رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأوضاع الحالية في مصر أقرب إلى السيولة منها إلى المنطق، حيث الأقوال أدنى من الثقافة والوعي، والأفعال تتجاوز الأدوار، واستبدال الخصومات أساس الخيارات، وتبادل الأدوار صار مفزعا فالعناصر التي تنتمي إلي تيارات الثورة او أنتجتها الثورة صامتة، وقضايا اللحظة يتبادل الدعوة إليها عناصر محل ريبة، وفتاوى إهدار الدم لا راد لها، وكتائب الإشاعات صارت أحد مكونات النظام، والمؤسسة العسكرية محل استفهام أكثر منها رمانة الميزان، وهي الصفة التي ضاعت منها خلال الفترة الانتقالية، وسط هذه السيولة تصبح المكاشفة واجبة، حتى وإن بدت أنها تكرار لما قيل من قبل أو تجميع له، فهي المدخل الأساسي لبحث توازن القوى. بدون تحديد ماهية القوى المؤثرة في المجتمع المصري، وواقعها الآن لن نستطيع الحديث عن ميزان القوى أو البحث في تعديله، وماذا نعني بالتعديل، وهل ننظر بعين منحازة أم بعين محايدة، فالانحياز في المواقف السياسة هو حقيقة الوجود، والحياد يعني انعدام الموقف. ما يمكن أن نرصده كانحياز أو حياد هو الموقف من الثورة، ومن حاجات الشعب وأهدافه. ننحاز إلى الثورة، ومرجعية القياس هو هدفها الأعلى في نداء "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وعلى هذا المعيار تجب المصارحة. البداية واجبة من نهاية وقائع الثمانية عشر يوما الأولى من عمر الثورة، أي مع تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة البلاد، كان يمكن يومها أن يمثل المجلس، الثورة والشعب إن هو (تفهم مطالب الشعب) كما أعلن المتحدث باسمه، كما هي (مطالب الشعب) ولم يكن يضمر إنهاء عملية التوريث كحد أقصى، وكان يمكنه أن يكون رمانة الميزان الوطني إن لم ينحز منذ اللحظة الأولى إلى جانب جماعة الإخوان والتيارات الدينية. بداية المشهد انحياز من المجلس العسكري للإخوان في تشكيل لجنة التعديلات الدستورية، ونهاية المشهد قرارات من الرئيس المنتخب بتغييرات في القيادة العسكرية فتحت جدلا هل ما نراه تنفيذا لاتفاق بينهما أم هو انقلاب على المجلس استولت به الإخوان على قيادة الجيش أو هو خليط بين هذا وذاك. هذا الجدل أثاره حق الشعب أن يعرف، وهو صاحب الإرادة التي صنعت الثورة ومنه إرادة أتت بالرئيس المنتخب، وتناقض هذا الحق مع اكتفاء الأطراف بعرض النتائج بينما تكفلت كتائب الإشاعات المنتشرة في مصر بعرض الأبعاد الثورية للقرارات، وصارت إزاحة المجلس العسكري هي المطلب الثوري، رغم أن المجلس العسكري هو من أتي بهم وقدم الانتخابات على الدستور حسب رؤية الإخوان، وأحال وقائع الفترة الانتقالية إلى فترة انتقامية كما أطلق عليها الشعب في أحاديثه اليومية مثيرا الكثير من علامات الاستفهام دون أن يجد إجابات عليها. أنتجت الفترة الانتقالية عددا من الملاحظات نرصدها كمقدمة أساسية لدراسة ما نعنيه بالبحث عن توازن القوى: 1) أن هناك تحالفا بين الإخوان والمجلس العسكري، وتوقعنا في مقالات سابقة أن هذا التحالف كان سابقا على الثورة في مواجهة موضوع التوريث، حيث افترضنا أن المجلس العسكري كان يبحث عن عمق جماهيري ووجد ضالته في الإخوان في مواجهة تحالف الداخلية والسلفيين والرأسماليين الجدد، والذي كان يتبنى مشروع التوريث. 2) أن هذا التحالف تأكد مبكرا بلقاء الإخوان (محمد مرسي وسعد الكتاتني) مع عمر سليمان، وتولت جماعة الإخوان بناء عليه مهمة تفريغ الميدان، مقابل الحصول على حزب والإفراج عن المعتقلين أو المحكومين. 3) جرى فتح أبواب المشاركة أمام السلفيين باعتبارهم تيارا سياسيا، وكذلك أفرج عن العديد من المعتقلين ، ليس بحثا عن تحقيق العدالة، ولكن لدعم معسكر تحالف الإخوان والمجلس العسكري. 4) لا يمكن الفصل بين ما جري داخليا والمحيط الإقليمي والعالمي الذي شكل وحدة في الرؤية تحول بين التغيير الموضوعي كما يريده الشعب ويطالب به وبين مجرد التغيير الشكلي بإزاحة رأس النظام مع الإبقاء علي النظام وعلاقاته الداخلية والخارجية كما هي, وكان الأمر تحقيقا لمصالح متبادلة حتى وان كان لدي الغرب تحالفا مؤقتا، يمكن إعادة صياغته مستقبلا، ولكنه حاجة اللحظة. 5) تجاوب التحالف الداخلي مع الرؤى الخارجية في الإقليم او لأمريكا وإسرائيل، استهدفت بالأساس ألا تتحقق نتائج حقيقية لتحرك العشرين مليونا من المصريين، وتفريغ هذا التحرك من قواه الفاعلة لضمان عدم القدرة على تكراره. 6) تولي المجلس العسكري عملية تفريغ الحركة من قواها الفاعلة سواء بالاعتقال والمحاكمات العسكرية، حتى القتل، مع اختراق التجمعات التي تأسست بعد الثورة وجرى تفكيك هذه التجمعات والائتلافات بتحقيق بعض المصالح الشخصية لعناصرها وفتح دائرة الضوء أمامهم، فزاغ منهم البصر وتغلبت المناحي الشخصية على الموضوعية. 7) تجلت خلال الفترة الماضية حملة على الهوية المصرية، وكأن مصر كانت دولة الكفر ولم تكن دولة الفساد، وكأن الدعاة كانوا قادة الثورة ولم يكونوا خدم النظام وسدنته والداعين إلى عدم التظاهر، وبلغ بهم الأمر بالفتوى بأنهم يكفيهم أن الحاكم لا يمنع صلاتهم بالمساجد، وتحول الأمن القومي المصري والهوية الوطنية إلي رهينة لهم، وتبدل معنى التصويت إلى أنه غزوة دينية، وأن كل من يخالفهم هو خارج على شرع الله، وحدث التشوه الأكبر في الخطاب السياسي، ووصل الأمر حد إهدار دم المتظاهرين. 8) كشفت الوقائع حقيقة تصحر الحياة السياسية، وهو ما عرض له الاستاذ محمد حسنين هيكل في اقتراحه بمجلس أمناء الدستور، وأن تكون الفترة الانتقالية لمدة ثلاث سنوات، وبات واضحا أن ثورة الشعب تجاوزت الأحزاب والنخب ولم يستطع أي منهم ان يعرض رؤية تعبر عن الثورة، وصار الخطاب السياسي فارغ المضمون، مبتور لا يدعم أهداف الثورة ولا يخصبها، ولكنه خطاب الخصومة سعيا لتحقيق نتائج وفق جدول أعمال تحالف العسكري والإخوان، غير واعين أن من يضع جدول الأعمال يملك آليات وقدرات إدارته لصالحه. 9) وقعت التيارات السياسية حبيسة أحاديث الخصومة، بالمطالبة بالثأر لدم الشهداء ومحاكمات مبارك ونداءات سقوط حكم العسكر، وكان لذلك كله ثمنه من الدم والشهداء والمصابين، بل وكانت المطالبات المتكررة تدعو إلى تحقيق جدول أعمال الإخوان، لتتحقق النتائج كاملة لصالح الإخوان ، التي تعمل وفق خطة واضحة بأن الصناديق ستحكم وتقرر وهو ما يجب أن تلتزم به. كان واجبا في ذلك الوقت عدم التغاضي عن مطلب مراجعة مدى قانونية الجماعة، ومدى جواز الربط بين حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان حسب قانون الأحزاب السياسية، وتغاضت لجنة الأحزاب عن ذلك وسقط الجميع في فخ الجشع السياسي عند صياغة قانون الانتخابات النيابية لتقضي المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، ولا يحاسب من وضعه ولا يحاسب من حاول تجاوز حكم المحكمة، هكذا تمضي الأمور بلا حساب، ففتحت أبواب الهوى السياسي، فسقطت الأعراف وتاهت القيم والمعايير والعلوم السياسية، بعد أن أجهضت الشرعية الثورية. 10) لم يكن ما جرى في مصر وحتى اللحظة في عزلة عن الإقليم أو العالم، وكتبنا مقالا حول لعبة الأمم فوق الأرض المصرية، ومنها ما أعلنه في نهاية عام 2010 رئيس المخابرات الحربية الإسرائيليه يوسي ادلين بأن أي نظام سيأتي بعد حسني مبارك لن يكون في استطاعته أن يحكم خارج المصالح الإسرائيلية وأنهم يخترقون مصر في كافة الاتجاهات، لم يرد يومها أحد، ولكن غيره يعمل ولا يعلن. وجرت اتصالات ولقاءات واتصالات داخلية وخارجية بين العديد من القوى سواء مباشرة أو عبر وسطاء، ولم يكشف أحد عن ذلك بشفافية، ولم يعلن أحد عن مضمون الالتزامات التي ترتبت على هذه اللقاءات، والتعهدات دون رقابة شعبية خطر، والأموال التي تدخل لتدعيم المواقف والحملات تفسح مجالا لتغيير طبيعة التوازن، وكل مال مدفوع له مقابله السياسي، فالعالم لا تحكمة قاعدة الإحسان ولكن تحكمه قاعدة المصالح، ومن له ثمن يقبل به، لا قيمة له في وطنه. 11) انتبهت بعض التيارات السياسية إلى ضرورة وجود موقف مغاير لموقف المجلس العسكري والإخوان والتيارات الدينيه، وعقد مؤتمر مصر الأول مبكرا، ورغم صحة التوجه والخطاب السياسي في مجمله واتساقه مع الثورة، غير أنه بديل عن الانتماء إلى القوى الشعبية والمجتمعية، وجد مصدر قوته فقط في استدعاء مواقف من المجلس العسكري فحكم مبكرا بفشل التوجه لاجتماعي، وانحسر وانتهى، ووقع العديد من مكوناته صرعي الارتباط بالمجلس العسكري كما حدث للمجلس الاستشاري. 12) غابت قضايا البناء الأساسية والتي تمثل أعمدة الدستور الجديد عن اهتمام عناصر التيارات غير الدينية. لم تملك هذه التيارات تصورا لدور القوى الاجتماعية ودور العمال والفلاحين والطبقة الوسطى والطلاب، وظل التواصل معهم يتم مصادفة أو إعلاميا، كظاهرة كلامية، وغاب الاتصال السياسي بالقوى الاجتماعية فافتقدت التيارات السياسية حديثها وقديمها الذي لم يتعلم من تجربتة، افتقدت جذورها الاجتماعية. ولم تسع العناصر السياسية إلى حوار وطني حول مفهوم التنمية الاقتصادية المستقلة في عالم العولمة والعدالة الاجتماعية، وحصرت نفسها في حكم قضائي صدر قبل الثورة بالحد الأدني للأجور وأضافت إليه مطالب بتحديد الحد الأقصى وتردد تعبير الضرائب التصاعدية كتحقيق للعدالة، وهي خيارات بعيدة تماما عن الرؤية الاقتصادية المتكاملة للتنمية ومحدداتها وبرنامجها الزمني المتوقع وشمولها الاجتماعي، والمعنى العلمي للعدالة الاجتماعية والتي لا تعني شراكة الفقر ولكن التنمية المستقلة وحق العمل والعلاج والتعليم والسكن، وكيفية علاج التضخم في الأسعار ومعنى الاستثمار ومجالاته والموقف من القروض. وتغلبت فكرة التصالح مع الفساد على مبدأ القضاء على الفساد وما ترتب عليه، وبديلا عن تطهير جهاز الدولة ووضع قواعد لذلك يجري التسلل داخله لإحكام السيطرة عليه، وبديلا عن مراجعة سيطرة رأسمالي النظام السابق على الثروة والسلطة، يجري إقامة حلف جديد بينهم وبين رأسمالي الجماعة. وبديلا عن دراسة مفهوم الأمن القومي ودور الأجهزة والمؤسسة العسكرية في إطار هذا المفهوم كمؤسسات للدولة وليست خارجه عنها، انحسر الإدراك في هتاف يسقط حكم العسكر وتطهير جهاز الأمن وإسقاط العلم الإسرائيلي من فوق مقر السفارة في مشهد مماثل لمشاهد الرجل العنكبوت، وتتحول القضية الفلسطينية الي قضية معبر وأنفاق، بينما تسعى جماعات دينية لإعلان سيناء إمارة إسلامية وهي ميدان المعركة القادم مع العدو الصهيوني متناسين خطط إسرائيل بشأن تبادل الأراضي. ذلك كله أدى إلى انعزال التيارات السياسية عن التأثير على الدستور الذي يجري وضعه في غياب لقوى الشعب الفاعلة. وتجلى الخطر عندما قامت محكمة القضاء الإداري بتأجيل الحكم في شرعية الجمعية التأسيسية، مما أتاح الفرصة لصدام حولها، قد يترتب عليه عوار في العمل من أجل وضع دستور توافقي لمصر، يمثل العقد الاجتماعي الجديد بعد الثورة. هذه الملاحظات الأولية حول تراكمات ما جرى خلال الفترة الانتقالية هي مقدمة لأزمة لدراسة توزيع القوى داخل المجتمع، تمهيدا للإسهام في دراسة ميزان القوى وكيفية إعادة التوازن له، خاصة بعد أن خرجت المؤسسة العسكرية من معادلة القوى مؤقتا وحتى إشعار آخر، وفي الحد الأدنى تحسب داخل معسكر الاستحواذ وليست رمانة الميزان، وهو الأمر الذي لم يتحقق خلال الفترة الانتقالية على الإطلاق. لقد واجهت الثورة سؤالا امتد معنا منذ أول السبعينيات طرحة الدكتور محمود فوزي رئيس وزراء مصر في بداية حكم السادات ووزير خارجية مصر خلال حكم عبد الناصر، وكلما واجهنا مشكلة الرجال والقيادة، وجدنا أنفسنا نكرره ومؤداه: أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام المشاكل؟ هذه هي المعضلة، ماهية الرجال الذين تحتاجهم مصر في اللحظة الراهنة؟ وماهية المضمون الثقافي والسياسي والوطني لمن يتصدى لمواجهة المشاكل؟ في المعادلات الرياضية تتحدد صعوبة الحل بعدد العوامل المجهولة، وفي المعادلات السياسية تتحدد صعوبة الحل باختلال ميزان القوى، أي بالقوى الخارجة من الحساب، لأنها ستحاول الدخول في الحساب، خاصة وأنها كسرت حاجز الخوف ولم يعد الوعي فئويا أو تلقينيا ولكنه صار وعيا بالمصلحة وترابطها بين الفئات المختلفة، واختبرت أسلوب فرض الإرادة، وتزايد وعيها بفاعليته، ومعادلة تخصم القوى الاجتماعية هي معادلة انفجار اجتماعي وليست معادلة مجتمع بعد الثورة.
563
| 28 أغسطس 2012
يتحرك الشعب المصري بخاصية الأمة الجامعة، ولا تصلح حالة الانقسام في دفع الشعب إلى حركة أو تجلي إرادته لتحقيق غاية أو هدف، وقد تكون الخاصية الجامعة شخصا أو حزبا أو هدفا اجتمعت عليه إرادة الشعب بكافة فئاته. قد يكون نهر النيل وهو مصدر الري والنماء لواديه، هو ذاته الرابط بين فئات الشعب وموحدها، وقد يكون هو الباعث لفكرة توحيد شمال مصر وجنوبها عند الفرعون مينا موحد القطرين، وبالقطع فإن المصدر الثقافي الموحد للشعب هو المعابد وكهنتها، والتي تلقى فيها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام أول دروس المعرفة كما يقول علماء المصريات. وقد يكون كل هذا هو ما حدا بالمصري القديم للبحث في وحدانية الإله الخالق. وتلك الحالة من الوحدة للأرض والشعب هي ما مكنت يوسف عليه السلام من إدارة اقتصاد الدولة المصرية القديمة والتي اتضح من إدارته لها كما يحدد قصص القرآن الكريم أن إنتاج القمح كان يمكنه أن يحقق فائضا في سبع سنين رخاء يمكنها أن تسد حاجة الشعب في سبع سنين عجاف، ولا يغيب تحمل الشعب قدرا من التضحية بتقليل ما يستهلكون، أو "ربط الحزام" كما اصطلح على تسميته اقتصاديا في الزمن المعاصر، ويقول القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) "سورة يوسف" هكذا عرف المصريون التخطيط وإدارة الموارد ودور الشعب، ولمدة أربعة عشر عاما بكل ما يمكن أن تحتويه من متغيرات، بل وزراعة الأمل في المستقبل بالعام الخامس عشر الذي يغاث فيه الناس وتفيض محاصيلهم عن حاجاتهم المباشرة حتى أنهم يعصرون. ولم يكن هناك تجاهل للعلم، فالحب في سنبله، ومكان التخزين كما حدده العلماء في الفيوم حيث المناخ الجاف الذي يحمي الحب من التلف، لم يتجاوز العلم وأخذ بالأسباب وتعامل مع حقائق النبات والمناخ والاستهلاك حتى يحقق هدفه بعد أربعة عشر عاما، واحد من دروس إدارة الأزمات كما يطلق عليها الآن، ودرس للحكومات ماذا يعني التخطيط الحيوي للمستقبل، فهو ليس مجرد قرارات صماء ولكنه إرادة شعب وإدارة الدولة مجتمعين، وما كان لهذا التخطيط أن ينجح لولا أن الأمة موحدة وترى الحقائق كاملة. وعرفت مصر في تاريخها سعي الأمة بطوائفها لتولية محمد علي ولاية مصر في مواجهة المماليك وسلطان الخلافة العثمانية معا، كما عرفت معنى الأمة في ثورة 1919 في مواجهة الاحتلال البريطاني والقصر معا، وما كان لثورة 1952 أن تحقق ما حققته إن ظلت حبيسة الانقسامات الحزبية بثقافة ما قبل يوليو 52 وآلياتها، ولكن اتحاد الأمة كان السبيل حتى 1973 لتحقيق أهداف التحرير وتأميم القناة وبناء السد والتصنيع وفي مواجهة المخاطر الخارجية ونكسة 1967. وخلال الثمانية عشر يوما الأولى لثورة يناير تجسدت الأمة في حركة الملايين في كل ربوع مصر عندما توحد الهدف وتطور بالإصرار على إزالة النظام وتحت شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". وعلى الجانب الآخر أدركت مصر خطر الخندقة على قواتها المسلحة في فترة إعداد الجيش لمعركة التحرير بعد 1967، وكانت حرب الاستنزاف وهي في ذاتها مواجهة استمرت عامين متصلين ويزيد، مع قوات العدو في سيناء، كانت أيضا تحمل في نتائجها علاجا لمرض الخندقة الذي يصيب الجيوش وهي في الحالة الدفاعية على الخطوط الأولى، وكانت حرب الاستنزاف مثل ضخ الدماء في عروق القوات المحاربة، ومن ناحية أخرى كان لهجمات العدو في عمق الوطن أثر عكس ما استهدفه العدو، فقد أدى إلى احتشاد المجتمع خلف هدف التحرير، وكانت محرضا للإصرار على الهدف عندما أدرك الشعب أن صلف العدو وعدوانيته حقيقة تمثلت في جرائمه على الأطفال والعمال العزل وقناطر المياه والمصانع الإنتاجية، استهدف العدو الحياة فوق الأرض، فزاد من إصرار الشعب على الدفاع عنها ولم تخبُ إرادة القتال من أجل التحرير. وشهدت مصر لونا آخر من الخندقة في أعقاب اغتيال السادات عام 1981، حيث دارت المعركة بين الجماعات الإسلامية المسلحة وبين النظام بعيدا عن الشعب، وتخندق النظام مدافعا عن ذاته، كما أدارت الجماعات الإسلامية معركتها مع النظام خارج الإرادة الشعبية التي يغيب عن ثقافتها العنف المسلح. حطمت ثورة يناير كل الأسوار وردمت كافة الخنادق وجعلت ميدان المعركة مفتوحا بطول الوطن وعرضه وبإرادة كل فئاته وقواه، فانهار جدار الخوف، وصارت إرادة الشعب الأعزل عاري الصدر أقوى من الآلة الأمنية بكل ما تملك، فهزمتها وتجاوزتها، وأحاط الشعب بأجساده دبابات ومدرعات الجيش فصارت قلاعا حديدية مستأنسة لا تملك أمام الحشد الشعبي المفاجئ للكل غير أن تواكبه وتقبل بوجوده ولو إلى حين. الاستحواذ في أعقاب نظام ديكتاتوري يؤدي إلى استنساخ ذات نظام الاستبداد تحت مظلة ادعاءات أخرى تحمل شكل المطالب الثورية دون مضمونها. اتساع المهام وتنوعها، وتصحر الحالة السياسية في مصر، لا يتيح لأحد ادعاء ملكيته كل الحلول للأزمة الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغير هذا فإن تحقيق سلطة الثورة وسط مخاطر التهديدات والمتغيرات التي تحيط بالوطن من الخارج، وعمق التغييرات الداخلية المطلوبة، كان في حد ذاته يستدعي الارتقاء إلى شرف الثوار ويتطلب حالة من الوحدة الوطنية، كما هي الحالة عندما تتوحد الأمة لمواجهة خطر عدوان خارجي. هذه ليست رؤية رومانسية، ولكنها طبيعة الأمور إن توحدت الإرادة الوطنية في اتجاه أهداف الثورة وقضايا الشعب موضوعيا، متجاوزة مجرد الانحياز الذاتي إلى رؤى أحزاب أو جماعات أو فئات خاصة وأن حركة الشعب كانت متجاوزة لكل هذا، بعيدة عن وعي أي منهم، وخارج تصوراتهم للتعامل مع النظام، بل إن البعض ترك الشعب في مواجهته للنظام وراح يفاوض ذات النظام على مطالب خاصة به أدنى من إرادة التغيير ومتآمرة عليها. تميزت ثورة يناير بوضوح قاطع تجاه قضايا الوطن بنداء الاستقلال الذاتي واستعادت الدور المصري داخل الإقليم ومكانة مصر في العالم، والتحرر من التبعية للإرادة الأمريكية، أو القبول بالتدخل الإسرائيلي في القرار الوطني والسيادة الوطنية على الأرض المصرية، وفي قضايا الداخل كان نداء التنمية بكافة أبعاده الاقتصادية والثقافية والاجتماعية واضحا، كانت مصر تريد استعادة عافيتها، ووضع الاقتصاديون سؤالا مهما وحاسما على المحك للاختيارات وضرورة دراستها وعدم الاعتماد على رؤية الفرعون الإله التي أسقطتها الثورة، عن كيف تتحقق العدالة الاجتماعية مع استمرار الحديث عن اقتصاد السوق وفي عالم الصراع الاقتصادي الذي تديره القوى الاقتصادية العظمى وتبدو آثاره جلية في ساحات العالم الثالث وداخل الدول العظمى ذاتها. والمتوقع امتداده لعقدين على الأقل. وهناك بالأساس قضية الدستور الوطني لمصر الثورة الذي يتضمن كافة الاتجاهات التي يشملها العقد الاجتماعي التوافقي بين كافة قوى المجتمع ولا يتحدث في أمره عنصر سياسي مجرد بل هو حوار بين القوى وممثليها ولا تجوز الإنابة في إقرار مضمونه على الإطلاق مهما كان ادعاء المدعين. وكان التوافق يتطلب حالة من الوحدة الوطنية مهما اختلفت الأفكار والأيديولوجيات وتباينت، وكان ذلك يتطلب امتلاك القدرة على الحوار الوطني بين أطياف المجتمع ولغة واضحة للحوار ليست حمالة أوجه ولا تركن إلى شعارات دينية تصادر الحوار وتكون مدخلا للتكفير والإدانة، ليصير حوار الطرشان بديلا لحوار أبناء الوطن الذين يتشاركون المسؤولية، والمصير الواحد. ولم يكن للاستحواذ أن يتم دون كل ما سبقه منذ تلاقت رغبات وأداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع جماعة الإخوان والتيارات الدينية والذي قلب وجه الثورة من ثورة وطنية اجتماعية إلى استبدال نظام دكتاتورية مبارك بدكتاتورية دينية دون أي مبرر في الواقع، ولم تخرج القرارات الأخيرة بتغيير القيادات العسكرية عن السيناريو المرسوم مسبقا لإجهاض الثورة وتحويلها إلى حادثة طريق، ينشغل الشعب بجمع الأشلاء بعدها ويعود النظام القديم بتكوينات بديلة وبذات مضمون الاستبداد والانفراد بالسلطة. وتمادى الاستحواذ إلى الانقلاب التمهيدي السابق على الدستور يشمل الصحافة والقضاء. والخطر الذي تمثل في الاستحواذ على الصحافة المملوكة للشعب، ليس مجرد تغيير رؤساء التحرير ومنهم من عادى الثورة بالأساس، ولكن تمثل الخطر برقابة جديدة على الكتابات لتمنع مقالات تتعرض لجماعة الإخوان وأعيدت لعبة الحزب الوطني المنحل بجماعات من المحامين تتقدم ببلاغات أمام النيابة لتحقق مع رؤساء تحرير ثلاث صحف مستقلة، بينما الإشاعات تتزايد بالاتجاه إلى دفع النائب العام للاستقالة، سواء بسبب مرضه أو بإعلان تشريعي يحدد السن بما يتيح إقالته. ويتواكب مع هذا الانقلاب اتجاه في مجلس الدولة بتأجيل القضايا الخاصة بدستورية مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وهو التأجيل الذي يتيح لهم استكمال الانقلاب ووضع الدستور خارج الإرادة الشعبية وبعيدا عن التوافق الوطني، وكأن لعبة التأجيل تسهم في اغتيال إرادة الثورة، والتي ليست بالقطع إرادة جماعة الإخوان أو المجلس العسكري الذي اندمج معها في سلطة واحدة بعد التغييرات الأخيرة في قيادات الجيش، والتي تتبارى فرق الإشاعات من عناصر الإخوان على التدليل بأن ولاء القيادات العسكرية الجديدة لصالح جماعة الإخوان، وذلك على حساب الإرادة الشعبية ومطالبها، وصار تحالفهما خندقة أصابت اندماجهما في مواجهة الإرادة الشعبية. ويتربص الانقلاب التمهيدي بمؤسسة القضاء، وفي ذات الوقت تتزايد الريبة فيما يستهدفه تيار استقلال القضاء ومواقفه الحالية تتماهى مع مواقف الجماعة، خاصة تجاه المحكمة الدستورية العليا والتي تمثل العائق الرئيس أمام استكمال استحواذ الإخوان على السلطة المطلقة خاصة بعد موقفها برفض قرار الرئيس المنتخب بعودة مجلس الشعب للانعقاد رغم حكم المحكمة بعدم دستوريته، ولا يتورع عناصر الإخوان ووزير العدل الجديد والذي كان واحدا من أعمدة تيار الاستقلال، على مهاجمة المحكمة الدستورية وعناصرها خاصة المستشارة تهاني الجبالي التي كانت لها مواجهات من قبل مع الرئيس المنتخب عندما كان رئيسا لحزب الحرية والعدالة في اجتماع مشترك مع المجلس العسكري. ناهيك عن دستور تجري صياغاته الانقلابية ضد قوى المجتمع الإنتاجية دون وضع بدائل تضمن لهذه القوى حقها في الحياة على أرض وطنها، وبعد أن اغتالها النظام السابق بهدم اتحادات الفلاحين وجمعياتهم الزراعية وانقلابه على قانون الإصلاح الزراعي، فضلا عن تسريح العمال من المصانع تحت عنوان المعاش المبكر وأصبح الشارع المصري مليء بالعاطلين والمحالين للمعاش المبكر الذين أهدرت طاقاتهم الإنتاجية خلال برنامج الخصخصة، يجري الآن وبنصوص دستورية يضعها من لا ينتمون إليهم وبدون وجود ممثلين حقيقيين لهم تنحيتهم عن سلطة التشريع في وطن يمثلون فيه القوة الرئيسة للإنتاج، اغتيال جديد لنتائج تحققت للمواطنين في قاع المجتمع بادعاء الديمقراطية ورفض المحاصة في التمثيل النيابي بينما هم يسعون لتمثيل الأحزاب بغير قدر وجودهم في المجتمع. إن جملة ما يجري يفتح الباب على مصراعيه لنقيض الوحدة الوطنية التي يحتاجها الوطن في هذه اللحظة، ووقائع ما يجري فوق أرض سيناء تمثل قمة التردي للتحالف الذي استحوذ على مقدرات الأمور في القاهرة، بخطاب سياسي باهت، لغو قول بعباءة الدين، ومواجهة دامية بين الجيش وجماعات تحاول إعلان سيناء إمارة إسلامية، بينما سيناء هدف لمخططات صهيونية وفق مشاريع تبادل الأراضي. فتنة جديدة قد تتطور إلى مواجهات دامية، بين دعوة يوم 24 أغسطس ضد جماعة الإخوان وشرعية وجودها، وفتوى من شيخ بإهدار دم كل من يخرج يومها، ووعيد أمني يذكرنا بالعادلي، وتربص باحتجاجات المواطنين. الاحتقان يتزايد دون متنفس يحول بين تزايد الضغط إلى حد الانفجار، وتمادي في لغة الاستحواذ وممارساته، وليس من حل غير تعديل ميزان القوى داخل المجتمع، ولعل هذا يكون محل حديث قادم.
690
| 21 أغسطس 2012
ثرثرة على النيل عنوان لواحدة من روايات نجيب محفوظ، ويكاد هذا العنوان أن يكون وصفا لحال الساسة والسياسة في مصر، فالكلام إلى حد الثرثرة هو ما يملأ الفضاء من حولنا. وأولاد حارتنا هي أيضاً من أشهر قصص نجيب محفوظ وأكثرها إثارة للجدل، وهي محاولة لتجسيد العملية الإيمانية في شكل روائي، قد يقبل بهذا الشكل البعض أو لا يقبل به، ولكن أجمع الجميع أن من حق الكاتب أن يبدع في بحثه الفلسفي عن الإيمان وهو ما تنتهي به الرواية أيضا. والحارة في مصر لها طبائعها الخاصة، والبيوت في الحارة تطبق على عابري السبيل من ضيق عرض الحارة، وأبواب البيوت في الحارة تكاد ألا تغلق وليس فيها أسرار، وتمتد العلاقات والسلوكيات بين شهامة أولاد البلد وبين سلوكيات الكيد بين النسوة، اللاتي يحلن أرض الحارة صباح أيام الجمعة إلى بركة مياه بالتنافس فيما بينهن على إلقاء مياه الاستحمام إلى عرض الطريق، في محاولة للإعلان عن "استحمام العافية" بين الأحباب داخل هذه البيوت، الأمر الذي لا يحول دون أن ينتهي التحاب هذا إلى اشتباك داخل البيت الواحد في نفس اليوم، هكذا حال الإعلانات السياسية في مصر كما حالة مياه حمام العافية، تلقي إلى الحارة معلنة أن داخل البيت وفاق في أعلى درجات الانسجام والتحاب والمعاشرة. وبين حمامات العافية والثرثرة يجري تشكيل المشهد في مصر، وإعادة ترتيب الأوضاع بين الأطراف التي تحددت إلى الآن وبشكل حصري في جماعة الإخوان والمجلس العسكري، بينما خفت حضور الشعب أو حتى النخب التي تملأ الفضاء بثرثرة صاخبة صارت أقرب إلى الكومبارس منهم إلى الشركاء في اللعبة، وانزوت الثورة وتصدر المشهد صراع السلطة، وكررت الألسن في وصف مجموعة القرارات الأخيرة للرئيس المنتخب، تعبير الانقلاب العسكري الناعم لإعادة توفيق الأوضاع، أو الانقلاب المدني ضد المجلس العسكري لإطلاق تمكين الرئيس المنتخب من السلطة. ومما يزيد الأمر التباسا أن ما يطلق عليه الشرعية الدستورية لرئيس منتخب في حال الصراع على السلطة لا تمثل قوة مادية في الواقع إلا إذا استقطبت من داخل الجيش ذاته بعض الأطراف فيه، أو هي وصلت إلى توافق إرادي بتسوية ما بين الأطراف توصلت إليها لتحول دون صدام محتمل الحدوث. هكذا معادلة القوة، ليس للنصوص فوق الورق قيمة دون أن يعبر عنها وجود مادي في الواقع. وهذا ما استدعى الاحتمال الثاني بأنه انقلاب عسكري صامت أعيد فيه توفيق الأوضاع بما يكفل للمؤسسة العسكرية البقاء كرقم فاعل في معادلة السلطة. ولم يتوقف الأمر عند حد إقالة ــ وهذا هو التعبير الرسمي ــ طنطاوي وعنان رغم منحهما أعلى وسام في مصر، ولكن جرى تجاوز الأمر إلى إلغاء الإعلان الدستوري المكمل والذي كان يمنح حصانة كاملة لأعضاء المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، ويتضمن موقفا من التشريع ومراقبة الميزانية وإعلان الحرب. تتابع المشهد منذ الهجوم على إحدى النقاط العسكرية في رفح واستشهاد 16 ضابطا وجنديا يبدو في نتائجه معاكسا لمعادلة القوة وأيضا الإعلام الصاخب الذي رافق الحدث. فقد تم إقالة قائد الشرطة العسكرية، وقائد الحرس الجمهوري، ومدير الأمن المركزي، على خلفية عدم تأمين حضور الرئيس المنتخب لجنازة الشهداء. وتم إقالة مدير المخابرات العامة على خلفية تصريحات له حول الحادث سواء من ناحية توافر المعلومات وعدم التعامل معها، أو من ناحية حسن النية المفرط بأنه لم يكن يتوقع أن يقتل المسلم أخاه المسلم ساعة الإفطار! ولعل هذا الرجل كانت تطارده لعنة أهل سيناء عندما تحدث عنهم وسبهم واتهمهم بالعمالة وأن إسرائيل تضربهم بالأحذية، أثناء تولية منصب محافظ شمال، ورغم هذا أتى به الرئيس السابق ليخلف عمر سليمان في قمة أهم جهاز سيادي في مصر. ثم كانت الجولات التي أنهك فيها الرئيس المنتخب المشير ورئيس الأركان. وأخيرا القرارات التي صدرت بالإقالة وتعيين مدير المخابرات الحربية وزيرا للدفاع. وفي ذات الوقت كانت هناك القرارات الصادرة عن مجلس الشورى بتعيين رؤساء تحرير الإصدارات القومية، والتي واجهة موجة احتجاج واستقالات من لجنة القرار بالمجلس. ثم موجة من المصادرة لإعلام اتهم بالتحريض على قتل الرئيس المنتخب، أو سبه والتعريض به، وأغلقت قناة فضائية تنتمي بالأساس إلى بقايا النظام السابق، وتم تقديم مذيع ورئيس تحرير صحيفة إلى النيابة بتلك التهم. بناء ينهار في تتابع سريع وكأن هناك من قرر أن ينتحر بالسم، أو هي جملة تراكمات ما بدأته لجنة البشري والتي صنعها المجلس العسكري وحالة التخبط التشريعي التي ترتبت على استفتاء مارس 2011، وقد تحولت إلى انفجار مدمر للمجلس العسكري. وإن لم يتحول في مجمله إلى شظايا، ولكن جرى التفكيك والإحلال داخل مؤسسات محورية للدولة ومن داخل المجلس ذاته وزير للدفاع كان يتولي مسؤولية المخابرات الحربية، وهي تشارك كافة الأجهزة مسؤولية القصور في المعلومات عن الهجمات التي جرت في سيناء. صمتت جماعة الإخوان على عمليات القتل والسحل والمحاكم العسكرية التي تعرض لها شباب المتظاهرين، واليوم ينهي المجلس العسكري مهمته بتسليم كل أوراق السلطة إلى الرئيس المنتخب وبالتبعية إلى جماعة الإخوان دون أن يكون هناك دستور أو حتى جمعية تأسيسية متوافق عليها، فصار الأمر سلطة مطلقة بلا قيد، وهي سلطة بالأساس تفتقد خطابا سياسيا يعبر مضمونه عن احتياج الشعب وفق رؤية واضحة ومعلنة. يبدو التحول حالة اندماج بين طرفين أدارا الفترة الانتقالية معا، الإخوان والمجلس العسكري، وليس هناك أي شاهد على غير ذلك على الإطلاق. والغريب أن من بقي من المجلس العسكري هم من تولوا الحوار السياسي لتسكين كل الأطراف وتفريغ الثورة من محتواها، وليتولى اللواء عبدالفتاح السيسي منصب وزير الدفاع وهو من تولى الحوار مع ائتلافات الثورة ونجح في تفكيكها وتحويل أغلبها إلى جماعات مصالح، ولكل ثمن. وكشفت الوقائع حالة الاهتراء التي وصلت إليها باقي التجمعات السياسية، ويبدو أن التباسا شديدا أصاب رؤيتها لحقيقة ما يجري. وكأن الأمر يعود إلى نقطة البداية، ولكن مع تعاظم في المخاطر، التي تتجاوز أعمال عنف داخلي إلى عمليات إرهابية تحت ستار ديني، لتتوافق أطراف تحمل سلاح تحت عباءة الدين تعلن سيناء إمارة محررة، مع طموحات وخطط إسرائيلية للتخلص من الكتلة البشرية الفلسطينية الضاغطة على إسرائيل بتنفيس الضغط في اتجاه سيناء، وفق مخطط تبادل الأراضي المقترح والذي نشرناه بالشرق في فبراير 2008 أي منذ أربعة أعوام. ومن سخريات القدر أن يتواكب خطابان أحدهما للمرشد السابق لجماعة الإخوان، مهدي عاكف والآخر للدكتور محمد البرادعي، والفارق بينهما فارق جذري، فمهدي عاكف يقول إن الإخوان لم يأتوا ببرنامج وطني ولكنهم جاءوا ببرنامج إسلامي، ويتحدث عن ضرورة السيطرة على مفاصل الدولة، ويبدو أن لديه حالة عشق مع الملح، والتي تعني "طز" بالتركي، وكما تهكم على الوطن من قبل عاد يتهكم على كل المحتوى الشعبي والسياسي المصري بكلمة "طز". ولكن البرادعي يدعو إلى حوار وطني ولجنة تأسيسية جديدة لوضع الدستور، واحد يدعو إلى تفكيك الوطن لصالح جماعته، والآخر يدعو إلى لحمة وطنية تسبق الشبق الإخواني إلى إقرار دستور يجري إعداده في الظلام. هل يمكن للرئيس المنتخب أن يسمع لغير جماعته؟ إلى من سيسمع، إلى البرادعي أم مهدي عاكف؟ خاصة وأنه حتى اللحظة لم يسمع لنداء الإفراج عن المحكومين بالقضاء العسكري. قد تكون التغييرات في القيادات حان وقتها، ولكن ماذا عن إلغاء رئيس الجمهورية المنتخب للإعلان الدستوري المكمل؟ هل هذا من حقه؟ أم أنه تجاوز من رئيس على دستور؟ سؤال قد يكون هو مضمون القادم من مواجهة؟ ظل البعض يعتمد على توازن ناشئ من اختلاف بين الإخوان والمجلس العسكري، والآن جرى إعلان كامل بالتوافق بينهما، ويبقى سؤال جوهري، هل هذا التوافق لصالح مصر؟ وهل هذا التوافق لحساب أمنها القومي؟ وهل الترتيبات الأخيرة هي النهائية أم أن هناك جديدا قد يرد بشأن مؤسسات أخرى في الدولة، تهدف إلى إسقاط الدولة، لصالح رؤية جماعة الإخوان. ما مدى نجاح نداءات الحشد والحشد المضاد في الأسبوع الأخير من أغسطس؟ وما مدى التزام كافة الأطراف بسلمية التظاهر خاصة وأن هناك بعض الوقائع التي جرت خلال الأيام الماضية تعلن عن عنف جديد ليس مصدره البلطجية ولكن المصدر الإخوان والألتراس، وهو أمر حتى اللحظة مازال إنذارا بالخطر المحتمل، ويجب الانتباه ألا يتحول إلى خطر حال لأنه سيفتح أبوابا لا نملك ترف الدخول عبرها إلى حرب أهلية في لحظات يتراكم فيها الخطر الخارجي إلى حد الانفجار. كل ما يجري يستدعي وجوب التئام لعناصر الثورة مع القوى الاجتماعية في المجتمع، وبدون هذا فإن رحلة الثورة من أجل "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" ستطول أكثر مما نتوقع أو يحتمل الشعب.
581
| 14 أغسطس 2012
الحالة السياسية في اللحظة الراهنة أقرب إلى حالة اختلاط الأنساب، الأصلاب متعددة أو مجهولة والأرحام تلفظ الأجنة مبتسرة غير مكتملة النمو، ويبدو الوطن غائبا عنه الأمن والمستقبل والثورة. لم أكد أبدأ كتابة المقال حتى تواترت الأنباء حول هجوم من ملثمين على نقطة أمن على معبر رفح، مع توقيت الإفطار، واستشهاد 16 جنديا مصريا على الحدود مع إسرائيل وقطاع غزة، وهروب المهاجمين باتجاه رئيسي إلى قطاع غزة، بينما تولت القوات الإسرائيلية التعرض للهاربين ودمرت إحدى المدرعات التي استولى عليها المهاجمون. تحولت الثورة المصرية إلى حالة من التفكك السياسي، وصارت النتائج التي ترتبت على الثورة تتوقف عند مجرد الكشف عن عوار الحالة السياسية، وخروج طرفين داخل المجتمع يتربصان ببعضهما، الأول يسعى داخليا لهدم الدولة، والآخر يدعو إلى حرق مقار جماعة الإخوان ومقار حزب الحرية والعدالة. الخطر يتجاوز الداخل إلى المحيط العربي حيث لا يمكن الفصل بين ما يجري في الداخل عن الآثار المترتبة على الأحداث في تونس أو ليبيا في الغرب والسودان واليمن في الجنوب وسوريا في الشمال الشرقي، فهذا كله وامتدادات العمق فيه هو نطاق الأمن القومي المصري. التحول داخل مصر انتقل وبإصرار من تيارات الإسلام السياسي، والتي وجدت الساحة خالية لها في أعقاب وقائع الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، ووجدت من المجلس الأعلى للقوات المسلحة أبوابا مفتوحة، في تناقض مريب لخبرة التعامل السابق معها، ولتاريخها، ولكن هذا ما جرى. وأطلقت هذه التيارات شعارات التحول إلى الدولة الدينية واستخدمت كل الفرص المتاحة أمامها لتطويع الظروف التالية للثورة لتحقيق الوجود لذاتها وإحالة الثورة إلى متوالية الاستيلاء على السلطة، لتتصاعد بالمواجهة إلى الاستيلاء على الدولة ومقوماتها، أو هدم هذه الدولة إن تطلب الأمر غير عابئة بما يمكن أن يترتب على ذلك. الأمر الأول أن هذه التيارات لم تطرح تصورا سياسيا، ولكنها اتخذت من الخطاب المستتر بالشعارات الدينية بديلا عن الخطاب السياسي. والأمر الثاني أنها استخدمت توافقا بينها وبين المجلس العسكري، لحصار الثورة وضربها، حتى تتمكن من الساحة منفردة، وبعد أن لاح التمكن عبر مسيرة الاستفتاء ثم الانتخابات النيابية، انقلبت على المجلس العسكري ذاته، وصارت هي مصدر المطالبة بإسقاط حكم العسكر بعد أن كانت تدينه حين كان يصدر من غيرها فترة التوافق بينهما. ومكن لهذه التيارات والإخوان في الصدارة منها، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ارتكب خطأ عدم استيعاب مطالب الجماهير في الثورة، وتوقف في رؤيته عند حدود التخلص من أمر التوريث، ولم يكتشف، أو هو كان يقصد!، أن المسار الذي يسلكه يفتح باب الاستحواذ أمام من لا حق لهم في نتائج الثورة فضلا عن كونهم كانوا خارجها. ولم يتوقف عند هذا المدى بل وضع نفسه في مواجهة بالسلاح مع حركة الشباب والعناصر التي ظلت تطالب باستكمال مطالب الثورة بما فيها تسليم السلطة، فصار الخندق الذي يهدر الثورة يضم كلا من التيارات الدينية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، في مفارقة يدفع فيها الوطن الثمن الآن عند اختلافهما، وصار الاختيار بين الطرفين مصدرا للحيرة وكأن التساوي بينهما أمر يقبله المنطق. ولم تكن الحالة الذاتية لباقي الأطراف مهيأة لمواكبة الوقائع التي تجري على الأرض، وصارت المواقف ردود أفعال تتخبط ولا تستطيع أن تقيم توازنا مع أي من الطرفين، الإخوان والمجلس العسكري. الخطر تجاوز إهدار الثورة ومطالبها، أو الاستحواذ على السلطة، أو حتى اختطاف الجمعية الوطنية للدستور والعبث بكل معاني يتطلبها التوافق الوطني، ووجدت التيارات الدينية أنصارا من خارجها، يلوكون الكلمات دون الانتباه إلى حالة التدحرج بالدولة والوطن إلى هاوية الاقتتال الداخلي. تجاوز ذلك كله إلى تهديد الوجود ذاته. وفتحت وقائع الهجوم على معبر رفح ومقتل 16 جنديا بابا جديدا للفتنة، فالبعض استخدمه ذريعة للدعوة لحصار مقر الرئاسة، واتفق في هذا بعض من بقايا النظام السابق (الفلول) وبعض من عناصر تنتمي لتيارات مدنية، وجدت في الحادثة مبررا لتقديم موعد نداء سابق لحصار مقار الإخوان يوم 24 أغسطس. بينما اتجه البعض الآخر إلى إدانة أداء المجلس العسكري والأجهزة الأمنية، والبعض الثالث ربط بين الهجوم وبين نمو سيطرة التيارات الدينية على السلطة وإطلاق يدها في الداخل وطبيعة العلاقة بين حكومة حماس والإخوان في مصر، ليتجاوز الأمر الفتنة بين مكونات المجتمع إلى تهديد الأمن القومي. الأمن القومي ليس مجال صراع سياسي أو حزبي، الأمن القومي يرقى إلى مستوى العقيدة الوطنية، وعندما تختلط الأنساب لمن يتولون أمر القرار السياسي، أو قرار الدفاع عن الوطن، ويتصاعد الصراع الداخلي حتى تحجب أدخنته الرؤية وتمييز المواقف، هنا يكون الخطر قد تجاوز مجرد التهديد، إلى تحقيق ناتج انهيار الرؤية، وانهيار نظرية الأمن. إن الخطر يتمثل فيما يلي وبوضوح يستدعي المكاشفة: أولا: أن خللا أساسيا أصاب مفهوم الأمن القومي بذلك الخطاب الذي تستخدمه تيارات الإسلام السياسي، والخلط المتعمد بين مفهوم الاستقلال الوطني وبين مفهوم مضغم للخلافة الإسلامية، وانحسار تحديد العدو الصهيوني كمصدر رئيسي للخطر الخارجي، والاكتفاء بمجرد فتح المعابر والتعامل القشري مع قضية الصراع العربي الصهيوني، وحصره في مجرد إجراءات رفع الحصار عن قطاع غزة وبخطاب سياسي أدى إلى ردود فعل شعبية معاكسة للموقف الوطني المصري من قضية الصراع العربي الصهيوني. وزاد من الأمر انعدام الثقة في جماعة الإخوان واحتمالات مواقفها في هذا الصدد، حتى أن حديث إسماعيل هنية عن مخططات الأراضي البديلة كان مثارا للرفض أكثر من القبول، وترددت مقولة تتساءل عمن هو حتى يقبل أو يرفض شأنا يمس الأمن المصري والتراب المصري؟ وهي لغة جديدة على الواقع الوطني المصري، ولكنها نتيجة ذلك الاندفاع المهووس من الإخوان تجاه حديث عن غزة وكـأنها هي القضية الأولى للثورة المصرية. ثانيا: أن خللا أصاب العلاقة بين جماعة الإخوان ومكونات الدولة المصرية، وتمثل ذلك في الموقف من الجيش والقضاء والأزهر والصحافة، بل إن حديثا من أحد العناصر القريبة من مركز اتخاذ القرار اتجه إلى تأكيد جملة الإشاعات التي قالت إن الفريق شفيق هو الفائز وإن وحدات عسكرية اتخذت أوضاع التأمين له ولمنزله وفق مقتضيات هذا الموقف، غير أن تهديدا بأن ذكر اسم شفيق في إعلان النتيجة في الاستفتاء على منصب الرئيس سيكون كلمة السر لانطلاق عمليات اغتيال سياسي لأعضاء مجلس الشعب الأسبق، وبمعنى آخر المساس بالعصبيات العائلية والقبلية، وبقتل عناصر من الثورة، وبحرق للكنائس، والهجوم على ماسبيرو واحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون وخامسا بدء عمليات عسكرية في سيناء وضد إسرائيل مما يفتح الباب أمام مواجهات عسكرية، وأن هذا التهديد وجد من يقبل به، وهو أمر إن صح، فإن الخطر تجاوز الصراع السياسي إلى لغة الصراع المسلح، وأن الوطن لم يملك القدرة على مواجهة ذلك سوى بالتزوير؟!، فهل وصلت مصر الدولة إلى هذا الحد؟ وهل مثل هذه الأقوال أو الإشاعات لا تستوجب ردا عليها ومكاشفة للشعب؟ ولمصلحة من يجري إهدار المؤسسة العسكرية إلى هذا الحد؟ وليس خافيا الموقف من القضاء، حتى أن الرجل الذي كان محسوبا يوما على تيار استقلال القضاء، والذي انحاز في مواجهة ضد المحكمة الدستورية، صار وزيرا للعدل، وفي الوقت ذاته يضرب مجلس الشورى عرض الحائط بكل الملاحظات حول موقفه من الصحافة المصرية. ثالثا: أن الرئيس المنتخب لم يعط أي اعتبار لنداءات تحرير المحكوم عليهم من عناصر الثورة بواسطة القضاء العسكري بينما اتخذ قرارا بالعفو عن عناصر تنتمي للتيارات الدينية. وهو أمر زاد من الإحساس بأن الرجل ينتمي بالأساس إلى جماعة دينية، أكثر من كونه رئيسا للمصريين، حتى أن مصادر كثيرة تحدثت عن أن القرارات تصدر من مكتب الإرشاد وليس من الرئاسة. رابعا: أن الموقف من المؤسسة العسكرية المصرية وهي القلب الصلب للدولة يزداد تطرفا وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انشقاق في الدولة يتجاوز القدرة على التحمل، حتى أن الوعي بدور الجيش في الدولة يجري إهداره تحت عنوان رفض حكم العسكر، ويرفع تنظيم الإخوان كما باقي القوى السياسية، أن حكم العسكر يمتد 60 عاما، وهو أمر له أثره الجوهري حول مفهوم الأمن القومي ومعنى المواجهة مع إسرائيل وبالأساس له أثره على العقيدة القتالية للجيش المصري. وبلغ الأمر حد تفسير سريع في أعقاب هجوم رفح أن الغرض الرئيسي منه هو التخلص من قيادة الجيش الحالية، كما كان أمر اختراق الطائرة الشراعية للميدان الأحمر في موسكو زمن جورباتشوف مدخلا لإقالة قائد الدفاع الجوي بالجيش السوفييتي وبداية الانهيار للإمبراطورية السوفييتية. خامسا: أن الاتصالات السرية مع أمريكا وغيرها تمثل عنصر اتهام مستمر لغياب المكاشفة عن مضمونها، حتى صارت اتهامات التبعية والخنوع التي فجرت الثورة ضد النظام السابق صارت ذاتها اتهامات موجهة للإخوان بأنها تستمد شرعيتها من القبول الأمريكي بها. سادسا: عدم إدراك حقيقة ما يجري فوق الأرض السورية والتعامل الخبري معه دون إدراك أن سوريا هي البوابة الشرقية لمصر، وأن المستهدف يتجاوز إنهاء نظام مستبد، إلى إنهاء الدولة السورية ذاتها. ذلك كله يؤكد أن الحديث عن قوى الثورة وقوى مضادة للثورة صار حديثا خارج السياق، أن الخطر لا يحيق بالثورة وأهدافها بل الخطر يحيق بالوجود الوطني ذاته. إن الشعوب العربية في ثورتها ضد استبداد النظم الحاكمة، كشفت عن افتقاد الرؤية الوطنية البديلة والتي جرى انتهاكها طوال أربعين عاما مضت، وأن العناصر التي خرجت ضد الاستبداد والظلم الاجتماعي، فتحت الباب على مصراعيه أمام مخططات كانت جاهزة للتفتيت والتقسيم الطائفي والاجتماعي والجغرافي، وأنها وهي تسعى للمستقبل وقعت فريسة قوى الماضي التي لا تدرك غير كرسي الحكم هدفا لها، دون وعي بالحقائق الوطنية والقومية للوجود العربي، الأرض والإنسان فوق هذه الأرض. عندما تكون القضية الثورة يكون الفرز الاجتماعي هو محور الصراع، وعندما تكون القضية هي الوجود ذاته، تكون الوحدة الوطنية مبرر البقاء، ولكن الأمة العربية ومصر فرضا عليها أن تخوض قضية الوجود وبالقوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الأساسية للثورة، وهو أمر شديد الجدية بما لا يفتح أبواب التأويل، الأمة تعبر أحرج اللحظات في تاريخها، وهي قادرة على العبور كلما زاد اليقين واللحمة بين القوى صاحبة الحق في التغيير والساعية إليه.
595
| 07 أغسطس 2012
انتماء مصر العربي والإسلامي والإفريقي ليس مجرد لغو قول، فهي الدوائر الحيوية لعلاقاتها، ولكن ما هي مصر التي نعنيها؟ وهل هذا الانتماء مجرد مشاركة وجدانية، أم أنه مصالح تتلاقى، فالعلاقات الدولية ليست عواطف، ولكنها مصالح، تتوافق أو تتعارض، فيتحدد طبيعة الانتماء وطبيعة منهج التعامل مع تلك الدوائر. وبمعني آخر هل هو انتماء وفق رؤية لمصر تنحاز إليها في عالم متغير، أم هو مجرد شعار أجوف قد تنجرف به مصر لغير مصالحها ومصالح شعبها ومستقبله؟ ضجيج بورصة الأقوال والشعارات في مصر بعد الثورة، أودى بطاقة الثورة حتى اللحظة بعيدا عن أهدافها، وخارج المسار الحقيقي والموضوعي لها، واستبدل الصراع من مواجهة نظام فاسد ومستبد لا يملك رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية لصالح الشعب وفئاته التي تعاني الفقر والجوع والمرض بل والجهل المستهدف بتفريغ منظومة التعليم في مصر من محتواها، إلى صراع مصطنع خارج عن حاجة المجتمع حول سلطة الحكم. استطابت القوى السياسية فكرة الاستنساخ، وتتحدث عن التجربة التركية والإندونيسية والبرازيلية، وأردوغان ومهاتير محمد ورولا دي سيلفا. وفي الوقت ذاته لا تتحدث عن الواقع المصري ومكوناته وهويته، بل تحاول استبدال الهوية وهدم الدولة وإقامة واقع لا يدرك التاريخ ولا يضع في اعتباره الجغرافيا وما تفرضه من مصالح، ومدى تعارض المصالح المصرية أو توافقها مع غيرنا في عالمنا المعاصر، بل إنها تستدعي الشرعية الأمريكية مبررا للوجود المصري، وكأن وجود مصر مرتبط بالرضا الإسرائيلي. انحراف بالسياسية بعيدا عن إدراك للخطر، وحصار للوطن وترتيب عاجز عن إدراك الأولويات الوطنية، فالثورة قالت إن الشعب أولا، ونادت بتحرير الإرادة وبالاستقلال الوطني، لأنه عند تحقق ذلك، وعنده فقط، نستطيع أن نحدد موقفا من أمريكا أو السعودية أو إثيوبيا، الأمر يتجاوز مدى طائرة الرئاسة إلى مدى المصالح ونطاق الأمن الذي نراه، ونطاق النفوذ الذي نريد، ومركز كل ذلك هو وطن وشعب، ورؤية للمستقبل، والتنمية والعدالة الاجتماعية، وهو تجاوز للتصحر السياسي في المجتمع بدلا من استخدام الفقر سبيلا للسلطة. الاستنساخ في العلوم البيولوجية مر بمرحلتين، روائية بداية القرن 19 حول فرانكشتاين، والثانية نهاية القرن العشرين باستنساخ النعجة دوللي. فرانكشتاين صنع جسده من أجزاء آدمية ميتة، وعجزت الطاقة الكهربية المتاحة عندها عن إحيائه، ولكن صاعقة كهربية في ليلة ممطرة مرت بالجسد الميت، حركته وتحول فرانكشتاين إلى وحش قاتل. والنعجة دوللي محاولة بعد قرنين من الزمان لاستخدام الطاقة أيضا وأشعة الليزر لتقسيم نواة حيوان منوي وإنتاج الشبيه أو الاستنساخ بذات الصفات الوراثية. المصدر المشترك واحد وهو الطاقة الفائقة، إن مرت بجسد ميت أنتجت وحشا خارجا عن النواميس الطبيعية، وإن مرت بنواة حيوان منوي أنتجت الشبيه. ولكن ما تفوق على عملية الاستنساخ سواء في أدب الرعب أو في استنساخ النعجة دوللي، هو اكتشاف حبل الجينوم في الخلايا البشرية، فهو مخزن المواصفات البشرية وتكوينها، والفارق هو في حيود طاقة الجزيئات عن الطاقة الواجبة لتحقيق مواصفات الأداء والصحة، وجاءت كاميرا الليزر والفيمتو ثانية لتتيح للإنسان أن يصور الجزيئات ويحدد مدى ما أصابها من حيود، وكان التطور بعيدا عن الاستنساخ، هو الوصول الأولي لحقيقة حبل المواصفات البشرية "الجينوم". المجتمع الإنساني له علومه الخاصة التي لا تقبل الاستنساخ، ولكنها تقبل بدراسة حبل الجينوم الاجتماعي المكون للمجتمع ذاته، أين فقد طاقة الوجود والتحقق، وأين تم حصاره وإهداره، وأين يكمن فيه الفساد، وأين يجب أن تعمل الطاقة الفائقة؟ والتي هي في العلوم الإنسانية الثورة، فالثورة علم تغيير المجتمع. المجتمع الإنساني يفرض على المفكرين المبدعين، وليس تنابلة النخبة الذين يستدعون تنابلة السلطان، الاستفادة من التجارب الإنسانية، وأيا كانت القوانين التي يحاول علماء الاجتماع تفسير حركة المجتمعات، لكن لكل مجتمع سماته الخاصة في تكوين قواه الاجتماعية والإنتاجية، وهويته الثقافية، وتاريخه، وصراع المصالح الخارجية التي تسعى للسيطرة على إرادته. وهناك أيضا الصراع الداخلي، والصراع الداخلي في المجتمعات التي يحاولون استنساخها كان ضد الفساد والظلم الاجتماعي والتخلف، فإن محاولات الاستنساخ لا ترى الوطنية المصرية أصل الصراع ولكنها تراه الأممية الإسلامية، وكأن الشعب المصري قام بإنتاج شبح جديد لفرانكشتاين، وكأن طاقة الثورة الشعبية يجري إهدارها تحت دعاوى لا تحمل المصلحة الوطنية بالأساس ولكنها تهرب إلى جسد جرى تجميعه من قطع ميتة. الخطر الحقيقي هو كسل الإبداع لدى المفكرين والمثقفين وما بقي من نخبة، ويضاعف الخطر اغتراب لغة الحديث عن المجتمع، واغتراب النخبة عن تاريخ هذا المجتمع وحاجاته وتجاربه وأمثلة القدوة فيه. أمر السلطان عبدالحميد بإغراق تنابلة السلطان ليقضي على التواكل والكسل، ولكن الكسل الذي أصاب إبداع النخبة في مصر يهددها بالغرق السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إن الحوار حول العسكرية المصرية والقضاء والصحافة والأزهر، والحوار حول الدستور ومضمونه، وأداة صياغته، يؤكد أن الفارق بين قضية التحرر الوطني والاجتماعي في مصر وبين الحوار الدائر، فارق أخدودي لا تلاقي فيه. انقضوا على طاقة الثورة دون إبداع أو استيعاب لأهدافها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، فكانوا كمن استدعى شبح فرانكشتاين، ونسوا أن فرانكشتاين قتل من حاول صناعته، واستطابوا ترف شاشات الفضائيات فاستدعوا تجربة إغراق تنابلة السلطان في البحر حتى لا يغرق الوطن في الوحل. الإرادة الوطنية تفرض التغيير ولا تستدعي الاستنساخ، وهي تفرض الحوار ولا تستدعي الجدل الأصم وحوار الطرشان، وهي تفرض إدراك مفهوم الأمن القومي ومفهوم الدولة، ولا تهرب إلى استخدام الحناجر أو الخناجر. لن يقيم الحرية السياسية والعدل الاجتماعي في مصر غير أصحاب المصلحة الحقيقية في تحقيقهما. ويحتاج المجتمع إلى إبداع مفكريه ولا يحتاج إلى لغو القول الدائر حول قضاياه. الخطر المحيط بمصر من خارجها، يتزايد. والخطر في الداخل يكمن في استدعاء شبح فرانكشتاين، ولا سبيل للعودة إلى طريق الثورة ومنهجها بغير إدراك أنها لم تكن انقلابا على نظام حكم، ولكنها تحرير للإرادة الوطنية لإعادة بناء المجتمع، وسبيل العودة لطريق الثورة ومنهاجها هو البناء التنظيمي الجامع لأصحاب المصلحة في تحقيق أهدافها، وبدونه فإن القادم سيبقى صراع حناجر وخناجر لم يكن غاية ثورة الشعب المصري.
501
| 28 يوليو 2012
حالة من التشاحن داخل مصر حول ثورة 23 يوليو 1952، وكأن ثورة 23 يوليو كانت يوما وليست هي ستين عاما منذ ذلك اليوم. الجدل حول توصيف اليوم، ومن هو القائد؟ أو التغني بإنجاز كان، أو لم يتحقق، هو هروب من واجب الإدراك والتعلم والمسؤولية. الذين يهاجمون، يمارسون ذات الأداء الذي استمر طوال الستين عاما الماضية، حرب نفسية القصد الرئيسي فيها ألا تتحرر مصر من التبعية وألا تملك إرادتها. وأن كل ما مضى كان كابوس ليل بهيم، وأنه أكاذيب وتاريخ للتعذيب وإعدام للديمقراطية، ولأنهم وحدهم يملكون الحقيقة، فعبد الناصر ليس هو قائد تنظيم الضباط الأحرار، وليسوا هم من جاءوا باللواء محمد نجيب، ولكن العكس، نجيب هو الثورة، وعبد الناصر هو من انقلب عليه، وهكذا يستمر الهجوم من البدايات عن تعمد جاهل بالتاريخ ووقائعه، ويقلبون الحقائق، ثم الاعتماد على مجرد الكلام لنقد ونقض وقائع جرت فوق الأرض لا يستطيع الكلام أن ينفيها من الوجود أو التاريخ أو يلغي ما ترتب عليها من آثار مجتمعية. 23 يوليو ليست يوما انقضى، ولكنها حركة مجتمع على مدى ستين عاما، وسط عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية لينتهي إلى عالم العولمة، وحصار المنطقة واختراقها والسيطرة على مقدراتها. وهذا ما يجب على المدافعين عن ثورة يوليو إدراكه، فهم أحد احتمالين، إما أنهم يدافعون عما كان، وهم بذلك يحاولون تبرير وجودهم وعجزهم الآني بادعاء الانتماء لما جرى إنجازه بحركة مجتمع كامل، دفع فيها من العرق والدم والصبر ما يتجاوز قدرة الأفراد وبعقيدة وطنية جسدتها إرادة الفعل بنجاحاته وإخفاقاته، ومع ذلك وجد المجتمع ذاته تتحقق. والخيار الثاني، امتلاك روح الثورة، وعلى منهاج الاستقلال الوطني والتحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وباتجاه الأمة العربية، رغم الرياح التي عصفت بهذه المفاهيم والمعاني، من الداخل قبل الخارج، ومن الأنظمة التي أعلنت ذات الشعارات والمعاني وهي في الحقيقة كانت تبحث عن وراثة دور، والثورات ليست أدوارا تورث، وحركة المجتمع ليست تجارة سلع. قال الأستاذ خالد محيي الدين عضو الضباط الأحرار وزعيم حزب التجمع المصري: "لقد استطاع جمال عبد الناصر أن يجمع مجموعة من الضباط الشباب من مختلف الاتجاهات السياسية حول أهداف الثورة الست"، والتي تحددت في التالي: 1. القضاء على الإقطاع. 2. القضاء على الاستعمار. 3. القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم. 4. إقامة حياة ديمقراطية سليمة. 5. إقامة جيش وطني قوي. 6. إقامة عدالة اجتماعية. وقبل السعي إلى تأسيس تنظيم الضباط الأحرار، كانت الفكرة الحاكمة هي أن الجيش عصا الملك في مواجهة الشعب، وأن انتزاع العصا من يد الملك هو الطريق لتحقيق أهداف الثورة. الأمم لا تصنع تاريخها بالعرق والدم والفكر والإرادة، لتهدره أو تقع فريسة التجمد عند مرحلة من مراحله. وعندما تحدد الأمم أهداف نضالها، وتقرر أن هذه الأهداف هي مبررات الوجود، تصنع منها معيار مرجعيتها لقبول أو رفض كل ما يواجه مسيرتها سواء كان من الداخل أو من الخارج. هل يدرك المهاجمون أو المدافعون معنى الاحتلال البريطاني لمصر؟ هل عاشوا تحت الحصار للمنازل، وترويع الأسر، ومطاردة الشباب واعتقالهم؟ هل يدركون معنى شعار "على الاحتلال أن يحمل عصاه على كتفه ويرحل أو يقاتل دفاعا عن وجوده"! كانت لغة جديدة، لم تكن حديث ساسة وسياسة وقصر وصراع على السلطة، ولكنها كانت لغة قرار للفعل، بدأ قبل 23 يوليو واستمر بعدها في موجات توافقت مع الحركة الشعبية لمقاومة الاحتلال البريطاني، حتى تحقق الجلاء. وماذا يعني قانون الإصلاح الزراعي، هل هو تنفيس عن حقد تجاه كبار الملاك، أم أنه تحقيق للقضاء على الإقطاع، ألم تبقى المواجهة مع الإقطاع حتى منتصف الستينيات؟، فالظواهر الاجتماعية لا تنتهي لمجرد الرغبة في إنهائها، ولكنها تستغرق زمن إيجاد البديل ثقافة وسلوكا وإمكانية. وماذا يعني تمصير المصالح الأجنبية في مصر، والمعنى ليس فقط في امتلاك مقدرات وطن، ولكن المعنى يشمل أيضاً كيف جرى إتمام ذلك. فقد خرجت التقارير من السفارات الأجنبية في مصر تقول إن المصريين الذين يدخلون إلى مكاتب الشركات الأجنبية فجأة ودون سابق إنذار، يعلمون كل شيء عنها، ويتجهون إلى ما يريدون حيث مكانه بمجرد دخولهم ودون إرشاد من أحد من هذه الشركات. وهو ما جرى عند تنفيذ قرار تأميم قناة السويس، لم يكن الأمر مجرد اتخاذ قرار سياسي وإعلانه، ولكن واكبت ذلك دراسة القدرة على التنفيذ وتوفير الإمكانات لها، وتقدير الموقف قبل القرار وبعد إنجازه، ولعل أزمة المرشدين الذين أضربوا عن العمل بعد التأميم لإحراج الإدارة المصرية وإثبات عجزها، ولكن تم التعامل مع الموقف وإدارة الأزمة وتجاوزها مما يعني أن المواقف لم تكن عنتريات ولكنها إدارة وإرادة سياسية تدرك معنى القرار وتبعاته. وإذا أردنا إدراك معنى البناء، فقصة النصر للتصدير والاستيراد والسيد محمد غانم ما يؤكد أنه لم يكن هناك شيء يتم بالصدفة، فقد طلب عبد الناصر من محمد غانم معايشة شركات التصدير والاستيراد والعمل بها ثم طلب منه تأسيس الشركة وبرأسمال 80 ألف جنيه، ولتصبح شركة النصر هي البوابة إلى الدائرة الإفريقية، وليست مجرد شركة للتجارة، بل تخطت ذلك إلى دعم الحركات التحررية في إفريقيا، وكانت أفرعها محطة ارتكاز لتفجير الحفار الذي استأجرته إسرائيل للتنقيب في خليج السويس بعد حرب 67. ورغم الجهود العظيمة التي بذلت لبناء السد العالي، والتخطيط والتنفيذ، وتحقيق الهدف في توقيته، إلا أن علامة فارقة كانت الرابط بين خبرة البناء في السد وبين حرب 1973 حيث تمت الاستفادة من مدافع المياه التي كانت تستخدم للتجريف في السد كي تستخدم في فتح الثغرات في خط بارليف. ثم الموقف من الدائرة الإسلامية، لم يكن أبداً دعوة للخلافة الإسلامية مجهولة المصدر والمضمون والمقصد، ولكن التعامل مع الدائرة كان تعاملا مع الشعوب، ليتحول الأزهر إلى منارة علمية لعلوم الدين وعلوم الهندسة والطب وغيره من العلوم الإنسانية، ولم يكن الموقف من الأزهر يعني الخصومة مع الكنيسة، ولكن مشهد افتتاح الكاتيدرائية المرقصية بالعباسية كان ترجمة واضحة لمعنى هتاف "عاش الهلال مع الصليب" وهو ما أجهض كل محاولات الفتنة في ثورة 1919. ثم تعبير انقلاب العسكر وحكم العسكر، فأين هم العسكر - الانكشارية والمماليك - الذين ينزعون عصا الملك من يده ويرفعون أهداف الشعب ويتجهون لتحقيقها واستطاب منزوعو العلاقة مع التاريخ وتطوره ترديد هذه العبارات دون أن يبذلوا جهدا لتحقيق أهداف الثورة، ولكن حركة المجتمع كانت أقوى بعد يونيو 1967 وجرت الوقائع التالية: الأولى تظاهرات عمال حلوان وطلبة الجامعة فبراير 1968، وتم إصدار بيان 30 مارس كدليل عمل لفترة التحرير، ولعل البعض يعود لقراءة ماذا قالت حركة المجتمع. الثانية أن النكت الشعبية نالت من رجال القوات المسلحة ووقف عبد الناصر وبوضوح ومكاشفة ليقول إن النكت تنال من معنويات الرجال وقدرهم، وأنها تمثل جانبا من حرب نفسية تستهدف مصر، لتتوقف النكت ويسود تيار شعبي رافض لأي نكتة تنال من القوات المسلحة، هكذا كان فعل الرجال وهكذا كانت حركة المجتمع. الثالثة أن هذه الفترة شهدت وضع رؤية للعلاقة بين القوات المسلحة وبين الدولة، وأن القرار السياسي بيد السلطة السياسية، وليست هناك دولة داخل الدولة، تم هذا وفي أولى اللحظات بعد يونيو 1967 ولتكون هذه هي قاعدة العمل حتى حرب التحرير. والنقطة الرابعة في استيعاب معنى العسكرية المصرية، تتمثل في الإجابة عن السؤال الأهم في معركة الإرادة واسترداد الشرف العسكري، من كان يقاتل في حرب الاستنزاف وحرب 1973؟ ألم يكونوا خريجي الجامعات المصرية وبلا استثناء؟ أي كل مصر، هل يعلم أحد ممن يتحدثون عن العسكر معنى هذا الاندماج وأثره على مصر، وأثره على القدرة القتالية للجيش المصري. إن ذلك كله هو حركة مجتمع وليست حركة فئة أو جماعة أو أفراد. إن الاتصال في الأهداف بين ثورة يوليو وثورة يناير يؤكد أن حركة المجتمع تسعى لاستكمال أهدافها. إن شعار "عيش حرية عدالة اجتماعية" كان دلالة على ما جرى إهداره بعد حرب التحرير 1973 ابتداء من سياسة الباب المفتوح الاقتصادية "الانفتاح"، وانتهاء إلى تسليم الإرادة الوطنية لأمريكا لأنها تملك 99% من أوراق اللعبة. حركة المجتمع وليست الرؤية الاشتراكية لعبد الناصر هي التي استدعت قاعدة الـ50% عمالا وفلاحين كأعضاء بالمجالس المنتخبة، هذا تعبير عن حقيقة القوى الاجتماعية التي لا تستطيع منافسة مالكي الأموال على المقاعد النيابية، ليضمن لهم حقهم في التمثيل النيابي، إنه حركة مجتمع أيضاً يحاول من لا يملك الآن ومن لا يستحق سلب العمال والفلاحين هذا الحق. والفارق كبير بين إلغاء نسبة الـ50% من العمال والفلاحين وبين وضع ضوابط وضمانات تنفيذها، ولقد عاصرت هذا الأمر عندما تقدم بعض المهندسين بطلب شطبهم من النقابة لأنهم سيخوضون الانتخابات بصفة "فلاحين"! ونزف القلب دماً عندما تجد مهندسا شابا يريد شطب اسمه من عضوية النقابة حتى يستطيع أن يسافر للخارج في مهنة أقل درجة ولأنها هي المتوفرة أمامه وتوفي احتياجه للعمل ولقمة العيش. إن الصراع الذي تخوضه حركة المجتمع المصري من أجل التقدم في مواجهة أعداء الخارج والانتهازيين في الداخل، هي قصة ثورة يوليو أو الحقبة بين ثورتين، لتنفجر إرادة الشعب من جديد في ثورة يناير 2011. إن ثورة يوليو ليست خطابا يلقى في مناسبة عيد قومي بارد لا ينتمي للثورة بأي معنى، كما أنها ليست زيارة لضريح عبد الناصر، إنها قصة عمل ونضال وبناء، هي قصة شعب وأمة، هي قصة حركات التحرر الوطني في كل مكان، والشعوب الساعية إلى الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية.
868
| 24 يوليو 2012
تطور وقائع يوم 25 يناير 2011 إلى ثورة شعبية كان يحمل علامة أساسية، أن الشعب الذي خرج منه عشرون مليون مواطن إلى شوارع مصر، يرفض نظام الحكم واستبداده وفساده ويرفض غيابه عن معادلة الحكم وغاياتها. والنظام بالقطع ليس مجرد رئيس وحزب حاكم، ولكنه يشمل مجموع مكونات النظام السياسي في الحكم أو المعارضة، خاصة وأن أحزاب المعارضة لم تكن تعبر عن القوى الاجتماعية فانفصلت عن الشعب وتفرغت لصراعاتها الداخلية، ومحاولات نيل حصة أيا كانت ضآلة حجمها من مجالس نيابية زائفة، أو وظائف وخدمات. كانت المعارضة شريكا فيما يسمح به النظام، وكانت تلعب وفق قواعده هو وليس خارجها، بل إن بعض التنظيمات التي ظهرت بعد الثورة كانت بالأساس تدار بواسطة جهاز أمن الدولة قبل أن تصبح أحزابا. رفض الشعب النظام بكافة مكوناته وتجاوز كل الأحزاب والتيارات، وتجاوز النخبة، ولم تكن هناك لدي هؤلاء رؤية تتوافق والاحتياج الشعبي، وغاب الوزن الجماهيري لهذه الكيانات والأفراد وغابت المصداقية. لم يخرج الشعب المصري ليزيح الاستبداد ويستبدله بمستبد آخر من جماعة الإخوان أو التيارات السلفية. لم تكن قضية الشعب المصري تحديد الهوية الوطنية، أو موقفه من الدين، فالشعب المصري يملك هوية صاغتها حضارته وصاغ بها الحضارة، وأدرك معنى الوطن وتجاوز القبيلة والعشيرة ووحد شمال مصر وجنوبها منذ آلاف السنين ليقيم الدولة. وعرف معنى الخالق الإله، وعرف عقيدة التوحيد قبل شعوب الأرض والجماعات الدينية المستحدثة. وحدد معنى الأمن ونطاقه، ووصل إلى إدراك أن بوابات الأمن هناك في شمال الشام وشرقا في بلاد فارس. وعرف العلوم والفلك والفنون، واستقر مجتمعة في الوادي وعرف الزراعة. ولد نبي الله موسى وتربى فوق أرض مصر، وجاءها يوسف النبي وحكمها واتخذ من أرض الفيوم مخزنا لغلال سبعة أعوام، وعرفت مصر التخطيط بين زمن الرخاء وزمن القحط، ومشيت مريم العذراء حتى أسيوط حاملة المسيح عيسي بن مريم، وتعلم أبو الأنبياء إبراهيم أولى خطوات المعرفة في معابدها، وتزوج هاجر المصرية أم النبي إسماعيل أبو العرب، وتزوج محمد خاتم الأنبياء من ماريا القبطية المصرية وأوصى خيرا بأقباط مصر. لم تكن مصر دولة كفر بالله يوماً، لتحتاج من يأتي إليها مدعيا أنه يعيدها إلى الدين، بل كانت مصر الدولة تستطيع أن تحكم مياه الري وتنظمها عبر آلاف السنين، وكانت الدولة القوية قادرة أن تكون بيئة متسامحة مع كل الأديان فوق أرضها، وعندما يأتي عارض يضعف الدولة، تطل الفتن برؤوسها وتسعي إلى اقتناص الدولة وليس إحياء الدين. كانت ثورة يناير الشعبية ضد نظام الحكم ولم تكن الثورة ضد الدولة. فالمصريون يدركون معنى الدولة، ويدركون أعمدتها الأساسية، وهي فدس الأقداس لديهم. يعلم المصريون قيمة الأزهر، ويدركون أن رجاله ليسوا كهنة المعبد، وعندما يقف إماما ليوم جمعة فوق منبر الأزهر مدافعا عن الأزهر والإسلام في مواجهة محاولات "أخونة" الأزهر ويصل به الأمر حد البكاء فوق المنبر، يدرك من يملك بصرا وبصيرة أن الخطر يحاول أن يحيق بهذا الجامع الجامعة. ويدرك المصريون قيمة القضاء، وله عندهم جلاله ووقاره، نعم لديهم ملاحظات، ولكن موقف القضاة عام 2005 كان علامة تحول في تاريخ الحركة الوطنية المصرية. ويدرك المصريون قيمة الجيش المصري وأنه كان دائما هدف الشعب، إقامة جيش مصري وطني قوي، وضرورة زيادة عدده وعتاده، وأنه حصن الأمان القومي. ويدرك المصريون أن أي مناورة علي أي من هذه الأعمدة الرئيسية للدولة ــ وأيا ما كان على هذه المؤسسات من ملاحظات ــ يرفضها المصريون في عمومهم وليس أولئك أصحاب الحناجر الصارخة بما لا تدرك أو أهواء الخلافة الإسلامية ووراثة السلطة والدين علي حساب الشعب وحاجاته المعيشية، أو تلك المحاولات لهدم صرح القضاء واستبداله بقضاء عرفي وبأدوات من داخل القضاء ذاته. كانت الثورة استرداد للإرادة الوطنية، ولم تكن بحثا عن هوية ضاعت أو عن دين فقدت الطريق إليه. رفعت الثورة بالإرادة الوطنية شعار "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وكان شعارا جامعا يتجاوز شعار إسقاط النظام إلى تحديد غايات استراتيجية للثورة، ولا يتوقف عند محدودية شعار "ارحل" الذي حاول السيطرة علي إرادة التغيير. ولم يعطي الشعب تفويضا لجماعة دينية أو حزب أو نخبة لتعبر عنه، وقضية صناديق الانتخابات أمر آخر غير إرادة الثورة وبعيدة كل البعد عن الشرعية الثورية، بل هي إهدار للثورة، وتجاوز لمعنى الشرعية الثورية ومقتضياتها والهروب مما يترتب عليها من مسؤوليات، بمناورة الصناديق تحت عنوان الديمقراطية الشكلية دون مضمونها في التعبير الواقعي عن إرادة شعب ينشد التغيير. الديمقراطية كما جرت ممارستها هي سرقة للإرادة الوطنية وتجاوز لها وتآمر على الثورة لإجهاضها. الشرعية الثورية وهدم نظام الاستبداد والحفاظ على بنية الدولة هي قضايا يجب التعامل معها بكل جدية حتى لا تتحول إلى جدل عقيم يخرج عن أهواء تغامر بالوطن ولا تتحمل مسؤولية البناء. يرصد المتابع المنصف للثورة المصرية أن النتائج لا ترتبط علي أي نحو بالمقدمات، وأن الاتجاه الرئيسي للثورة كان يستهدف التغيير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر، وجري تحويل الاتجاه لإعادة إنتاج النظام السابق بمكونات شاركته فترة حكمه، بل هي تدين بوجودها له أو لنظام السادات الذي سبقه، واهم ما يجب الانتباه إليه ذلك الحديث الغير دقيق بان الشعب أراد ما آلت إليه الأمور في مصر، فالفارق كبير بين إرادة الشعب في هدف الثورة الأعلى "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" وبين رؤية المكونات السياسية للنظام الذي يجري إنتاجه والتي تغيب كلية عن هدف الثورة الأعلى، بل هي تتحرك في إطار النظام السابق وبآلية التيار الإسلامي. لقد جرى اختزال الوطن في جماعة الإخوان والتيار السلفي بناء على القدرة التنظيمية والعدد، دون اعتبار لماذا كانت الثورة وماهية أهدافها، حتى صار الخلط بين الجماعة والدولة خلطا لا يقبل به المواطن، وقد يؤدي هذا الخلط إلى انفجار مواجهات في المستقبل. إن عدم اتساق النتائج مع المقدمات هو السبب الرئيسي لحالة الارتباك القائمة الآن في مصر. الثورة حركة للأمام وهي عمل تقدمي، وهي بالأساس عمل اجتماعي، وليست مجرد حدث سياسي يصيب نظاما قائما، ليتم استبدال جماعة حكم بجماعة أخرى. الثورة تعيد تكوين العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، وبين قواه الاجتماعية الحية، وليس بين مكوناته السياسية خاصة أن كانت مناوئة للثورة أو رافضة لمنهجها. رفعت الثورة الشعبية المصرية شعار الاستقلال الوطني، ولم تكن تسعى لنظام حكم يسعى للرضا الأمريكي ليستمد منه قوته أو شرعية بقائه. نجح التحالف المضاد للثورة في إخراج الشعب من المعادلة، مما أدى للسقوط في بركة النظام السابق مع تغير في شكل الخطاب السياسي ليحمل سمة الدين قسرا مع ذات المضمون والتوجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ولم تعبر السلطة القادمة بديمقراطية الصناديق عن قوى المجتمع، فأصبحت غريبة عن الثورة. إن ما يجري في ميدان التحرير فقد أي علاقة له بالثورة، وصار نوعا من التقليد الباهت لحركة الاحتشاد التي حققت إنجاز كسر حاجز الخوف وإقالة الرئيس السابق، وصار الوجود بالتحرير نوعا من النزق لا علاقة له بالثورة ولا بالدولة وخارج سياق اللعبة السياسية الجارية. إن الاتجاه إلى استنباط سلطة سياسية من واقع سياسي مقهور هو هروب للأمام، لقد جري ذلك بينما دماء شباب الثورة تنزف فوق الإسفلت والمتحدثون باسم الدين سياسيا بعيدين عن قولة الرسول الأكرم: "إن دم الإنسان عند الله أكثر حرمة من بيت الله". لقد تم استغلال حالة التصحر التي أصابت الحياة السياسية في مصر، ولم يبقي غير جماعة الإخوان والتيارات المتأسلمة، والتي كان سعيها قبل الثورة إلى مشاركة النظام السابق، بل أدانت الخروج علي الحاكم طالما أنه يسمح بالصلاة في المساجد، وكان أغلب التيار السلفي أداة بيد جهاز أمن الدولة، ويمكن القول بأن من آلت إليهم سلطة الحكم أو الجمعية التأسيسية للدستور هم من رفضوا ثورة يناير بل وهم من أسهموا بالنصيب الأكبر في إجهاضها. ويبقي السؤال الأزلي "ما العمل؟" يفرض نفسه لتجاوز مجرد رصد الحالة إلى أداء لصالح المستقبل. هل يمكن للقوى الاجتماعية أن تجد لنفسها آلية تدخل بها معادلة إدارة أزمة الثورة في مصر؟ ومن المؤهل لذلك؟ إن دخول القضاء كأداة للصراع، يعني غياب القدرة السياسية، وعجز الأطراف عن إقامة توازن يعبر عن الواقع. قد ينجح القضاء بأحكامه في أبطال قرار أو تأكيد قرار آخر، ولكنه لا يعيد صياغة ميزان القوي في المجتمع. إن القوى التي تتحدث عن الانتماء للثورة أمامها فرصة استعادة الوجود، وإعادة حركة الثورة لمسارها، ولكن لذلك شروطا واجبة التحقق، والتجارب السابقة تؤكد أن المسؤولية تحتاج إلى جسارة الأيام الأولى الثمانية عشر للثورة. إن الشرط الأول هو امتلاك القدرة على الخروج من دائرة الذات الأنانية لدى العناصر المتصدية لهذه المهمة، والتجربة تؤكد ضرورة أعمال قواعد الفرز والتجنيب وبصدق وتحمل تبعاته وأعبائه وعدم الانسياق العاطفي وراء الأسماء وهما بلا مبرر في الواقع مما تحتاجه الثورة، لقد أصبح واجبا أن تنتج الثورة كوادرها وتستدعيهم لتولي مهمة الخروج الثاني. إن الشرط الثاني هو ضرورة الاستفادة من متغير محتمل تضيفه أحكام القضاء بعد حل مجلس الشعب، إذا ما حكم القضاء بإبطال الجمعية التأسيسية للدستور وحل مجلس الشورى. إن الشرط الثالث هو امتلاك رؤية مرحلية لإدارة أزمة الثورة، ويكفي النضال الوطني أنه أضاع فكرة مجلس أمناء الدستور الذي اقترحه الأستاذ هيكل قبل الثورة، وإضاعة رؤية الدكتور محمد البرادعي في مجلس مدني وحكومة انتقالية لمدة عامين والتي أنهاها بانسحابه من انتخابات الرئاسة. إن مقترح البرادعي الأخير يستلزم الاستيعاب والعمل على الوصول إليه، ورؤيته تتمثل فيما يلي: "الحوار الوطني يجب أن يكون بين الرئيس والقوى المدنية والمجلس العسكري وبمشاركة السلطة القضائية للتوافق على إعلان دستوري مكمل جديد وأهم ملامحه: 1) لجنة تأسيسية متوازنة لإعداد دستور ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات. 2) نقل السلطة التشريعية إلى اللجنة التأسيسية. 3) الاتفاق على تشكيل مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة. 4) تدخل القوات المسلحة لحماية الوطن أو مشاركتها في حفظ الأمن داخل البلاد يكون بقرار من مجلس الدفاع الوطني". وسواء أخذ بهذا الاقتراح أو ببعض منه، فالأساس فيه هو اللجنة التأسيسية لوضع الدستور المتوازنة وفتح باب الحوار الوطني، ويمكن البناء علي ذلك للخروج أولا من حالة الارتباك القائمة والتي يدفع الشعب ثمنها مزيدا من المعاناة بدون أفق منظور لنهايتها. والشرط الرابع هو الفصل بين دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة في المرحلة الانتقالية وبين مقولة إسقاط حكم العسكر. هناك بالقطع أخطاء وخطايا خلال الفترة من 12 فبراير حتى اليوم، وأقر بها المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما أصدر تصريحه الشهير "إن رصيدنا لديكم يسمح"، هناك دم أريق على الإسفلت، وللدم حق لا يضيع، ولكن اللحظة توجب إعادة التوازن للثورة. الشرط الخامس أنه لن يكون هناك تعبير عن القوى صاحبة المصلحة في الثورة إلا من ذات هذه القوى، وهذه القوى وشباب الثورة مطالبون بامتلاك آلية تنظيمية تنقل الثورة من حالة التشرذم والتفكك إلى حالة تنظيمية تملك رؤية وقادرة علي الفعل، حتى يدخلوا في ميزان القوى بالمجتمع. إن مصر هي الجائزة الكبرى في الشرق الأوسط، هكذا يراها أعداؤها، ولا يجب التعامل مع مصر بقدرها بأنها تورتة ويجب اقتسامها، فالثورة لم تزل عجينة لم يتم إنضاجها، ووقعت العجينة في طين الصراعات والطموحات غير المشروعة، ووجب انتشالها وإعادتها إلى مسارها، بأنها ثورة شعب، وأن الثورة هي علم تغيير المجتمع.
693
| 17 يوليو 2012
"الباطل" اسم يطلق في الحكايات الشعبية على شخص يتمتع بقوة خارقة للطبيعة، يستطيع أن يمحو الكتابة عن العملة المعدنية إن ضغط عليها بأصابعه. وترد الحكايات الشعبية سبب هذه القوة الخارقة إلى نهر النيل، وتقول إن للنيل لحظة ينام فيها النيل فتتوقف مياه النهر عن الحركة، فإذا شرب إنسان من النيل حينها امتلك تلك القوة الخارقة. والإنسان الباطل يملك صبرا طويلا وليس من السهل إثارته، حتى يعتقد من حوله أنه فقد الإحساس ولا يؤثر فيه شيء، غير أن هذا الإنسان "الباطل" إن خرج عن صمته، يدمر كل ما يلقاه دون تمييز، يتحول من الصمت إلى الانفجار، وهذه الحالة يسمونها "قومة الباطل". وفي اللغة يبطل الشيء أي يعطله عن العمل، والباطل أيضاً هو الكذب وغير الشرعي والفاسد وضد الحق. وتبدو مرحلة ما بعد المرحلة الانتقالية في مصر أنها مرحلة "البُطلان"، لا أحد يغفل شيئا غير أنه يبطل فعل غيره ويعطل الآخرين عن الفعل. تعددت حالات البطلان ابتداء بإبطال 800 ألف مصري لأصواتهم في انتخابات الرئاسة بفعل إرادي حيث كان التصويت على مرشحين اثنين، بما يعدم الخطأ، ويصل البعض بأن هذا الرقم في حقيقته أضعاف ما أعلن! أبطلت المحكمة الدستورية قانون العزل السياسي، وأبطلت قانون انتخاب مجلس الشعب وقضت بحل المجلس، وواجه أعضاء المجلس من جماعة الإخوان والسلفيين حكم المحكمة بدعوى بطلان مضاد لقرار الحل. وقضت محكمة القضاء الإداري الأسبوع الماضي ببطلان قرار وزير العدل منح الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية صلاحية الضبطية القضائية، وهو في حقيقته نصف إعلان للأحكام العرفية ولكن بواسطة وزير العدل. ويحتدم الحديث حول الإعلان الدستوري المكمل، حيث أبطل صلاحيات للرئيس وانتزع منه قرار الحرب السياسي وأشرك المجلس العسكري فيه، وانتزع أي سلطة للرئيس على المؤسسة العسكرية، وأضفى صفة الدوام على المجلس العسكري بأشخاصه حتى وضع الدستور وانتخاب مجلس الشعب، وكفل للمجلس العسكري حق الاعتراض على أي نص في الدستور الجديد، وأناط بالمجلس العسكري مهام التشريع وإقرار الميزانية. صراع آخر حول تشكيل مجلس الدفاع الوطني الذي أعلنه المجلس العسكري. محاولات إبطال وإبطال مضاد، هي في الحقيقة صراع على القرار، صراع سلطة، فأي قرار أيا كان مصدره، يرتبط بخط سلطة مصدر القرار ولا يتم تفعيله إلا بقدر السيطرة على أدوات إدارة وتنفيذ القرار. تنتقل صفات الأزمنة بعد الثورة من الفترة الانتقالية أو الانتقامية كما توصف في مصر، إلى مرحلة البطلان. وبمعني آخر انتقلت الحالة من حركة مطلبيه للثورة وفي مواجهتها حركة مضادة للثورة إلى حالة البطلان والبطلان المضاد بين أطراف القرار وكلاهما خارج خندق الثورة وبعيدا عن قواها الاجتماعية التي تعاني من الإنهاك نتيجة لضعف حالتها التنظيمية، وعدم امتلاك رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية للنظام الجديد الذي يحقق أهداف الثورة في "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" التي يجب أن يعبر عنها الدستور الجديد. تهدد حالة البطلان الجمعية التأسيسية لوضع الدستور والتي عاد استحواذ التيارات الدينية عليها، وأجل القضاء البت في أمر بطلانها إلى شهر سبتمبر وجري تقديم الجلسة إلى الثلاثاء 10 يوليو. هكذا غابت الثورة ولم يعد هناك حراك لها غير أقوال تتردد هنا أو هناك، وغابت الحالة السياسية التي تفتح أفق الحوار، وهو ما يفتح الباب للاحتكام للقضاء أو الاحتكام للقوة، وكلاهما لا يقيم استقرارا، بل يزيد الارتباك، وتظل مصر معرضة لاضطرابات ومشاهد متنوعة للصراع، والشعب خارج الحساب، فيظل التوازن مفقودا. مرحلة البطلان هي مرحلة الفساد الثاني بعد أن كان الفساد الأول قبل الثورة. هي ذات العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتوحشة التي يغيب عنها الالتزام تجاه الشعب ويبقى فقط سعي أطراف صراع السلطة إلى تنمية القوة الذاتية وبأدوات تزيد العبء على المجتمع ومهام الثورة. وتضع جماعة الإخوان إستراتيجية تقويض أركان الدولة المصرية، وبمواجهات مباشرة مع الأزهر والمحكمة الدستورية والقضاء وهياكله، والصحافة، عبر محاولات استغلال أداة التشريع وبتعجل يثير الريبة، وتحت مقولة كاذبة بأن السلطة العليا للشعب بينما الحقيقة أن السلطة العليا لمكتب إرشاد جماعة الإخوان السرية. ويضاف إلى ذلك السعي إلى تحالف جديد للعناصر الرأسمالية للجماعة والمنسوبة إليها مع عناصر نظام مبارك في محاولة لخلق شكل مستحدث لتأثير الثروة على الصراع القائم. اعتقاد القوى المضادة للثورة بانتهاء الحالة الثورية أو السيطرة عليها واستخدامها، والانفراد بالدولة والسلطة، هو عامل تفكك هذا المعسكر، فالحالة الثورية لا تنقضي بوهم النفي لدى البعض، كما أنها لا تتحقق بوهم الوجود لدى البعض الآخر. الوهم في كلا الحالتين هو الدافع الرئيسي لاستمرار صراع الوجود للثورة، حتى يقضي توازن القوى بالنفي أو الوجود، وتصمت المدافع. انتقلت مصر بكافة المقاييس الاجتماعية والسياسية والتاريخية، من حالة وعي بعض القوى والأفراد، إلى حالة من الوعي الشعبي التي تمكنها من التقييم السريع للأداء وإنتاج رد الفعل، رغم البادي للعيان أن حالة من الاكتئاب والارتباك والكمون قد حلت بعناصر الثورة. الخطر ليس في الوهم أو السكون بقانون الإنسان الباطل في الحكايات الشعبية، ولكن الخطر الذي يحيق بالحالة الثورية هو حالة السيولة التي تعاني منها قواها الاجتماعية والسياسية الأساسية، واستمرار إنتاج رد الفعل بالكلام، أو الرصد، والإدانة، وعدم الإمساك بزمام المبادأة، خاصة وأن رد فعل الإنسان الباطل هو انفجار لا يبقي ولا يذر، وليس قوة فعل إيجابية تهدم ما بقي من أركان نظام الفساد الذي تجدد، وتملك قدرة ورؤية النظام الذي تنشده الثورة. قرار الرئيس المنتخب بإعادة مجلس الشعب الذي جرى حله طبقا لقرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الانتخاب، أخرج الصراع المكتوم داخل المعسكر الواحد المضاد للثورة إلى العلن، ورغم تصريحات اللحظات الأولى لصدور القرار من أعضاء بالمجلس العسكري غير أن رد الفعل مازال مجهولا وإن ذهب البعض أنه لن يكون هناك رد فعل مباشر ولكن الصراع سيستمر، وبأدوات أخرى، وحول عناصر أخرى للسلطة والتمكن منها!! وأشارت أنباء أن مصدر القرار هو الاجتماع الأخير لمكتب إرشاد جماعة الإخوان، ومجلس شورى الجماعة؟، بمفهوم نقل الصراع مع المجلس العسكري إلى مرحلة جديدة، وأن التكتيك الجديد يجمع بين قرارات للرئيس وحشد أعضاء الجماعة في الميادين لمواجهة أي محاولة لرد الفعل. صراع سلطة لا يمكن حسابه لصالح الثورة أو الديمقراطية، ولكنه يعني حالة تحدٍ بأن القرار من حيث الدراسة والتقرير ومنهج التعامل، مصدره جماعة الإخوان بمؤسساتها المعلنة، وليس الرئيس المنتخب، وتسريب ذلك دون اكتراث بأثر ذلك على المجتمع الذي انتخب رئيسا ولم ينتخب جماعة. ولأن حالات التناطح لها صخبها كما أن لها جمهورها، فإن حالة النشوة والمناقشات القانونية وجدت للقرار مناصرين من خارج الجماعة دون إدراك أن البحث ليس حق الرئيس، ولكن البحث هو تجاوز حكم محكمة، وما وراءه من أهداف غير مباشرة تجاه القضاء والمحكمة الدستورية التي أقسم الرئيس المنتخب أمام جمعيتها العمومية اليمين الدستورية. هل الأمر توافق بين طرفي الصراع، المجلس العسكري والإخوان على القرار؟، أم أنه طور جديد تأخذ فيه الجماعة المبادأة بيدها، رغم التوافقات الأخرى بينهما؟. هو فصل جديد لإجراءات جماعة الإخوان للسيطرة على مقدرات الأمر في مصر. ولم يعد من الممكن حساب القرار في معرض تأكيد سلطة رئيس منتخب وحسب، ولكن يمكن وصفه بإستراتيجية جديدة للإخوان في الإعلان عن سيادتها على قرار الرئاسة وبالصدمة، والحشد الجماهيري، ولتأتي ردود الفعل كيفما كانت، فالواقع قد تغير، ويجب أن يدرك الآخرون هذا. ورغم ترديد تأكيدات بأن هناك اتفاقا جمع بين المجلس العسكري والإخوان حول مشروع الدستور الجديد، وأن البحث يجري حول الاختلاف على الأحكام الانتقالية، وهل تنتهي مدة الرئيس المنتخب بإقرار الدستور أو تستمر لمدة رئاسة كاملة. القرار بإلغاء حل مجلس الشعب يبدو كأقدام الأميبا الكاذبة، فالكائنات الرخوة تمد من جسدها نتوءا في اتجاه الحركة ثم تستكمل تحريك جسدها ليملأ النتوء، وهكذا بتكرار هذا الفعل تتحرك، فهل ستظل الحياة السياسية في مصر مسرحا لصراع السلطة، وتختفي الدولة المصرية الوطنية بعد الثورة، وتصبح دولة تحت حكم الأميبا وحركتها بالأقدام الكاذبة؟. الجميع مسؤول عن هذه الحالة، وبنسب متفاوتة، ولكن النصيب الأكبر من المسؤولية تقع على عاتق المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي أعلن أنه أدرك مطالب ثورة الشعب المشروعة، ولم يحاول توفير مناخ صحيح لتحقيق أي منها، وهو الذي أعلن أنه على مسافة واحدة من الجميع، ولكنه فتح الباب على مصراعيه لتستولي جماعة الإخوان على السلطة. الإخوان خارج الثورة من حيث الوجود والفعل والمضمون، ويبقى على المجلس العسكري أن يدرك، ولا أقول لأن يفسر، أن نجاحهم في الانقلاب على الثورة والدولة والاستيلاء على السلطة، لا تبرير له لدى المواطنين غير أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل بهذا وعمل له. من مرحلة اشتعال الثورة بالشعب، إلى المرحلة الانتقالية التي تحولت لمرحلة إجهاض الثورة، ثم مرحلة البطلان والبطلان المضاد وتمكين الإخوان من السلطة تحت دعاوى الديمقراطية وبمباركات من رأسمالية الفساد والإحسان في الداخل، والحلف الغربي في الخارج، تقع مصر تحت حرب نفسية حادة وموجهة بأن البديل حمامات من الدم، أي علينا أن نختار بين ما يحققونه ويسمحون به أو هو الدم والحرب الأهلية. خطاب لا يحمل من معنى غير التبرير لأنفسهم أمام الشعب، ولكن الأسباب الموضوعية التي قامت من أجلها ثورة يناير مازالت قائمة، وهي كلمة السر لاستمرار الثورة لتحقق أهدافها بقدر تنمية الظرف الذاتي للقوى صاحبة المصلحة في التغيير. كل هذا الباطل في الواقع المصري يستدعي حالة المقاومة وضرورتها، لن تخدعه حركة الأجسام الرخوة بأقدامها الكاذبة، كما أن قومة الباطل كما الحكايات الشعبية ستكون انفجارا وليست قوة فعل إيجابي.
915
| 10 يوليو 2012
سيحاسب التاريخ المستشار طارق البشري لأنه خان المستشار طارق البشري، قبل أن يقود بلجنته أكبر عملية خداع وانحراف بمسيرة الثورة ليفعل فعلة السامري بأن يأخذ قبضة من دماء الشهداء والمصابين ويلقي بها في صندوق الانتخابات ليجعل له خوار كما فعل السامري بعجل أتباع موسى عليه السلام، ويدعو لعبادته. أنهت مصر المرحلة الانتقالية، بارتباك قانوني وقضائي شديد، لتبدأ مرحلة البطلان، كافة الأطراف تستدعي القضاء ليحارب عنها معركتها في إبطال ما لا تقبل ولتقرير ما تريد. وسط هذا الصخب تدور حرب الدستور في معارك متعددة وليست معركة واحدة. ويعاني الدستور من ذات منهج السامري في تشكيل الجمعية الوطنية للدستور والمعرضة للبطلان لأنه جرى التعامل معها على أنها غنيمة لأغلبية غزوات الصناديق، دون اعتبار لما جرته تصرفات الاستحواذ والإقصاء التي أدارها تيار الإسلام السياسي ليعود بمصر لعصر الفساد السياسي من جديد ولكن هذه المرة تحت عباءة الدين. تبدو ثلاث معارك أساسية في الدستور القادم بلا أب، ولكنها متروكة لصياغات الهوى والاستحواذ والرأسمالية المتوحشة التي تمثلها الخيارات المعلنة لتيارات الإسلام السياسي. المادة الثانية ليست بمعركة على الإطلاق، ولكن الادعاء بذلك هو محاولة خداع للانفراد بقضايا الدستور الأساسية. معركة الدستور الحقيقية الأولى هي المعركة الاقتصادية، بمعنى التنمية والعدالة الاجتماعية وكيفية تحقيقهما وسط عالم متغير، وفي مصر المنهكة اقتصاديا بخيارات كانت ترتبط ومصالح تحالف الثروة والسلطة في نظام ما قبل يناير 2011 والتي أدت إلى إهدار للثروة القومية وتشكيل طبقة جديدة من الرأسماليين الجدد الذين نجحوا في حصار أي فكر اقتصادي علمي يمكنه أن يحدد مسارا جادا للتنمية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية وما يترتب على ذلك من ترتيب للأوضاع السياسية في المجتمع. معركة تقودها رؤية الوعي المحدود للرأسمالية المتوحشة التجارية التي لا تدرك في ثقافتها غير الاقتصاد الريعي والنفاذ من القوانين وتجاوزها لجمع الأموال بغاية تمويل تنظيمات سرية وليس لبناء اقتصاد أمة، وهو مفهوم الاقتصاد والتنمية للعناصر المنتمية لتنظيمات التيار السياسي السرية منها "جماعة الإخوان"، أو المعلنة من أحزاب أنشأها التيار السياسي الديني بمخالفة واضحة لقانون الأحزاب، وصمت مطلق من لجنة الأحزاب التي كان يرأسها المستشار القدير حسام الغرياني، وهو نفسه الذي شاءت الأقدار أن يكون رئيس الجمعية الوطنية لوضع الدستور. ولا يتجاوز رؤية العدالة الاجتماعية مفهوم الإحسان وليس أن الناس شركاء في ثلاث "الماء والكلأ والنار"، وهي أساس لمعنى شراكة الأمة في مصادر الحياة والإنتاج. هذه القضية لا يمكن لمصر الثورة الشعبية بعد أن رفعت شعارها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، أن تتركها لانفراد لا يدرك مضمون القوى الاجتماعية بالمجتمع، ويقسم المجتمع بحسب الدين، نكوصا على حضارة الأمة وتجاربها والعصر الذي نحياه، ونداء استقلال القرار الوطني واستعادة مصر لمكانتها، وليس هناك من سبيل إلى ذلك بغير رؤية اقتصادية تحقق حرية القرار الوطني. والمعركة الثانية، هي العلاقة بين القوات المسلحة والدولة، وهي ليست بدعة، وليست عرضة لرغبة هنا أو هناك، وبدون تحديد هذه العلاقة وبوضوح لن تكون هناك دولة، ولن يستقيم لادعاء الدولة الديمقراطية وجود. الأساس في هذه العلاقة هو قرار الحرب والسلام، وكيف استقر المجتمع الإنساني منذ مئات السنين أن قرار الحرب قرار سياسي، وأن مهمة القيادة العسكرية هي إدارة العمليات العسكرية المترتبة على هذا القرار إن قبلت به دون أي تدخل خارج عن القائد العام وهيئة أركانه، أو تترك مكانها لمن يقبل به. والواجب على الإدارة السياسية أن تتيح كافة الإمكانات لإعداد القوات وتدريبها وتوفير ميزانيات التسليح المناسب مع المهام القتالية المتوقعة، وللمؤسسات الديمقراطية حق دراسة الميزانيات، وهي في هذه الحالة تراقب أداء ولا تبحث في شأن السلاح وأنواعه ومصادره. هذا الأمر ليس بغريب على العسكرية المصرية، فقد وضحت هذه المفاهيم في أعقاب يونيو 1967، وتضمنت كتابات أمين هويدي، رحمه الله، هذا المفهوم تفصيلا، ولن أحيل إلى كتابات كلاوزفتز أو هينجتون، والادعاء بأنها أمور مستحدثة على العسكرية المصرية ادعاء يجافي الحقيقة. والمعركة الثالثة، هي معركة السلطة الرابعة، الصحافة، فمن الواضح أن محاولة اغتيال حرية الصحافة جارية على قدم وساق تحت دعاوى تحتكم إلى صندوق السامري، فأهل المهنة لديهم رؤية في الملكية والإدارة وقوانين الصحافة، وهي حزمة واحدة تشكل رؤية متكاملة من دونها يصبح ما يدور في اللحظة هو استكمال الاستحواذ على مكونات الدولة ومؤسساتها. هذه المعارك، تبدأ من طبيعة تشكيل الجمعية التأسيسية والرؤى الثلاث هي أساس لبداية بناء ديمقراطي لمصر بصياغة العقد الاجتماعي لمصر بعد ثورة يناير الشعبية. إن مصر كلها بكل فئاتها وقواها الاجتماعية هي عناصر هذه المعارك، ليست قضايا فئوية بقدر كونها أعمدة البناء الديمقراطي، ورجال الاقتصاد في مصر ورجال الصحافة هم الأساس في تشكيل الموقف المتسق مع الإرادة الوطنية لبناء مصر الثورة، ولا يجب ترك الأمر وسط مرحلة البطلان لرغبة الاستحواذ وأنانيتها.
390
| 07 يوليو 2012
إعلان فوز محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية كان الحلقة الأخيرة في مسلسل أداء الإخوان المعادي للثورة والمناقض لمنطق الثورة في تتابع المهام حال إسقاط رأس النظام والذي بدأ مع لجنة البشري، وانتهى باحتفالية الإخوان أنهم فازوا بمنصب الرئيس. وليس من الإنصاف وصف انتخاب مرسي أنه خطوة على طريق الثورة، ويمكن أن يكون سقوط أحمد شفيق هو رفض للنظام السابق، ولكن لا أستطيع تسكين مرسي ضمن حركة الثورة، وإلا وجب وضع استفتاء مارس وقانون انتخابات مجلس الشعب وأداء الإخوان طوال الفترة الماضية وخلال كافة المواجهات التي سقط فيها الشباب قتلا وسحلا وصمتهم على ذلك كله وأداؤهم في شأن الدستور والجمعية التأسيسية لوضعه، وأخيرا موقفهم من قرار المحكمة الدستورية بشأن عدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب، وجب أن نضع كل ذلك لصالح الثورة! مراجعة أعداد الأصوات بين المرحلتين الأولى والثانية، يجلب أمامنا حقيقة أن قرابة السبعة ملايين صوت أضيفت إلى كلا المرشحين، وهذه الملايين السبعة على كلا الجانبين كانت ترفض إعادة النظام من ناحية وترفض الإخوان من ناحية أخرى، وهي أصوات ليست لأي من المرشحين بقدر كونها أصواتا لا تملك سوى الرفض لما يعبر عنه أي منهما. يجوز للإخوان أن تقيم الأفراح لفوز مرسي، ولكن هل هذا معناه أن أداء الإخوان خلال السبعة عشر شهرا الماضية نال الرضا، وانتقل من خندق مضاد للثورة وغلَّب مصلحة الجماعة على أهداف الثورة ومهامها الواجبة، ووضع الجميع في متاهة الانفلات القانوني والدستوري، لتستعذب الجماعة في نهاية الفترة الماضية أن تطرح نفسها تعبيرا عن الثورة!؟ وهو أمر لا وجود له في يوميات الفترة الماضية. والأكثر افتقارا للمنطق موقف الجماعة ومريديها، ومن اصطفوا إلى جانبها، من حكم المحكمة الدستورية بشأن حل مجلس الشعب، ومرد الرفض، أكثر تشوها وتناقضا في التعامل مع العقول، فقال قائل منهم "كيف تحكم المحكمة الدستورية في شأن مجلس الشعب، وهناك قانون بشأن المحكمة الدستورية داخل اللجنة التشريعية بالمجلس؟" وهو أمر يثير الريبة عن ماهية القصد من وراء مشروع القانون ذلك، وهل عرض قانون إخواني بشأن المحكمة الدستورية يعني إيقاف عملها؟ ويخرج متحدث آخر يتباكى على تكلفة عملية الانتخابات وتكلفة المرشحين في أعمال الدعاية، وكأن الأموال المنصرفة تجيز إهدار حكم عدم دستورية قانون الانتخابات! ويصل الرأي لدى بعض آخر بالتعامل مع القانون بنظام التجزئة، ويقولون إن الحكم ينصرف على ثلث الأعضاء وليس كلهم!؟ ما هو المنطق الذي يضع هذه الآراء والمواقف في إطار الثورة؟، وتجب لها الحشود الجماهيرية بالتحرير، بل ويجتمع عليها بعض ممن يحسبون على الثورة وعيا، منادين وجوب التعلم من الخروج من التحرير يوم 11 فبراير، وهو ما يعني عدم الخروج من التحرير إلا بإلغاء الحكم!!، قولة حق ولكنها ليست للثورة أو لدعم إرادة التغيير الشعبية، ولكنها انسياق وراء رغبة الجماعة في امتلاك اليد العليا لما تقرر وما ترفض. آفة ما نعانيه في مصر الآن هو النسيان، وفقدان الذاكرة القريبة، وتغيير المواقف على الأهواء، فلأن شعار "لا لحكم العسكر" يجد رنينه عند الكثيرين، يسقطون من الحساب تحليل القوى التي وقفت في مواجهة الثورة، ولا تنتمي لها أداء ومنهجا وسياسات وموقفا من أمريكا وإسرائيل أو حتى وعيا بالهوية المصرية، فهل صكوك الغفران لأعداء الثورة انتقائية أيضا؟ هل يملك أحد إجابة تحدد من حصل على كرسي الرئاسة؟ مرسي أم جماعة الإخوان؟ هل يقبل أحد بأن مرسي خرج من عباءة الجماعة؟ هل يستطيع أحد أن يجري توصيفا للخطاب السياسي لمرسي؟ أعتقد أن ذخيرة الرجل السياسية واللغوية أيضا، تعجز عن التعبير عن الثورة المصرية وحاجاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ هل يملك أحد القدرة على الفصل بين الجماعة وحزب الحرية والعدالة؟ وهل هذا أمر متسق مع قانون الأحزاب؟ هل يملك المستشار الجليل رئيس لجنة الأحزاب تفسيرا لهذا؟ هل يملك أحد مبررا قانونيا لاستمرار وجود الجماعة خارج القانون؟ هل يستطيع أحد أن يكشف أغوار خطة الجماعة تجاه الصحافة المصرية؟ والإعلام المملوك حتى اللحظة للدولة؟ هل يملك أحد تصورا لخطة الجماعة تجاه الأزهر؟ هل يستطيع أحد أن يفسر العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، عبر ممثليهم بالقاهرة، دبلوماسيين أو تجاريين، أو في واشنطن، وبين الجماعة؟ هل يملك أحد تفسيرا للحدود الحاكمة لعلاقات الجماعة الخارجية، وبالتالي علاقات مرسي؟ هل يملك أحد معنى اللقاء الاستراتيجي بين الجماعة وحركة حماس، وبالتالي علاقة مرسي بذلك؟ وهل هناك من يملك تفسيرا لموقف الجماعة من الجمعية التأسيسية للدستور وضربها عرض الحائط بكل محاولات التوفيق والتلفيق لتمرير تشكيل متوازن للجمعية؟ أليست هذه واحدة من القنابل الموقوتة التي وضعها البشري؟ ثم هل تملك الجماعة مشروعا كاملا للدستور وتريد تمريره؟ ثم هل هناك من يملك تفسيرا لأحاديث الخلافة والقدس والعنف والدم ومرشح الله، التي دارت خلال فترة انتخابات الرئاسة، كما دارت أحاديث التكفير في استفتاء مارس 2011؟ منذ البشري وحتى مرسي، تتبع الجماعة سياسة نعم ولكن؟ في حوارها مع عمر سليمان وخروجها من الميدان وسياسة الفرقة بين الشباب حتى تلك اللقاءات الأخيرة مع عناصر صار لأسمائها لمعان وبريق بسبب الثورة، وجل عطائها أنها أسماء. وفي التعامل مع الرأي العام تتبع سياسة "المعزة العياطة لا يأكلها الذئب"، وهذا النوع من الماعز العياط يثير انتباه الراعي، فيهب إليه خشية أن يأكله الذئب، والأمر لا يعدو جذب الانتباه وتوفير الرعاية لحين تحقيق الغاية. القول بأن اللقاء واجب الآن مع الجماعة هو إهدار لدروس المرحلة الماضية والوعي بالمواقف السلبية والمعادية خلالها، من حق الجماعة أن تقرر أمرها وفق ما ترى، ولكن ليس من حقها احتساب أدائها على الثورة، وليس هناك من يملك صكوك الغفران ولا من يملك الحديث باسم الثورة، فالثورة عمل، وليست مجرد رحلة أقوال لا تتعدى أفواه قائليها، بينما أفعالهم مناوئة للثورة. إن المواقف التي انطلقت خلال الأيام الماضية في مواجهة الجماعة تبدو كغثاء السيل، فهي في منتهاها لا تعدو آحاد الأفراد، ولا تعبر عن عمق مجتمعي. حتى إن البعض منهم يبحث عن السيد الذي يناديه كي ينقذه، وصارت تلك الجماعات عبئا على الثورة وليست قوة مضافة إليها. إن فوز مرسي لا يعني محطة وصول للثورة تنطلق بعدها إلى مهام جديدة، ولكنه مجرد خطوة على طريق خريطة الأداء التي قررها البشري ولجنته وجماعة الإخوان، وربما لا يطول زمن رئاسته لعام واحد إن لم يتضمن الدستور القادم حكما انتقاليا يستكمل بمقتضاه مدة الرئاسة كاملة. إن الحديث عن انقلاب ناعم قام به المجلس الأعلى أتمه بأحكام الدستورية والإعلان التكميلي وقرار الضبطية القضائية وتشكيل مجلس الدفاع، ممكن، ولكم أن ترفضوا ما تشاءون أو تقبلون، ولكن ألم يكن استفتاء مارس انقلابا على الثورة؟ ألم يكن قانون انتخابات مجلس الشعب انقلابا آخر؟ ألم تكن كل محاولات تغيير الهوية المصرية انقلابا ثالثا؟ أليس تشكيل الجمعية الدستورية انقلابا مستمرا حتى الآن؟ هذه الانقلابات في مجموعها تصدر من خندق ضد الثورة، ولكن الانقلاب العسكري الناعم الأخير يكاد يكون محاولة لإعادة تصحيح المسار جاءت متأخرة سبعة عشر شهرا. لا يرغب عاقل أن يهدر الوقت كما أهدرتموه، ولا أن يثير الفوضى القانونية والدستورية كما تفعلون، ويجب على أي عاقل يعي أهداف الثورة أن يعيد تقييم الأداء لكافة الأطراف. وسوف تظل عالقة بثوب الهتافات نقطة سوداء لم يتحدث في شأنها أحد بشجاعة، ماذا تعنون بهتاف "يسقط حكم العسكر"؟ ويجري الحديث أن حكم العسكر كان منذ عام 1952، ولكم هذا، ولكن ماذا تملكون أنتم لوطنكم حتى اللحظة غير هتاف بلا رؤية ولا مضمون وبدون قيادة ودفعتم بشباب الثورة إلى الاستشهاد والإصابة والأمراض النفسية، وهربوا من ادعاءاتكم إلى السكون، يقاومون الإحباط، لأنهم لم يجدوا مثلا أعلى بينكم، ووجدوا بديل ذلك تكالبا على منافع خاصة لا حد لها، ووجدوكم تضعون أيديكم في أيدي من قتلوا رفاقهم، ووجدوكم تجعلون من الشهداء مجرد مصدر للتعويضات ونسيتم قضيتهم التي استشهدوا من أجلها. إن للثورة شهداءها، نعم، وقد انتصروا وهم عند خالقهم في كسر حاجز الخوف، وكشفوا الجميع ومدى قدرتهم ولا أستثني أحدا، وتلبست أرواحهم وعي الشعب، وصار وهو الصامت والمنشغل بلقمة العيش، مصدر القرار، وسيبقى، فهل تستوعبون موقف الشعب أم أن الانشغال بأوهام غير مطروحة على الثورة هو سبيل الهروب من مسؤولياتكم. لعلي لا أملك غير أن أقول الكلمة، كتابة أو حوارا مع الشباب، ولا تقبل النفس جلوسا مع غيرهم، ولكني لن أقبل أن أترك انحرافا بالمسار أو استبدالا للخصومة دون أن أكشفه، قبلتم أو رفضتم. أمران يجب اليقظة تجاههما، الشباب والجمعية التأسيسية. إن استمرار الثورة لن يتحقق بغير استرداد الشباب للمبادأة، نعم .. الطريق طويل، ولكن ما استطاعوا إنجازه في 18 يوما، يمكنهم بتلك القدرات، وما ترتب على إنجازهم من نتائج، أن يعيدوا الإمساك بالثورة وأهدافها، وليس لهم من نبع للقوة غير الالتحام بقوى المجتمع المهملة من الجميع، وهم يرون في الشباب أمل الغد، واستجابوا لهم يومي 25 و28 يناير 2012 لأنهم أدركوا صدقهم، عودة الشباب إلى الشعب، هي طريق انتصار الثورة، العودة إلى الشعب ستفتح باب الوعي بمعنى الوحدة، والوعي بمعنى الدستور، فالشعب قد تجاوز الجميع، والشباب ليس أمامه غير الوفاء للشعب بوجودهم منظمين وساعين إلى تحقيق أهدافه. وتبقى الجمعية التأسيسية للدستور هي قضية الثورة في اللحظة الراهنة، ولا تقبلوا بالانقلاب الذي حاول الاستيلاء عليها من أي تيار كان، فالجمعية التأسيسية ليست تكوينا يعبر عن التكوينات السياسية وحسب، ولكن الجمعية تعبر عن كافة المكونات الاجتماعية للمجتمع، وليست جمعية لتقرير الأمور بأغلبية عددية، ولكنها جمعية لإتمام التوافق حول دستور الثورة. إن الدستور إرادة الشعب، والعلاقة بين الدستور والشعب ليست مجرد الاستفتاء، ولكن العلاقة جدلية فهو تعبير عن الإرادة الشعبية، وهو وعي الإرادة الشعبية بما يتضمنه، حتى يمكن استفتاء الشعب عليه. إن المحاولات الجارية لترويض الثورة ...ع أنيابها، لن تجدي، لأن الثورة موجودة فيمن لا تصل إليه أيديكم ولا عصاكم، إنهم دائما في حالة يقظة، لأن حاجاتهم لم تتحقق بعد، ومن يتعلم أسلوبا ينجز به حاجاته، لا ينساه ولا يتنكر له.
449
| 26 يونيو 2012
الوقائع المتعاقبة في مصر خلال الأيام الماضية كانت كفيلة بأن تملأ دهرا من الزمان ليصف المراقبون ما يجري بأنه دلالة حيوية، ومن المفارقات أن العديد من البشر تلقوا حكم المحكمة الدستورية بحل البرلمان "بالزغاريد"، لتخلصهم من كابوس خارج عنهم وهم الذين استحضروه بأيديهم، وكأنهم فرحوا بغفران من السماء لاختيارهم هؤلاء النواب ممثلين عنهم، وهم ذات البشر الذين تلقوا مؤتمر محمد مرسي فجر الإثنين والذي أعلن فيه محمد مرسي فوز محمد مرسي!، أيضا بزغاريد وجدتها تنطلق من شرفات منازل تحيط بمنزلي ومكالمات الفجر أنه كان يجب ألا يفوز شفيق. كابوسان انزاحا ولكن هل خلت الساحة من أشباه الثوار والسياسيين وأشباه المفكرين بل أشباه الرجال، حيث الرجولة صفة فارقة عن الذكورة؟ لا أظن. الثورة ليست رمية زهر على لوحة لعبة السلم والثعبان، وبما ينتجه الزهر من أرقام بحكم الحظ يمكن أن تصعد سلما يوفر جهدا، أو أن تقع بين فكي ثعبان يهبط بك للأسفل، الثورة أثابكم الله، علم، ودراسة لقوى مجتمع، وقدرة على توظيفها لرؤية ناتجة من المجتمع وليست مستوردة لينال المتحدثون بها رضا وتقديرا ولينحرفوا بالمجتمع عن احتياجاته، والثورة حالة من الصحة النفسية لا يُقَيَّم فيها الرجال بنوع تسريحة الشعر أو لون ربطة العنق، وليست مجرد ألسنة وهتاف دون أن نملك قدرة الحصاد لنتائج نريدها ويستخدم غير الثوار حماس الثوار ليصنعوا ثانية استحواذا جديدا على مجريات الأمور. استطاب الكثير هنا في أحاديثهم وكتاباتهم وصف أحكام المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون العزل السياسي وهو حكم يتيح لشفيق أن يستمر في انتخابات الرئاسة، وعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب بأنه انقلاب ناعم من المجلس الأعلى للقوات المسلحة للاستيلاء على السلطة، وزاد من دعم هذا الوصف قرار من وزير العدل بمنح رجال الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية حق الضبطية القضائية، وهو قرار في مضمونه إعلان جزئي للأحكام العرفية، نرفضه نعم، ولكن أليس هناك من أعلن أن نجاح شفيق سيعني موجة من العنف؟، وإذا كانت الخفة أخذت بعقول المُحدثين في ممارسة السياسة إلى هذا الحد، أليس من الضروري أن تكون هناك محاولة لوقف هذا النزق؟. وشهدت مصر أيضاً صراعا محتدما حول الجمعية التأسيسية للدستور، وبلغت مناورات الإخوان فيها حد أن الطعون عليها بدأت قبل أن تجتمع، بل إنها كشفت أيضاً أن الإخوان لا يعنون ما يقولون وينحون إلى الإقصاء والاستحواذ وهم الأحوج إلى اصطفاف سياسي معهم في أمر انتخابات الرئاسة، ولكنه العجز عن قراءة الواقع المصري والكِبر وقاعدة الاستحواذ التي سيطرت عليهم. وكان غريبا أيضاً أن تخرج فتوى من الشيخ القرضاوي تبيح للناخب إذا عرضت عليه أموال مقابل صوته أن يأخذ الأموال ويعطي صوته لمن يشاء، وكأننا بدلا من أن ندعو إلى القيم بين شعبنا الفقير أو غير الفقير، نربيهم على قبول الرشوة. وكان من أثر الأحكام القضائية أن برز اتجاه يرفض أن يملك المعسكر الآخر كل الأوراق، وإذا كان البعض يعطي صوته لشفيق على مضض تخلصا من سيطرة الإخوان، فقد وجب مراجعة الموقف واتخاذ موقف مع مرسي ضد شفيق؟؟ هكذا وصل الحال في اتخاذ القرار، تأرجح صنعته قدرة المعسكر المعادي أو المناور على الثورة، وعجز وغياب معسكر الثورة، وصار الشعب هو من يدير المواجهة وأيضا ببطاقة التصويت الوسيلة الوحيدة التي يملكها. كانت الرؤية الأساسية في رفض كلا المرشحين، أنهما من المعسكر المضاد للثورة، أحدهما من النظام السابق، ومتهم في 34 قضية لم تحاول النيابة دراستها أو التحقيق فيها، والثاني من الجماعة التي تحالفت منذ قيام الثورة مع الإدارة الجديدة في مصر سواء في الاستفتاء أو صياغة قانون غير دستوري للانتخابات البرلمانية أو القبول بإعلان دستوري كانت عليه ملاحظات، وأخيرا بالموقف من الجمعية التأسيسية للدستور. وامتد تفسير الصراع بينهما أنه تنافس وأن مرسي إن نجح سيحمل "كفنه" ويسلم نفسه للمعسكر ذاته ممثلا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة ويهديه فوزه. ويعلن المجلس العسكري إعلانا دستوريا مكملا، وتقوم دنيا الأصوات العالية رافضة!، عظيم أن تعلم ما لا تقبل، ولكن على الثوار أن يحددوا ما يقبلون، ولن أمل من تكرار أن أشباه النخبة وأشباه الأحزاب وأشباه المرشحين وأشباه الثوار رفضوا في أغلبهم اقتراحا هيكل رؤية البرادعي، وقبلوا اللعب بالقواعد التي وضعها البشري والإخوان والمجلس العسكري، ولي حول هذا الإعلان ما يلي: أولا: أن الإعلان حسم أمر العلاقة بين الدولة والجيش، بما يعني أنه في عقيدة المجلس العسكري في هذه اللحظة ليست هناك دولة مكتملة الأركان، أو دولة عاقلة متوازنة، يمكن أن يطبق معها ما تقر به العلوم والأبحاث في شأن العلاقة بين الجيش والدولة. وهنا اتخذ الإعلان أمرين: 1ـ عدم ترك قرار الحرب للرئيس المنتخب منفردا، بل يجب أن يكون القرار مشتركا مع المجلس العسكري. 2ـ أنه أضفى صفة الثبات والدوام على المجلس الأعلى بأشخاصه، وأنه وحده الذي يتصرف في كل ما يخص المؤسسة العسكرية، وتحديد وزير الدفاع والقائد الأعلى. كلا الأمرين مناقض للرؤية التي استقرت لتحديد العلاقة بين الجيش والدولة، ولكنها إن رآها البعض أنها انقلاب مطلق، فهي في الوقت ذاته اعتراف برخاوة الدولة، وانعدام يقين في قدرة القادم لمنصب الرئاسة، ومدى إدراكه للمسؤولية تجاه ما يقرر بشأن الحرب، أو ما يقرر بشأن الجيش ذاته. ولعل السادة الذين تعاملوا بخفة في أمر العلاقة بين الجيش والدولة، وحولوها إلى أحاديث أرصفة الشوارع والمقاهي، يدركون الآن أهمية الدعوة التي وجهناها لعقد مؤتمر وطني لتحديد هذه العلاقة وفق ما وصلت إليه العلوم السياسية والإستراتيجية عبر مئات السنين، بل وما وصلت إليه مصر في أعقاب حرب 1967 ونشرناه في هذا المكان، ولكل المعترضين في هذه اللحظة أقول: هل ترتفعون إلى مستوى الأمر وجديته، أم أنكم ستهتفون بسقوط حكم العسكر وأنتم لا تملكون بديلا؟. ثانيا: الجمعية التأسيسية للدستور وتولي المجلس العسكري أمر تشكيلها وحسب الوارد من معلومات، أن يكون ذلك وفق ما اقترحه المجلس الاستشاري ووافقت عليه القوى السياسية في أبريل الماضي، والذي خرجت بعدها اللجنة التشريعية بمشروع قانون، سكتت عنه، لتعود إلى مشروعها الأخير والذي أنتج من الانقسام أكثر من إنتاج جمعية تأسيسية تعبر عن القوى الوطنية والاجتماعية المكونة المجتمع، حيث صار المجتمع عندهم هو الإخوان والسلفيون، ثم ما يضاف إليهما. ولا أجد بديلا من هذا الأسلوب رغم ما ينطوي عليه من احتمالات خطر من ناحية أخرى، أنه سيصدر كقرار، وأيضا لا ناقض له إلا الدم، فهل يرتقي المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى مستوى الاحتياج الوطني ويفتح الباب على مصراعيه لتكوين هذه الجمعية دون إقصاء أو استحواذ؟. ولعله من الواجب مراعاة آلية التعامل مع الاختلاف داخل الجمعية التأسيسية حول مواد الدستور إن وجد اختلاف، وعدم الركون إلى المحكمة الدستورية، ولكن لتكن المحكمة الدستورية جزءا من جماعة الفقهاء الدستوريين التي يمكن الاحتكام إليها لحل أي اختلاف. ومن الواجب أن تتاح فرصة لحوار مجتمعي حول مسودة الدستور قبل الاستفتاء عليه، بل يجب أن يبدأ على الفور حوار حول التنمية والعدالة الاجتماعية، حتى لا يكون الدستور مجرد صياغات لا ترتكن إلى رؤية علمية تدرك مقدرات وإمكانات المجتمع، وتجمع الشعب على إرادة التنمية وأيضا تلزم المجتمع بمعنى مفهوم العدالة الاجتماعية، ليلتزم به كل من يتولى مسؤولية. وكذلك الأمر بشأن العلاقة بين القوات المسلحة والدولة، وضمانات صحتها لصالح المجتمع وفق معايير صحيحة، إن كانت الضرورة تؤدي إلى تجاوزها في اللحظة، فيجب ألا نفتح بابا ليتحول التجاوز إلى قاعدة دائمة لهذه العلاقة، لأنه يقوضها ولا ينشئها. ولعله يصبح من الواجب هنا أن نقول وبشفافية للمجلس الأعلى (الدائم وفقا للإعلان المكمل) للقوات المسلحة، إن مصالحة مع الشعب يجب أن تتم، وأهمية الإفراج عن المعتقلين والمحاكمين عسكريا لرفع حالة الاحتقان، وإعلان حقيقة المسؤوليات في وقائع ماسبيرو ومجلس الوزراء والقصر العيني ومحمد محمود وبورسعيد، بل إن المجلس يمكنه إن أراد أن يحدد من هم القناصة المسؤولون عن قتل المتظاهرين. ثالثا: أن الانتخابات النيابية التي تعقب إقرار الدستور يجب أن تقوم على قانون جديد، يتيح الفرصة المتساوية أمام الجميع للترشح وفق إمكانات متوسطة، وهو أيضا يستلزم مراجعة حالات الإفساد السياسي والفساد الوظيفي والمالي داخل المجتمع، سواء بقانون للعزل أو بقواعد تحكم الصحة السياسية والمجتمعية وفق معايير ما أنتجته الثورة من قيم، ويجب تقنين هذا الأمر على الأقل قبل انتخابات المجلس النيابي ومتزامنة مع إقرار قانونه، وهذا يستلزم إرادة سياسية قبل الصياغة القانونية، وإلا فما شرعية كل ما صدر في الإعلان التكميلي إن لم يكن محاولة جادة لتصحيح مسار 16 شهرا مضت، وإنه محاولة لنصرة الشعب الذي تحمل عبء الثورة والشهادة وضريبة الدم والصبر. وتؤكد نتائج مرحلتي انتخابات الرئاسة، ورغم تزاحم متغيرات اللحظات الأخيرة، أن الشعب يتدبر أمره فيما أراده بثورته، وهو يدير معركته بذاته وبالآلية المتاحة أمامه وهي التصويت، رغم كل ما يقال عن العصبيات والقبلية والعائلات الحاكمة وأصوات القرى التي يملكها عمدة القرية. القراءة المباشرة للأرقام وفق ما أعلن تؤكد أن الشعب، ورغم الفارق البسيط الظاهر بين المرشحين، لن يقبل بإعادة إنتاج نظام مبارك، كما أنه لن يقبل باستبداله بنظام مستبد جديد تحت عباءة الدين. الأصوات التي ذهبت إلى مرسي ضد النظام السابق الأصوات الباطلة (750 ألفا)، والممتنعون عن التصويت، ضد كل من النظام السابق والإخوان. والأصوات التي حصل عليها شفيق بسبب رفض أداء الإخوان والتخوف من غموض نواياهم. الحديث عن إمكانية إعادة إنتاج النظام السابق هو فزاعة يجري إرهاب الشعب بها، ولكن ذلك لا يعني عدم غياب رؤية للثورة تحدد النظام الذي تريده، أو آلية تجمع عناصر الثورة وتتخلص من الذين يتعايشون على الثورة دون إضافة مسؤولة حول كيف نحقق الأهداف التي نلوكها بالقول وفقط. بإعلان نتيجة الانتخابات لن ننتقل إلى مرحلة جديدة، ولكننا نعود إلى قبيل استفتاء مارس 2011، محملين بكل دروس الفترة الانتقالية، ومواقف القوى والجماعات والأشخاص. ترك المجلس الأعلى للقوات المسلحة حبل الطموح والجشع للإخوان على سجيته، فالتف حول رقبتهم، والسؤال بعد جملة وقائع الأسبوع الماضي والإعلان التكميلي، هل أدرك الإخوان الدرس؟. إن إدراكهم للدرس يتطلب بالأساس انقلابا في المفاهيم السياسية داخل الجماعة وعلاقتها بالمجتمع ـ إن لم تتعرض لحكم بالحل في القضية المنظورة اليوم الثلاثاء أمام القضاء الإداري ـ وتغير المفاهيم ربما يتطلب تغييرات في القيادة، وكلاهما أمر مستبعد تحققه بالسرعة الواجبة بما يواكب الاحتياج الوطني، والأغلب أنهم ذاهبون إلى توافق جديد مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وفق التغيير الذي جرى على الموقف التفاوضي بينهما. والمجلس العسكري مطالب بأن يعيد قراءة المطالب الشعبية التي أعلن عن تفهمه لها، والتي تتمثل في العيش الحرية العدالة الاجتماعية، وعدم قصرها على إنهاء مشروع توريث الحكم، وتجاوزه إلى مواجهة الفساد وإعادة البناء لدولة عصرية بما تحمله الكلمة من معان، وبكل الشعب. سواء استوعب الإخوان أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، دروس المرحلة الانتقالية أو تجاهلوها وظلوا أسرى رؤاهم الخاصة، فإن الشعب الآن أمامه مهمة بناء كيانات جماهيرية منظمة، وأن يدرك ضرورة الفرز وأهميته، وأن السعي إلى دستور يحقق له أهدافه، وانتخاب مجلس نيابي جديد يفرض على عناصر الثورة الحقيقية بعد الفرز وأن تدعم من تختار وأن تنتج بديلا ملائما للمعروض عليها من أشخاص. هكذا عادت المبادأة إلى الشعب فهل يستوعب الجميع ذلك؟
438
| 18 يونيو 2012
خلال الأيام الثماني عشر الأولى لثورة يناير أخرج الشعب المصري أروع ما يملك من صور الوحدة وتجلت حالة الفداء والتضحية بين البشر المحتشدين والمعتصمين، لتستمر هذه الحالة بعد ذلك تجمع الشعب من الصبية والشباب والشيوخ في ملحمة مضافة للثورة أطلق عليها اللجان الشعبية التي تحمي الأحياء والشوارع والمباني، لتبدأ من بعد ذلك حالة التقسيم عندما جاء البشري ولجنته بالتعديلات الدستورية التي مثلت أول خطوة للانحراف بالثورة عن مسارها، وليخرج من ورائه جوقة ممن يطلق عليهم المشايخ لرطانتهم باسم الدين، تتحدث عن غزوة الصناديق، يومها تحقق الانقسام، وكأن مصر كانت بلدا وضع من جديد على خريطة العالم، وكأن حضارة مصر لم تصغ لها هوية، وخرجت لنا من الكهوف عقول لا تحمل خيرا للوطن وكأنها تفتح دولة الإلحاد على يدٍ مجهولة المنشأ والهدف، وتشكل أمام أعيننا تحالفا بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين جماعة الإخوان والسلفيين وتيارات أخرى خرجت من السجون أو فتحت أمامهم مطارات مصر تحت حالة من القبول المريب، وكأن هناك مخططا لإعادة التكوين الاجتماعي والسياسي والفكري لمصر. ذات المخطط الذي خططت له أمريكا بلجنة ديك تشيني وإبرامز وزلماي خليل زادة وبندر بن سلطان، عندما سعت لتكوين جبهة سنية في مواجهة محور إيران سوريا حزب الله، في أعقاب حرب لبنان عام 2006، وكانت الغاية من تلك اللجنة القضاء على الآثار التي ترتبت على صمود حزب الله، وكان الدور الأساس لوجود بندر بن سلطان هو التمويل. لا تملك جبهة معاداة الشعب العربي، والسيطرة على مقدراته أي صورة من صور الإبداع في المواجهة، ولكنها تملك المعلومات وتملك أعمال المخابرات وتملك علاقات تاريخية مع أجهزة مناظرة لها في الدول العربية التي كان مبرر استمرار أنظمتها هو أمن إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة. لم يغب على العقل الغربي والأمريكي تلك الرؤية البريطانية السابقة على ميلاد الكيان الصهيوني للسيطرة على المنطقة والتي كانت تعتمد الدين أساسا للسيطرة الداخلية، وأساس التقسيم السياسي للمنطقة. ويومها كانت الرؤية البريطانية في نهايات القرن التاسع عشر ترتكز على إيجاد نظام ديني يسيطر على المنطقة، ويكون تابعا للغرب. وهو ذات الأساس الذي استخدمته المخابرات الأمريكية في إعلان الجهاد في أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي ليولد تنظيم القاعدة على أيديهم وبتدريب من خبرائهم وتمويل من الأموال العربية، وليظهر داخل الشعب العربي ما أطلق علية الأفغان العرب أو هم العرب الذين تطوعوا للجهاد المقدس ضد الإلحاد في أفغانستان. ولم يكن الخارج وحده مصدر ظاهرة العرب الأفغان، بل سبقهم في ذلك أنور السادات عندما استدعى التنظيمات الدينية داخل الجامعة لمواجهة تيارات سياسية ناصرية وماركسية كانت تواجه مخططاته الانقلابية على إرادة الشعب في التحرير، واستدعى الإخوان من الخارج، وتولى كل من محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان مسؤولية البناء التنظيمي والتمويل للجماعات الإسلامية، وتولت أجهزة الأمن في الوقت ذاته تصفية التيارات الناصرية واليسارية في كل الجامعات وكانت قمة المواجهة أحداث 1977 والتي أطلق عليها انتفاضة الخبز ليعود السادات ويطلق عليها انتفاضة الحرامية بعد أن هرب من أسوان إلى الإسماعيلية، وبعد أن تولى أمن الدولة تصفية كافة القوى السياسية في مصر، ولينتهي الأمر بالسادات إلى رحلة القدس. كان كل هؤلاء المتحدثين عانوا في غياهب السجون آلام الحبس، في الأساس جماعات جرى تشكيلها والسماح لها بالعمل لتفريغ الإرادة الوطنية من مضمونها السياسي والاجتماعي والوطني. ويبدو أن ضرورات الميلاد تواصلت بعد يناير 2011، واتخذت التيارات التي نمت وتوغلت وجرى تمويلها بسخاء طوال فترة ميلادها الجديد وظلت تعمل في ساحة تكاد تكون خالية من باقي القوى، اتخذت هذه التيارات جانب سلطة الإدارة بعد الثورة وتوافقت مع القوى المضادة للثورة، لتحقق مآربها في الوصول إلى السلطة دون أن يكون الوطن والشعب والهوية محل اعتبار لها، ولكن هي رؤاها الذاتية في إقامة دولة الخلافة كما تدعي وإقامة شرع الله! دون أن تدرك التاريخ، تبقى المواقف عرضة لعدم الفهم والتصرفات غير قابلة للتفسير. الأمر في مصر الآن ليس صراعا بين الدولة الدينية والدولة المدنية، بل الصراع في مصر الآن هو استطراد لما بدأ أول السبعينيات، بين نظام السادات، والجماعات الدينية التي أنشأها لمواجهة الحركة الوطنية، وقبلت تلك الجماعات هذا الدور في حينها، وظل حتى اليوم عقيدتها، رغم محاولات تهذيبه، وتجميله، وظل منهجهم حرق التاريخ، ليبقى وفقط ما يصنعونه، بالتسلل والاتفاق مع السلطة، أو باستدعاء التكفير والمواجهة بالقوة إن لزم الأمر في مواجهة باقي القوى السياسية. ليس مستغربا ذلك التوافق إلى حد الاتفاق بين طرفي التيارات والتنظيمات الدينية، وبين سلطة الحكم، سواء كان السادات أو مبارك أو حتى سلطة الإدارة بعد الثورة، فأساس الاتفاق هو دولة العلم والإيمان، كما أعلنها السادات تحت الرعاية الأمريكية والصهيونية، وكل الاختلافات أو الاعتقالات كانت بين أطراف تجمعهم رؤية سياسية واحدة، ويتنازعوا على السلطة فيما بينهم، وكلاهما لا يرى في الشعب أو باقي القوي السياسية، غير أدوات أو خصوم خارج الصراع. بالقطع داخل هذا السرد الإجمالي تفاصيل متعددة، ولكن بالأساس لا يجب أن تَحُول أحداث الصدام بين الطرفين المكونين للنظام، عن الرؤية الاستراتيجية الحاكمة لهما، ولعل قراءة للرؤية الاقتصادية التي تجمع بين نظام السادات الاقتصادي الذي توحش على يد نظام خليفته، والذي أهدر أعظم ما امتلكت مصر من قدرات للإنتاج، أو علاقات للإنتاج، وسعى لإعادة بناء أنماط الاقتصاد الريعي والطبقة الرأسمالية الجديدة والتي سعت لهدم الاقتصاد المصري منذ بيع الشركة العامة للبطاريات وتقطيع ماكيناتها إلى أجزاء بمناشير ضخمة في عصر السادات، إلى سياسة الخصخصة في عصر خليفته، وعلى ذات النسق كان أول توجه للإخوان بعد ثورة يناير إلى جلال الزوربا رئيس اتحاد الصناعات المصرية وقام بالزيارة كل من الكتاتني رئيس مجلس الشعب الحالي ومرسي مرشح الرئاسة، ويجب هنا أن نتذكر أن الزوربا هو رجل الكويز ومهندسها، وهو رئيس اتحاد الصناعات المصرية!! ولينشئ بعد ذلك كلٌ من الزوربا وحسن مالك رجل الإخوان المالي، جمعية لرجال أعمال غير التي أنشئت في عصر السادات، وتحمل اسم "ابدأ". ويبقى سؤال هل حملت زيارة الكتاتني ومرسي إلى الزوربا أي رسائل اطمئنان إلى إسرائيل؟ سؤال مشروع ولا يملك غيرهما الإجابة عليه. أراد الإخوان مد العلاقة مع الطبقة الرأسمالية التي أنشأها مبارك وابنه. وفق هذه الوقائع، يصبح تفسير المواقف ممكنا سواء، في أزمنة حكمي السادات ومبارك، وقبيل ثورة يناير الشعبية أو بعدها خلال وقائع الثمانية عشر يوما أو طوال الفترة الانتقالية، ويصبح خبر اللقاء بين وفد للإخوان وبين أحمد شفيق لا يحمل أي مبرر للاستغراب، فهو حوار بين أطراف على جانب واحد، وموقف واحد من الثورة، وهذا نسق التعامل المستمر طوال الأربعين عاما الماضية، ملاسنات في العلن واتفاقات في الغرف المغلقة، والشعب والوطن يدفع الثمن. وعلى الجانب الآخر في هذا الصراع حول الثورة ونتائجها، يجب الاعتراف أن الأحزاب التي كانت قائمة في نظام مبارك أو تلك الناشئة بعده، لم تتمكن من قراءة دلالات الخروج الشعبي في ثورة يناير، واستولى على خيالها لعبة غسيل المخ التي دارت منذ أوائل الثمانينيات تحت دعاوى حقوق الإنسان، وتداول السلطة، وعندما لم تجد لذاتها مرجعية سياسية واجتماعية، نزعت إلى الاصطفاف تحت دعاوى الليبرالية والمدنية، وهي في علاقاتها ووزنها الشعبي لا تعدو ديكورا غير ناضج لوجودات سياسية لا يمكنها إحداث توازن مع ائتلاف التيارات الدينية والإدارة الحالية للنظام في مصر، خاصة وأنها تفتقد لغة خطاب سياسي يفتح لها باب القبول الشعبي، في مواجهة خطاب الحلال والحرام الديني فضلا عما تأسس للكيانات الدينية من علاقات اجتماعية وأهلية بين التجمعات الشعبية التي تعاني الفقر، عبر باب الإحسان بيد من يملك المال وبلا حساب وبلا جهد والخزائن مفتوحة على مصراعيها، وغير الخزائن هناك احتمال للمخازن أيضا. هذه الكيانات السياسية والنخبة والتنظيمات الدينية، في مجموعها تلعب خارج إطار الثورة وإن رددت كلمات الثورة على ألسنتها دون إقرار بمتطلباتها، حتى عندما حانت الانتخابات البرلمانية، كانوا جميعا مسؤولين عن قانون الانتخابات المعيب، والذي مكنهم من الاستيلاء على مقاعد البرلمان بالقوائم، الثلثين، وبالترشح على المقاعد الفردية، وحصل الإخوان على 134 مقعدا بالقوائم و103 مقاعد بالفردي، خاصة وأن تقسيم الدوائر تم وفق إرادتهم بما يستحيل معه أن يباشر أي مستقل الترشح وإدارة العملية الانتخابية لاتساع الدوائر مما يستلزم معه إمكانات مادية مفتوحة، لا تتوافر لغيرهم بهذا السخاء وبعيدا عن الرقابة. وهو ذات الموقف في القبول بالانتخابات الرئاسية دون وضع الدستور، ونبه إلى هذا الأمر الكثير من العاملين بالعمل العام ومنهم البرادعي والذي اتخذ موقفا بالانسحاب من السباق الرئاسي واصفا إياه بأنه لعب بلا قواعد أو محددات سياسية، وبقي ثلاثة عشر مرشحا يرى كل منهم في ذاته محورا للكون، وأخذت العملية الانتخابية ببصر الشعب، ولكنها لم تأخذ بعقله ليغير موقفه في التصويت في انتخابات الرئاسة ويساوي بين الأطراف جميعها، وكأنه استخدم ورقة التصويت كي يرفض ما لا يريده. ولأن لكل فعل كما زلزال التصويت هذا، توابع، شهدت الساحة الشعبية حالة من الرفض لوجهي العملة معا، شفيق ومرسي، وعدل كل منهما خطابه. شفيق يتحدث عن دولة مدنية!، وكأنه قدم لنا من خارج نظام فاسد، وصار المحور الأساس لدعايته الانتخابية هو الهجوم على الإخوان ووصمهم بأنهم سارقو الثورة، وفي المقابل انتقل حديث مرشح الإخوان من دولة الخلافة الإسلامية وعاصمتها القدس، إلى ارتداء ثوب الثورة، ليصف ذاته بأنه ابنها، وهو مسؤول الحزب الذي صمت على كافة عمليات الإجهاض للثورة وشارك في تشويهها وبلع لسانه في مواجهة دم الشهداء المسال على الأسفلت. وبلغت المزايدات مداها في أعقاب صدور الحكم على مبارك، ولتتحول جلسة المجلس النيابي إلى مؤتمر سياسي لانتقاد القضاء والمطالبة بتطهيره، وهؤلاء الذين يصرخون بذلك لم يناقشوا قانون السلطة القضائية، وحاولوا التعرض للمحكمة الدستورية التي هي مؤسسة خارجة عن سيطرتهم الكاملة. وخرج رئيس المجلس الأعلى للقضاء لمواجهة حصيفة ولكنها حاسمة لمن يتعرض للقضاة والأحكام القضائية، وأطلق رئيس نادي القضاة أوصافا من العيار الثقيل على المجلس، بل مد الخط على استقامته بأنه سيستعين بالخارج. وتبرز أزمة الجمعية التأسيسية، بإقرار أن نصف الأعضاء للتيارات الدينية وأن نصفها الآخر لغيرهم، وهو أمر يتناقض مع ضرورة أن تكون الجمعية التأسيسية للدستور معبرة عن أطياف المجتمع ومكوناته الاجتماعية والإنتاجية والثقافية، وصار الألم والمرارة هو النتيجة الطبيعية لانهيار العقول والوعي لدي المتحاورين حول معايير الجمعية التأسيسية، وكأنها أصبحت دوامة تستخدم لتعديل المواقف التفاوضية بين الأطراف المسيطرة على السلطة. ومع كل المخاطر المحيطة بمشروع الدستور المصري من هذه المناورات، فإن المحكمة الدستورية ستنظر الخميس 14 يونيو، تقارير هيئة المفوضين حول قانوني العزل السياسي وقانون انتخابات مجلس الشعب، والتقارير المعروضة تؤدي إلى إلغاء الانتخابات الرئاسية وحل مجلس الشعب. وهذه الأحكام ستمثل انفجارا كبيرا في المسار السياسي. شهد ميدان التحرير أولى مواجهات العنف لأن أحدهم حمل صورة ترفض كلا المرشحين وهاجمه أنصار مرسي وأصيب ثمانية أشخاص نقلوا إلى المستشفيات. نذر انفلات إلى العنف. وادعاء بانتماء للثورة، وأن دم أنصار الخصم أرخص من دم الدجاج. ومناورات اللجنة التأسيسية المؤدية إلى التقسيم الطائفي. هذا كله يفتح الباب أمام عنف ودم، أو يفتح بابا للانقلاب العسكري، وهذا الأخير له صور متعددة، تتوافق والعصر.
447
| 11 يونيو 2012
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1383
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...
753
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...
654
| 23 يوليو 2026
من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...
591
| 22 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
579
| 27 يوليو 2026
وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول...
564
| 21 يوليو 2026
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...
558
| 25 يوليو 2026
ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...
507
| 23 يوليو 2026
إن المشهد المتكرر لظاهرة الكلاب الضالة التي بدأت...
453
| 22 يوليو 2026
عندما تُشيَّد الجسور بين المدن والدول، فإنها لا...
447
| 23 يوليو 2026
المشهد الفكري والاجتماعي للمجتمع الإنساني، بكل أجناسه وملله...
429
| 24 يوليو 2026
ما إن تخرج من بطن أمك- جزاها الله...
420
| 22 يوليو 2026
مساحة إعلانية