رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن العلم والبحث العلمي ليس تشبه بالشرق أو الغرب، نريد فقط أن نتشبه بالبني آدميين!!"، "التعليم والبحث العلمي في مصر هو المشروع القومي"، ويمضي محددا أن مشاكل مصر هي الجهل والفقر والمرض وأنها مشاكل تشمل ما يزيد على %50 من الشعب، ولا يجدي معها الحديث في السياسة ولا حديث الحناجر، والتغير في سلوك المصريين مرده هذا الثالوث فليس عند %50 من الشعب ما يخسره، فصار الانفعال والعنف السلوك العام الآن. ويضرب أمثلة عديدة من المياه إلى الغذاء إلى المناخ وجميعها لا يمكن مواجهتها بغير العلم، ويتطرق إلى الاقتصاد، "نحتاج للانتقال من اقتصاد يقوم على الموارد إلى الاقتصاد المعرفي، الذي يقوم على الصناعة"، ويشير إلى أن الصناعة الأساسية في المجتمع المصري هي صناعة الزواج، واحتياجاتها هي مجال الاهتمام الأول ونشاط اقتصادي رئيسي. ويقول الدكتور الشاب في وكالة ناسا الأمريكية للفضاء "ناسا ومصر مكانان متشابهان جدا، كل شيء نعمله في ناسا في مقاييس أي إنسان عادي مستحيل، أن نصل للمريخ، أو نهبط على النيازك، أو نتحكم في رحلات الفضاء، كل ذلك مستحيل ولكنه تحقق، والشبه الثاني أن الإمكانات المتاحة لناسا قياسا على مهامها ومشاريعها تعتبر فقيرة جدا بالنسبة لما يجب توافره، وهكذا مصر، فالتعليم والبحث العلمي المشروع القومي يبدو مستحيلا والإمكانات تبدو ضعيفة، ولكن يجب أن نحققها وفي مدى زمني سريع ومحدد". خطاب الحقيقة، وتحقيق المستحيل، كانا رسالتي المسئولية الأولى. ويعقب ذلك خطاب لرئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور، كان فيه الرجل يقول حديث الحقيقة عن التاريخ، ويربط بين الحاضر وإرادة استرداد الكرامة من بعد 1967، وكان أن أصدر قرارا بمنح اسم الفريق أول محمد فوزي وسام الجمهورية ونجمة الشرف العسكرية، وهو الرجل الذي قاد عملية إعادة بناء القوات المسلحة وقاد حرب الاستنزاف حتى وضعه السادات في السجن في مايو 1971، فأعاد للرجل الاعتبار. لم يتوقف عند هذا الحد بل أعطى إشارة البدء في العمل لإقامة محطة الطاقة النووية في الضبعة، ووضع محددات إقامة مشروع تنمية قناة السويس في إطاره القومي على الإطلاق. ويمضي الرئيس المصري لحديث عن فلسطين، يعيدها إلى قلب الاهتمام المصري بعيدا عما أصابها من أثر ما تردد عن ادعاءات لحماس، ويتحدث عن أرض جرى احتلالها بعد 67 كاملة والقدس الشرقية، وهو حديث طال غيابه عن الخطاب السياسي المصري. ويخرج تسجيل لحديث للقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع مع عدد من الضباط، حاولت جماعة الإخوان أن تجعل منه أداة اتهام للرجل، فجعلت منه كاشفا لرؤية تمسك بحقيقة نتائج يناير 2011، كان الموضوع تناول الصحافة والإعلام للقوات المسلحة، وكان رد الرجل "بعد يناير 2011 لم يعد هناك من يملك أن يقول لأحد هذا مسموح وهذا ممنوع، هناك تغيير في العلاقات داخل المجتمع، ويجب أن تتغير أساليب التعامل، وإن بناء الجسور بين مكونات المجتمع يجب أن تأخذ وقتها ويجب أن نتفهم ذلك، كان حديثا يؤكد ما كان ينقل عن الرجل ممن التقوه بعد يناير 2011، ووعيه بالمتغيرات التي تجري، وأكده موقفه في يونيو 2013، بل يمكن القول أكده إدارته للأزمة التي واجهتها مصر منذ يناير حتى اللحظة. ويكلل الرجل في 6 أكتوبر كل ما يحدث في مصر باستدعاء مسئولية العمل من كل المصريين لأن مصر تستحق هذا وإن السلاح الرئيسي للإنجاز والتطور هو الصبر، ويعيد إلى الخطاب السياسي المصري معنى الانتماء القومي لمصر وارتباط المصير والمصلحة بين العرب جميعا، وهو معنى غاب بعد 1973، ودخول كمب ديفيد على علاقات مصر بالعرب. علامات وسط دماء تسيل على الأرض المصرية حيث بلغ ضحايا يوم 6 أكتوبر 2013 أكثر من 50 مواطنا غير مئات من المصابين، وكأنه بالفعل هنا في مصر شعبان، شعب يريد البناء والأمن، وشعب يناشد أمريكا والناتو التدخل، ويرى أن كل المصريين وكل المؤسسات والجيش في حالة انقلاب عليهم، ولا يقولون لنا من هم ولا يكشفون لنا ما الذي قدموه للشعب غير الفوضى والكذب والانفلات الأمني واستدعاء الأجنبي. هذه العلامات سبقها إعلان دستوري تكميلي بأن مهمة لجنة الدستور هي إعداد دستور جديد لمصر، وحسم الجدل من حول مهمة اللجنة، تعديل للقديم أم جديد. وتبقى مهمة وجب الاقتراب منها وبعمق، وهي مهمة التطهير للدولة من آثار 30 عاما مع مبارك، وعام تحت حكم الإخوان. ويتناقل البعض الآن أن ترشح القائد العام للقوات المسلحة المصرية لمنصب الرئاسة لم يعد اقتراحا، ولكنه في إطار الصحافة والإعلام هو خبر، فهل تحمل الأيام القادمة تأكيدا أو نفيا؟، أعتقد أنه سيبقى الاحتمال الأوفر حظا حتى إغلاق باب الترشح لمنصب الرئيس المصري القادم.
501
| 15 أكتوبر 2013
يمكننا أن نضع عنوان "ليس هناك مستحيل" لوقائع اقتحام قناة السويس وخط بارليف الذي أقامه الإسرائيليون على الشاطئ الشرقي للقناة بميل حاد يقارب الحائط الرأسي (80 درجة)، وخطة إشعال مياه القناة بالنابالم، وهو ما تجاوزته القوات المصرية المهاجمة، بأبسط الحلول. واجهت النابالم، أولا بالمعرفة أن هناك أنابيب، وحددت أماكنها وخطوط الإمداد، وتم سد الفتحات على طول 175 كيلومترا، وتدمير خطوط الإمداد، وهو ما تحملت مسئولية تنفيذه الضفادع البشرية ومجموعات الصاعقة خلف خطوط العدو. وبخبرة العمل في السد العالي استخدمت أسلوب التجريف، لعمل فتحات لعبور المدرعات والدبابات، وإن كان عمل التجريف قامت به سرايا من المهندسين، غير أن اقتحام المشاة للمانع ذاته ابتداء وتدمير النقط الحصينة للعدو، كان ضروريا لتتمكن عناصر المهندسين من إتمام عملها لتدخل المدرعات إلى سيناء. كانت تقديرات خبراء تقول إن خط بارليف لا يمكن اقتحامه بغير ضربة ذرية، والآن وبعد أربعين عاما صار التخطيط والعمل لتحويل المستحيل إلى ممكن هو واحد من أهم الدروس في المعاهد العسكرية. لا يتصور عاقل أن تحويل المستحيل إلى ممكن تم بغير إرادة، وعبر زمن طال لسبع سنوات، وكان هناك رجال وكان هناك شعب. ولم تكن نزهة ولكن كانت هناك مرارة وشهداء وعرق وعالم معاد وأرض تحت الاحتلال وكرامة مجروحة، وحالة من التوحد بين الأمة وبين الهدف. والأمم تنمو وتنضج عندما يكون الرأي للعقلاء وبينهم، والأمم بالعقل والأمانة والمعرفة تستخلص من النكسات دروس النصر. واحد من أهم دروس النكسة هو تحديد العلاقة بين الجيش وبين الدولة، فالجيش عند الشعب هو رمز للوطنية، وليس كما قال أحدهم ــ وهو عضو في لجنة صياغة الدستور المصري الآن ــ بأن المواطنة هي أساس العلاقة بين "السكان" والأرض، أي كل بتكوينه ولونه، وإن الوطنية مرادف لحكم "البيادة". فرضت نكسة 1967 مراجعة علمية للعلاقة بين المؤسسة العسكرية وبين القرار في الدولة، ودعمت حرب 1973 هذه الحقيقة، بأن قرار الحرب والسلام للقيادة السياسية، وأن المهمة الاحترافية للجيش تبدأ بعد القرار، ويجب أن ترفع يد السياسة عن إدارة العمليات العسكرية. ولم تغفل الدروس حقيقة أن الجيوش في العالم الثالث هي القوة المنظمة الوحيدة داخل هذه الدول، وأن التحول إلى واجبها الدستوري يعني أنها جيوش الشعوب وليست جيوش الأنظمة. المفارقة التي نحياها في مصر الآن، أن العقل تشظى، ويكاد يفقد التاريخ معناه بعد أربعين عاما من حرب 1973، وشظايا العقل تكاد تسلب التاريخ محتواه ومضمونه، بل إن حالة التشظي هذه بلغت أن جماعة من المصريين تحاول أن تسلخ الجيش من وطنه، وتستعديه، وتدعي الولاية عليه وعلى الأمة وعلى التاريخ، حتى إنك تسمع منهم ما هو أشد نكاية بالوطن وتاريخه مما يقوله أعداؤه. ولكن على التوازي مع ذلك يبدو أن العقل المصري يتجاوز بالوطن أفعالا أقل ما توصف به أنها جرائم، وأقوال يمكن وصفها بالحرب النفسية، وحالة من الصبر انتابت الشعب ومؤسسات في الدولة تعني إدراك حجم الأفعال وعجزها عن التأثير بل إنها أدركت أن بعد يناير 2011 لم يعد هناك من يملك اليد المطلقة للتصرف، ولكن يونيو ويوليو 2013 تفرض وضع الأمن القومي وكيان الدولة وتماسكها أولوية أولى على جدول أعمال الجميع. ويبدو أن المسار في مصر يعاند كل محاولات العنف ويعاند موجات الحرب النفسية، فتاريخ مصر عبر آلاف السنين هو تاريخ مواجهة مع أعداء من الخارج، وما أن تنتهي المواجهة بدحر العدوان حتى تبدأ رحلة البناء. خلال الأيام الماضية تردد في مصر صدى المصارحة والمكاشفة أربع مرات. كانت البداية من الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان موجزا وحاسما، عندما تحدث عن خطاب الحقيقة، ومن يملكه، ووجوب أن تتم مكاشفة الشعب بكامل الحقيقة. ولم يترك الأمر عند هذا الحد، بل عبر عما يدور في صدر المواطنين، خاصة عند الحديث عن مرشحي الرئاسة المحتملين مما هو مطروح على الشعب، ووصل إلى نتيجة مؤداها أنه لا يصلح منهم أحد، مقدما لذلك باحترامه للجميع، فما تحتاجه مصر لابد أن يملك المعرفة، ولديه القدرة على مواجهة التحديات، وكأننا بالرجل يقول بمعنى آخر إن مصر لا تحتمل تجربة رئاسة فاشلة أخرى. ولم يكد يمضي يومان على هذا الحديث حتى كانت مفاجأة الحقيقة ترد على لسان الدكتور الشاب عصام حجي المستشار العلمي لرئيس الجمهورية في إجابته على سؤال هل هذا المنصب له احتياج أم أنه نوع من التجميل، ليجيب كصدمة كهربائية كما هو حال العلماء عندما يمسكون الحقيقة ولا يزينون أو ينافقون ويقول: "إن المشهد قبيح جدا ولا يجدي معه التجميل!!"، "التحديات التي نواجهها لا يمكن أن نحلها دون أن نفهمها، ولن نفهمها بغير العلم والمنطق، والحقائق التي نرصدها على الأرض لا تتفق وأي منطق"، "المرحلة الانتقالية من دون علم وتعليم هي الانتقال إلى المجهول"، "والحديث عن الديمقراطية من دون تعليم هو وهم"، "الحديث عن العلم والبحث العلمي ليس تشبه بالشرق أو الغرب، نريد فقط أن نتشبه بالبني آدميين!!"، "التعليم والبحث العلمي في مصر هو المشروع القومي"، ويمضي محددا أن مشاكل مصر هي الجهل والفقر والمرض وأنها مشاكل تشمل ما يزيد على %50 من الشعب، ولا يجدي معها الحديث في السياسة ولا حديث الحناجر، والتغير في سلوك المصريين مرده هذا الثالوث فليس عند %50 من الشعب ما يخسره، فصار الانفعال والعنف السلوك العام الآن. ويضرب أمثلة عديدة من المياه إلى الغذاء إلى المناخ وجميعها لا يمكن مواجهتها بغير العلم، ويتطرق إلى الاقتصاد، "نحتاج للانتقال من اقتصاد يقوم على الموارد إلى الاقتصاد المعرفي، الذي يقوم على الصناعة"، ويشير إلى أن الصناعة الأساسية في المجتمع المصري هي صناعة الزواج، واحتياجاتها هي مجال الاهتمام الأول ونشاط اقتصادي رئيسي. ويقول الدكتور الشاب في وكالة ناسا الأمريكية للفضاء "ناسا ومصر مكانان متشابهان جدا، كل شيء نعمله في ناسا في مقاييس أي إنسان عادي مستحيل، أن نصل للمريخ، أو نهبط على النيازك، أو نتحكم في رحلات الفضاء، كل ذلك مستحيل ولكنه تحقق، والشبه الثاني أن الإمكانات المتاحة لناسا قياسا على مهامها ومشاريعها تعتبر فقيرة جدا بالنسبة لما يجب توافره، وهكذا مصر، فالتعليم والبحث العلمي المشروع القومي يبدو مستحيلا والإمكانات تبدو ضعيفة، ولكن يجب أن نحققها وفي مدى زمني سريع ومحدد". خطاب الحقيقة، وتحقيق المستحيل، كانا رسالتي المسئولية الأولى. ويعقب ذلك خطاب لرئيس الجمهورية عدلي منصور، كان فيه الرجل يقول حديث الحقيقة عن التاريخ، ويربط بين الحاضر وإرادة استرداد الكرامة من بعد 1967، وكان أن أصدر قرارا بمنح اسم الفريق أول محمد فوزي وسام الجمهورية ونجمة الشرف العسكرية، وهو الرجل الذي قاد عملية إعادة بناء القوات المسلحة وقاد حرب الاستنزاف حتى وضعه السادات في السجن في مايو 1971، فأعاد للرجل الاعتبار. لم يتوقف عند هذا الحد بل أعطى إشارة البدء في العمل لإقامة محطة الطاقة النووية في الضبعة، ووضع محددات إقامة مشروع تنمية قناة السويس في إطاره القومي على الإطلاق. ويمضي الرئيس المصري لحديث عن فلسطين، يعيدها إلى قلب الاهتمام المصري بعيدا عما أصابها من أثر ما تردد عن ادعاءات لحماس، ويتحدث عن أرض جرى احتلالها بعد 67 كاملة والقدس الشرقية، وهو حديث طال غيابه عن الخطاب السياسي المصري. ويخرج تسجيل لحديث للقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع مع عدد من الضباط، حاولت جماعة الإخوان أن تجعل منه أداة اتهام للرجل، فجعلت منه كاشفا لرؤية تمسك بحقيقة نتائج يناير 2011، كان الموضوع تناول الصحافة والإعلام للقوات المسلحة، وكان رد الرجل "بعد يناير 2011 لم يعد هناك من يملك أن يقول لأحد هذا مسموح وهذا ممنوع، هناك تغيير في العلاقات داخل المجتمع، ويجب أن تتغير أساليب التعامل، وإن بناء الجسور بين مكونات المجتمع يجب أن تأخذ وقتها ويجب أن نتفهم ذلك، كان حديثا يؤكد ما كان ينقل عن الرجل ممن التقوه بعد يناير 2011، ووعيه بالمتغيرات التي تجري، وأكده موقفه في يونيو 2013، بل يمكن القول أكده إدارته للأزمة التي واجهتها مصر منذ يناير حتى اللحظة. ويكلل الرجل في 6 أكتوبر كل ما يحدث في مصر باستدعاء مسئولية العمل من كل المصريين لأن مصر تستحق هذا وإن السلاح الرئيسي للإنجاز والتطور هو الصبر، ويعيد إلى الخطاب السياسي المصري معنى الانتماء القومي لمصر وارتباط المصير والمصلحة بين العرب جميعا، وهو معنى غاب بعد 1973، ودخول كمب ديفيد على علاقات مصر بالعرب. علامات وسط دماء تسيل على الأرض المصرية حيث بلغ ضحايا يوم 6 أكتوبر 2013 أكثر من 50 مواطنا غير مئات من المصابين، وكأنه بالفعل هنا في مصر شعبان، شعب يريد البناء والأمن، وشعب يناشد أمريكا والناتو التدخل، ويرى أن كل المصريين وكل المؤسسات والجيش في حالة انقلاب عليهم، ولا يقولون لنا من هم ولا يكشفون لنا ما الذي قدموه للشعب غير الفوضى والكذب والانفلات الأمني واستدعاء الأجنبي. هذه العلامات سبقها إعلان دستوري تكميلي بأن مهمة لجنة الدستور هي إعداد دستور جديد لمصر، وحسم الجدل من حول مهمة اللجنة، تعديل للقديم أم جديد. وتبقى مهمة وجب الاقتراب منها وبعمق، وهي مهمة التطهير للدولة من آثار 30 عاما مع مبارك، وعام تحت حكم الإخوان. ويتناقل البعض الآن أن ترشح القائد العام للقوات المسلحة المصرية لمنصب الرئاسة لم يعد اقتراحا، ولكنه في إطار الصحافة والإعلام هو خبر، فهل تحمل الأيام القادمة تأكيدا أو نفيا؟، أعتقد أنه سيبقى الاحتمال الأوفر حظا حتى إغلاق باب الترشح لمنصب الرئيس المصري القادم.
576
| 08 أكتوبر 2013
تحاول الثورة أن تكون نقطة انقلاب في منحنى المجتمع من الهبوط إلى الصعود، وعندما يتحرك منحنى المجتمع للارتقاء صاعدا هناك ما يتساقط منه بفعل التجاوز وجاذبية القديم وهناك ما يحتاج منه لطاقة مضافة تساعد على الصعود أو تعمل على التخلص من أسباب الهبوط. نتحدث عن ثورة يناير أنها أسقطت الخوف، ذلك السياج النفسي الذي يعيق الحركة ويدفع إلى تجنب المغامرة. ونتحدث عن ثورة يناير أنها كشفت أمام الشعب قدرته عندما تجتمع إرادته على فعل إيجابي، وأعادت إليه الثقة بالنفس. ونتحدث أن الشعب حضر ولن ينصرف، وأنه اكتشف معنى الاجتياح الشعبي للخطأ والظلم والاستبداد. ونجمل ذلك كله بأن ثورة 25 يناير 2011 أطلقت الإرادة الشعبية من عقالها، وظل السؤال التالي لإطلاق الإرادة، "لنفعل ماذا؟". صاحب الأيام التالية للثورة ظاهرة انفلات أمني واستمرت بعد يوم 11 فبراير 2011، وواجهها الشعب بتشكيلات شعبية بمبادرة منه وأطلق عليها "اللجان الشعبية" كانت تحرس المنازل والمتاجر وطرق المدن. كما صاحب كل هذه الأيام حالة من التواد بين المواطنين والالتحام كما تلك التي تنتجها الحروب بين أبناء الشعب، وظلت هذه الحالة سواء بإنكار الذات أو الإحساس بملكية الوطن وكل ما به، وظهرت ظاهرة بسيطة عميقة الدلالة، عندما قام الشباب والأهالي بحملات النظافة للميادين والشوارع، إحساس بالملكية فتح باب الإحساس بالمسؤولية. لم يحاول أن يقول أحد أنه الثورة، وتحول أصحاب الثورة إلى جنود مجهولين، حتى أنك بمناقشة المشاركين في الاحتشاد تشعر مثلا أن ميدان التحرير كان عشرات الميادين بعدد من فيه وبعدد مجموعاتهم، وأن الإسهام المتنوع من كل منهم صنع سيمفونية بلا مايسترو وبدون نشاز في لحنها. ذلك كله كان الحركة الذاتية بطاقة كامنة، أنجزت فعل انقلاب المنحنى، لتنتقل الحركة الذاتية إلى مرحلة جديدة تحتاج لتحديد اتجاه المنحنى الصاعد هل هو صعود رأسي مباشر، أم أنه يميل بدرجات عما يجب، وبدت الحاجة إلى طاقة مضافة، ما كان لها أن تتوفر بعد أن أصابت موجة الثورة حالة من السكون والإحساس أنها حققت غايتها، لتبدأ مرحلة استدعت بديل طاقة البناء، ضرورات مقاومة الانهيار لحركة الثورة ذاتها. وصارت الميزة الرئيسة التي جمعت طاقة الاحتشاد وفجرتها، بكونها تلقائية، الكل أصحابها، والكل مسؤول عنها، والكل مبادر فيها من الجهد حتى الروح، تحولت هذه الميزة إلى نقطة ضعف في حركة موجة يناير 2011، فمهام الصعود صارت في حاجة إلى رؤية وآليات وقيادة، ونتج فراغ مصنوع ومستهدف أو هو من طبيعة الحاجة لطافة الفعل الثوري التي انغمست في المقاومة. الشواهد المرصودة طوال الفترة الماضية تؤكد أن العاملين توافرا، غياب الرؤية والآليات والقيادة، ومخطط للاستيلاء على الحدث وإعادة توجيهه. عند هذه المرحلة كان أهم الأدوات هو الادعاء وإعادة توصيف الحقائق على غير حقيقتها، ليدخل "الكذب" كصفة التصقت بالأشخاص وما يمكن أن يجمعها في اصطفاف منظم، وكانت البوابة الجهنمية للانقلاب على الحقائق هي استخدام الدين في توصيف القوي والمواقف لتتحول السياسة إلى حالة من حروب الجاهلية الأولى. لم تتوقف المقاومة، ولم يغب الوعي، وعندما أحس الشعب أنه لم تسرق منه الثورة فحسب ولكن يهدر الوطن والدولة تحت اتهام بالتكفير يتجاوز طبيعة الشعب، ليستفز الشعب من جديد، دفاعا عن دينه ووطنه ورفضا لحالة القرصنة التي جرت علي مقدراته. الحديث عن الشعب هنا ليس حديثا عن كيان هلامي، ولكنه حديث عن أمة عندما تتعرض للخطر تستدعي قدرة التوحد، وللمرة الثانية نعود إلى الطاقة الكامنة في الشعب، مع إضافة جديدة كانت تنمو علاقتها بالانفصال عما تشكل من مراكز سلطة في أعقاب الثورة نتيجة وضوح الدروب الجانبية التي انساقت إليها السلطة وحالة الصدام مع كافة مكونات الدولة، بصلافة وعنف ولغة غريبة عن هوية الوطن، ونمو وعي مغاير لمجرد الانقلاب علي اتجاه التوريث الذي كان قائما قبل يناير 2011، وكانت لحمة جديدة بين الشعب وقواته المسلحة، حرمت السلطة من القوة المادية المنظمة والمسلحة في الدولة، وأضافتها رصيدا جديدا لطاقة الرفض الشعبية الكامنة، ليتغير ميزان القوي، ولتنتج موجة يونيو 2013 واقعا جديدا، يزيح واقع تشكل بعد الثورة بخاصية "الادعاء". وتبقي خاصية "الادعاء" هي عقيدة السلطة المزاحة ومن والموالين لها. الادعاء بأنهم هم الثوار. والادعاء بأن الشرعية تنتجها صناديق الاقتراع، حتى وإن تم الاقتراع بالأساس وسط حالة القرصنة على الثورة. ثم الادعاء بأن ما جرى انقلاب على الديمقراطية، وللديمقراطية حلفاؤها الخارجيون، والديمقراطية يمكنها أن تستعين بالأجنبي ضد الوطن لأنها قيمة أسمى. ولم يكن للادعاء أن ينتج دون أن يتفكك الوطن بالعنف، لترد لغة الدم، والغريب أن لغة الدم والتباكي على الضحايا هي عقيدة التحريض على الوطن بعد يونيو. اختلطت المعايير، ولم يعد الأمر وطن تعرض لسرقة ثورته بالتكفير، ولا تقسيم شعبه دينيا ومذهبيا، ولا الاستهانة بالتفريط المتتابع في الأرض، وتجاوز الأمر الاستقواء بالحلف الديمقراطي متجسدا في أمريكا والناتو، إلى الاستقواء بالجماعات الإرهابية تحت عباءة الدين، حتى القضية القومية في الاحتلال الصهيوني دخلت المزاد وصارت قابلة للبيع والشراء مقابل التمكين. وانطلقت معايير الادعاء بالانقلاب العسكري علي دولة الديمقراطية مع الخارج، وعلي دولة الشرعية الإسلامية في الداخل. الانقلاب من السلمية إلى العنف ليس تعبير عن قدرات، ولكنه تعبير عن حالة الصدمة التي أحدثها 30 يونيو 2013 على المستوى الداخلي في مصر، وأحدثه 26 يوليو على المستوى الخارجي، وكسرت الصدمة الشرنقة التي احتمى بها التحالف الأمريكي والإخوان مع الجماعات الإرهابية وحالة الاستدعاء لهم للداخل المصري. الانقلاب إلى العنف استدعي القبول بالمواجهة بالسلاح، وفتح الباب للقبول الشعبي للمواجهة الأمنية وبالعنف مع تصاعد الأحداث، ووضعت جماعة الإخوان والموالون لها المبرر تلو الآخر، سواء في سيناء او في الداخل، في دلجا وكرداسة والإسكندرية والقاهرة، وبات الحديث عن المبادرات محض وهم توصم به رؤى العقلاء لأنها لا تجد إذن تسمع، ولا ضمير يقر بالحقائق، بل صارت أقرب إلى المناورة منها إلى القصد والهدف. الفارق بين السلمية والعنف في مصر، هو فارق بين الانتماء وعدم الانتماء، هو فارق بين المستقبل واللحظة، هو فارق بين الوطن والتنظيم. من يمارس العنف يحرق الأرض التي يحيا عليها، دون أن يقدم مبررا بأن العنف الذي يمارسه سيفضي إلى تغيير. العنف في مصر الآن لا يدفع ثمنه نظام ولا أشخاص، ولكن يدفع ثمنه كل الوطن وكل من يمارسونه. وانتقل "الادعاء" كمنهج، إلى حالة جديدة هي شخصنة المواجهة، فقتل المسيحيين لأن البابا كان مع الانقلاب ضد الإسلام والشرعية والديمقراطية، بينما أن تاريخ الجماعات يقول أن هذه عقيدتهم، لا يرون المسيحيين مواطنين مصريين، ولكنهم عدو يستحل دمه وماله ودور عبادته. والأزهر الذي سعوا إلى السيطرة عليه بكل السبل، أصبح مستهدفا في شخص شيخ الأزهر، ويجري الاغتيال المعنوي له ولمؤسسة الأزهر. ويونيو 2013 صار ممثلا في القائد العام للقوات المسلحة. وانتقلنا من الصدمة والادعاء والعنف والشخصنة إلى الانفلات الأخلاقي، وصار الاعتداء علي بعض من يرتدون الزي الأزهري بالسب دلالة موقف سياسي!، وكانت حادثة التعرض لمفتي مصر السابق في كله دار العلوم أمس الأول أثناء مناقشته لرسالة دكتوراه إهانة لمعنى الجامعة والأزهر والأستاذ والطالب وحتى الثورة، وأعادت إلى الأذهان يوم خرج طلاب الجامعة في مواجهة طه حسين ليسبوه بالعمى، وبقي طه حسين وأعماله وذهب كل من شاتمه. هل يمكن أن يقبل المجتمع المصري كل هذا؟ أو ينطلي عليه تبريره؟، وأن يقبل المصالحة. لقد واجه الشعب صدمة أولى عندما جرى تكفيره، وانتهى إلى تطاول على مؤسساته، ثم شخصنة الموقف، وفقد في الطريق أشخاصا عديدين ومنهم الدكتور البرادعي ذاته، والذي تنقل المعلومات انه عقد لقاءين، أحدهما مع عناصر من الاتحاد الأوروبي، والآخر مع عناصر لقيادات إخوانية، وأنه عندما تنقل مثل هذه الأخبار إلى الداخل، فإنها تضع جدول أعمال واحد هو في كبده ضد مصر. الكل تصرف على غير إرادة الشعب، وبقدر أن فعله أفراد أو جماعات أقصاهم عن القبول، غير أنه يزيد من حالة إحساس بالإحباط، أن المشوار مازال طويلا، وأن المعاناة ستبقي طريق الآلام الذي يجب السير عليه. إن تنامي الوعي الشعبي يزيد من الاقتراب من الحقيقة، وكلما أمسك الشعب بحقائق واحتياجات الوطن، اكتشف أن المطروح عليه من أشخاص دون ما ينشد ويريد، واحترقت الأرض بأسماء وكيانات، وهو ما ضاعف الألم وانعدام الثقة لدى الجماهير فيمن يعرضون أنفسهم كلاما دون قدرة، ولمناصب دون إمكانات، وأصبح البحث عن قيادة مجردة عن الذات ولصالح الشعب كالمستحيلات الثلاثة. إن الثورة وهي علم تغيير المجتمع، هي بناء للأمة، وبناء الأمم دون أخلاق نبيلة وفروسية زعامة ووضوح للرؤية وبناء مؤسسي يقارب العصر وعلومه وطاقة شباب الأمة دون نزيف تسببه الحرب النفسية والتشكيك، هو مجرد أحلام يقظة، وهكذا من جديد تعود الأوراق ليد الشعب ليتخذ الموقف بذاته، بينما يطيب لغيره أحلام غير مشروعة علي جدول أعمال الشعب، وسلوك منبوذ يفرض الإقصاء منهجا بينما تتصاعد دعوة الوجهاء للمصالحة، بينما الخطر المحيط بمصر متروك بعيدا عن بالهم، ولا يملكون غير التطاول علة من يتصدى له.
961
| 24 سبتمبر 2013
استخدام تعبير بنك الأهداف شائع عسكريا بمعنى أهداف للقصف والتدمير، ونستعيره هنا لتعدد المهام وعمليات القصف الجارية في مصر. وعند دراسة أي احتمالات تغيير في خريطة القوى داخل بلدان العالم، يدخل في الاعتبار القوى المؤثرة في العالم سواء كانت قوي سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو منابع المال السياسي صغُر أم كبُر. تدور في مصر معارك ثلاث أن جاز الحصر ولكل منها تفرعاتها، وبدون تعريف هذه المعارك وأهدافها بوضوح يختلط الأمر سواء علي المراقب أو متخذ القرار، واتخاذ القرار في مصر غائم لا يحاول احد تحديد مصدره على وجه اليقين، بل إنه متروك عرضة للحدس أكثر منه اليقين، سواء كان ذلك لدرأ شبهات أو لمحاولة خلق فرصة بناء، ولكن هذا الأمر يُعَرِّض بالوطن أن تنشأ فيه أوزانا نسبية بغير أن يكون لها وجود في الواقع، ويدفع بعناصر ظهرت بالصدفة كما يرصدها المراقب، ولكن حقيقة ظهورها بالقطع ليس مصادفة ولكنه مصنوع، والجهل بمن صنعها ولماذا آتي بها وطبيعة تكوينها ومدي فتح الباب أمامها للتأثير وكسب أرض أمام أعين الناس، كما هي صناعة النجوم للاستخدام، فالنجوم الصناعية لا تستمد طاقة بريقها ووجودها من ذاتها، ولكنها موجودة لأن مسار العلاقات ورؤية الإدارة تحتاجها عند اللحظة، فإن مرت اللحظات، وهي بقانون الزمن والأحداث تمر، يلتقطها الثقب الأسود لتعود من حيث آتت. تواجه مصر في اللحظة معركة توصيف حقيقي للأحداث من 25 يناير حتى اللحظة، وماهية أهدافه ومهامه، وما يترتب عليها من مسؤوليات وهي معركة الأساس إن جاز التعبير، هي معركة المستقبل، لا يجوز فيها أن نلوك الألفاظ، أو ندعي الولاية علي إرادة شعب تجاوزت بالدم حد الوصاية وعدم الأهلية، وان كانت لم تجد من يبلغ الرشد لتوليه آمر مسؤولياتها، لأن الأفعال التي تتوقف دون أن تستكمل مسارها تتضاعف قيمة الثمن المدفوع فيها. وتواجه مصر غير هذا معركة العنف تحت ستار مريب يأخذ من الدين الاسم، ومن القتل والتدمير أسلوب وأداة فعل، بل اخذ بعقول اكتسبت صفة التعلم والثقافة، لتتحول في قدراتها العقلية كما العقول البدائية، تحجرت عند ما تعتقد بأن هناك انفصالا بين الدين والحياة وأنها ستعيد الاتصال بينهما، فزادت النار اشتعالا، وتنازلت طواعية عن ادوار كانت مرشحة لها، لإنارة العقل الجمعي، فصارت محرضة علي العنف أكثر منها مقاومة له وكاشفة لانعدام العلاقة بينه وبين الدين. وتواجه مصر معركة بناء المستقبل والانحياز الاجتماعي أو ما استقر عليه تجاوزا بالعدالة الاجتماعية، فالفارق جوهري بين الانحياز والعدالة، فالانحياز بالأساس هو إدراك للمكونات الاجتماعية للشعب، وحاجاتها للحياة وفق معايير عصرها، والارتقاء بإمكاناتها لتوفير هذه الحاجات، أي أن الانحياز هنا هو مرجعية الأداء. أما مقولة العدل الاجتماعي، فهي تبدو أقرب إلى التفضل والتصدق بإحسان ممن استولي علي السلطة وكرس إمكانات الدولة لنمو ذاتي يقتصر علي إقطاع جديد في القرن الواحد والعشرين، هو إقطاع المال، وهو فارق بين إقطاع الأرض والرأسمالية المستغلة. إقطاع المال يحول كل شيء إلى أموال تتحول بدورها لأرصدة في بنوك لا يملكها مجتمع أو وطن، لا أصل لها في الواقع، فالأرض للبيع، وآلات الإنتاج للبيع، وطاقة العمل للبيع، والقيم والمبادئ والتاريخ والجغرافيا والسياسة والدين، جميعها للبيع لمن يدفع، بينما كان إقطاع الأرض يرتكز كما الرأسمالية المستغلة علي ملكية مادية محققة حتى وان تلاقت مصالحهم علي غير حاجات الشعب، وان انتقلت إلى علاقات متجاوزة الحدود تهدر قيما وتاريخ وجغرافيا، ولكن ذلك لتامين بقاء ما تملكه ماديا ومحقق في واقع ملموس بين أيديها هي. عالج التوريث في الدين قضية الملكية، وعالجت الزكاة قضية الأموال، ولكن ذلك لم يعالج قضية التنمية. الإمساك بأطراف المعادلة الثلاثة يؤكد العلاقة التبادلية بينهم، ويعيد توصيف قوى المجتمع على نحو لا يصلح معه التجارة بالمعاني والمواقف والتاريخ وحاجات الشعب، يتساوي في هذا من يسرق السلطة أو الثورة مع من يبيع حاجات الشعب لموقع سياسي، وتنزع أوراق التوت عن عورات الساسة وأدعياء الثقافة والمعرفة ومتكسبين من الثورة لتنكشف أحاديث الإفك، ويعود كل إلى حجمه الطبيعي من حيث الانتماء والانحياز، وعيا وقولا وفعلا، ويوصد الطريق أمام مواكب الخداع. معركة التعريفات معركة مدعاة كل غاياتها الانحراف بالإرادة الوطنية وحبسها في دائرة الطباشير، لتنشغل عن أهدافها ومهامها بالمسميات وتبرير ما تفعل. وليس البحث الآن في كتب الاجتماع السياسي او التاريخ عن حالة مماثلة لتنطبق علي الحالة المصرية، وسط محيط عربي يموج بذات الحالة مع اختلاف نوعي يرتبط بالأرض والبشر والعلاقات المحيطة والوزن في الإقليم وخارجه. لماذا لا تكون الحالة المصرية معيار قياس للمستقبل؟، ولماذا هي مطالبة أن تتوافق مع ما وصل إليه التوصيف الإنساني؟ شعب خرج علي نظام حكم وأزاح رأس النظام، وتكالبت عليه قوى كثيرة، للحد مما يمكن تحقيقه ولوراثة نظام سابق وللحيلولة دون تكرار الخروج الشعبي مرة أخرى، وكانت موجته الثانية ــ أيا من كان القائم علي خلقها وإدارتها ــ لاسترداد إرادته وهويته ودينه ودولته، ثم كانت موجته الثالثة لمواجهة حالة الوصاية الخارجية وأدواتها الداخلية، لتعود بالناس إلى إحساس تأميم قناة السويس، وتنامي إدراك معنى الاستقلال الوطني. هي معركة استنزاف لليقين الوطني، وادعاء التناقض بين الشعب وجيشه، وكأن تاريخهم يشهد بنضال جيوشهم من أجل حرية الإنسان، ولهم وحدهم حق "الإرهاب تحت عناوين إنسانية، وتشكيل مجموعات القتل"، حتى أنهم أضفوا الشرعية علي المرتزقة منهم بتشكيل شركات مماثلة للبلاك ووتر، أو دول على صفحات الماء مثل فرسان مالطه. ليست المعركة مع الخارج، فالخارج إن أراد التدخل بالقوة لا يعدم أن يسوق مبرراته، ولعل لعبة الدب الروسي والعم سام في الشأن السوري، خير دليل على ذلك، بل بلغ الأمر ببعض أجهزة الإعلام أن تصنع مواجهة مسلحة بين الاثنين في شأن صاروخين أطلقا في اتجاه شرق المتوسط، اسقط احدهما وتمت السيطرة علي الآخر وتوجيهه بعيدا عن هدفه ليسقط في مياه المتوسط. المعركة أن نشأت لن تكون معركة تعريفات ولن تكون مجرد مواجهة بين صواريخ وصواريخ مضادة، فلم تعد الحرب الذرية متاحة ولا حرب الإبادة القذرة التي مارستها القوات الأمريكية في الفالوجة بالعراق، ولكن المواجهة أصبحت على منسوب الحرب الإلكترونية، حرب السيطرة والتوجيه، وهي جزء من حرب النجوم التي نادي بها ريجان، ها هي تطل برأسها في خطوات أولية، كما هي مناورات المفاوضين علي الموائد السياسية. 25 يناير هي معركة استخلاص الإرادة وكسر حاجز العجز والخوف، و30 يونيو هي معركة استرداد الهوية والدولة وتخليص الدين من خاطفيه، و26 يوليو هي معركة الاستقلال الوطني. إن المعركة علي الإرهاب هي معركة وعي وثقافة ودين، هي معركة تعليم ومحو أمية. المعركة علي الإرهاب هي مواجهة مع الدروس الخصوصية التي أصبحت بديلا للمدارس ودورها التعليمي. والمعركة علي الإرهاب هي مواجهة مع دعوات بحقوق فئوية أو محلية، جري تعظيم قيمتها بالمدفوع لها من دولارات الغرب ثمنا لجهد يرسم أمام الخارج خريطة الوطن وعلاقاته ويجعله كتابا مفتوحا قابلا ليس لمجرد القراءة ولكن لتغيير الأحرف والمعاني في هويته. والمعركة مع الإرهاب هي معركة مع ما اعتبره البعض مسلمات يجب الخضوع لها لتحكم الحياة، وهي من جديد تحاول بطرق ملتوية مصادرة الإرادة الوطنية والحيلولة بينها وبين ضرورات التغيير. وهي معركة مع كافة محاولات السيطرة الخارجية، فالجماعات المسلحة هي فيلق متقدم للناتو والمخابرات الأمريكية والصهيونية، ولن يتوقف التحالف الخارجي دون تحقيق مطلب السيطرة، لتستمر المواجهة معه وتتعدد أساليبها وصورها. ان الهدف الوطني الأول في المعركة على الإرهاب هو الحفاظ على الارتباط الوطني بين الجيش والشعب، وتمكين الجيش من قدرات تؤهله للمواجهات مهما تنوعت أو امتدت. إن المعركة الأولى لمواجهة الإرهاب هي مواجهة حرب العقيدة الوطنية وما يتهددها من حملات نفسية، الانسياق وراءها يصنع الهزيمة قبل انطلاق المدافع. هي معارك لحرب من أجل المستقبل، جوهر الثورة ومبتغاها. المستقبل ليس أحلاما تتحقق بمجرد أن تطوف بالخيال، إنها صناعة الوجود وصراع البقاء. ان أي صراع دون وعي بأطرافه هو دون كوشيتية تحارب طواحين الهواء. إن الخطوة الأساسية للمعارك تبدأ من إعداد ميدان القتال واختياره، وعدم الانجرار إلى إرادة العدو وخياراته. إن تطهير ميدان المعركة من كل الألغام التي جري زراعتها فيه، هو ضرورة لفتح الأرض أمام الحركة اللازمة للمستقبل. إن أخطر لغم جرى زراعته في مصر هو التنظيم السري الذي يمارس القتل ويدعي الحكمة والحق في الوجود، والتغافل عن نزع هذا اللغم هو تضحية بإرادة الشعب.
695
| 17 سبتمبر 2013
الشعب مصدر السلطات هو قاعدة بناء الأمم وبقائها، وليس شعارا يرفعه البعض حسب الهوى وكأنه فضل منه، فمؤسسات الدولة بالأساس أدوات للوفاء بالمسؤوليات ومهام في حياة الدول، وتمنح لها السلطة وفق معايير يحددها العقد الاجتماعي (الدستور) والقوانين المكملة له، والتي تمكنها من أداء مسؤولياتها لضمان الحياة والتقدم نحو المستقبل. عندما يخرج الشعب ـ والذي هو مصدر السلطات ـ على نظام الحكم، فهذا ليس ضد طبيعة العلاقة بين الشعب والسلطة ولكنه استرداد لحقه وإرادته، والخروج الشعبي في مراحله الابتدائية يكون محاولات توجيه بإعلان مطالب يرى الشعب حاجته إليها، ويتحول الخروج المطلبي إلى ثورة عندما يرى أن سلطة الحكم غير مؤتمنة على إرادته وحاجاته والمسؤوليات التي انتدبها للقيام بها، وحولت حالة التفويض الممنوح لها إلى حالة ملكية، تتخذ من الاستبداد والعنف والتآمر سبيلا لاستمرارها في سلطة الحكم. الثورات في تاريخ الشعوب ليس فعلا انتقائيا، ولا يخضع لإعادة تعريفه وتوصيفه بادعاء الحكمة بأثر رجعي، فالثورات تهدم أسس السلطة، وإن ظلت بقاياها والمنتفعون ركاما يجب إزالته، ومن طبيعة الأمور أن يقاوم هؤلاء دفاعا عن مصالحهم التي لم يقبل بها وكانت استنزافا للوطن اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ومهما علت أصواتهم فهي إلى نهاية محتومة بالسقوط كما النظام الذي أتاح بيئة وجودها على حساب الشعب. الثورة الشعبية فعل جماعي يتم في زمن محدود ولكن لشعبيته فإن إتمام عملية التغيير في المجتمع لما ترتب على حكم النظم السابقة هو ما يحتاج إلى زمن ورؤى ومهام ورجال. فقد نظام حسني مبارك قدرته على مواجهة الثورة الشعبية لأنه مع كافة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأنه استبدل الوطن بخريطة التوريث، وألفت كلمة التوريث بين الشعب والقوات المسلحة، وتجاوز الشعب العجز السياسي للأحزاب وعناصر النخبة. وفقد نظام الإخوان مبرر استمراره لأنه استبدل خريطة الثورة بخريطة الجماعة السرية، وسعى إلى تفكيك الدولة، وتجاهل الوطن وعاش وهم الخلافة، واستبدل وحدة الشعب التي حققتها ثورة يناير إلى تقسيمه بين مسلم وكافر، وتآلف مع الجماعة كافة التنظيمات الدينية بلا استثناء، وأيضا كانت حركة الشعب متجاوزة الحياة السياسية والحزبية، وكان للجيش دوره وحسم الصراع لصالح الشعب. هنا يلزم النظر إلى الفترة بين 30 يونيو و26 يوليو 2013 والتي كشفت طبيعة المواجهة وعمق اتساعها، فهي لا تقتصر على الداخل ولكنها ترتبط بأمريكا والغرب، ولم يعد الغرب حكومات ولكنه حلف الناتو، وهي مواجهة لا تتوقف عند السياسة ولكنها تذهب إلى الأساطيل، وأن هناك جماعات وأفرادا جرى استدعاؤها وتمكينها من بؤر آمنة ومسلحة وممولة، وعقيدتها القتل، واتضح أيضاً أن المواجهة تتصاعد إلى استحلال دم كل الشعب وليس مواجهة مع سلطة، وأن المواجهة تشمل كافة التنظيمات الدينية. كان شعار الهجوم (شرعية الصندوق) في مواجهة الانقلاب العسكري، وتغاضي الخارج ومعه قطاع غير قليل في الداخل من النخبة والجمعيات الحقوقية عن حقيقة أن المواجهة بين شعب وجماعة وأن القضية هي هوية وطن ودين واستقلال وطني. لقد كشفت هذه الفترة أنه كما استحدثت أمريكا عبر المخابرات المركزية الأمريكية فكرة الجهاد ضد الجيش السوفييتي الملحد في أفغانستان، وأنتج مشروع الجهاد الأفغاني تنظيم القاعدة، فقد استعملت أمريكا جماعة الإخوان ومن والاها في مواجهة الثورات الشعبية ضد الاستبداد، وعلى ذات القاعدة (المؤمنون في مواجهة الكفر والإلحاد)، والملحدون هنا ليسوا جيش احتلال شيوعي، ولكن الملحدون هنا هم الشعب. حرق الأرض والمراحل هو سمة ما بعد 26 يوليو 2013. جماعة الإخوان السرية وامتداداتها الخارجية تسعى إلى إعدام يوم 30 يونيو 2013 وحرقه من خريطة الزمن، ولأنه لن يتحقق، فليحرق الوطن والشعب وكافة المؤسسات. وأخطر ما نتج عن 30 شهر السابقة على يونيو 2013 هو ذلك التوافق المشوه بين موقف الجماعة وحركات يسارية وحقوقية وبعض من الشباب الذي مازال يئن تحت أحداث ووقائع مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية، هذا التوافق على خصومة مع الجيش، تتعدد الأسباب ولكنها خصومة في لحظة مواجهة بالقتال مع تنظيمات إرهابية واحتمالات مواجهة قادمة من أمريكا والناتو. ومن ناحية أخرى فخريطة الطريق تكاد تحرق أهم مرحلة من مراحل الثورة وهي مرحلة "التطهير"، وأكثر من ذلك يخرج من الحكومة ومستشاري الرئيس المؤقت دعوات للمصالحة، وكأن الحكمة هبطت على هؤلاء الأفراد (وأعني كلمة الأفراد) الذين جاءت بهم الصدف غير المفسرة حتى الآن، ومنحتهم الحكمة حق حرق 30 يونيو بل ويتجاوز البعض إلى حرق 25 يناير 2011. أنتجت الحرائق المشتعلة ستارا من الدخان الكثيف يترنح بين إطلاق مقولات "نكسة يناير"، "المصالحة وعدم الإقصاء"، "الاعتذار"، "رموز الثورة"، وهذا الدخان يزيد النار اشتعالا في وقت يجب أن تزداد اللحمة بين الجيش والشعب وأيضا الشرطة، حتى لا يجد العنف شروخاً في البناء الوطني يستطيع النفاذ منها. وكي يتقبل الشعب ثمن العنف يجب أن يرى المستقبل دون نظامين ثار عليهما "مبارك والإخوان"، ودون كل من تغيرت وتبدلت ألوان جلده طوال الفترة من 25 يناير (الثورة) و30 يونيو (استرداد الدين والدولة والثورة)، و26 يوليو (الاستقلال الوطني). إن مهمة التطهير أعمق مما يطلق عليه العدالة الانتقالية، فالمهمة بعد 30 يونيو 2013 تضاعفت فهي تواجه: 1. نظام مبارك والحزب الوطني وقياداته. 2. جماعة الإخوان السرية والجماعات الموالية لها والأحزاب التي أنتجتها. 3. مؤسسات الدولة التي ينتشر في داخلها سرطان الفساد وزاد عليه ما أضافته فترة حكم جماعة الإخوان. وذلك على التوازي مع مواجهة الإرهاب والعنف الذي أطلقته الجماعات الدينية في كل المجتمع. الإقصاء والعزل السياسي ركن أساسي في الثورات، والإقصاء للرؤى والأساليب يعني إقصاء للأدوات سواء كانت تنظيمات وأحزابا أو أفرادا. والإقصاء والعزل للحزب الوطني يعني حل كيان الحزب وكل مؤسساته والعزل السياسي لكل من أسهم في الفساد السياسي (وليس الجرائم)، وهو أمر بالأساس سياسي، وهي مهمة للثورة يجب تحقيقها، ولا يصلح استخدام قوانين ما قبل الثورة، وإلا فإننا نعيد تسليم الأمور لنفس النظام، وهذه مهمة يجب أن تسبق إجراء أي انتخابات نيابية أو رئاسية، وغير هذا فإننا نلتف على الإرادة الشعبية. التفريط في مهمة التطهير في المرحلة السابقة تجاه نظام مبارك، أدخلنا في دوامة إقرار التطهير تجاه فترة حكم الإخوان. الأمر في حالة جماعة الإخوان مركب، نواجه تنظيما سريا (نظام الخلايا "الأسر")، وله ارتباطات خارجية. تنظيم عقائدي (جماعة ربانية كما وصفها مرشدها العام)، علاقات تنظيمية أساسها السمع والطاعة (تنظيم حديدي)، وبداخله تنظيم خاص (تنظيم مسلح سري على أعضاء الجماعة أنفسهم). والجماعة التي جرى حلها عام 1954، استعادها السادات وعاد في نهاية أيامه يعلن خطأه على السماح لهم باستعادة نشاطهم، وتعامل معهم نظام مبارك، ووصل الأمر بالجماعة أن تقبل بالتوريث مقابل استمرارها. وأنتجت الجماعة في مواجهة المجتمع ما سمي بالذراع السياسية للجماعة (حزب الحرية والعدالة)، وصمت الساسة وإدارة المرحلة الانتقالية ولجنة الأحزاب ووصلوا إلى حد الموالسة. هناك فارق بين الكفاح المسلح في مواجهة محتل غاصب، وبين عقيدة العنف لدى التنظيمات الدينية كعقيدة وجود وبقاء تقدم بالأساس على رفض المجتمع وليس مجرد السلطة، وعقيدة العنف والسلاح هي الحاكمة لكافة التنظيمات الدينية، تستعيض عن الدعوة بالرصاص، وعن المسؤولية تجاه المجتمع بالانعزال عنه والتمايز بالإيمان عن مجتمع يتهمونه بالكفر. وهناك فارق أيضاً بين الإقصاء والاحتواء، وفارق بين الخداع بالاعتذار من جماعة سرية وبين الابتزاز للمجتمع بالاعتذار. وهناك أيضاً فارق بين التطهير بالأمن والتطهير بالثورة، مهمة الأمن مواجهة العنف، ومهمة المجتمع المواجهة السياسية، يقول البعض المواجهة بالعقل والقانون وليس بالعضلات، ولكن اللحظة تحتاج إرادة الثورة ووضوحها سواء كانت بالعقل أو العضلات. هكذا يقع الشعب الذي هو صانع الثورة وهو الذي استخلص إرادته وهو الذي قدم الشهداء وصبر حتى اللحظة، وهو مصدر السلطات، يقع الآن في كمين مزدوج أو بالأحرى ثلاثي الأبعاد، التطهير والإرهاب وأمريكا، وهو مطالب أن يذهب من جديد إلى صناديق الانتخابات ليختاروا، والمعروض عليهم بالأساس مرفوض. وكأن مصر مازالت دون الوجود، أن يخرج من بين شبابها من يرى نفسه رمزا للثورة، وتكرر الحديث عن رموز للثورة، والثورة عندما تنتج رموزها، تجدهم شهداء أو فاقدي البصر، أو مصابين بلا مقابل، أو تجدهم يحملون مشروع الثورة للشعب بمهام يشاركهم فيها، ويسمح هؤلاء لأنفسهم باسم أنهم الثورة أن يعرضوا لمهام الوطن بشكل من الرعونة والتسيب دون إدراك لحقيقة اللحظة التي يمر بها الوطن. إن المتحدثين عن كونهم رموزا للثورة، أو الذين جاءت بهم الظروف إلى مناصب في الرئاسة والوزارة، يجب أن يدركوا جميعهم أن الشعوب لا تستخلص إرادتها المرة تلو الأخرى ليفرطوا هم فيها أو يصنعوا بها أمجادا شخصية. الفضائيات لا تصنع رموز الثورة، وختم الحصانة الذي يحمله أي شخص شارك في أحداث الثورة، ومهما كانت تضحياته، ليس مبررا له أن يخادع نفسه ويشيح بوجهه عن مسؤوليات المرحلة لمجرد أن ينال وجودا له مقابل أو بدون مقابل. أيقونة الثورة هو الشعب والشهداء وأبناؤهم وأهلهم، ورمز الثورة هو الشعب، ومستقبل الثورة بيد الشعب. ما يجري فوق الأرض المصرية سوف تتكشف أوراقه كاملة، من يتحمل التضحية حتى بلقمة العيش كما الدم، ومن يتعايش على آلام الشعب ودماء أبنائه، وعندها لا يلومن أحد غير نفسه.
16895
| 10 سبتمبر 2013
هل يمكن تأجيل الحديث عن وقائع الداخل المصري والمنطقة على وشك الانفجار في وجه أهلها؟ وبأيديهم؟ هل رصاصات جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية ونداءات الاستغاثة والحديث عن قوافل الجثامين، هي مقدمة لأزمة لاستدعاء صواريخ "توما هوك" الأمريكية إلى القاهرة؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا سيمفونية الدم والرصاص والحرق ومواجهة الجيش المصري؟، هل هذه الرصاصات المتناثرة يمكنها أن تغير واقعا؟، وهل هذه الرصاصات القاتلة دون تمييز يمكنها أن تفتح أبواب القبول الشعبي لمن يطلقها؟، وهل من يطلق رصاصات القتل هو المتهم؟ أم من صاغ الرصاص عقيدة للتعامل مع المجتمع؟ الدم يصبغ أفق اللوحة المصرية بلون رمادي، وليس لونا أحمر كما هو لون الدم، وهو ذات لون أفق اللوحة العربية، رمادية اللون رغم نزيف الدم في ربوعها. العلاقة بين لون الدم ولون الأفق، هي العلاقة بين الدم والقرار. خمس وحدات بحرية تابعة للأسطول السادس الأمريكي تقبع حاملة صواريخ توما هوك انتظارا لأوامر قصف الأراضي السورية، لأن هناك اتهاما باستخدام أسلحة كيميائية وغازات لقتل ما بين 1000 إلى 1500 من أبناء الشعب السوري!، ومن سيتخذ القرار، الرئيس الأمريكي، الحاصل على جائزة نوبل للسلام!، ولماذا؟، عقابا لسلطة استخدمت ضد شعبها أسلحة الدمار الشامل!، هل هناك أكثر من هذا تلاعبا بالعقل؟، وهل هناك أكثر من هذا كذبا وخداعا؟، بالقطع لا، فالحارس الأمين على الشعب السوري، الرئيس الأمريكي هو ممثل لدولة إنتاج الدمار والقتل، في المنطقة العربية، وهو وحده صاحب القرار، وما عداه هو رتوش على الصورة إن لم تنفع فهي لن تضر. من أهم التصريحات الإستراتيجية الأمريكية، بعيدا عمن يرفضون مقولة المؤامرة، تصريح قال به روبرت جيتس آخر وزير دفاع أمريكي مع جورج دبليو وبوش وأول وزير دفاع في إدارة أوباما، كان التصريح مواكبا لأسئلة عديدة عن دور المخابرات المركزية الأمريكية فور تفكك الاتحاد السوفييتي أول تسعينيات القرن الماضي وكان روبرت جيتس في حينها رئيسا للمخابرات الأمريكية، قال جيتس: "إن ما أطلق عليه صراع الشرق والغرب بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا، كان صراعا بين وجهي الحضارة الغربية، ولكن الآن يبدأ الصراع بين الغرب وبين الشرق الحقيقي وفي القلب منه الإسلام"، هذه حقيقة الإستراتيجية الأمريكية، حتى وإن استخدمت هذه الإستراتيجية الإسلام لصناعة فيالق الإرهاب في الدول الإسلامية ابتداء بقتال الإلحاد السوفييتي في أفغانستان لمواجهة الإلحاد، وانتهاء بفرق القتل والتفتيت للمنطقة العربية. هي إستراتيجية وليست مؤامرة، لها رؤيتها، ومهامها، وأدواتها، ولا تتغير سواء كانت الإدارة الأمريكية من المحافظين الجدد أو هي من الحزب الديمقراطي. كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل ــ أعانه الله على تحمل تبعات حريق مكتبته التي كانت لمصر وليس له شخصيا، وأرجو أن تكون للوثائق أصولها التي احتفظ بها دائما بعيدا عن إمكانية القرصنة كما قال مرة من قبل عام 1971، وأن يكون ما احترق صورا يتعامل بها ــ قال في كتابه "آفاق الثمانينات" على لسان اندروبوف زعيم الاتحاد السوفييتي السابق ورئيس الكي جي بي من قبل: "يمكن لأي زعيم دولة من دول العالم الثالث أن يطلب منا أي شيء، غير أن نطعم شعبه"، كانت الضائقة الاقتصادية قد حاقت بالقطب الثاني في عالم ذلك الزمن، ولكنها أيضاً مقولة تنم عن توجيه إستراتيجي لأي زعيم، أطعم شعبك من ناتج عرقه ولا تتسول الطعام. كان ذلك زمن الحرب الباردة، أو الردع المتبادل بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن في عالمنا الآن، والذي مازال أحادي القطبية، ويد أمريكا وإسرائيل مطلقة فيه، خرج تصريح من روسيا الاتحادية يقول إن روسيا لن تقاتل دفاعا عن سوريا، أي أن إستراتيجية روسيا الاتحادية هي "عض الأصابع"، وليس تحمل مسؤولية قطع الأيدي. المصالح تتكلم وليس ما يمكن تسميته التحالفات، فالتحالف يبقى قائما حتى لحظة انطلاق المدافع، ومن يملك إمكانية اتخاذ قرار الحرب، تبقى الساحة الدولية أمامه مفتوحة. ويخرج علينا موقفان متناقضان، واحد من لندن والآخر من القاهرة، فقد رفض مجلس العموم البريطاني الاشتراك في العملية العسكرية على سوريا، وكتب روبرت فيسك بأنها "أغبى حرب غربية في تاريخ العالم الحديث". ويبرر الرئيس الأمريكي اتجاهه لضرب سوريا بأنه يريد وضع حد يمنع تجاوز «الخط الأحمر» بشأن استخدام السلاح الكيماوي مستقبلا في الصراع في هذا البلد. لكن النائبة بمجلس العموم البريطاني سارة ولاستون ردت عليه بالقول إن أمريكا هي نفسها من تجاوزت هذا الخط عندما استخدمت الفسفور الأبيض في العراق، واستخدمت السلاح الكيميائي في الفالوجة تحديدا. وكتبت في صحيفة «الجارديان» تحت عنوان «لماذا قمتُ بالتصويت ضد التدخل العسكري في سوريا؟» تقول: كيف لا يعد الفسفور الأبيض الذي استخدمته أمريكا في العراق سلاحا كيميائيا؟ ربما لأن أمريكا هي فقط من استخدمه؟ هذا ما يجري في لندن، أما في القاهرة، فيقول المتحدث باسم الأمين العام للجامعة العربية: إن الجامعة لا تعطي الضوء الأخضر أو غيره، بل إننا نتحدث في إطار القانون الدولي ضمن أهمية الأزمة السورية من المنظور العربي، وكذلك من المنظور الأخلاقي والسياسي والإستراتيجي. إطار ومناظير، وقانون دولي وأخلاقيات وسياسة وإستراتيجية، وكأني بكل ضحايا الشعب السوري والعراقي والفلسطيني والجزائري واللبناني يصرخون بالرجل: "أعربي أنت؟". من المؤكد أن كل الأزمات التي مرت بالمنطقة العربية كان للجامعة موقف، ولكن عندما تضع الأزمة السورية أوزارها، سيسجل لنبيل العربي أنه أمين جامعة الدول العربية الذي كتب شهادة وفاة الجامعة وميثاقها. وخرج شخص اسمه فهد المصري متحدث باسم المعارضة السورية باتصال تليفوني من خارج سوريا كما قال للمذيعة التي سألته بذكاء أين هو، إلى فضائية مصرية خاصة، منددا بتأخر التدخل الغربي!، والحركات السياسية والثورية عندما تواجه سلطة الاستبداد، تحيا فوق الأرض وتجعل من شعبها ظهيرا لها، ولكن عندما تستعين بالعدو التقليدي لوطنها، ولا أقول لنظام الحكم فيه، تخلع عنها رداء الانتماء لهذا الوطن، تماما كما كانت أصواتهم تعلو بالتكبير والغارة الإسرائيلية تضرب مواقع داخل سوريا. على الذين يسعون لإسقاط نظام الحكم في سوريا الحذر من ضياع سوريا، وإن ضاعت سوريا فإن زلزالا سيطول كل المنطقة العربية، وأول ما سيضرب سيضرب مصر. إن الخطر يحيط بمصر، والحديث أن عام 2015 هو عام الانتهاء من أمر مصر على أجندة المهام الأمريكية لا يجب تركه دون اعتبار. الاعتبار الأول قبل السياسة والثورة والحرب، ألا يطلب أي زعيم من أحد أن يطعم شعبه، ولن ينتج شعب طعامه إلا إذا اعتقد يقينا بأنه يملك زمام أمره، وأن إرادته تعلو فوق القوة. الاعتبار الثاني قبل الثأر للدم، أن في عالم السياسة ليس هناك إبادة لوجود تنظيمي، ولكن الكيانات التنظيمية والعقائدية تتآكل من داخلها، وعندما يلفظها مجتمع، يصبح ملأ الفراغ مسؤولية المجتمع، بكل مستوياته. والاعتبار الثالث لملئ الفراغ، يبدأ بخطاب سياسي واضح يحمل القوة والصدق والشجاعة، يتحدث به من يعطي الرمز للوطن، ودرس يناير العظيم، أن الرمز للوطن لا يتمثل في فرد، ولكن الرمز للوطن هو إرادة شعبية تملك الرؤية وجسارة التعبير عنها. والاعتبار الرابع أن صبغة الأرض بالدم لا تحول دون ضرورة تجاوز رمادية الأفق. والاعتبار الخامس أن رمادية الأفق مصدرها التردد في إدراك معنى الثورة بأنها علم تغيير المجتمع، والمجتمع لا يتغير بتغير الأشخاص فيه، ولكن التغيير في جوهره هو إعادة ترتيب للقوى الاجتماعية داخل المجتمع. إن التغيير ليس بتغيير أوجه يذهب منها البعض ويعود البعض للمشهد وكأن الذاكرة قد أصابها العطب. والاعتبار السادس وهو أن الثورة ليست عملية انتقام ولا هي مفتاح للانتهازية السياسية، قد يجد البعض نفسه متصدرا للمشهد، وهو في تاريخه لم يقدم مبررا وحيدا لاحتسابه لصالح الثورة، إن المشاهد الحالية هي من صنع حالة التصحر السياسي، إنها إطلالات جديدة لعناصر نظام ثار عليه الشعب، سواء كانت هذه العناصر ضمن حزب أو جماعة حكمت، أو كانت ضمن من عايشها سياسيا، وكان غايته أن يبقى في المشهد السياسي، ينطق بما يعجب الشعب، ويفعل ما يتيح له البقاء على حساب آلام الشعب. والاعتبار السابع أن مهام الفترة الانتقالية وإن كان قد زاد عليها مواجهة خطر الإرهاب ورصاص الجريمة السياسية وصواريخ توماهوك الأمريكية، فإن الفترة الانتقالية كانت قبل بزوغ كل هذه الحقائق تدور وخطر الوجود الإسرائيلي في الشرق مصدر رئيسي لتهديد الأمن القومي. الاعتبار الثامن أن الوجود الحقيقي للثائر الملتزم بقضية مجتمعه، يرتبط بمدى انتمائه لهذا المجتمع، أرضا وشعبا، وأن حديثا بمفاهيم إنسانية تتجاوز حق الحياة وتسبق ضرورات الوجود، هي انحراف ببوصلة الثورة ودور الثائر، هي حالة انتحار. إن الحديث عن "العدالة الانتقالية" كبديل لإرادة الثورة في التغيير، والحديث عن مصالحات يدفع ثمنها نقدا، هو إعادة إنتاج لنظام الفساد ومؤسساته. إن الثورة لم تضع قانون التطهير وممارسة الحياة السياسية لعناصر المجتمع، وعلى ذلك فإن إحالة أمر التطهير إلى قوانين نشأت في نظام يجري تغييره هو إعادة لنظام الفساد والاستبداد دينيا كان أو غير ديني من باب خلفي وهو مدخل الانقلاب على الثورة. إن الكلمة الرئيسية لعنصر القوة في المجتمع تبدأ من إدراك مكوناته كما تريدها إرادة الشعب وتحتاجها. إن كل محاولة لحصار الجيش المصري بادعاءات ممن لو ترك لهم الأمر لعايشوا أي نظام لأن أساس مطلبهم هو طموحات ذاتية، إن هذه المحاولات هي بالأساس تفريغ الأمة من عنصر حمايتها وحائط الصد الوطني الأول. إن من لا يقف احتراما لعلم الوطن ونشيده القومي لا يستحق الحياة فوق أرضه.
638
| 03 سبتمبر 2013
موجات الثورة المصرية المتعاقبة بقدر ما فاجأت الإنسانية وامتلكت المبادأة، بقدر ما استفزت كل من له هوى أو خصومة مع مصر الشعب والدور والإمكانية. الاستغراق في مجرد قراءة المشهد الداخلي في مصر، يُفقد القارئ القدرة على تحديد عناصر القوى داخل الصراع وبالتالي يُفقده القدرة على التقدير الصحيح للموقف، وهي بداية لافتقاد الإدارة الصحيحة وتداخل الغايات والأهداف. وعندها يستمر نزيف الجهد والعرق والدم والدموع. العالم لا يترك مكانا يتحرك بعيدا عن سيطرته ووفق مصالح تتباين وتتعدد، ولكنها ذات مراتب متتالية القيمة، فالمصالح لمن يملك القوة أعلى في الترتيب، وتتقلص نسبيا مع تقلص القوة، والقوة هنا ليست مجرد القوة العسكرية، ولكنها بالأساس قوة النمو الاقتصادي واستقلاله وتوافر عناصر الإنتاج والأسواق والقدرة العلمية، ومن هنا صار الأمر يتجاوز عصر الكشوف البحرية، إلى عصر استقرار الخرائط الجيوسياسية، وكل محاولة تهدد هذا السكون الاستاتيكي يتم التعامل معها بلا ضابط وبلا هوادة، بدءا من محاولات الاستقطاب وتفريغ المضمون، وصولا إلى استخدام القوة العسكرية، وفرق القتل. قدر مصر لم تختاره، ولكن فرضه موقعها وتاريخها وتأثيرها، فنطاق أمنها يمتد من الإسكندرونة إلى منابع النيل بل ويتأثر بكل إفريقيا، ويمتد من غرب الهند ويمتد إلى الأطلسي، وليس هناك تجاوز أن تأثير مصر وصل إلى أمريكا اللاتينية، سواء بجيش إلى المكسيك أو بأفكار الاستقلال الوطني والتحرر، وكانت حركة "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز" دلالة دور في زمن الحرب الباردة. هذه الأبعاد لم تحدد تأثير مصر في نطاقها الإقليمي فحسب بل جعلت منها رمزا يمكن أن يحتذى. فليست مصر من دول الطاقة التي يحرص العالم على السيطرة عليها، ولا هي من دول القدرة العسكرية والأطماع التي يجب الحذر منها، ولكنها قوة الإنسانية الكامنة فيها، والقدرة التي ما إن تخرج من عقالها حتى تؤتي أثرها دون أن تستهدفه، من دون سلاح القتل أو الحملات العسكرية. موجات الثورة المصرية ثلاث، كان المشترك بينها أنها موجات شعبية تتجاوز ما سجله التاريخ الإنساني من حركات الشعوب ضد الاستبداد، وتعددت غاياتها إضافة وليست إحلالا واستبدالا، وفرضت على أطراف الصراع داخليا وخارجيا استبدال التكتيك والأدوات لخدمة إستراتيجية واحدة "عودة الإرادة الشعبية إلى محبسها وإجهاض احتمالاتها المستقبلية"، وتعددت دوائر الطباشير التي يجرى محاولة حبس مصر داخلها حسب التطور، ووجدت ألوان الطباشير الزاهية طريقها إلى أعين في الداخل أثبتت حركة الشعب وتنوع المواجهات، إنها أعين لقدرات لا ترقى إلى ما وصلت إليه الإرادة الشعبية، قدرة ووضوحا وتضحية، وأثبتت موجات الثورة الثلاث ضمور الحياة السياسية في مصر وعدم قدرتها على التطور، وصارت حركة أقوال وحناجر وليست فعلا منظما على الأرض، يمسك بالأرض بقواعد راسخة، ويمتد بامتداد قواها الاجتماعية، فصارت القوى السياسية والنخب والمتكلمة هم "كعب أخيل" الثورة الشعبية في مصر. موجة يناير 2011 هي الموجة الأولى، موجة احتجاج طورتها الإرادة الشعبية إلى ثورة شعب، وقبل أن تسقط رأس النظام، أسقطت ادعاء ظل الكثيرون من النخب يرددونه من علٍ بأن الشعب استسلم، بل ووصموه بالموات، ولكن هذا الشعب فاجأ العالم بجيل جديد كان رأس حربة الثورة، أبدع آلية الاحتشاد والاستشهاد فهزم الموت وسيلة لقمعه، كسر الشعب حاجز الخوف، واسترد ثقته في القدرة على التغيير. أطلقت أمريكا بعد استيعاب المفاجأة، مقولة "سرعة نقل السلطة إلى حكومة مدنية"، وكانت هذه دائرة الطباشير الأولى لحصار الإرادة الشعبية، وبدلا من إنجاز مهام المرحلة الانتقالية لاستكمال تغيير النظام، جرى إحالة أوراق التطهير إلى ساحة القضاء، ووجدت أمريكا ضالتها في جماعة الإخوان المسلمين ــ تكشف المعلومات المتاحة الآن أن العلاقة بينهما سبقت الثورة بأعوام كثيرة لم تتحدد بداياتها، ولكنها كانت على الأقل أعواما ثمانية. ظل الشباب يقدم الدم والشهداء دون أن يدرك حقيقة اختطاف الثورة، وتجاوز أهدافها، وإن كانت الشكوك تساوره بحجم المواجهات وطبيعة المسار الذي وضعته لجنة البشري. وجاءت الموجة الثانية وخرجت الجماهير بأعداد وصفت بأنها لا مثيل لها في التاريخ الإنساني، وكانت دروس الثلاثين شهرا السابقة واضحة للعيان. 30 يونيو 2013 لم يكن وليد صدفة، ولكنه كان بناء ينمو على محورين، الأول الكيانات السياسية وانعدام العصب التنظيمي الجامع لحركة الشعب، والمحور الثاني أن قيادة القوات المسلحة اختلفت من حيث الوعي والإدراك لحقائق ما يجرى فوق الأرض، وانحازت إلى جانب الشعب في مواجهة سلطة الإخوان. إذا وصفت الموجة الأولى بأنها الثورة، والثانية بأنها استرداد الدين والهوية والدولة، فإن الموجة الثالثة، 26 يوليو 2013، هي موجة المبادأة في مواجهة أمريكا والغرب، هي موجة الاستقلال الوطني، وكسر كافة الأسيجة التي تحاول أن تحبس الإرادة الشعبية، وهي موجة كشف عمق التربص بمصر من الداخل بالإرهاب وأصحاب أكلاشيهات الديمقراطية دون محتواها، والذين يبحثون عن مبررات الوجود السياسي على حساب الوطن. لم يعد مجديا لأمريكا والغرب أن يضع دائرة طباشير يحيط بها العقل والإدراك، فقد تلقى ضربة في أداته لتغيير الواقع العربي، وانكشفت أوراق اللعبة، ولم يجد من يذعن له رغم الاستماع لما يقوله ولحملاته الإعلامية، وانكشفت تركيا بأنها أداة أخرى ترفع ذات الشعارات وتعاند مصر، وتحطم حلم تركيا في استعادة إمبراطورية معاصرة بعد أن هدم أتاتورك إمبراطورية "تنابلة السلطان" في اسطنبول، وكأن مصر تأخذ بثأر معركة مرج دابق، وبثأر محمد علي. وبدأت أمريكا لعبة وقف المعونة العسكرية ولم تصل بعد إلى الحصار وبدأت مسار مجلس الأمن والتحركات العسكرية في المنطقة على نطاق عملياتي، متذرعة بأحداث سوريا، والاستعداد لتوجيه ضربة صاروخية لنطاق الأمن المصري الشمالي في سوريا، وكل هذه الإعلانات تدرك أن وجود روسيا في سوريا عائق رئيسي لتوجيه هذه الضربة، بل إن السبب الذي ترتكن عليه بأن النظام السوري وجه ضربة بسلاح كيميائي فندته روسيا ولجنة التحقيق الموفدة من الأمم المتحدة. وكان معامل الاستفزاز الأكبر لأمريكا والغرب حالة التنادي العربي التي قاربت موقف 1973، ومازالت الحالة العربية قابلة للنمو، ولكن المواجهة الحقيقية الآن تتمثل في احتمالات التدخل الخارجي سواء بالحصار أو بالقوة العسكرية، وعندها سيضاف إلى انتحار جماعة الإخوان عندما نادت بالدم أو السلطة، انتحار جديد للإدارة الأمريكية في المنطقة العربية. هل يمكن أن تبلغ الحماقة بالإدارة الأمريكية إلى خوض مغامرة عسكرية مع مصر؟ سؤال بالقطع يقفز فوق بدائل متعددة يمكن أن تستخدمها. أمام أمريكا الحصار، وليس بالضرورة إعلانه، ولكن يكفي التباطؤ في المعاملات، فمصر احتياجاتها الخارجية مصدر تأثير على الحياة اليومية لشعبها وهو ميراث النظام الذي ثار عليه الشعب. وأمامها الحرب الخفية، وإن كانت قد بدأتها بالسفيرة الأمريكية باترسون، فإنها تكمل بالمرشح لخلافتها فورد وهو أحد رجالات نيجروبونتي في فرق القتل الأمريكية أو الإرهاب بوجه إنساني كما وصفها البروفيسور مايكل شوسودوفسكي في دراسة نشرت على موقع "جلوبال ريسيرش"، والغريب أيضاً أن مساعد السكرتير العام الذي أوفده إلى مصر "فيلتمان" هو واحد من نفس مجموعة نيجروبونتي، وكأن مصر بموجة 26 يوليو أخرجت أسوأ ما لدى العالم ليصل للقاهرة حاملا أغصان الزيتون والحرية والديمقراطية، بينما فيلق الإرهاب من الجماعات الإسلامية الذي صاغته المخابرات الأمريكية وترعاه، يمضي في مسلسل الدم بمصر. ومازال أمامها الدفع بدماء جديدة لمعركة الإرهاب، فقد جرى تداول فتوى من دار الإفتاء الليبية لم يتم التأكد من مصدرها بعد، تقضي بوجوب قتال الجيش المصري، فهل هي باكورة التجنيد هناك لزاد جديد يفتح جبهة في الغرب، خاصة وأن الغرب هو المصدر الرئيسي للسلاح، وجرت عمليات ذات نمط مخالف لنمط القتل والعدوان على المنشآت، حيث أضيف تفجير شريط سكك حديدية يربط بين مرسى مطروح والإسكندرية، وهناك أقوال عن وجود معسكر للتدريب لما يطلقون عليه "الجيش الحر" في شرق بنغازي. وهل يفتح هذا أمام الجيش المصري مهمة عسكرية في شرق ليبيا لتأمين الحدود الغربية ووقف عمليات تهريب السلاح أو معسكرات التدريب، أم أن مصر أيضاً ستتدبر الأمر الأمني بوسائط أخرى دون الدخول في عمل عسكري. ومازال أمام أمريكا البديل التركي الحمساوي، وبدلا من أن تقوم حماس برعونة بالاشتباك مع مصر، تصبح غزة نقطة ارتكاز لتركيا، وبذات الجماعات الإرهابية، وبتنوع جديد في السلاح والتدريب والإدارة. ولا تعدم أمريكا ما يطلقون عليه أصدقائهم في السودان، فهل يمكن أن تمثل الحركة من الحدود الجنوبية بديلا آخر. كافة هذه الاحتمالات ظهرت عندما تأكد أمام أمريكا والناتو أن مصر عصية على الإذعان، وتبين لهم أن جماعة الإخوان التي اعتبرتها روسيا من قبل جماعة إرهابية وهاهي السعودية تعلن نفس الموقف، تلقى نفس المصير شعبيا في مصر، رغم إرهاب الطابور الخامس الأمريكي الفكري في مصر والذي يستغل كل فرصة للحديث عن إمكانية قبول من جديد لجماعة استعانت بالخارج ضد شعبها وهي لا تعدو أداة في يد أمريكا والغرب. هكذا تتعاظم مهام المرحلة الانتقالية ويضاف إليها احتمالات الحرب. وفي حالة الحرب يجري قياس الأمور والمواقف والكلمات بغير موازين حالات السلام أو حتى الفترات الانتقالية بعد الثورات. ليست مشكلة مصر أنها تستخلص إرادتها الوطنية لتبني المستقبل، ولكن مشكلة مصر قدرها، وأن ما سيتحقق فوق أرضها سيمتد أثره خارجها. كسر الشعب كافة دوائر الحصار الطباشيرية، وجعلهم يخرجون علنا لمواجهة إرادته، وهكذا دائما معارك الاستقلال والتحرر عندما يقرر الشعب أعمال إرادته، تكشف للعيان حقيقة المواجهة دون تجميل أو تزييف.
522
| 27 أغسطس 2013
أي وصف للأحداث التي تشهدها مصر، سيبعد عن الحقيقة إن لم يعش في كنفها، وبعين صادقة لا يحول دخان الحرائق دون أن ترى، وأذن تسمع وحوار يشارك وتحرر من عبودية النظرة المسبقة، أو الهوى على غير ما يتصارع في مصر. للدم والبارود والغاز روائح لا تغادر الذاكرة، وللموت، فضلاً عن الرائحة، لون ثلجي يلهب الوجدان، وللأوطان لحظات هي عنوان الحقيقة. حركة الوقائع فوق أرض مصر، الظاهرة للعيان كقمة جبل الثلج، هي محاولات مخاض يحمل ما يتجاوز مجرد الميلاد الجديد، هو مخاض الاسترداد، أمة تحرر إرادتها، وتحرر وطنها، وفوق ذلك كله تسترد دينها لتعود لها هويتها. إن كان الإيمان ما وقر بالقلب وصدقه العمل، فاللحظة في مصر تحتاج هذه القيمة النبيلة. وما يحدث فوق الأرض المصرية لن يحسم أمره خارجها، ولكن عندما تتحقق النتائج سيمتد أثرها إلى النظام العالمي الجديد بكل أطرافه. كنت والأسرة على الطريق الصحراوي من القاهرة إلى الإسماعيلية منذ بضع سنوات، وظهر تكدس للسيارات على جانبي الطريق، ودخان يرتفع وباقترابنا تبين أن نارا اشتعلت في سيارة والجميع يجري إليها بطفايات الحريق، ونزلت لأفعل مثلهم، ولم ينتظر أحد وصولي بطفاية الحريق، بل جاء من حملها وجرى إلى السيارة التي تحترق، وألقيت نظرة داخل السيارة لأجد ثلاثتهم يبكون، أشحت بوجهي بعيدا عنهم مفسرا البكاء أنه سلاح في مواجهة العجز. ولكن من وجد فرصة البكاء ليداوي إحساس العجز، لم يكن هو من يواجه المشكلة، بالإدراك، والقرار، والفعل. ويوما سيدرس العالم وقائع ثورة المفاجآت المصرية والمستمرة 32 شهرا حتى اللحظة، عندها سيدرك الدارسون أن من المصريين من واجه المشكلة وعيا وإدراكا وقرارا وفعلا، وهناك من كان يذرف الدموع باكيا ليداوي العجز، فالأمر يتجاوز قدرة التعامل لديها أيضاً من الوعي إلى الفعل، وفي اللحظة سيرصد ضمن دراسته تبدل المواقف تحت عناوين لا تتسق ومصائر الأمم، وسيرصد من يتحدثون عن الذات بأنانية، وحاجة كرسي الحكم إليهم بينما النار تستعر في الوطن، فالوطن ــ مهما علا صراخهم ــ مجرد مساحيق تجميل على وجه مهرج. ويومها رجال الإستراتيجية وإدارة الأزمات، كيف أن شعب مصر وجوهر هويته الندين، نجح أن يفصل بالسياسة والمواقف بين جوهر الدين والادعاء به للمخادعة، وكيف أن هذا الشعب الذي تصدى لاتهام الإسلام بأنه دين الإرهاب، وقف بكل مكوناته ليواجه الإرهاب فوق أرضه ويدفع الثمن من دماء أبنائه، وعلى الجانبين، فضحايا ضفتي المواجهة كلاهما ضحايا الإرهاب، أحدهم عندما جرت إعادة تكوين عقله متخذا من الانقلاب على أمته سبيلا أوهموه وأقنعوه أنه سبيل الله، والآخر ضحية استحلال الإرهاب لدم أبناء جلدته، بينما قدرته لا تتجاوز سوى إحداث خدوش في جدار الوطن. كنت عائدا بسيارة تاكسي من وسط المدينة بعد ظهر الأحد الماضي لمنزلي، ولأن الطرق المباشرة لا يمكن توقع حالها ويقترب موعد حظر التجول، فيجب اتخاذ طرق خلفية متعددة، وكانت أزمة لدى غدد من المواطنين أن يجدوا ما يقلهم، ووجدنا شخصا في اتجاهنا فأخذناه معنا، كما كانت حال المصريين خلال زمن حرب 1973 حيث تقف السيارات الخاصة على محطات الترام أو الأتوبيس العام ليعلن سائقها متطوعا عن وجهته ويحمل معه من يستطيع، كان الحديث متصلا مع السائق الموظف بإحدى الشركات العامة حول الأحداث، ومنذ ألقيت سؤالي عليه وهو يتحدث معددا جملة الأحداث من قتل وحرق، وحاولت إشراك "أحمد" الراكب معنا وسألته كيف يرى المستقبل، فأجاب من دون تفكير: سنكون مثل العراق أو سوريا، فأبديت استغرابي من الإجابة ولكن بعد جملتين قلت له: هل هذه رؤيتكم كإخوان مسلمين، وصمت، فمن حديثه وتعليقه أدركت توجهه. انبرى السائق مهاجما الإخوان، فعدت أسأل أحمد ما رأيك فيما قال؟، فرد ببساطة: أنا لم أسمع حرفا مما قال، ومع استطراد السائق إلى وجوب القضاء عليهم، وهاجم أن مرسي خرج من السجن للحكم وهو لا يستحق لأنه متهم بالتجسس، خرج أحمد عن صمته، كيف تقول هذا عن أناس يحفظون كتاب الله، "اتسجنا علشان البلد وانتم كنتم عبيد عند النظام، انتم فرحانين بالعسكر، حيضربوكم بالجزمة وانتم اتعودتم علي كده". وبدأ في كيل السباب إلى الشعب بألفاظ توحي أنه خرج عن أعصابه لينهي حديثه قائلا: "الجيش اللي سف التراب في 1967 عاملين رجاله علينا ومرسي جاء بالانتخاب"، وكان يجب إيقافه عند هذا الحد، وقلت له: ليس لدي رد عليك سوى أنك خسرت قضيتك بذاتك، فلنوقف الحديث، ولكن السائق لم يتحمل، وظل في حالة رد بكل صنوف القول والاستشهاد. لم أتركهما دون أن أوفق بينهما، ليعتذر كل منهما للآخر، فقد تكون هناك نتائج بعد نزولي تؤدي إلى ما لا نتمنى. هذه القصة البسيطة تحمل دلالات خطيرة، نظرة التمييز على أساس أنهم حاملون للقرآن، ونظرة التحقير للشعب والجيش معا، ومنتهى رؤيته للمستقبل أن مصر ستؤول إلى حال الاقتتال كما يحدث في العراق وسوريا. كنت أرجو أن يسمع هذا الحديث القائلون بأن المشكلة مع جماعة الإخوان هي مشكلة مع القيادات، فالحديث أثبت أن الرؤية التي يحملها المرشد العام وعناصر الدعوة إلى الدم، والتهجم على الجيش المصري، استقرت لدى أفراد الجماعة في قواعدها، وهو ما يعظم من الخطر. لا يحمل هذا التقييم معنى الإعدام للأفراد، فهذا أمر لا يستطيعه أحد، فالجماعة ليست عرقا أو طائفة محددة خارج المجتمع، يمكن أن تقيم لها هلوكوست، إن كان هناك مجنونا يريد فعل هذا، ولكن أفرادها من كيان الأسر المصرية، والانجراف إلى هذه العقيدة هو مشكلة المستقبل، مشكلة إمكانية اندماجهم الطبيعي في نسيج المجتمع. بل إن أصدقاء لنا كانت تجمعنا ظروف العمل الوطني والنقابي، تطولهم مشكلة إسهامهم في استدعاء لجماعات تحمل السلاح للقتل وبدم بارد، وبلغ الأمر حال معاتبة أحدهم كيف تقبل بما فعله أنصاركم، فيكون رده: لقد طلبوا منا عدم التدخل فيما يفعلون، هكذا لم تعد لديهم حرمة دم ولا شفاعة صداقة. إن كان حل جماعة الإخوان أمرا يجد إجماعا شعبيا وهو ممكن بالقانون، ويمكن تقنين الأحزاب السياسية بما يفصل بينها وبين ادعاء القداسة باسم الدين، فهل هناك حل يمكن أن يكون بغير هذا القرار الإداري وبغير المطاردات الأمنية باقي عمر أعضائها وما يستجد عليهم من أفراد، لإعادة الأعضاء إلى إدراك أن الوطن هو القضية وليس الوطن "جفنة من التراب العفن" كما قال سيد قطب. الحرب على الإرهاب في بداياتها، وكانت بعض التحليلات السياسية في أعقاب ثورة يناير تضع تخوفا أن تتحول مصر إلى جزائر أخرى، بينما يومها لم يكن الإرهاب قد تحول إلى ظاهرة مرئية للعيان. والملاحظ أن المواجهة في القاهرة الكبرى تجد زخما شعبيا يمكنه أن يسهم في مواجهة الإرهاب، ولكن الخطر بدأ في مرسى مطروح وبلغ استخدام المتفجرات لقطع خط السكك الحديدية بينها وبين الإسكندرية. من الخطأ اعتبار أن مواجهة الإرهاب مهمة الجيش والشرطة فقط، ولكنها بالأساس مهمة الجميع، والشعب في المقدمة، وإذا كان الإرهاب يحمل السلاح، فالشعب يملك الكتلة البشرية، ويمكنه أن يحول بين حركة الإرهاب والأرض، والمنازل، والعقل، ولن يمكن ذلك من دون قناعة بأن الشعب وهو مصدر الإرادة والسلطة هو كل واحد مع الجيش والشرطة. نعم هناك ما يوجب الحساب على أداءات الفترة الماضية، ولكن اليقظة وعدم استبدال الخصومة رهن بوعي بمدى الخطر. لم يعد مستساغا أن الشعب وراء الجيش والشرطة، بل الثلاثة معا في مهام متعددة داخل قوة مواجهة واحدة. وكانت عبارة القائد العام للقوات المسلحة: "إن شرف حماية إرادة الشعب المصري أكثر عزا لنا من شرف حكم مصر"، تعبر عن استيعاب كنا نتساءل هل هو موجود أم لن يتكرر، أن يستخدم وزير الدفاع تعبير الإرادة الشعبية، هو تطور لاحق على التنفيذ، فأضاف إلى العمل عمقا فكريا وانتماء. إن تعبير الإرادة الشعبية يفرض إدراك أن الشعب المصري قد قام في يناير 2011 بثورة لتغيير نظام الحكم الذي استوعب قائد عام القوات المسلحة أنه عندما يتعارض نظام والإرادة الشعبية والوطن يذهب النظام. والنظام ليس حكومة أو رئيسا، ولكن النظام بناء شراكة كانت بين السلطة والمصالح أنتج فسادا، وتعاظم هذا الفساد تحت وطأة سياسة التمكين، ووجب تحقيق مطلب التطهير، ولا أقول سياسات المصالحات الرومانسية أو ما يلقب بالعدالة الانتقالية والاستتابة، فالمثل الشعبي يقول: "قالوا للحرامي احلف، قال جالك الفرج". التطهير ومواجهة الفساد والحقوق السياسية تحتاج إلى شرف الثورة وشرف العسكرية المصرية التي قلت بها، أما أن يعيش الشعب بكرامة وعزة وبكل إرادته، أو "نموت أحسن"، هو ذات شعار التحرير "النصر أو الشهادة. أحد الأعباء التي تواجه الممارسة السياسية في مصر، هو حال النخبة والأحزاب، إنهم يمثلون الثقب الأسود في الحياة السياسية، الذي تلقف أي إنجاز ويحيله إلى سلم تحت عناوين كراسي الحكم دون رؤية إستراتيجية (كما تحدثت أنت عن ماهية إستراتيجية الجماعة، وطن أم سلطة)، إن الحاجة إلى دستور يجري إعداده لا يمكن أن يتم للمستقبل داخل ثلاجة حفظ الموتى، إن حيوية الدستور تتحقق من خلال رؤية للمستقبل وليس مراهقة دينية أو سياسية حول نص المادة الثانية. الأخطار التي يمثلها الإرهاب مادية يمكن أن تكون نتيجتها قتلا أو حرقا أو قلقلة للنظام، ولكن الأخطار التي يمثلها غياب الكادر المعبر عن الثورة سواء لحداثة السن أو للانتماء بالنفاق، أو بالارتكان إلى أداءات سابقة على الثورة، هو إهدار لمعركة القضاء على الإرهاب واسترداد الوطن. مصر بدأت مسيرة المستقبل بحرب الوجود ومعركة البناء وتحرير الوطن من الفساد، وهذا كله يحتاج أيضاً شرف الثوار وشرف العسكرية المصرية، الأحمال ثقيلة، ولكن الإرادة تستطيع إن هي أطلقت من عقالها.
418
| 20 أغسطس 2013
عرف العالم العديد من ألوان الحروب التقليدية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والنفسية، وأكثر أنواع هذه الحروب أثرا هي حرب الهوية، تلك التي تصنع أخدودا عميقا بين الوطن والإنسان، وتفتح الباب إلى حالة انفصام بين معتقدات الإنسان التي تشكل الهوية الرابطة والجامعة له مع غيره ممن يعيشون معه فوق أرض الوطن جغرافيا، ويدركون معا تاريخ حياتهم فوقها بصدق الإدراك له، ويؤمنون بدينهم كما سعوا بحثا عنه عبر التاريخ تفسيرا لمعنى الوجود والخلق، وحسبما وصلتهم رسالاته السماوية، ولا يخلطون بين الرسالة في جوهرها والتفسيرات الوضعية لها، وهذه الهوية تميز الشعوب عن بعضها بعضا، فبقدر اشتراك الشعوب بالعيش فوق الأرض، غير أن التمايز بين الشعوب واقع نشأ من تمايز مكونات الهوية ذاتها. وما كانت الحروب بألوانها رغبات بشرية مجردة، فأولى الوصايا العشر ألا تقتل، وحرمة النفس البشرية مقدسة، ولكن الحروب هي صراع مصالح أيا كانت ألوان تلك الحروب أو شرعية تلك المصالح، دفاعا عن وجود أو أطماع تنتاب العلاقات بين البشر. والحرب على الهوية الوطنية الجامعة لأمة، تسلخ الإنسان من مكوناتها، فلا أرض ينتمي إليها ولا وضوح وجلاء للمعتقدات وتتضارب صور التاريخ في رأسه وتتعدد التأويلات فيصير البشر كالزغب تتقاذفه نسمات الريح، وكلما اشتدت الريح تعاظمت حالة انعدام الوزن، فيفقد الأرض ولا يدرك انتماءه إليها، ويفقد الانتماء لمن حوله وتأخذ بعقله أوهام وخرافات لا وجود لها، أوهام وخرافات انقلبت على العقل فتنقلب على كل ما يجب إدراكه. المشهد في مصر الآن يعاني من حالة من التشرذم الاجتماعي والسياسي والديني، ولم تكتفِ كل شرذمة بانعزالها عمن حولها لا تسمع غير نفسها، ولكن كل منها أصابته حالة من الانفصام، فهي تعتقد غير ما تقول، وما تقول غير ما تفعل، ولم تعد الشراذم مرشحة للعلاج، ولكنها أصابت الوطن ذاته بحالة الاغتراب عن تاريخه وعصره ومكوناته، وصار في حاجة إلى عودة الروح. كانت البدايات مبكرة فيما نعاصره، وكما كانت الحالة في عصور الضعف في تاريخنا، عندما يمحو الفرعون اسم سابقه ويضع اسمه، المطلب محو ما سبق بفعل مادي ولكن الفعل المادي لا يمحو الذاكرة، وجل ما يمكنه هو محاولة التشويش من حولها، فيصنع شرخا في مصداقية الفرعون الجديد، ولا يملك الأخير غير الكذب والادعاء ليفرض ما يراه الفرعون الإله الجديد. ولم تستسلم الذاكرة وأبدعت إحالة التاريخ إلى حكمة شعبية هي زاد الهوية وعامل استقرارها على مر العصور، كلما ألم بالوطن خطب استعادتها، وزادت الخطوب من إبداعاتها لتزداد صلابتها، وتمكنت الهوية من الصمود أمام صنوف الغزوات الخارجية، ونجحت أن تأخذ منها ما تملكه من معرفة تخصب به إدراكها، وتدعم شخصيتها، وتصنع لنفسها إستراتيجية المصالح والنفوذ والأمن، وتحدد أدواتها. المشهد في مصر الآن عبثي لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تحيق بالوطن، مشهد يستلزم "عودة الوعي" وبلغة الثورة يستلزم "ثورة في الثورة"، لمراجعة بديهيات الهوية الوطنية، ليعرف كل حجمه وقدره ويلزم دوره إن كان له دور في مهام وتحديات يواجهها الوطن وليس عبئا عليها.. عجزت جماعة الإخوان عن هدم الدولة، بل إن خداعها للنفس أودى بأن يكشف الشعب حقيقة مقاصدها وتحالفاتها الداخلية المتغيرة حسب ما يقتضيه هدف التمكن من السلطة، وأيا كان الثمن، وهو ما استدعى تحرك فاق التوقعات ليطيح بسلطة الإخوان، ولم يبقَ أمامها غير الاستعانة بالخارج، وأدواته، واستخدام فيالق الإرهاب الديني ليوجه ضرباته في "كعب أخيل" المتمثل في سيناء والتي تحدد أبعاد القوة فيها اتفاقات كامب ديفيد وملاحقها العسكرية، بغير اكتراث بمضمون الهوية الوطنية والاستقلال الوطني، وخرجت نداءات الاستدعاء لأمريكا والناتو، موازية لنداءات الدم في الداخل، وفرضه واقعا جديدا للعلاقة بين المصريين في كل الربوع. الحروب تستمد مسوغات شرعيتها من أهداف معلنة، شرعية، وقابلة للتحقق، وذات مصداقية تؤكدها الهوية الوطنية ومشروع الأمة للمستقبل كما تتجه إليها الوقائع، وتتناسب الأساليب والأدوات شرفا مع نبل المقاصد النهائية لها. ولكن الجزء البادي للعيان من الحرب المستعرة، ليس سوى المعارك الافتتاحية لحرب قادمة ستؤثر بالقطع على عالم أحادي القطبية الذي تتصدره عسكريا أمريكا، وإن كانت معاركه الاقتصادية لا تدور لصالحها. المعارك الافتتاحية الدائرة في مصر لا تحمل المسوغات التي تمنح الحروب شرعيتها، فهي تتحدث عن الديمقراطية، وعن الدين والإمارة الإسلامية، وتتحدث عن التعايش وعدم الإقصاء، وتتحدث عن حق التعبير السياسي والاحتكام للشعب، ولكنها معارك افتتاحية مدفوعة الثمن مقدما، حروب بالوكالة كما كان حكم الإخوان حكومة بالوكالة عمن يدفعون ويديرون ويحمون، سواء كانت أجهزة مخابرات تحت ستار حكوماتها أو أجهزة مباشرة، تخطط وترتب وتدفع وتدرب وتورد السلاح وترسل وفود الإنسانية والديمقراطية وتتحكم في إنتاج الآلة الإعلامية العالمية. ما شهدته القاهرة من وفود للوساطة ترتدي مسوح الديمقراطية والخشية على السلام في مصر، هم ذاتهم مبعوثو الشيطان سواء كانوا يعلمون أم هم موظفون لهذا. وعندما يشهد مندوبو الشيطان لجماعة أو أفراد، فلا تأخذ بألسنتهم، ولكن خذ على أيديهم. إن استباحة دم المصريين في كل محافظات مصر تحت دعاوى الشرعية، تعني بالإطلاق أن مطلب المشاركة معدوم، وأن القصد هو الإقصاء وإن كان بالقتل. إن استباحة حرمة الكنائس ومنازل المسيحيين وأرواحهم، تحمل ذات المعنى، ولعل رسل الشيطان الغربي يشرحون لدافعي الضرائب في الغرب وأمريكا كيف استباحوا الدم المصري سواء كان مسلما أو مسيحيا. إن ما يجري في سيناء هو معركة الوطن البديل للإرهاب العالمي، إنها معركة البقاء أو الفناء لهم ولأجهزتهم، هي معركة ميلاد جديد للدين والوطن والبشر. إنها معركة الوطنية والقومية معا بعد أن سقطت كل الأقنعة، وثبت كذب أولئك يدعون أنهم القيمون على الدين والإنسان. إن متطلبات تحقيق خطة المرحلة الانتقالية تتطلب تجاوز حالة يد الإرهاب المطلقة الآن تقتل البشر وتخون الوطن، وتجد أن هذا كله حق إلهي لها. الشعب يدرك حقيقة المواجهة وعمقها، وقابل بدفع الثمن، ويدفعه كل لحظة تمر به، وهو يدرك حقيقة وجود الجيش المصري وانتمائه، فهو جيش الشعب، كان الشعب دائما منشأة في مواجهة الغاصب، وكانت اللحمة بين الشعب والجيش هي ما أنتج أن مصر مقبرة للغزاة. إن لحمة الشعب والجيش يجب أن تعي درس تفريط السياسة في نتائج المواجهة، كما فرطت السياسة في نتائج حرب 1973. وما زلنا ندفع ثمنه إلى الآن. الدبلوماسية ذراع آخر للبندقية، وليست بديلا عنها. ومواجهة العدو الذي يحمل السلاح، وخلفه ترسانة أعداء الخارج ليست مهمة الدبلوماسية، ولكنها مهمة المقاتلين. الحديث عن حرمة الدم، وعن حقوق الإنسان، تبدأ من حرمة الوطن، وأمن أبنائه ومستقبلهم. إن الفجوة واسعة بين حركة الشعب والثورة وبين التعبير السياسي عنها. إن مصر لا تبحث عن ديمقراطية صماء تعجز عن أن توفي الإنسان حقه وتكتفي بلعبة الكراسي الموسيقية على السلطة. إن مبحث مصر عن نظام سياسي يعبر عن إرادة الأمة ليست صيغة معلبة تكتفي بالمظهر دون المضمون. إن مصر الثورة لم تنهِ دعائم نظام الفساد الأسبق ولم تتطهر من رؤوسه وخياراته الاقتصادية والسياسية. ومصر الثورة تحتاج أن تنتج رؤية واضحة لنظامها الاقتصادي الذي يمكنه أن يحقق التنمية والعدالة الاجتماعية، وهي ليست مهمة فرد أيا كان قدره، وهي مهمة سابقة على الدستور القادم كما ظللنا ننادي. ومصر الثورة تحتاج إعادة تخصيب الحياة السياسية داخل الوطن، وأن تتجاوز حالة التصحر والجمود أمام قيادات بلا إبداع ولا ترى سوى ذاتها سبيلا للوجود، مهما ادعت من أفكار أو انتماء للوطن. إن حوار الشعب حول النظام السياسي الذي يرغب فيه يجب أيضاً أن يسبق صياغات الدستور الفنية، إن تجاوز هذه الخطوة لن يساعد على بدايات صحيحة لمهام الثورة. إن الحديث الذي بلغ فيه التجاوز مدى لا يقبله عاقل بشأن العسكرية المصرية، لن يتوقف أو يصل إلى مرفأه دون عقد مؤتمر حول الأمن القومي وعلاقة الجيش والدولة. إن الحديث عن عسكرة الدولة بمعنى أن كافة المناصب يجرى تعيين عسكريون بها، تعني بالضرورة غياب رؤية حول البناء الوظيفي للدولة، إن التسريح المبكر للضباط هو إنقاص من قدرة القوات المسلحة ويحرمها من خبرات تراكمت، ولكن واقع المواجهة الجديد يفرض استثمار قدرات الضباط وخبراتهم في بناء جيش وطني قوي، وهو في إطار البناء الوظيفي للدولة يتطلب رؤية حول الإمكانات البشرية التي يحتاجها النظام الوظيفي للدولة، والقدرة على قياسها، والوصول بها إلى زيادة القدرة التنافسية بالتدريب. إن غياب التدريب الإداري للخريجين، يضعف من قدرة الأداء، والالتزام بمهام التدريب والإعداد ضرورة للتنمية، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لتجاوز العجز الإداري ومواجهة الفساد. إن الدخول العفوي للشعب في مواجهة الإرهاب يؤدي إلى ضياع للجهد والقدرة، إن الشعب مطالب بتكوينات "المقاومة الشعبية"، وهي تكوينات يمكنها دون السلاح أن تعيق حركة الإرهاب، وتحاصره، وتكشفه. العديد من العناوين تفرض نفسها بعيدا عن ادعاءات التسامح، وتفرض تناولها بالجدية الواجبة حتى تحقق الانتصار في حركة الثورة. الشعب رفض الجماعة السرية، تكوينا وامتدادا وتحالفات خارجية، ولم يرفض شخص الحاكم ويعزله فقط، وأي مناورة على الشعب في هذا الأمر ستفتح الباب وبحق لتكرار المثال العراقي والسوري في مصر. والذين يفاوضون الآن حول الخروج الآمن لجماعة اقترفت من الجرائم ما تجاوز الخيانة العظمى، سيعكس الاتهام على من يعدون بما لا يملكون، لمن لا يستحقون. إن إدارة المرحلة الراهنة في مصر، مطالبة بإعادة ترتيب العلاقات الخارجية لحساب الاستقلال الوطني وليس على حساب الأمن القومي أو إرادة الشعب. وليدرك الجميع أن الشعب حضر ولن ينصرف، وأن عودة الروح للإدارة والأشخاص مطلب جوهري لاستعادة الوطن من غربته.
366
| 13 أغسطس 2013
المفاجآت المصرية تجاوزت قدرات التوقع بحدوثها المتوالي، وبدا إفلاس سيناريوهات التعامل مع مصر يشي بحالة من الانزعاج تترجمها الرحلات المكوكية المتنوعة إلى القاهرة، بدأت بحديث عن طلبات لقاء لرئيس مخلوع وموضوع في مكان آمن، وانتهت إلى أن يكون لجماعة الإخوان وجود في الحياة السياسية المصرية على نقيض ما كانت تطالب به الجماهير الشعبية في 30 يونيو. الغريب أن المطلب هو ذاته مطلب فبراير 2011، سرعة إجراء انتخابات للوصول إلى صيغة ديمقراطية لنظام الحكم، وكأنهم يلحقون بهذا القول جملة لا تغادر النوايا تقول "كما نريده ونراه وبمن نشاء"، وزادوا عليها هذه المرة تخصيصا أدق "بجماعة الإخوان". المفاجآت المصرية كانت دلالة حيوية عالية لدى شعب يستمر في حالة من الثورة والحركة والمقاومة والتعلم ثم يعيد الكره، ليشهد العالم أضخم تحرك شعبي في تاريخه متكررا لثلاث مرات في أقل من 30 يوما، بين يومي 30 يونيو حتى 26 يوليو. ولكن المفاجآت المصرية لم تعد مجرد حركة تنضج خلال مسيرتها، ولكنها اتسمت بالقدرة على استيعاب الدروس المباشرة خلال 30 شهرا مضت وكذلك ما هو أعمق من المباشرة، وتجاوزت حالة النضج الجماهير والحشود لتتماس مع الجيش، وما يمثله من عمود صلب للوطن والدولة، ونجح وعي الأطراف في استرداد الثورة والهوية وتحرير الدين من ادعاءات طالت قدسيته. لم تتوقف الإدارة الأمريكية عن التحرك وبحالة من السفور الكامل، متجاوزة الأعراف الدبلوماسية، من قبل 30 يناير وبعده، للحيلولة دون تحقيق الغاية التي خرج من أجلها الشعب. الشعب لا يريد محمد مرسي رئيسا، وأمريكا وآلاتها الإعلامية تطلق عليه انقلابا عسكريا. والشعب يرفض الإرهاب والتكفير وجماعة الإخوان، وأمريكا تتشبث بها وكأنها طوق النجاة لشيء يتجاوز مسائل أمن إسرائيل أو ترتيبات ضرب إيران أو مصالح بترولية في الإقليم. وكأننا بأمريكا تمسك بسيناريو "ألا يحقق الشعب نتائج يريدها"، "ويعتقد أنه حققها بهذا الأسلوب"، "وألا يتجاوز الوعي الشعبي مجرد مطلب لقمة العيش"، "ثم ما معنى أن الجيش ينضم إلى الإرادة الشعبية"، وكأن لسان حالهم يردد كلمات الخديوي توفيق في حضور ممثلي الدول الأجنبية بميدان عابدين إلى أحمد عرابي، "أنتم عبيد إحساناتنا"، ويدور حديث عن وقف تسليم دفعة من طائرات أف 16 إلى مصر، وكأنه عقاب. ويتكشف أن أمريكا لا تريد لمصر أن تتجاوز حالتها التي كانت عليها تحت حكم مرسي وجماعة الإخوان، أيا كانت الشعارات التي ترفعها الإدارة الأمريكية أو تتجاوزها. لم تستطع الإدارة الأمريكية أن تفهم مصر كما هي مصر، وليس كما تتصورها أو ينقل صورتها إليها العديد من أصدقائها. وبلغ الأمر أن يشيع بين الشعب المصري وبحالة من الثقة، مقولة أن الثورة المصرية هي أول ثورة تتسبب في عدم استكمال رئيس أمريكي لمدته الرئاسية. تحول الفشل الأمريكي في التعامل مع مصر إلى حالة اضطراب في تصرفات الإدارة الأمريكية، وكأنها إدارة ناشئة في العلاقات الخارجية، وبدا أن الإدارة المصرية في هذا الشأن حققت نتائج إيجابية. وتنشر الواشنطن بوست حديثا للقائد العام للقوات المسلحة المصرية الفريق أول عبد الفتاح السيسي، يمثل علامة رئيسية على تاريخ العلاقات المصرية الأمريكية: أولا: أن الرئيس أوباما وإدارته "أدار ظهره للمصريين.. وأن المصريين لن ينسوا ذلك" وهو أمر مناقض لمقولة أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا!. وإن كان هذا القول يبدو معاتبا، غير أن عتاب الجنرالات لا يتساوى وعتاب العوام من البشر، وها هو رجل يقود الجيش المصري يتحدث عن المصريين ويعنيه كيف يتم التعامل معهم، وباسمهم يقول إن المصريين "لن" ينسوا هذا، حديث ولغة جديدة على العلاقات المصرية الأمريكية. ثانيا: "أن الجيش المصري بتاريخه لا يليق التعامل معه بمنع دفعة طائرات".. وكأننا أمام إعلان حالة إدراك لضرورة تنويع مصادر السلاح، فهل تحمل الأيام القادمة تحولا في العلاقات المصرية الخارجية في المجال العسكري، كما تحمل الكلمات من معان، خاصة أن قيمة الكرامة والشرف كانت تملأ خطابه لدعم حركة الشعب والدفاع عنه. ثالثا: "أن تستخدم أمريكا نفوذها لدى جماعة الإخوان لنبذ العنف"، وهو ما لفت الانتباه أن هناك علاقة وطيدة تسمح لأمريكا أن تطلب من جماعة الإخوان فتنفذ، وبمعنى آخر فقد علق أجراس الإرهاب في رقبة أمريكا، وأنها هي المسؤولة عنه، وهي لغة حديث واضحة وقاطعة لم تسمعها أمريكا منذ زمن بعيد، زمن ترددت فيه معاني الاستقلال الوطني. رابعا: "أنه لا يفكر في الترشح لمقعد الرئاسة"، وهو نفسه الرجل الذي وصف توليه منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة "بالوظيفة"، ولم يحاول أن يرتدي عباءة القائد الروماني المنتصر. وتبرز قيمة هذا التصريح في أنه يفصل بين المؤسسة العسكرية واحتياجاتها لقيادات تدرك أهميتها وقيمتها في وطنها وتجرد تحركها عن الأطماع الشخصية، وهو تصريح يعني أن القوات المسلحة ستبقى رمانة الميزان في حركة المجتمع نحو تحقيق أهداف الثورة، وهي تحتاج إلى قائد من هذا الطراز. ورغم هذه التصريحات ووضوحها، غير أن حالة من عدم الرضا تسود الشارع المصري، بشأن أمرين، أولهما حالة العنف غير المبرر والذي بلغ حالة الإرهاب للمواطن المصري وعدم فض الاعتصام كخطوة أولى لمواجهة الإرهاب الداخلي، خاصة أن وقائع ما يجري في سيناء تؤكد أنها مواجهة تتجاوز مدى الأحداث ولكنها تتصل لتشكل صورة الحرب. والثاني هو الموقف من جماعة الإخوان، خاصة أن الخروج الشعبي في 30 يونيو لم يكن يسقط إدارة سلطة البلاد لأنها منحرفة، ولكنه كان يسترد الوطن والدين والهوية من حالة التشويه التي أدارتها الجماعة تجاهها، ومعها كل تابعيها من التنظيمات الموالية لها. عدم الرضا نابع من الثمن الذي يدفعه المواطنون يوميا، وأن التفويض الذي استجاب الشعب لطلبه يوم 26 يوليو لم يكن الغرض منه أن تستفيد جماعة الإخوان وتصبح ممثل الإرادة الأمريكية فوق الأرض المصرية، ولكنه كان تفويضا لإنهاء حالة القتل والتعذيب تحت دعاوى الشرعية، واستخدام الأطفال كموانع بشرية في مواجهة أي عملية تستهدف فض الاعتصامات، غير السلمية قولا ودعوة. عدم الرضا كاد أن يحول محمد البرادعي من أيقونة الثورة كما يطلق عليه البعض إلى مشكلة الثورة، وبلغ الأمر إلى وصفه بالخلية الإخوانية النائمة رغم معانات الرجل مع تلك الجماعة والأحزاب الموالية لها، ولكن حديث البرادعي عن المصالحة لم يلق ترحيبا وخرج الرجل في حديث استغرق ساعة على فضائية مصرية ليجد فسحة من الوقت لتفسير ما يعنيه. وبدا الأمر كما لو أن هناك لعنة في مصر لمن يحمل جائزة نوبل، السادات قتله الإسلاميون وسط جنوده، ونجيب محفوظ اعتدى عليه أحد الإسلاميين بطعنة في الرقبة، وأحمد زويل انزوي في أمريكا لعلاج مرض سرطاني، ثم ها هي الفتاة اليمنية كرمان توكل يتم منعها من دخول مصر بعد أن كشفت عن انضوائها سياسيا تحت لواء الإخوان، وترديدها لمقولات اعتبرت وبحق تجاوزت فيها حدود اللياقة بين العرب، وليس كما يتحدث البعض عن حقوق الإنسان كما يراها الأمريكيون وتمارسها السفيرة الأمريكية في مصر آن باترسون والتي تكاد تضع جماعة الإخوان تحت جناحيها. وعادت إلى الأذهان حالة التردي الأولى في فبراير 2011 عندما كانت الأقوال ثورة والأفعال مضادة للثورة، وخرجت أصوات تتهم الحكومة الانتقالية بالتخاذل وأنها ترعى الخارج أكثر منها تنظر لإرادة شعبها. فهل ستفاجئ مصر العالم بحركة تصحيح جديدة؟، إن الشعب سيتولى أمر مواجهة الإرهاب في وادي النيل بنفسه دون الاعتماد على الحكومة. الحقيقة أن الحرب على الإرهاب لن تنتهي بفض الاعتصامات المؤيدة لمرسي، ولكنها ستبدأ على نحو آخر بعد الانتهاء من فض الاعتصامات. قد يكون إطالة أحبال الصبر، وحل الأمر دون استخدام القوة، ووضع القواعد المنظمة لممارسات الدعوة الدينية، وإنشاء الأحزاب السياسية، والحيلولة دون كل من أتي جرما في حق الوطن أو المواطن، والهروب بجريمته، واعتبار أن الداخل هو صاحب الحق الأصيل في الوطن، وأن من يستمد قوته من الخارج ويتصالح مع الوطن على مائدة أمريكية، هو بالحساب والمنطق جسم غريب على الوطن. إن ما يجري في مصر الآن يزيد من عزلة السياسيين والنخبة عن المجتمع، وهي مشكلة ممتدة سواء في وضع الدستور الجديد، أو في الانتخابات التي ستنتهي إليها الفترة الانتقالية. يجب الثقة أن تفويض الجيش لن يضيع سدى، لأن القائد العام للجيش هو من طلبه، ولعل الأيام القادمة تكشف عما يدور خلف الغرف المغلقة، وحجم التحديات والخطط التي توضع لمواجهتها. ادعت جماعة الإخوان أنها حامية للدين، فمارست الكذب والتعذيب بالشوارع والقتل، ومدهم الله ومن والاهم في طغيانهم، وانكشف أمرهم أمام الشعب، فكيف يعاند أولئك الذين يتحدثون عن عدم إقصائهم، ويتحدثون عنهم كفصيل سياسي، يعاندون الشعب والحقيقة، ولا يملكون مبررا منطقيا واحدا غير أن الجماعات تهدد وتتوعد إن لم يجر تمكينها فهو الدمار والقتل. الشعب المصري خاض في مواجهة قوى الظلام حربا للدفاع عن دينه، ونصره الله فيها، وكشف ما يتعرض له الأمن القومي، وخرج لاسترداد إرادته والدفاع عن أرضه، وهو في مواجهته كان يسترد هويته ويسترد الثورة، ويجب الآن التوقف عن مفاوضات الانصياع للتهديد الأمريكي بالإرهاب، وإقامة حالة توازن للقوى في مواجهة غطرستها. إنه الصبر والاصطفاف واليقين بالله والوطن والمستقبل، وكل دم وأي دم هو فداء للوطن شريطة أن يكون العائد للشعب.
500
| 06 أغسطس 2013
موجات التسونامي الشعبية المصرية الثلاث مازالت تتكشف آثارها تباعا، وبدلا من أن تغرق الأرض، تحرثها، عل تعرضها للشمس يخرج ما كمن قي جوف العقل المصري من ديدان وآفات أنتجتها الثلاثون شهرا الماضية. سؤال شكسبير الشهير "أكون أو لا أكون"، هو ذاته تلك الأسئلة الثلاث التي طرحها حكيم الخارجية المصرية الدكتور محمود فوزي أول سبعينات القرن الماضي، ونقلها عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل، في توصيف للحالة المصرية زمن اللا حرب واللا سلم، حيث قال الرجل بأن مشكلاتنا ثلاث: 1. أننا نبدو كرجل أراد أن يغيظ وجهه فقطع أنفه. 2. ما الذي يجدينا أن نضع رأسنا على كتف العالم ونجهش بالبكاء على حق ضائع؟ 3. أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام المشاكل. هي ذات الأسئلة نطرح نفسها أمامنا الآن، حيث تتراوح المواقف في مصر من جراء صدمات الحقائق المتتابعة والتي لا تعصف بنظام حكم أو جماعة بل تأخذ أيضا بنواصي أشخاص وتنظيمات ومجمل الحياة السياسية. تبدو جماعة الإخوان وقد أخذت بالخيار شمشون، تهدم المعبد على رأس الجميع، تدعو للعنف وتمارسه وتصل إلى حد قتل وتعذيب مواطنين ـ حتى الصبية والنساء ــ لا علاقة لهم بسلطة غير عابئة بحرمة الدم، ولا تدرك ما وصلت إليه علاقتها بالمجتمع من عزلة وتنامي الرفض لها ككيان ولأعضائها كأشخاص، وتذهب إلى الدعوة للتدخل الأجنبي لإنقاذها، وكأن لسان حالها يقول إن كنت لم أستطع أن أقوض الدولة في مصر، فلتأتي أمريكا لتقوضها، وأيضا غير عابئة أن هذه الدعوة تعد في الضمير الوطني المصري خيانة، وقد يمكن تجاوز الدم بين أبناء الوطن الواحد ولكن لا يمكن تجاوز وصمة الخيانة، وهي بذلك تحرق الأرض بينها وبين وطن وشعب هما بيئة وجودها وكأنها وافد أجنبي على الأرض والناس. ووقعت الجماعة ضحية حالة الإنكار لما حدث وعدم القدرة على استيعاب حقيقة أن الشعب خرج بثلاث موجات تحدث خلال 26 يوما لأول مرة في تاريخ الإنسانية بهذه الأعداد، وهذا الوضوح والإجماع الشعبيين في مطلب إزاحتهم عن السلطة، وبحالة من السلمية لا تتناسب وحجم الأعداد والتكدس والاستمرار. ورغم كل ذلك فإن حالة من عدم التصديق وما يشبه الشفقة أصابت بعضا من العناصر خارج التيار الديني، فهي لا تريد الدم ولا تقبل به، وهي في الوقت ذاته عاجزة عن تجاوزه، فلم يعد أمامها غير أن تنضم بما تقول به إلى جانب التيارات الدينية، وكأن حالة فقدان التوازن، وعدم القدرة على استيعاب أبعاد الخطر، قد شملتهم، خاصة بعد مواجهة حدثت كانت الشرطة طرفا فيها، وبلغ عدد ضحاياها ما يزيد عن 70 شخصا، وعندما تصبح الشرطة طرفا، يستدعي الكثيرون حالات المواجهة السابقة، وصارت الكلمات تجري على الألسن حاملة شكل القيم، وفي حقيقتها تحمل شبهة التردد وعجز الإدراك. الدم حرام، حقيقة، وسواء، نعم. والوطن.... ماذا عنه؟. الشعوب تقدم أرواحها فداء لحرية أوطانها واستقلال أراضيها، ولكنها لا تفرط في أوطانها حفاظا على دمها. الجيوش الوطنية ليست مستأجرة لمهمة الدفاع عن الأوطان، ولكنها طليعة مسلحة للشعوب دفاعا عن حرية الأوطان. هنا خط واحد وفقط لا يمكن تجاوزه، وهو بقاء الوطن ووحدة أراضيه واستقلاله، الدم له والفداء له والجيوش له والكلام له، أما أن يجري التفتيت والتوزيع والتقسيم حسب الأهواء، فهذا بالقطع دلالة غياب العقل والإدراك والإرادة. السؤال الآن إلى أين من هنا؟ هل هناك خطوات قدرية لا فكاك منها؟ أم أننا نملك أن نختار؟. لا أكون متشائما بقول إننا لا نقفز إلى مجهول أسود، ولكن حتى نعبر ما نحن فيه مازال أمامنا مسار طويل، ومرير، ويحتاج إلى رجال بأحجام الحوادث. رسخ في خيال الساسة أن الحياة السياسية طريق المغانم وليس طريق المسؤولية، وكأننا في حاجة إلى ثورة "ثقافية" على غرار ما حدث في الصين، لنعيد مفهوم العمل العام على أنه مسؤولية، لا هو طريق للثراء والوجاهة الاجتماعية، ولا أن من يتولاه هو عرضة للدهس بالأقدام، ثورة داخل الثورة هو ما نحتاج. فكما أن الحديث عن الحروب ليس كخوض الحروب، فالكلام عن الحقوق والمهام ليس كالتصدي لها. أعادت الحركة الشعبية تشكيل الواقع في مصر، رفضت حكم الإخوان والرئيس، ولم تكن ترغب في إقصائهم، ولكنهم حملوا السلاح ومشروع القتل إلى الشعب، فصار حديث عدم الإقصاء نوع من المثالية المفرطة. وهنا تبدو المبادرات التي لا تعترف بما جرى في الواقع نوعا من أحلام اليقظة، كما أن الإبادة بالدم كابوس لا يتحمله وطن ولا يطيقه، يرفضه نعم، فهل بلغ الصدق برجال فيه أن يتجنبوه؟. ليس هناك طريق للحل بدون تضحيات، ومصائر الشعوب لا تتقرر بالتمني أو بالبلطجة، ولكن بالحقائق التي تتشكل فوق الأرض، بعيدا عن أحلام اليقظة أو كابوس الدم، ووسط ذلك كله يجب الإمساك بالتالي: 1. لقد استردت مصر بثورة يونيو دينها وولايتها على أمرها. 2. إن ما تدور وقائعه في مصر الآن هو استرداد للثورة، وهو يعني بالقطع التمسك بأهداف الثورة، والوعي بمهام المرحلة الانتقالية. 3. أن اللحمة بين الشعب والجيش، واسترداد مؤسسات الدولة هي معامل رئيسي لضمان أمن الوطن القومي. 4. إن المعركة ضد الإرهاب هي معركة الحياة للأمة. 5. إن ثورتي يناير ويونيو أسقطتا نظامي استبداد وفساد، وان التعايش مع عناصر الاستبداد والفساد هو أمر سيجعل الشعب يدفع الثمن مرات متكررة، فتحقيق التطهير من عناصر الاستبداد والفساد ضرورة لبناء المستقبل. 6. الالتزام بحل كافة التشكيلات التي حملت السلاح ضد الشعب، دينية كانت أو سياسية، وأن جماعة الإخوان يجب حلها وحسابها على كافة ما جرى خلال الثلاثين شهرا الماضية. 7. أن تظل الذاكرة الوطنية في حالة يقظة لما جري خلال الثلاثين شهرا الماضية، وألا تفقد القدرة على تحديد من المسؤول ومدى مسؤوليته. 8. أن الدستور والقانون هما سبيل العدل والحقوق في دولة الثورة. أن هذه المحددات ضمانة عدم الانحراف عن الطريق أو الانسياق إلى معارك فرعية حول حرمة الدم والمصالحة والإقصاء، وأن الحمائم ليس في مواجهتهم صقور، ولكن في مواجهتهم حق وطن في الحياة وأمنه القومي. قال صديقي إن أمه الفلاحة المسنة (85 عاما)، ولها حفيدان بالكليات العسكرية، بعد أن استمعت إلى خطاب وزير الدفاع، أمرت أبناءها وأحفادها بالخروج وهي معهم، وعندما عاتبها ابنها أنت مش خافيه يا أمي يحصل لك حاجة، فأجابته وهي التي عانت من دفع ضريبة اعتقاله المتكرر بسبب العمل السياسي، أنا عشت عمري خايفة عليك إنك تموت. ما تواجهه مصر ليس خلافا سياسيا، ولكنها حالة احتراب واستقواء بالخارج، وبقدر ما أسقط خروج الشعب المصري النظام والجماعة وأتباعهم وحوارييهم، فإن حركة الشعب كشفت لمصر وللعالم العلاقة بين الإرهاب وأمريكا، وكشفت مدى كره الشعب المصري للأداء الأمريكي الذي لا يعنيه على الإطلاق غير مصالحه، وتبنيه لجماعة الإخوان وتمويلها ومشاركته في حملة التشويه الإعلامي لحركة الشعب في يونيو. الإرهاب في سيناء هو ذاته ما يحدث في رابعة العدوية وميدان النهضة، والفصل بينهما نوع خداع الشعب، ففي كل هذه الأماكن هم يحملون السلاح ويقتلون ويغتالون، ولا يعنيهم دين أو وطن أو شعب، والاعتقاد أن مواجهتهم بالحوار ستؤتي نتائجها، هو نوع من التنصل من مسؤولية الدفاع عن الآمنين، نعم سنتألم، وسنمضغ العلقم، ولكن هي لحظات في تاريخ الأمة لا تقبل ازدواجية المعايير. الخيار شمشون هو خيارهم، ولم يدفع بهم أحد إلى الانتحار، ولكن حق الشعوب في الدفاع عن النفس والأرض والعرض، هو حق لا فصال فيه، فما الذي تحمله الأيام القادمة، قد تحمل أي شيء إلا أنها لن تحمل تراجع عن الثورة وأهدافها.
406
| 30 يوليو 2013
ميزان العقل والضمير يفرض في هذه اللحظة أن يرقى الحديث حول مصر إلى شرف العطاء الجاري فوق الأرض، وحرمة الدم المسال من الشعب، وأن يدرك حقيقة الحرب الدائرة في ربوع مصر. ما تخوضه مصر الآن ليس صراعا سياسيا على الإطلاق، وليس مواجهة بين أنصار ديمقراطية وأهل انقلاب على الديمقراطية، إنها حرب استرداد الإرادة الوطنية من الاغتصاب الذي جرى خلال الثلاثين شهرا الماضية، وحاول المغتصب أن يبني قواعده المسلحة داخل الوطن، وأن يبني تحالفاته مع الخارج، وكل غايته تكريس الاستيلاء على السلطة في أعقاب يناير 2011. الدم المسال كله مصري، وكله حرام، وكما أن الوطن ليس وجهة نظر، فحرمة الدم أيضاً ليست وجهة نظر، وهو أمر يزيد من مرارة الصراع، وترخص أي كلمات تحاول تبرير الدم، أو التغاضي عنه. القلم الآن كمشرط جراح، لا يملك فسحة من المكان أو الوقت، فاللحظة لها قدرها وقيمتها في عمر الوطن، واي خطأ من يد جراح ترتعش، او تتجاوز، رغم نبل مقصده، قد تحول عملية الإنقاذ بالجراحة إلى عملية قتل. الفصل بين 30 يونيو 2013 و25 يناير 2011 هو نوع من التعسف في دراسة ما جرى على الأرض المصرية، فحقيقة الأمر أن 25 يناير 2011 أسقطت وجها واحدا لنظام الفساد الذي كان يحكم مصر، وأسقطت 30 يونيو 2013 الوجه الآخر لهذا النظام. الحزب الوطني وجماعة الإخوان وجهان لعملة واحدة، استطاع الأول أن يبقي 30 عاما لأنه كان مستنبتا من رحم الدولة، ولم يبق الثاني أكثر من عام لأنه كان أعمق خطرا من مجرد الفساد، كان الفساد مضافا إليه الاغتراب عن الدولة، ولأنه بلا وجود في الدولة، كان باحثا عن استقواء بالخارج، سواء بأنظمة صنعته ومولته، او كان الاستقواء لاستعواض الاغتراب عن الدولة بفيلق الناتو الديني من جماعات الإرهاب تحت راية الإسلام، والفساد والاغتراب فتحا باب التفريط وصارت المحظورات الوطنية مستباحة بلا حدود في معني الوطن والأرض والإنسان. هناك مواجهات بالسلاح والدم، والفصل بينهما هو تغييب للإدراك: 1. المواجهة بين الجيش والجماعات الإرهابية. 2. المواجهات الدموية التي تفرضها جماعة الإخوان. المواجهة مع الجماعات الإرهابية ليست حربا بين جيوش نظامية، ولكنها هي مواجهة مع حرب العصابات. وإذا كان البادي للعيان أنها مواجهة في سيناء وأغلب عملياتها في الشمال، غير أنها من حيث احتمالات التمدد والانتشار لا تترك مكانا علي سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة أو ساحل المتوسط، ولا تترك أيضاً مكانا على كافة الحدود البرية، سواء كانت المواجهة لقطع خطوط الإمداد للكيانات التي اتخذت قواعد في سيناء او في غيرها، أو لاحتمال قيام جماعات أخرى من خارج مصر بغارات للإرباك او استهداف لمواقع أو لضجيج إعلامي لدعم ما يحدث داخل مصر، وليس هناك ما يمكن استبعاده، خاصة بعد أحاديث عن مواقف لبعض الدول، ولتنظيم القاعدة، ولتنظيم الإخوان الدولي. وفي الداخل بعيدا عن المناطق الحدودية وسيناء (والذي يمكن للعمليات الإرهابية أن تمتد إليه علي غرار ما يجري في العراق)، تحولت جماعة الإخوان إلى قنبلة عنقودية، بانفجارات متتالية، بلا أي معني وبغير أي قدرة علي الحسم، وفي كافة الاتجاهات، وصارت ظاهرة القتل والتعذيب واستهداف عناصر الجيش والشرطة، تخرجهم عن أي توصيف ديني او وطني أو أخلاقي، وكأنها حالة من الانتحار الجماعي، تحاول أن تصل إلى الحالة السورية وبأي ثمن. لم تنقسم الجماعة إلى عقلاء ومنفلتين، ولكن الحالة شملت الجميع وبلا استثناء، وراحت الجماعة تستدعي كيانات أخرى من داخل المجتمع لتحمل معها رسالة القتل إلى المواطنين. أي أن المواجهة صارت جبهة يواجه الجيش فيها الجماعات الإرهابية، وجبهة داخلية يحول التحالف الأمني أن تتصاعد فيها الاشتباكات إلى الحرب الأهلية. أي مواجهة مسلحة بالقتال، أو بالقتل، أن لم يتحدد لها هدف تصبح نوع من البلطجة، وهي في حالة الإرهاب الديني بلطجة مطلقة، فهي لا تستند إلى شرعية تسوغ لها حمل السلاح، بل الغريب أنها تحمل السلاح بعيدا عن ميادين المواجهة الحقيقة مع مصدر الخطر الرئيس في المنطقة. للمواجهات أهداف تسعى الأطراف إلى تحقيقها، وتحول دون أن يحقق من تواجهه أهدافه. أيا ما كانت أهداف جماعات الإرهاب المسلحة النهائية حتى وإن ادعت السعي لإقامة إمارة على أرض سيناء، إلا أنها لا تتجاوز فيما تؤدي سوى استهداف مواقع الجيش والشرطة وعناصرهم، مضافا إلى المواقع الإدارية بالتدمير، أي أن حجم الفعل لا يتجاوز هدف "إعلان عدم سيطرة الدولة على تلك المناطق"، وإعلان عجز الجيش والشرطة عن ردعهم، وفي مواجهة ذلك تتعدد مهام الجيش لتستهدف عزل الكيانات التي تكونت عن أي مصادر إمداد وتموين، سواء بالسلاح والذخائر او بالأفراد، ثم تصفية القواعد التي تنطلق منها وتدمير إمكاناتها المادية، وثالثا منع هذه المجموعات من نقل عملياتها إلى مناطق أخرى خاصة داخل الوادي أو إلى منطقة القناة. أهداف هذه المواجهة مع حالة حرب العصابات، تعتمد علي القدرة علي الاستمرار واستنزاف هذه الجماعات وتحقيق ضربات حاسمة في مواجهتها، والحد من خسائر فترة الاستنزاف اللازمة لتحقيق هدف التصفية. والهدف علي الجبهة الداخلية قد يتحدد في الحفاظ علي كافة منشآت الدولة، والحد من نزيف الدم، وحصار التجمعات وعزلها عن أي مدد بالسلاح او الأفراد وتركها للتفكك الذاتي، والاكتفاء بمواجهة الأهالي لحركة مجموعات تنتمي للجماعة أو من مواليهم مع الحرص علي عدم تحول هذه المواجهات إلى حالة حرب أهلية. والفصل بين المناطق التي تتمركز فيها قواعد الجماعات الإرهابية، وبين الداخل هو هدف رئيس، حتى تؤتي حرب الاستنزاف في الحالتين نتائجها. ويضاف إلى حزمة الأهداف هذه هدف جوهري، وهو الحرص على ألا تتحول حرب الاستنزاف إلى نزيف للمجتمع، سواء على المستوى النفسي والروح المعنوية، أو على مستوى القبول بالتضحيات، أو على المستوى المعيشي، وأخيرا على مستوى استيعاب أن المواجهة شاملة وان دور الكتل الجماهيرية فيها دور أساسي، لأنها قوة المواجهة في الداخل، وهو أمر أثبتت الأيام الماضية انه يتحقق وفي كل مكان حاولت شظايا الجماعة أن تعلن وجودها فيه، ورغم حالات الاغتيال التي قامت بها الجماعة، غير أن مطاردة المواطنين لهم صارت سمة قد يعاني بسببها أعضاء الجماعة كأفراد من عدم إمكانية العودة إلى حياتهم الطبيعية السابقة علي 30 يونيو. ليست هناك مواجهات مسلحة لا تدعو أطرافها لأفق واضح للحل، وهذا أمر مقبول، وواجب، شرط ألا يتحول السعي لفتح الأفق وعدم إغلاقه نهائيا، إلى حالة من الدروشة، وكأن المتحدثون عنها لا يعيشون وقائع ما يجري ويستخفون بالدم، بل ويعبثون بالعقل عندما يتحدثون عن جماعة سرية تدعوا للقتل وتقتل، على أنها شريك في وطن. الخطر أن تتكرر حالة يناير 2011 في يونيو 2013، عندما ظن الشعب انه حقق ثورة بهدف التغيير الجذري للنظام، بينما استوعبت إدارة الفترة الانتقالية الأمر أنها انتهت من أمر التوريث وأخذت تعمل حلا لا علاقة له بالثورة ولا بالتغيير. ويزيد من هذا الخطر، أن الكيانات السياسية التي كانت قائمة في يناير هي ذاتها القائمة في يونيو، مضافا إليها بعض المستجدات، ولكن لا القديم ولا الجديد استطاع أن ينتج قيادات تقيم توازنا في مواجهة النخبة القديمة والعاجزة عن استيعاب حقيقة ما أراده الشعب في يناير، والشواهد حتى اللحظة أنها لم تستوعب مما أراده الشعب في يونيو غير إزاحة الإخوان وفقط، وهذه الكيانات السياسية ونخبتها أيا ما كان إسهامها التحريضي، غير أنها فاقدة للقدرة علي تحويل التحريض إلى حركة جماهيرية منظمة. هناك وجه شبه ووجه اختلاف الآن، أن إدارة يناير 2011 لم تكن طرفا في حركة الشعب سوي بالانحياز، ولكن إدارة يونيو 2013 كانت واعية بضرورات التغيير لأن الخطر تجاوز الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ووصل إلى كيان الدولة ذاته وأمنها القومي أو بمعنى آخر وجود الوطن، ولكن الاكتفاء بأن الفترة الانتقالية هي تعديلات دستورية وانتخابات نيابية ورئاسية، وانكفاء الكيانات السياسية من حول كعكة السلطة، بعيدا عن موجبات الدستور وما يليه، هو وجه شبه يثير من المخاطر أكثر بكثير من الأمل. ان التعامل ببرود مع حقيقة أن 30 شهرا من حراك مستمر من أجل أهداف الثورة، تستهدف مجرد تعديلات دستورية، هو نكسة أخرى لمسيرة الثورة، خاصة وان التعديلات جري جلب قضاة وأساتذة قانون لإجرائها، وكأن حديثا وصراخا كان مستمرا طوال إعداد الدستور الجاري تعديله حول أن مفهوم الدستور بأنه عقد اجتماعي لا يعني إتمامه بلجان فنية، ولكن يجب إتمامه بتوافق شعبي. المواجهة المسلحة الدامية مع الإرهاب وجماعة الإخوان، لا يجب أن تكون بعيدا عن المجتمع ولا يجب النظر إليها بعين نقدية، إنها مواجهة المجتمع مع الإرهاب، المواطنون يواجهون الإخوان في الشوارع، والجيش يواجه الإرهاب في قواعده المسلحة، وعلي إدارة المرحلة الانتقالية أن تستوعب كل الدرس، الكل تحت السلاح وأرواحه على كفيه، ولم يجني شيئا بعد، ومن غير المنظور أن يحقق شيئا علي مدي قصير، فليس أقل من أن ينتج كل المجتمع رؤيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لنظام الحكم والتنمية والعدالة الاجتماعية، حتى يعبر عنها الدستور، ولا نصبح من جديد ضحايا ممدوح شاهين العنصر المشترك بين لجنة البشري ولجنة الغرياني واللجنة الأخيرة التي تعدل وتشطب وتضيف وغير معلوم علي أي أساس.
1005
| 23 يوليو 2013
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....
6924
| 20 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1356
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...
735
| 23 يوليو 2026
عندما أمسكت القلم لأكتب عن الأمير الوالد، أدركت...
675
| 20 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...
642
| 23 يوليو 2026
من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...
585
| 22 يوليو 2026
- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه...
564
| 20 يوليو 2026
وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول...
561
| 21 يوليو 2026
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...
534
| 25 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
504
| 27 يوليو 2026
ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...
492
| 23 يوليو 2026
للأسف هناك بعض الاباء بعد قضايا الطلاق والتردد...
456
| 20 يوليو 2026
مساحة إعلانية