رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الأسرة... الحصن الأول لمجتمعٍ معافى

في الخامس عشر من أبريل من كل عام، يقف العالم أمام مرآة الذات ليتأمل أهم لبنة في بنائه: الأسرة، ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي النواة التي تتشكل فيها القيم، وتُصاغ فيها الملامح الأولى لشخصية الإنسان. وإذا كانت المجتمعات تُقاس بقوة مؤسساتها، فإن قوتها الحقيقية تبدأ من داخل البيت، من تماسك الأسرة، واستقرارها، وقدرتها على غرس الأخلاق والهوية. الأسرة السليمة ليست فقط مصدر دفء عاطفي، بل هي خط الدفاع الأول ضد الانحرافات السلوكية والظواهر السالبة، في كنفها يتعلم الأبناء معنى الانتماء، ويكتسبون منظومة القيم التي تحميهم من الانزلاق نحو التطرف أو التفكك أو الاغتراب. مجتمعٌ يتمتع بصحة نفسية وأخلاقية عالية، هو في جوهره انعكاس لأسر واعية، متماسكة، تعرف دورها التربوي، وتوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالثوابت الدينية والعادات السمحة. فالأسرة هي المدرسة الأولى، وهي البيئة التي تُزرع فيها بذور الخير أو تُترك فيها فراغات قد تملؤها المؤثرات السلبية. ولا تُبنى القيم في المؤسسات بقدر ما تُبنى في البيوت. فالتدين المعتدل، والاحترام، والتكافل، والانضباط، كلها تبدأ من الأسرة. وحين تكون الأسرة متمسكة بتعاليم الدين الإسلامي، ومتشبعة بعاداتها الأصيلة، فإنها تخرج أفرادًا متوازنين، قادرين على الإسهام الإيجابي في المجتمع، وهنا تتجلى أهمية الدور التربوي للأسرة، ليس فقط في التوجيه، بل في القدوة، حيث يتحول السلوك اليومي للوالدين إلى مرآة يقتدي بها الأبناء. منذ عقود، أدركت دولة قطر أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن حماية الأسرة هي الطريق الأقصر لبناء مجتمع قوي ومتماسك. لذلك، أولت اهتمامًا بالغًا بكافة تفاصيل الحياة الأسرية، عبر سياسات ومؤسسات متخصصة، فكان تأسيس المجلس الأعلى للأسرة خطوة رائدة في تنظيم الجهود الرامية إلى دعم الأسرة، وتعزيز استقرارها، وتوفير بيئة كريمة لأفرادها. كما تجسد هذا الاهتمام في إنشاء مؤسسات تُعنى بالأم والطفل، إدراكًا بأنهما حجر الأساس في أي بناء اجتماعي سليم، في يومها العالمي… قطر تواصل ترسيخ نموذج إنساني متكامل لحماية الأسرة وبناء الإنسان. الاهتمام بالأم والطفل ليس جانبًا إنسانيًا فحسب، بل هو ركيزة استراتيجية لبناء مجتمع صحي. فالأم الواعية تُنشئ جيلًا واعيًا، والطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة ومستقرة يصبح عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، وقد ترجمت قطر هذا المفهوم إلى واقع ملموس من خلال مراكز متخصصة في رعاية الأمومة والطفولة، وتوفير خدمات صحية ونفسية واجتماعية متكاملة، تسهم في تعزيز جودة الحياة الأسرية. لم يقتصر الدعم على الجانب الصحي، بل امتد إلى الجوانب الاجتماعية والتنموية، من خلال مؤسسات مثل دور ومراكز التنمية الاجتماعية التي تعمل على تمكين الأسرة، ودعمها اقتصاديًا ونفسيًا، ومساعدتها على تجاوز التحديات،هذه المؤسسات تمثل شبكة أمان حقيقية، تضمن عدم ترك أي أسرة تواجه ظروفها وحدها، وتعزز من تماسك المجتمع ككل. ومن أبرز مظاهر العناية الدقيقة بالأسرة، إنشاء محكمة خاصة بشؤونها، تُعنى بحل النزاعات الأسرية وفق رؤية تحفظ الحقوق وتصون الكرامة، وتضع مصلحة الأسرة في مقدمة الأولويات، هذه الخطوة تعكس فهمًا عميقًا لحساسية القضايا الأسرية، وحرصًا على معالجتها بأساليب قانونية وإنسانية متوازنة، تسهم في تقليل آثار الخلافات وتحافظ على استقرار الكيان الأسري. في يوم الأسرة، لا يقتصر الاحتفاء على التذكير بأهميتها، بل يتجاوز ذلك إلى تجديد الالتزام بحمايتها ودعمها. فالمجتمع، بكل مؤسساته، شريك في هذه المسؤولية، كما أن كل فرد داخل الأسرة يحمل دورًا لا يقل أهمية، إن بناء مجتمع خالٍ من الظواهر السلبية، ومحصن بالقيم والأخلاق، يبدأ من قرار بسيط داخل كل بيت: أن تكون الأسرة أولوية. كسرة أخيرة حين تستقيم الأسرة… يستقيم المجتمع، يبقى الرهان الحقيقي لأي نهضة هو الإنسان، ولا إنسان بلا أسرة تحتضنه وتوجهه، وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة، تظل الأسرة الواعية هي الثابت الذي يحفظ التوازن، وفي هذا اليوم، تتجدد الدعوة لأن نحمي أسرنا، ونستثمر فيها، ونمنحها ما تستحق من رعاية، لأنها ببساطة… الوطن الأول، والحصن الأخير.

264

| 15 أبريل 2026

الشباب والإدمان.. معركة الوعي في زمن الانفتاح

لم يعد الإدمان مجرد صورة تقليدية ترتبط بالمخدرات فقط، بل أصبح ظاهرة متعددة الأوجه تتسلل بهدوء إلى حياة الشباب عبر منافذ مختلفة؛ من الشاشات الصغيرة، إلى فنجان القهوة، وصولًا إلى عوالم افتراضية تُغري وتستهلك الوقت والوعي معًا، وفي خضم هذا التحول، يبرز الشباب كأكثر الفئات عرضة لهذا الخطر، ليس لضعف فيهم، بل لأنهم يعيشون مرحلة عمرية دقيقة، تتقاطع فيها التغيرات النفسية والعقلية والاجتماعية، فتجعلهم أكثر قابلية للتأثر والتجربة. الشباب في مرحلة بناء، لا في مرحلة استقرار، الدماغ لا يزال في طور النمو، خاصة المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك، مما يجعل الاندفاع والتجربة سمة بارزة، يُضاف إلى ذلك فضول طبيعي، ورغبة في إثبات الذات، والبحث عن الانتماء. فإذا غاب التوجيه، أو ضعفت البيئة الحاضنة، قد يتحول هذا البحث إلى طرق مختصرة وخاطئة، يكون الإدمان أحد أبرزها، كما أن ضغط الأصدقاء، وسهولة الوصول إلى كل ما هو مغرٍ عبر الإنترنت، يعززان من احتمالية الانزلاق، خاصة في ظل ضعف الخبرة الحياتية لدى بعض الشباب. كثير من حالات الإدمان لا تبدأ بحثًا عن المتعة، بل هروبًا من ألم، قلق، اكتئاب، فراغ، أو حتى شعور بعدم التقدير، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحول الإدمان إلى «حل مؤقت» لمشكلة عميقة، لكنه في الحقيقة يفاقمها ويعقّدها، حتى يصبح الشاب أسير دائرة مغلقة يصعب الخروج منها. والحماية لا تكون بالمنع فقط، بل بالفهم والاحتواء، أولًا: بناء الوعي المبكر وذلك بتعليم الأبناء منذ الصغر معنى الإدمان، وأشكاله، وخطورته، بطريقة واقعية بعيدة عن التخويف المبالغ فيه، ثانيًا: ملء الفراغ بما ينفع، فالشباب طاقة، وإن لم تُستثمر في العلم، والرياضة، والعمل، والأنشطة المفيدة، تحولت إلى عبء عليه وعلى مجتمعه، ثالثًا: تعزيز الثقة والحوار مع الشاب الذي يجد من يسمعه ويفهمه، رابعًا: القدوة الصالحة، فإن سلوك الكبار ينعكس مباشرة على الأبناء؛ فلا يمكن محاربة الإدمان في بيئة تمارسه بشكل غير مباشر. والأسرة ليست مجرد مأوى، بل هي الحصن الحقيقي، المطلوب ليس الرقابة الصارمة فقط، بل المرافقة الواعية: متابعة دون تضييق، وتوجيه دون قسوة، واحتواء دون إهمال، على الأسرة أن تلاحظ التغيرات السلوكية، وأن تبادر بالحوار، وأن تزرع القيم الدينية والأخلاقية التي تعزز ضبط النفس وتحمل المسؤولية. الإدمان ليس مشكلة فرد، بل قضية مجتمع، المدرسة، المسجد، الإعلام، والأندية… جميعها أدوات تأثير يجب أن تتكامل لنشر الوعي، وخلق بيئة صحية جاذبة للشباب، كما أن توفير البدائل الآمنة — من أنشطة ثقافية ورياضية وتطوعية — يساهم بشكل كبير في تقليل فرص الانحراف. في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تمتلك المؤسسات دورًا محوريًا: المؤسسات التعليمية لديها دور في غرس القيم، وتقديم برامج توعوية واقعية، المؤسسات الصحية دورها في توفير دعم نفسي مبكر وسهل الوصول، الجهات التشريعية التي يتمثل دورها في ضبط الممارسات الضارة، والحد من انتشارها، الإعلام كذلك له دور كبير في توجيه الرسائل الإيجابية بدل الترويج غير المباشر للسلوكيات السلبية. ما يميز مجتمعاتنا ليس فقط الروابط الاجتماعية، بل العمق القيمي والديني، الإسلام لم يترك النفس دون توجيه، بل دعا إلى تهذيبها وضبطها، واستثمار الطاقات فيما ينفع، وهذا البعد الإيماني يشكل حاجزًا داخليًا قويًا، إذا أُحسن غرسه، فإنه يحمي الشباب حتى في غياب الرقابة. كسرة أخيرة حماية الشباب من الإدمان ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المجتمع، وتتكامل مع المؤسسات. وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي، هل نُعد أبناءنا لمواجهة الحياة… أم نتركهم يواجهونها وحدهم؟ اللهم احفظ شبابنا، واهدهم، واصرف عنهم كل سوء، واجعلهم قوةً لأوطانهم لا عبئًا عليها.

270

| 08 أبريل 2026

مكافحة الشائعات في زمن الحروب والتضليل الرقمي

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات والحروب، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل انتقلت إلى فضاءات رقمية مفتوحة، حيث تُشنّ حروب من نوعٍ آخر حروب الشائعات، والتضليل، وصناعة الخوف، وتشويه الوعي الجمعي. وفي خضم هذا الطوفان المعلوماتي، يصبح السؤال الأهم كيف نحمي وعينا الفردي والجماعي؟ وكيف نميّز الحقيقة وسط فيض الأخبار الزائفة والمحتوى المضلِّل؟ تُعدّ الشائعات أحد أخطر أدوات الصراع الحديثة، إذ تُستخدم لإرباك المجتمعات، وزعزعة الثقة، وبثّ الانقسام، وإضعاف الجبهة الداخلية، وفي ظل الحروب العسكرية أو الصراعات السياسية والطائفية، تتكاثر الأخبار غير الموثوقة، ويجري توظيف العاطفة الإنسانية – الخوف، الغضب، التعاطف – لترويج روايات جزئية أو زائفة تخدم أجنداتٍ معيّنة. وللمحتوى المزيف قدرة خطيرة على توجيه الرأي العام نحو مواقف مبنية على معلومات مغلوطة، إشاعة الخوف والهلع داخل المجتمعات، خصوصًا في أوقات الأزمات، إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية والإعلامية، وتعزيز الاستقطاب والانقسام بين الفئات والأحزاب والمجتمعات. ومع تكرار الرسائل المضللة، تتحوّل الأكذوبة – بفعل التكرار – إلى ما يشبه “الحقيقة المتداولة”، وهو ما يُعرف بتأثير “الواقع المُصنَّع”. وتلعب الأسرة دورًا محوريًا بوصفها الخلية الأولى لبناء الوعي، ويتجلّى دورها في تعزيز الحوار المفتوح بين أفرادها حول ما يُتداول من أخبار، وفي إمكان الأسرة زرع الثقة والطمأنينة بدل الخوف والهلع، خاصة لدى الأطفال والشباب، وتنمية التفكير النقدي لدى الأبناء، وتعليمهم عدم تصديق كل ما يُنشر، ونشر القدوة السلوكية حينما يلتزم الوالدان بالتثبّت وعدم نشر الشائعات. فالأسرة الواعية تشكّل خط الدفاع الأول ضد التلقي السلبي للمحتوى المضلّل. ويُعدّ الإعلام الوطني المسؤول حصن المجتمع في مواجهة الشائعات، ودوره يتمثل في الاستجابة السريعة وتقديم المعلومات الدقيقة في وقتها، الشفافية والمصداقية لبناء ثقة الجمهور، تفنيد الشائعات بدل تجاهلها، تقديم تغطيات تحليلية تشرح الخلفيات والسياقات، وأخيراً ترسيخ القيم الوطنية بعيدًا عن التهويل أو التحريض، وكلما كان الإعلام مهنيًا، ضعفت فرص الشائعة في الانتشار. وهنا يأتي دور الشراكات الاستراتيجية لنشر الوعي المجتمعي لمحاربة ظاهرة انتشارالشائعات ومكافحة التضليل الإعلامي وتبرز أهمية بناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات، وكذلك بين المؤسسات الإعلامية والمراكز البحثية والمجتمع المدني، وذلك يؤدي بالضرورة الى إدماج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية، وتدريب الطلاب على تحليل الرسائل الإعلامية وفهم أبعادها، وفي النهاية الحصيلة تكون إعداد جيل قادر على الاستهلاك الواعي للمعلومة لا التلقي السلبي، وتحويل الإعلام من أداة نقل إلى مساحة تفكير ونقاش مسؤول. كسرة أخيرة في زمن الحروب والتضليل، تصبح مكافحة الشائعات معركة وعي قبل أن تكون معركة تقنيات أو قوانين، إنها مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها أدوار الأسرة، والإعلام، والتعليم، والفرد، فكل مشاركة غير محسوبة هي رصاصة في جسد الحقيقة، وكل وعي يُبنى هو درع يحمي المجتمع من الانقسام والضياع، الرهان الحقيقي اليوم ليس على سرعة الخبر، بل على صدق المعلومة… ونضج المتلقّي.

942

| 01 أبريل 2026

قطر.. حماها رجال رووا ترابها بدمائهم

في صفحات المجد التي لا تُمحى، يخط أبناء قطر البواسل أروع صور الفداء والتضحية، وهم يقفون سدًا منيعًا في وجه كل تهديد يستهدف أمن الوطن واستقراره. لم تكن بطولاتهم وليدة اللحظة، بل هي امتداد لجذور راسخة من الولاء والانتماء، تربوا عليها جيلاً بعد جيل، فكانوا درع الوطن وسيفه، وحماته في أوقات الشدة، ورُسُل السلام في زمن الطمأنينة. خلال الأشهر الستة الماضية، قدم الوطن ثلة من خيرة أبنائه شهداء الواجب وفي سبيل الدفاع عن الوطن، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فارتقوا إلى ميادين الخلود، وتركوا أسماءهم محفورة في ذاكرة الوطن ووجدانه: • الشيخ سعود بن ثامر آل ثاني • عبدالله غانم الخيارين الهاجري • حسن جابر الجابر • بدر الدوسري • مبارك سالم المري • فهد هادي العلم الهاجري • سعيد ناصر صميخ المري • محمد ماهر محمد لقد كانت حادثة سقوط طائرة الهليكوبتر شاهدًا مؤلمًا، لكنها في الوقت ذاته تجسيد حي لمعنى التضحية التي يقدمها جنود الوطن في سبيل أداء واجبهم. لم تكن تلك اللحظة مجرد فاجعة، بل كانت عنوانًا لعظمة الإخلاص والتفاني الذي يسكن قلوب هؤلاء الأبطال. وإذا كانت البطولات تُصنع في ميادين المواجهة، فإن جذورها تنبت في ميادين التربية، فهؤلاء الرجال لم يأتِ بذلهم من فراغ، بل نشؤوا على قيم وطنية أصيلة، غرسها فيهم الآباء والأجداد، وعززتها قيادة حكيمة أولت الإنسان القطري جل اهتمامها، فصاغت منه نموذجًا في الوفاء والانتماء. لقد أقسموا أن تظل قطر حرة شامخة، فكانوا على العهد، وساروا على نهج الأولين، مستلهمين نور القيم والمبادئ التي جعلت من الوطن في قلوبهم قصة عز لا تنتهي. فكانوا رجالًا إذا نادى الوطن لبّوا، وإذا حل السلام كانوا حمائم طمأنينة، وإذا استدعى الفداء كانوا جوارح قوة لا تلين. إن الشهادة ليست نهاية، بل بداية لحياة أبدية في مقام عظيم، وعد الله بها الصادقين، وجعلها رفعة لهم وشرفًا لأهلهم. وفي هذا المقام، يطيب العزاء لأسر الشهداء، ويعظم الفخر بما قدمه أبناؤهم من تضحيات، وهم الذين نالوا منزلة رفيعة، وجعلهم الله شفعاء لأهلهم. ستبقى قطر، كما أرادها أبناؤها، وطنًا عزيزًا، تسمو بروح الأوفياء، ويظل ترابها شاهدًا على أن هناك رجالًا مهروا حبها بدمائهم، فاستحقوا الخلود في ذاكرتها، وكتبوا أسماءهم في سجل المجد بحروف من نور كسرة أخيرة شكلت مسيرة قطر الحديثة نموذجا مشرقا في العالم، إذ تمكنت من تحقيق نهضة شاملة في مختلف المجالات، رسخت مكانتها بين الأمم. ويتجسد الوطن دائما في صورة الأم التي لا تبخل على أبنائها بالعطاء، فيما يرد الأبناء الجميل بالوفاء والعمل والتضحية في سبيل رفعة وطنهم. وإن أبناء قطر اليوم، وهم متمسكون بقيمهم الوطنية ومعتزون بانتمائهم، يسيرون بثقة على طريق التقدم، مستلهمين من الماضي دروس القوة والعزيمة، وماضين بعزيمة صادقة نحو مستقبل يليق بهذه الأرض الطيبة.

561

| 25 مارس 2026

أعيادٌ مثقلة بذاكرة الأزمات

بأي حال عدت يا عيد.. مقولة قيلت في صدر قصيدة أنشدها الشاعر المتنبي وأكملها في الصدر الثاني؛ (بما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ)، ونحن نعيش في هذه الأيام العصيبة من حروب وكوارث وتوجسات وأمنيات بعد أن أكملنا صيام الشهر الكريم صوما وقياما وتهجدا ودعونا الله كثيرا في هذه الأيام المباركة بأن يرفع الله الغمة عن الأمة، وأن ينصر المسلمين أينما كانوا على عدوهم وأن يخمد الله الحروب في بلادنا الإسلامية والعربية ويلم شمل أهلنا في الشام والسودان ويعود الأمن والسلام إلى ربوع بلادنا الإسلامية، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الطاعات. يحلّ عيد الفطر هذا العام، فيما تعيش منطقتنا ظروفًا استثنائية تتداخل فيها الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية. وبينما يفترض أن تكون أيام العيد مساحة للفرح والسكينة، يجد كثير من الناس أنفسهم يستقبلونه بقلوبٍ مثقلة بالقلق على مستقبل المنطقة، وبأسئلةٍ مفتوحة حول مصير صراعاتٍ لا تبدو لها نهاية قريبة. فكلما طالت الحروب وتعقدت مساراتها، ازدادت انعكاساتها على حياة الشعوب، ليس فقط من حيث الأمن والاستقرار، بل كذلك على الاقتصاد والمعيشة، وعلى تماسك المجتمعات التي تدفع ثمن الصراعات الدائرة حولها. اللافت في تاريخ منطقتنا أن كثيرًا من الأزمات الكبرى التي مرت بها كانت تتزامن مع شهر رمضان المبارك، حتى أصبح الناس يؤرخون محطاتهم الصعبة بقولهم: حدثت الأزمة الفلانية في رمضان العام كذا، أو اندلعت الحرب الفلانية في الشهر الكريم. ولعل هذا التزامن جعل رمضان شاهدًا على لحظات مفصلية في حياة الأمة؛ لحظات امتزجت فيها مشاعر العبادة والروحانية مع القلق والترقب. وكأن الشهر الذي جعله الله موسمًا للسكينة والعبادة، كان أيضًا زمنًا للامتحان والصبر. غير أن التاريخ يخبرنا أن رمضان لم يكن فقط زمن الأزمات، بل كان أيضًا شهر التحولات والانتصارات. ففيه شهدت الأمة محطات مشرقة وفتوحات عظيمة، كما شهدت في المقابل محنًا وابتلاءات، وهذا المعنى يتجلى في الحديث القدسي الذي يقول فيه الله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به»، في إشارة إلى مكانة هذه العبادة العظيمة، وما تحمله من معانٍ للصبر والثبات أمام تقلبات الحياة. الأزمات لا تعطل الشعائر ورغم ما تمر به المنطقة من اضطرابات، فإن ديننا الحنيف يدعونا إلى تعظيم شعائر الله وعدم تعطيلها بسبب الأزمات، فالعيد شعيرة إسلامية عظيمة، تأتي بعد شهر كامل من الصيام والعبادة، ليكون يوم شكر وفرح بما وفق الله إليه عباده. فالفرح بالعيد لا يعني تجاهل معاناة الآخرين، بل يعكس إيمانًا بأن الحياة تستمر، وأن الأمل يبقى حاضرًا مهما اشتدت الظروف. يبقى العيد في النهاية رسالة أمل تتجدد كل عام، فالأزمات مهما طالت، ليست قدرًا دائمًا، والتاريخ يثبت أن الشعوب قادرة على تجاوز المحن مهما عظمت. ولهذا فإن استقبال العيد بروح الإيمان والتفاؤل هو في حد ذاته موقف إنساني وإيماني، يؤكد أن الإنسان قادر على التمسك بالقيم والفرح المشروع حتى في أصعب اللحظات. في خضم هذه الأحداث المتلاحقة، يدرك الإنسان حقيقة ثابتة طالما ذكرها القرآن الكريم، وهي أن الدنيا ليست دار قرار، بل دار اختبار وابتلاء، ويبقى قول الله تعالى حاضرًا في القلوب: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فبين أزماتٍ تتكرر وأعيادٍ تعود كل عام، تبقى الرسالة الأعمق أن الإيمان والصبر هما الزاد الحقيقي في مواجهة تقلبات الدنيا، وأن الفرج مهما تأخر لا بد أن يأتي. كسرة أخيرة أروع ما قاله نزار قباني عن العيد وكأنه يصف حالنا في هذا العيد: يا عيد عذراً فأهل الحيِّ قد راحوا واستوطن اﻷرض أغراب وأشباحُ الله أكبر تعلو كل مئذنة وغمرة الحبِّ للعينين تجتاحُ أين الذين تراب اﻷرض يعشقهم فحيثما حطَّت اﻷقدام أفراحُ تآمر الغرب واﻷعراب واجتمعوا فالكل في مركبي رأس وملَّاحُ يا عيد عذراً فلن نعطيك فرحتنا ما دام عمَّت الأحزان في ربوع الأوطان.

450

| 19 مارس 2026

رسالة طمأنينة في زمن القلق

في أوقات التوتر والأحداث الإقليمية، قد تتسلل مشاعر الخوف والقلق إلى نفوس الأطفال، خصوصًا عند سماع أصوات اعتراض الصواريخ أو متابعة الأخبار المتسارعة، فالطفل بطبيعته لا يملك القدرة الكاملة على تفسير ما يحدث حوله، وقد تتحول الأصوات أو المشاهد التي يراها إلى مصدر هلع أو قلق داخلي، فكيف نتعامل مع مخاوف اطفالنا وأصوات القلق. هنا يأتي الدور الأول للأسرة، فالبيت هو خط الدفاع النفسي الأول لحماية الطفل من القلق، ومن المهم أن يتعامل الوالدان مع هذه المخاوف بهدوء وثقة، وأن يشرحوا للأطفال ما يحدث بلغة بسيطة ومطمئنة، مع التأكيد لهم أن الدولة توفر الحماية والأمان للجميع. كما يُنصح بعدم ترك الأطفال يتابعون الأخبار أو المقاطع المتداولة دون توجيه، لأن كثيرًا من هذه المشاهد قد تضخم الخوف لديهم، والأفضل إشغالهم بأنشطة إيجابية داخل المنزل مثل القراءة أو الألعاب أو الحديث العائلي الهادئ الذي يعزز شعور الأمان. تولي دولة قطر اهتمامًا كبيرًا بالصحة النفسية للأطفال، حيث توفر المؤسسات الصحية خدمات متخصصة لدعم الأطفال الذين قد يتعرضون لحالات خوف أو قلق نتيجة الأحداث الطارئة. فالكوادر الطبية والنفسية المؤهلة موجودة لتقديم الاستشارات والعلاج النفسي عند الحاجة، إضافة إلى البرامج التوعوية التي تساعد الأسر على التعامل الصحيح مع الضغوط النفسية لدى أبنائهم. هذه الجهود تعكس رؤية الدولة في أن الصحة لا تقتصر على العلاج الجسدي فقط، بل تشمل أيضًا سلامة النفس واستقرارها، خصوصًا لدى الفئات الأكثر حساسية مثل الأطفال. في الجانب المعيشي، أكدت الجهات المعنية في الدولة أن دولة قطر تمتلك منظومة متقدمة للأمن الغذائي، مع مخزون استراتيجي من المواد الغذائية الأساسية يكفي لفترات طويلة. وقد طمأنت الجهات الرسمية المواطنين والمقيمين بأن توفر السلع والمواد الغذائية مستمر دون أي نقص، وأن الأسواق تعمل بشكل طبيعي ومنظم، بفضل الخطط الاستراتيجية التي وضعتها الدولة خلال السنوات الماضية لتعزيز الاكتفاء والاستقرار الغذائي. في هذا الإطار، دعت الجهات المختصة المواطنين والمقيمين إلى التحلي بالهدوء وعدم الاندفاع نحو شراء كميات كبيرة من المواد الغذائية أو مياه الشرب بدافع القلق. فمثل هذه التصرفات قد تسبب ضغطًا غير مبرر على الأسواق، في حين أن الواقع يؤكد أن المخزون الغذائي والمائي في الدولة متوفر بكميات كبيرة تكفي الجميع. الالتزام بالتعليمات الرسمية، واتباع الإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، هو الطريق الأمثل للحفاظ على الاستقرار المجتمعي وتجنب الشائعات أو التصرفات غير المدروسة. لقد أثبتت التجارب السابقة أن دولة قطر تمتلك القدرة والكفاءة في إدارة الأزمات وتوفير احتياجات المجتمع في مختلف الظروف. فالخطط الاستراتيجية والبنية التحتية القوية، إلى جانب الوعي المجتمعي، تشكل منظومة متكاملة تحافظ على الأمن والاستقرار. كسرة أخيرة إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على متابعة الأحداث، بل تمتد إلى تعزيز الطمأنينة داخل بيوتنا، خاصة في نفوس أطفالنا، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، والثقة في قدرة الدولة على حماية المجتمع وتأمين احتياجاته، فحين يجتمع وعي المجتمع مع جاهزية الدولة، تبقى الطمأنينة هي العنوان الأبرز للحياة في وطن آمن ومستقر اللهم اجعل بلدنا آمنا مطمئنا واحفظ ولاة أمرنا ووفقهم وسدد خطاهم وأزل عنا الغم والهم.

405

| 11 مارس 2026

أمن الخليج مسؤولية مشتركة

في عالم تتغير فيه التحالفات بين ليلة وضحاها، وتُشعل فيه الحروب لأسباب قد تبدو عابرة أو مفتعلة، لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى تكتل خليجي أقوى؟ بل: متى نحسم أمرنا وننتقل من التنسيق إلى الوحدة الاستراتيجية الشاملة؟ دول مجلس التعاون ليست كيانات متباعدة جغرافياً أو ثقافياً، بل نسيج واحد ممتد عبر التاريخ والدم والمصير. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحّة للارتقاء بهذا الترابط إلى منظومة دفاع وأمن مشترك متكاملة، تتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى رؤية دائمة تحفظ الاستقرار وتصون السيادة. المنطقة الخليجية تقع في قلب صراعات دولية وإقليمية متشابكة. من تهديدات أمن الملاحة إلى استهداف المنشآت الحيوية، مروراً بالتوترات المستمرة مع إيران، بات واضحاً أن المخاطر لا تفرّق بين عاصمة وأخرى. الاعتداء حين يقع، يمس الخليج كله، والرسالة حين تُوجّه، تكون للجميع. في ظل هذا الواقع، لا يكفي أن تمتلك كل دولة قدراتها الدفاعية المنفردة، مهما بلغت قوتها. الردع الحقيقي اليوم يقوم على التكتلات الكبرى، وعلى الرسائل الموحدة التي لا تحتمل التأويل. لقد تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية على قاعدة التنسيق والتكامل، وحقق إنجازات مهمة في مجالات الاقتصاد والتنمية، لكن المرحلة الراهنة تتطلب نقلة نوعية، عبر إنشاء قيادة عسكرية موحدة دائمة، توحيد أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، بناء شبكة استخبارات مشتركة متقدمة، توحيد العقيدة العسكرية والتدريب واعتماد مبدأ “الاعتداء على دولة هو اعتداء على الجميع” بصورة ملزمة وواضحة. التحالفات العالمية الكبرى أثبتت أن التكامل الدفاعي لا ينتقص من السيادة، بل يعززها ويحصّنها. دول الخليج تملك الإمكانات المالية، والبنية التحتية المتطورة، والكفاءات البشرية القادرة على بناء قاعدة صناعات عسكرية مشتركة، فإن التحول من مستورد للسلاح إلى شريك في تصنيعه يحقق عدة أهداف: تقليل الاعتماد الخارجي في أوقات الأزمات، خلق وظائف نوعية للشباب الخليجي، نقل التكنولوجيا وتعزيز البحث العلمي وبناء اقتصاد أمني مستدام. الصناعة العسكرية ليست دعوة للحرب، بل ضمانة للسلام، فالدولة القادرة على الدفاع عن نفسها تفرض احترامها وتمنع المغامرات ضدها. ما يربط دول الخليج ليس مجرد حدود سياسية، بل روابط عميقة منها وحدة الدين والهوية الثقافية، الروابط الأسرية الممتدة عبر الدول، البيئة الجغرافية المتشابهة، المصالح الاقتصادية المتقاطعة، وأفضل ميزة استراتيجية هي أمن الممرات البحرية المشتركة بالإضافة الى التحديات المناخية والمائية نفسها. هذه العوامل تجعل مشروع الوحدة الأمنية أمراً طبيعياً، لا طارئاً فالدم واحد، والمياه واحدة، والمصير واحد. حين تتحدث دولة منفردة، يُصغى إليها. لكن حين يتحدث الخليج بصوت واحد، يُعاد حساب الموازين. موقف سياسي موحد في القضايا الإقليمية والدولية يعزز القدرة التفاوضية، ويمنح ثقلاً استراتيجياً في ملفات الطاقة، والملاحة، والأمن الإقليمي. كما يقلل من فرص استغلال الانقسامات أو اللعب على التباينات، فالأمن ليس فقط حماية الحدود، بل حماية المجتمعات من الفوضى والاختراقات والحروب بالوكالة، منظومة دفاع مشترك تعني استقراراً اقتصادياً أكبر وثقة استثمارية أعلى وطمأنينة للمواطن والمقيم وقدرة أفضل على إدارة الأزمات. وما أحوج الخليج في هذه المرحلة إلى أن يكون على قلب رجل واحد، دفاعاً عن أمنه، وصوناً لاستقراره. *كسرة أخيرة التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتوحد في مواجهة التحديات تخرج أقوى، وأن الانقسام يفتح الأبواب أمام التدخلات، الخليج يمتلك كل المقومات ليكون قوة إقليمية موحدة تحمي مصالحها وتحفظ كرامتها وتدافع عن أمن شعوبها. المطلوب اليوم ليس شعارات عاطفية، بل إرادة سياسية واضحة، وخارطة طريق عملية، وجدول زمني للتكامل الدفاعي والصناعي. فكما قال الشاعر: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسّراً وإذا افترقن تكسّرت آحادا

324

| 04 مارس 2026

رمضان.. حين تتجدّد الحياة وتستيقظ القلوب

في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة المنورة، نزل النداء الذي غيّر مسار أمة كاملة، يوم قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. لم يكن تشريع الصيام حدثاً عابراً، بل كان بداية مدرسة إيمانية متجددة، تُربّي الإنسان من الداخل قبل أن تهذّب سلوكه في الخارج، استقبل الصحابة رضي الله عنهم أول رمضان بطاعة وتسليم، وصام رسول الله ﷺ تسعة رمضانات حتى لقي ربه، ومن يتأمل هديه في هذا الشهر يدرك أن الصيام لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان موسم قرب خاص بين العبد وربه، موسم مراجعة ومحاسبة وتجديد. رمضان في سيرة النبي ﷺ… عبادة وعطاء وتوازن كان جبريل عليه السلام يلقى النبي ﷺ في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، وكأن الشهر موعد سنوي لتجديد العهد مع كتاب الله. وكان ﷺ أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حتى وصفه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه «أجود بالخير من الريح المرسلة»، كما جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم. صيام بالنهار، وقيام بالليل، وصدقة متواصلة، وقلب معلق بالقرآن. هذا هو رمضان كما عاشه النبي ﷺ: توازن بين العبادة والعمل، بين الروح والحياة، بين السكينة والبذل. بل إن أول رمضان في الإسلام شهد حدثًا مفصليًا في التاريخ، حين وقعت غزوة بدر. خرج المسلمون وهم صائمون، قليل عددهم وضعيف عتادهم، لكن قلوبهم كانت عامرة باليقين، فجاء النصر ليؤكد أن رمضان ليس شهر ضعف أو خمول، بل شهر قوة داخلية، وانتصار على الخوف قبل العدو، وعلى الشهوة قبل المعركة. شهر الرحمة… ليس عادة سنوية بل محطة تغيير مع مرور الزمن، قد يتحول رمضان عند بعض الناس إلى نمط متكرر: موائد عامرة، سهر طويل، إرهاق في النهار، وسباق استهلاكي يطغى أحيانًا على روح الشهر. بينما الحقيقة أن رمضان لا يأتي ليختبر قدرتنا على الجوع، بل ليختبر قدرتنا على التغيير. هو شهر يعيد ترتيب الأولويات: يذكّرنا بأن الجسد ليس هو القائد، بل الروح، وأن العطاء لا ينقص المال، بل يزكيه، وأن القرآن ليس للبركة في البيوت فحسب، بل للهداية في القرارات والمواقف. رمضان فرصة سنوية لإعادة تشغيل القلب، ومراجعة المسار، وتصحيح الاتجاه. هو دورة تدريبية مكثفة في الانضباط: نمتنع عن الحلال طاعةً لله، فكيف لا نمتنع عن الحرام بعده؟ نضبط أوقاتنا للصلاة والإفطار والسحور، فكيف لا ننظم بقية عامنا على قيم واضحة وأهداف أسمى؟ من الصيام إلى التقوى… جوهر الرسالة غاية الصيام كما نصت الآية الكريمة هي «التقوى»، والتقوى ليست كلمة تقال، بل حالة وعي دائمة بأن الله مطّلع على السر قبل العلن، حين يصوم الإنسان في خلوته، ويترك ما يشتهي لأنه يعلم أن الله يراه، يتشكل في داخله ضمير حيّ، ورقيب لا يغيب، ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي: لسان أنقى من الغيبة واللغو، قلب ألين تجاه المحتاجين، يد أسرع إلى الصدقة، نية أصدق في العمل. إذا خرج رمضان وقد اقترب القلب من الله، وهدأت النفس، واستقام السلوك، فقد تحققت الثمرة، أما إن مرّ الشهر كما مرّ غيره دون أثر، فنحن من ضيّع الفرصة. رمضان… حياة تتجدد رمضان ليس ضيفاً عابراً، بل محطة سنوية لإحياء المعاني التي تبهت وسط صخب الحياة، هو شهر الرحمة الذي يذكرنا بأننا نستطيع أن نكون أفضل مما نحن عليه، وأن التغيير ممكن إذا صدقت النية. لا يأتي رمضان ليملأ موائدنا، بل ليطهّر قلوبنا. لا يأتي ليغيّر مواعيد نومنا فحسب، بل ليغيّر اتجاه حياتنا. ولا يتكرر كل عام إلا ليمنحنا فرصة جديدة لنبدأ من جديد. فليكن رمضان هذا العام بداية حقيقية: بداية صفحة أنقى، وعلاقة أعمق مع الله، ونمط حياة أقرب إلى القيم التي نؤمن بها، فالأيام تمضي سريعًا، لكن الأثر الذي يتركه رمضان في أرواحنا قد يبقى عمرًا. كسرة أخيرة رمضان محطة الوقود الوحيدة وأنت في صحراء العام وسيارتك تحتاج إلى تزويد بالوقود، وبقية العام طريق طويل يستنزف الإيمان ويضعف القلب ويستهلك الروح ورمضان يأتي ليملأ خزانك من جديد، فلماذا لا ننتظره بهذا الشغف بهذا القلق بهذا الترقب بهذا الإحساس أنه طوق النجاة في حياة كثير من الناس، قد يجوز رمضان هو الأخير، آخر فرصة، آخر محطة، آخر تعبئة قبل الوقوف بين يدي الله، كم من إنسان صام معنا العام الماضي، ولم يدرك هذا العام، أنت الآن على طريق طويل ولمبة قلبك تضيء ورمضان أمامك محطة النجاة فإما أن تتزود حتى آخر قطرة وإما أن تكمل الطريق بخزان فارغ.

354

| 25 فبراير 2026

رمضان.. فرصة عبادة لا موسم موائد

مع إطلالة شهر رمضان المبارك، نستشعر نفحات إيمانية خاصة، وندرك أننا أمام موسم استثنائي تتجدد فيه الروح قبل أن تتغير فيه المواعيد والعادات، رمضان ليس شهر أطباق متنوعة وصور تُنشر على عجل، بل شهر عبادة وتزكية، شهر يُعيد ترتيب أولوياتنا ويذكرنا بأن الغاية أسمى من المظاهر. الصيام مدرسة أخلاقية قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام والشراب، هو تدريب يومي على الصبر، وضبط النفس، والشعور بالآخرين، لذلك من المؤسف أن يتحول عند البعض إلى سباق في إعداد الموائد، وكأن قيمة الشهر تُقاس بعدد الأصناف لا بعمق الخشوع. الرسالة التربوية الأولى في رمضان هي أن نُحسن استثمار الوقت في الصلاة وقراءة القرآن وصلة الرحم، وألا نستهلك ساعاتنا في المطبخ بما يفوق الحاجة، فنفقد لذة التفرغ للعبادة. والإسراف لا ينسجم مع روح الشهر، موائد عامرة تُرمى بقاياها في القمامة مشهد يتكرر كل عام، بينما هناك أسر لا تجد ما يسد رمقها، في ظل ما يشهده العالم من أزمات إنسانية في أماكن مثل غزة والسودان وغيرها، يصبح استحضار معاناة المحتاجين مسؤولية أخلاقية. رمضان فرصة حقيقية لإحياء قيمة التكافل: أن نقلل من الكماليات، ونوجه الفائض للإنفاق والصدقات، ونحرص على تفقد الأسر المتعففة في محيطنا. فالإنفاق في هذا الشهر ليس عملًا ثانويًا، بل جوهر من جوهر رسالته. بعد صيام يوم كامل، يحتاج الجسم إلى تعويض متدرج ومتوازن، لا إلى صدمة مفاجئة بأطعمة دهنية ومقلية بكثرة أو مشروبات مليئة بالسكر، من الحكمة أن نبدأ الإفطار بخيارات خفيفة ومغذية، وأن نحرص على وجود البروتينات والخضراوات والحبوب الكاملة، مع تقليل الحلويات الثقيلة التي ترهق المعدة وتؤثر في النشاط خلال صلاة التراويح. كما يجدر بنا متابعة الإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات الطبية الموثوقة، والاطلاع على النشرات التوعوية التي تركز على أساليب التغذية السليمة في رمضان، حتى نجمع بين الأجر والصحة. رمضان لا يدعونا إلى الحرمان ولا إلى المبالغة، بل إلى الاعتدال، أن نأكل لنقوى على الطاعة، لا أن ننشغل بالطعام عن الطاعة. أن نُقدّر النعمة، لا أن نُفرط فيها. وأن نتذكر دائمًا أن خلف كل وجبة بين أيدينا دعاء محتاج ينتظر من يستجيب له. ولنحرص أن نبدأ إفطارنا بتمرة وكوب من أي نوع من الألبان أو أكلة خفيفة كما جاء في السنة النبوية، وبعد تناول ثلاث حبات من التمر نؤدي صلاة المغرب، وبعدها نبدأ في تناول الوجبة الرئيسية الغذائية التي يحتاجها الجسم لأن الفترة ما بين تناول التمرات وقليل من البقوليات مثل (اللوبيا أو حبات الحمص المسلوكة) وتناول الوجبة الرئيسية يحتاج جسم الإنسان ليستوعب الوضع الجديد بعد صيام أكثر من 15 ساعة متواصلة خاصة أن المعدة كانت فارغة وبالتالي تنكمش عضلات المعدة وهذه السعرات الحرارية تعطي الفرصة لتمدد عضلات المعدة وتجويفها الداخلي وتهيئتها لاستقبال الأطعمة واستعدادها لبدء عملية الهضم، لذلك نشعر عند مفاجأتنا للمعدة بالأكل مباشرة تصيبنا بعض التقلصات وتعثر في عملية الهضم وأحياناً التقيؤ لعدم تهيئتنا لمعدتنا بالصورة الصحيحة والسليمة، تعودوا وعودوا أبناءكم على هذه الطريقة التي تعتبر هي المثالية للاستفادة من صيامنا. كسرة أخيرة بهذا الفهم، يتحول رمضان إلى محطة إصلاح حقيقية: نُهذّب فيها عاداتنا، ونُعيد فيها ترتيب علاقتنا بالطعام، وبالناس، وبالله. رمضان عبادة… فلنجعله كذلك.

450

| 18 فبراير 2026

احتفالية وطنية تُجسّد ريادة قطر الرياضية

في مشهد وطني متجدّد، واصلت دولة قطر للعام الثالث عشر على التوالي احتفالاتها بـ اليوم الرياضي للدولة، الحدث الذي لم يعد مجرد مناسبة سنوية لممارسة الرياضة، بل تحوّل إلى منصة مجتمعية شاملة تعكس رؤية الدولة في بناء إنسانٍ صحي، وبيئةٍ نشطة، ومجتمعٍ يؤمن بأن الرياضة أسلوب حياة لا ترفًا عابرًا. ما يلفت الانتباه في النسخ الأخيرة من اليوم الرياضي هو هذا التطور الواضح في آلية التنظيم واتساع دائرة المشاركة، حيث انتقلت الفعاليات من مبادرات فردية لكل جهة على حدة إلى تجمعات رياضية كبرى ضمّت عدة جهات حكومية في مواقع موحّدة، ما أضفى على الاحتفال طابعًا احترافيًا ومنظمًا، وعكس روح العمل الجماعي والتكامل المؤسسي. هذا التطور لم يكن شكليًا فحسب، بل شمل مضمون الفعاليات نفسها، من حيث تنوع البرامج، وجودة التنظيم، وملاءمتها لمختلف الفئات العمرية والوظيفية، الأمر الذي عزز الإقبال والمشاركة الفاعلة. كان للحضور اللافت للمؤسسات الرياضية المتخصصة أثر بالغ في إنجاح الاحتفالات وإبرازها بصورة مشرّفة، فقد قدّمت كل من أكاديمية أسباير الرياضية، واتحاد الرياضة للجميع، واللجنة الأولمبية القطرية، والاتحاد القطري لكرة القدم، ومؤسسة أسباير زون، والحي الثقافي كتارا، واتحاد رياضة المرأة برامج رياضية نوعية، صُممت بعناية لتناسب أفراد الأجهزة الحكومية والمجتمع على حد سواء. تنوعت هذه البرامج بين أنشطة بدنية، وألعاب جماعية، ومسابقات تفاعلية، وفقرات توعوية، لتجمع بين المتعة والفائدة، وتؤكد أن الرياضة قادرة على أن تكون رسالة صحية وتربوية في آن واحد. لم تكن الفعاليات مجرد ممارسة عابرة، بل حملت في طياتها رسائل سامية تعزز مفهوم الوقاية الصحية، وتشجع على تبني أنماط حياة نشطة، وتسهم في رفع الوعي بأهمية الرياضة في تحسين جودة الحياة، والحد من الأمراض المرتبطة بقلة الحركة. وقد أسهم هذا الزخم الرياضي في خلق أجواء إيجابية، تفاعلت فيها القيادات والموظفون والأسر، في صورة تعكس عمق الوعي المجتمعي بأهمية الصحة البدنية والنفسية. أصبح اليوم الرياضي للدولة مناسبة وطنية يعتز بها الشعب القطري أمام العالم، ليس فقط لكون قطر أول دولة تخصص يومًا وطنيًا للرياضة، بل لما يمثله هذا الحدث من نموذج متقدم في توظيف الرياضة كأداة للتنمية البشرية والاجتماعية. ولا غرابة في ذلك، فالدوحة اليوم تحتل مكانة رياضية عالمية مرموقة، يصعب على مدن عريقة أخرى مجاراتها، بفضل ما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة، واستضافات عالمية، ورؤية استراتيجية واضحة جعلت من الرياضة ركيزة أساسية في مشروعها الوطني. القيادة تشارك الشعب… صورة ملهمة وتوّجت احتفالات اليوم الرياضي بمشاركة القيادة الرشيدة وأصحاب السعادة الوزراء وكبار المسؤولين، في مشهد وطني بالغ الدلالة، يجسّد القرب من المجتمع، ويؤكد أن الرياضة قيمة مشتركة تبدأ من القمة وتصل إلى كل فرد. هذه المشاركة لم تكن رمزية، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الدولة، بقيادتها ومؤسساتها، تقف صفًا واحدًا في دعم نمط الحياة الصحي، وترسيخ ثقافة الرياضة كأساس لبناء الإنسان. هكذا، يواصل اليوم الرياضي للدولة ترسيخ مكانته كحدث وطني متكامل، يتجاوز حدود الاحتفال إلى مشروع مجتمعي مستدام، يعكس رؤية قطر الطموحة، ويؤكد أن الاستثمار في صحة الإنسان هو الاستثمار الأجدى لمستقبل الوطن، ويعكس شعار 2026 (اخترتُ الرياضة) رسالة مفادها أن الرياضة قرار واعٍ ومسؤول يعكس نضج المجتمع ووعيه بقيمة النشاط البدني، وتشير الدولة عبر هذا الشعار إلى أن ممارسات اللياقة يجب أن تكون عادة يومية وليست موسمية. كسرة أخيرة من خلال تخصيص يوم عطلة رسمية للرياضة، توجه قطر للعالم رسالة بأن الحكومات قادرة على تغيير سلوك مجتمعاتها إذا أولت الأولوية للصحة والنشاط البدني، وتُعد التجربة القطرية نموذجًا يمكن للدول الأخرى استلهامه وتطبيقه.

357

| 11 فبراير 2026

رمضان بين التهيئة الروحية والترشيد

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة والرحمة، تتجه أنظار المسلمين حول العالم إلى هذه المناسبة العظيمة التي تحمل في طياتها محطات إيمانية وروحانية تُعيد للنفس صفاءها وللقلوب سكينتها، وفي خضم التحضير لاستقبال الشهر الكريم، تقع كثير من الأسر في فخ الإسراف والمبالغة في الاستعدادات المادية، متغافلةً عن جوهر رمضان وغاياته السامية. إن قيمة هذا الشهر لا تكمن في كثرة الأطباق ولا في امتلاء الأسواق، بل في عمق التجدد الروحي والتقوي بالإيمان، وتأسّي الأسرة بأخلاق النبي ﷺ والصحابة الكرام في استقبال هذه الأيام المباركة. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183 فغاية الصيام هي التقوى، وتهذيب السلوك، وتربية النفس على الطاعات والصبر، لا غير ذلك من مظاهر الاستهلاك التي باتت تطغى في بعض المجتمعات، وقد قال رسول الله ﷺ: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ”متفق عليه كان السلف الصالح يتهيؤون للشهر الكريم بالدعاء والعمل، لا بالتسوق المفرط، كانوا يقولون سلفاً: «اللهم سلّمنا لرمضان، وسلّم رمضان لنا، وتسلّمه منا متقبلاً»وكانوا يبدأون من شعبان بإصلاح النفس، وصقل الروح، وكثرة الذكر والاستغفار. قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان.»،رواه البخاري وأنصح الأسر الكريمة بتجنّب الإسراف في شراء الأطعمة لأنه منهيا عنه شرعاً لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الأعراف: 31، ومن الحكمة أن تُعد الأسرة ما تحتاج إليه فقط، وأن تخصّص ميزانية معتدلة للشهر، فالبركة ليست في كثرة الأكل، بل في القناعة والشكر. وعلى الأسر الحرص عند قرب الشهر الفضيل بوضع برنامج ديني وخطط مقترحة بإحياء المجالس القرآنية اليومية، وتعليم الأبناء آداب الصيام والقيام وتدريبهم على الدعاء وذكر الله، والحديث عن قصص الصحابة في رمضان لتعزيز القدوة، ووضع الخطط اليومية طوال الشهر الكريم (30) يوما لختم القرآن مرة او اكثر حسب القدرة، وحفظ 10 أحاديث نبوية، والحرص على أداء صلوات التراويح في المسجد لتعزيز الروابط الروحية وتخصيص وقت للأسرة بعد الإفطار لحديث ايماني او جلسة ذكر. رمضان شهر العطاء، وقد قال النبي ﷺ:“أفضلُ الصدقةِ صدقةٌ في رمضان ”رواه الترمذي، ومن الجميل تعويد الأبناء على المساهمة في إعداد سلال رمضانية أو مساعدات للمحتاجين، وأن شهر رمضان فرصة لتجديد العلاقة مع الله، ولابد ان يعلموا الأبناء بأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام بل عن الغيبة والغضب وإيذاء الآخرين، والتعوّد على تنظيم الوقت والنوم المبكر، والتدرّب على الصوم التدريجي للصغار مع تشجيعهم بلطف. كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان يكون في رمضان أجود من الريح المرسلة، وكان ﷺ يكثر من تلاوة القرآن مع جبريل عليه السلام، وكان الصحابة يتسابقون لخدمة الفقراء والقيام بالليل، هذه القدوة ينبغي أن نحملها لأبنائنا، ليعلموا أن رمضان ليس موسماً للطعام، بل مدرسة تربوية متكاملة. *كسرة أخيرة* إن الاستعداد الحقيقي لرمضان يبدأ من تهذيب القلب وتنقية السريرة، لا من ازدحام المتاجر ولا من تكديس الأطعمة. فلنستقبل الشهر الفضيل بشكر وخشوع وتفكّر، ولنغرس في أبنائنا أن رمضان هدية من الله، ومحطة سنوية تتجدد فيها معاني الإيمان والرحمة والعطاء، نسأل الله أن يبلّغنا رمضان، ويعيننا على صيامه وقيامه، وأن يجعلنا من المقبولين فيه. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.

510

| 04 فبراير 2026

أقلام على مقعد.. ودرس لا يُنسى

في قاعات الاختبار، ينشغل الجميع بالأسئلة والأجوبة والدرجات، بينما تمر بعض المواقف الصغيرة مرور الكرام، رغم أنها تحمل من الدروس ما لا تحمله المناهج، يحكي أحد المعلمين الموجهين أنه لاحظ تحت مقعد أحد الطلاب أثناء تأدية أحد الامتحانات كمية من الأقلام في كيس فسأله المعلم ألا يكفيك قلم واحد؟، فرد الطالب بأنه أتى بهذه الأقلام ليساعد بها زملاءه قد ينسى أحدهم قلمه أو ينكسر منه فأكون سبباً في مساعدته ليؤدي الامتحان، مشهد بسيط تحت مقعد طالب كشف حقيقة تربوية كبيرة، الخير لا يحتاج إلى إمكانات، بل إلى نية صادقة وقلب واعٍ، فالطالب لم يحمل أقلاماً كثيرة ليشعر بالأمان، بل ليكون مصدر أمان لغيره، لم ينتظر طلبًا، ولم يبحث عن شكر، بل تصرّف بعفوية من تربّى على أن العطاء جزء من الحياة، وأن مساعدة الآخرين عبادة قبل أن تكون سلوكًا اجتماعيًا. التربية التي لا تُكتب في الدفاتر هذا الموقف لم يكن نتاج درس مدرسي، ولا نتيجة توجيه مباشر، بل ثمرة تربية بدأت في البيت، حيث تُغرس القيم قبل الكلمات، ويُمارَس الخير قبل أن يُطلب، هناك مدارس لا تُعلّق لوحات شرف، لكنها تصنع شرفًا حقيقيًا في النفوس، مدرسة البيت، حين تنجح، تُخرِج أبناءً يسبقون معلميهم إلى المعنى، ويعلّمون الكبار دون خطاب أو موعظة، فقط بسلوك صادق. حين يصبح الطالب معلمًا أقسى ما في القصة – وأجمل ما فيها – أن المربي اكتشف أن هذا الخير البسيط غاب عن باله وبال مؤسسته التعليمية، بينما حضر بقوة في وعي طفل، هنا يتحول الميزان، ويصبح الطالب معلّمًا، لا بالكلام، بل بالفعل، إنها لحظة مراجعة صامتة لكل من يظن أن التربية تُقاس بالتحصيل فقط، أو أن النجاح يُختصر في الشهادات. الخير الصغير… أثره كبير قلم زائد قد يبدو تفصيلاً تافها، لكنه في ميزان القيم فعل عظيم، هو جبر خاطر، ورفع حرج، ومشاركة في لحظة توتر، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع إنسانًا متوازنًا، يشعر بالآخرين، ويتحرك بدافع داخلي لا خوفًا ولا مجاملة. رسالة إلى الآباء والمربين لسنا بحاجة إلى تربية أبنائنا على التفوق فقط، بل على الرحمة، والكرم، وملاحظة احتياجات الآخرين، نحتاج أن نعلّمهم أن الحق لا يُطلب دائمًا قبل الواجب، وأن الأخلاق لا تقل أهمية عن الذكاء، فصلاح الأبناء لا يأتي مصادفة، بل هو حصاد يومي لتربية واعية، وصبر طويل، وقدوة صادقة، ربوا أبناءكم على تحمُّل المسؤولية منذ الصغر واستشيروهم في الأمور الحياتية للأسرة وأخذ آرائهم وهذا يُنمي فيهم قوة الشخصية والقدرة على تحمُّل المسؤولية، وتعويدهم على ذلك. أما احتقار الأبناء وعدم نصحهم يجعلهم يشعرون بعقدة النقص، فيبحثون عمَّا يثبتون به ذواتهم من أمور منحرفة وأصدقاء ضالين، وتصرفاتهم جوفاء ليس من ورائها شيء سوى محاولة لفت الأنظار إليهم. كسرة أخيرة التربية الصالحة لا تُقاس بما يحمله الابن من شهادات، بل بما يحمله من قيم. والخير لا يحتاج إلى موارد كبيرة، بل إلى قلب حي. وخير ما يتركه الآباء لأبنائهم تربية تقودهم إلى الإنسانية أولًا، وإلى الله قبل كل شيء.

387

| 28 يناير 2026

alsharq
من المسؤول؟ (2)

حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية،...

3852

| 29 أبريل 2026

alsharq
قمة الخليج من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن الإقليمي والدولي

في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...

1476

| 30 أبريل 2026

alsharq
بين الضحكة والسكوت

في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات...

1029

| 29 أبريل 2026

alsharq
حين ينكسر الزجاج.. من علمنا أن القرب يعني الأمان؟

ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...

783

| 03 مايو 2026

alsharq
هندسة العدالة الرقمية

على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...

681

| 30 أبريل 2026

alsharq
السوربون تنسحب من التصنيفات.. بداية ثورة أكاديمية

في خطوة غير مسبوقة في عالم التعليم العالي،...

642

| 30 أبريل 2026

alsharq
سياسة قطرية دفاعية لحماية الشعب وتحقيق السلام

جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...

624

| 30 أبريل 2026

alsharq
الطاسة ضايعة

لكل منظومة هيكل تنظيمي يحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات...

528

| 29 أبريل 2026

alsharq
مَنْ يسقط حقّ الجار كيف يعيش في سلام؟!

حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...

438

| 01 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الباكستانية في وقت التحولات

تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...

420

| 03 مايو 2026

alsharq
لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟

تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم...

414

| 30 أبريل 2026

alsharq
الهلال الأحمر القطري.. تاريخ مشرف وعطاء مستمر

منذ أن تأسست جمعية الهلال الأحمر القطري في...

405

| 30 أبريل 2026

أخبار محلية