدها، وحرمت الإنسانية من كل ما قدم الإسلام في عصوره الزاهرة من خير وبر وفضل. ولولا حزم صلاح الدين في مقاومة الصليبيين لظل وطننا في القيود بعد ذلك مئات السنين. ولولا استبداد الحجاج وزياد وأمثالهما من ولاة الأمويين، لما قامت تلك الثورات الداخلية التي قضت على ملك الأمويين في زمن قصير. ولولا استبداد حكامنا في العصور الماضية، لما هوت أمتنا في منحدر سحيق من الجهالة والفوضى والتأخر مئات السنوات حتى أفقنا على جيوش الاحتلال تشتت وحدتنا وتهدر كرامتنا. أما بعد، فعندما يسرف الشعب في طلب الحرية، فربما تصل الأمور إلى الفوضى، وإسراف الحكام السياسيين في مراضاة الشعب ربما يهدر كرامة الحكم، والخير وسط بين هذا كله.. يقول الحق تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، "النساء: 57". وهذا أساس الحكم الذي لا يظلم ولا يسرف، فلولا العدل لفاض الشقاء. وهنا أتذكر مناهج الزمن الجميل الهادفة، حيث كان منهج المحفوظات بناءً: اسمع لهذه الأبيات: إني أنا العدل ... لولا حكمي لفاض الشقاء وساد كل ظلوم ... وذلت الأبرياء الله قدس ركني ... وحاطه الأنبياء فالليث بين الضواري ... والظبي عندي سواء فهل نطمع يا شباب الربيع العربي، أن يقوم فينا حكم يعدل في الحق ولا يظلم، ويشتد في الحزم ولا يستبد؟ اللهم إنها أمنية تجول في خاطر كل فرد من أبناء أمتنا، فابعث فينا مثل هذا النموذج من الحكام حتى يعيد للأمة مجدها وكرامتها، وللحكم قوته واستقراره.

517

| 04 يونيو 2012

كونوا من الشاكرين

وعد المولى عز وجل عباده الشاكرين بالثواب، ومغفرة الذنوب، وزيادة النعم والبركة في الأبدان والأعمار قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). انظروا – معشر الشباب – إلى الشكر على أنه شيء تتقربون به إلى الله تعالى فالنطق بالشكر هو نعمة تستوجب شكراً آخر.. وانظروا إلى الشكر على أنه مصدر للسرور والرضا والطمأنينة، وهذا ما يمكن أن يشير إليه قوله تعالى (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) سورة النمل: 40. وكتاب الله العزيز يجمع بين التقوى والشكر، فيأمر بالتقوى حتى إذا اقتنع الإنسان بها وتحققت فيه دخل في عباد الله الشاكرين، قال تعالى (فاتقوا الله لعلكم تشكرون)، نعرف أن كثيراً من الناس لا يملون من الشكوى، ولا يملون من الكلام على الآخرين، وتشعر حين تجلس معهم، وكأنهم لم يشبعوا من أي شيء، كما تشعر بأنهم غير راضين عن أي شيء، وهذا يشكل مصدراً لآلام نفسية لا تنتهي. اتخذوا يا أبنائي من الحمد والشكر والثناء على الله تعالى مصدراً لحماية النفس من التآكل الداخلي ومناسبة لإظهار النبل والعرفان بالجميل لمن أحسن إليكم، إذا سئل الواحد منكم عن حاله وصحته، فليقل أنا في أفضل حال، ومن الشكر يا أبنائي شكر الناس على إحسانهم وأفضالهم علينا، وقد اعتبرته السنة من شكر الله لقوله: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله" والحقيقة أن الشكر فن من الفنون الجميلة ويحتاج تعلمه إلى درجة عالية من الشفافية، والإنسان الشاكر يعلم غيره كيف ينسب النعم إلى أصحابها، وبذلك يتجنب الجحود وهي صفة ذميمة في المجال التربوي. ومن آثار الشكر التربوية أنه يبعد الإنسان عن المعصية لأن المعصية هي اعتداء على أوامر الله، واستعمال النعم في غير مرضاة الله، فحين يكون العبد شاكرا فإنه مطيع ومنفذ لأوامر الله ورسوله بعيد عن الانحراف، والشكر يربي المرء على فضيلة التواضع والبذل والإنفاق، فالشاكر لا يتكبر على خلق الله لأنه يعلم أن قوته وماله، إنما هما فضل من الله، فالشكر يزيد المسلم طاعة لله وتواضعا وانكسارا واجتهادا لفعل الخير. والأمة الشاكرة، أمة قوية متحابة متماسكة ينتشر في أرجائها الود والإحسان إلى الناس والمسارعة إلى المعروف، ويلاحظ الباحث انه كلما ازداد الشكر زاد الخير، فمجتمعنا المسلم يدين بالشكر لكل هؤلاء: * الزوجة التي تقف إلى جوار زوجها وأولادها موقفا إيجابيا وبناء لبناء مجتمع أفضل. * المؤسسة التي تكتب لعملائها شكرا لزيارتكم لنا ونتمنى تكرار الزيارة. * الجار الذي يقوم بإصلاح أو تعديل في بيته عوضاعن كل السكان في صمت. * الإنسان الشجاع الذي يقف دائماً إلى جانب المظلوم لنصرته على ظالميه. * الرجل الذي وصل إلى قمة السلطة في بلده العربي في أيامنا هذه وترك الأضواء والمجد ليعمل في صمت كجندي من جنود الدعوة الإسلامية. إن هذا الشكر الذي يوجهه مجتمعنا المسلم لكل هؤلاء سوف يدفعهم – بلا ريب – إلى زيادة الخير، وبذلك نحقق مقصد الآية الكريمة التي تقول (لئن شكرتم لأزيدنكم). هذا وبالله التوفيق.

3382

| 28 مايو 2012

أيها الشباب: عليكم بالاعتدال فيما نحب ونكره

ما أعجب شأننا في هذه الحياة.. نعلم أن بقاءنا فيها محدود، وإقامتنا فيها منصرمة، ومع ذلك فإننا لنغرق في الأمل حتى لكأن الخلود من لوازم الحياة، ونسترسل في الطمع حتى لكأن الدنيا قد كتب لها البقاء.. ونحب الشيء فنفرط في الثناء عليه والتخلق به حتى لكأنه الحلو الذي لا مرارة فيه ونكره الشيء فنفرط في النفرة منه والتشهير به حتى لكأنه المر الذي لا حلاوة معه. فهذا مصلح يزعم المعجبون به أنه فوق الأهواء، والشهوات، ويراه المبغضون أنه أناني لا يعمل لغير نفسه، مادي لا مسعى إلا لأهوائه وشهواته، فإذا عمل فليس إلا للشهرة. وهذا حزب يزعم أنصاره أنه الطريق الوحيد لمجد الوطن وخلود الأمة، بينما يزعم خصومه أنه طريق الفوضى والشر لكل ما تملكه الأمة من قيم. وبينما تجعل بعض الصحف من فلان باني الأمة وحارس الاستقلال، إذا بصحف أخرى تجعله خائنا مأجورا مخربا، يستحق الموت.. ويستأهل اللعنة، ويحمل كل وزر وخزي وفساد في مجتمعنا الحديث.. وهكذا ضاعت مبادئ الإصلاح، وقيم العلماء وجهود المخلصين، في غمار هذه العداوات المشجرة التي جعل منها الإفراط في البعض أو الحب، مقابر للمروءات والكرامات، وأسلحة لهدم الوطن. إن الاعتدال في كل أمر هو ملاك الخير كله، ولذلك جاء الإسلام بالنهي عن المغالاة في كل شيء: نهانا عن أن نغالي في رسل الله حتى نزعم لهم صفات الألوهية: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، ونهانا عن الغلو في العبادة حتى ينقطع صاحبها عن الحياة ويرهق نفسه في السهر والعبادة، كما نهانا عن الإفراط في النفقة "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا" المائدة: 9. ونهانا عن الغلو في العصبية الخارجية عن قواعد العدالة "ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات: فأما المنجيات، العدل في الغضب والرضا، وخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، أما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه"، رواه الطبراني في الأوسط. هذه هي روح الشريعة: اعتدال في كل شيء، ووسط في كل أمر، وبذلك سماها الله تعالى أمة وسطا: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة: 124. الاعتدال فيما نحب ونكره، والتثبت مما نقبل ونرفض، والتأني فيما نصادق ونجافي.. هو سبيل الخلق الكريم وخطة العاقل الحكيم، وطريق الأمة الواعية التي تأخذ بقدر، وتعطي بقدر، وتؤيد بقدر، وتعارض بقدر. يا أبناء هذه الأمة، يا شباب الربيع العربي: إن حياتنا مليئة بالمتاعب والأخطار.. وان أعداءنا كثر مستيقظون.. وان امكاناتنا متوافرة مثمرة.. فلا تفرطوا في الموهوبين، ولا تشككوا في إخلاص العاملين، ولا تضيعوا أوقاتكم في الجدل حول المباني والأشخاص، جدل تنطمس فيه آثار الحق، كل موهبة من مواهب الأفراد هي ملك لكم جميعا، وكل عمل من أعمال الأشخاص هو ثروة لكم جميعا، وكل ساعة من عمر الواحد منا هي وقت من أوقات الأمة جميعا، فلنتجنب الغلو ولنعتصم بالاعتدال.. ولنثق بأن ملاك السعادة في حياتنا الاجتماعية، ومفتاح الاستقامة في أخلاقنا وعلاقاتنا وصداقتنا... هذا وبالله التوفيق.

542

| 20 مايو 2012

ادخر للمحن أعمالاً مميزة

يا معشر الشباب.. نحن العباد فقراء إلى الله تعالى مهما بلغنا من الثراء، وعلينا أن نتصرف دائماً في إطار هذه المفاهيم، وإني أحب أن أهمس في آذانكم بنصيحة غالية لا تقدر بثمن، وهي أن كلا منكم لابد أن يكون لديه عمل خيري مميز شخصي وخاص بينه وبين الله تعالى يرجو ثوابه، ويدخره لأوقات المحن والشدائد، فيسأل الله تعالى به. وإن حسن الظن به سبحانه يدفع في اتجاه الثقة بالإجابة. تعرفون خبر أولئك الثلاثة الذين أووا إلى غار، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت فم الغار، وقد أدركوا أن هذا الأمر من الله تعالى، وانهم لن يخرجوا إلا بمعونة الله، فأخذوا يسألون الله تعالى بأفضل أعمالهم، وكانت أعمالاً عظيمة ومميزة، وقد كانت النتيجة أن فرَّج الله عنهم، وخرجوا سالمين. وتعرفون يا أبنائي الشباب قصة ذلك الرجل الذي كان يعمل في التجارة، فإذا رأى معسرا عاجزا عن سداد ديونه له، قال لموظفيه: اتركوا ذلك الرجل ولا تطالبوه بشيء، لعل الله تعالى أن يتجاوز عني، فتجاوز الله عنه، وغفر له. إذن العمل المميز هو عبارة عن رصيد احتياطي نسحب منه عند الحاجة. وحري بكل واحد منا أن يحرص على ذلك كل الحرص. ونحن يا أعزائي الشباب على مستوى الأمة والمجتمع والوطن نريد أن نكون رواد إصلاح ودعاة خير، وأن نكون دائماً مصدراً للعطاء والتضحية، وأن خير ما يمكن أن تقدموه لأهلكم وبلادكم هو المبادرات العظيمة والنماذج السلوكية الرفيعة، فالأمم لا ترتقي عن طريق الأفكار المجردة، وإنما عن طريق الصور والنماذج والقدرات.. إن الذي يقدم نماذج رفيعة أكثر يكون حبه لوطنه أكبر؛ وإليكم بعض الأمثلة الشارحة لذلك: * هذه فتاة ترعى أرملة في حيَّها، فتخدمها وتساعدها، وتمنحها بعض المال عند الحاجة. * فتيان يستيقظون يومياً قبل الفجر بساعة ليستغفروا ويصلوا.. ويوقظوا أهلهم إلى صلاة الفجر. * هذه الفتاة أخذت على نفسها عهدا بقول الصدق والحق في كلامها مهما كانت الظروف. * وهذا شاب يتعلم منه كل زملائه كيف تكون الدقة في مراعاة العهود والمواثيق. * وهذا صديق يعلم ويرشد أبناء صديقه الذي يعمل خارج بلدته خمسة أيام في الأسبوع. قال صاحبي: ماذا يعني هذا بالنسبة لشبابنا؟ قلت: إنه يعني الآتي: أ – تمحوروا دائماً حول المبادئ التي تؤمنون بها، ولا تتمحوروا حول حسب أو نسب أو مال. ب – احرصوا على إخفاء حسناتكم كما تحرصون على إخفاء عيوبكم. ج – ابدعوا في البحث عن العمل المميز الذي يمكن أن تقوموا به، حتى يغتني المجتمع بألوان السمو الخلقي والسلوكي.

566

| 06 مايو 2012

ديننا.. وخُلق التضامن الاجتماعي

نحن كأفراد مدينون في حياتنا للجماعة التي تعيش بين أظهرنا، فلولا رعاية الأبوين للطفل الوليد، ولولا عناية المعلم بالتلميذ، ولولا وجود هذه المهن التي تقوم بكل ما يحتاج إليه الإنسان من شؤون معيشته، لولا هذا كله لما استطاع الإنسان أن يعيش آمنا على نفسه، والحضارة الخالدة هي التي تحمل أبناءها على الشعور بشعور الجماعة.. وليست الحضارة ولا المجتمعات إلا أثراً بارزاً من آثار الديانات في توجهها للأفراد والجماهير.. ومن الحق أن الإسلام يحتل مكان الصدارة بين الديانات التي تدعو إلى التعاون.. حيث تقوم عقيدة المسلم على أن الله واحد، وأن هذه العوالم كلها مخلوقة لإله واحد، وإن الإنسان مرتبط مع هذه العوالم برباط العبودية والحاجة إلى الله، وأن عالم الحيوان مثل عالم الإنسان، وأمم أمثالنا نحن أبناء الإنسان (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم)، "الأنعام: 28". ثم يقرر الإسلام صلة الإنسان بأخيه الإنسان صلة نفع وتعاون بصرف النظر عن دينه ولغته وجنسيته.. يقول تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، "الحجرات: 13"، وتقوم آداب الإسلام على اعتبار التعاون بين الناس أساسا لهذه الآداب، فروح الشريعة مكارم الأخلاق، وروح مكارم الأخلاق هو التعاون مع الناس على الخير، وإسداء النصح والمعروف لهم.. والقاعدة التي تبنى عليها الأخلاق في الإسلام هي قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، "المائدة: 3"، وإنه لجميل أن تعرف أن البر والتقوى إنما هما كل عمل فيه خير لنفسك وخير للناس، وارجع إلى الآية 177 من سورة البقرة وسترى تحديداً للبر والتقوى بأنهما الإيمان، والإنفاق على الطبقات العاجزة في المجتمع، والعبادة والزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الشدة.. وهذه حدود البر والتقوى التي أمرنا الله بالتعاون عليها. وتقوم العبادات في الإسلام على فكرة التعاون الاجتماعي بين المؤمن وبين الناس جميعاً.. فهذه الصلاة.. إنها عملية تطهير وإعداد.. تطهير الإنسان من كل آثار الانعزالية والقسوة والغفلة.. وإعداد له ليتحلى بكل خلق اجتماعي تعاوني فيه للناس جميعا فائدة ونفع.. يقول تعالى في فوائد الصلاة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، "العنكبوت" 45". فهذه الصلاة هي التطهير من كل خلق ذميم.. وهذا الصوم إنه عملية تطهير وإعداد أيضاً.. تطهير من القسوة والبخل واللغو والعبث والكذب.. وإعداد للصائم ليتحلى بكل ما يحببه إلى الناس من تعاون وبر ورحمة ووفاء وشعور بآلامهم في الحزن والشدة والرخاء.. وهذا الحج اجتماع وتعارف، ولقاء وتعاون.. إنه تطهير وإعداد أيضا.. تطهير للمسلم من كل آثار الأنانية والرخاوة والترف.. وإعداد له على روح التعاون والاجتهاد والتحمل لشدة العيش وشظف الحياة. وهذه الزكاة، هي معجزة الإسلام في تشريعه الاجتماعي العظيم.. وهي سر بقاء المجتمع الإسلامي مئات السنين متماسكا. كانت روح الفرد هي التي تسيطر على كيان الجماعة، واستمر الأمر هكذا في أكثر أنحاء العالم وخاصة في العالم الغربي حتى أواخر عصر النهضة.. وجدير بالملاحظة أن الغرب حتى القرن التاسع عشر لم يعرف فكرة التكافل الاجتماعي، فانظر ما أعجب شأن الإسلام الذي قرر مبادئ التكافل الاجتماعي منذ القرن السادس. لقد أعلن الإسلام أن الناس متكافلون في الحياة.. وأن على المجتمع حكومة وشعبا أن يرعى أبناءه العاجزين عن الكسب.. فلهؤلاء حق في أموال الدولة: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)، "المعارج: 24-25"، واليوم ونحن في أشد الشكوى من سوء أوضاعنا الاجتماعية، هل لنا أن نخاطب الشباب ليذكروا هذا الخُلق الذي وضع دينهم أساسه قبل أربعة عشر قرنا.. خُلق التضامن الاجتماعي والشعور بروح الجماعة.

1025

| 30 أبريل 2012

أيها الشباب.. تعالوا بنا نستعرض مبادئ الإيثار في عقائدنا

قال صاحبي وهو يحاورني: هل الإنسان أناني يحب نفسه ويؤثر مصلحته على مصلحة غيره؟ أم هو غيري يؤثر الناس على نفسه ويقدم مصلحتهم على مصلحته؟ قلت: هذا بحث يستغرق كثيراً من الوقت وكثيراً من صفحات علم الاجتماع والتربية وعلم النفس، ولكن يكاد يتفق أكثر العلماء على أن الإنسان في طبيعته الإثرة، وأنه ينظر إلى مصالح الناس من خلال مصلحة نفسه. إننا مدينون في الاستمتاع ونعمة الكهرباء والسيارة والطيارة والمذياع والتلفاز لأولئك العلماء الذين عكفوا السنوات الطوال مغمورين في معاملهم يواصلون جهد الليل بجهد النهار حتى أصبحوا يمنحون الإنسانية نتاج جهدهم وعنائهم راحة وثقافة وصحة ينعم بها آلاف الملايين من البشر. ونحن مدينون في لذة المعرفة والعلم إلى أولئك المؤلفين من الأدباء والعلماء والمفسرين والفلاسفة الذين عكفوا على أوراقهم يملؤونها علما وحكمة، بينما يغرق الناس في غفلتهم وشهواتهم. ونحن مدينون في الاستفادة من تربة الوطن وخيراته ومؤسساته لأولئك الأجداد والآباء الذين عمروه بجهودهم وميراثهم، وفدوه بدمائهم وأرواحهم حتى أوصلوه إلينا عزيزا كريما. ونحن مدينون في عقائدنا وأدياننا، التي نعتز بها ونتحدث بنعمة الله علينا في هدايتها وآدابها، لذلك السلف الصالح الذين تحملوا في بداية الدعوة أصنافا من الأذى والحرمان. والآن يا أبنائي الشباب، يا مناط الأمل، تعالوا بنا نستعرض مبادئ الإيثار في عقائدنا، لما هاجر رسولنا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، إذ جعل لكل أخ أنصاري أخا مهاجرا، فكان الأنصاري يأتي بأخيه المهاجر إلى بيته فيقسم كل ما فيه بينه وبين أخيه، يقول الله تعالى في وصف عباده الذين يعملون الخير لا رغبة في ثناء ولا طمعا في مكافأة: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، "الإنسان: 8-9". ولما أصاب الناس هول المجاعات في عهد عمر جاءته قافلة من مصر تحمل اللحم والسمن والطعام والكساء، وزعها عمر بنفسه على الناس، وأبى أن يأكل منها شيئا، بل كان طعامه وطعام ضيفه كسرات من الخبز الأسود مع صحن من الزيت. أرأيتم معشر الشباب أبلغ من هذا الإيثار؟ إن التاريخ ليحدثنا عما صنع النساء في عهد قطز أثناء هجوم المغول على مصر من ضروب البذل والفداء حتى قدمن حليهن ليساهمن في صد المغول وفي أثناء الثورة العرابية صنع نساء مصر من ضروب العطاء والفداء وقدمن كل ما لديهن من الحلى خاصة بعد مجيء الأسطول البريطاني مياه الاسكندرية وعدوانه على المدينة، وجدير بالذكر أن نساء العائلة الخديوية كن ضمن المتبرعات بالحلى لمساندة عرابي ضد الانجليز. وقل مثل هذا عما صنع نساء باريس في حرب السبعين من تضحيات وبذل الغالي والنفيس حتى قدمن حليهن إسهاما منهن في الغرامة التي فرضها الألمان على سكان باريس ثمنا لفك الحصار عنها. وكان موقف نساء باريس مثلا طيبا للفداء والإيثار.. فهل يبلغ هذا في روعته إيثار نساء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ وقف من يحثهن على البذل والصدقة، فلم تبق امرأة تتحلى بشيء من الحلى إلا رمته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفقه في وجوه الخير.. إن البذل في الحرب لدفع هجوم العدو أمر يستحق الثناء، ولكن البذل في أيام السلم رغبة في عمل الخير وثواب الله، يستحق أكثر من الثناء والإجلال. لا جرم أن النساء اللاتي جدن بحليهن في زمن السلم، أبقى وأخلد من النساء اللاتي جدن بحليهن في زمن الحرب. هذا وبالله التوفيق.

444

| 16 أبريل 2012

درب نفسك على عدم تصديق كل ما تسمع

عظمة المرء أيها الشباب من عظمة ما يؤمن به، وما يدافع عنه. وأن ديننا الحنيف يوجهنا إلى حب الحق واحترام الحقيقة، وأن الحق من أسماء الله تعالى، ونبينا صلى الله عليه وسلم جاء بالحق، وبالحق قامت السماوات والأرض، علينا موالاة الحق ونصرته عملا بقوله تعالى في سورة "العصر": (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). فالتواصي "بالصبر" في هذه الآية لإحقاق الحق ونصرته. أبنائي الشباب، تسمعون اليوم الكثير من الأخبار المتداولة، وتقرأون الكثير مما يكتب على الإنترنت وتلاحظون كثيراً منه مجهول المصدر عديم الأسانيد.. هذا كله يلزمنا ألا نسارع إلى تصديق ما نسمع ونقله ونشره حتى لا نكون شركاء في تعميم الأخبار المغرضة. وقد ذكر الحق سبحانه بهذا الصدد الآية التي تقول: (ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). الحجرات: 6. قال صاحبي: ما الذي تعنيه بهذا بالنسبة لشبابنا؟ قلت: أعني الآتي: أ – تدريب أنفسهم على عدم تصديق كل ما يسمعونه من خلال إثارة التساؤل حوله، وان يدربوا نفوسهم على الإقلال من روايته ونشره بين الناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم. ب – أن يبحثوا دائماً عن مصدر القول الذي يسمعونه. ويحاولوا معرفة ناقلي القول. هل هم ثقاة أم لا؟ ج – كلما كانت سلسلة الرواة والناقلين للخبر طويلة، كانت امكانية وقوع الخطأ أكبر؛ فإذا قلت: حدثنا فلان عن فلان عن فلان أن فلان الوزير في عهد الدولة الأموية في عهد الخليفة الأموي.. هذه السلسلة من الرواة توقع الشباب في الخطأ. د – إن النقل الشفوي يظل غير دقيق، والناس يزيدون في الأخبار الشفوية حسب فهمهم وأمزجتهم وأهوائهم، فلا تتعاملوا مع ما تسمعونه من روايات تعاملا حرفيا ولا تثقوا بكل مفرداته؛ فكتاب "إغاثة الأمة بكشف الغمة" يحكي الكثير عن المجاعة التي حدثت في مصر في عهد الخليفة المستنصر الفاطمي بشيء كبير من المبالغة مما يجعل شبابنا لا يثق بكل مفردات الكتاب. هـ - كلما احتوى الخبر على غرائب وأمور غير مألوفة وجب علينا أن نتوقف وندقق فيه أكثر؛ لأن كثيراً من ذلك يكون غير صحيح أو مبالغا فيه. و – إن المطلوب منكم أيها الشباب التريث في إصدار الأحكام إلى أن ينتهي المتحدث من كلامه، والكاتب من موضوعه والذي قد ينشره على حلقات عديدة؛ لأنكم لن تعرفوا مقداره، وخطأه وصوابه حتى ينتهي.

1655

| 09 أبريل 2012

إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وأن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا". أيها الشباب من المهم أن تدركوا أن الكذب فشى في الناس اليوم، وانه أصبح أحد أوبئة هذا العصر؛ وذلك بالأموال الهائلة التي تنفق على فن الدعاية والإعلان، وهو فن يعتمد تجاوز الحقيقة أساسا في إغراء الناس بالإنفاق والإسراف. الصدق أيها الشباب: يعني الاستقامة، ولطالما كان الصدق دافعاً إلى تجنب الأخطاء، وذلك لأن الصادق يعرف أن كثرة وقوعه في الأخطاء والأمور غير اللائقة ستضطره إلى الوقوع في الكذب، ولهذا فإنه يحاول أن يكون مستقيما. وأن الأمة في حاجة إلى الصدق، لأنه يشكل الأساس لشيوع الثقة، وأن الثقة معشر الشباب تشكل جزءا مهما من رأس مالنا الاجتماعي، ومن هنا فإن الكذاب يمارس عملية تخريب واسعة ويلحق الكثير من الضرر بنفسه وبمجتمعه، الصدق يجعلنا نشعر بالأمن والأمان والطمأنينة، وقد كان سلف هذه الأمة يهتمون باستقامة اللسان وصدق اللهجة اهتماماً عظيماً لما للكذب والفحش في القول وتضليل الناس من مخاطر جمة. قال صاحبي: ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلى شبابنا؟ قلت إنه يعني الآتي: 1- أقلوا من الكلام في غير خير، وتجنبوا الجدال والمراء والاستمرار في الجدال العقيم. 2- أعرضوا عن الكذابين، ولا تتجاوبوا معهم، وناصحوهم وقد قالت عائشة رضي الله عنها "ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله من الكذب، وقد كان الرجل يكذب الكذبة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يزال في نفسه عليه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة". 3- ليحاول كل منكم أن يجعل من الصدق لمسة شخصية يضيفها على كل جوانب حياته. 4- اجعلوا عقولكم تسبق ألسنتكم، واحسبوا حساب الكلمة قبل أن تنطقوا بها، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العبد ليتكلم الكلمة ما يتبين فيها، يذل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب". 5- دربوا الأجيال القادمة على الخطابة والشعر لتقويم ألسنتهم ويثقوا في أنفسهم في إبراز الصدق. 6- أدنى درجات الصدق أن يطابق كلام المرء معتقده وغالب ظنه.

55355

| 26 مارس 2012

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

6408

| 16 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1170

| 18 مارس 2026

alsharq
اقتصادات الظرف الراهن

نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...

1023

| 14 مارس 2026

alsharq
ليست هذه سوى بتلك!

ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...

855

| 17 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

846

| 14 مارس 2026

alsharq
رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...

828

| 16 مارس 2026

alsharq
حين تشتد الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل

التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...

825

| 15 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

810

| 12 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

777

| 15 مارس 2026

alsharq
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...

777

| 17 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

729

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

669

| 13 مارس 2026

أخبار محلية