رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كشفت وقائع الأيام الثلاثة الماضية أن هناك جيلا جديدا ولد من معانات العامين الماضيين تجاوز في أدائه وإصراره وقدراته حاله منذ عامين، وأن ظاهرة القتل لم تثنه عن الإصرار، وأنه لا يسلم أمره لأحد، وأنه لا يهاب الرصاص، وأنه صنع من موقفه اللحظي بوتقة تصهر المجتمع لينتج قياداته الطبيعية، وتجاوز كل المطروح عليه من أسماء أو أدوات أو بدائل، وكشف بإرادته عجز الجميع، سلطة أو معارضة، عن استيعاب طبيعة المرحلة وتواضع القدرات بما لا يسمح لأي منهم بثقة الجيل الجديد. هذا الجيل لا يقبل أن يفوض أحدا للحديث باسمه، ويريد أن يمارس كامل التجربة، ويقول بأن المفاضلة بين الاختيارات هي ناتج تجربته، لأنه يمارسها بأسلوبه. ويرفض هذا الجيل القيادة الفرد، ويقول إن الاختيار لا يقوم على سمعة أو تاريخ، ولكنه يقوم على امتلاك القدرات، والاحتياج والمهام هي مصدر توصيف القدرات المطلوبة، وبالتبعية تحديد مواصفات الأشخاص الذين يوكل إليهم العمل. ولديه ثقة على نحو ما في أن الزمن لصالحه، فانفتح أمامه باب الصبر وما ينتج عن الصبر من إبداعات. إن حجم مظاهرات يوم 25 يناير 2013 يؤكد أن العامين المنقضيين لم ينالا من عضد الشعب وإرادته، بل كانا لحظة في عمر الشعب، انقضت وأكمل الشعب نداءات الحرية، وكأنها استطراد طبيعي ليوم 11 فبراير 2011، أن شعبا يملك قدرة الاستمرار هكذا شعب يستحق الحياة، وشعب يملك قدرة التمييز بهذا الوعي بين مطالبه ونداءاته وبين واقع السلطة التي تحكمه، شعب يستحق الانتصار. جمعني الحوار باثنين من هذا الجيل شاب وشابة العمر واحد والمهن مختلفة، والحصيلة النهائية أن الوطن هو حياتهما. تلقيت مساء الجمعة 25 يناير اتصالا من الشاب يصرخ: "إن هناك خداعا وتقاعسا في حركة المسيرات، لا يوجد حشد مناسب أمام قصر الاتحادية، وأن المئات هناك يتعرضون لقصف شديد بقنابل الغاز المسيل للدموع، وأنه نوع جديد وشديد ــ وكنا قد جربناه اليوم السابق على الاتصال ــ وأنه إن لم يتم غدا شيء فإن الثورة تكون قد تعرضت لأكبر حالة من التفريط". لم أكن أملك تجاه حديثه غير مطلب الثبات، وعدم تعجل الحكم على الموقف، لأنها البداية، وأن الاستمرار هو جزء رئيسي من الرسالة، ولا يجب أن ندع تكتيك الإهمال والتجاهل الذي يتبعه النظام يؤتي ثماره. ليعود نفس الشاب، للاتصال مساء يوم الأحد في أعقاب بيان الرئيس المنتخب والذي أعلن فيه الطوارئ وحظر التجول بمنطقة القناة، لأجد حاله قد تبدل قائلا: "أشعر أننا نجحنا في كشف عجزهم، وأن الخطاب ينم عن خوف وتردد وعجز عن الاستيعاب وعدم قدرة على مواجهة الأحداث، ليكمل: أنا متفائل وأعتقد أننا نجحنا، والمهم الاستمرار". هكذا يقيم هذا الجيل الأحداث من واقع وجوده فيها، وفي اليوم التالي جمعني حديث مع شابة من ذات الجيل، قالت في معرض تقييمها للحالة التي تمر بها الثورة: "في 25 يناير 2011 كانت هناك صرخة الشباب الذي يرفض الظلم والتعذيب والفساد ولا يرى النظام يتيح مستقبلا لهم، وواكبت صرخة الشباب صرخة شعب من معاناته في الحياة، وحالة الغلاء وانعدام الأمل في المستقبل، والتقاء الصرختين صنع الثورة وشعار عيش حرية عدالة اجتماعية" وتكمل: "لا تنتظر من أحد أن يتحمل المسؤولية، فالثورة لم تحدث التغيير بعد، فالتغيير يحتاج الكثير في ظل بيئة سليمة تبحث بصدق عن حلول من خلال مصادرها (وهم أهلها) حينها فقط يمكن أن يكون لأي كلام أو نقد معنى. كل يوم يؤكد أن انتظار فارس على حصان يحل لنا مشاكلنا لن يحدث، فإما أن نكون بقدر المسؤولية، التي وفقنا الله إليها حيث أصبحنا نعرف، وإلا فإن ما يحدث سيظل يحدث إلى أن نكون بقدرها". وتغلب الطبيعة الإنسانية عليها لتبدي جزعها الشديد من حالة الحرق والقتل والعنف المصاحبة ليوم الجمعة الماضي. وأرد عليها متفقا في أن كل المطروح لا يمكن القبول به بديلا للنظام القائم، ولكن الأحداث التي تشارك فيها كل هذه التجمعات وبامتداد محافظات مصر، تجعل كل المواجهات الجارية فرن انصهار بين الشعب بقواه صاحبة الحق في الغد، وحالة الانصهار هذه ستنتج قياداتها الطبيعية، التي تملك القدرة بوعيها وانحيازها على التعبير عن الثورة وتحمل مسؤولية التصدي لمهامها، وأن التعامل مع المجتمعات والبشر تعامل مع أخصب مكونات البشرية وأكثرها تعقيدا، وأن ما استوعبه الشعب والتحديات التي واجهها، تماثل قراءة آلاف الكتب، وكتابة آلاف المقالات، ولولا هذه التحديات والمعاناة، وانكشاف الحقائق ما كان يمكن لشعب أن يضع جميع المراقبين في حالة من الحيرة وعدم القدرة على توقع خطوته التالية، بل إن التساؤل الدائم على الألسن: من هم المتظاهرون؟ وماذا بالضبط يريدون؟ ومتى يتوقفون عن أفعال العنف هذه؟ يؤكد أن ما يفعله المتظاهرون يتجاوز القدرة على التخمين والتوقع، وهنا تكمن عبقرية هذا الشعب، أنه يصنع قياداته الجديدة ويستكشفها ويكمل تعرية القائم من نخبة وأحزاب. ثورة هذا الجيل الجديد، والمنهج الذي يتبعه، يتطلب من الأجيال التي سبقته أن تستوعب كيف يرى الأشياء وموقفه وقدرته على الحركة والإبداع، وليت تلك الأجيال أن تنقل إلى جيل الثورة أفضل ما امتلكت دون منّ أو محاولة سيطرة عليه وتوظيفه لمصالح أو مهام تنحرف به عن طريق الثورة. والثورة حقيقتها معرفة تعيد صياغة الواقع، والمعرفة علم وانحياز وتجربة. ولقاء الشباب بعلمه مع الشعب يوفر الانحياز، ولقاؤه بأجيال سبقته ولا تمن عليه يوفر له خبرة تاريخ تجارب سبقت، له أن يأخذ منها ما يشاء أو يدع، ولكن واجبه ألا يتجاهل دروس عمر أمة، هكذا تستمر الثورة لتحقق غاياتها. وكأن القدر يأبى إلا أن يضع السلطة في حالة المقارنة لغير صالحها، وليكشف وجها مشوها للتعبير عن الثورة. شهد يوم الجمعة استشهاد قرابة العشرة من المواطنين، وأعلنت الرئاسة أن مرسي سيلقي بيانا، ولكنه أرسل في الثانية من فجر السبت على تويتر ثلاثة تويتات تعزية، ليصبح الأمر مجال تندر، ويمضي يوم السبت ليصنع مأساة في بورسعيد بعد النطق بأحكام وصلت إلى الحكم بإعدام 21 من المتهمين في مذبحة فبراير 2012 التي راح ضحيتها 75 شهيدا في مباراة لكرة القدم ببورسعيد، والغريب أن المحكوم عليهم بالإعدام بينهم واحد ممن كانوا ضحايا، وبينهم 6 هاربين و5 أفرجت عنهم النيابة وخمسة آخرون دون الثامنة عشرة عاما، ولا تعليق على الحكم، ولكن المأساة تتكرر بعد النطق بالحكم، ويسقط 37 شهيدا بالرصاص في بورسعيد، وتشتعل المدينة، وظهر الأحد أثناء تشييع جنازة عدد من الشهداء تهاجم الشرطة الجنازة ويسقط 3 شهداء وفي الليل يصل نبأ وفاة 5 مواطنين آخرين من الإصابات الخطرة التي كانت بالمستشفى ليصل العدد إلى قرابة 45 شهيدا، وكأن هناك من يريد أن يحقق تساويا بين ضحايا فبراير 2012 وضحايا يناير 2013 في مأساة لكرة القدم، وهي بالقطع غير هذا على الإطلاق. يتكرر التناقض، ليعلن مرسي بعد تهديد ووعيد في خطاب مساء الأحد حالة الطوارئ في مدن القناة السويس والإسماعيلية وبورسعيد، وحظر التجول من التاسعة مساء إلى السادسة صباحا، ويتضمن الخطاب ضرورة احترام أحكام القضاء ورفض العنف والاعتداء على المؤسسات والمباني، متناسيا أن أول من اعتدى على القضاء هو مرسي ذاته في إعلانه الدستوري الأخير، وهو من غض الطرف عن حصار جماعة الإخوان للمحكمة الدستورية يوم 2 ديسمبر وهو يوم الحكم في طعون على اللجنة التأسيسية للدستور وقانون انتخاب مجلس الشورى وينكشف أمام الكافة أن الكيل بمكيالين أو هو فقدان الذاكرة واستمراء التخفي خلف شعارات يستدعيها عند الحاجة، ويتجاهلها عندما لا تتوافق ورغباته. تاريخ منطقة القناة هو تاريخ الدم والاستشهاد، سواء حين حفرها، أو أثناء الاحتلال البريطاني، ثم في الحروب المصرية ضد العدوان الثلاثي أو ضد إسرائيل على مدى سبع سنين، وأن أهالي المنطقة عانوا طوال تلك الفترات عن رضا، وقدموا أنبل صور الوطنية. نسيان الدم المراق في القناة ليس جديدا، فهم من نسوا دم الشهداء طوال العامين الماضيين، ولكن هذه المرة الموقف يختلف، فرد الفعل كان مباشرا، حيث خرجت نداءات من أهالي القناة بالدعوة إلى زيارات للمنطقة لحضور حظر التجول ومشاهدته، وأعلنت المنطقة أن مظاهرات ستدوم طوال فترة حظر التجول. الفرص لا تأتي إلا لمن يستحقها، وتنقلب وبالا على من يعاند الحقيقة ويعاند الشعب. والاثنين هو ذكرى جمعة الغضب، وقبل أن تسقط الشرطة كان ضباطها يطردون وزيرهم من جنازة أحد زملائهم وتنتشر أخبار بأن الضباط يرفضون استخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين. جيل جديد يثور ويدفع دمه ثمنا للحرية، وسلطة تمارس إرهاب القتل، وكتل حزبية تفتقد قبول الشعب بها، ومخاطر خارجية متربصة، والأمر مازال في الميدان بلا حسم، ومهيأ لمزيد من الدم.
828
| 29 يناير 2013
يقتضي الإنصاف أن نحدد طبيعة الأربعة والعشرين شهرا الماضية من عمر ثورة الشعب المصري من دون تزييف. لقد كان السؤال الدائم متى يخرج الشعب المصري ليسترد إرادته؟، وخرج الشعب وكسر حاجز الخوف وأدرك أنه أقوى من الجميع، وأن إرادته جزء من إرادة الله. كان الانحراف بالوعي قائما في الفصل بين مكونات النظام، سواء كانت تحكم أم كانت في المعارضة، وكشف الشعب بصبره طوال العامين الماضيين، أن مكونات النظام الذي ثار ضده، ليست مجرد حزب حاكم وسلطة ولكنها جمعية من المنتفعين، زادوا من عبء التردي باستسلامهم لقواعد لعبة النظام السابق، وقدرتهم على التلون مع أي نظام يأتي، انتماؤهم إلى العمل العام وجاهة اجتماعية، وهذا لا مكان له عندما يثور الشعب. وتوالى انكشاف الحقائق، ليخرج الشعب ويتحرر العقل من غيبوبة أن ظلما قد وقع على جماعة الإخوان، وأنهم الأنقياء والنظم التي تعاملت معهم هي المستبدة، واتضح أن الاستبداد في عقيدتهم ليس استبدادا بالوطن والمواطنين ولكن معيار الاستبداد عندهم هو الموقف من جماعتهم. وانتقلت المواجهة مع الإخوان من أجهزة أمنية للدولة، إلى مواجهة مع الشعب، وتتصاعد المواجهة، لتحيل فكرة التنوع إلى ضرورة الفرز على معيار وطني ملح وغير قابل للتنازل. وانكشف أن هذه الجماعة لا تحمل في مكوناتها الفكرية غير فكرة الأنا، وأنها على استعداد للتفاوض على أي شيء وكل شيء، حتى أمن الوطن في مواجهة أعدائه. وأنها لا تدرك معانات الشعب، بل تزيد من أعبائه وتتخذ منه درجات سلم للسلطة غير عابئة بالدم المسفوك بيد سلطات انتقالية أو بيد ميليشياتها. وانكشف أمام الشعب أن الخطر لا يحيق بالبشر والحجر فقط، بل يحيق بالدين، ولم يخجل أشخاص ادعوا بأنهم ينتمون إلى الدين عن استخدام وعيهم القاصر لإثارة فتنة الدين ذاته، بل وتجاوزوا الكذب على البشر، إلى تفسيرات للدين هي دخيلة عليه، بل هي بدع من صنع تشوههم الفكري. وانكشف أمام الشعب أن المواجهة الحقيقية هي مع قوى وتجمعات في الداخل تفتقد الالتزام والانحياز للشعب وحاجاته، كما أنها مواجهة مع قوى بالخارج تريد أن تجهض حركة الشعب وتسلبه إرادته، بل إنها تملك مخططات لمصالحها، ولا تدخل مصر في حسابها على أي نحو غير كونها هدفا تجب السيطرة عليه. وانكشف أمام الشعب، أن قوى الخارج التي صنعت تنظيم القاعدة تحت دعوى الجهاد الديني في مواجهة الإلحاد، لا تختلف عن قوى الداخل التي صنعت كافة التنظيمات الدينية في الداخل، بدءا من الإخوان وحسن البنا ووصولا إلى محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان في السبعينيات عندما استعان السادات بهم ليحكم سيطرته على حالة الرفض لخياراته، وهذه التنظيمات أنتجت كافة الأسماء التي تملأ سماء مصر بفحيح لا علاقة له بالدين غير كونه أداة للحشد والتعبئة ولكن هدفها الوحيد الاستيلاء على السلطة. لقد رفض الفكر الوطني والقومي ادعاءات الغرب بأن الإسلام فكر دموي إرهابي، ولكن ما يجري على الأرض العربية الآن يكشف إلى أي مدى نجحت أجهزة المخابرات وأنظمة الفساد وأمريكا وحلفاؤها في تحويل الإسلام من عقيدة إلهية ودعوة للعدل إلى مبرر لوجودات مسلحة لا تحترم دينا ولا بشرا ولا إنسانية، وليمتد أثرها بطول الوطن العربي وعرضه وإلى خارجه إلى دول العالم، ولتتضاعف مهمة الدفاع عن الإسلام في مواجهة الغرب ونظم الاستبداد وفي مواجهة التنظيمات الداخلية. إن فضيحة التنظيمات الإسلامية المسلحة في مصر والوطن العربي تتجاوز فضيحة لافون عندما كانت إسرائيل تسعى للقتل والتفجيرات في الداخل المصري لتعيد ترتيب أمر مصر لما يخدم مصالحها. ولم يتوقف الأمر عند حمل السلاح، بل تجاوزه إلى التحالف وأعداء الوطن، وتبني فكر تنظيمات ما يسمى بالإسلام السياسي، تصورات تضرب الأمن القومي في مقتل، وصارت اللحية مطلب المسلمين، ولم تعد الحرية ولا العدل ولا التنمية، وزواج القاصرات هو قضية الثورة، والقتل والسحل تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مفهوم العدل والدعوة في عقيدتهم. لا أملك توصيفا مضافا لذلك كله غير وصف الفترة الانتقالية بأنها فترة الفتن الكبرى، وأن شعبا يتحمل كل هذه الادعاءات وانكشاف الحقائق ويظل متماسكا، هو شعب يستحق الحياة. نجح الشعب في كشف وهم ادعاء الأسلمة، ووهم ادعاء الديمقراطية سبيلا لتحقيق أهداف الثورة بصناديق التصويت، فتراجع عن المشاركة في هذا الوهم، ومتابعة أحاديث البسطاء في منازلهم، يؤكد أن الإصرار والوعي يتزايد، مواكبا لرفض جماعات الإسلام السياسي، بل إن ما لم تنجح فيه الأنظمة طوال فترة وجود تنظيم الإخوان لخمسة وثمانين عاما من عزلهم أو حصار دعواتهم الكاذبة، نجح فيه الشعب خلال الفترة الماضية، ويكاد يبلغ التربص من الشعب مداه بما يمكن أن يفتح باب الدم على مصراعيه. استوعب الشعب درس نكسة الثورة طوال العامين الماضيين، ومازالت أحاديث الساسة والنخبة دون إدراك أنهم صرعى أوهام إمكانية التعايش والتعامل، كاشفين بذلك عن عجزهم وليس عن حكمة الحياة ولا نداءات الشعب الصابر بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية. الثورة رحلة عمل مستمر، فالشعوب تملك إرادتها لتصنع غدها ومستقبلها، وليست الإرادة مصباح علاء الدين السحري ولا خاتم سليمان، الإرادة الشعبية فكر يصدقه عمل، يقين بالحق يدفع الشعب ثمنه، الثورة حياة، والحياة رحلة، وليست محطة وصول، ومن يعتقد أنه بلغ أربه في الحياة أو في رحلة الثورة المستمرة يكون قد حكم على نفسه بالموت. لم تحظ مصر بفترة سكون أو تحقق للأمل منذ قام شباب الثورة بتنظيف ميدان التحرير ودهان أرصفته والعودة به إلى رونقه، ولم يكونوا يعلمون حينها أنهم ينظفون الإسفلت ليستقبل منهم دماء جديدة. حالة الترقب لما سيكشف عنه الشعب الجمعة القادمة لم تحظ بالهدوء السابق للحظات الفعل، بل حفلت بالدم والصدام وتنوع المصائب وتعددها، والأخطر من الهدوء أو المصائب، أن أحدا لا يسعى إلى الحيلولة دون خطر متوقع، ولكن يبدو أنهم وبلا استثناء يسعون إلى انفجار الموقف. الانفجار ليس طاقة إيجابية، ولا اتجاه محددا له، ولكن حالة التشبع بالسخط، والمعاناة المعيشية، والغيوم التي يختفي خلفها المستقبل المجهول، والكفر بكل التشكيلات السياسية والتنظيمات الدينية، وانهيارات في بنية القضاء والإعلام، والمساس بالأرض، وما يتردد عن السلاح والخلايا المسلحة، كل ذلك جعل حديث العنف أقرب إلى التحقق أكثر من إمكانية اللقاء. لقد بدأ إشعال فتيل الانفجار منذ إقرار خيارات البشري ولجنته، والتي حاصرت إرادة التغيير ودفعتها دفعا لمواكبة الرؤية الأمريكية التي لم يغيب عنها هدفان رئيسيان، الأول ألا تكون لثورة يناير نتائج تؤدي إلى تحرير الإرادة الشعبية والتمثيل لها في سلطة أو في أداء، والثاني كان ومازال إجهاض أي إمكانية محتملة لتكرار الفعل الشعبي الذي تجسد خلال الـ 18 يوما الأولى بعد 25 يناير 2011. لم تصل شعلة الفتيل إلى مفجر للإرادة الشعبية للاحتشاد وتقرير أمرها، وكانت الأكاذيب والأوهام هي معوقات الانفجار، ولكن عامان منذ الثورة ونتائج هذه الفترة كافية للخروج عن حالة الحصار للفعل الشعبي بالوهم وبيع الدين له والآمال الكاذبة. سماء مصر تملؤها مشاعر الغضب والإحباط وجعجعة الساسة دون طحن ينتج لقمة عيش أو أمانا أو ثقة في المستقبل. هل ستكون الجمعة القادمة جمعة إطلاق الإرادة الشعبية ولو حتى بالغضب؟، وهل ستجد الإرادة الشعبية سبيلا لتحقيق أهداف الثورة؟، هل ستمتد بعد يوم الجمعة خاصة وأن السبت التالي 26 يناير ــ وهو ذكرى حريق القاهرة عام 1952ــ ستعلن فيه أحكام مذبحة الألتراس الأهلاوي في بورسعيد والتي راح ضحية لها 74 شابا؟ ما ننتظره هو نتيجة طبيعية لكل المؤامرات التي تمت لخطف الثورة والسلطة والدستور والقضاء وإهدار الهوية وإثارة الفتنة الطائفية والمذهبية وتكفير كل من هم خارج تنظيمات الإسلام السياسي، والعشوائية الاقتصادية وعدم الإلمام بإدارة الدولة. هل ستنجح وقائع الأيام القادمة في خلق سبيكة وطنية مغايرة لما هو معروض على الشعب، من كافة قواه الاجتماعية ومكونات القوة التي يختزنها؟ سؤال جديد ستجيب عنه وقائع وأحداث الأيام القادمة، وادعاء التوقع خارج السياق، ولكنه الأمل أن تسترد مصر عافيتها وتصحح المسار.
380
| 22 يناير 2013
عرض الأستاذ محمد حسنين هيكل للموقف في مصر والمحيط العربي، وخطط أمريكا والناتو واستراتيجية "الباب المفتوح" التي أقرها الناتو في نوفمبر 2010 واشترك في صياغتها لجنة أسموها لجنة الحكماء من 12 عضوا برئاسة مادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، وأعدت اللجنة تصورها في ثمانية عشر شهرا، واستمعت إلى 1000 شخص حول أمر جنوب المتوسط، والعدو غير المحدد وكيفية التعامل معه.وتداعت خلال الحديث (6 حلقات على مدى شهر ونصف)، الحقائق والوقائع والمعلومات لتؤكد طبيعة المواجهة العربية في اللحظة، ومدى التباين بين عشوائية المواقف العربية، والخطط التي تواجهها والمعدة سلفا وإن كان لحظة إعدادها لم تكن معالم ما تواجهه هذه الاستراتيجيات محددا كليا، ولكن مصدر الخطر محدد موقعه، وطبيعة المصالح محددة قطعيا حتى وأن تنوعت بين العناصر المكونة للناتو، ثم الفكر يسبق الفعل، والرؤية تتلوها المهام وبوضوح، والعناصر المكونة للإمكانات محددة قطعيا، والهدف المستقبل، ليس بالإغراق في الماضي، ولا هو ببناء أخلاقي أو ديني، غير إنهم يعلمون ماهية "أفيونه" المنطقة التي سيجري التعامل معها، وسبل استخدامها، وبين أيديهم درس أفغانستان وإعلان الجهاد ضد الجيش السوفييتي الملحد، هكذا في العصر يجري الإعداد للمواجهات لتحقيق المصالح.كانت الحلقات تحت عنوان (مصر أين؟.. وإلى أين؟)، غير أن متابعة دقيقة لمحتوي الحلقات أضفي إلى عنوانها كلمة "للأسف"، وكأن العنوان قد تحول إلى "للأسف مصر أين؟ وللأسف مصر إلى أين؟".لم يأسف الأستاذ هيكل على مصر الوطن والشعب، ولكن أسفه على متاهة ألمت بالعقل المصري، وأهدرت ثورة شعب سواء في تونس أو مصر، فاجأ العالم بحركته متجاوزا كل احتمالات حكماء الناتو، وكان الأسف موجها إلى حالة الانهيار الداخلي الذي اعتبر أن الثورة الشعبية فتحت الباب أمام كيانات لا تملك رؤية للمستقبل وتأبي إلا أن تظل صريعة فكر تكلس عند حالة النشوء منذ قرن، ولأنها لا تملك رؤية للمستقبل أو مقومات لهذه الرؤية، صارت بإرادتها أو بلا وعي أحد أدوات الناتو في تحقيق إستراتيجيته تجاه المنطقة، ورفعت عن الناتو في أكثر من قطر عربي عبء الاشتباك وتولت عنه تفكيك الإرادة الشعبية وتوجيهها لغير المستقبل. وكان الأسف علي حالة الوعي بما يجري من حولنا، وافتقاد الانحياز، ومن ثم إهدار قدرة التصدي والتعامل، وضياع الخطاب السياسي لغياب رؤية المستقبل، وتفكيك اللحمة بين الشعب، وإعمال مقومات الانقسام، دون أن يكون للناتو دورا أو يبذل لتحقيق الانقسام جهداً.الأستاذ هيكل ليس في حاجة إلى شهادة من أحد، بل نحتاج منه أن يتجاوز الحكمة التي يلوذ بها أنه يقول كلمته ويمضي، وليكن أنه سيكتفي بكلمة يقولها ليمضي بعيدا عن مسؤوليات التنفيذ والدعوة، ولكنه مطالب بان يستكمل كلمته ولا يدع شيئا منها لقادم من أيام لأننا لا نملك ترف استنزاف الزمن ولا عبء غياب المعلومات. أن واحدا من أهم ما يتسم به هيكل هو انحيازه للقومية العربية، وللأبعاد الاجتماعية في دعوتها المعاصرة، ويملك غير ذلك بانوراما القرن العشرين ووقائع المواجهات العربية دون تزييف أو وهم، ومازال يحتفظ بتواصله مع عصره، وإمساكه على جمرة الانحياز لأمته.عرض هيكل في حديثه لأمرين، كليهما يؤذن بمواجهات لا حد لها في المستقبل المنظور، الأمر الأول هو "دستور بالإكراه" بديلا عن "دستور بالتوافق"، والأمر الثاني أن "حل جماعة الإخوان" هو مستقبلها. كلا الأمرين يعني أن السلطة القائمة تحمل بذور فنائها في ذاتها، خاصة أنها افتقدت حس المسؤولية، واستطابت الاستحواذ على السلطة. وأكدت وقائع ما جري في دولة الإمارات وبعدها ما رشح من أخبار من الكويت أن انكشاف الجماعة تجاوز مصر للخليج العربي الذي كان مصدرا رئيسا لتمويلها، وكانت حالة الفزع لدى السلطة في مصر والتي كشفها إرسال مساعد للرئيس المصري بصحبة مدير المخابرات المصرية إلى دولة الإمارات لبحث هذا الأمر، هو في ذاته تأكيد بأن عصبا للتنظيم قد جرى المساس به، وله علاقة بالتنظيم في مصر، وزاد الأمر انكشافا أن التقرير الذي عرض على الرئيس المصري عرض أيضاً على مكتب إرشاد الجماعة، وهو ما يعني أن خللا جوهريا في شأن الأمن القومي المصري صار واقعا.إن تراكم تصرفات الرئيس المنتخب والذي لم يستطع أن يتجاوز أنه عضو جماعة، وانه رئيس انتخب لمصر، والتصريحات والأفعال وصلت حدا من الوضوح يفرض تغييرا جوهريا في تقييمها ومدي القبول بها وأسلوب التعامل معها.هذا التراكم لا يفرض أن يكون التغيير في مواجهة السلطة وحدها، ولكن أيضا التغيير مطلوب في كيفية بناء القوة الوطنية المصرية أيضا في مواجهة ما أطلق عليه المعارضة تحت مسمى جبهة الإنقاذ، والأمر يتجاوز الملاحظات علي الأشخاص، وهي موجودة، ولا انتهاج ما أطلق عليه المنهج الديمقراطي وبالصناديق، دون بذل جهد يجري به التحضير كي تكون الصناديق أداة يعوض عجز البدائل الأخرى، وعجز الإبداع.إن هجمة تغييب الهوية المصرية، وهدم الدولة، وتغيير مفهوم الأمن القومي، يفرض إعادة بناء مقومات القوة الثالثة، فمجرد السعي لبناء القوة الثالثة من مجموع القوي الاجتماعية في المجتمع، يجب ربطه بقوى الدولة والهوية والفكر.بناء القوة الثالثة في مصر لمواجهة حالة التشتت والوهم، تفترض إيجاد رابطا بين قوة المجتمع الصلبة المنوط بها الدفاع عن الأمن القومي، والتي تتمثل في القوات المسلحة المصرية وأجهزة مصر السيادية التي لا يجب أن ينحرف بها تغيير السلطة عن استراتيجية الأمن والعقيدة القتالية، وتفترض إيجاد رابطا جامعا ضمن هذا التكوين للأزهر والإعلام والقضاء ورجال الثقافة والفكر في المجتمع المصري، أن هذه القوي مطالبة أن تعبر عن نفسها بوضوح يواجه وضوح الاعتداء علي الهوية والدولة ومفهوم الأمن القومي.السؤال الملح علي مصر وهي تسعي إلى استعادت شخصيتها، ماذا نرى في التطاحن مع مصر من الناتو وأميركا وإسرائيل، ومن تركيا، ومن إيران، ومما يدور من حولنا من تغييرات جوهرية في الجغرافيا السياسية، وطبيعة القوي الناشئة فوق الأرض العربية؟إن اتجاه السؤال حائرا إلى خارج مصر عن كيف نواجه المخاطر ونحدد البوصلة، هو دلالة قاطعة عن حالة الاضطراب الداخلي والحركة فوق رمال متحركة.ما يجري في شأن قانون الانتخابات الجديد مثال صارخ علي التشتت والوهم، فالذين يتجهون إلى خوض الانتخابات النيابية في أبريل القادم، لا رأي لهم في قانون الانتخابات الجديد، بل إن من تصدي لواحد من مواده والتي تفتح الباب لمن لم يؤدي الخدمة العسكرية للترشح هو ممثل الجيش، وكشف أن الحزب الوطني حاول من قبل أن يتجه ذات الاتجاه وأن رفض المؤسسة العسكرية لهذه المادة هو ما حال دون إقرارها.الأمر يتجاوز الصراع السياسي على السلطة، الصراع الآن على وجود مصر ذاتها، وإبعاد هذا الوجود، إن أحداثا تجري تخرج فيها جماعات مسلحة لضرب المتظاهرين حول قصر الاتحادية للمرة الثانية وحرق الخيام هناك، تؤكد أن الصراع لم يعد كلمة ورأيا، ولكنه فعل وصل للدم يوم 5 ديسمبر عند الاتحادية، وقام باستخدام سلاح الحصار ليحول دون مؤسسات الدولة ومهامها.والأمر يتجاوز محاولات من غير ذي علم ومعرفة لحل الأزمة الاقتصادية، ولم يعد مطلب "عيش" في نداءات الشعب يجد له لدى السلطة الحاكمة أذنا تسمع أو جهدا لتحقيقه، وصار معنى العيش أن تحل السلطة مشكلة الأزمة الاقتصادية بذات فكر النظام السابق، وادعاء أن سبب الأزمة هو سياسة الدعم، لتفقد بوصلتها، فتجري المصالحات مع من نهب ثروة الوطن، مصالحة مع الفساد، وغلاء وقهر للمواطنين، لتفتح الباب للصراع على لقمة العيش، وكأن عدم درايتهم بحاجات الشعب تنفي وجود عقول وأفكار غير تلك التي يدعونها لحل أزمة العيش في مصر. الفارق جوهري بين شعب يحتاج العيش ببناء اقتصادي مستقل، وبين سلطة تتسول من الداخل والخارج دون رؤية واضحة لمفهوم التنمية والعدالة الاجتماعية.السلطة التي ترتعش يديها في شأن كل ما يحيق بمصر من مخاطر، لا تجد من يردعها في الاستيلاء علي مفاصل الدولة وإحالتها إلى دولة قاعدة لجماعة الإخوان المحكوم عليها بالتحلل، لاغترابها عن وطن وأمة وضرورات مستقبل.ليس الحل في انتظار ما تمطر به السماء، ولكن الحل في تجمع للقوي التي تشكل الهوية المصرية، ومسؤولة عن أمنها القومي وتحمي الدولة والشخصية المميزة لها.
392
| 15 يناير 2013
تذكرت مشهد وضع فيه خروشوف حذاءه فوق منبر الأمم المتحدة وطرق به المنبر متوعدا أمريكا عام 1960، وحديثا لنتنياهو في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يشرح لهم ما تقبله إسرائيل من إيران وما لا تقبله والجمعية العامة على رأسها الطير، وكأنه يضع حذاءه فوق المنبر، وكأن إسرائيل هي القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم مطلقة الإرادة في فعل ما تشاء وقتما تشاء وحيثما تريد، والأمثلة بلا حدود ودون أي رد فعل من عالم أكلت القطط ألسنتهم وطحنت أمريكا إراداتهم، وتمثلت الرئيس المنتخب وكأنه يضع نعل حذائه في وجه كل قوى المجتمع المصري، متناسيا أن نعل حذائه يحمل من الثقوب ما لا حصر له، وأنه ملطخ بدماء شباب وثورة، وإن فتح الباب أمام حديث الأحذية لا رادع له، وإن الشعب قام بإزاحة رئيس سابق في مواجهة قوات أمنه التي عجزت عن الصمود أمام إرادة الشعب، ولم يكن الشعب قد استخدم أحذيته بعد. الإخوان ليسوا ذئاب المجتمع وغيرهم من الحملان، ولكن الحقيقة أن مصر ورثت بعد الثورة الشعبية، قطيعا من الأحزاب والجماعات والنخب السياسية، أقل ما يوصف به أنه غريب عن ثورة الشعب، وأن السبب الحقيقي لوجودهم هو الفراغ الذي نجم عن ذهاب الحزب الحاكم السابق، وعدم وجود تنظيم للثورة يتحمل مسؤولية أهدافها ويملك رؤية لتحقيقها ويحشد قوى المجتمع وراء هذه الأهداف. لم يكن المجلس العسكري هو راعي هذا القطيع، ولكن الحقيقة أن أمريكا هي الراعي، وأمريكا تبيع القطعان التي ترعى عندما يحين وقت ذبحها. هذا القطيع استشرى في بدن مصر الدولة كفيروس الإيدز الذي يقضي على المناعة الذاتية للجسم البشري، بعد أن استحوذت عناصره الحديث باسم الثورة والديمقراطية والبكاء على الدم المسفوك فوق الإسفلت، سواء تحت رايات دينية أو رايات غير دينية. أحذية وقطعان وفراغ يملؤه غير المهيئين له والموقف يتداعى والكل يلهث، والأفق ملبد بغيمة الذكرى الثانية للخامس والعشرين من يناير، والحوارات على برامج التلفزيون صارت كحالات الاجترار ولا تحمل جديدا، والمشاهدون يجرون إلى برامج تحول ألفاظا نابية متداولة في الشارع إلى كلمات مقبول أن تقال على مسامع الملايين، والسخرية من الذات صارت مبعث الضحك وكأن حالة الهوس بلغت مداها. الإخوان والجماعات الإسلامية قضت عمرها في الظلام وتحمل فوق كتفها أوزار القتل في تاريخها، والتعامل مع الأجهزة داخليا وخارجيا، فتخبطت وانكشف وجهها الحقيقي وما تضمره تجاه وطن وأمة واتضح أمامها عدم قدرتها على هدم الهوية المصرية ولكنها هدمت أسماء كانت تمثل داخل المجتمع نوعا من الانحياز ضد السلطة السابقة عندما انحرفت بهم كما جرى مع البشري والغرياني ومجموعة القضاة المستقلين، بل إنها تجاوزت كل ذلك وتجرأت على إحداث فتنة داخل الدين الإسلامي ذاته، وتتوعد وتكذب، وكما سرقت الثورة، سرقت الدستور، وكما أشعلت وأججت الفتنة بين الشعب والجيش، ها هي تنادي بحق ليهود مصريين أن يعودوا لمصر متهمة جمال عبدالناصر الذي حاولوا اغتياله عام 1954أنه طردهم من مصر على غير الحقيقة والوقائع التاريخية، وفي الوقت ذاته يجري وأد حقيقة الخطر الكامن في إسرائيل، بل بلغ الأمر حسب خبر عاجل من سيناء أن الإخوان والجماعات الإسلامية تحرض مشايخ سيناء على الجيش المصري، وتجاوز الأمر كل هذا إلى تحريض من عناصر إسلامية ضد عدد من الأسماء التي تنتسب إلى شباب التحرير ويصاب أحدهم بطلق من الخرطوش ينتشر بوجهه ورقبته وكاد أن يصيب المخ، ومازال تحت العلاج وآخر بثلاث طعنات في البطن وتم علاجه، هل هي نقلة جديدة بعد مواجهات 5 ديسمبر أمام الاتحادية عندما هاجمت جماعات من الإخوان المعتصمين هناك وتقتل 10 من المعتصمين، أم أنه انفلات وليس مخططا؟ وسواء أنه عمل منظم أو هو انفلات فإن تحقيقات الاتحادية تعرضت لمحاولة الإجهاض من النائب العام الجديد الذي عينه الرئيس المنتخب. ورغم كل ذلك فإن الإخوان ومن معهم ليسوا بالذئاب، بل هم ضمن قطيع الراعي الأمريكي. الإخوان ومن معهم ليسوا بالأقوياء وليس وراءهم من يدعمهم، ولا أدل على ذلك غير حرق مقارهم ووقائع الإسكندرية والمحلة الكبرى عندما كانوا يلوذون بالفرار أمام جماهير غاضبة، وهم أيضا لا يملكون قوة تتمثل في القدرة على إدارة دولة، والغريب أن الراعي الأمريكي ينصحهم بعدم الاعتماد على الأغلبية التي تحققها الصناديق فهي حتى اللحظة لم تحدث توازنا لصالحهم، بل رغم الأغلبية منذ استفتاء 19 مارس حتى استفتاء الدستور، فإنهم فقدوا القبول السياسي والاجتماعي بين الشعب. ومن يقف في مواجهتهم، يفتقد أيضا ظهيرا شعبيا، بل انكشف أمام الشعب وعناصر الثورة، واختار ذات لعبة الصناديق، وهو لا يملك أدواتها، بل واكتفى بالأسماء والعداء للإخوان والتيارات المتحالفة معهم كمبرر للبقاء، فخسر قيمة أن يطرح رؤية ليس امتناعا عن ذلك، ولكن لأن ذواتهم البشرية عششت كما العنكبوت داخل العقول وصارت شخوصهم والسلطة والصندوق هي الوطن. الكل يسهم في اغتيال الوطن... ولا أستثني منهم أحدا. المشهد يحفل بصور تستدعي الرثاء.. 1. لا أستطيع الحصول على نسخة كاملة للدستور الذي جرى الاستفتاء عليه. 2. أن قانون الانتخابات الجديد تجري صياغته بين وزارة العدل وبين مجلس الشورى الإخوانيين، وسيتم إقراره، ونحن ننتظر حكم الدستورية بشأن مدى صحة مجلس الشورى يوم الثلاثاء 15 يناير. 3. أن التناطح بين الإخوان وحلفائهم وبين الأزهر والقضاء والإعلام مستمر وبكل الإصرار والخروج على المألوف. 4. أن أعضاء النيابة في مصر يواجهون تعيين النائب العام ويصفونه بأنه تعد على السلطة القضائية التي توجب أن يختار المجلس الأعلى للقضاء النائب العام، والرئيس المنتخب مستمر في عناده، وهاتوا آخر ما عندكم!! 5. أن عناصر في الإعلام بدأت مؤخرا بناء جبهة في مواجهة الاعتداء على حرية الصحافة والإعلام. 6. أن يخرج مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية والذي أصبح بديلا لوزير الخارجية، ومعه رئيس جهاز المخابرات إلى دولة الإمارات العربية، لبحث أمر القبض على 11 مصريا اتهموا بتكوين خلية إخوانية، بينما هناك ما يزيد على 300 مصري لم يجدوا من يبحث أمرهم هناك. 7. أن اقتراح العريان بشأن اليهود المصريين الذين خرجوا من مصر وحقهم في العودة، لم يكن من بنات أفكاره، ولكنه رد على مطالبة نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في أكتوبر الماضي بحل أزمة 850 ألف من اللاجئين اليهود في إسرائيل والذين أخرجهم العرب من بلادهم، وحقهم في العودة والتعويض، وتذكرت استجابة بيجن للسادات. 8. أن دعوة تصم الآذان بإصدار صكوك أعلنوا أنها إسلامية، ترهن أصول الدولة، ومازال الأزهر يرفضها. ليس هناك طريق سهل أو مختصر للوصول إلى القوة الثالثة التي تعبر عن إرادة الشعب في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، ولكن وجود القوة الثالثة صار ضرورة لإنقاذ الوطن من الاغتيال، فهل يخرج من 25 يناير القادم بداية جديدة للقوة الثالثة. قالت مهندسة شابة بحكمة فاقت حكمة المسنين والنخبة والساسة: لو كان للثورة قائد أدرك أهدافها وامتلك الإرادة التي تعبر عنها، وحقق ما نصبو إليه، لنجح خلال العامين الماضيين أن ينجز إنجازا رائعا، ولكن الإنجاز المادي فوق الأرض كان سيفقدنا حالة اليقظة الشعبية... وأكملت: الآن تنكشف الحقائق أمام الشعب، نعم نحن ندفع ثمنا متكررا لما كنا نطالب به، ويضيع منا زمن نحن أحوج ما نكون إليه، ولكن هذا ثمن مضاف ليبقى الشعب في حالة اليقظة ويقبض على أمره بيده ويحول دون إعادة بناء جدار الخوف، حقيقة هو جيل يثق في نفسه ويرى أن البناء الشعبي لأهدافه وتحقيقها هو سبيل الاستقرار، هذا جيل لا يهزم، جيل رأى أنه لا فارق بين من قفز للسلطة ومن يقف معارضا لها. جيل يبحث عن البديل، ولا يجد فيما هو مطروح عليه بديلا. جيل يعيد صياغة ذاته وما حوله ويرفض القائد الفرد، ويطالب بالرؤية الواضحة لتحقيق الوجود قبل الحديث عن الأسماء. جيل روى واحد منهم، عن ابنه وعمره 13 عاما قال لأبيه: أنا لا أخاف من شيخ بدقن أو شيخ ببندقية!! فكيف وهذا حال الأحفاد أن يكون حال آبائهم؟
448
| 08 يناير 2013
سأل الحسيني أبو ضيف صديقه سامح بعد أن أديا صلاة العصر أمام قصر الاتحادية: وبعدين يا صاحبي؟، فأجابه سامح بتلقائية: مكملين يا صاحبي، وافترقا ليجد سامح مدرعات الأمن تتقدم إليهم وتطلق قنابل الغاز بكثافة ومن خلفها مجموعات من الإخوان، لم يدم الأمر بسامح سوي دقيقتين على حد تقديره، لينقل مغشيا عليه إلى المستشفى الميداني، وبعد أن أفاق علم أن هناك عددا من القتلى، وصبيحة اليوم التالي وصله اتصال بأن الحسيني استشهد، كان الفارق دقيقتين بينهما، ولكن الفارق بين السؤال: "وبعدين؟" والإجابة "مكملين" ليس زمن ولكنه وعي وتنظيم وحركة محددة الاتجاه والمهام ملتزمة بهدفها. هناك ارتباك وتداخل في الحوار الدائر بين عناصر تنتمي إلى شباب وهب نفسه للثورة، ودون الإمساك بالوعي لن يتمكن الشباب من تكملة الطريق، ستنحرف البوصلة، وستستبدل الخصومات، وسيظل الشباب يقدم الشهداء ويجني غيره النتائج. كلما لاح شبح تهديد لكيان الدولة المصرية، كان الارتكان إلى أن القوات المسلحة هي العصب الصلب الذي يحول دون ذلك ويضمن بنيان الدولة مهما كان حجم التهديد، وخلال الفترة الانتقالية أهدر المجلس العسكري أمرين أساسيين: الأول: هو استيعاب أن ما جرى في مصر ثورة ضد نظام بأكمله، وليس انتفاضة تطالب بتعديلات دستورية، ولكن المجلس العسكري تحرك وفق رؤية نظام مبارك التي عبر عنها عمر سليمان وتشبثت بها جماعة الإخوان، وصار هناك تناغم بين المجلس العسكري والإخوان وهو ما أنتج الواقع الذي نعيشه، رغم محاولات متكررة من المجلس العسكري لإعادة التوازن سواء بإنشاء المجلس الاستشاري أو بالإعلان الدستوري المكمل، إلا أن الفرصة الذهبية للثورة الشعبية لإتمام التغيير السلمي أضاعها إدراك غير مكتمل لحقائق الحدث. الثاني: أن المجلس وقع في أخطاء ترقى إلى حد الخطايا عندما استباح دم الشباب، ولا يستطيع أحد من الشباب حتى اللحظة تجاوز ما رأته عيناه وما عاشه بنفسه من اعتقال أو محاكمات أو شهداء وإصابات، ولم تكن الخطورة في القتل فقط، ولكنها كانت الخشية من أن تصاب العقيدة القتالية للجيش المصري بالتشويه، فيرى الشعب عدوا بديلا عن العدو الحقيقي، وأن يستبدل الوطن والشعب بذات العسكرية المصرية فيرى نفسه طرفا ضد الشعب، رغم أن المجلس العسكري تحمل مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ذاته الذي كان يقول إنه لا يقبل أن يأتي بالإخوان إلى الحكم، ولكنه غاب عنه أن الحياة السياسية في مصر تصحرت، وغاب عنه أن المواجهة مع طموحات الإخوان غير المبررة قادمة، خاصة وأنه يملك كل معلومات فترة الثورة ومتغيراتها، وجرت مناقشة في حضور المشير وعنان بين المستشارة تهاني الجبالي ود.محمد مرسي كشفت فيها تهاني مواقف الإخوان، مما استدعى حالة العداء منه ومن جماعته معها شخصيا. وشهدت الأيام القليلة الماضية موقفان يبدو أنهما مقدمات لقادم لم يتحدد بعد: الأول: قرارات وزير الدفاع المصري وكان المعلن منها ثلاث: 1. قرار عدم تمليك أراضي سيناء لغير المصريين. وهو قرار يعلن أنه الحاكم العسكري لهذه المناطق. 2. قرار بالترقيات لضباط الجيش وحركة تنقلاتهم. 3. قرار بإسناد ملف سيناء إلى اللواء مراد موافي رئيس المخابرات العامة السابق والذي أقاله مرسي بعد الهجوم على رفح الذي راح ضحيته 16 شهيدا من ضباط وجنود، بينما صرح يومها مراد موافي أنه قدم تقرير معلومات عن هذا الاحتمال بما كان ينطوي على أن إهمالا في التعامل مع تقريره هو سبب ما حدث. ويضاف إلى تلك القرارات خطاب لعقيد بالقوات المسلحة مسؤول عن تأمين إحدى لجان الاستفتاء إلى المواطنين الحاضرين باللجنة وجرى تداوله على شبكة الإنترنت، أقل ما يوصف به أنه خطاب يتجاوز بوضوحه السياسي والوطني خطابات السلطة الحاكمة الركيكة لغويا وسياسيا، وكان خطابا يعود إلى الوطنية المصرية بكافة أبعادها الثقافية والدينية، وأعلن في نهايته رسالة إلى مرشد الإخوان قال فيها " ولكل من يحاول التدخل في شؤون القوات المسلحة نقول، لا تتدخل فيما لا يعنيك حتى لا تلقى ما لا يرضيك"، وكان ذلك تعليقا أوضحه العقيد المقاتل أن الجيش يحترم قياداته السابقين والحاليين ومن سيأتي في المستقبل، حيث كان المرشد قد اتهم قيادات الجيش بالفساد. الثاني: دعوة خرجت من عصام العريان إلى اليهود الذين خرجوا من مصر إلى إسرائيل بالعودة إلى مصر، وبعد يومين من صدور هذا التصريح يختار حزب الإخوان العريان رئيسا لكتلته البرلمانية بمجلس الشورى. دعوة من غير ذي صفة في أمر يمس الأمن القومي المصري وكأنها دعوة إلى الموساد وكافة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أن ترسل عملاءها ليحصلوا على حق المواطنة المصرية برعاية إخوانية. وزاد الطين بلة بادعائه أن عبد الناصر أخرجهم من مصر، وهو ما ينافي التاريخ، وكأن الجيل الحالي من الإخوان يسعى لاغتيال عبد الناصر وهو في رحاب ربه على مذبح الولاء والطاعة للإرادة الأمريكية والصهيونية، كما حاول جيل الخمسينيات اغتيال عبد الناصر في المنشية بالإسكندرية، وكأن هذا الجيل نسوا شعارا كانوا يرفعونه بمزايدة لا حق لهم فيها ويقولون "حررها صلاح الدين فمن لها الآن"، ولم نرصد وثيقة تقول بأن صلاح الدين كان إخوانيا. ويضاف إلى هذا الموقف أيضا ما نشرته بوابة الأهرام الإلكترونية في 18 أكتوبر الماضي بأن أجهزة الأمن المصرية ضبطت 13 طردا جرى إعدادها لإرسالهم للخارج في إحدى المكاتب المخصصة لذلك، وتحتوي الطرود وثائق تخص ممتلكات كانت لليهود في مصر قبل رحيلهم وكأن المصادفات تحدث اعتباطا، فهل يتحرك العريان في منظومة عمل تتكامل بين تصريحاته ومستندات جرى ضبطها؟ ويسود الشارع المصري حالة من الوجوم وليس الصمت، بعد إقرار مشروع الدستور وكافة الأفعال التي حصنت عرض أمر الجمعية التأسيسية على المحكمة الدستورية سواء بالإعلان الدستوري الذي أعلنه مرسي أو بحصار عناصر الإخوان للمحكمة ومنع أعضائها من الدخول إليها، ثم الاستفتاء الذي تم رغم كافة النصائح للرئيس المنتخب بتأجيله والسعي إلى توافق وطني، وهو ما دفع بالأستاذ محمد حسنين هيكل أن يطلق عليه "دستورا بالإكراه". ما يجري في مصر يستدعي الخروج من حالة الارتباك والتمترس خلف خصومات مشوهة إلى الإمساك بالحقائق المجردة وإعادة تقدير الموقف وترتيب القوى المتاحة داخل المجتمع. الجيش المصري ليس محل مناورة، ودوره الوطني يجب دعمه والتأكيد عليه، واستعادته إلى خندق الشعب واجب بقاء حتى يمكن مواجهة حملة تزييف الوعي بالجيش ودوره وانتمائه، ومواجهة حملة إهدار الأمن القومي المصري. والجيش المصري مطالب أن يسترد سيطرته على أركان الأمن القومي، واستعادة السيطرة صارت أكثر إلحاحا، كما أن البحث عن مصادر جديدة للسلاح صارت ضرورة قوة يجب استكمال أركانها. حقيقة الأمر الآن هو بحث كيف يمكن استمرار الثورة وتحقيق أهدافها وعدم القبول باقتناصها من أي فصيل كان، ويجب إدراك أن أداء الطليعة لم ينل يوما في التاريخ إجماعا شعبيا، وأن الولاية على الثورة من أشخاص أو أسماء ليست قيدا على إرادة الشعب والصناديق ليست على الإطلاق تعبيرا عن إرادة الوعي الشعبي، وما يرفضه ضمير الشعب لا تجديه شرعية الصناديق.
548
| 01 يناير 2013
نشر في هذا المكان في شهر مارس الماضي مقال لي بنفس هذا العنوان، وداخلني إحساس بعد إعلان نتائج الاستفتاء على الدستور، أن لا أحد ينظر خارج ذاته، من ساسة وأحزاب وجماعات، جميعهم تجاوزوا لحظة تاريخية تمثل نقطة انقلاب في حياة الأمم والشعوب، وتستدعي أعظم ما في مخزونها الإنساني والفكري، وأن العديد ممن يعملون بالعمل العام، نسوا أن صانعيها لم يكونوا هم، ولكنهم حولوا نتائجها لصالح رؤى قاصرة لم ترق إلى مستوى وقائع تلك الفترة. تصوروا خطأً أن ما حدث يمكن الانقلاب عليه، فانقلبوا، وتصوروا خطأً أنهم البديل، فاستأثروا، ولكن صراخهم أن هناك أزمة اقتصادية، وأن الصراع السياسي الاجتماعي في مصر وهو ما فجر الثورة الشعبية، هو صراع بين الكفر والإيمان، هذا الصراخ ومحاولة تثمين الذوات الشخصية أو التنظيمية هي دلالة انفصالهم عن الثورة وعن الشعب وقودها الأساسي. في مارس الماضي كتبت، "جمعتني حوارات مع عناصر من الشباب تكررت منفصلة، غير أن المشتركات في الرؤية كانت تفصح عن أن هذا الجيل يملك وعيه الخاص ويقينه الذاتي بمصر والشعب والثورة ومعنى الشهادة وأن حق الشهداء هو تحقيق ما أرادوه، وتمثل ذلك فيما يلي : 1) أنهم يملكون تحليلا لتحالف القوى المضادة للثورة مع بعض الملاحظات حول الأدوار 2) أن زمن القائد الفرد والزعيم انتهى والآن زمن العمل المؤسسي 3) أن الثورة انتقلت من وقائع تجري على الأرض إلى يقين إرادي داخل الشباب وهو تأكيد على استمرارها 4) أن انتقال الثورة إلى يقين الشباب لا يعني الغياب عن الاحتشاد بل إن الحفاظ على الاحتشاد الواعي ضرورة لاستمرار الثورة وغاياتها 5) أن تنظيم جهد الشباب في بناء مؤسسي هو هدف المرحلة، للوصول بعد أربع سنوات إلى القدرة على التأثير على صندوق الانتخاب 6) أن القبول بالشهادة ليس ادعاء ولكنه عقيدة تجمعهم 7) أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق، ولكن يجب توفير الخبز والوعي أولا للشعب 8) أن السعي لتحقيق هدف التغيير قد بدأ ولن يتوقف إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية 9) أن انتخابات الرئاسية القادمة أمر لا يجب تركه للصدفة، بل يجب التأثير إيجابيا بها وبمواقف محددة وتحمل مسئولياتها هذه خلاصات لما تكرر في الأحاديث مع الشباب، ومن علاقات مختلفة ودون لقاء بينهم، الأمر الذي يبعث على الثقة بهذا الجيل ومنهج تفكيره". وكان الاستطراد حديثا عن متوالية وضع الدستور التوافقي بكل طوائف الشعب، وهو الأمر الذي لم يتحقق. حالة من غيوم ملبدة وسكون مريب لا يتوافق مع ما جرى، ويسبق الذكرى الثانية للثورة بثلاثين يوما، هل هو إحباط؟ هل هو سكون يسبق العاصفة؟ هل هو حالة من التدقيق لاستيعاب الموقف؟ أم هي حالة انتظار لمفاجأة جديدة ضمن مسلسل مفاجآت الثورة المصرية؟. تاريخ الأمم لا يصنع بالصدفة، والمفاجآت ليست سنة الحياة ولا هي سلوك الشعوب. يتقلص المشهد ليعود ثانية إلى سلطة وشعب، ولكن السلطة التي تحكم تبدو أنها سلطة خارج حركة التطور، إنها سلطة بقايا النظام السابق حتى وإن كانت لجماعة لم تتول مقاليد الأمور من قبل، ولكن مبرر فناء هذه السلطة في ذاتها هي، فهي لا تحمل علامات المستقبل، ولكنها تحمل أسباب الانتقام من الماضي، ويواجهها رفض الوعي الشعبي الذي مازال صندوق التصويت عاجزا عن التعبير عنه. والشعب أو الثورة، خندفهما غير محدد الملامح، فمازالت حركة الشباب تتم بعيدة عن القوى الاجتماعية والطلاب، ومازالت عملية الإدارة لهذه الحركة دون مستوى المهام. ورغم دخول عناصر جديدة للمواجهة بعد الإعلان الدستوري الأخير، كالقضاة، وجبهة الإنقاذ، وأحزاب وشخصيات ومقالات وفضائيات، واستتابة ممن جنحوا للتعاون مع سلطة الحكم الحالية، غير أن تراوح المواقف لا يشير أن أيا من هؤلاء مرشح لاختيارات المرحلة القادمة. والسؤال الآن، هل هناك إبداع لدى كل هؤلاء، أم أنهم سيستمرون في الرقص على دقات طبول السلطة والجماعة؟ هل سيقبلون بالدخول إلى لعبة الانتخابات؟ وهل بعد كل الملاحظات على الدستور ومنهج صناعته سيسلمون به؟. لحظات الانقلاب في حياة الأمم لا تأتي عبر المسارات التقليدية، ولكنها تحتاج لطليعة تقرأ قوى المجتمع، وتنجح في حشدها، وتحدد هدفها بوضوح، وتتحمل مسؤولية المهام المترتبة على هذا الهدف. انتخابات مجلس الشعب ستزيد من تكريس نظام الانقلاب على الثورة، فهل يملكون شيئا غير هذا؟.
378
| 27 ديسمبر 2012
الحديث عن انتشار السلاح في المجتمع المصري الآن والرغبة في امتلاكه أمر يمكن رصده بسهولة، والأسئلة المتعددة حول ضرورات امتلاكه تمثل الطنين الأعلى في المجتمع، والناس في حالة الإحساس بالقهر لا تسعي إلى السلاح من باب الاقتناء أو الوجاهة الاجتماعية، ولكنه امتلاك للاستخدام وأن كان تحديد الهدف مشوشا، هل هو للدفاع عن النفس، أم أنه للمبادرة بالقتل. وأن توفر السلاح في مجتمع منقسم فرض على حامله سلوكا قد يكون مناقضا لطبيعته، فتوافر السلاح يفرض استخدامه، ويغير من بدائل التفكير، ويختزل المسؤولية، ويدفع ببديل استخدام السلاح حتى وأن كان استخدامه غير مجدي. والخطر أن الانقسام لا يرجع إلى التكوين الاجتماعي أو العرقي، ولكنه انقسام مصنوع، تسهم فيه سلطة الحكم بهدف التمكن من السلطة لعجزها عن الخطاب السياسي، وإحساسها أن قطاع عريضا من المجتمع غير قابل بها. وأسهمت أيضا في خلقه لغة الحوار المستخدمة التي تتسم بالتعالي، والاستفزاز، وادعاء امتلاك الحكمة، وزاد علي ذلك اتهام المواطن في دينه ومدي استيعابه له، وادعاء البعض للولاية علي الدين، وممارسة التكفير والتهديد، واستخدام العنف المادي أو المعنوي، وتآمر سلطة الحكم المكشوف أمام الشعب، والتعامل بعدوانية مع منظومة الدوله وادعاء التطهير وهو في حقيقته الاستحواذ والسيطرة لصالح جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية. تجاهل السلطة للشعب وقدرته علي كشف الكذب يزيد من حالة انفصال سلطة الحكم عن الشعب. وتكرار الكذب، وادعاء الشرعية تحت وهم التفسيرات الخاصة لمفهوم الشرعية، والولاية علي السلطة من جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية وأحزابهم، كل ذلك يؤدي إلى حالة الكره للسلطة وأن لها عالمها الخاص دون الشعب. وتكشف تجربة استخدام السلاح في المناقشة التي جرت داخل الجماعة الإسلامية حول رؤية كل من خالد الإسلامبولي وانتصر لها محمد عبد السلام فرج واختلف عليها عبود الزمر، فكانت رؤية خالد اغتيال السادات، وكانت رؤية عبود الزمر الانتظار فترة تكفي لإتمام انقلاب كامل يغير النظام، فارق بين التكتيك والاستراتيجية، ونجحت عملية الاغتيال وبقي النظام مستمدا شرعيته ومبرر بقائه من حادثة الاغتيال، بل إن المجتمع في محاولته لتجاوز أمر الاغتيال، نسي التناقض مع اتجاهات النظام وعجزه عن الوفاء بالاحتياجات الاقتصادية للمجتمع، وانغمس في لعق جراحه وإتاحة الفرصة أمام الجديد القادم للكرسي وكان يومها حسني مبارك. ولكن ما يجري اليوم مختلف فالحاكم ومكونات السلطة من الإخوان والتيارات الإسلامية، وليس الأمر اختلاف علي اغتيال أو انقلاب، ولكن الأمر تجاوز هذا إلى ما هو اخطر، وتمثل ذلك في العداء لمكونات سياسية في المجتمع، والقضاة والمحكمة الدستورية والإعلام، واستخدام العنف عند قصر الاتحادية ضد متظاهرين سلميين، وحصار المحكمة الدستورية ومنعها من الانعقاد وإدارة الصراع مع قضاتها بأحكام الدستور الجديد، وإجراء الاستفتاء دون الإشراف القضائي، والتغاضي عن حقيقة أن الدستور وثيقة توافقية تعبر عن إرادة الشعب تصيغها جمعية تأسيسية تعبر عن كافة قوي المجتمع، ولا تعبر عن نتائج الانتخابات النيابية، والهدف التمكن من السلطة حتى وأن كان بوسائل لا تنتمي إلى السياسة في شيء، بل هي استمرار لحالة سرقة الثورة، أو خيانتها علي حد تعبير الاوبزرفر البريطانية. وعلى الناحية الأخرى أطلق النشطاء في التحرير على جبهة الإنقاذ التي تضم التيارات السياسية خارج التيار الإسلامي، جبهة "إنقاذ مرسي"، خاصة وأن حركة الميادين تتقدم عليهم، بينما خرج احدهم موافقا علي الدستور مناقضا بذلك موقف الشارع، ومعلنا أنه وجب التفكير في أمر انتخابات المجلس النيابي القادم. انقلاب الأمور من الدفاع عن ثورة جري اقتناصها قسرا، إلى ممارسة السياسة دون وزن نوعي في الشارع، أضاع حق الثورة والشعب في صياغة نظام يعبر عن أهدافها، وساعد على تمكين الإخوان من السلطة، وفي الوقت ذاته دفع بشباب الثورة إلى حالة من الرفض الكامل لكلا الطرفين، وبالتالي الانتقال إلى الرغبة في خلق توازن العنف مع الإخوان وحلفائهم ردا على منهج العنف الذي بدأه الإخوان وحلفاؤهم بالأساس. هل يتوقف العنف عند هذه الأطراف وحدها أم أنه يمتد خارجها؟ أوضحت المواجهات التي دارت خلال الفترة السابقة بامتداد مصر، أن كتلا من الشعب دخلت دائرة الدفاع عن النفس بالعنف المضاد وأن ظل في حدود حرق المقار، ولكنه من جهة الإخوان وصل حد القتل والتعذيب البدني. وهناك احتمال كبير أن موجة عنف منظم يمكنها أن تبدأ، ولكنه عنف الدفاع عن المصالح، سواء بغرض الحفاظ علي البقاء، أو الإسهام في الضغط على النظام القائم، وعنف المصالح هو اخطر من العنف المضاد، لأنه يملك الخبرة خلال تعاونه مع الأمن والحزب الحاكم زمن مبارك، وهو السلاح، وهو يملك المال، ولا يحد من حركته أية قيمة، وكأن الطرف الثالث الذي ظل يقتل المواطنين طوال الفترة الانتقالية، وكان يطلق عليهم البلطجية، لم يعد وحده في مواجهة الثورة وشبابها، بل انضمت إليه التنظيمات الإسلامية وأحزابها، الذين نالوا بجدارة اسم الطرف الثالث بعد وقائع الأربعاء الدامي (5 ديسمبر) أمام الاتحادية. جماعات عنف المصالح، أو إمبراطورية عنف المصالح تفوح رائحتها وبشدة داخل المجتمع. مصادر العنف هذه، ما تحقق منها وما هو في إطار أحلام اليقظة، جميعها يؤكد أن الدم قادم، خاصة أن أضفنا حالة سلبية من جهاز الداخلية، أو هو العنف السلبي، بالامتناع عن مواجه العنف ومصادره من منابعها، هو في ذاته تحريض على فتح باب العنف والفوضى. والحديث عن دور القوات المسلحة حديث يحمل من الالتباس أكثر منه الوضوح. فحالة التعامل الخاطئ مع هذه المؤسسة الوطنية، انتقل من امتلاك مبرر نتيجة الأحداث الدامية التي قتل فيها متظاهرون، ولم يتم تحديد المسؤولين عنها، ومحاسبتهم، إلى حالة الهجوم المباشر من مرشد الإخوان علي قيادات الجيش "جنود مصر طيعون لكنهم يحتاجون إلى قيادة رشيدة توعيهم، بعد أن تولى أمرهم قيادات فاسدة"، لترد القوات المسلحة بإصدار قرار من وزير الدفاع بعدم تمليك الأراضي في المناطق الاستراتيجية (سيناء) لغير المصريين ومن إباء مصريين، وانه حق انتفاع وليس تمليك، والقطع بعدم جواز البيع العرفي لغير المصريين، وفسر البعض القرار بأنه رد علي رغبة كامنة لدي جماعة الإخوان بفتح ارض سيناء أمام أهل غزة للتملك فيها، وفي ذات الوقت كان السؤال بأي صفة يصدر وزير الدفاع هذا القرار، هل هو أمر يخص الأمن القومي، فكيف لا يصدر بقرار جمهوري، أم هو ترتيبات تخص ارض العمليات وتقع في اختصاص وزير الدفاع؟ ويتردد بهمس صاخب أن الرئيس القادم هو وزير الدفاع، أما كيف سيأتي خصوصا أن المدى الزمني المحدد لذلك يقع في النصف الأول من عام 2013 فلا إجابة له، قد تكون أحاديث مرسلة، ولكن الشخص والمنصب محل حديث مما يقارب عاما مضي، وأيضا دون إيضاح لكيف سيحدث ذلك. ملاحظة قاسية بشأن التعامل السلبي للقوات المسلحة لتجاوزات جرت أمام اللجان الانتخابية، رغم منح عناصرها سلطة الضبطية القضائية، فهل تولد لدي الجيش حالة من العزوف عن ممارسة واجبه الداخلي، كما توقفت الداخلية عن ممارسة دورها أمام اللجان، وانتقلت من حالة الفصل بين الأطراف، إلى مواجهة مع الأطراف غير الإسلامية. سلطة تحكم بالمليشيات، ولا تدافع داخليتها عن مقر للنيابية تجري محاصرته للإفراج عن متهم من السلفيين (حازمون) لتنصاع النيابة للمطلب تأمينا لعناصرها، ثم حصار لأحد الأقسام أثناء الانتخابات وسبقه تهديد باقتحام قسم آخر، وعدم التحقيق في أحداث الاتحادية رغم وجود صور وشرائط فيديو، وفوق ذلك كله صراع مع القضاء، وإجراء الاستفتاء رغم عدم وجود إشراف قضائي، والتغاضي عن تجاوزات في إجراءات الاستفتاء أدت إلى استقالة أمين اللجنة العليا للإشراف علي الاستفتاء رغم كل محاولات إثناؤه عن الاستقالة، واختطاف قرارات باستمرار الرئيس في منصبه وكذلك مجلس الشورى المطعون علي شرعيته والذي حال الإعلان الدستوري الأخير دون الحكم في هذه القضية شأنه شأن قضية صلاحية تشكيل الجمعية التأسيسية، كل تلك العوامل قسمت مصر. وصار المشهد الآن، أن قتل المتظاهرين يتم بالميليشيات، لننتقل بعد التقسيم إلى الحرب الأهلية. ليس هناك ضوء في نهاية النفق المظلم الذي دخلته مصر، فالتعامل بالأمر الواقع أو هو العنف، ويلبسون ذلك كله مسوح شرعية صندوق التصويت وكأن غزوة الصناديق التي بدأت باستفتاء 19 مارس 2011 مازالت مستمرة بين أهل الشريعة والدين وأهل الكفر. مغامرات التيار الإسلامي ليست نهاية أمر الثورة، ولكنها الباب إلى جحيم لا يطيقه وطن وشعب ومستقبل.
376
| 25 ديسمبر 2012
استطاع المصري القديم أن يقطع الجرانيت ليصنع مسلات الفراعنة بالخشب والماء، كان يصنع ثقوباً منتظمة على جانبي المسلة ويضع بها أوتادا خشبية جافة، ثم بنفس الانتظام وفي توقيت واحد يصب عليها الماء فيتمدد الخشب وتتولد منه قوة ضغط يمكنها أن تشق الجرانيت، لم يكن سحرا ولا شعوذة منذ أربعة آلاف عام. وهو ذاته المصري القديم في الوقت نفسه صنع إمبراطوريته حتى شمال سوريا وجنوب تركيا، وجنوبا إلى منابع النيل، وقاد تحتمس الثالث جيوشه لينتصر في معركة مجدون وسط فلسطين، وهو ذاته المصري القديم الذي بنى الأهرامات وأوجهها الأربع تطابق الاتجاهات الأصلية دون خطأ يذكر مع أحدث وسائل تحديدها، وبني الشكل الهرمي بأبعاد تجمع طاقة كونية داخله تحفظ الخواص الطبيعية لما يوضع داخله، فشفرة الحلاقة لا تفقد خواصها، ولبن الزبادي يحافظ على خواصه دون تلف. كان العلم والدين والصبر وإعداد القدرة وإمكانات الإدارة، هذه خواص المصري وهذه قدراته منذ آلاف السنين، وهو مخزون معرفته الذي يمكنه استدعاؤه، ولكن الزراعة غلبت الصبر ليتقدم مع التدين، دون أن يفقد باقي قدراته. هذا كله سبق الديانات السماوية الثلاث، وعندما جاءته الرسالات، وجد فيها إجابات محددة لأسئلة طالما راودته، مثلما ألحت على أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام. عرف الله وبحث عنه، وعرف العلم ونضج فيه واستخدمه، وما كان لمثل هذه الحضارة أن تستقر وتزدهر دون معرفة الوطن وحدوده التي تكفل له الأمن، فعرف الحرب ومارسها، وعرف الإدارة، حتى الفلاح خرج منه فصاحة المواطن صاحب الوطن ومالكه، فهو وطن الزراعة، وهو الوطن الذي أدار فيه يوسف (عليه السلام) التخطيط لخمسة عشر عاما، بين الرخاء والقحط، وعرف معنى العدل، ودون العدل ما كان ليوسف أن ينجح، وبدون قناعة البشر وإدراكهم بضرورة الحياة معا، لخرج عليه المصريون عندما طالبهم أن "يقتصدوا" زمن الرخاء، ولجاع البشر في سنين القحط، أو سرقوا أو تمردوا، ولكنه بناء العقيدة التي تعلمها المصريون في صدر التاريخ، انهم شعب واحد. من لا يضع ذلك كله في حسابه يسقط، ومن لا يدرك أنه الشعب وحده الذي يستطيع، وليس جماعة فيه، أو جزءا منه، وأن السبيل إلى الشعب هو العدل قبل الدين، فالأديان ما كانت لتبقى أو تسود دون أن تضع قاعدة العدل والمساواة بين البشر، والشعوب إذا اغتصب أحد حريتها زمنا، أو ظلمت، أو حاول تقسيمها إلى شظايا، تخرج عليها مهما طال صبرها، ولعل ثورة يناير تؤكد المعنى لمن يملك عقلا. الربط بين حقائق التاريخ هذه، وما يجري فوق أرض مصر الآن يقول بأننا أمام حالة لن يطيل عليها الشعب صبراً، ولكن الوقائع تؤكد أن من في السلطة لم يتعلموا التاريخ، ولا يملكون بصيرة لإدراك معنى يناير وثورة الشعب. العناد لا يبني ولا يحقق توافقا بين الشعب بفئاته، والدم لا يضيع حتى وإن شربته الرمال فإنها تنتج حنظلا، والعدل ليس قولا، ولكنه فعل يدرك الشعب أنه طريق العدل. وللمجتمع قانون يحكم الكبير فبل الصغير، وهذا ما انطق الفلاح الفصيح منذ آلاف السنين، فلا يستهين الحاكم بصبره وصمته، فهو صبر الجمال. أدرك الكهنة زمن المصري القديم، معنى الله ومعنى العلم، لم يعبد المصريون التماثيل البديعة التي أتقنوا صناعتها، ولم يخرجوا على الناس يضربون الدولة ويهدمونها ليبقوا، بل أدركوا أنهم دون الدولة القوية بكل الشعب، لن تكون لهم معابدهم ولا ربهم الذي يحاولون إدراكه، ويسعون إلى معرفة سر الخلق الذي أبدعه. خاطب الفلاح الفصيح الوزير المنحاز للعدل قائلا: "أقم العدل أنت يا من مدحت وارفع عني الظلم انظر إليَّ فإنني أحمل أثقالا فوق أثقال. أجب إليَّ الصيحة التي ينطق بها فمي وحطِّم الظلم ورسِّخ الحق فإنه إرادة الله أما الظلم فهو منفي من الأرض". "أأنت تستطيع الكتابة؟ أأنت متعلم؟ أأنت مهذب؟ لقد تعلمت لا لتكون سارقا.لقد وقعت في نفس الشرك الذي وقع فيه غيرك وأنت يا من تمثل الاستقامة في الأرض صرت رئيس البغاة إن الزارع الذي يزرع الظلم ويروي حقله بالعسف والكذب سيجني ما زرعت يداه وبذلك تغمر الضيعة بالشر". حتى الفلاح الفصيح لم تبلغ حكمته الفلاح الرئيس.
494
| 23 ديسمبر 2012
تتجاذب الأهواء والأنواء سؤال جوهري في مصر الآن، ماذا بعد الاستفتاء على مسودة الدستور بنعم ولا بعيدا عن التوافق الوطني الذي افتقدته الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور الجديد؟ ويتردد موازيا لذلك وعيد مبارك بأنه أو الفوضى على ألسن عديدة وكأنه هروب من مسؤولية استكمال الثورة. ثم كيف انتقلت الأصوات والجماعات الإسلامية التي كانت تكفر الخروج على الحاكم الذي يسمح بالصلاة في المساجد ولم يغلقها، إلى الادعاء بحق الولاية على الأمر بعد الثورة، والاحتشاد لحصار مفاصل الدولة؟ بل وتتجاوز ذلك إلى أعمال التخريب والقتل، وآخر حوادثها ما جرى من إطلاق طلقات الخرطوش على أكبر تجمع للمقاهي في قلب القاهرة في الساعات الأولى من يوم الاثنين 17 ديسمبر، بعد أن أعلنوا عن بنك الأهداف الذي يرصدونه شاملا 10 محطات فضائية وعشرين جريدة وعشرات الأشخاص بين إعلاميين وسياسيين. ولماذا كانت جماعة الإخوان تقبل بالحوار مع جهاز أمن الدولة في عصر مبارك، وتهاجم مسيرات سلمية وصلت إلى قصر الرئاسة بالسلاح الأبيض والخرطوش والحي، ليصل القتلى إلى 10 حسب الإحصاء الرسمي ويتجاوز 23 حسب شهود العيان، بل تعذب من يقع بأيديهم، وتهين وتتحرش وكأن الأمر انتقام وليس إنهاء لحالة الاحتشاد؟ ثم هل فيروس العناد يقيم بقصر الرئاسة لتنتقل عدوى العناد من مبارك إلى مرسي، فيعاند متناسيا أنه ما كان ليصل إلى كرسي الرئاسة دون ثور يناير؟ وسط هذه الحالة من الفوضى جرى الاستفتاء على مسودة الدستور بعد تجميد دور القضاء والحيلولة بينه وبين الحكم في صحة تشكيل الجمعية التأسيسية وقانون انتخاب مجلس الشورى، ثم ما ترتب على الإعلان الدستوري الأخير من صدام بين القضاة والرئيس المنتخب مما جعلهم يرفضون الإشراف على عملية الاستفتاء. وبمجرد انتهاء المرحلة الأولى يدخل نادي مجلس الدولة على خط المواجهة ليعقد أمس الاثنين اجتماعا لدراسة مخالفات المرحلة الأولى (56% نعم، 44% لا) مما يمهد لحكم مسبق على الإجراءات قبل تلقي أي طعن بشأنها. العناد والإعلانات الدستورية التي لا حق للرئيس في إصدارها والأسئلة الحائرة والدم المسال لمواطنين مصريين بيد آخرين مثلهم أيا كان موقفهم أو انتماؤهم السياسي، كل ذلك أدى إلى انقسام المجتمع المصري. لا أحد يمارس السياسة أو الصراع أو حتى الحرب الأهلية، كل الأمور تمارس على غير علومها وأصولها، وبغير القدرات الواجبة لممارستها، فالسياسة كلام مبتور وبلا فاعلية بل ويفتقد المصداقية والقبول لدى الشارع، والصراع بلا قوة وبلا رؤية، ومقدمات الحرب الأهلية لا تتجاوز الانفعال والبلطجة. والحشود المليونية التي يجمعها رد الفعل منذ فبراير 2011 حتى اليوم، لم تعد حشودا قادرة على إحداث التغيير، ولكنها في أقصى ما تصل إليه هي حشود تعبيرية، تفرغ ما يجيش بالصدور، ولكنها لا تجري تعديلا على ميزان القوى، بل جرى إهدار معناها بتبادل الحشود على الجانبين، ولعل الحشود أمام المحكمة الدستورية قد منعتها من الانعقاد وحالت بينها وبين دورها، ولكن الحشود من حول قصر الرئاسة لم تتجاوز مجرد التعبير لأنها لم تأخذ قرارا بالاستمرار أو قرارا بالدخول إلى القصر ذاته. ومن الغريب أن يخرج نائب مرشد الإخوان ليقول: "لن نسمح بسرقة الثورة مرة أخرى"، خاصة وأن الاتهام يلاحق جماعة الإخوان بأنهم سرقوا الثورة في المرة الأولى، إلى هذا الحد بلغ تزييف المواقف والادعاء بغير ما جرى ولم يمض زمن يمكن فيه النسيان بعد. كتب واحد من شباب الثورة تغريدة على تويتر يقول فيها: "إن كل تذكرة انتخاب توضع في صندوق الاقتراع ملطخة بدم الشهداء"، يموت الشهداء ويرث الثورة غيرهم لغايات غير التي خرج من أجلها الشهداء. ضجيج الأرقام والنسب بين نعم ولا، وملاحظات يوم الاستفتاء في مرحلته الأولى، لا يجب أن تشغلنا عن جوهر خطر الانقسام الذي أصاب المجتمع المصري. وارتفاع صوت التنظيمات والجماعات الإسلامية أيضا لا يجب أن يحول دون الاعتراف بضعف القوى السياسية التي تواجهها، فالشارع المصري قد سبق الجميع، والإسلاميون صامتون عن حالة الانقسام والشارع يتحرك ضدهم وقراءة نمو حالة الرفض لأفعالهم تؤكد ذلك، وانعدام قدرة التيارات السياسية على إبداع وخلق حالة لتوازن القوى جعل الشارع يتجاوزها، بل ويسعى بذاته لإحداث التوازن سواء بالعصيان المدني أو بالسعي التنظيمي أو بتنامي الحوار عن استدعاء للجيش لإحداث التوازن. الفارق كبير بين القدرة، وصدق الموقف، واستبدال العجز عن اختيار الموقف الصحيح بمحاولة الحديث عن الشرعية، وبأن هناك حاكما شرعيا ومعارضة، وكأن الثورة قد ألقت مراسيها على شاطئ الانقسام، قبل أن تبحر أساسا في اتجاه أهدافها، فانتخاب الرئيس جاء عبر صندوق رفض عودة النظام السابق، وهو ذاته الفارق الضخم بين ادعاء الشرعية وانعدام الأهلية والقدرة على إدارة الدولة، فجملة قرارات الرئيس المنتخب وتراجعه عنها تنم عن كونه لا يملك أو أحد من مستشاريه مقومات تقدير صحيح للمواقف قانونيا أو طبقا للأعراف أو سياسيا، بل إن الرئيس المنتخب نسي كافة تعهداته الخاصة بالتوافق العام حول الدستور، ولا يعدم الأمر أن يسوق البعض أن تراجعاته تؤكد ديمقراطيته وأنه ليس بديكتاتور، وصارت الديمقراطية مجرد تراجعات عن قرارات وليست مشاركة في حوار قبل القرارات حسب ما تفرضه طبيعة المرحلة بعد توليه وعلى أساس الاتفاقات معه قبل انتخابات الإعادة في مواجهة منافسة القادم من عمق النظام السابق. تتزامن في اللحظة الراهنة ثلاثة موضوعات في مواجهة تتناقض مع شعار الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". الأول أن تناول أمر الدستور من جانب القوى المدنية هو محض كلام، ومن جانب الرئيس وجماعته هو فعل وتحد وقرارات، والقوى المدنية تطعن في صحة تشكيل الجمعية التأسيسية بالأساس، والتيارات الإسلامية والرئيس يتحدثون عن "المنتج" النهائي، مما جعل الهوة تتسع، فكل يتحدث في اتجاه مختلف، والرئيس المسؤول عن تحقيق التوافق الوطني حسب وعده يرى أن الاختلاف في مواد الدستور يتولاه مجلس الشعب القادم، وكأنه يقول لهم: "هاتوا آخركم"، وهذا ما عندي! وسواء انتهت نتائج الاستفتاء بنعم أو لا فإن الحقيقة أن الرئيس المنتخب معتمدا على جماعته ووفاء لتعهدات لمن يحيطون به، مارس لي ذراع المجتمع ليصنع دستورا على الهوى الخاص بهم، وهذا النحو يسقط أهلية الرئيس المنتخب للحكم، خاصة وأن مبرر وجوده ليس الانتماء للثورة ولكنه يستمد مبرر وجوده من أصوات حصل عليها في صندوق انتخابات، تؤكد حسابات الأصوات أن حصة جماعته ومن نجحوا في استقطابهم لا تتجاوز 35% من جملة الأصوات التي حصل عليها. كل ذلك سيؤدي إلى استمرار المواجهة وبلا أفق يمكن القول إنه أفق التعايش، ففي مجتمع التكفير والبلطجة لا إمكانية للتعايش، بل يجب أن تنفجر الأزمة حتى يدرك الجميع ضرورة التعايش والمشاركة، والأزمة لم تصل لأقصى تطور لها بعد كي تنفجر. الأمر الثاني وهو جوهر ثورة يناير "عيش وعدالة اجتماعية"، وليس معنى العيش هنا هو رغيف الخبز، ولكن معناه إعادة التوازن بين الأسعار والأجور، ويتضمن الأمر كذلك هؤلاء الذين يعيشون تحت خط الفقر، وفي مقابل هذا التحدي تتجه سلطة حكم الإخوان إلى زيادة الأسعار مما أدى إلى مضاعفة عبء الحياة على الشعب، وأصبح الشعب ضحية الغلاء، حتى يمكن الحصول على قرض صندوق النقد لسد عجز الميزانية. والسؤال إذا نجح نظام حكم الإخوان في أن يعبر عجز الميزانية، فكيف به سيتصرف في شأن القادم من مسؤوليات اقتصادية، أم أنها آخر ميزانية في تاريخ مصر أو تاريخهم. الأمر الثالث هو الأمن القومي المصري والعلاقة مع أمريكا وإسرائيل، وتصل أقوال أمريكية وإسرائيلية بأن مرسي قبل ما لم يقبله مبارك في الرقابة على سيناء، وأن الدستور الجديد منح الجيش المصري حالة الحكم الذاتي، وأخيرا يتردد في الداخل أن دعما مسلحا من ميليشيات حماس دخلت إلى مصر لدعم جماعة الإخوان! الإسلاميون يتهمون القوى المدنية بالتحالف مع فلول نظام مبارك، والقوى المدنية تتهامس بأن ميليشيات مسلحة تدعم التيار الإسلامي، وأن أجهزة الأمن تتعامل مع الأمر على أنه مشاجرة لا تعنيها من قريب أو بعيد، والجيش المصري كأن الجبهة الداخلية ظهره والسند الأساسي له لا تعنيه. توقف الحديث عن إسرائيل كمصدر رئيسي للخطر، وصار الخطر متبادلا بعد حالة الانقسام بين طرفين في الأمة، لا حدود لهما ولا ألوان مميزة لأي منهما، أي أن الاقتتال القادم بين المواطن وذاته. الحوار غائب ولغة الخطاب السياسي ساقطة، والوطن ومشاكله آخر ما يشغل الرؤوس. العقول التي تصنع المشكلة ليست مرشحة لحلها، وأصبح المطلوب البحث خارج المطروح على المجتمع، حتى وإن توصل المقتتلون الآن إلى هدنة فيما بينهم، فهم غير مرشحين للقدرة على صنع مستقبل مصر الذي تنشده والمتوافق مع العصر الذي نعيش ومسؤولياته.
357
| 18 ديسمبر 2012
استردت مصر شبابها، وغلاله من الحيوية والحياة تدب في كل ربوعها، وتجاوز الشباب وبوعي حالة "العجز" التي أصابت مصر الدولة وتكلست نتيجة لها مفاصل العمل الوطني وانسدت الشرايين وكان واجبا أن يكون للثورة مردود الحيوية بالشباب وهو المظهر الأول في أي نشاط عام، الأغاني في الشوارع أو المظاهرات الدامية، كلاهما يستقطب الجميع ولكن الشباب دائماً هم الطلائع، هداياهم علم مصر وكل ما يشير إلى تاريخ الثورة، الثورة باقية فيهم وهذا هو معنى خلود الثورة وهو معنى حيوية الوطن ومبرر بقائه. النظر إلى نتائج الانتخابات دون إدراك حقيقة الشباب في مصر الآن، هو هروب إلى اليأس وارتداء للسواد حزنا، وعدم ثقة في القدرة، وإهدار لحق الحياة. تشهد مصر في هذه اللحظة حصاد قرارات وأفعال جرت خلال الأشهر العشر الماضية دون أن تكون الثورة حاضرة خلالها إلا في حالة مقاومة أو دفاع عن اتهام. السؤال الذي يلقي بظلاله السوداء على الواقع المصري هو: من فعلها؟ وتتباين الإجابات هل فعلها المجلس العسكري وبذكاء شديد؟ هل ما نحياه، تعبيراً عن واقع نجهله، ظهر فجأة ليرث، دون جهد، دم الشهداء وثورة الشعب؟ هل ينتحر الشعب الذي ثار بعد معاناته من فترة إرهاب ما بعد الثورة بالبلطجة وكل أدوات القوة في الدول؟ هل كانت هناك خطة للفوضى؟ وهي التي أعملت أثرها ونفذتها وزارة الداخلية بغياب الرؤية وعجز وزارة تصريف الأعمال؟ هل نحيا مؤامرة بين القرار الذي يمتلكه المجلس العسكري والنخبة السياسية التي ولدت ونمت من رحم النظام السابق؟ سواء كانت معارضة وعملت في عباءته أو هي كانت تعمل تحت إمرته. هل تدخلت أيد أجنبية ودفعت بأردوغان إلى المشهد بيد إنجليزية حاملاً رؤية أمريكية؟ هل شاركت السعودية وغيرها في العبث بمقدرات المشهد في مصر عبر تمويل لبعض التنظيمات والتيارات؟ الأسئلة عديدة يلقيها الجميع في مصر، ومن كافة التيارات، وكأن الواقع في مصر يتحرك خارج الإرادات، بقوة القصور الذاتي، دون قدرة على إيقافه. ويصل الابتزاز مداه عندما يصرح أحد أعضاء المجلس العسكري بأن الجمعية التأسيسية للدستور يجب أن تخرج تعبيراً عن كل المجتمع في توافق عام وليست من صنع المجلس النيابي المنتخب، وبمعنى آخر أنها لا يجب أن تكون تعبيراً عن أغلبية أو أقلية، فتعلن التنظيمات التي تتصور أنها الأغلبية في المجلس القادم أنها ستخرج إلى الشارع، فيتراجع المجلس العسكري عما أعلنه. ابتزاز يدفع الشعب ثمنه من قوته وأمنه وكأن من يملك الحق في التغيير ودفع ثمنه دما، قد تنازل طواعية عن إرادته للقادمين من المجهول. عملية ابتزاز تديرها تلك الأغلبية أو الأصوات العالية التي رفضت أن تكون المبادئ الأساسية للدستور سابقة عن الانتخابات وهي ذات الأغلبية التي قامت بتزييف حقيقة استفتاء مارس والانحراف به عن حقيقته إلى الادعاء بأنه اختيار بين " الإسلام " وغيره، وهي في هذا لم تصدق فيما عرضت ولكنه مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، حتى الكذب والخداع تحت رايات دينية مباح. لن نتمادى في مناقشة مظاهر ونتائج المشكلة دون التعرض للمشكلة ذاتها، وإلى أين وصل بنا المسير بعد عشرة أشهر من خلع الرئيس السابق. بداية يجب الاعتراف أن المجلس العسكري أدار المرحلة بذكاء شديد دافعاً إلى حالة من التشتت أو هو وضع الجميع في منطقة "القتل" من النيران الصديقة ولم يتوان المجلس عن الدفع بنيرانه وقدراته لتحجيم أي حركة تخرج عن المسار أو تتجاوز حدود رسمت لها، وبكل العنف ودون رادع. وكانت النتيجة مكونات ثلاث للمشهد في مصر الآن وهي المجلس العسكري ذاته، التنظيمات الدينية، وعناصر الثورة من الشباب ممن أنجاهم وعيهم من فتنة تداول السلطة فوق جثة الثورة وركام أهدافها. الفاعل والمخطط الداخلي: هو المجلس العسكري. الأداة: هي التنظيمات الدينية. الهدف: تفريغ الثورة من المضمون وتجميد الموقف بعيدا عن تحقيق التغيير المنشود وحصار الشعب دون أن يضع إرادته هي الفاعل في بناء الوطن. ويبدو الهدف ذات هدف المخطط الخارجي وليس هناك حتى اللحظة من المعلومات ما يفسر حالة التطابق بين إرادة القرار الداخلي ورغبة القوى الخارجية. ولعلنا ندرك أن الشعب وعناصره الفاعلة كانوا في حالة من السيولة دون تنظيم، الأمر الذي كان إيجابياً قبل الثاني عشر من فبراير 2011، وأصبح عيبا ونقيصة سلبية بعد ذلك اليوم الذي توقف فيه الصدام مع النظام وأداته المباشرة المتمثلة في وزارة الداخلية، واعتقد الشعب في تلك اللحظة أن مهمته قد تحققت، وترك لمن أعلن بشرف العسكرية المصرية أنه " يتفهم مشروعية المطالب الشعبية " ويومها لم يتساءل أحد عن ماهية هذه المطالب التي يتفهمونها، وتكتم كل طرف من الأطراف تفسيره للأمر داخله خشية أن يعلم به الطرف الآخر فينقلب عليه في لحظة صمت القتال، ولملمة النفس لاستيعاب ما حدث. رصدنا من قبل أن المطلب الأمريكي كان سرعة تسليم السلطة من "العسكر" إلى "سلطة مدنية"، ودقت الدفوف بنغمة " المدنية " في مواجهة "الدينية" واستدرج الشعب إلى ألوان جديدة من الخصومة، تارة دفاعا عن "المدنية" بمعنى الدستور والقانون، ثم دفاعا عن هويته الدينية التي صار لها كهنة جدد يمنحون صكوك الدين ويمنعونها، وجرى الترويج لديمقراطية " البديل " بعد استبدال الخصومة والتحدي، وأصبح البديل بقايا الحزب الوطني السابق الذين ترك لهم الباب مفتوحا على مصراعيه لإعادة ترتيب أوراقهم، وانضم إلى "البديل" تنظيمات خرجت من ظلام عاشت فيه خلال الفترة الماضية هربا من البطش والمعتقلات أو استجابة لفتوى عدم جواز الخروج على الحاكم طالما يسمح بالصلاة!، وتمكنت تلك العناصر تحت ستار الظلام أن تصنع تنظيمات متعددة ترفع شعارات دينية ولا تملك حلا اجتماعيا غير الإحسان، ولا حلا ديمقراطيا سوى الإقصاء، وغير هذا من حلو الحديث.. هو مجرد كلمات لا تحمل مضمونا ولا تخرج عن تجربة ولا تفسح للبناء فسحة الوقت التي يحتاجها0 أتت المرحلة الأولى من الانتخابات بما يمنون به أنفسهم، ولم تتم المراحل التالية بعد حتى تكتمل الصورة وتبين حقيقة ما جرى الإعداد له. القراءة الأولية لنتائج الانتخابات ليست بالصورة الباعثة على اليأس إن تأملناها. سقطت الأحزاب القديمة في هذه المرحلة، وتجاوز الحدث أيضا النخبة القديمة. وفي ذات الوقت فقد أخرجت الانتخابات كل ما في جوف الأرض من تنظيمات وتشكيلات كانت مجهولة المضمون وطبيعة التكوين، أخرجتهم إلى النور ولم تعد ذلك الوهم "الأمل" ولا هم بالوهم "القدرة" وكأن معركة: إسقاط النظام السابق مازالت تواجه "تنظيمات المجهول" الكائنة في أرض الوطن والتي لا تعرض إلا لصدام جديد مع الشعب. تكاد تبدو ساحة مصر مماثلة لساحة "قلعة صلاح الدين" في القاهرة ويبدو المجلس العسكري وكأنه يلعب دور "محمد علي"، وكل من المجلس الاستشاري للمجلس العسكري والتنظيمات الدينية يلعبان دور "المماليك" في مشهد مذبحة القلعة منذ مائتي عام ولم تغلق أبواب القلعة بعد ومازال المماليك جالسين إلى الموائد يتناولون طعامهم الأخير، ومازالت الرصاصات في بنادقها لم تتلق إشارة القتل ومازال الشعب خارج الصراع يبحث عن "العيش" أول أهدافه التي تمثلت في شعار الثورة (الخير- الحرية – العدالة الاجتماعية). مشهد قد يأخذ بعض الوقت في "هدنة التربص" بين أطرافه وكل يلاعب الآخر دون اشتباك في هدوء ما يسبق العاصفة. خارج هذه الثنائية يبني الشباب نفسه، يلتقي يتحاور يتعارف ولم يصل بعد إلى حالة التنظيم القادرة على حشد القدرة وإمكانية الفعل، ويصور أحد الأصدقاء صورة التحرير وشارع محمد محمود المؤدي إلى وزارة الداخلية يوم 19نوفمبر الماضي بأنها حفل "انتحار جماعي" فموجات الشباب تهاجم الشرطة المدججة بكل ألوان السلاح، وتبدو موجات الهجوم وكأنها منظمة ولها قائد واع بما يفعل، ويملك الخطط وبدائلها وليست مجرد عمل عشوائي، ويلازم الهجمات حركة الإسعاف وسحب الإصابات إلى المستشفى الميداني بالدراجات البخارية ووسط الدخان والدم وطلقات الرصاص والإصابات المتعمدة في الأعين يصرخ شاب بفتاة من جيله عودي إلى الخلف لتعيدي بناء الوطن ودعينا نطهره لك بالدم. هكذا هي مصر الآن شباب يطهرها بالدم ويرى ذلك طريقة لبناء الوطن، ومازالت رصاصات مذبحة القلعة في بنادقها لم تنطلق بعد فهل سيمضي وقت طويل بدم كثير لنعيد بناء مصر ونخلعها من هجمة التتار داخلياً وخارجياً الذي يحرق الزرع ويقتل النسل ويلقي بالكتب في البحر لتعبر عليه سنابك خيله.
338
| 14 ديسمبر 2012
سألني الشاب وهو يحمل عوده بعد أن غنى في الميدان للثورة وكانت تسابيح الفجر من حولنا يتردد صداها حول الميدان: رأيك؟ أعدت إليه السؤال نفسه: رأيك أنت؟ قال بوضوح وببساطة: هذه المرة مختلفة، الناس مجدرة في الأرض، ومش عايمة.. واضح أننا استفدنا من اللي مر بينا! مصر في بوتقة تصهر الحديد وتطرد الخبث.. الفارق كبير بين تباين النضج الإنساني والثقافي وما يؤدي إليه من خلل في حركة المجتمعات.. وبين الاختلاف السياسي..لا ينكر عاقل حالة القلق التي تظلل غيامتها الناس في مصر؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ ولمصلحة من ما يجري؟ وتتراكم الأسئلة وعمليات رصد الأحداث السابقة ومكونات قوى الثورة، والمضادة لها والمواقف المتباينة، وكأن وقت الحساب قد أزف. المشهد تنوع من اشتباكات وإصابات في أغلب محافظات مصر حول "من ضد الإعلان الدستوري ومن يؤيده"، ولكن الحقيقة أن الأمر ليس الإعلان الدستوري ولكنها ممارسات من التيارات المسلمة خاصة جماعة الإخوان وصلت بالناس إلى حالة الرفض والرغبة الشديدة للتعبير عن هذا الرفض بكل الوسائل حتى أن وصلت إلى حرق مقار الجماعة أو حزب الحرية والعدالة. وعلى الناحية الأخرى خرج الرئيس المنتخب على شاشة التلفزيون وكأنه لم يمر بالأحداث أو بالشاشة ذاتهاٍ، وجل ما قاله كلمات عن مؤامرة، والإعلان الدستوري حال دونها! وأن المصريين عندما يعبرون عنق زجاجة يأخذون بعضهم "بالحضن"، لغة لا تنتمي إطلاقا إلى السياسة أو الحديث إلى شعب صبور، ولكن لم يختلف أحد على ذكائه وقدرته على تحويل الأزمات إلى نكتة سياسية. وتمادت تصرفات العناد، من تصريحات إلى تعجيل لإنهاء مسودة الدستور وتقديمها، ثم المن بها على الشعب وأنها ستنال موافقته، ومن ثم تحديد موعد للاستفتاء عليها، وكأن هناك من يسابق الزمن ليهرب من قدر محتوم. وحشود من كافة المحافظات لمليونية تأييد للإعلان، تنقلب إلى مليونية للشرعية والشريعة، كل شيء يلبسونه رداء دينيا، ويخرج المتظاهرون بعد انتهاء يومهم إلى المحكمة الدستورية لحصارها هاتفين "إدينا إشارة وإحنا نجيبهم في شكارة"، أي لو طلب الرئيس المنتخب رؤوس قضاة لوضعها الإسلاميون في شيكارة إليه؟ ويطالب خطيب مسجد يصلي به الرئيس المنتخب، المصلين بمساندة مرسي وتأييد قراره، وقال: "الرسول لم يستشر نخبة قريش في قراراته"، ويغضب المصلون ويهتفون "يسقط إمام السلطة.. يسقط مرسي" واعترضوا على ما قاله الإمام خاصة بعد أن شبه مرسي بالرسول الكريم. ويستقيل خطيب آخر وهو على منبر الجمعة لرفضه تعليمات وزارة الأوقاف لتأييد الرئيس. احتمالان رئيسيان لما يحدث، الأول أنه مقدمة لصدام أكثر عنفا، وهو احتمال بلغ بالناس حد الخوف، والثاني أن تلوح في وسط الأزمة فرصة وتجد من يحولها إلى واقع جديد أكثر عقلا ويحقق لمصر إمكانية حل الأزمة وليس إدارتها. وتخرج من التحرير دعوتان الأولى مسيرة إلى القصر الرئاسي لحصاره رافعة ذات الشعارات التي رددها المتظاهرون ضد مبارك "ارحل" و"يسقط النظام"، ويبدأ الحرس الجمهوري في تأمين القصر من يوم الأحد على غير ما كان، والثانية دعوة إلى العصيان المدني، وهي دعوة تحتاج إلى آليات غير آليات الاحتشاد والتظاهر. هل بلغت الأزمة ذروتها أم أنها مازالت في أطوارها الأولى؟ ومن يتحمل مسؤولية دفع الأمور إلى حالة الصدام؟ ثم ما هي القوى التي تنتظر على الأجناب؟ وأين تأثير الخارج على الحركة الداخلية؟ ليست الأزمة أزمة إعلان دستوري؟ والانقسام ليس بجديد، ولكن الأزمة الحقيقية هي حالة تباين النضج الإنساني والثقافي والسياسي بين الأطراف، فالطرف الذي في التحرير يريدها ثورة، قام بها المصريون ورفعوا شعار "عيش حرية عدالة اجتماعية"، والطرف الآخر يراها فرصة لاستكمال السيطرة على الدولة بعد اختطاف الثورة، وتبدو الصورة أنها مواجهة أيضاً مع القضاء، حتى أن تصريحات خرجت بأن إعلانا دستوريا جديدا سيصدر حول الإشراف على الاستفتاء بعدما لاح أن القضاة مازالوا يرفضون الإشراف على الاستفتاء رغم مضاعفة مكافأة الإشراف أربع مرات، وكأن حال السلطة يقول إن كنتم ترفضون مال السلطان، فعصا الإعلان الدستور موجودة!! لم يكن الرئيس المنتخب صادقا حين تحدث عن شركائه في الثورة، فهو وليس غيره كان عنصر الاتصال والحوار مع المجلس العسكري، ولعل الاتفاقات التي جرت، وإعلانه في مكتب الإرشاد حينها أنه قرأ الفاتحة على أنه لن يذيع فحوى الاتفاقات مما أدى إلى خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الجماعة، وتوالت بعد ذلك جملة المواقف المرصودة لجماعة الإخوان بدءا من السعي لتفريغ الميدان خلال الثمانية عشر يوما الأولى إلى التخلي حتى عن مطالبات المتظاهرين والتي كانت تصب كلها لصالح الإخوان، وانشغلوا بالإعداد لمراحل الانتخابات المتتالية. الأزمة في حقيقتها هي اختلاف جوهري في رؤية الثورة والموقف منها من الإخوان وكل التيارات الإسلامية. هي فارق حالة نضج إنساني وثقافي ووطني وسياسي، وهذا الخلل ليس الحوار كافيا لحله، ولكن توازن القوى، وتوازن القوى ليس مجرد القدرة على الحشد، بل أيضاً القدرة على إدارته، وهو ما يعني أن الأزمة لم تصل إلى ذروتها بعد، وأن العناد والاستفزاز من قبل السلطة وعدم إدراك طبيعة المطالب الشعبية، هي التي تدفع إلى التصعيد، ودائما ردود الفعل من الشارع تحمل من المفاجآت ما أسقط رأس النظام السابق. كانت التصورات السابقة على ثورة يناير تسلم بتصحر الحياة السياسية في مصر، ووجوب وجود مجلس أمناء للدستور، وهو يضع دستور مصر، وأن يتاح فرصة للنمو السياسي بما يدفع مصر إلى حالة تتسق والعصر ومتطلبات التنمية، وأن الأمر يستغرق ثلاث سنوات كفترة انتقالية، ولكن ما وصلت إليه مصر الآن بعد عامين من الثورة، كان نتيجة فارق النضج الثقافي والسياسي للمجلس العسكري والإخوان معا، فضلا عن الدور الأمريكي الناعم في مصر حتى الآن. هذه المواجهة وقودها شباب الثورة، وفي مواجهة كافة التيارات الإسلامية وسلطة الدولة، والمؤسسة العسكرية تجلس بغير التزام بموقف حماية الدستور أو في حالتنا الإعلان الدستوري الذي أقسم على أساسه الرئيس المنتخب قسم توليه الرئاسة. وهذه الحالة هي ذاتها حالة شبيهة بموقف القوات المسلحة في عصر مبارك، وكأن الوطن والجبهة الداخلية تسعى في اتجاه، والقوات المسلحة تحيا اتجاه آخر غير محدد، حتى أن البعض ألقى بسؤال مريب مؤداه، ماذا ستعطونهم حال تحركهم؟ إنهم أعطوهم المثال التركي!! وكأن اللحظة لحظة تقسيم الغنائم وكأننا نبتعد عن الجيوش الوطنية إلى أشياء أخرى غريبة عن مصر وجيشها، وكانت الإجابة على من حملوا السؤال: من يعطي من؟ ولكن السؤال في ذاته يعني أن الثورة بكل مشاكلها والأزمات التي تواجهها، تمثل الرقم الأساسي في المعادلة، رقم لن يرضيه غير تحقيق أهداف الثورة. ويتردد سؤال لم يطرح في يناير ومؤداه: ما موقف أمريكا؟ سؤال في التحليل واجب، ولكن عندما يكون السؤال في الشارع، فهو أقرب إلى استدعاء لموقف أمريكي في مواجهة رجال أمريكا في مصر. إدارة المخابرات والأجهزة ومراكز البحث للحالة المصرية هي ما أوصلتنا إلى ما نرى، ولن يكون الدم المصري المصري خطا أحمر لدى أمريكا أو إسرائيل، فالسفيرة الأمريكية تتحرك في مصر كما المندوب السامي أيام الاحتلال، ولها خططها ولها أيضاً مصالحها وأساليبها ووجب قراءة الحقائق مهما كانت مراراتها. والعودة إلى القوى الاجتماعية داخل المجتمع هي دائما العودة إلى الطريق الوحيد لإتمام التغيير. ما نحياه في مصر خلل في النضج. وخلل النضج لا راد له إلا طريق يُشَق عنوة... وأيا كان الثمن فهو استحقاق واجب الدفع.. اختلاف النضج وليس اختلاف وجهات النظر هو الداء الواجب أن نجد له دواء، حتى وإن كان الدواء "الكي بالنار".
333
| 04 ديسمبر 2012
لحظة الخطر هي لحظة العقل والحكمة، هي لحظة يستدعي فيها الإنسان كل وعيه ويقينه وثقافته وإيمانه، وكذلك الأمم التي بقيت عبر التاريخ، تصارع من أجل البقاء والنمو والحفاظ على وجودها، هذه هي اللحظة التي تمر بها مصر. بينما كان العالم ينظر تجاه الحدود بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة ويثار سؤال من كسب ماذا ومن خسر وما الذي خسره؟، وبعد أن غادرت وزيرة الخارجية الأمريكية بعد إعلان هدنة التهدئة على حدود غزة، والتسريبات تتحدث عن هدنة مداها خمسة عشر عاما!، والتحيات والتقديرات تصل رئيس مصر المنتخب، كان هناك مطبخ في الرئاسة المصرية يشعل فتيل انفجار لا يعلم مداه إلا الله، ويفتح الباب على مصراعيه لاقتتال داخلي لم تشهد مصر له من قبل مثيلا. أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إعلانا دستوريا، من ست نقاط، تحمل معنى النزوع للانفراد بسلطة الحكم، وتحمل من العناد والثأر أكثر مما تحمل من المسؤولية والضرورة. واشتعل الفتيل، وبدت شواهد الانفجار القادم تتوالى. صدمة تحصين الجمعية التأسيسية للدستور، كانت عنادا واضحا وتجاهلا، لمعنى التوافق، ولموجات الانهيار التي أصابت أداء الجمعية، وكأن مصدر القرار يدفع إلى غير الحوار سبيلا لحل أزمتها، ويرفع ولاية القضاء عن الحكم في الطعون المقدمة في تشكيلها. والصدمة الثانية هي إلغاء دور القضاء ومصادرته وغل يده عن الفصل في كل الدعاوى المنظورة أمامه بشأن مجلس الشورى، والجمعية التأسيسية، وبالتالي قرارات مجلس الشورى بشأن الصحفيين وغيرها، ثم المعنى الضمني بتجاهل حق الرئيس في إعادة تشكيل الدستورية لتصل إلى حالة التوافق. الأمر الثالث تحصين قرارات الرئيس ذاته، أي أنه فوق المراجعة، وامتلك بذلك صفة الخصومة ــ وهو صانعها ــ وصفة الحَكَم، وخاصية الحصانة المطلقة، وهل للاستبداد تعريف مخالف لذلك؟ بداية لننتهي من وصف ما صدر بالإعلان الدستوري، فهذا ليس من حقه على الإطلاق، ويبدو أن مستشاريه قد تناسوا من له هذا الحق، فهو ليس سلطة استثنائية كما كان المجلس العسكري، وليس قائد ثورة، ولكنه رئيس بالانتخاب، فهو سلطة تنفيذية وفقط، وله أن يصدر قرارات بقوانين لحين انعقاد مجلس الشعب المنتخب، وألا يعتمد على أن تؤول إليه سلطة التشريع بناء على إعلانات سابقة. هذه البداية تقول إن هناك غيابا معرفيا، وهناك ادعاء بحقوق لا يملكها يدعيها لنفسه أو يدعيها له آخرون. ثم أليست هناك شبهة في هذا الإعلان، بأنه محاولة للثأر من القضاء، والذي خسر في مواجهته معركتين سابقتين واحدة مع الجمعية التأسيسية بشأن قراره بدعوة مجلس الشعب المنحل للانعقاد مخالفا في ذلك حكم المحكمة الدستورية، وهو يضمر للمحكمة وأعضاء فيها خصومة عندما أوجبت المحكمة أن يقسم أمامها وعلانية قسم رئيس الجمهورية، ثم بمواقف من أعضاء منها جرت أمام المجلس العسكري قبل الانتخابات وكشفت اتفاقاته كممثل لجماعة الإخوان على حساب الثورة ولحساب الجماعة. والمعركة الثانية معركة إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، وموقف نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية ضد قراره الذي لا يحمل سندا لأن منصب النائب العام محصن ضد الإقالة. وثالثا أليس وضع كل من لديه تحفظ على ما حصنه أمام طريق مسدود بمنع اللجوء للقضاء، هو دعوة لاستخدام أساليب أخرى؟ السؤال الآن لماذا إشعال الفتيل في هذه اللحظة؟ ولماذا استبدال مناهج إدارة الدولة وتوحيد الأمة بالعناد وبالإقصاء؟ ثم هل هذا خطأ وقع فيه دون قصد أم أنه إجراء متعمد لدفع المجتمع لانقسام أشد يطلق يده على الجانب الآخر لقرارات تمس السيادة الوطنية وتمس أهداف الثورة ومهامها؟ نعم عملية إصباغ كل مؤسسات الدولة بعناصر ولاؤها للإخوان، بغض النظر عن القدرات السياسية والفنية لأداء المهام، كانت عاجزة عن اختراق القضاء، فهل هي محاولة لاختراق القضاء وبالقوة؟ والقوة هنا ليست الانقلاب ولا سلطة القرار، ولكنها تجسدت عندما انعقدت الجمعية العمومية لنادي القضاء يوم 24 نوفمبر، وهاجمتها جماعات وصفت بأنها مسلحة في محاولة لمنع الاجتماع. فهل هناك عقل في هذا الأداء وهذه الإدارة؟ مراقبة أداء الإخوان من قبل الثورة وأثناء الأيام الأولى وخلال كافة المواجهات التي جرت بين الشباب والمجلس العسكري والدماء التي سالت، ثم أداء مجلس الشعب المنتخب، وخطاب التعالي الإخواني، أدى إلى تولد حالة رفض شعبي لهم، ولو كان هناك في مواجهة مرسي أحد غير شفيق في انتخابات الرئاسة، ما كانت النتيجة لصالحه، ويبلغ الضغط مداه بهذا الإعلان، فينفجر الشارع في كل المحافظات ضدهم وتنشب معارك الشوارع ومحاولات حرق المقار، لتدوم أربعة أيام حتى اللحظة. ويبرز سؤال من الفاعل الأصيل في هذا؟ أليس هو من أقسم على التزام المسؤولية عن حماية الوطن والشعب من كل خطر يتعرض له وبديلا عن ذلك يصنع هو مشكلة الانقسام ويصر عليها ويفتح باب الاقتتال؟، وهو الأمر الذي استدعى أن يصدر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع يوم 25 نوفمبر بيانا يعلن فيه أن الجيش مسؤول عن حماية الوطن والشعب داخليا وخارجيا! وتسري في مصر مقولة هي الخطر الداهم، إن كان حزب الحرية والعدالة هو الذراع السياسية لجماعة الإخوان فإن حماس هي الذراع العسكرية للجماعة، وهو ما ينقل الوعي بالقضية الفلسطينية والمقاومة إلى مرحلة تتسم بسواد الخصومة وهذا إحساس دخيل على الوعي الشعبي المصري، وكأن هناك من يريد استبدال الخصومة من أن الخطر هو إسرائيل إلى أن الخطر هو المقاومة الفلسطينية. وتنقل أجهزة إعلام مصرية وأمريكية وإسرائيلية أنباء عن أن قبول إسرائيل بالهدنة سبقه اتفاق وتأكيد أمريكي صادر عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لرئيس وزراء إسرائيل بأن قوات أمريكية ستصل طلائعها خلال 48 ساعة من التوقيع ومهامها، تأمين سيناء وتدمير أي مخزون للصواريخ الإيرانية بها، وأنها ستتولى السيطرة على سيناء من شرق القناة حتى الحدود مع إسرائيل، لمنع عبور الأسلحة القادمة من السودان وسوق السلاح في ليبيا إلى غزة، وذلك لتعويض قصور أجهزة المخابرات المصرية والجيش المصري في التصدي لعمليات التهريب هذه. وتتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الوجود العسكري الأمريكي سيحول بين مصر ومطالبها بتعديل كمب ديفيد أو إلغائها، وعلى الناحية الأخرى فهي ستفتح سيناء لتكون ساحة مواجهة بين تنظيمات مسلحة والقوات الأمريكية القادمة. وتنقل "الأهرام المصرية" عن صحيفة هآرتس موافقة رئيس مصر على نشر أجهزة رصد إلكترونية على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، وهو ما رفضه من قبل مبارك وتحدث بأنه "خط أحمر". ويبدو أن كل الخطوط عند الإدارة المصرية الآن لا لون لها ولا معنى سوى خط السلطة بين جماعة الإخوان وبين كرسي السلطة، والسلطة المطلقة. مازالت في مصر آراء تتهم السادات بالتفريط في السيادة المصرية على سيناء بتقسيمها إلى مناطق ثلاث تحد من وجود القوات المسلحة فيها، وكان السعي دائما للمطالبة بإلغاء اتفاقية كمب ديفيد وعودة الجيش إلى كل الأرض وفق رؤيته العسكرية في انتشار قواته دون مانع. وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة 2008 كان الاتهام الأساسي لمبارك أنه يسهم في حصار القطاع ويشارك إسرائيل ذلك، واتهم بالخيانة، فما بالنا اليوم وهناك هذا القبول بالوجود الأمريكي في كل سيناء، وإطلاق يد هذه القوات في التعامل مع من تراه خطرا أو هدفا، فهي موجودة، وهي صاحبة القرار في قواعد الاشتباك. هذه الازدواجية، التفريط في السيادة والقبول بالقوات الأمريكية فوق الأرض وحرية قرار الاشتباك، وعلى الناحية الأخرى التغني بحكمة الرئيس في وقف العدوان على غزة، هو تفريط في مصر واستقلالها، ولو كان مبارك فعلها لاتهمه الإخوان بالخيانة، وهل عندما يفعلها الإخوان يسقط اتهام الخيانة؟ الخطر في الشوارع المصرية، والقوات الأمريكية وبكل الرضا تصل إلى سيناء وليست في حاجة إلى هجوم جوي أو بحري، وانفراد بالسلطة المطلقة، فهل يمكن أن يكون الحوار سبيلا لتدارك هذا الخطر؟ وهل هناك سبيل آخر يحول دون تفاقم الخطر وأزمة الثقة؟ مصر في دائرة الخطر وليس مجرد الثورة، وتحت عباءة الدين يتم التفريط في السيادة الوطنية وقضية العرب المركزية... فلسطين وليس أمن إسرائيل.
443
| 27 نوفمبر 2012
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....
6924
| 20 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1356
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...
735
| 23 يوليو 2026
عندما أمسكت القلم لأكتب عن الأمير الوالد، أدركت...
675
| 20 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...
642
| 23 يوليو 2026
من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...
585
| 22 يوليو 2026
- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه...
564
| 20 يوليو 2026
وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول...
561
| 21 يوليو 2026
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...
534
| 25 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
504
| 27 يوليو 2026
ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...
492
| 23 يوليو 2026
للأسف هناك بعض الاباء بعد قضايا الطلاق والتردد...
456
| 20 يوليو 2026
مساحة إعلانية