رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مصر بين القصور والميادين

الأحداث في مصر ليست صراعات قصر أو اشتباكات ميادين. ما يجري في مصر هو إعادة رسم لخرائط جديدة وتبديلا في رؤى واستراتيجيات، وبنحو آخر إسقاط لغة تحمل رنين الألفاظ دون مضمونها. وهذا النوع من الصراعات هو صراع المدى الطويل، لا يصلح معه سياسة حافة الهاوية، وإعدام الأمم مقابل رؤية مغتربة من حيث المعاني والدلالات والغايات، فعندما يسمع شعب "إما أن تقبل بما نقول أو هو الدم"، فيخرج بالملايين عاري الصدر يسقط تهديد (نحن أو الفوضى)، وتنكشف حقيقة أن ما ثار عليه كان هو الفوضى. ولا يصلح معه حديث خصيان بني أمية، حديث يبث الخنوع ولا يقطع في الطريق أي مدى، وكأنه لا يعرف في اللغة غير التسامح وعدم الإقصاء والحوار، تحكمهم حكمة "إذا صفعك إرهابي على خدك الأيمن فأعطه الأيسر، واعتذر له أنك لا تملك غيرهما"، وكأن الأمم لا يأتيها في تاريخها لحظات تستدعي أوضح ما تعتقد، وتحمل له بأشجع ما يمكنها، فالأمم لا تتكرر في تاريخها لحظات عودة الوعي واسترداد الإرادة مصادفة، ولكن تلك اللحظات قد يمتد زمنها لسنين لتستقر، عندما تتحرر الإرادة ويستقر في يقينها ما تعتقد فيه، وترى أنه حقيقة التاريخ والحاضر فوق هذه الأرض ولصالح أهلها. الصراع في مصر وعلى مصر دائر على كافة المستويات، وأراه في موجة 30 يونيو قد تجاوز نقطة الخطر، وأن منحنى استرداد مصر آخذ في الصعود. فالمشهد ليس ميدانا احتشد فيه شعب، ولكنه شعب ملأ شرايين الحياة في وطنه، فطرد كافة الأجسام الغريبة خارج شرايين الوطن، فلم يعد لها غير أن تؤول إلى تحالفاتها علانية، لتنكشف أبعاد الصراع وقواه. وإذا جسد هذا دلالة الإرادة، واليقين، فهو بالتبعية قد استدعى أقصى ما يمكن أن تواجهه مصر من عداءات أو تحالفات وخطط، وبمعنى آخر أن المواجهة شاملة وشرسة وتخوض معاركها الأخيرة، في هذه الجولة على الأقل من تاريخ مصر. نعم مصر تجاوزت نقطة الانكسار، واستردت المبادأة، مما استدعى أن تكون المواجهة شاملة، وهو أمر يبعد لفظ "الاستقرار" المجرد من قاموس السياسة في مصر، ويصبح استخدامه ناشئا عن عجز في الوعي، أو عن انتهازية. والغريب أنه كلما قطعت الثورة في مصر خطوات على طريق تحقيق أهدافها، أصاب داء النسيان إدراكها، وكأنها تستعيد الخطأ ونتائجه لتتأكد من الصواب. والاستقرار في مصر يمكن له أن يتحقق، عندما يبدأ جيل جديد في قيادة العمل السياسي والعام في وطنه، ولا أعني جيل جديد بمعنى شباب وشيوخ، ولكن جيل يتسع أفق وعيه ليشمل تاريخ وطنه واحتياجات عصره ومنحاز لشعبه دون مَنٍّ أو أذى. هنا تبرز نقطة الخلل في المشهد في مصر، شعب ملأ شرايين الحياة واختار البقاء، ومخاطر متعددة، واستقرار غائم ينتقل من الألسن إلى الفراغ لأن أهله غائبون ولم يحضروا بعد. لعل كل فرد يؤدي ما يراه من جانبه مناسبا للحالة التي يحياها الوطن، ولكن هل هناك من توقف للحظة ليدرس ما تتكلفه مصر ماديا كل لحظة لمواجهة جملة المخاطر؟. هل هناك من درس هذا المشهد الجليل ليوم 30 يونيو ترصده طائرات القوات الجوية المصرية، وكأنه طابور عرض استقر في يقينه هدفه وماض إليه؟، مشهد يعجز خبراء تحريك الجموع في السينما العالمية من إخراجه، وبهذا العمق المكاني والزمني وباستمرار تدفق لا ينقطع، وبكل محافظات مصر، وبهذه الروح السلمية. هل هناك من درس حالة التقارب بين الشعب والجيش وبين الشعب والشرطة؟. هل هناك من درس واقع سيناء والحدود الغربية والجنوبية؟ هل هناك من درس انتشار معسكرات الإرهاب الديني والمحتمي بالأطفال والنساء سواء في سيناء أو في المناطق المغذية لها بالعتاد والبشر؟ هل هناك من وضع أمامه خريطة مصر ليقرأ ما يجري من حولها، حتى إن أحد أجنحة المقاومة الفلسطينية ينقلب إلى طرف معاد في أي تقدير للموقف على الحدود المصرية؟، أليس هذا حال حماس الآن؟. هل يمكن مراجعة المواقف الدولية من أمريكا حتى الاتحاد الإفريقي؟، من مع مصر، وأي مصر؟. ثم السؤال الجامع لكل هذا: من يدير أمر مصر في هذه اللحظة؟. السؤال ليس بحثا عن إجابة، السؤال دعوة للتأمل في أمر مصر وبهدوء. كان مأخذنا على المجلس العسكري أنه سلم مصر للإخوان، والسؤال الآن: من أدار مصر منذ إقالة المجلس العسكري في رمضان الماضي؟، كيف استقرت مطالب الثورة وحقائق سرقتها من جماعة الإخوان في اليقين حتى تأتي لحظة نجد مرسي بين عناصر القوات المسلحة معزولا بقرار من قائدها العام؟ يجب الاعتراف أن مصر لم تمر بفترة مماثلة حتى بعد نكسة 1967، فالمكونات يومها كانت محددة، من هو العدو؟ وما هو الهدف؟ وميدان المعركة محدد؟ والعلاقات الدولية محددة وقضية استرداد الشرف والكرامة بالحرب قاطعة بل والقيادات ابنة الرؤية محددة ومعروفة سلفا، بينما كل هذا في وقتنا الحالي ظل خارج الحساب والمعرفة. والأخطر أن هناك التباس بشان العدو!. لكن ما لا يستطيع أحد إنكاره، أن هناك إدارة لمرحلة متعددة المسارات والتوجهات والتفسيرات والشخوص المبهمة والكتل البشرية الزاحفة والشهداء يتساقطون لأسباب عديدة، مجتمع يفور والغليان يبلغ مداه، ليصل إلى نقطة الحسم يوم الأربعاء 3 يوليو مساء بقرار عزل محمد مرسي، وكأن مصر كانت تعلم ما تريد وكانت ذاهبة إليه بكل قواها، أليس ذلك كله يدعو الميادين والقصور أن تتواضع وتدرك حقيقة الصراع في المجتمع وقواه المؤثرة وطبيعة تكوينها ودور كل منها وضرورة التكامل بين هذه الأدوار؟. بعد الثالث من يوليو هناك إدارة للازمة علانية الأداء في بعض مما يجري، فهناك رئيس مؤقت هو رئيس المحكمة الدستورية، وهناك مساعدون له، وهناك منصب نائب رئيس تولاه محمد البرادعي، ثم هناك تشكيل لوزارة هي ليست ابنة جيل الاستقرار المنشود هي جامعة بين ما ثار عليه الشعب وما يراه ولكن الالتقاء تم عبر مراحل محدودة من الاختبار، ولذلك ليس هناك في علوم الإدارة تفويضا بالمطلق، ولكن هناك تحديدا مسبقا بالحاجة إلى وضع دستور لمصر الثورة، واستيعاب لمعني "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وترجمة هذا الشعار في عقد اجتماعي جديد. عند الحديث عن أمر مصر، لا يجوز وضع جماعة الإخوان في ذات مستوي القياس، فمصر وطن وارض وتاريخ وشعب، وأيا كانت أي جماعة او حزب، فهي لا تعدو كونها جزءا وليست كل يمكن القياس عليه، أو وضعه في حالة ندية مع الوطن. الحديث عن جماعة الإخوان ليس حديثا عن قبيلة أو عشيرة أو عرق في مجتمع، ولكنها عناصر من أسر مصرية ارتبطت ببناء تنظيمي، ولكن العقيدة انحرفت بالبناء والأفراد ليحدث الانفصام، هل القضية وطن وشعب، أم القضية جماعة؟، وأين هو الوطن في رؤية الجماعة؟، وبعد ذلك كله ما هي طبية العلاقات والارتباطات الخارجية؟. الإخوان وأمريكا، طرفان اليوم دخلا إلى مرحلة تغيير جذري لأدوارهما ووجودهما. الإخوان بالفعل دخلوا مرحلة الفناء لما يحملونه سياسيا وتنظيميا وتمويليا وانكشف دورهم وعلاقتهم بالمخططات الغربية بالنسبة للمنطقة، بل إن قضية فلسطين التي ظلوا يزايدون بها صارت لعنة تطاردهم، وأميركا انكشف وجهها التآمري علي شعب مصر، فليس الأمر تحقيق مصالح أمريكا أو تحقيق ديمقراطية، ولكن الأمر صناعة الوريث الديني الإخواني لنظام مبارك، وهل لهذا بكل تكلفته المادية (الأرقام بين أمريكا والإخوان بالمليارات)، وما دفعه الشعب من دماء وما يواجهه الجيش المصري من جماعات إرهابية على أرض مصر، توصيف آخر غير التآمر. مصر تعيد الإمساك بذاتها، وكان تعبير "مصر عادت شمسك الذهب"، صار حقيقة على الأرض. وهي تملك المبادأة في إدارة الأزمة، وإدارة الأزمة موجودة قبل 30 يونيو وليس هناك ما يستدعي إنهاء أعمالها. وهي تجاوزت حالة الخطر، ولا يصلح معها نهج حافة الهاوية. يبقى أن الصدق في مواجهة القادم مهما كانت مراراته ضرورة بقاء، ضرورة تحقيق بقاء مصر الوطن، وتحقيق أهداف الشعب في "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية".

408

| 17 يوليو 2013

الدم المصري حرام

سؤال هل هو انقلاب؟، ينحرف بطبيعة تطور حالة الثورة في مصر منذ يناير 2011 حتى اليوم، وهو سؤال يطلقه كل من تأثر سلبا بوقائع ما جرى الأسبوع الماضي. الأسبوع الذي بدأ بخروج الشعب يوم 30 يونيو، كشف عن طبيعة أطراف الصراع في مصر، وان هناك تحالفا يشمل الإخوان وجماعات الإرهاب وأمريكا، وأن هذا التحالف امتلك السلطة في مصر، واخذ في إعادة ترتيب الأوضاع بما يتجاوز الداخل المصري إلى المنطقة بأثرها، ولم يكن مجرد صراع داخلي حول أهداف الثورة، أو حول السلطة، ولكنه صراع على استقلال مصر وإرادة شعبها، وأنه صراع استبيح فيه كل شيء، وعندما يخرج الصراع من دائرة التنافس الداخلي بين القوى السياسية، ويصبح القتل والدم عنوانه، وتحت دعاوى دينية، يصبح صراع وجود وطن وشعب، قبل شعارات الثورة، ومعركة فناء لمن يتحدون وجوده. الانقلاب الذي حدث تم في موازين القوى الداخلية بانحياز الجيش في معادلة القوى لصالح المطالب الشعبية ضد سلطة الإخوان، لينحسر الستار عن عمق المخططات الإخوانية ومدى العلاقة مع أمريكا (تبادل الأراضي في سيناء طبقا للخطط الإسرائيلية بمقابل مادي)، وصمت مرسي عن مقتل 16 جنديا وضابطا بمذبحة رمضان في رفح (تورط حماس حسب تقرير المخابرات المصرية إليه وهو ما أعلنه الجيش بعد عزله لمرسي)، وكشف أيضاً عن أسباب رفض مرسي للتعامل مع الجماعات الإرهابية في سيناء تحسبا للمواجهة المسلحة مع الجيش والأمن، وكشف أيضاً محاولة اختراق أجهزة الشرطة. وفرضت حركة ضباط الشرطة على الجهاز الانحياز للمطالب الشعبية. الذين يتحدثون الآن عن الانقلاب على الديمقراطية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، عليهم أن يفسروا لنا حجم الأموال الأمريكية التي تسلمتها جماعة الإخوان من إدارة أوباما وأسباب هذا السخاء. لم تعد حشود 30 يونيو حركة لاسترداد الثورة من سارقيها برعاية أمريكية، وأعادتها إلى مسارها الصحيح، ولكنها فتحت الباب لمعركة استقلال مصر وتحريرها من الجماعات الإرهابية. انتقلت المواجهة في مصر على يد الإخوان إلى مواجهات دموية تبعد تماما عن طبيعة الشعب المصري، وعن طبيعة الدين الإسلامي، وفرض الإخوان المواجهات المسلحة في كل مكان، بل وصل الفجور في القتل بالذبح بدم بارد (حالات في الإسكندرية والإسماعيلية)، ووجد الإخوان مواجهة من الشعب الأعزل فاقت تصوراتهم، بل إن الأهالي العزل يطاردونهم في الشوارع. هذا الانكشاف والتحول إلى الدم، تصاعد إلى طلب التدخل الخارجي ضد الجيش المصري، بدأ الدعوة من عصام الحداد مساعد مرسي للعلاقات الخارجية مضيفا بطلب للحصار الاقتصادي لمصر، لتصبح هي ركيزة الحديث من كافة قياداتهم بالإضافة إلى الدعوة للقتال والدم. التصعيد في المواجهات إلى حد مواجهة الجيش في القاهرة، لا يمكن إدراجه تحت اسم الدفاع عن الديمقراطية والشرعية، ولكنه يندرج تحت الانتحار بعد كل ما جرى كشفه. ولان الصراع في مصر الآن سيرتد إلى المنطقة كلها، فإن شبح التدخل الخارجي يقف على أعتاب مصر. بدأ التدخل الخارجي من تصريحات أوباما وإدارته بتوصيف ما جرى بأنه انقلاب عسكري، وبناء عليه تسعى أمريكا لاتخاذ قرار بوقف المساعدات لمصر، غير عابئة بان هذا القرار هو المعول الاول في اتفاقية كامب ديفيد، ورغم محدودية هذه المساعدات والاتجاه الشعبي والعربي لتعويضها، إلا أنه يتطلب من الجيش المصري إعادة ترتيب منظومته القتالية، واثق في قدرتهم على هذا أيا كان الوقت اللازم. وتتوالى الهجمات الإعلامية من الإعلام الأمريكي ضد مصر، ولا تعدم وجود لها في الداخل المصري ذاته، ليس من الإخوان وموالاتهم، ولكن ممن يدعون الليبرالية، ويتحدثون ــ كما الإخوان ــ عن الديمقراطية غير عابئين بجرائم الأمن القومي المصري الذي اقترفته جماعة الإخوان. تصدى بوتين مبكرا لفكرة التدخل العسكري في مصر، معلنا أن روسيا والصين لن تقبل به وستواجهه، وهكذا صارت قضية الصراع من أجل أهداف الشعب في مجتمعه (عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية)، ولأبناء هذا الشعب قضية صراع دولي. إدارة الصراع في مصر نجحت حتى اللحظة في تحقيق أهداف واضحة: 1- عزل مرسي، وقف العمل بالدستور، وحل مجلس الشورى الإخواني (أعضاؤه ضمن كافة المواجهات الدامية). 2- تشكيل قيادة المرحلة من رئيس المحكمة الدستورية. 3- مواجهة الجماعات الإرهابية في سيناء. 4- الحد من الصدام الأهلي الأهلي، وحصره في أضيق نطاق. 5- إدارة الأزمة على المستوى الدولي. 6- كشف طبيعة حماس وعلاقتها بجرائم داخلية. 7- استعادة اللحمة بين الشعب والجيش والشرطة. 8- رفع الروح المعنوية للشعب والشرطة والجيش. ونواجه الآن: 1- محاولة الزج بها في أتون حرب الشوارع. 2- اختلاط المفاهيم لدى النخبة السياسية. 3- ضعف الحالة الحزبية المصرية. 4- الطابور الإخواني الثاني (حزب النور ومصر القوية وحزب الغد)، وان لم يكن بارتباط عضوي بالإخوان، فهو صريع اختلاط المفاهيم والاغتراب عن الهوية المصرية. 5- الدعوة المتزايدة للاقتتال. 6- إدارة البلاد لتوفير لقمة العيش وضرورات الحياة. فد تضطر إدارة الصراع في مصر لاتخاذ قرارات لم ترغب فيها، ولكن شروط هذه القرارات يجب أن تكون محددة سلفا: 1- أن الدم المصري حرام، وحرمة الدم على الجميع، ومن يدعو إلى سفك الدماء هو خارج عن الوطنية المصرية ويجب حسم أمره بلا تردد. 2- أن الشعوب لا تدفع الدم لتحقق أنصاف أهدافها، ولكن الإمساك بالأهداف كالقابض على الجمر، هو مبرر الشرعية في المواجهة. 3- أن العديد من القوى أو التيارات، لا علاقة لها بالثورة أو تصحيحها، قد اكتسبت أوضاعا في الواقع السياسي المصري بعيدا عن أهدافه، وهى في الوقت ذاته تمثل اختراقا إخوانيا للواقع السياسي. 4- أن دعوات عدم الإقصاء والمصالحة هي دعوات تحمل شكل التسامح أكثر منها المسؤولية السياسية تجاه وطن، وعدم الإقصاء والمصالحة لا تكون على الدم، ولكنها تجوز عندما تتباين وجهات النظر السياسية، ولا تكون على الأمن القومي، لأن الأمن القومي للأوطان لا يتحمل حدثا قد يتحول إلى شرخ لا يمكن تجاوزه أو إصلاحه، لأن القوى المعادية لا تتنازل عن أهدافها طواعية. 5- أن الضرورة تفرض تكوين وزارة تستطيع إدارة الأزمة، وإن توافقات الحد الأدنى تعيدنا إلى سيرتنا الأولى بعد فبراير 2011. 6- أن إدارة الأزمة والصراع تتطلب تجاوز سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها الطرف المضاد، ولا شرعية لهذا بغير إدراك أن الشعب وهو يقبل بدفع الثمن مهما عظم، يريد تحقيق سلطة الثورة. 7- أن دروس 30 شهرا مضت تقضي بالا يكون هناك حزب على أساس ديني، والفصل بين السياسة والدين في مصر صار ضرورة صلاحية للحياة. 8- أن التوقف في منتصف الطريق سيكون ايذانا بالبحث الشعبي عن بديل آخر، هو انتحار، ولكن استكمال الطريق أيا كان الثمن حتى ولو كان النفس هو شهادة. 9- الدعوة إلى الحياة لا تقوم على تلال من الجماجم، ولكن الدفاع عن الوطن والشعب وأهداف نضاله، لا يحول بينها وبين الحياة ضريبة الدم. ان اللحظة في مصر توزن بميزان الذهب، دقيقة حساسة مترامية الأطراف متعددة الاحتمالات، وكشاف النور الذي يحول دون القفز إلى الظلام ثانية، هو شجاعة التقييم ووضوحه، بذات وضوح الشباب وحيويته وجسارته، هو الإمساك بالدولة حتى لا تميد بالجميع، أن الدم الحرام الذي تسعى قوى الظلام لسفكه، دون اعتبار لحرمة ذلك دينيا ووطنيا. نحن في حاجة إلى أن تعود مصر، ومقومات اللحظة تكشف عن إمكانات ومعان لمعنى عودة مصر، فبمجرد التحرك على طريق العودة لخطوات أوليه، فقد كل الأعداء عقولهم وحصافتهم. إن مصر على موعد مع أمتها وعالمها، وهي قادرة، شريطة أن يبقى الشغب حاميا لوطنه ولجيشه ورجاله في الشرطة، وأن يبقى هذا التحالف متماسكا، وأن يتوقف لغو القول ممن يدعون الارتقاء بالوطن وهم عبء عليه.

476

| 09 يوليو 2013

صراع البقاء ومعركة الفناء

قالت الإذاعة البريطانية إن عدد المتظاهرين في مصر (30/6) هو الأكبر في مظاهرات الأحداث السياسية عبر التاريخ الإنساني، ونقلت الأنباء عن جوجل إرث إحصاء بأن عدد الحشود وصل إلى 14.3 مليون منهم 3.8 مليون بالتحرير و2.6. كانت هناك ابتسامة على الوجوه، وعلق أحد المشاركين "أول مرة ألاقي الناس تبتسم وتسامح من مدة طويلة!"، والظاهرة الرئيسية أن نسبة الأسر في المسيرات كبيرة، وأن أجناب الطرق عليها سكان يقفون أمام المنازل، أو في شرفات المنازل. هكذا حقق المصريون المفاجأة، ليس في العدد وحالة الثقة والحالة المعنوية لهم، وسلمية المظاهرات، ولكن في أنهم أعلنوا أنهم يخوضون معركة استرداد وطنهم وهويتهم، بينما أن السلطة وجماعتها والموالين لهم، لم يعرضوا سوى أنهم هم الثورة والباقي أعداؤها، وأنهم هم الشرعية ومن يريد مشاركتهم عليه انتظار الانتخابات النيابية القادمة، وثالثة الأثافي أن الدم والرصاص هما الأسلوب للدفاع عما قرروا، زيفا هو أو حقيقة، ولكن ليس لديهم إلا القتل. ما الذي يدفع بالإخوان والسلطة والجماعات الدينية، إلى الاعتقاد أنه يمكنهم أن يفرضوا وجودهم بالدم على بني جلدتهم؟ من أفتى بهذا؟ وماذا يعرضون؟ المؤلم أن إدراكهم للرفض الشعبي لم يأت عن كفر أو عناد، ولكن الرفض الشعبي نتيجة مباشرة للفارق في مفهوم الصراع، فالشعب يخوض معركة هدفها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، صراع بقاء إنساني مشروع، والإخوان ومن والأهم يخوضون معركة التكفير لمن عداهم والتمكين المطلق لأنفسهم حتى وإن باعوا أنفسهم للشيطان بإراقة الدم الإنساني، غير مدركين أنهم بأيديهم حولوا معركتهم إلى معركة الفناء السياسي، وربما الإنساني. كان خطاب مرسي في 26 يونيو كمن يرفع الستار عن حقيقة صورة دوريان جراي، حيث تركت كل الأفعال الشيطانية أثرها على صورته بين المواطنين، وكأنه كان يحشد مع إدارة "تمرد" ليوم 30 يونيو، وكان التعبير الأشهر له "كفاية سنة!"، وكأنه يمن على المصريين بأنه صبر عليهم سنة من حكمه، لينطلق بعد ذلك مهددا ومتوعدا الجميع وبلا استثناء، وبالقانون، ولأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة ــ وكررها عدة مرات ربما ليقنع نفسه بها ــ فأيضا المحاكم العسكرية موجودة، ولم يأت بكلمة حول جريمة زاوية أبو مسلم حيث قتل أربعة من الشيعة، تحت مظلة حالة تحريضية مذهبية، يمارسها العديد من المشايخ، ومارسوها في حضوره، وردد هو بعضا من هذا التحريض، ليصبح حديثه بعيدا عن أي منطق أو مواكبة للأحداث. كانت كافة المقدمات تقول إن يوم 30 يونيو قد بدأ قبل موعده، ولكن لأن أي دعوة سياسية، مهما كان صحة منطقها، تظل تحت الاختبار حتى تستجيب الجموع الشعبية لها بالحركة، وتظل محل الشك في تحقيق أهدافها حتى تكتشف آلية التعامل مع الهدف، وأيضا لأن دروس وتجارب الثلاثين شهرا الماضية مازالت مرارتها في الحلق، فإن القلق يتزايد والأسئلة تكثر، وكأنها تحاول أن تستدعي أعلى حالات اليقظة والانتباه: 1. كانت المكالمة من السويس، تسأل ما الأحوال عندكم، ويستكمل دون انتظار رد، "ما يحدث هنا في السويس وهذه الحشود لم تشهدها السويس من قبل، الشعب ده يتجاوز كل التوقعات ومحدش يقدر عليه"، ذات المكالمة جاءت من شباب الفيوم، "مليون في الشارع"، وتعجبت هل الفيوم الوديعة أنتجت مليونا في الشارع، كان هذا إحساس الشباب فوق الأرض، وكانت المعلومات تتوالى بأن الحالة شملت محافظات صعيد مصر، الشعب أعلن أنه يرفض، وأنه أكثر وعيا من قاتليه وسارقي ثورته، وتجاوز بحركته طموحات أكثر المتفائلين. 2. إن الشعب أدرك أن أهدافه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تبدأ بإزاحة سلطة الإخوان بل والتنظيم ذاته الذي يتسم بالسرية والارتباط بهياكل خارجية، وكذلك كافة الجماعات التكفيرية والإرهابية في ذات الوقت الموالية لهم وكذلك مجموعات الراقصين تحت عباءة السلطة وأي سلطة. 3. توافقت الوقائع مع كافة السيناريوهات التي كانت تطرح بأن عندها يتدخل الجيش، وهذا في ذاته محل نقاش وإن كان الوعي بدور تأميني وحاسم للجدل للجيش يتزايد، حتى إن آليات الجيش نزلت تحمل شعار "جيش حماية الشعب"، وتوافق موقف الشرطة وكأن حالة من اليقظة استدعتها أحداث الاغتيال والخطف ورعونة قرار السلطة تجاه ذلك، ولتنزل آليات الشرطة تحمل شعار "شرطة الشعب"، هذا التوافق وضع إمكانات النجاح على إطلاق الأصابع. 4. كانت السيناريوهات تشترط الوصول إلى حالة الدولة الفاشلة، وهي حالة تبدأ عند الاحتراب الأهلي بالأساس، وهذا تكفلت به جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية الموالية لها، وجرت وقائع إسالة الدم من قبل 30 يونيو واستمرت حتى فجر الأول من يوليو، وصار وجوب التدخل هو تنفيذ لكلمة وزير الدفاع بأنهم لا يستحقون الحياة إن هم تركوا الشعب مصدر الشرعية معرضا للتهديد والقتل. 5. استوعب الجميع حقيقة أن البديل ليس أشخاصا، ولكن البديل دستور ينبع من رؤية وطنية جامعة تدرسها العقول المتخصصة والإرادات الشعبية ليتم ترجمتها في دستور ينتجه التوافق الوطني العام، ويصبح هو العقد الاجتماعي لدولة الثورة. 6. نجح العقل الجمعي التخلص من الاتهام بالاتفاق بين الثورة وعناصرها، والشعب، وبقايا النظام السابق، فلم تأخذ بعقله فكرة إعادة الاختيار بين مرسي وشفيق، ولا الاختيار بين نظام الإخوان ونظام مبارك، وأخذت فكرة العدالة الانتقالية تنمو، وتجد لنفسها من يدرك أنها بحث عن الحقوق وليس بيع الثورة بين مجموعات المصالح الجديدة والسابقة. 7. كانت الهجمات على المحافظات بتعيينات المحافظين الجدد، وعلى القضاة، وعلى الثقافة، والإعلاميين، وكأنها أوامر استدعاء لإتمام عناصر وحدة مكونات المجتمع، ومن ناحية أخرى، تجاوزت حركة العمال والفلاحين مجرد المطالب الفئوية، وهو أمر إن جرى التعامل البيني من هذه المكونات وبعضها البعض، لنجح في تكوين سبيكة وطنية تمكن من استثمار المرحلة الانتقالية لتحقيق مهام وضرورات النظام الجديد بعد الثورة. 8. حالة الثقة التي تجلت مساء يوم 30 يونيه، حدت من تأثير تصريحات السياسيين والجماعات حتى الشباب الذي بدأ حركة تمرد، وجعلت ذلك كله إما أن يضيف إلى رؤية تتجسد لإدارة المرحلة الانتقالية وطبيعة المهام الواجبة خلالها، بل وإلغاء فوبيا الزمن والتوقيت، فالمرحلة الانتقالية هي مهام يجب إنجازها، وفي الزمن الملائم لإنجازها. 9. الساعات السابقة على يوم 30 يونيو كانت أيضاً مع اقتراب الدعوة من لحظة التحقق، كانت كاشفة لمواقف عديدة، وفرز للنخب والأحزاب. 10. أثبتت الوقائع أن الرصاص والدم، كل ذلك لا يستطيع أن يرهب الشعب ويواجهه، وأن ما اقترفته جماعة الإخوان والكيانات الموالية لها، قد حكم على مستقبلها، وأن الشرعية الشعبية تلفظهم خارج المجتمع. 11. إن مهام التمسك بالأرض والصمود حتى تحقيق هدف رحيل النظام، هي الأكثر وجوبا الآن، وأن حالة العصيان المدني المتدرج هو أمر واجب أيضا. الشعب دائما يدفع الثمن مقدما، وصورة المرأة المصرية في مقدمة المظاهرات، وأمهات الشهداء تتقدمن الصفوف، يعني أن التمايز الإرهابي بالجنس قد انتهى مع نهاية هذا النظام اللقيط. الثقة بالنفس، وإدراك حقيقة مكونات الدولة المصرية، وإدراك مهام المرحلة الانتقالية، ثم تحويل أرواح الشهداء إلى رقيب على النفس المصرية، كل ذلك هو ضمانة إيجاد البديل الوطني لمصر الثورة. إن أصابع الاتهام التي تشير إلى سلطة الإخوان تتجاوزها إلى تلك الجماعة من المثقفين الذين ضللوا الوعي العام، سواء في بداية الثورة، أو خلال المرحلة الانتقالية السابقة، وفترة حكم مرسي، لعلهم يتقون الله في أمر وطن هو علامة في تاريخ البشرية، كما هي إبداعات شعبه مدرسة الصبر والصمود والوعي خارج محافلهم وبفطرة الإنسان السليمة. الاقتراب من لحظات الإزاحة لنظام الإخوان يجب أن تعي أن الشعب هو مصدر السلطة، وعند ذلك سيحترم العالم إرادة الشعب وما ينتج عنها، والاعتقاد في ضرورة المباركات الخارجية لفعل يستوجبه النضال الوطني هي أول خطوة لتجديد الصراع مع الإرادة الشعبية، لأنها تفريط واستجداء وانطواء تحت إرادة الأجنبي. طريق واحد لحسم معركة البقاء المصرية التي طالت لثلاثين شهرا، هي الإيمان بأن إرادة الشعب جزء من إرادة الله.

1176

| 02 يوليو 2013

مصر: لحظة مصير

الباقي من الزمن حتى 30 يونيو 2013 لا يقاس بالأيام والساعات بل يحمل كل حدث في لحظة عبئا لسنين قادمة، ويوجب حساب الزمن باللحظات، ومن ينجح في اعتبار دقة قيمة الزمن ينجح في الاستفادة منه لإنجاز ما يهدف إليه. واحترام دقة الزمن بفرض الاقتصاد في الكلام، فلم يعد هناك لدى المصريين من قدرة على تحمل الكلمات أو التصريحات أو الأحاديث، فقد بلغ الأمر أن يحكم مصر متهم بالخيانة العظمى حسب حكم محكمة وادي النطرون، وهو في الوقت ذاته مقامر بأمنها القومي، وداعية للاقتتال المذهبي، وهذه اللحظات تحمل شعار "لا تقل لي ولكن دعني أرى"، ولعله موجه لكل من يعلن أنه يقف ضد حكم الإخوان في مصر، فالشعب يرى ويعيش ما لم يتوقع من هزل سياسي وإفك، ويرى بعينيه القتل والتجبر، وتناقض المظهر الديني مع دعوات التكفير والتحريض والوعيد حتى صار القابض على دينه كالقابض على الجمر. هذه اللحظة المصيرية في تاريخ مصر لا تتحمل ترف الجدل فيما تتوهم بعض الرؤوس، ولا تتحمل تعبيرات حمالة للأوجه، يفسرها من شاء كيفما شاء ودون قدرة على توفير أسباب مشيئته هذه، وجل غايته ذاته. ما يحدث في مصر يتجاوز تأثيره حدودها، وما يجري في مصر ليس وليد قواها الداخلية وحدها. وقائع الاقتتال وانهيار القدرة على إدارة الدولة ومظاهرات التهديد والوعيد تحت عنوان "نبذ العنف"، والمعلومات التي تتردد عن حشد لعناصر جرى تدريبها من الجماعات والإخوان، ومشهد القتل المذهبي الذي جرى يوم الأحد 23 يونيو بقرية أبو مسلم بالجيزة لأربعة أشخاص وحرق منزل وسحل الجثث بالشارع، تحت عنوان أنهم شيعة، مؤشرا لما ينتظر مصر خلال الأيام القادمة، إنهم يخوضون معركتهم الأخيرة، ولن يردعهم عما أعلنوه أي شيء. خريطة الصراع داخل مصر تضع أمامنا الشعب في جانب، والجميع بلا استثناء في جانب آخر، بل إن محاولات الإرهاب بالعنف يتوازى معها سؤال عن البديل، ويرافق ذلك اتهامات بأن من يخرج ضد الإخوان هو متآمر ومن بقايا النظام السابق وهو ثالثا كافر، وأيضا تطل مراهقات صبيانية تجد نفسها وبعجزها ودون أن تمتلك رؤية تطرحها تتهم كل من يقول بأن للجيش دورا بكفر من نوع آخر، الكفر بالديمقراطية. المؤكد أن اللاعبين الأساسيين ويملكان القوة، هما الجيش والإخوان، وأن أمريكا وكل المصالح الخارجية تبحث العلاقة بعدا أو اقترابا منهما حسب مدى إمكانية تحقيق هذه المصالح والتي ليست بالطبع مصالح مصر. ومن المؤكد أيضاً أن الشعب الذي دخل معادلة الصراع في يناير، هو مصدر الخطر على الجميع، فحضوره وإبداعاته في الحركة، مازالت قادرة على المقاومة، رغم غياب قيادة له تملك رؤية ويقين وقدرة ويقتنع بها الشعب، ولكن اللحظة ليست مجرد لحظة مقاومة، اللحظة في مصر لحظة ضرورة التغيير، واسترداد مقدرات الوطن من جماعة خارجة عن الدين والوطن، ترى أنها امتلكت الدين، فتكفر من عداها، وأنها استولت على السلطة، فتعرض الوطن للبيع، وترهنه لغير الشعب، وترفع السلاح في وجه الشعب، وحولت الوطن إلى بيئة حاضنة للإرهاب، وقاعدة لانطلاق عمليات الإرهاب وبالأساس في مواجهة الداخل لصالح الاحتفاظ بالسلطة. تحقق الانقلاب المبكر على الثورة قبل استفتاء 19 مارس 2011، عندما نجحت أمريكا في عقد تحالف بين الإخوان والمجلس العسكري، تحالف فتح الباب على مصراعيه للإخوان للسيطرة والاستقطاب وإطلاق آلة التكفير على المجتمع، وفتح الباب لوجود كافة الجماعات الدينية، وكان الشباب في الشارع يتلقى الرصاص وهو يخوض معارك ضمنت تنفيذ جدول الأعمال الأمريكي الإخواني، ولا نلومهم على ما فعلوا، ولكن يبقى التحذير من استمراء ذات الحالة في اللحظة الراهنة. اللحظة الراهنة صراع على الوطن، وليس صراعا على نوعية نظام الحكم ووضع المؤسسة العسكرية فيه وعلاقتها بالدولة. الصراع على الوطن لا معنى له إن لم يستطع أن يحسم قبل أن يبدأ، ولن يتوفر له ذلك دون إعادة ترتيب للقوى الداخلية. حسم الصراع يعني إدراك حقيقة أنه صراع وجود لوطن، وعندما يجري تأمين الوجود وتخليص الهوية مما علق بها من تشوهات، يصبح إعداد البديل واجبا قوميا لكل القوى الحقيقية داخل الوطن والأمينة عليه. البديل ليس أسماء، حيث إن المراجعة المجردة أثبتت أن هذه الأسماء ذاتها كانت ضمن "جوقة" المسرح لمسرحية ديمقراطية أمريكا بعد الثورة. البديل هو ذلك الميثاق الوطني الذي يبدأ بمناقشة قضايا الدستور جميعها، والنظام الاقتصادي، وأهداف مصر الثورة وفلسفة الحكم فيها، ومعنى العدالة الاجتماعية، والأمن القومي المصري وعلاقاته وأسسه ومتطلباته ونطاقه ومعايير تقييمه السياسي. والبديل هو حالة الانتماء التي تتزايد وطنيا مع تعرية أداء سلطة الإخوان، فإدراك حقيقة نطاقات الأمن القومي المصري تتجلى سواء في ردود الأفعال على حركة النظام تجاه مياه النيل أو تجاه الصراع على سوريا أو بموقفه من القضية الفلسطينية، ومن التراب الوطني في سيناء أو حلايب وشلاتين، ومدى خطورة جماعات الإرهاب تحت مسميات إسلامية، ومعنى التاريخ لمصر، ومعنى وقيمة قناة السويس. والبديل أيضاً تجسد في مدى الحاجة إلى تكامل عناصر تكوين الدولة، ومعنى الأزهر والكنيسة، ومعنى القضاء ودوره، ومعنى انتماء الشرطة للشعب، ومعنى وطنية الجيش، الذي ليس بالضرورة هو جيش يستدعي للانقلاب السياسي كما يحلوا للبعض أن يزايدوا، ولكنه جيش بالأساس ضرورة للأمن وللدولة، وإن إعداده وبناءه مسؤولية وطنية، وإن تخليصه من كل وسائل الضغط أو السيطرة واجب لتمكينه من دوره. والبديل استوعب الآن ومن تجربة الثلاثين شهرا الماضية، معنى عدم وجود أحزاب دينية، وأعاد اكتشاف حقيقة جماعة الإخوان كجماعة سرية، لا ترتبط وقضايا الوطن، بل إن حبل المشيمة المغذي لها خارج مصر. ميلاد البديل لن يأتي بنضال الفضائيات ولا بمجرد الاعتصام والتظاهرات. البديل مجتمع يجد فرصة الحوار الآمن داخله لمناقشة قضاياه، ويناقشها، ويحدد رؤيته، ومهامها، وإمكاناتها. كيف يمكن أن نسترد وطننا، ونتيح للمجتمع فرصة إقرار البديل؟ هذا السؤال هو محور تقدير الموقف، وهو يفرض إعادة تقييم القوى داخل المجتمع خاصة أن القوى الاجتماعية الأساسية بالمجتمع في حالة من السيولة، والزمن اللازم لتماسكها حتى تصبح فاعلة في معادلة التغيير وإنتاج قياداتها الطبيعية، لا يتحمله الوطن وهو ينزلق إلى الفتنة الكبرى. وتقدير الموقف يفرض الانتباه إلى تحركات السفيرة الأمريكية بالقاهرة، وماذا تحمل في جعبتها، ولماذا يحضر كيري "الأب الروحي الجديد لجماعة الإخوان" إلى القاهرة؟ وماذا لديهم؟ هل يسعون إلى تفريغ مسبق لحالة الرفض الشعبي والاحتشاد تسبق 30 يونيو وتفرغه من مضمونه؟ وهل يمكن وضع تصريح وزير الدفاع المصري بوجوب أن تجد القوى المتصارعة حلا خلال هذا الأسبوع في إطار دعم الحل الأميركي!!؟ أم إنه يعلن لأمريكا أنها الفرصة الأخيرة؟ إن تصريح وزير الدفاع المصري من تلك الأحاديث حمالة الأوجه، يستدعي كل الأطراف للتوافق؟ وكيف يمكن أن يكون هناك توافق والوطن يتفكك وينهار؟ فهل انهيار الوطن سببه اختلاف من هم على الساحة السياسية؟ أم أن الوطن ينهار لأن قدرات السلطة القائمة وأداءها أدنى من حاجة الوطن؟ ولعل استدراكه بأن عملية إعادة تأهيل القوات المسلحة قد تمت على خير وجه، يتضمن أنها جاهزة لتولي مسؤولية مباشرة في الصراع السياسي. يتردد في مصر طيلة الأشهر الماضية منذ واقعة الاتحادية في 5 ديسمبر 2012 أن الجيش لن يتدخل إلا في حالة الاقتتال الداخلي وأن تكون الشوارع حمامات من الدماء!!، وهي مقولة تطالب أن يدفع الوطن بأبنائه ثمنا فادحا، بينما أن ما يمكن تسميته بالمعلومات وهناك ما يمكن تسميته بالشواهد والتصرفات، وهو ما يتيح لأي قيادة تتحمل المسؤولية إمكانية تقدير الموقف قبل حدوث الانفجار، وهم يدركون عندما تسيل الدماء ستكون دماء من؟ إن الوصول إلى يوم 30 يونيو دون حدوث التغيير سيكون مؤشرا إلى حالة من الاحتراب قد تؤدي إلى مواجهة تدخل خارجي. فهل يسترد الشعب جيشه؟ وهل الجيش يرى ما يراه الضمير الشعبي؟ أسئلة لا تريد مثقفين أو ساسة، ولكن الإجابة عليها هي أفعال، إن تأخر منها شيء، تحققت نذر الدم الموعودة لمصر من كافة عناصر الإخوان وموالاتهم.

366

| 25 يونيو 2013

30 يونيو 2013

المفاجأة عنصر من عناصر المواجهات عسكرية أو دبلوماسية، والمفاجأة واحدة من صفات الشعب المصري، فكان قول للدكتور أحمد أنيس أستاذ التاريخ في عام 1971 "إن الشعب المصري حيّر علماء الاجتماع في تفسير حركته، فهو لا يتحرك عندما يتوقع منه الجميع الثورة، ويثور عندما لا يتوقع أحد منه الحركة"، وكانت وقائع يناير 2011 شاهدا على مخزون الإبداع لدى الشعب المصري وفي إطار من السلمية، أي أن علاقته بالأديان وعبادة الخالق منذ فجر التاريخ، وضعت حرمة الدم موضع القداسة، ووضعت الصبر عمقا للمقاومة، كما وضعت الحفاظ على طهارة مياه النيل موضعا للحساب بعد الموت، وكان الإبداع تطور مظاهرات الاعتراض على ممارسات الداخلية ضد الشعب إلى إزالة رأس النظام، ومن عشرات يحتشدون إلى ملايين بلغوا العشرين مليونا وطوال 18 يوما ستخلد في تاريخ حركات الشعوب. ليس هناك من يحدد للحرب أو الثورة والانقلاب يوما وساعة، ولكن ما تمر به مصر فرض عليها أن تتجاوز القواعد الأساسية للحركة بكون المفاجأة عنصرا من عناصر القوة، وللمرة الثانية تبدأ الحركة عبر دعوة مجموعة من الشباب إلى "تمرد" على الحاكم، وبتوقيع استمارة مضمونها "أعلن أنا الموقع أدناه بكامل إرادتي. وبصفتي عضوا في الجمعية العمومية للشعب المصري سحب الثقة من رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي عيسى العياط. وأدعو لانتخابات رئاسية مبكرة، وأتعهد بالتمسك بأهداف الثورة والعمل على تحقيقها ونشر حملة تمرد بين صفوف الجماهير، حتى نستطيع معا تحقيق مجتمع الكرامة والعدل والحرية ". وتطالب الدعوة كل مواطن يوقع أن يكتب رقمه القومي، وبمرور قرابة الشهر وحتى 30 يونيو يتوقع المراقبون والإحصاءات وصول أعداد الموقعين إلى 15 مليون مواطن، هنا تكمن المفاجأة، فالشعب الذي اخترع الصبر، يعلن نفاده، ويكشف عن موقفه، وتوقيت خروجه لفرض مطالبه، دلالة يقين أن قناعته بالتمرد بلغت اليقين.. الأحداث في مصر تخرج عما يمكن للعقل أن يقبل به، وتلقي بسؤال جوهري: هل هذه مصر التي نحيا فيها ونعلمها وعشناها قلعة للعروبة ورائدة التحرر الإفريقي والعالمي؟، هل هذه مصر التي يئن فيها الأزهر تحت وطأة الهجوم الإخواني عليه؟، هل هذه مصر قلب الإمبراطورية العربية والإفريقية والتي يصل تعداد من يتأثرون بحركتها المباشرة ما يتجاوز ملياري نسمة؟، هل هذه مصر التي قالت جولدا مائير عندما بلغها نبأ وفاة عبد الناصر "ما هذه النكتة السخيفة"؟ بينما اليوم تشيد إسرائيل بحكمة رئيسها!، هل هذه مصر التي صارت بيئة خصبة للإرهاب تحت راية الدين وحاضنة له؟. إن ما يحدث في مصر الآن يستفز حجر الأرض أن يثور، فالألسن تلوك تعبيرات الديمقراطية والشرعية والإيمان والكفر والحرية والاستبداد، دون أن يكون الفعل دالا على استيعاب المضمون، وتنعقد موالد بأوهام اليقظة على أنها لقاءات سياسية تناقش أمن مصر القومي، بعيدا عن المسؤولين المباشرين عنه. إن البلاء الذي أصاب مصر في الإدارة الحالية، لا يمكن أن يكون من صنع حضارة، ولا ابنا شرعيا لتاريخ مصر، إنه هجمة تتارية بلا حضارة تحول اليقين إلى شك، والحضارة القائمة على عقيدة التوحيد إلى كفر، وتمنح نفسها حق الولاية على الدين والبشر والعلم وحتى تحديد مصادر الخطر، وكأنها هجمة من العصر الحجري أصابت القرن الواحد والعشرين. ناقشتني شهرزاد، وهي شابة جزائرية، في رسائل متتالية عن خشيتها من "الدم"، واستطردت "لا أستطيع أن أمنع نفسي عن التفكير وكيف لا ومصر القاطرة، وأنا لا أعلم ما يشاع ولكنه ربما الخوف لأني أعلم معنى أن يصل ما يحدث للعرب لغاية مصر، وأعتقد هو المطلوب في ظل المكائد الدائرة حولها". كان لمتابعاتها ورسائلها وقع البعث للحياة، فالشباب العربي يدرك معنى العروبة رغم أنه لم يعش سنوات الصعود القومي، ولكنه العلم والمعاصرة لحقائق الواقع العربي وطبيعة الصراع، والشباب العربي وقع في أخدود الدين والكفر، ويملك بالفطرة السليمة تمييز الخبيث من الطيب، ووقع الشباب في اختيار يبدو شاذا ساقته إليه أحداث سوريا، فلم يكد يغض الطرف عن أحداث ليبيا، حتى اتضح أن التكرار يجري في سوريا، وبات خياره مؤلما، أهي ثورة ضد استبداد نظام حكم، أم أنها تكرار للعراق وليبيا وحتى مصر؟، هل الأمة العربية بكل مقوماتها المكتملة صارت ماضيا؟ وأن البديل هو الإرهاب الديني؟، وهل ما يجري في سوريا والذي انقسم العرب فيه إلى فريق واحد ومعه جامعة الدول العربية وأمريكا وإسرائيل وتركيا على حق، أم أن طبيعة التكوين ومشتملاته تبعث على الشك؟، ما يراه الشباب يزرع الحيرة في الاختيار، فبينما كان الأزهر في منتصف القرن العشرين يرفع راية إلغاء الانقسام المذهبي ويقوده الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، نجد الأزهر في مصر محل هجوم ممن يدعون العلم، ويكفرون من عداهم، وهؤلاء الأدعياء ومعهم الأزهر أيضاً يزيدون الانقسام المذهبي، بتقسيم العالم إلى سني وشيعي، ثم اتخاذ المواقف السياسية في الحسابات القومية على الأساس المذهبي، وكأنها استجابة لمخططات أمريكا خلال السنوات العشر الأخيرة لإعادة توجيه الصراع فوق الأرض العربية، من صراع مصالح إلى حروب مذهبية، وفي المواجهات المذهبية، تصبح أمريكا وإسرائيل هي الكاسب الأعظم، وكأن البيت الأبيض وأجهزته وتل أبيب وعدوانياتها على "السنة" في فلسطين العربية، صارا أنصار السنة من المسلمين، ويسأل الشباب تفسيرا، وتحتويه ظلمات الطنين بلا مضمون. كان الاتصال مع أرض المليون ونصف المليون شهيد في حرب التحرير، جسرا يعيد الربط بين الأقطار العربية، ومضمون القومية العربية، كما كانت وقائع سد النهضة وردود الفعل الخارجة عن أي توصيف صحيح للدبلوماسية وإدارة الأزمات، من الإدارة المصرية جرس إنذار عما يحيق بالعمق الإفريقي للأمة من أخطار وسوء إدارة، وكان خبر القبض على عناصر تتجسس في مصر لصالح إسرائيل معامل إفاقة آخر لحقيقة من العدو. مصر كما هي القاطرة (حسب ما تراها شهرزاد في يقينها)، فهي أيضاً الجائزة الكبرى لأعداء الأمة العربية، وأن تتحول مصر إلى حاضنة للإرهاب هو مقصد أمريكي وإسرائيلي لتدخل في دائرة الدول المستهدفة لمواجهة الإرهاب. قيمة مصر كقاطرة، ووقودها، كان في بعدها عن التلوث العقلي والديني والانقسام الطائفي والعرقي وبعدها عن احتمالات الاقتتال الداخلي مما جسد ظاهرة وحدة الأمة، وفتح نقاء العقل إمكانية لاكتشاف اللحظة المواتية في آفاق الإمبراطورية العربية الإفريقية الممتدة من إيران إلى الأطلسي ومن تركيا إلى منابع النيل ونيجيريا بل تشمل كل إفريقيا. مصر تخوض مواجهة عالمية، ووقودها شعبها، بينما تنشغل باقي مؤسسات الدولة بالدفاع عن وجودها ذاته في مواجهة هجمة تفكيك الدولة، ودون عمقها العربي والإفريقي، بل جرت إعادة توجيه حركتها إلى مواجهات عربية وطائفية ومذهبية وإفريقية، وإذا كنا لا نقبل أن يتحول ماء النيل إلى نهر من الدم، فإن العقيدة لدى الشعب المصري ألا يستحل الدم ليصير ماء. ما طبيعة ما سيجري يوم 30 يونيو في الداخل؟ سؤال تحمل أيام يونيو كلها إجابة عليه، غير منتظرة هذا الخروج الشعبي. الرئيس ينشغل بحشد أنصار له، حتى إن موقفه الأخير من سحب السفير المصري من دمشق وطرد السفير السوري من مصر، يجرى تفسيره بأنه تقديم أوراق تجديد اعتماده للإدارة الأمريكية، وفي ذات الوقت محاولة لحشد باقي التنظيمات الدينية من حوله، حتى إن شيخا منهم وقف داعيا ضد الكفرة الذين سيتحركون يوم 30 يونيو، وخرج أكثر من تصريح مطالبا بالمواجهات الحاسمة والرادعة لمن يمس شرعية الرئيس، وكأن شرعية الرئيس أكبر من الشعب، وكأنهم يستكثرون على أي أحد أن يقول "الشعب يريد" بينما هم يخصون أنفسهم بأنهم أصحاب دين الله والقائمين عليه. الشرطة في حالة انقسام بين، خاصة بعد المعاناة التي عاشها أفرادها جراء التراخي في الموقف من الإرهاب في سيناء، والإفراج المتتالي عن رؤوس الإرهاب في مصر. الجيش يعلن أنه يحمي الشعب، وكأن الشعب والأمن القومي صنفان مختلفان في المسؤولية والتفسير، فأي شعب يحمي بينما الأرض والماء والعلاقات الدولية تتداعى دون رادع. والإخوان بدءوا المواجهة، في زي جديد مكون من خوذات على الرأس، وحتى اللحظة "هراوات" بالأيدي، وشهد يوم الأحد مواجهات عنيفة في الفيوم (أصيب أكثر من خمسين مواطنا)، وفي الدقهلية، وهاجم محامي الإخوان وعناصرهم الحضور في قاعة محاكمات الهروب من سجن وادي النطرون بعد رفض طلبهم برد رئيس المحكمة، وتتصاعد الأمور مع تعيينات جديدة لمحافظين من الإخوان كل مؤهلاتهم أنهم أعضاء بالإخوان. وتشهد وزارة الثقافة موقفا بالعصيان من كافة الأدباء والفنانين ورجال الثقافة بلغ حد احتلال مبنى الوزارة ومنع الوزير من الوصول إلى مكتبه، في مواجهة قرارات يرونها تهدم البناء الثقافي والإبداعي في مصر، وواجه الإخوان هذا العصيان والاعتصام بمحاولة التعرض له بالقوة، ولم تنجح المحاولة. وتدعو الجماعات والتنظيمات الدينية إلى الاحتشاد يومي 21 و28 يونيو والاعتصام لمواجهة وقائع 30 يونيو المحتملة. هذه العناصر المكونة لمشهد القوة والسلطة ومنهج التعامل، يواجهها حتى الآن تحرك "مطلبي"، وليس تحرك "بالعصيان" لتكون المطالب قرارات. ويبقى السؤال، ماذا في جعبة الوعي الجمعي المصري من إبداع حال تحركه؟، وهل سيكون الصدام بين حركة الشعب وبين التنظيمات الدينية باب التدخل الخارجي، أم أنه سيكون باب التحرك من الجيش المصري؟، أسئلة لا أحد يستطيع بيان الإجابة عليها، فهي سلاح المفاجآت الذي تذخر به حركة الشعب المصري.

427

| 18 يونيو 2013

محاكمة العصر

جلسات محكمة الإسماعيلية في قضية اقتحام السجون المصرية أيام 28ـ 30 يناير 2011، أثناء الثورة المصرية تتجاوز بآثارها مبنى مجمع المحاكم، وحتى القضية المنظورة ذاتها. وإن اختار البعض تعبير محاكمة القرن لإجراءات محاكمة حسني مبارك ووزير داخليته، فقضية اقتحام السجون المصرية تذهب أبعد من مصر إلى عصر عربي اختلطت فيه الأوراق بشدة، وانهار فيه المشروع "العربي واحد يمكن أن يعبر عن الوجود العربي"، وفتحت آفاق الاقتتال الشعوبي والطائفي والمذهبي، وتكاد أن تدين حركات للمقاومة ضد العدو الصهيوني، عندما استحلت هذه الحركات أفعال انتهكت بها الأرض المصرية، وفي لحظة خرج فيها الشعب ليصنع ثورة أذهلت كافة المراقبين، بعمق انتشارها وبحالة المفاجأة في حدوثها، وبغياب التنظيم والقيادة، مما جعلها ثورة شعبية بجدارة. هي محاكمة للقيم والمفاهيم والمقاومة والحالة العربية، قبل كونها محاكمة لأجهزة ومؤسسات ونظام حكم وجماعات سياسية داخل مصر، بل إنها محاكمة لكافة التكوينات السياسية داخل مصر. هي محاكمة لغياب مفهوم وعقيدة حرمة الدم العربي على الإنسان العربي تحت أي راية كانت وأيا كان الشعار الذي ترفعه هذه الراية. ثم هي كاشفة لأمرين تاها وسط خضم الضجيج السياسي الانفعالي بعد الثورة في مصر، ضجيج عالي الصوت، ولكن بلا طحن، الأمر الأول معني ودور القضاء، والقضاء المصري بالذات، ثم مكنون اليقين الوطني للشعب المصري من جسارة عندما يجد أمامه حالة من الصدق واضحة للعيان. هي محاكمة للمصداقية والشرف لدى ثلاث جهات مباشرة حزب الله وحماس وجماعة الإخوان، فإن كان وزير الداخلية المصرية الحالي استحل أن يكذّب الأعين والفضائيات ويقول إنه ليس لديه أسماء أعضاء جماعة الإخوان (33 هاربا من السجون) ولم يجد من يحاسبه، وصارت الكلمات تخرج من الأفواه على الهوى دون مسؤولية، وإن كانت جماعة الإخوان تستخدم الترهيب والتشويه في حملات منظمة ضد القاضي الشاب "خالد محجوب" رئيس الدائرة، ويصل الأمر إلى التهديد بالقتل، والهجوم على المحكمة، فهؤلاء لا عتب عليهم فيما يفعلون، فالذين يستحلون دم الشعب وأرض الوطن وأمنه، لا طائل من أن تطلب منهم الارتقاء إلى قيم غابت عنهم وتكاد تكون عودتها إليهم مستحيلة، الابتسامات الصفراء على وجه قيادات حماس تضعهم موضع الاتهام غير عابئين بالآثار المترتبة على ذلك مستقبلا، إن كان ذلك مقبولا من كل هؤلاء غير أنه غير مقبول من السيد حسن نصر الله ومن حزب الله، وهو حديث له شجونه. نحن أمام وقائع وقاضي وقوى إقليمية وتنظيمات داخلية وأجهزة سيادية وكرسي رئاسة يحتله أحد الهاربين من السجن، وعناصر تحتل المسؤولية واستحلت أمن الوطن. هذه الدائرة القضائية تحاكم العصر العربي والمصري كله. بل إنها تضرب مثالا تعليميا لوقائع جرت الأسبوع الماضي حول أن هناك ضرورات حتى في التقاضي أن يحيل القاضي المحاكمة إلى السرية لأنه يرى أهمية الحفاظ على الشهود من أي تهديد، اعتبر القاضي أن أمن الشاهد مسؤوليته، بينما عقد محمد مرسي اجتماعا مع مجموعة دعاها إلى قصر الرئاسة ليناقش معها أمر قضية "سد النهضة" على النيل الأزرق والموقف تجاهه ووضع الجلسة بكل ما حوت من أحاديث على الهواء، وكأنه يقدم مبررا لمن لا نعلم، بأنه هو الأكثر التزاما بما يؤمر منهم! محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية، برئاسة المستشار خالد محجوب، وعضوية المستشارين، وليد سراج الدين، وخالد غزي، فتحت باب محاكمة عصر بأكمله، قيمه وأفعاله والمسؤوليات التائهة فيه، حتى أن محمود وجدي وزير الداخلية أثناء عملية الاقتحام عندما سألته المحكمة، عن اتخاذ ثمة إجراءات تجاه المعتقلين بعد هروبهم قال «وجدي» إن «الشرطة كانت ضعيفة جدا، وكنا نحاول فك حالة الاحتقان، وكان فيه اجتماع في رئاسة الجمهورية حضره نائب الرئيس ومنهم ناس كانوا موجودين في اللقاء»، من السجن إلى حوار، وانتهاك شرف وطن وأمنه القومي أمر ملقى في عرض الطريق. قال المستشار خالد محجوب، إن عضوي اليمين واليسار في هيئة المحكمة "أسود" على حد تعبيره، لأن غياب واحد منهم يوقف نظر الدعوى، وهنا يكمن أمر القضاء، وما يدبر له، فهيئة المحكمة تمثل بالقطع إرادة القضاء المصري وأداءه لدوره، وأيا كانت موجبات أن تنظر عين القضاء إلى داخل القضاة، فهذا أمر واجب عليهم هم، ووفق آلياتهم، ولا يمكن إفساح الباب لسلطة أو مجالس أو قوى سياسية أن تقوم به. هذه هي النتيجة الأولى، قضاء مصر يتحمل عبء كشف الحقيقة وإلزام مؤسساتها التنفيذية والسيادية بعرض ما لديها، وليس أدل على مصداقية المسار وصحته واحتمالات كشفه للحقيقة سوى تلك الحملة المحمومة على شخص القاضي، ومن المواقع الإخوانية، ويصل الأمر بهم بدفع أحد المحامين لرد المحكمة، والسبب أن هيئة المحكمة لم تسلم بما وصل إليها من تحقيقات بل باشرت مهمة التحقيق بذاتها. التهديد بالقتل وحملات التشويه ورد المحكمة، كلها إشارات تؤكد على أن هناك ما لا يريدون كشفه. ولكن هذه التهديدات كشفت أمرا إيجابيا في معدن الشعب المصري، تجسد في مشهدين الأول بالإسماعيلية والثاني في أحد أحياء القاهرة حيث يقطن المستشار الشاب خالد محجوب. عندما بلغت التهديدات بالقتل للرجل أبلغ رؤساءه وجرى تعيين حراسة له، وواكب ذلك محاولات لاقتحام المحكمة، فالتف أهل الإسماعيلية من حول المحكمة وشكلوا درعا بشريا لمبانيها ولأعضائها، صدق هيئة المحكمة استدعى جسارة الشعب، فحماها. وفي القاهرة كان الرجل ينوي إجراء زيارة عائلية مع أسرته وطلب من رجال الأمن ألا يصطحبوه، وفوجئ عند خروجه من منزله، بالتفاف مجموعة من الشباب، من حوله يسألونه إن كان هو المستشار خالد محجوب قاضي محاكمات الهروب من سجن وادي النطرون، فأجاب بالإيجاب وهو لا يعلم قصد السؤال، لتنهال عليه التحية منهم، والإكبار ويصر الشباب على اصطحابه وأسرته إلى حيث هو ذاهب لحمايته، وأمام إلحاحهم يقبل، ولكن المفاجأة أن هؤلاء الشباب يصرون على انتظاره حتى ينتهي من زيارته ليصطحبوه عائدا لمنزله، وهو ما حدث. مشهدان يؤكدان أن الشرف والأمانة والوضوح في الحق، ينتجان الأمان. محاكمة العصر تلف حبالها حول رقاب كثيرة، وتفتح الباب على مصراعيه أمام ضرورات إعادة تقييم الأحداث، وتضع سؤالا هاما أمام الشعب المصري، من يمكنه أن يحمي الأمن القومي لمصر؟ وهل من يقبل باختراق للوطن من عناصر خارجية لصالح أن يخرج من زنزانته يمكن أن يؤتمن على أمن الوطن؟ محاكمة العصر وقائع مستمرة تستدعي اليقظة تجاه قضايا الأمن القومي المصري، أمن الأرض "سيناء وحلايب وشلاتين"، والمياه "من الكونغو الديمقراطي وكينيا حتى دلتا النيل"، والطاقة "في شمال المتوسط التي تستولي عليها إسرائيل"، والشعب وقدراته المسلحة والحفاظ على أسرارها، وآخر مؤشر للاختراق هو قتل أحد ضباط العمليات الخاصة في العريش، وتحديد هويته لا يتم بغير اختراق للستار الأمني من حولهم. ومحاكمة العصر تفرض مراجعة لاستهداف القضاء المصري والأجهزة السيادية المصرية وطبيعة إدارة ملفات الدولة المصرية، خاصة تلك العلاقة مع أمريكا وإسرائيل، ثم الموقف من القضايا العربية، وهل استحالت القضية الفلسطينية إلى قضية تجارة الأنفاق وتأمين لإسرائيل، وصارت القدس مجرد مظاهرة بزي نمطي. اتصل صديق متسائلا عن التوقعات ليوم 30 يونيو حيث الدعوة للمطالبة برحيل مرسي وإجراء انتخابات مبكرة وفق عدة اقتراحات ببدائل، وقبل أن أجيب قال إنه يخشى حمامات الدم، واستطرد أن الإخوان يرتبون للنزول في نفس اليوم، ومعهم جماعات جهادية مسلحة، ودون سؤال مني قال، إن الإخوان قد لا يقتلون، ولكن حماس تقتل، كان الحديث غريبا، ولكنه يشير أن هناك أمورا يجري ترتيبها، فالصديق كان أحد العناصر في الإخوان، وتركهم، وهم لا يريدون الاعتراف بتركه لهم، حتى أن أحدهم اتصل به يوم أحداث الاتحادية 5 ديسمبر 2012 ليتابع معه الاستدعاء إلى الاتحادية، ويبقى حديث ذا شجون إلى السيد حسن نصر الله، إذا كنا معا نرى أن العدو الرئيسي هو إسرائيل، وأنت تعلم موقف مصر والمصريين من وقائع حرب 2006، وأن الشعب المصري كان ظهيرا معنويا وسياسيا لموقفكم، وإننا وجدنا في حركة المقاومة اللبنانية بقيادتكم ظاهرة كما تحدثت أنت كسرت مشروع الشرق الأوسط الجديد والكبير، أفلا ترى أن حديثا منك حول وقائع اقتحام السجون المصرية وإخراج سامي شهاب من السجن والاحتفال به أنه الأسير المحرر، صار واجبا وأنت تملك شجاعة المكاشفة دائما؟ ثم إن قبلنا أن تتحرك أي حركة للمقاومة للإفراج عن أسراها وبكل الوسائل، فهل مصر أرض معادية؟ وإن كانت لديك رؤية تجاه النظام السابق في مصر، فهل يعطيك هذا الموقف الحق لاختراق الحدود المصرية في أكثر لحظات مصر جلالا، لحظة تحرك الشعب المصري لتحرير إرادته من نظام يرفضه؟ إن إجاباتك عن هذه الأسئلة ضرورية علها ترأب الصدع. كافة المؤشرات تؤكد أن محاكمة العصر ستكون نقطة فارقة في مسار الأحداث في مصر ومحيطها العربي، وسيكون هناك ما قبلها من معايير وقياسات وسيكون هناك ما هو بعد أن تنتج نتائجها. لعل الجميع يدرك أن مصر ستبقى مهما كانت المعاناة، وأن الدم المصري كما هو الدم العربي له حرمته، وهو دم محرم، وله ثمنه.

686

| 11 يونيو 2013

النيل ... تحدي البقاء

هناك ما يشبه الاتفاق العام على أن التعريف المباشر للأمن القومي هو القدرة على توفير موجبات الحياة للبشر فوق الأرض، وبقدر بساطة التعريف ومباشرته، إلا أنه تعريف شامل لكل ضرورات الحياة والبقاء والتنمية. تحديات الوجود والبقاء لا تواجه بسلوك الهواة، ولا تفسح للمفاجآت احتمال وجود، وتضع سيناريوهات التعامل مع كافة الاحتمالات مهما كانت غرابتها أو بعدها عن الحدوث. تحديات الوجود والبقاء هي جدول أعمال على مدار الساعة، وفوق كل الأرض، وفي مواجهة كل الدول، صديقة كانت أو معادية. وأيا كانت السلطة الحاكمة في الوطن، فالسلطة تملك القرار، وأول شروط مشروعيته ألا يتعارض هذا القرار على أي نحو مع ضرورات وجود الأمة وبقائها ونموها. والقرار دون معلومات هو إبحار بلا بوصلة في بحر تتلاطم فيه أمواج المصالح، تعصف بمن لا يستطيع ترويضها والتعامل معها، وإذا كان القرار يحتاج إلى معلومات، فهو يحتاج أيضاً إلى إمكانات، وخطط لكافة التحديات، وخطط بديلة، ويحتاج إلى العلم والمعرفة، ويحتاج إلى دراسة المتغيرات في البيئة محل التعامل بكافة أطرافها. وقد تتنازع الأمم داخلها صراعا على رؤى واجتهادات بشأن كيفية تحقيق أفضل صور الوجود، ولا تتنازع على كيفية أفضل صور الفناء، وإن انقسمت الأمم داخلها على هذا الأساس، فهي سرعان ما تتوحد بغريزة الدفاع عن الوجود إن تمثل أمامها خطر خارجي يهدد هذا الوجود أو ينال منه. النيل لمصر هو شريان الحياة، وكما يصف البعض صورة مصر الفضائية، أنها صحراء صفراء يخترقها طوليا شريط أخضر على ضفتي النهر، وهو فوق هذا مدرسة لمهندسين وخبراء في شؤون النيل من المنابع حتى المصب، وارتبطت فترات البناء في مصر بإجراءات ترويض النهر، من شبكة الري والقناطر الخيرية حتى بناء السد العالي، وهو شريان الارتباط بدول حوض النيل (إحدى عشرة دولة: مصر والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وتنزانيا وكينيا وأوعندا والكونغو الديمقراطي ورواندا وبوروندي، ويحيا بها 450 مليون نسمة)، وهو أيضاً نقطة النزاع الهادئ طوال الفترة الماضية حول اتفاقات توزيع الحصص، وليدخل مشروع سد النهضة الإثيوبي ليزيد من سخونة النزاع، الذي بدا وكأن دول الحوض بقيادة إثيوبيا تريد أن تضع شروطا جديدة للتعامل قد تكون متجاوزة فيها العقود الدولية والتي استقرت أن الدول المشتركة في نهر واحد لا يجوز لأي منها أن تتخذ إجراء يضر بباقي الدول. اتخذت إثيوبيا قرارا بتحويل مجرى النيل الأزرق (مصدر 85% من مياه النيل الواصلة إلى مصر والسودان بجزأيه) لبدء الأعمال الإنشائية لسد النهضة على النيل الأزرق. وترتبت على هذا القرار حالة من التوتر الإعلامي في مصر، خاصة وأن القرار جاء بعد مغادرة الرئيس المصري المنتخب للعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بأربع وعشرين ساعة، وتردد بين الإعلاميين تعبير "القرار المفاجئ" لإثيوبيا بتحويل النهر، وكان تعبير "القرار المفاجئ" دلالة غياب وليس تعبيرا دقيقا يصف الحدث. النيل مصدر الوجود والبقاء لمصر، وبالتالي فهو أهم قضايا الأمن القومي المصري، ومتابعة حالة النهر أو المشروعات التي تتم عليه، ليست محل نقاش لدى أجهزة ومؤسسات مصرية محترفة، هذه مهمتها، تؤديها كقضية حياة باحتراف تكوينها، خاصة وأنها لم تأت إلى مهامها بالصندوق، وتدرك أن المواجهة بشأن مياه النيل ليست مع دول الحوض، ولكنها أعمق من هذا بكثير، هي مواجهة مع مصدر الخطر الرئيسي على مصر، مواجهة مع إسرائيل. ازدهرت العلاقة بين مصر وإفريقيا فترة كفاح الدول الإفريقية للحصول على استقلالها من المستعمر القديم، ومثل جمال عبد الناصر رمزا للتحرر الإفريقي وأنشئت منظمة الوحدة الإفريقية لتجمع الدول المحررة في كيان قاري واحد، وكانت حركة عدم الانحياز إطارا آخر يجمعهم عالميا، ومع الانتقال من حالة السعي للاستقلال الوطني إلى بناء الدولة، كانت هناك شركة النصر للتصدير والاستيراد، ولعبت دورا في بناء العلاقات، ومواجهة المحاولات الإسرائيلية لاختراق القارة الإفريقية. وشهدت مرحلة حكم السادات انتقال مصر من دولة قائدة للتحرر الإفريقي وداعمة له، إلى شريك في "نادي السفاري" المخابراتي مع إيران الشاه وفرنسا والمغرب، ولتتحمل مصر جريرة أعمال عسكرية تمت في القارة ضد حكوماتها، ويتزايد الوجود الإسرائيلي ويتعاظم في حوض النيل، ويظهر هذا في وقائع تهجير اليهود الفلاشا من إثيوبيا بتعاون من نظام النميري في السودان، ويزداد الوجود الإسرائيلي في جنوب السودان، ويصل إلى الانفصال عن الشمال، وتخترق إسرائيل دارفور وتصبح تسيبي ليفني فترة رئاستها للوزراء وتوليها الخارجية الإسرائيلية المدافع الأول عن "حقوق الإنسان" في دارفور. غابت مصر، وملأت إسرائيل الفراغ في إفريقيا، واختلطت الأوراق وزادت ضبابية الرؤية المصرية، هل هي حرب المياه مع دول حوض النيل، أم هي مواجهة مع إسرائيل التي تسعى إلى حصار مصر، وتتقدم بهدوء في كافة الاتجاهات، بينما ترى مصر أن الخصومة مع الحكومات الإفريقية، وليس مع العدو الرئيسي، إسرائيل. نشرت جيروزاليم بوست مقالا كتبه "مارتن شيرمان" مؤسس والمدير التنفيذي لمعهد إسرائيل للدراسات الإستراتيجية، في 7 فبراير 2013 وضع له عنوانا حادا "الدخول إلى النزاع: مصر دولة محكوم عليها بالفشل"، وقارن فيها بين مصر التي خسرت ثلثي احتياطياتها من العملة الحرة خلال العامين الماضيين، بينما إثيوبيا ينمو دخلها القومي بمعدل 10.6% سنويا خلال الفترة من 2004 إلى 2011، وأشار إلى أن كينيا أيضا تمضي في ذات الطريق نحو إعادة توظيف المياه في الزراعة بديلا عن استيراد الإنتاج الزراعي من مصر. ويشير إلى أن مصر ستواجه ثالثا احتمالات غرق دلتا النيل وستكون مطالبة بإيواء سكان الدلتا خارجها! ويشير إلى أن لمصر بالسودان على الحدود الإثيوبية مطارا للاستخدام العسكري، رغم نفي المصريين لذلك، خاصة وأن الرئيس السادات كان قد هدد بأعمال تصل إلى الحرب إن تم المساس بحق مصر في المياه. ولم يذكر الكاتب طبيعة الوجود العسكري في إثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان. من غير المتصور أن تصل إسرائيل إلى هذه المرحلة من توجيه إثيوبيا وتدع ما تحقق عرضة للتعامل العسكري دون القدرة على الدفاع عما يتحقق، ومن غير المستبعد أن تبادر إسرائيل إن صح تقدير الكاتب الإسرائيلي عن وجود مطار للاستخدام العسكري المصري بالسودان على الحدود الإثيوبية، أن تبادر هي بعمل عسكري ضده، خاصة وأن اللواء ممدوح قطب وكيل جهاز المخابرات المصري السابق أشار إلى أن إسرائيل ضربت الحفار المصري الذي كان يعمل في قناة جونجلي بجنوب السودان. ولينهي المقال بتساؤل حول الموقف المصري من المسألة الفلسطينية! المشهد أن دول حوض النيل مستهدفة من إسرائيل، وأن الغاية هي حصار مصر، ويصبح الخطأ تصور أن الخصومة المباشرة مع دول الحوض، لأن المياه القادمة من أعالي النيل لا يمكن أن تكون مختلطة بدماء الشعوب، فمن يشرب من بئر لا يسممها. المواجهة مع إسرائيل قادمة لا محالة، كان السبب المياه، أو بسبب آبار الغاز في المياه الاقتصادية المصرية، أو بسبب سيناء، وقد يتسبب الخلل في ميزان القوى في إزكاء روح المغامرة الإسرائيلية وتهدر المدافع بإرادة إسرائيل وحدها. إن توازن القوى بين الأطراف يبدأ من توازن الإرادات السياسية، ماذا يريد كل طرف وما هي مصالحه، إن كان النظام السابق أهدر 30 عاما من تاريخ هذا الوطن، فإن نظام الهواة الحالي يهدر المستقبل، لا يدفع إلى حرب أهلية، فلم يعد يحتاجها، بل هو يفكك الدولة لأوهام في رأس خربة، ولكن هناك رجال في مصر يدركون معنى القرار السياسي، وضرورة التوازن في مواجهة الصلف الإسرائيلي ومن يدعمه، وأن المواجهة ليست فقط مستمرة ولكن المتوقع لها أن تتصاعد، ويجب في تلك اللحظة أن يعبر عن مصر رجال يعلمون قدرها وتاريخها وحق شعبها في الوجود، يدركون معنى الأمن القومي، وأنه لا بديل عن تحمل مسؤولياته، فمصر ليست جمعية دفن موتى، سنجد للجثمان قبرا، فأرض الله واسعة، ولكن مصر تاريخ وجغرافيا وشعب ومصالح ومستقبل، وأن مواجهة الاختراق الإسرائيلي واختراق بواسطة الجماعات الإرهابية لمصر هي المهمة الأولى، وتوفير الإرادة السياسية لهذه المواجهة هي قضية الوجود الأولى.

344

| 04 يونيو 2013

حدود الدم والنار!

حدود الدم والنار ليس تعبيرا مجازيا، ولكنه حقيقة تحاول أن تعبر عن مستوى الخطر والصراع في المنطقة التي تحتوي الأغلبية المسلمة من سكان الأرض، وتمتد من الصين إلى المغرب ومن تركيا إلى نيجيريا، هو ذات الصراع القديم، مصالح الغرب الاستعماري، وأبناء الأرض، صراع مصالح بالأساس تعلم منه الطرف الغربي درس مرحلة الاستقلال الوطني، وكيف خسر فيها عددا من المعارك، وتعلم من قبل ذلك أن الدين الإسلامي في هذه المنطقة هو حائط الصد الأخير وأن لب الصراع في عالم ما بعد سقوط المعسكر الاشتراكي هو مع حضارة الشرق الحقيقية وفي القلب منها الإسلام حسب ما قال روبرت جيتس مدير المخابرات المركزية الأمريكية عشية سقوط الاتحاد السوفييتي أول التسعينيات، ووزير الدفاع نهايات بوش وبدايات أوباما. لم يكن جيتس يبدع من عنده جديدا في تحديد العدو ولكنه كان قد تعلم الدرس البريطاني الأول بأن السيطرة في هذه المنطقة تأتي من حاكم مسلم يتحالف مع بريطانيا وينفذ لها ما تشاء، وكانت الإضافة وليس البديل هو زرع الكيان الصهيوني في المنطقة كفاصل بين شرق سيناء وغربها كمركز حيوي للعرب ارض الإسلام ومنبع الرسالة وأصحاب اللغة والقومية الواحدة وحيث تتجمع المقدسات من مكة إلى المدينة إلى القدس ويقع مركز الإسلام العلمي في الأزهر. تفرض المصالح الأمريكية ألا يكون هناك انقطاع معرفي، والمصالح تفرض الاستراتيجيات، والواقع الذي تستهدفه يفرض السياسات والتكتيكات، والذاكرة حية تنمو ولا تتآكل، يضاف إليها ولا تسقط أي من أساليب المواجهة مهما كان تناقضها مع الإنسانية، وكان الإبداع في توظيف "الإسلام" ذاته من عقيدة حق وعدل وسلام وكرامة إنسانية ودعوة للارتقاء بالإنسان، ليصبح عقيدة اقتتال وانقسام وتفكيك، ولتنقل ضمنيا الدم من المحرمات إلى المباح تحت دعوي الجهاد لإقامة شرع الله. لم تبدع أميركا والغرب التباين بين المجتهدين ولا تعدد التأويلات للإسلام ولكنها استخدمتها. واستبدلت إستراتيجية "فرق تسد" معترفة بوحدة الأقاليم والأوطان، إلى إستراتيجية "فتت تسد" لتنال من الأرض "الجغرافيا" بما عليها من بشر، وتحت تعبير المواطنة بمعني تحديد أن الإنسان والعرق واللون غير قابل للوجود في مجتمعه ضمن سبيكة شعب واحد، ولكنه أيضاً فوق الأرض تلك مصالح متعددة ومتابينة، حتى أن أحدهم خرج واصفا الوطنية بأنها عصر "البيادة" أو الأحذية الثقيلة للجنود. واستبدلت دعوة الجهاد دفاعا عن الإنسانية والقيم العليا للإسلام، إلى كونها دعوة حشد أممية، بدأتها المخابرات الأمريكية في أفغانستان، ومولها العرب بالمال والبشر، وكانت أفغانستان المدرسة الأساسية التي أنتجت العنف الأممي بعد أن كان ذلك العنف داخل الأقطار الإسلامية ابن مجتمعها، قاصرا علي من يخرجون عليه تطرفا في الأداء، فلم تشهد أقطارنا العربية تجمعات مسلحة إلا في مواجهة الاحتلال الغربي، وكان يطلق عليهم "الفدائيون" أي أنهم يبذلون الروح فداءا لحرية أوطانهم وشعوبهم، وكانت حركات التحرير ومقاومة الاحتلال ملاحم إنسانية دعمت التماسك الوطني ووحدت الصفوف وكان معيار التقييم إيجابا أن تكون مع حرية الوطن والشعب، وكان التخلف عن ذلك هو الخيانة. كانت البداية في الدعوة إلى "الجهاد" في مواجهة "الإلحاد"، أي أن الأهداف الأمريكية في الصراع مع المعسكر الشيوعي لم تعد عسكرية ولا اقتصادية ولا هي صراع علي السيطرة ومناطق النفوذ، ولكن انقلب ذلك كله إلى دفاع عن الإسلام برعاية أمريكية فوق أرض أفغانستان وبأيدي المسلمين من الأقطار العربية والإسلامية وبالأموال العربية. وامتد الأمر وانتشر بعد ذلك في المواجهات بين الشرق الشيوعي والغرب الأمريكي الرأسمالي، وانتشرت التكوينات والمنظمات المسلحة تحت غطاء الجهاديين الإسلاميين، أما من يوجه ومن يقود ومن يدرب ومن يمول ومن يحمي، فذلك كله خلف ستر سوداء، دخلت فيها لعبة الأمم، وانسحبت الجيوش مؤقتا واندفعت التنظيمات المسلحة تفعل فعلها حسب ما هو مخطط قبل دخول الجيوش أو أثناء ذلك أو من بعده. هكذا غير الغرب وأمريكا من أدواته واستخدم البشر أصحاب الأرض والعقيدة الإسلامية المتحولة والمخصبة من اجتهادات لا ترقي إلى جوهر الإسلام، لتتحول إلى عقيدة قتل وعنف بديل عقيدة دعوة وفكر، واستخدمها في تدمير الكيانات الوطنية والقومية التي ظلت متماسكة طوال فترة التحرر الوطني من الاستعمار القديم، وصار الصراع بين الإيمان بالرعاية الأمريكية والكفر والإلحاد الوطني، لينهار التاريخ مع تفتيت الأرض. ولكن من يستحضر العفريت قد لا يملك أن يصرفه، وهو ما حدث، وتم صدام بين بعض من هذه التكوينات وأمريكا واخذ صورا متعددة، ليظهر تعبير "الإرهاب الإسلامي"، ولننبري في محاولة الدفاع عن النفس، ولكن ما نلبث أن تنالنا شظاياه، ويصبح ملأ الاعين ومن حولنا يتهدد وجود امتنا ذاتها. نحن نرفض تعبير الإرهاب الإسلامي، ولكن ما هو التعبير البديل، هل هو الإرهاب المتأسلم، أم هو فيالق الإرهاب الأمريكية، أم هم جند السي آي أيه بدلا من جند الله. وأنتجت الآلة الأمريكية والغربية بديلا جذابا آخر على التوازي مع آلة العنف، وهي تلك التنظيمات تحت عنوان "حقوق الإنسان"، والمنظمات غير الحكومية، وكانت تلك التنظيمات في وجودها هي نقاط تسريب المفاهيم الأيديولوجية التي حكمت النضال الوطني والقومي، وكأن الاستنساخ صالح لكل مكان وزمان، وصارت حركات حقوق الإنسان تؤدي دورا في مواجهة الاستبداد الداخلي، ولكنها لا تملك أن تواجهه بحل بعيدا عن منابع الإمداد والتمويل الخارجي، وأصبح لها في إستراتيجية التفتيت دور وإن جرى تغليفه بحقوق الإنسان. كان مشهد استقبال الجنود السبع الذين جري اختطافهم في سيناء يحمل عنوان "أوجه البهجة المستعارة"، فالكوكبة التي تستقبلهم تحمل فوق وزر اختطافهم أوزارا أخرى أكثر خطورة وأشد تنكيلا بالوطن والشعب. فخلفهم جميعهم عار تحول مصر إلى حاضنة للإرهاب، ويدفع الشعب والمستقبل ثمنه، وخلفهم عار قتل واعتقال شباب الثورة، ولم يعن احد أن يدافع عمن وضعوا حياتهم ومستقبلهم فداءا لتغيير وجه مصر، وخلفهم عار اختطاف الثورة ذاتها، وتحويل قرار السلطة في مصر لصالح فيالق الإرهاب الأميركي، وكأننا نسمع أمل دنقل يصرخ بالمختطفين "كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف؟". كان المشهد دليل إدانة أكثر منه دلالة إنجاز، فالأمر ليس من نجح في تحرير هؤلاء المختطفين، ولا هو كيف تم ذلك، ويحضر هنا قول والد احد المختطفين "أعيدوا إلى ابني شهيدا لأدفنه، ولكن اقضوا بكل حزم وقوة علي العصابات الإرهابية في سيناء"!، هكذا كان الأب البسيط والذي لا يتولي سلطة، ولا درس إستراتيجية ولا يملك قوات مدججة بالسلاح والمعلومات، ولا يمتلك حتى الحيلولة دون الاعتقال والسجن من شرطة تحولت إلى كيان إرهابي إخواني جديد، كان الأب أكثر وعيا منهم، وأكثر إدراكا بالخطر وكأنه يردد علي مسامعهم قول أمل دنقل ثانية "إن سهما أتاني من الخلف سوف يأتيك من ألف خلف". الإرهاب الذي فرض علينا مواجهته لا يتوقف عند عدد من التنظيمات أو الجماعات، إنه يمتد من الانحراف الفكري بالإسلام "الإرهاب الفكري"، ويتخطي هذه الكيانات التنظيمية إلى من يقف وراءها "الإرهاب الأميركي"، وان ندرك أن إستراتيجية التفتيت ليست وهما بل هي حقيقة واقعة فوق الأرض وتتجاوز تكتيكات سابقة للحفاظ علي المصالح الغربية بالمنطقة وأمن إسرائيل، وان حدود المواجهة تمتد متجاوزة الحدود الوطنية والإقليمية إلى منابع الإرهاب ذاته، تسليحا وتمويلا وتدريبا وتجنيدا، وان امن سيناء يبدأ من هناك في أفغانستان ومالي والصومال، وان اتساع ميدان المواجهة لا يعني القبول بادعاء الحرب الدولية ضد الإرهاب، أو تحويل الجيش الوطني المصري إلى جيش عقيدته مواجهة الإرهاب، ولكن اتساع المواجهة يتطلب: 1. وعي وإدراك بالمضمون الحقيقي للإسلام، وعدم الانجرار إلى حوارات وتأويلات تأخذ منه، وتحمله بأهواء ورغبات وخطط لا تنتمي إليه ولا هي لصالح الوطن. 2. حكم وطني يعي التاريخ والمصالح والشعب، يدرك المخاطر الخارجية والادعاءات الداخلية، يدرك أن وجوده غير أبدي وأن الوطن والشعب هو الباقي. 3. عدم الفصل بين جماعات الإرهاب تحت اسم الإسلام وبين الخطط الأمريكية لإستراتيجية التفتيت. 4. إدراك أن حدود الأمن القومي المصري تمتد من المغرب العربي إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، وان الخطر علي الصومال ودارفور والجزائر ومالي وليبيا وتونس وسوريا هو مماثل للخطر في سيناء ومرسي مطروح. 5. أن المواجهة مع الإرهاب تتطلب جبهة داخلية متماسكة بالوعي، وبعيدا عن الخداع باسم الدين، أن هذا الأمر يستدعي دورا واضحا للأزهر وللمثقفين. وأن مدخل الوعي يبدأ من العدل الاجتماعي. 6. أن مواجهة الإرهاب ليست مواجهة مع الإسلام ولكن حقيقتها مواجهة لصالح الإسلام. 7. أن مواجهة الإرهاب الأمريكي بأدواته من الجماعات المتأسلمة، يبدأ برفع الإرهاب الداخلي من السلطة ضد مكونات الشعب الحقيقية، أن الأمن الوطني وهو يعيد انتماؤه للسلطة يستدعي الأسباب التي أدت إلى يناير 2011 وهو يخلق مناخا لتزايد الإرهاب الديني، وأساليب القتل التي دخلت علي مجتمعنا منذ السبعينيات وها هي تملأ الساحة ضجيجا بالفخر بقتل رجال الشرطة، والأمن الوطني يضع نفسه أداة قمع لسلطة تحتضن الإرهاب. 8. أن المهمة مهمة عمل مشترك بين أجهزة المخابرات العامة والحربية والجيش، وان كل محاولات النيل من هذه المؤسسات هي إضافة ودعم لحركة الإرهاب. إن حدود الدم والنار تتسع وتفرض أن يكون هناك رجال تتناسب إحجامهم وحجم الخطر، الوطن ليس في خيار بين أسماء أو تنظيمات تحكم، الوطن في خيار بين أن يبقي موحد الأرض والشعب وقادر على الدفاع عن أمنه، وبين العدم.

704

| 28 مايو 2013

سيناء والتحرير

يتقرر مصير ومستقبل مصر بين سيناء وميدان التحرير مرورا بقناة السويس، وهذه الأماكن الثلاثة تمثل ميادين الصراع في مصر وحولها، وهذا لا يجور على أن لكل مكان في مصر بامتداد الجغرافيا وعبر الزمن دوره في التاريخ، دفاعا عن الوطن أو بناء للتنمية، ولكن سيناء والقناة وميدان التحرير حملت الرمز الأكبر لميادين معارك البقاء. الخط الواصل بين رفح وميدان التحرير عبر قناة السويس والذي يكاد يمتد إلى الجنوب في مثلث حلايب وشلاتين، هو خط النار الحالي في مصر، ليس قتالا في مواجهة عدو منظور، ولكنه اقتتال لبقاء الوطن. الأحداث في سيناء، والصراع حول قناة السويس من مظاهر الأسباب الجوهرية لنشوء حركة "تمرد"، والتي تقارب الموجة الجديدة لثورة الشعب المصري، وأيا كانت المخاطر السياسية في الداخل وموجبات الرفض لنظام الإخوان القائم، غير أن ما يجري فوق أرض سيناء يحمل في طياته ملامح الدم المتجاوز للحدود بعيدا عن مصدر الخطر الحقيقي في إسرائيل، الدم العربي العربي، وتحت رايات سوداء يُدعي كذبا أنها رايات إسلامية، وهي في حقيقتها رايات يتستر بها مخطط تدمير الدولة وتفكيكها لغير صالح الوجود للوطن مصر او للأمة العربية أو للقضية الفلسطينية، وهي في أدائها ونتائجها تعمل في خندق واحد مع إسرائيل. كان الشاب وشقيقه الأصغر في أول الثلاثينيات من العمر، له لحية متناثرة على وجهه، وكانا ينفذان إعمالا لهما في مصنع أديره بالإسكندرية، وأثناء محادثة معه قال إنه فصل من الخدمة العسكرية، فقلت له إن من حقه أن يلجأ للقضاء ليسترد حقه في أداء الخدمة العسكرية لأن فصله فيه مساس بكرامته وشرفة الوطني، وسألته عن الأسباب، وأجاب بأنه كان يرفض تحية العلم، فقلت له تتهرب من حضور الطابور الأول، قال لا، أرفض تحية العلم، كان رده غريبا، وسألته ترفض تحية علم مصر!! كيف؟، ولماذا؟، فأجاب أنا لا أحيي غير راية رسول الله السوداء!، ونزل رده عليَ كالصاعقة، ورددت عليه أن علمك الوطني هو راية رسول الله في هذا الزمن، ورفض قولي، ولم أملك بعد حوار امتد طويلا غير أن أقول له ولشقيقه إن هذا الإنسان لا مكان له في أي عمل بيننا، وأصدرت تعليماتي لأمن المصنع بعدم السماح له بالدخول، وقلت له أنت أخطر على وطنك من أي عدو خارجي. كانت بذور الفتنة تنمو، وتتدثر باسم الدين، وهو ذات المنطق الذي جعل أحد قيادات الجماعات الإسلامية يقول مؤخرا إنه لن يعتذر عن قتلهم لرجال الشرطة وجنودها أول الثمانينات، وذات الشخص يرتع في مصر الآن كواحد من رجالاتها وساستها واحد نتائج الثورة. سيناء تجسد حالة مصر بلا انتقاص، فقبل الثورة كانت تحت طائلة: 1. معاهدة كمب ديفيد وتقسيم سيناء لثلاث مناطق، وتحديد الوجود العسكري المصري فيها، بل بلغت الأمور عندما احتاجت مصر زيادة عدد جنودها في المنطقة (ج) المحاذية للحدود مع إسرائيل، إن ناقش الكنيست الإسرائيلي الأمر ليقرر هل يقبل أم يرفض، بل وناقشوا أنواع التسليح وأعداد الطلقات، وأثر ذلك علي الأمن الإسرائيلي دعما أو تهديدا. 2. غابت كل خطط التنمية عن سيناء وجري التعامل مع أهلها بأساليب أمنية حادة، ورغم ان التعامل الأمني كان سمة النظام السابق في كل الوطن، غير ان طبيعة أهالي المناطق الحدودية وأيضا تقاليدهم البدوية، ضاعفت من تأثير التعامل الأمني "الشرطي"، لأن أهل المنطقة كانت علاقاتهم التاريخية مع الجيش مستقرة، وكان الجيش المصري يملك أساليب صحيحة للتعامل. 3. ثم كانت المعابر والأنفاق عاملا آخر مضافا لمزيد من الأعباء، خاصة أن كيانات المقاومة في غزة تحولت إلى تنظيمات دينية، بألوان الطيف، واستحلت سلوكيات وأساليب أفقدت المقاومة الفلسطينية سمات كونها حركة تحرر من الاستعمار الصهيوني، وحولتها إلي كتل في رحم دولة منتقصة الوجود والاستقلال. 4. تصورات إسرائيلية حول تبادل الأراضي بين سيناء والنقب لصالح أهل غزة. 5. صارت سيناء طريقا لتسلل العديد من الأفارقة والسودانيين إلى إسرائيل بعد أن أصبحت إسرائيل مدافعا عن حقوق الإنسان في دارفور بالإضافة لدورها في جنوب السودان. وأضيف بعد الثورة علي الحالة في سيناء عناصر أخرى: 6. صارت سيناء أرض الجماعات الدينية المفضلة، وأعلن أنها أرض الإمارة الإسلامية، وتكررت مشاهد الرايات السوداء، والهجمات على مراكز الشرطة، ولم يتم التعامل من البداية بالجدية الواجبة مع هذا الوجود السرطاني في جسد الوطن، وتتابعت الهجرات من الدول الخارجية إلى سيناء تحت أسماء متعددة، وصار وجود جماعات الإرهاب المسلح أمر واقع، وبقي أن هدفهم وغايتهم التمكن، وأن خصومتهم مع جند الكفر من الجيش والشرطة، فهم وحدهم جند الله. 7. نشوء علاقة بين سلطة الإخوان في مصر وجماعة حماس، تحت ولاية المرشد العام لجماعة الإخوان، وسقطت الدولة وضرورات الأمن القومي وغلت يد الجيش، وسقط 16 شهيدا في رفح، وصمت مندوب الإخوان في قصر الرئاسة المصرية، ودفعت العسكرية المصرية ثمنا باهظا، ولعب الجميع لصالح إسرائيل وضد الأمن القومي المصري. 8. اتسم القرار السياسي بشأن سيناء بالتخبط، فالجنود يقتلون ويخطفون والتفجيرات تتوالي وإعداد الجماعات المسلحة تتزايد وعتادهم ينمو، ومعسكرات التدريب تنتشر من حول مصر وعلي الجانب الإسرائيلي قائمة، والأموال تجد طريقها إليهم. 9. تعاظم التربص الإسرائيلي والأمريكي بسيناء على أنها صارت حاضنة للإرهاب، ومصدر للخطر علي امن إسرائيل، ودائما لإسرائيل الحق ان تضرب ما تراه احتمالا قائما للخطر على أمنها. تحولت سيناء من ميدان معارك محتملة مع العدو الإسرائيلي، إلى ميدان مواجهة مع الجماعات الإرهابية وصارت حماس والنتوءات الدينية المسلحة في ارض غزة عدوا محتملا، ولا يمكن تغييب نشاطات إسرائيلية مخابراتية فوق أرض سيناء، وانضم إلى كل هؤلاء أوهام تحكم عقل جماعة الإخوان في مصر واتجاهات القرار لحسابها حتى وإن كان على حساب الوطن، وصارت كرة اللهب المشتعلة في سيناء تلتهم القرار السياسي المصري وقدرة العسكرية المصرية علي فرض السيادة الوطنية علي الأرض وبين البشر، وبلغ الأمر أنها عجزت عن حماية نفسها والدفاع عن أفرادها. سؤال خبيث يتردد ويعلو صداه الآن، هل الجميع متفق على هذا؟، وهذا السؤال لا ينال من أحد غير العسكرية المصرية، فهو سؤال ينضوي علي اتهام لها بالتفريط، والشواهد والتصرفات تفتح باب إهدار قيمة العسكرية المصرية بالتشكيك حتى وإن لم يبلغ مبلغ التفريط، وتصمها بالضعف حتى وإن كبلها قرار سياسي عاجز. إن هذه الحالة تماثل حالة الجزائر وحرب الاستنزاف التي دارت رحاها هناك وراح ضحيتها عشرات الآلاف من الجزائريين. في فلسفة الثورة كتب جمال عبد الناصر أنهم اكتشفوا في خنادق الفالوجا أن الطريق إلى فلسطين عبر القاهرة، أي القاهرة أولا، وهو ذات المعني الآن، الطريق إلى سيناء عبر القاهرة. القاهرة تحت حكم الإخوان تدفع ثمن ترسيخ هذا الحكم بالتسليم للجماعات الإسلامية المسلحة، فليس هناك وعي بالأمن القومي بالقاهرة، وليس هناك مصدر محدد للقرار السياسي بالقاهرة، واتسمت الأمور بقاهرة المعز بالعشوائية، وبلغ الأمر أن يجري الحديث عن علاقة بين نائب مرشد الإخوان واحد ضباط المخابرات الإسرائيلية، دون أن يخرج مصدر مسؤول يؤكد هذا أو ينفيه. ويغلق جنود الأمن المعابر بين غزة ومصر، ويتجمهرون منددين بالرئاسة المصرية وحماس، ويطالب الناطق باسم داخلية حماس إسلام شهوان مصر بالاعتذار 'إن ما حصل لأهلنا وشعبنا على معبر رفح مرفوض ويجب على حماس أن تطالب الجهات المصرية بالاعتذار لما حدث للنساء والأطفال من إهانة وخوف جعلهم يرتعبون خوفا من تهديد الشرطة المصرية، أن هذه الإجراءات مرفوضة بالكامل، مطالبا الفصائل الفلسطينية أن يكون لها رد موحد وان تصل رسالة للرئاسة المصرية حول الإهانة التي تعرض لها أهلنا على معبر رفح". يحدث هذا بينما هناك تسعة من ضباط وجنود شرطة وجيش مخطوفين في غزة. العلاقة بين جماعة الإخوان وحماس بلغت حدا لا يتحمله الأمن القومي المصري، وصارت هذه العلاقة قيدا علي القرار السياسي والعسكري. إن ما يحدث في سيناء قابل للتكرار بصورة المرآة في الغرب علي الحدود الليبية، إنها هجمة جماعات الإرهاب الديني تحت مظلة الرعاية الإخوانية لتحويل الجيش المصري إلى أداة طيعة ولينة بيد حكم الإخوان. وقائع ما يجري تتجاوز الصراع السياسي، إنها حرب الاستنزاف في مواجهة العسكرية المصرية، وتدفع مصر إلى تحويل جيشها لمهام الحرب على الإرهاب. لا أظن أن العسكرية المصرية مطالبة بممارسة لعبة المافيا، واختطاف قيادات، أو اعتقال عناصر حتى يعود المختطفون سواء من غزة او من جبال سيناء، ولكن العسكرية المصرية مطالبة باستعادة السيطرة علي سيناء في مواجهة الواقع بأكمله من كمب ديفيد إلى أصحاب الإمارة الإسلامية، وأن تستعيد القرار في القاهرة لصالح هذه المهمة، أما كيف يتم ذلك، فلن نضيف إلي جنرالات المقاهي وجنرالات التلفزيون، جنرالات الجرائد، فالعسكرية المصرية تملك القدرة ان كانت لديها الرغبة، في استعادة السيطرة، وعندما يكون الأمر أمن وطن، ووجوده، فليس هناك شيء محظور، هي حرب متعددة الأساليب والأدوات، وهي مواجهة، وهناك ذوات تضخمت وبلغت حد التناطح مع مصر غير عابئة بوجود عدو يمثل خطرا رئيسيا، وعقول أصابها الصدأ وإرادات أصابها الوهن، وليس في مواجهة هؤلاء شيء غير مباح.

395

| 21 مايو 2013

أمن وطن...عشوائية وكذب

الأمم التي تملك شجاعة مواجهة النفس، أمم قادرة على البقاء ومواجهة التحديات. ومواجهة النفس بقدر ما تحمل من سمات الشجاعة، فهي لا تحتمل الخداع أو الكلمات ذات الطنين، أو الخلل في التوصيف، ويلزم الحديث والحوار خلالها بالموضوعية والصدق والتدقيق في الألفاظ التي تذهب للمعنى مباشرة وقاطعة دون أن تكون حمالة أوجه، وأي حديث تعبوي أو تحريضي يبقى تأثيره خادعا للإرادة ولا يرتقى بحالة الوعي بل يزيدها حيرة ويصبح الحديث مجرد قطع زمن أو تلوين صورة دون مضمونها الحقيقي، وكل حديث تعبوي أو تحريضي في مراحل مواجهة النفس هو تشتيت للوعي أكثر منه تعميقا للرؤية واستنزاف للجهد بديلا عن تحديد مهام اتجاه المجهود الرئيسي. ما يدور في مصر يتسم بالاختلال في التعريفات والمعاني وحسابات الوجود والانتماء، وكأننا في استعراض بين الطاووس والحدأة، وغابت الصقور والنسور وكأنها انقرضت. مصر بعد الثورة كأنها ريشة في مهب رياح عاتية، تقتلع الأخضر وتهدم حضارة وتطمس هوية، وكأن المصريين بلا ذاكرة وبلا عقل، ويعيد كل من شاء تعريف ما يريد حسب الأهواء، وصار الخداع والكذب والادعاء سمة اللحظة. تعلمنا أن أي بيان من مستوى أعلى بالقوات المسلحة للمستويات التالية له هو أمر قيادة، والقيادة لا تعرف الاعتذار ولا التذلل ولا التسامح، والقيادة إن أرادت الاعتذار تتنحي عن مسؤولياتها لغيرها، أو تطلق الرصاص على نفسها للانتحار، والقيادة تعبير عن كرامة أمة، تعبر عن عزتها، ولا تتذلل لشعبها، إرضاء أو نفاقا، والقيادة التي يدخل قاموسها التذلل تفقد قدرة حماية عزة الأمة وكرامتها، والقيادة التي تجهل أبعاد ما حدث وقت أن كانت مسؤوليتها المباشرة أن تملك المعلومات وتعد للموقف، قيادة لا تستطيع مواجهة المواقف، بل هي تدخل معركتها وميدان المعركة منطقة عمياء لها. هناك وقفات تعبوية للقوات في الحرب بين معاركها وأهدافها المتوالية، ولكن درة التكتيك العسكري هو "سرعة استغلال النجاح"، وهو أمر يحتاج إلى امتلاك دائم للقدرة على تقدير الموقف وسرعة اتخاذ القرار. الوقفة مع النفس لا تعني تكرار الحديث عن سلطة الإخوان، وتحول مصر إلى بيئة حاضنة للإرهاب، أو غياب أهداف الثورة واعتقال وقتل ومحاكمة كل من يتحدث حولها، وتحول الشعب إلى كتل متنافرة، بين الإيمان والكفر، والاستيلاء على الدين حسب الهوى، وتفكيك الدولة ضمن إستراتيجية التفتيت للإقليم، ومما يضاعف الخطر إلى حد انتحار الدولة هو غياب مفهوم الأمن القومي واستبداله بأحاديث جوفاء لا تعني غير الجهل بشموليته وما يفرضه علي مفاهيم الديمقراطية الوليدة التي صارت "قميص عثمان" تخليا عن مسئوليات واجبة تجاه ثورة شعب. إن الوقفة الموضوعية مع النفس تلزمنا بالحديث عن عنوانين رئيسيين: الأول: ما يطلق عليه المعارضة. مجرد القبول بصفة المعارضة، هو قبول بأنهم طرف في نظام، وقبول بدستور جري صناعته بعيدا عن التوافق. ومؤدي ذلك هو القبول بلعبة الانتخابات، وبالاحتكام إلى صندوق التصويت، هو ذات منهج المعارضة مع النظام السابق، القبول بالنظام والصراع داخله علي السلطة وفقط، دون وجود نقاط تمايز في الرؤية السياسية أو الارتباط الشعبي. وصار الصراع علي السلطة يركن إلى توصيف لأطرافه بأسماء الأشخاص، وصارت السياسة تجريف للثورة ولمعني التغيير. ولم تفقد الحالة السياسية في مصر معارك الوهم، وأحاديث تسقط من حسابها ما يجري علي الأرض من إهدار للأهداف وللهوية والزمن، لصالح الاقتتال إمام عدسات التصوير، وصارت عجلة القضم والهضم لوجود الوطن أكثر إنتاجا من المقاومة، وتساوت جماعة الإخوان مع المعارضة في تقدير الشعب وتوصيفه، وإذا خسرت الإخوان وجودها بين الناس، فهو أمر مرده ما تؤتيه الجماعة من أفعال وانكشاف أمرها أمام الشعب، وهو معامل لا يمكن الارتكان عليه، ودلالة ذلك أن سؤالا جوهريا يطلقه المواطنون عما يمكن أن يكون بديلا للإخوان، يرفضونهم نعم، ويسألون باستنكار لغيرهم عن البديل. وصار المواطن مطالب بالمقارنة بين حالة السكون والجهالة لدي المعارضة وبين حالة الاستحواذ والسيطرة من جماعة الإخوان، مقارنة بين سكون وفعل وليس بين فعل للثورة وفعل مضاد لها. لم تنتج الثورة قوي اجتماعية تتحالف لصالحها، ولكنها أنتجت أسماء أشخاص تحمل ختم ميدان التحرير وعرقه ومواقف جرت حينها، وورثت بذلك مستقبل الوطن. ويستخدم التعامل الأمني تارة لوأد عناصر مقاومة، وتارة أخرى لصناعة نجوم سياسية جديدة دون سند لها من الواقع. غابت مهام المرحلة الانتقالية، وصارت العشوائية هي سمة الأداء العام، ويدفع الشعب الثمن مرة تلو أخرى، ويتحمل هو أعباء الحياة اليومية وألم ضياع الحلم المحتمل. الثاني: الجيش والدولة. كتبت من قبل حول أمر العلاقة بين الجيش والدولة ما أرى انه من المفيد تذكره "العلاقة بوجه عام بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية علاقة معقدة وبالغة الأهمية خاصة في البلاد النامية التي تحدث فيها التغييرات الداخلية عادة باستخدام القوات المسلحة والتي لا يتحدد فيها أسلوب نقل السلطة بطريقة تمنع الهزات والرجات. إن اختلال التوازن في العلاقة بين القيادتين يتسبب في مخاطر كثيرة تؤثر على الأمن القومي للبلاد مما يحتم معالجة الموضوع معالجة حاسمة وحكيمة وواضحة. تشير دراسات متعددة إلى أن العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية ترتبط بمدي التوازن في القوة والسلطة بينهما. وأن هناك مهمة داخلية يراها الخبراء في العالم هي دفاع عن النظام السياسي (الدستور) القائم ويبقي السؤال: ما إذا كانت ستتدخل؟ ومتى وكيف؟ مكملا لمنظومة العلاقة بينهما". الفارق بين جوهر العلاقة علميا وبين ما يجري في مصر يعود إلى ما يلي: 1. إن الجيش لم ينقلب علي النظام السابق، ولكنه استلم سلطة الإدارة بعد ثورة الشعب. 2. إن المجلس العسكري الذي تسلم السلطة، أدارها بأسلوب يتنافى والمنطق ومجريات الأمور خلال المراحل الانتقالية، وصار أداء المجلس العسكري مشوبا بالانحياز إلى جماعة الإخوان وتمكينهم، وفتح الباب على مصراعية للتنظيمات الدينية للظهور متجاوزا واقع المجتمع السياسي، بل وفتح باب الدخول إلى مصر لجماعات كانت تمارس القتال خارج مصر. 3. إن هناك وقائع جرت مازالت دون التحقيق استشهد فيها شباب وتعرضوا للاعتقال والمحاكمات العسكرية، ولم يجر أي تحقيق في هذا الشأن، واستطاب الطرفان الانقسام بين من يهتفون بسقوط حكم العسكر، والمجلس العسكري الجديد يعتب إنهم تحملوا في هذا إذا كبيرا، وصار تبويس اللحي بعد رحيل المجلس القديم وقدوم الجديد، بديلا عن المواجهة الموضوعية. 4. عندما حاول المجلس العسكري السابق مراجعة أمر تشكيل اللجنة التأسيسية عبر إعلان دستوري مكمل، تجاهل المجلس العسكري الجديد ما ترتب على أداءات سابقه من اختطاف الدستور وصياغته ومضمونه. وتصور المجلس العسكري الجديد انه يبدأ من أول السطر، بينما ذاكرة الشعب لم تنسي مسئوليته عما جري، وللمرة الثانية يجري الحديث العاطفي ولا يجري التقييم الموضوعي ولكن هذه المرة يكون الواقع قد تغير إلى بيئة حاضنة للإرهاب، ويتبدى أن هناك تدخلا أمريكيا يوجه أو يستحسن، وصار الخطر يحيط بالأمن القومي ووجود الدولة. 5. صمت عناصر كانت تحسب على الثورة عن الهتاف ضد المجلس العسكري، كشف واقع أن الخصومة الحقيقية بين الجيش والسلطة وموالوها. لم يسلموا من التوصيفات او الحصار بالقرارات أو حتى الاتهام بالتآمر، لم يعترفوا بحقيقة أنهم جاءوا بكل هذا وهم مسؤولون عنه، بل ادعوا وللمرة الثانية أن الصندوق هو الحل. 6. اختلت العلاقة بين الجيش والشعب من جديد، وكأن الشعب مطالب أن يكون أكثر رجاحة في العقل من السلطة والمؤسسة العسكرية، وهو الذي يدفع ثمن الغلاء والانفلات الأمني، وتحرق التصريحات بالتهديد والوعيد من التنظيمات الدينية كل أمل لديه في استعادة المسار الصحيح للثورة التي أراد منها هدف "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية". 7. ووجد الشعب نفسه بين شقي رحى الجماعات والمجلس العسكري الجديد، وكثرت التأويلات، خاصة أن المناورة بالشعب أو علي الشعب هي مغامرة وليست تكتيكا يؤدي لتوازن القوي، أو إعادة الأمل للشعب. 8. إن حديثا لا يحمل أي منطق يقول بان الجيش المصري فقد خلال الفترة الانتقالية قدرته القتالية وحالة الانضباط داخلة، خاصة وان بناء جيش فوي وتنوع مصادر السلاح كان حديث الثورة، ولم يتعرض الجيش لغير عدوان رفح، ولم يحقق الجيش سيطرة علي ارض سيناء، بل إنه يقوم بهدم الأنفاق بينما التوصيف انه في هدم الأنفاق يدخل صراعا مع سلطة الاخوان، وان القرار السياسي يغل يده عن التعامل مع الجماعات الإرهابية، فهل يتحمل الأمن القومي هذا الانقسام. المعارضة والجيش هما مبحث اللحظة بالكلام، والضحية وطن وامن وحلم المستقبل. يقول البعض بأن الجيش إذا وضع في اختيار حقيقي بين وطن ولا وطن لكان واضحا أمامه الانحياز، ولكن الدعاة إلى موقف يتخذه الجيش من السلطة القائمة تحكمهم الأهواء، وهذه المقولة بقدر محاولتها لرأب الصدع بين الشعب والجيش بقيادته الحالية، فهي تنطوي على اتهام ضمني أن فقدان الأمن القومي واستباحة مصر وأرضها من جماعات الإرهاب لم يصل إلي إدراك ووعي القيادة العسكرية. الأمر ليس اتهاما هنا أو هناك، ولكن الأمر أن العقل والفكر يجب أن يسبق تحول الخطر إلى واقع، فهل تترك قيادة الجيش الكلام لغيرها وتحول دون إهدار أمن مصر القومي الذي يبدأ من لقمة العيش إلى حق الحياة وفق دستور توافقي؟ هل تنحي قيادة الجيش جانبا الحديث عن حماية صناديق الانتخاب؟ هل تكتشف قيادة الجيش لنفسها سبيلا صحيحا لأعمال إرادة الشعب؟ قال وزير الداخلية إن محمد مرسي غير مسجل بسجن وادي النطرون الذي هرب منه، ويقول قائد الجيش بعد عام كامل إنه لا يعرف من قتل الجنود في رفح، فكيف سيحمون صناديق الانتخاب؟.

518

| 14 مايو 2013

هناك شيء خرب

كسرت ثورة يناير في مصر حاجز الخوف وعرف الشعب طريق التمرد وحقق به إزاحة رأس النظام، وتجاوز احتمالات إخضاعه، ولكن نتيجة أخرى تلح أمام أعيننا أن حالة من الخرف أصابت اللغة والعقل، فرضت على المجتمع قضايا لم تكن في حسبانه أو من صميم معاناته التي دفعت به إلى الانفجار في مواجهة النظام القائم، وصار ضجيج هذه القضايا المستحدثة يعمي الأبصار عن حقائق ما يدور من حوله، وأثارت من الشقاق والانقسام والإحباط أكثر من تثبيت لحظة امتلاك الإرادة والسعي لتحقيق أن تكون إرادة الشعب هي مصدر السلطات. انشغل المصريون بفتاوى تحريم أكل الفسيخ والبيض الملون والبصل في مناسبة يوم شم النسيم، وفتاوى تحريم تهنئة المسيحيين المصريين بعيد القيامة المجيد، وبلغت قعقعة الفتاوى مداها، وكانت ستارة الدخان تخفي حقائق ما يجري فوق الأرض، ومن حولهم، ويهدد وجودهم ذاته. وقبل أن ينتهي حديث الفسيخ والبيض الملون في مصر، كانت إسرائيل تقصف مواقع عسكرية ومدنية على مسافة 12 كيلومترا من دمشق، ويقول أوباما كما نتنياهو "بحق إسرائيل في الدفاع عن أمنها القومي"، ويتحدث مصدر إسرائيلي أن الهجوم الثاني خلال ثلاثة أيام يستهدف منع وصول صواريخ إيرانية إلى حزب الله، وغير هذا مازال الحديث عن خطر تسرب مخزون الأسلحة الكيميائية إلى أيد "إرهابية"، أي أن كل الاحتمالات مفتوحة وبنك الأهداف والتبريرات يتسع وبلا أفق، وأيضا بلا رادع. ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، لا يعني علي الإطلاق أن حركة الشعوب ضد الاستبداد لم تكن تحمل شرف الوطنية، وأنها صناعة خارجية، وأن الشعوب كانت محل الخداع، وانساقت تؤدي دورها في مؤامرة علي المنطقة العربية مسلوبة الإرادة. ولكن حركة الشعوب وما حملته من مفاجآت والأهداف التي أعلنتها، استدعت التحول في المواجهة بإطلاق تحالف "أمريكا ـ الناتو ـ إسرائيل"، كل خططه وترتيباته وليستخدم كامل أسلحته. كما أشار العديد من المحللين أن خطط الناتو كانت توزع المهام على أعضائه، التدخل في ليبيا يكون مسؤولية فرنسا وإنجلترا وإيطاليا، والتدخل في سوريا يكون مسؤولية تركيا، ولم نلحظ في الأحاديث من يتولى أمر مصر إن لزم الأمر التدخل، ولم يذكر أحد أن الشريك الأساس في كل ذلك هي إسرائيل. ولم يتكشف دور أجهزة المخابرات و "تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية". تفكيك الدولة في مصر لم يلبث أن وجد له ظهيرا في مقالة عميقة نشرها البروفيسور مايكل شوسودوفسكي علي موقع جلوبال ريسيرش بتاريخ 24 يناير 2013 تحت عنوان "محو الدول عن الخارطة": من ذا يُفشِل "الدول الفاشلة"؟ ينقل عن البروفيسور إريك واندل: "لقد هاجمت الولايات المتحدة، على نحو مباشر أو غير مباشر، نحو 44 بلداً في العالم منذ عام 1945، بل إنها هاجمت بعضها على نحو متكرر. وكان الهدف المعلن لتلك التدخلات العسكرية إحداث "تغيير في نظام الحكم". وفي كل الحالات كانت تستخدم ذرائع "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" لتبرير تلك الأعمال الأحادية غير القانونية. وينقل عن الجنرال ويسلي كلارك "هذه مذكرة "للبنتاغون" تصف كيف سنقوم باجتياح سبعة بلدان خلال خمس سنوات، بدءاً بالعراق ثم سورية، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وانتهاء بإيران. قلت هل هي سرية للغاية؟ قال "نعم يا سيدي"، فقلت إذن لا ترني إياها". ويضيف حول مصطلح "الدول الفاشلة"، "يتوقع" تقرير التوجهات العالمية (ديسمبر 2012) الصادر عن مجلس الاستخبارات القومي في واشنطن، أن تتحول 15 دولة في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط إلى "دول فاشلة" بحلول العام 2030 كنتيجة للمنازعات المحتملة والمعضلات البيئية. وتشمل قائمة البلدان في تقرير المجلس لعام 2012 كلاً من أفغانستان، النيجر، مالي، كينيا، بوروندي، إثيوبيا، رواندا، الصومال، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ملاوي، هايتي، اليمن. وفي تقريرها للعام 2005 والذي نشر عشية التجديد للولاية الثانية للرئيس بوش، توقع مجلس الاستخبارات القومي أن تصبح الباكستان دولة فاشلة بحلول العام 2015 تحت تأثير الحرب الأهلية والطلبنة والصراع من أجل السيطرة على الأسلحة النووية. وقورنت الحالة الباكستانية وقتها بيوغسلافيا التي تشظت إلى سبع دول تابعة بعد عقد من "الحروب الأهلية" التي رعاها وأدارها الناتو والولايات المتحدة. وفيما يشير إلى أن الدول الفاشلة تصبح ملاذاً آمناً للمتطرفين دينياً وسياسياً، فإن التقرير لا يعترف بحقيقة أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد دأبت منذ السبعينات من القرن الماضي على تقديم الدعم السري لقوى التطرف الديني كوسيلة لزعزعة استقرار دول وطنية علمانية. الدول الفاشلة من الطراز اليوغسلافي أو الصومالي ليست نتيجة للانقسامات الاجتماعية الداخلية، بل هي هدف استراتيجي تم تحقيقه عبر العمليات السرية بما في ذلك العسكرية. يقوم صندوق السلام Fund for Peace في واشنطن المتخصص في "الأبحاث من أجل الأمن المستدام" سنوياً بنشر مؤشر الدول الفاشلة Failed States Index بالاستناد إلى تقييم المخاطر. ثمة 33 دولة جرى تصنيفها كدول فاشلة (ضمن فئتي الإنذار Alert أو التنبيه Warn). وأن "الدول الفاشلة" هي أهداف للإرهابيين المرتبطين بالقاعدة. ويأتي التصنيف التراتبي السنوي لصندوق السلام ومجلة فورين بوليسي للدول الفاشلة والهشة بمؤشرات عالمية مثيرة للقلق في وقت تتصاعد فيه المخاوف الدولية من إقامة المتطرفين المرتبطين بالقاعدة دويلة حاضنة في شمال مالي لتوسيع نشاطاتهم الجهادية. وبطبيعة الحال، لم يشر التقرير إلى تاريخ القاعدة بوصفها أداة استخبارية أمريكية أو إلى دورها في نشر الانقسامات والاضطرابات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وإفريقيا، حيث تشكل نشاطاتها في معظم هذه المناطق جزءاً من الأجندات الاستخبارية السرية الشيطانية. من هذا التقرير الدراسة، الأمر لم يعد مجرد مصالح بالمنطقة العربية، ولكنها لعبة أمريكا في إفريقيا وآسيا، للوصول إلى الخصم المباشر في الصين عبر شبه القارة الهندية، ولإقرار أن القرن الواحد والعشرين هو القرن الأمريكي. العالم الثالث ارض صراع، والكل أدوات، والقطب الذي يحقق النتائج هو أمريكا، وتكشف الدراسة الثانية الوجه القبيح للأدوات الأمريكية، بعيدا عن أمريكا مراكز البحث والتخطيط والظاهر من سلوكيات الإدارة وحتى العلم والشعب، ويكتب البروفيسور شوسودوفسكي دراسته الثانية تحت عنوان "فرق الموت الأمريكية"، ويحدد فيها. يعتبر توظيف فرق الموت جزءاً من الخطة الاستخبارية - العسكرية المحكمة للولايات المتحدة الأمريكية. فتاريخ الولايات المتحدة الطويل والرهيب في التمويل السري ودعم كتائب الموت والاغتيالات المستهدفة تعود إلى الحرب الفيتنامية. وقد صممت عمليات تشكيل وتدريب كتائب الإرهاب في البداية بالعراق على غرار "الخيار السلفادوري"، وهو "نموذج إرهابي" لعمليات قتل جماعية تنفذها فرق للموت كانت ترعاها الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى. وقد طبقت بداية في السلفادور، في أوج المقاومة ضد الديكتاتورية العسكرية هناك، بدء تأسيس فرق الموت في العراق خلال الأعوام 2004 – 2005 بمبادرة قادها السفير الأمريكي جون نيغروبونتي. وهو "الرجل المناسب للمهمة". فبصفته سفيراً للولايات المتحدة في هندوراس ما بين 1981 – 1985، لعب الرجل دوراً رئيساً في دعم وتوجيه عصابات الكونترا النيكاراغوية المقيمة في هندوراس، وكذلك الإشراف على فرق الموت الهندوراسية. وبذات المنهج جرى "تشكيل قوات ضاربة من المقاتلين الأكراد والشيعة لاستهداف قادة التمرد "المقاومة" في نقلة نوعية تحاكي جهود مكافحة رجال العصابات اليساريين في أمريكا الوسطى قبل عشرين عاماً". ففي إطار ما سمي "الخيار السلفادوري"، ستكلف القوات العراقية والأمريكية باختطاف وقتل قادة التمرد، بل وحتى مطاردتهم في سورية، حيث كان بعضهم يقيمون كلاجئين. ونظراً لما كانت تثيره أعمال فرق الموت تلك من حساسيات، فإن معظمها سيبقى طي الكتمان. وفيما الهدف المعلن للـ"الخيار السلفادوري في العراق" كان "القضاء على التمرد"، فإن كتائب الإرهاب المدعومة أمريكياً انخرطت في أعمال قتل روتينية للمدنيين بهدف إثارة العنف الطائفي. وبدورهما، فإن جهازي الاستخبارات الأمريكية CIA، والبريطانية MI6 كانا يراقبان عن كثب وحدات "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" المنخرطة في الاغتيالات المستهدفة للشيعة. والأمر اللافت، أن فرق الموت كانت مدمجة وتتلقى التوجيه من القوات الخاصة الأمريكية على نحو سري. وضم نيغروبونتي إليه روبرت ستيفن فورد، الذي يتقن العربية والتركية، وهو السفير الحالي لأمريكا في سوريا منذ يناير 2011. كُلف نيغروبونتي وفورد بتجنيد فرق الموت العراقية. وفيما قام نيغروبونتي بإدارة العمليات من مكتبه في السفارة الأمريكية، عُهِدَ إلى روبرت فورد، بمهمة التأسيس لعلاقات إستراتيجية مع مجموعات المليشيا الشيعية والكردية خارج "المنطقة الخضراء". روبرت فورد واحداً من فريق بالخارجية الأمريكية اضطلع بالإشراف على تجنيد وتدريب الكتائب الإرهابية، إلى جانب كل من دايريك شوليه وفردريك سي. هوف، شريك أعمال سابق مع ريتشارد إرميتاج، والذي عمل كمنسق واشنطن الخاص للشؤون السورية. وعُيَن دايريك شوليه أخيراً في منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي. وقد عمل هذا الفريق تحت قيادة جيفري فيلتمان. الذي عين مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية (يونيو 2012)، وهو منصب استراتيجي يُعنى عملياً بصياغة جدول أعمال الأمم المتحدة (بالنيابة عن واشنطن) حول قضايا تتعلق بـ"حل النزاعات" في العديد من "النقاط الساخنة سياسياً" حول العالم "بما في ذلك الصومال، لبنان، ليبيا، سورية، اليمن، ومالي". وللسخرية المريرة، فإن البلدان التي تشكل موضوعاً لـ"حل النزاعات" بالنسبة للأمم المتحدة، هي ذاتها التي تستهدفها الولايات المتحدة بالعمليات السرية. الأسماء والمناصب ومجموعات العمل تؤكد أن خطط أمريكا لا تتغير بتغير الإدارة. تفكيك الدولة ليس أمرا عارضا في مصر، هو داخل ذات الإستراتيجية، وبذات الأدوات، والحفاظ علي الجيش المصري والأجهزة السيادية يجب أن يكون حاضرا في الوعي، وتقدير الموقف للوقائع من حولنا يجب أن يتسع لها الأفق، حتي لا تأخذ الدعايات بأمننا القومي، ولعل المصريون يتذكرون أن بوابة مصر الشرقية هي الشام، وأن إسرائيل هي المصدر الرئيس للخطر، وأن نميز بين قنابل الدخان وبين صلب الأهداف الوطنية، ووحدة المصير القومي.

582

| 07 مايو 2013

الاستبدال...

عندما تولى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منصبه عام 1999 طالب "بالعوربة" بديلا عن "العولمة"، وكان الرئيس العراقي صدام حسين عندما انتهت حرب العراق وإيران، قد طالب بمحاولة التأثير على النظام العالمي الجديد الذي يتشكل، واستبدل التأثير على النظام العالمي الجديد بغزو الكويت الذي بدأ به عصر التفتيت العربي، وكان العراق ضحيته الأولى. انتهت الأمور بالواقع العربي إلى استبدال نداء القومية العربية إلى التعايش على تخوم نظام عالمي أحادي القطبية، واستبدل العرب أهداف الاستقلال والوحدة، بخصومات بينية بين الأقطار العربية، واستبدلوا قضية فلسطين كمحور للتحرر العربي بتحويلها ساحة صراع ونفوذ عربي - عربي، واستبدلوا دعم حق شعب أخرج من أرضه، إلى صراع حول السلطة في أرض محتلة. نسي العرب التاريخ، وصاروا على أبواب الخروج منه، ونسي العرب أن الواقع فوق أرض فلسطين لم يعد ناتج النكبة الأولى والتقسيم وقيام دولة إسرائيل، بل تجاوزها إلى نتائج هزيمة 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين والجولان وسيناء، وعندما خرجت مصر من الصراع مكتفية بسيناء مجردة من السيادة المصرية، استبدلت هدف إزالة آثار العدوان بمقولة إن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، استبدل العرب إرادتهم، بالهرولة إلى الإدارة الأمريكية غير عابئين بمصالحها وتناقضها مع مصالحهم. الاستبدال...ى المستوى القومي العربي، كان مؤشرا إلى دخول زمن التردي. ولم تكن وقائع الثورات الشعبية في المنطقة العربية تجري خارج زمن التردي العربي، هي محاولات شعبية للخروج من تلك الحالة، ولكن المواجهات معها كانت أعمق في الزمن والتخطيط وتنوع الإمكانات، من قدرة الشعوب على استكمال مسار الثورة. السودان واليمن وليبيا وسوريا، جميعها دلالات على اختلال التوازن بين حركة الشعوب في سعيها إلى الخروج من زمن الاستبداد من السلطات الحاكمة، أملا في تحقيق مصالحها المباشرة والتي يمكنها أن تكون قاعدة صلبة للمصالح الوطنية والقومية، وبين المواجهات الخارجية والأهداف الأجنبية التي لا تتورع عن القتل والعدوان وتشكيل المحاور، وجل الهدف يتجاوز مجرد أمن إسرائيل والثروات العربية إلى غاية التفكيك وتفتيت الأوطان العربية، وهدم الدولة. ووقائع ما يجري فوق أرض مصر، لا يبعد كثيرا عن هجمات الناتو على ليبيا، أو الدم المسفوك على تراب سوريا، أو ضياع جنوب السودان، أو الاقتتال في اليمن، النتيجة واحدة وتؤكد أن الهدف هو تفتيت الواقع العربي وبكل الأدوات والأساليب. البداية كانت حصار العقل في مصر بمقولة "سرعة تسليم السلطة لحكومة مدنية" دون أن تملك مصر دستور الثورة، والنهاية مطلب صندوق النقد الدولي بوجود مراقب مالي له بالبنك المركزي، أي العودة إلى الإشراف الأجنبي المباشر على الاقتصاد المصري حتى يمنح مصر القرض الذي تحاول السلطة أن تجعل منه مدخل الوجود وحل المشاكل الاقتصادية لمصر. بين البداية واللحظة الراهنة والتي ليست بالنهاية، كان واضحا أن هناك من يعلم ماذا يريد ولديه أدواته الداخلية والتي تمثلت في جماعة الإخوان، فقد تواصل معها عبر ستة أعوام فيما هو منظور من أخبار ومعلومات متداولة، وسبر أغوارها، وحدد معها مطالبه وقبلت بها. الأهداف الأمريكية كانت واضحة على النحو التالي: 1. حصار عائد ثورة الشعب، وتفتيت حالة الاحتشاد. 2. الحيلولة دون حدوث المفاجأة الشعبية ثانية. 3. دخول مصر في لعبة الاستقرار الأمريكي بالمنطقة. 4. الحفاظ على أمن إسرائيل. والملاحظ المباشر دون تعمق لما يجري على أرض مصر، يجد هذه الأهداف محل تحقيق، ولن نعدد مظاهر ذلك ولكننا نرصد ما يلي: 1. استبدال شعار الثورة "عيش حرية عدالة اجتماعية"، بالصراع على أسلمة الدولة، والفرز على أساس ديني والدخول إلى صراع مذهبي بين إسلام الإخوان وما عداه من إسلام. 2. استبدال الصراع المصري الإسرائيلي حول سيناء بصراع مع جماعات الإرهاب الديني التي تحاول إعلانها إمارة إسلامية، وإلى صراع مصري حمساوي إذا جاز التعبير. 3. استبدال دولة الثورة التي هي الدولة المصرية دون جماعات الفساد، بدولة الجماعة، واستبدلت أهداف المرحلة الانتقالية في غاياتها من أجل بناء نظام جديد يتطلع إليه الشعب، بأهداف الاستحواذ والسيطرة الإخوانية. 4. استبدال الهوية المصرية بعمقها الحضاري وثقافتها الإسلامية الصحيحة، إلى هوية تقوم على الديماجوجية الدينية، بل بلغ بأحدهم قوله "اللهم أمتني على الإخوان!" مستبدلا كلمة الإسلام بلفظ الإخوان. 5. استبدال هيكلة وزارة الداخلية للعودة بأدائها إلى شعار "الشرطة في خدمة الشعب"، إلى إعادة تكليفها بالقمع ومواجهة الحركة الشعبية بالشارع المصري، مما أعاد ظاهرة زوار الفجر والاعتقالات والتعذيب تجاه كل النشطاء من عناصر الثورة. 6. المحاولات المستميتة لتفكيك الدولة، واستبدال هدف بناء جيش وطني قوي بالهجوم المباشر عليه من عناصر الجماعة، ومحاولات هدم القضاء وإدخال عناصر الإخوان إلى سلك القضاء، ومحاولات هدم المحكمة الدستورية، والهجوم المتوالي على الأزهر بهدف السيطرة، واتخاذ موقف بالعدوان المادي على الكاتدرائية المرقصية والمقر البابوي، وتأجيج الفتنة الطائفية. 7. الهجوم المتوالي على جهاز المخابرات العامة المصرية. هذا كله أمر يراه الجميع، ويرصده، وأخطر ما يمكن عرضه هو العلاقات العربية العربية، فاستبدال وحدة الهدف العربي والمصير العربي والمسؤولية المصرية تجاه ذلك واسترداد دور مصر القومي، استبدال ذلك كله بأن العرب مصدر مالي لمواجهة الأزمة الاقتصادية المصرية، أحال علاقة مصر بالعرب إلى حالة أقل ما توصف به، إنها حالة من الانتهازية، وليست حالة من الانتماء الواحد والمصالح الواحدة. استبدلوا الدور القومي المصري إلى حالة من الاستجداء حتى باتت مصر ومواقفها وسياسيات الجماعة عامل انقسام عربي ــ عربي. وإذا جرى تاريخ بداية مرحلة التقسيم العربي بدخول صدام حسين إلى الكويت، فسيجري تاريخ مرحلة التفتيت العربي بوصول الإخوان إلى السلطة في مصر. واستبدلوا الوطنية والقومية بوهم أممية الخلافة، ففقدوا الوجود وطنيا وقوميا، وفقدوا مبرر التكامل القومي، والفارق جوهري بين التكامل القومي العربي، وبين سياسة التسول بتوافقات الحد الأدنى. إن ظاهرة الاستبدال وصلت إلى صناعة النخبة الجديدة، والأحزاب الكرتونية من جديد. لقد نجحت الهجمة المضادة للثورة بكل روافدها وما امتلكت مفاتيحه، من إجراء الاستبدال في مضمون وشكل واهتمام عناصر شاركت في الثورة، فأحالتهم إلى ذات الصورة من النخبة المتسولة لدور ومنصب وموقف التي ورثناها من نظام ما قبل الثورة، ونجحت الهجمات المضادة للثورة إلى تخليق أحزاب كرتونية جديدة، تلوك الكلمات والشعارات دون مضمونها، فصار الاتهام للثورة بأنها لم تأت بجديد ولكنها أعادت تجميل نظام مبارك القديم بذات مضمونه مع استبدال للأوجه. واستبدلوا مفهوم العدالة الاجتماعية، بالتربص بحاجات المواطنين، وصار وحش الغلاء قرينا لأي حديث عن التنمية، وفقد مفهوم التنمية المستقلة معناه باستبدال مهام البناء والإنتاج بوصاية صندوق النقد الدولي على الاقتصاد. في كتاب "جواسيس جدعون" ـ التاريخ السري للموساد، لجوردون توماس وهو واحد من كتب تثمين قيمة الموساد، نقل عن وليام كيسي مدير المخابرات المركزية الأمريكية في مارس 1986 قوله "تبتكر الأمة مجتمع الاستخبارات الذي تحتاجه، وتعتمد أمريكا على المعرفة التقنية لأننا مهتمون بالاكتشافات وليس بالحكم السري، ويعمل الإسرائيليون بشكل مختلف، والدافع لأعمال الموساد، على وجه الخصوص، هو بقاء الدولة على قيد الحياة". ولو راجعنا مقولة رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية الجنرال عاموس يادلين في أكتوبر 2010 "إن مصر هي الملعب الأكبر لنشاطات جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلي، لقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر". منتصف هذا الشهر خرج تصريح نقلا عن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، بنى جنتس: إن العلاقات الأمنية الإسرائيلية مع مصر في ظل النظام الحاكم الجديد تحسنت بشكل كبير أكثر مما كانت عليه خلال الفترة الانتقالية، وأن هناك تطورا في التعاون الأمني مع القاهرة منذ عملية عمود السحاب، مضيفاً:"نتائج هذا التعاون الأمني أدهشني وفاجأني". إن هذه المقولات الثلاث، وربطها بالتصريحات التي نقلها رئيس حزب الوسط المصري عن مرسي، بأن المخابرات المصرية كونت تنظيما من البلطجية لاستخدامه، هي ما يستدعي أن نستبدل نحن السؤال عمن كان يعنيهم عاموس أدلين، خاصة لتطابق ما يحدث مع ما قاله، وعن أسباب اندهاش رئيس الأركان الإسرائيلي الحالي، وعن مفهوم الأمن القومي لدى السلطة في مصر خاصة وإن كان التعريف الأولي له هو ما قاله كيسي عن الموساد " بقاء الدولة على قيد الحياة"، فهل استبدلت السلطة المصرية مفهوم الأمن القومية إلى "تفكيك الدولة ونفيها من قيد الحياة". ظاهرة الاستبدال العربية والمصرية تكشف أن العرب في حاجة إلى مراجعة التحديات التي تواجه وجودهم، وأخطرها تحدي الهوية واستيعاب التاريخ ووحدة المصير أيا ما كانت أوهام الاستبدال الجارية في العقل العربي وتتجسد دما في واقعه.

579

| 30 أبريل 2013

أمانة في أعناقنا
أمانة في أعناقنا

هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....

6924

| 20 يوليو 2026

هل أنت آمن اقتصادياً؟
هل أنت آمن اقتصادياً؟

هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...

1356

| 26 يوليو 2026

الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون
الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون

حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...

735

| 23 يوليو 2026

الأمير الوالد... سيرةٌ خالدة
الأمير الوالد... سيرةٌ خالدة

عندما أمسكت القلم لأكتب عن الأمير الوالد، أدركت...

675

| 20 يوليو 2026

حين يعلو ضجيج الأفكار يصمت الإبداع
حين يعلو ضجيج الأفكار يصمت الإبداع

كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...

642

| 23 يوليو 2026

ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟
ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟

من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...

585

| 22 يوليو 2026

الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني
الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني

- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه...

564

| 20 يوليو 2026

قبل فوات الأوان
قبل فوات الأوان

وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول...

561

| 21 يوليو 2026

احترموا صغاركم
احترموا صغاركم

ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...

534

| 25 يوليو 2026

اللجنة الاستشارية للخبراء
اللجنة الاستشارية للخبراء

في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...

504

| 27 يوليو 2026

بين السطور
بين السطور

ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...

492

| 23 يوليو 2026

«تسريح بإحسان»
«تسريح بإحسان»

للأسف هناك بعض الاباء بعد قضايا الطلاق والتردد...

456

| 20 يوليو 2026

أخبار محلية