رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فلسطين ... قضية العرب المحورية

تؤكد عملية أعمدة السحاب العسكرية الإسرائيلية وما يواكبها أن القضية الرئيسية للعرب هي فلسطين وليست مجرد غزة. ليست القضية حصار غزة، أو محاولة فك الحصار، ولا هي فتح المعابر أو إغلاقها. إعلان أن ما يجري فوق أرض غزة هو عمل يتجاوز الإنسانية هو في ذاته إعلان بغياب الوعي عن أن الإنسانية أهدرت فوق أرض فلسطين منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل ـ سويسرا 1897 واختيار فلسطين وطنا لهم، ومنذ وعد بلفور 1917 والذي جاء تحقيقا لزراعة جسم غريب في فلسطين ليحول دون أن يبقي العرب عربا. ما يجري يتجاوز الحديث بأنه اختبار للإدارة المصرية الجديدة وكذلك يتجاوز أنه عملية طرد للفلسطينيين إلى سيناء وتحقيق مشروع تبادل الأراضي الصهيونية بديلا عن الضفة الغربية. ويتجاوز أيضا إرجاع ما يحدث أنه محاولة لكسب الانتخابات من نتنياهو وباراك، أو أنه محاولة لإجهاض الطلب الفلسطيني المقدم للجمعية العامة للأمم المتحدة للموافقة على قبول فلسطين عضوا مراقبا بالمنظمة. وما تردده بعض من يقال عنهم مصادر مسئولة ـ يفترض فيهم أنهم يحترمون من يتحدثون إليهم ــ بأن إيران تشعل الموقف لتوريط مصر في معركة مع إسرائيل، هو أيضا غياب عن الواقع وهروب من المسؤولية، وإقرار بعدم وجود تصور لدى هؤلاء عن حقيقة أن إسرائيل هي مصدر الخطر الرئيس على مصر والعرب جميعا ولا يحتاج الأمر إلى عوامل خارجية مساعدة. إن ما يجري فوق أرض غزة يفرض على كل العقلاء ألا ينشغلوا بظواهر تحيط بالقضية الأساسية ويتجاهلون القضية الأصلية، إن إسرائيل مصدر الخطر الرئيس. المؤكد أن الواقع العربي بعد عملية أعمدة السحاب سيختلف عنه بعدها، وبقدر ما يصف البعض ما تبقى من الثورة المصرية وما أطلق عليه الغرب "الربيع العربي"، إنه يكفيها أنها أثبتت قدرة الشعب وكسرت حاجز الخوف وكشفت الغطاء عن حقيقة الفساد وقوى الظلام وعجز الساسة وتنظيماتهم، فإن وقائع أعمدة السحاب ستؤدي إلى كشف الواقع العربي كله، ومدى التردي الذي أصابه بشأن حسابات المخاطر وحل الأزمات وليس مجرد إدارتها. وأي محاولة لقراءة الوقائع لا تملك إهمال ما يجري في سوريا والأردن ولبنان وربطه بأعمدة السحاب الجارية. وقائع أعمدة السحاب تعيد للذاكرة عملية القتل لأهل القطاع عام 2008 تحت اسم الرصاص المصبوب حيث اجتاح الجيش الإسرائيلي غزة، وظل العالم والعرب في موقف يتراوح بين حق إسرائيل في الأمن، ولطم الخدود على الحصار الظالم، وتحولت غزة ومعابرها إلى أيقونة الجدل العربي، وكأن العرب فتحوا خزائن أموالهم وأشعلوا الصراع البيني بينهم مقابل الدم المسال في غزة حينها. تكرار ما حدث في 2008 كان احتمالا واردا في كل لحظة، فليس هناك ما يوقف عجرفة القوة الإسرائيلية، خاصة وأن الأنظمة العربية انغمست في "اللا موقف"، وليطيح تسونامي حركة الشعوب بالأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن، ويفتح الباب أمام حركة تغيير داخل المجتمعات العربية لم تستقر بعد لتفصح عن نتائجها النهائية. المواجهة الجديدة تحمل سمتين لا يمكن تجاهلهما: الأولى: هي القدرة لدى منظمات المقاومة في غزة على امتصاص الهجمة الأولى، والتي أدت إلى مقتل أحد قادة كتائب القسام، وتدمير بعض مخازن الصواريخ، ثم الرد بما يوحي بوجود خطط مسبقة وتتابع تنظيمي يؤهل لإحلال قيادة جديدة محل السابقة، وأن يصل الرد إلى كشف قدرات تملكها المقاومة ومنها صواريخ يصل مداها إلى تل أبيب وهرتسيليا والقدس وبئر سبع وديمونة، وأيضا امتلاك أساليب وتكتيكات للإطلاق متنوعة، تحافظ على العنصر البشري المقاتل المدرب، وأيضا القدرة على تعويض الخسائر كما أكدت تقارير تتابع الموقف عن قرب، فضلا عن قدرة إنشاء غرفة عمليات موحدة بين التنظيمات، وانحسار نضال الميكروفونات، علامات تؤكد أن هناك بين الرجال، قد بلغ الرشد مبلغه وأن الإعداد لمثل هذا الموقف قد سبق نقاشه والاتفاق عليه. والثاني: أن الحيرة والتخبط والإفلاس يشمل النظام العربي، وبلغ الأمر مداه أنه لا يملك رؤية ويفتقد أي قدرة على الفعل، سوى أن يرفع شعار التهدئة، وإيقاف العمليات العسكرية، بينما يعلن أوباما أن الخطر هو وجود صواريخ في قطاع غزة ويجب إنهاء وجودها، وعلى الجانب الآخر تعلن المنظمات أنها لن تتوقف دون ضمانات، ولم يتضح بعد ماهية الضمانات المطلوبة، أم هو كسب وقت للاتفاق الداخلي على التوقف. تحمل التقارير أن داخل غزة هناك جدل بين خيار المقاومة وخيار السلطة المنقوصة سواء كانت حكومة أو كانت تصورات تنقل الشعب الفلسطيني من حالة المقاومة إلى حالة التعايش مع واقع الاحتلال. هذا الجدل داخل غزة هو علامة صحة ولا يمثل خطرا، ويمكن له أن يخرج من القطاع وينتشر في كل أرجاء فلسطين ليكسر حالة تصلب الشرايين التي أصابت منظمة التحرير الفلسطينية وكأنها شاخت وتجاوزتها الوقائع، وامتداد زمن المواجهة وقدرة المقاومة في غزة على الصمود هي العامل الرئيس لإنضاج حالة الجدل ومحاولة استرداد الحيوية للكفاح الفلسطيني، ليعود ويفرض نفسه على الواقع العربي كظاهرة حياة للأمة العربية بأكملها. يتشابه الموقف في غزة اليوم مع الموقف في جنوب لبنان 2006، كلاهما حمل مفاجأة "الزمن"، فاليوم مر على المواجهة في غزة 6 أيام، ومفاجأة "القدرة" في امتلاك تنوع عالٍ من الصواريخ أرض/أرض وأيضا القدرة على تنويع استخدامها بما يعني أن هناك "رصدا" مسبقا للأهداف وليس مجرد إطلاق لمقذوفات بلا هدف، بل وفرض على إسرائيل تصعيد الحشد من 30 ألف جندي احتياط إلى 70 ألف جندي احتياط، ولم تستطع بعد التقدم في هجوم بري، وهو مصدر التكلفة الرئيس للحرب لدى العدو خاصة إن أضفنا إليه إغلاق مدارس جنوب إسرائيل، بل إن 60% من السكان الإسرائيليين عرفوا الطريق إلى الملاجئ، وسمعوا صفارات الإنذار، وتعرضت تل أبيب ومستوطنات حول القدس إلى صواريخ يصل مداها إلى 80 كيلومترا، سواء أصابت أهدافا أو لم تصبها. خسرت إسرائيل خلال 6 أيام معنويا وأمنيا ما جعل قدرتها تدخل تحت طائلة "عجز القوة"، وهو ما لا تستطيع أن تعوضه بسهولة. وعلى الجانب الآخر صار متاحا أمام العرب فرصة لعلها لا تندرج تحت قاعدة "الفرص الضائعة" إن كانت لديهم الإرادة السياسية لاستيعابها: إنه لا رادع لغطرسة القوة الإسرائيلية سوى كسر نظرية الأمن وبوسيلة القوة، سعيا للوصول إلى لحظة توازن القوة المفقود الآن، وعند ذلك يمكن دعم الحق العربي المسال على موائد المفاوضات دون قوة تدعمه، كما هو الدم المسال سواء في معارك مع العدو، أو معركة الإهمال داخل الأقطار العربية. ودرس الردع تحتاجه مصر إن هي أخذت في الاعتبار الهجمة الإسرائيلية على مياه المتوسط والغاز في أعماقه وعلى منابع النيل والسيطرة على دولها. أن يدرك العرب أن خطابهم لا يعرض رؤية ولكنه خطاب الببغاء يردد ما يسمعه، ولا يملكون إرادة لتوفير الإمكانات لتحقيق غاياتهم والدفاع عن مصالحهم والاستعداد لدفع الثمن وتحمل مسؤولية ذلك. أن يدرك العرب أن أمنهم مرتبط بمفهوم القومية العربية والأمن العربي الواحد ووحدة المصالح العربية وأن الجامعة العربية ليست بديلا لذلك، ولكنها أداة مرحلية. ولعل العرب يدركون أن استبدال العداء مع إسرائيل بعداء مع إيران لا يخدم مصالحهم، فالتخوف من امتلاك إيران لقنبلة ذرية يختلف بالقطع عن امتلاك إسرائيل للقنبلة الذرية ودون رادع عن استخدامها. ولعل العرب يراجعون أنفسهم في إشعال الصراع السني الشيعي. يحيط بالعرب لعنات ثلاث، لعنة امتلاكهم لمنابع البترول، ولعنة الاستبداد الداخلي والمراهقة السياسية والدينية، ولعنة وجود إسرائيل ذاتها، فهل يستطيع العرب إحالة اللعنات الثلاث إلى مصدر للتحدي لامتلاك الإرادة والقدرة؟ هل ينجح العرب في القبض على الفرصة المتاحة أمامهم، أم أن أحاديث التهدئة والإنسانية ستضيع الفرصة؟ هل يستطيع العرب إدراك حقيقة الربيع العربي، الذي استحال إلى الدم العربي والتفكك العربي، أم أن الدرس لم ينته بعد، ومازالت الحاجة إلى دم أكثر وقسوة أكثر وإهدار للفرص أكثر؟.

803

| 20 نوفمبر 2012

الثورة المصرية ... الاختطاف والتفريط والخندقة (3)

ثورة الشعب المصري في يناير 2011 لحظة فارقة في التاريخ يندر تكرارها، لحظة أدرك فيها الشعب المصري لذاته، وحقه في الحياة، وإمكاناته وقدرة الفعل التي يستطيعه، استقرت في يقين أجيال صاعدة، تزيح من أمامها ثقافة الهزيمة والخوف. تعيش هذه الأجيال الآن معانات النضج وتجاوز العجز القديم وتبدع أساليبها الجديدة للمقاومة والبناء معا وتدفع ثمن كل هذا طواعية أو غصبا ولكن بكل رضا وبالإمساك بأهدافها كما القابض على الجمر، وتواجه عالما بقدر تسليمه بعظمة الحدث والفعل غير أنه يحاول ألا تخرج النتائج ضد مصالحه وخططه. سجلت وقائع الثورة تعبيرا خرج من بعض شباب مصر لزملائهم أثناء المواجهات، وتكرر مع أشخاص متعددة من الجنسين وبذات الصيغة وكأنه إلهام إلهي: "ارجعوا أنتم للخلف أنتم متعلمون وتقدروا تبنوا مصر، إحنا مالناش ثمن، ونقدر نواجههم"، تعبير يخشع عنده القلب ويرتجف، وصدقه العمل، وظل السؤال كيف وصل إلى عقل البسطاء المطحونين من أبناء الشعب؟ كيف استطاب التضحية بحياته ليحمي شباب وشابات من سنه، وبلا وجل ودون تردد؟ هؤلاء هم جند الثورة الحقيقيون، وصناعها، وشهداء معاركها الأولى. تصفية هؤلاء الفدائيين البسطاء كان هدف الاتفاق بين النظام السابق ثم المجلس العسكري مع جماعة الإخوان، فهل يمكن أن يضيع ثأرهم أو هدفهم، ثأر الدم لا ينسى وهدف الحياة وضرورات البقاء لا يمكن التنازل عنها دون تحقيقها. لن يضيع ثأر الدم بانقضاء الزمن، ولكن الثأر يجب ألا ينحرف بالإرادة والوعي عن هدف الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. العارض الذي ألم بالثورة المصرية ليس مجرد الاستحواذ، ولكنه غياب المشروع الحلم، لأن الشعار مهما كانت عبقرية تعبيره عن الرؤية إلا أنه لا يعني إمكانية تحقيقه دون خطة العمل وتحديد مهامها بشكل واضح وقاطع. سلوك الاستحواذ على الثورة كما ظاهرة زواج الأقارب، أصاب بنية سلطة ما بعد الثورة بالتكلس وانهيار القدرة على استيعاب مفهوم التغيير باتساعه وتنوع مهامه ومقاصده، وانهار نتيجة له المناعة الذاتية لبيئة الثورة، وصار جسد النظام عرضة للأمراض التي فتحت أبواب الثورة وبررت لها، وأصبح التفريط هو منتهى حدود قدرة سلطة آلت بالاستحواذ على الثورة إلى الانقلاب عليها ومن ثم تسوق مبررات وجود وبأي ثمن ومهما كان، وتضطرب الرؤية لينفرط عقد الوطن، وتتحول الحالة الداخلية إلى صراع سلطة يغيب عنه الوعي والحالة الثورية، أو هو "صراع الحماقات" كما عبر عنه بحكمة راقية أحد مشايخ سيناء. مشروع الحلم المصري، لم يجد من يعبر عن حقيقته، في كافة الأطروحات الحالية والأفكار والسياسات، سواء بالوعي أو بالشجاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية. اتهم محمد علي في مشروع الحلم المصري في القرن التاسع عشر أنه يسعى إلى بناء إمبراطورية أو بأن لديه أطماع إمبراطورية، واتهم جمال عبد الناصر في مشروع الحلم المصري منتصف القرن العشرين أنه أيضاً يطمع إلى بناء إمبراطورية مصرية، والحقيقة أن كلتا المحاولتين كانت بالجغرافيا تعبر ببصرها ومسؤولياتها إلى الحدود الجغرافية للمصالح والأمن المصريين، والتي تمتد من منابع النيل وبحر العرب إلى شمال البحر المتوسط وجبال طوروس ومن المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، وحساب حدود المصالح المصرية دون هذا العمق الجغرافي هو "التفريط" في الثورة وليس التفريط هو استمرار صراع الحماقات، بل إن استمرار صراع الحماقات أدنى من التفريط. إن التفريط يتمثل في كافة المخاطر المحيطة بمصر دون موقف أو إعداد لموقف مناسب لها. إن الموقف من مياه النيل وتحويله إلى مصدر للصراع يعني أن الوعي المصري في إدارة مصالحها أدنى من وعي الملكة الفرعونية حتشبسوت والتي وصلت علاقاتها إلى الصومال بارتباط المصالح وكان ذلك منذ آلاف السنين، بل إن الكتابات الغربية عن احتمالات صراع مسلح بين مصر وإثيوبيا تكشف عن مخطط للانحراف بالمشروع المصري قبل بدايته. إن العجز عن استيعاب ارتباط وحدة الأقاليم العربية بالأمن المصري جعل مصر أداة تفتيت وليست عامل وحدة ومسؤول عنها. إن عجزنا عن إدراك مشروع الحلم المصري جعلنا نسمع خلال الأيام الماضية عن علاقة إستراتيجية تربط بين تركيا الحزب الحاكم ومصر جماعة الإخوان، وصارت العلاقات الحزبية بديلا عن علاقات الدولة وأمنها. إن التفريط يتضح في تمادي الهجوم الإسرائيلي على المياه المصرية التي تدخل في إطار جغرافيا مشروع الحلم المصري. ولعل أحد مظاهر التفريط هو صناعة التقسيم لسيناء بعد استكمال إنهاء السيادة المصرية عليها، ويجري تقسيم سيناء بين إرهاب يرفع الرايات السوداء، وحركة بيع للأراضي تحت راية الاستثمار، وقانون تمليك الأراضي هو خطوة أساسية في هذا الاتجاه، كبديل لقانون قاطع بأن أراضي سيناء لا تملك ولكن يتم منح حقوق للانتفاع بها وللمصريين فقط. إن القاعدة الأساسية لمشروع الحلم المصري هي وحدة الشعب المصري، وهنا يبرز المحور الثاني للتقسيم وبعد التقسيم على قاعدة الجغرافيا، يجري التقسيم على القاعدة الطائفية وحملات دفع المسيحيين إلى الهجرة من أماكن معيشتهم، هو تفريط في وحدة الشعب، ثم التقسيم بين أصحاب الحق في الإسلام وهم متعددو الأسماء والمناهج، وغيرهم من الكفار على حسب الموقف السياسي والانتماء الحزبي، هو أيضاً تفريط في وحدة الشعب، ومدخل آخر للتقسيم. ارتقى الفقراء من شباب مصر والذين حرموا من التعليم ومن مصدر يؤمن لهم العيش إلى مستوى النبلاء والشهداء من أجل مجتمعهم ووطنهم الذي ضن عليهم بحقوقهم، لقد ارتقوا بقولهم لرفاقهم الأوفر حظا في التعليم والعمل وتوافر أسباب الحياة: "عودوا أنتم للخلف، أنتم تقدروا تنفعوا مصر أكثر مننا، وإحنا ممكن ننفع مصر بهدم جبروت النظام بأرواحنا"، وفي الوقت ذاته تدنى موقف أسماء وشخصيات وتيارات كانت تملأ فضاء الوطن طنينا، وبقدر ما كان تفريط المستشار طارق البشري في ضرورة الدستور قبل الانتخابات، ووضع نفسه خادما لرؤية جماعة الإخوان واتفاقها مع النظام السابق حول "تعديلات دستورية" تؤدي لتداول السلطة، كان أيضاً تفريط المستشار حسام الغرياني رئيس الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وهو واحد من قضاة تيار الاستقلال الذين توالت مواقفهم الانقلابية على الثورة، وتجسد ذلك في مقولة أطلقها "بأن ثورة 1952 نصبت على الفلاحين"!، وذلك في معرض مناقشة نسبة تمثيل العمال والفلاحين في المجالس المنتخبة. تعبير النصب عندما يخرج من قاضي دون نسبه إلى موقفه السياسي، هو حكم على موقف ثورة 1952 من القوى الاجتماعية، وأي قارئ للصحف وليس دارسا للتاريخ يدرك الموقف الاجتماعي لثورة يوليو تجاه العمال والفلاحين، وهذا يعني عدم صلاحية هذا القاضي المهنية فما بالنا بصلاحيته لرئاسة الجمعية التأسيسية للدستور، وإن أخذنا في اعتبارنا انتماء القاضي لموقف جماعة الإخوان، لأدركنا إلى أي مدى فرط هذا الرجل في ضميره المهني، فكيف بالتالي يمكن ائتمانه على رئاسة الجمعية التأسيسية لوضع دستور يعبر عن أمة وتاريخها وحاجاتها. استوعب الجندي الألباني محمد علي المشروع المصري، واستوعب البكباشي جمال عبد الناصر المشروع المصري، وهو الرجل الذي كان باشاوات ما قبل الثورة يطلقون عليه "ابن البوسطجي"، لأن والده كان موظفا بالبريد المصري، واستوعب الفقراء والضعفاء والمتسربون من التعليم من شباب مصر وأنبل شهدائها مشروع الحلم المصري وقدموا حياتهم فداء وحماية له، إمبراطوريا فليكن، تمتد حدوده بطول العالم وعرضه، هو كذلك، ويدوم زمن البناء فيه زمن الحياة فوق الأرض، هذه حقيقة المسؤولية المترتبة عليه. ولم يستوعب القضاة ورافعو الرايات السوداء حقيقة مشروع الحلم المصري، فانزووا جميعا عبيدا للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط الجديد والكبير وبؤرة القلب فيه إسرائيل. هذا الفارق في الاستيعاب هو ضمانة الانتصار، فملح الأرض من فقراء مصر يدركون ماذا يريدون ويدفعون ثمنه، وغيرهم يستطيب حياة العبيد وطعم الثريد فتدهسهم أقدام أسيادهم قبل أقدام الشعب. سقط الاستحواذ وسقط التفريط في مواجهة قدرة البقاء لدى الشعب المصري، فهل يفيد العبيد منطق الخندقة والرايات السوداء ووسيلة الإرهاب سبيلا للتقسيم؟.

494

| 13 نوفمبر 2012

الثورة المصرية.. الاختطاف والتفريط والخندقة (2)

تغير الشرق الأوسط إلى شرق الحرب والدم والمياه والبترول، أو في الجغرافيا السياسية هو الشرق الإسرائيلي، فإسرائيل هي محور الأحداث، وهي معيار التحالفات أو الصدام، وتصب نتائج الاستبداد العربي أو الاقتتال لصالحها، وهي التي تملك اليد الطولى على العرب من الاختراق الأمني والسياسي والاقتصادي إلى اليد العليا العسكرية المطلقة العنان فوق الأرض العربية، من الخنادق إلى الفنادق إلى المصانع وحتى الحركات الجماهيرية والقصور. قال يوسي ادلين رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية في نهاية 2010 وهو يسلم مهام منصبه: "إننا اخترقنا مصر على الأصعدة المختلفة وأن أي نظام بعد مبارك لن ينجح دون قبولنا به". حمل الهجوم الإسرائيلي على مجمع اليرموك للصناعات العسكرية بالخرطوم دلالات تعددت من معنى الأداء الإسرائيلي في إطار ما أطلق عليه صراع الأذرع الطويلة بين إسرائيل وإيران على الأرض العربية، إلى دلالة التفكك والعجز العربي، وهو يحاول الرد على اختراق طائرة حزب الله من دون طيار للدفاعات الإسرائيلية ووصولها إلى صحراء النقب قرب مفاعل ديمونة، وهو دلالة على أن الصراع في المنطقة شامل وميدانه الجغرافي مفتوح، حسب الأهداف الإستراتيجية التي لا تقف عند حدود موقع إيراني واستهداف إسرائيلي. كانت النتائج العكسية لتحرك الشعوب العربية ضد الأنظمة الاستبدادية، دلالة خطر مازال قائما وأن تغير شكل الاستبداد وأصبح استبدادا تحت عباءة الدين، وكافة حالات الاستبداد هي بالضرورة تحتاج إلى تفاهم ما مع أمريكا والتسليم بأن أمن إسرائيل غاية تطلق يدها بلا حساب بالمنطقة. الواقع في مصر يكاد يتجاوز احتمالات الحرب الأهلية في إطار الصراع على لقمة العيش والعدل الاجتماعي أو مجرد الصراع على السلطة إلى اتجاه يماثل العراق وأفغانستان أو العنف المسلح تحت عباءة الدين بغير هدف واضح سوى خلخلة الدولة لصالح أهداف أمريكية إسرائيلية. انتقل العنف من سيناء إلى داخل مصر وزاد من فعاليته حالة الانفلات الأمني وغياب الدولة والانكفاء على الذوات في صراعات السلطة والتمكين وتغيير الهوية. وزاد على كل ذلك التعامل الهزلي في أمر العسكرية المصرية، وهو أدق أمور الوطن وأكثرها حساسية، فبعد أن كان الخطاب السياسي يتحدث عن مصر في إطار الوطن العربي انتقل إلى دولة بالشرق الأوسط وليتحول الأمر بعد ذلك إلى إمارة في خلافة إسلامية بينما الواقع يتحول بالأفعال والمصالح ونتائج الصراع المرصودة وغير المرصودة إلى منطقة نفوذ إسرائيلية بامتياز. بعد يناير 2011 لم يعد هناك شيء بعيد عن النقاش والنقد، وكانت هتافات الحناجر تسبق بحث العقل وتأمله، وكان هناك من يزكي حالة "الحناجر" دون "العقل" في سبيل إعمال الاستحواذ وجرت المقامرة بأمر الوطن ودوره ومستقبل أبنائه وقدرته على إدارة الصراع في الإقليم. التعامل مع العلاقة بين الجيش والدولة خارج السياق العلمي والسياسي ولمجرد إطلاق يد الاستحواذ دون إدراك للمسؤولية الوطنية، وصلت إلى حد الإهانة، والمساس بالروح المعنوية للقوات المسلحة للقوات المسلحة ويقارب الحرب النفسية، والمستفيد الأول منها هو العدو الإسرائيلي ذاته، وكأنه قتال عنه بالنيابة للعسكرية المصرية بتاريخها وانتمائها، حرب تهدم التماسك المعنوي والعقيدة للقوات المسلحة المصرية. وتطرق التعامل مع العلاقة بين الجيش والدولة إلى محور المؤسسات التي تديرها القوات المسلحة اقتصاديا، واتهمت بأنها دولة داخل الدولة، وأنها تشغل الجيش عن مهامه القتالية، وكأن الواقع الاقتصادي المصري يدعم قواته المسلحة ولا يمارس التفريط في الأرض والمشروعات الاقتصادية التي كانت ظهيرا للجيش في حرب الاستنزاف وحرب 1973، بينما يجري التعامل مع قضايا الفساد في المجتمع وفق رغبات مكبوتة غير معلنة للتصالح ووراثة الإرث الناتج عن فساد النظام السابق دون تغيير ودون خجل. إن الثقة بين الجيش والشعب هي أولى أسس العقيدة القتالية بأنه جيش الشعب في مواجهة مصدر الخطر الرئيسي الذي هو إسرائيل، ثم ثقة هذه القوات في أن هدف قيادتها هو ذاته هدف أمتها، وأن ما تملكه من سلاح يمكنها من أداء مهمتها وأنها لن تساق إلى حقل قتل، إن قيمة إحساس الجندي بجنديته وشرفه تتمثل بأنه قيمة الأمان والفخر لدى شعبه، بدءا من أسرته إلى كل طوائف الشعب. إن هذه الحرب النفسية كانت تستكمل حلقات بدأت مبكرة للانحراف بهذا الجيش عن دوره في الدفاع عن أمن وطنه وتمكينه من الإمكانات اللازمة لأداء مهمته، حتى إن أصوات انطلقت في أعقاب حرب 73 تقول إن خط الدفاع عن مصر هو خط المضايق في الثلث الأول الغربي من سيناء، أي جرى تعديل مفاهيم استقرت من زمن الفراعنة عندما وصل أحمس في دفاعه عن مصر إلى مرجعيون بالجنوب اللبناني، وأعقب ذلك مقولة إن حرب 73 هي آخر الحروب، وجرى تحديد مصدر وحيد للسلاح تنشر الصحف الغربية الآن تحليلات أنه سلاح يمكن السيطرة عليه، ولم يخرج أحد ليرد عليهم ولو بطريقة عملية دون التصريحات التي صارت محل شك، فالسلاح لم يتم اختباره عمليا، ولا ندري مدى مواءمته للمهام القتالية المحتملة مستقبلا خاصة أن حاجزا جغرافيا بعمق سيناء ومانع مائي "قناة السويس" يحولان بين القوات المقاتلة وبين الخطر المتوقع مستقبلا والدائم وهو إسرائيل. حدد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري بعد يونيو 67 أن الحرب القادمة هي حرب الصواريخ، كانت هذه هي الرؤية، وتمت ترجمتها على الأرض وظهرت نتائجها ابتداء من أسلوب مواجهة المدمرة ليلات حيث جرى إغراقها في أكتوبر 67 بلنشات صواريخ صغيرة لتكون أول حادثة مماثلة في تاريخ المواجهات البحرية، ثم مواجهة الطيران الإسرائيلي بالصواريخ المضادة للطائرات، ووصولا إلى مواجهة المدرعات بالصواريخ المضادة للدبابات، فلسفة ورؤية استتبعها بناء القدرات والأدوات والقيادة وخطط العمليات. وهنا الفارق بين قائد أرضه محتلة وفرض الاحتلال عمق العازل الجغرافي والمانع المائي، وبين وضع تغيب فيه السيادة عن ذات الأرض ونواجه ذات المانع تحت دعاوي السلام، ولا نملك رؤية للمواجهة ولا فلسفة للرؤية في طبيعة المواجهة القادمة بينما عمق مصر الاستراتيجي يتآكل من حولها، وينتهك، وتصبح مطالبة بالدم أن تحمي مياه النيل وبالدم أن تحمي أعماق مياهها الإقليمية التي استولت إسرائيل على مخزون الطاقة فيها، وليس أدل على ذلك من آبار الغاز التي تحفرها إسرائيل بينما التعاقدات المصرية تسلم كامل المخزون ببعض المواقع للشركات المنتجة ولا يعلن أحدهم سببا منطقيا لهذا الاستعمار البترولي الجديد. الأمم الحية تملك قدرة مراجعة النفس بالثورة أو من دونها، ولكن في إطار السلطة الوطنية الواعية بمصالح الوطن والمسؤولة عن القرار السياسي، على أن يتم ذلك في إطار دعم بناء الدولة وليس في إطار تفكيك مكوناتها الأساسية، ويتم ذلك في إطار مشروع رؤية متكاملة لنظام دولة الثورة بكافة المؤسسات. يجب الانتباه بجدية عالية في محاولة إعادة البناء إلى مؤسستي الخارجية والمخابرات العامة، وهما مؤسستان إن لم تملكا إستراتيجية وطنية واضحة المعالم، تحولتا بالوجود الشكلي دون المضمون إلى عبء على الوطن في عالم يتسم بالمتغيرات السريعة، والصراعات المتداخلة بين العناوين وحقيقة الأهداف والمصالح. إن كلا المؤسستين يمثلان خط الدفاع الأول عن الوجود الوطني، عن الأمن القومي لمصر، سواء ارتدوا قفازات حريرية في المحافل الدولية، لتغني الكلمة عن قتال ودم أن كانت تعبيرا صحيحا عن مصالح الأمة وفي مكانها وتوقيتها وخلفها إرادة شعب، أو ارتدوا قمصانا زرقاء في عالم الحرب السرية، فقد يكون جهد مجموعة من رجال العمليات السرية حائلا دون ضياع حق أو دون بذل دم ثمنا لحق جري اغتصابه في لحظات الغفوة. كلا المؤسستان لا يملكان التغاضي عن المصالح الوطنية المباشرة أو غير المباشرة والحالة أو المستقبلية. إن الدول تسعى لمصالحها بكل ما تملك من طاقة ولا تملك ترف التهاون عندما تكون المصلحة هي بقاء الوطن، في مواجهة عدو يسعى إلى السيطرة وفرض إرادته حتى وإن كان الثمن فناء الوطن وليس صراع المصالح.

340

| 30 أكتوبر 2012

الثورة المصرية.. الاختطاف والتفريط والخندقة (1)

تدور في مصر حوارات حول كيف يمكن الحيلولة دون مواجهة دامية بين أطياف الوطن الواحد؟ طرح السؤال في حد ذاته يحمل دلالة انسداد مسارات التفاهم والرؤى والحوار للاتفاق على طبيعة المرحلة الانتقالية ومهامها، خاصة أنها مرحلة طالت وجرى فيها من الوقائع والدماء ما يؤكد أن السمة الأساسية في مصر بعد الثورة هي الصدام وليس الوفاق، وأنه جرى الانقلاب الفعلي على الثورة، وانقسم المجتمع إلى من يريد استكمال التغيير بتحقيق حاجاته المباشرة، ومن يحاول تثبيت أركان السلطة التي تولت أعقاب تخلي مبارك عن السلطة، واستقر الأمر تجاوزا في توصيف الصراع أنه بين قوى مضادة للثورة، وكان تحديدها ممكنا حصرا، وتحددت في المجلس العسكري والإخوان والداخلية والسلفيين وبقايا النظام السابق بكل مراكز الدولة وعناصر الرأسمالية التي ارتبطت مصالحها ونشأتها بتزاوج السلطة والثروة، وبين قوى الثورة وكان تحديدها مشوبا بالضبابية، فهم شباب الثورة تارة، وهم أصحاب المصلحة تارة أخرى، ولكن يمكن القول إنهم من رفضوا هزيمة إرادة الشعب التي تجلت خلال الأيام الأولى للثورة، وقبلوا بالتضحية والاحتشاد وتحملوا كل حملات التشويه والقتل والغواية، كانوا يدفعون الثمن، لتعود النتائج إلى عناصر معسكر الانقلاب على الثورة. عندما وجد الشعب أن وطنه من دون إدارة قادرة للبلاد، وأن ثورته بلا قيادة أو تنظيم، تحمل بمبادرة منه مسؤولية الأمن المباشر للمنازل والأهالي، وكان هذا أقصى ما يمكن فعله بخبرته، ولكن هذا الفعل فتح باب الثقة في الإجابة على سؤال كان يتردد كلما كانت تلوح في الأفق احتمالات مواجهة مع العدو الصهيوني: ماذا سيفعل الشعب؟، وبتلقائية حول الشباب والرجال الشوارع والميادين إلى مربعات دفاعية، وكان كل قطاع يسلم المارين من سيارات أو أفراد للقطاع التالي له. مشهد اللجان الشعبية ومشهد حركة العشرين مليون مصري في الشوارع دون أي جريمة تذكر أو انفراط لعقد الوطن، كان رسالة إلى إسرائيل وإلى أمريكا، وكان نقطة انقلاب في طبيعة أي صراع قادم يتهدد مصر الوطن. تقدير الموقف وفرز القوى صدق مع النفس ولا يقع تحت إرهاب أنه "شيطنة" للآخر، فالثورة حاسمة، فهي علم تغيير المجتمع، ومعيار الفرز لديها من يحقق أهدافها الشعبية ومن ينقلب عليها أو يختطف الإجراءات لصالح أهدافه الخاصة. والصدق مع النفس أيضا يدعو إلى التسليم بأن السيناريوهات الأمريكية استطاعت أن توفق أوضاعها بعد استيعاب المفاجأة التي مثلها تحرك الشعب المصري، فإذا كانت طبائع الشعب المصري لم تتوقع منها أمريكا هذا التحرك، ولكن القدرة على إعادة تشكيل الموقف الأمريكي نجحت في التقاط طرف خيط السيناريو المواجه لثورة الشعب المصري، تغنت بما حدث وأنه درس للشعوب، وسارعت إلى وضع اللبنة الأولى لمخططها، وهو إعلان ضرورة الإسراع بتسليم "العسكر" للسلطة إلى حكومة مدنية. لم تكن أمريكا تقامر بإعلانها هذا، ولا كانت تبحث عن فضيلة الديمقراطية، ولكنها كانت تتحرك بناء على تحليل للقوى داخل المجتمع وإمكاناتها وقدراتها. حدد السيناريو الأمريكي الهدف الرئيس بالحيلولة دون تكرار ما حدث ثانية، وأن ما حدث لا يحقق نتائج تمكن الإرادة الشعبية المصرية من سلطة القرار، وكان الهدف المباشر للسيناريو هو منع امتلاك الحركة الشعبية للقوة المنظمة الوحيدة في الدولة وهي القوات المسلحة، ولأن ذلك سيدعم وجود الجيش المصري وقدرته على التطور بالزخم الشعبي الناتج من الثورة، وهو أمر مناقض لهدف أمريكي إسرائيلي يستهدف تغيير العقيدة القتالية للجيش وتحويله إلى مقاومة للإرهاب وليس جيشا لحماية الوطن والدفاع عن مصالحه في الإقليم ومناطق المصالح المباشرة لمصر. لم يستوعب المجلس الأعلى للقوات المسلحة المعني السياسي لثورة الشعب المصري، وقاد عملية الانقلاب عليها واختطافها، سواء بإرادته أو تسليما لدور وضعته الرؤية الأمريكية، وهو يستدعي سؤالا لم يطرح من قبل بشقيه: أولا: لماذا جرى اختزال الثورة في تعديلات دستورية لتداول السلطة دون إدراك لدلالات أهداف الثورة في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"؟ ثانيا: لماذا اختير المستشار طارق البشري رئيسا للجنة التعديلات وليضم إليها عناصر الإخوان دون القوى الأخرى؟ قد يرد البعض بأن هذا هو الاتفاق بين عمر سليمان رئيس المخابرات الأسبق وبين الإخوان، ولكن ألم يكن هذا الاتفاق ضمن سياق بقاء النظام وتفريغ الميدان من المعتصمين وليس ضمن سياق إسقاط رأس النظام وكذلك عمر سليمان؟ ثم لماذا رشح عمر سليمان نفسه لمنصب رئيس الجمهورية، ولتتضمن أوراق ترشيحه خطأ لا يفعله إنسان عاقل بأن تنقص أوراقه 31 ورقة عن شرط العدد؟ ولماذا جرت محاولة اغتيال عمر سليمان، ولم يفتح فيها تحقيق حتى الآن؟ ومازال السؤال المتردد في مصر، هل كانت وفاة عمر سليمان طبيعية أم أنه قتل؟ وإذا كان عمر سليمان قد غاب بالوفاة، فهل عملية إخراج حبيب العادلي من وزارة الداخلية بعد وقائع يوم 28 يناير 2011 هي عملية اعتقال قتل فيها عدد من أفراد القوة القائمة بالاعتقال وهم من المخابرات، أم أنها كانت عملية إنقاذ له من حصار المتظاهرين لمبنى الداخلية؟ ولماذا لم يتم التحقيق في هذا الأمر؟ نعبر كافة الوقائع التفصيلية لنصل إلى واقعة الهجوم على معبر رفح والذي راح ضحيته 16 ضابطا وجنديا مصريا في رمضان الماضي والتي أعقبها إقالة المشير طنطاوي والفريق عنان وبالتالي تفكيك المجلس العسكري. شهدت سيناء قبل هذا الهجوم هجمات من جماعات إسلامية مسلحة وكانت دعوتها تحويل سيناء إلى إمارة إسلامية، والسؤال من دفع بهذه الجماعات ووفر لها التمويل والسلاح، ووفر لها نقاط ارتكاز للقفز إلى سيناء؟ وما دور الدول المحيطة وإسرائيل في هذا الاختراق؟ كانت هذه العمليات تلزم القاهرة، وكافة العناصر والتيارات فيها، أن تكون قراءتها للوقائع والعناصر والجغرافيا واحتمالات الخطر قراءة واحدة، ولكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك، ولم نعرف بعد أوجه الاختلاف وماذا كانت المواقف في حينها؟ كان الموقف في القاهرة صراع على السلطة، وكان الموقف في سيناء صراع سلاح ودم. كانت المظاهرات في القاهرة تنادي بسقوط حكم العسكر، وكان الجيش مطالبا بمواجهة الجماعات المسلحة في سيناء. وكان تنظيم الإخوان صامتا على كافة المواجهات بين الجيش والمتظاهرين في القاهرة، وينتظر تنفيذ أجندة البشري الأمريكية لتسليم السلطة. حسم الفقر والتكفير الديني كافة جولات التصويت، وبديلا عن حماية الوطن من انطلاق آلة العنف المسلح، جرى تصفية الصراع على السلطة في القاهرة، وضرب المجلس العسكري، وضرب معه الإعلان التكميلي، وأيضا التعهد الذي أعلنه طنطاوي باسم الجيش أنهم لن يسمحوا بتمكين جماعة أو تيار واحد من أمر الوطن، رغم أنهم لم يفسروا كيف سيحولون دون ذلك؟ تم الانقلاب على الثورة بعزل الجيش عن الشعب، ثم إخراجه من معادلة القوى في المجتمع. الأوضاع في مصر انتقالية ولا تؤسس لسلطة دولة، قد تتسلل جماعة إلى مراكز القوة والسيطرة ولكنها أمور مؤقتة وغير مستقرة ولا جذور لها، والحديث يتزايد عن همهمة داخل المؤسسة العسكرية وداخل جهاز الشرطة تحمل رفضا لما يجري. المجالس النيابية والرئيس المنتخب هي ترتيبات في إطار المرحلة الانتقالية ومهمتها الوحيدة وضع الدستور وليس إعادة تشكيل الدولة، ومحاولات إضفاء الشرعية عليها هي استدعاء للصدام داخل المجتمع، تجلى في جمعة 12/10 وأكدت جمعة 19/10 أن الموقف السلبي للجيش والشرطة من أي صدام قادم حال دون تكرار وقائع العنف وأدى لغياب جماعة الإخوان عن الميدان. جذوة النار مازالت تحت الرماد، والاختطاف والتفريط والخندقة يعجلان من إشعالها.

548

| 23 أكتوبر 2012

الجمعة 12 أكتوبر ... الحقيقة الفارقة

منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 في مصر لم تكن جماعة الإخوان أبداً ومعها فصائل ما يسمى بتيار الإسلام السياسي داخل معسكر الثورة علي أي نحو. انضم شباب منهم للثورة وفرضوا على تنظيمهم الانضواء داخل حركة الثورة في الميادين لثلاثة أيام من جملة الأيام الثمانية عشر الأولى. كانت حسابات التنظيم ذاتية، وكان كشأن باقي الأحزاب والكيانات بل والعديد من النخبة يبحث مع النظام السابق حلولا إصلاحية لا تتسق ونداء التغيير الذي عبرت عنه الحشود الشعبية، وصدرت الأوامر لعناصر جماعة الإخوان بالانسحاب من الميدان، وكان الالتزام الأساس للإخوان هو تفريغ الميدان من المتظاهرين. وجرى توظيف الدين والإثارة في مواجهة المسيحيين المصريين واتهام أي رأي مخالف بالكفر والإلحاد، وكانت هذه المطلقات أدوات التهييج الشعبي في مواجهة الثورة. تحالف المجلس العسكري مع الإخوان وتلك التنظيمات، سواء كان ذلك نتيجة قصور في إدراك المجلس لمعنى ما حدث في مصر أو لحقيقة هذه الكيانات وطبيعتها أو كان اتفاقا مع رؤية أمريكية وإقليمية، وتحول التحالف إلى القوة الرئيسة المضادة للثورة والساعية للسيطرة عليها. البداية كانت في لجنة البشري التي حولت مطلب التغيير إلى تعديلات دستورية، وقدمت الانتخابات على وضع الدستور الجديد لمصر، ولتتعدد المواجهات بين حركة شباب الثورة وهذا التحالف ليتزايد عدد الشهداء والمصابين وتتبدل الخصومة من خصومة مع النظام السابق إلى خصومة مع هذا التحالف، غير أن جماعة الإخوان نجحت عن طريق جهاز الإشاعات لديها أن تخفي نفسها من الخصومة وتبقى على المجلس العسكري خصما أساسيا مع الثورة، وهي في الوقت ذاته تسعى لتجني ثمار الانتخابات غير عابئة بمن يسقط من الشهداء أو بتصاعد الأحداث. استطرد الإخوان في محاولات السيطرة على مفاصل الدولة في الأزهر والقضاء والمحكمة الدستورية والإعلام، ولم يكن نجاح الإخوان لمجرد امتلاكهم لتنظيم السمع والطاعة، ولكن ساعدهم على ذلك عجز كافة القوى السياسية الأخرى التي تساقطت كأوراق الخريف الجافة بلا ارتباط مع قوى المجتمع وبدون قدرة على تطوير أدائها لمواكبة حقيقة حركة الشعب وحصرت نفسها في تنافس على صناديق الانتخابات بل والتحالف أحيانا مع الإخوان. عجز استتبعه خروج من خندق الثورة ومهامه، ليتحول الأداء إلى مجرد كلام وسباق على الكراسي دون فعل يبني النظام الجديد أو حتى يطرح رؤية له، ليتحول إلى صراع على السلطة، وتحت عنوان الشرعية القانونية واستسلم الكل لخيار (الانتخابات أولا)، وأسقطوا خيار (الدستور أولا). وسادت قناعة أن هناك أموالا مهربة بالمليارات، وأن القواعد الخارجية لاسترداد هذه الأموال هو محاكمة النظام والقتلة وعناصر سرقة ثروة الشعب أمام "القاضي الطبيعي" وكأن ما حدث في مصر ليس ثورة تقتلع النظام من جذوره، وفق شرعية إرادة الشعب، فلا نالوا للشهداء حقوقهم ولا هم استردوا الأموال المهربة ولا نجحوا حتى اللحظة في إعادة الهاربين لمحاكمتهم، بل خرج علينا يوما وزير العدل الحالي ليردد مقولة التصالح مع النظام السابق، أي إفلات كل اللصوص من حساب المجتمع، وصارت العلاقة مع الفساد والمفسدين حجم ما سيدفعون ثمنا للإفلات من العقاب. حتى إن العدل فقد طريقه لمحاسبة قتلة المتظاهرين، وتخرج قيادات جهاز الشرطة براءة من كافة الاتهامات، ليزداد الاحتقان داخل المجتمع والإحساس بالإحباط وأن الثورة سرقت، والحقيقة أن استيلاء الإخوان على السلطة كان حلم يقظة ذهب بالعقول حال تحققه، فكان التمكين أولى لديهم من واجبات ومسؤوليات التغيير. وقائع انتخابات رئيس الجمهورية كشفت الخطيئة التي وقع فيها كافة المرشحين بالمشاركة في انتخابات الرئيس قبل وضع الدستور، ورفض محمد البرادعي المشاركة فيها، ولكن الرجل عاد من جديد ليعطي قبلة الحياة لكل من هزمتهم تطلعاتهم وتخلوا في سبيلها عن الثورة، وصار حالهم يردد "أنا الثورة والثورة أنا"، ولم يعدموا من تخدعهم الشعارات فتكونت من حولهم جوقة المنشدين وليس كتائب الثورة، تاريخ القادة لا يحسب بسنين السجن فهي لا تخلق ثائرا، ومانديلا حالة استثنائية وحاكم زوجته بعد خروجه من السجن بتهمة تربح مالي، وليس كل من حاول الاتجار بآلام الشعب وجمع الأموال لتتضخم ثرواته على حساب الثورة، يمكن أن يكون مانديلا مصر بل مصيره مصير زوجة مانديلا. كشفت مواجهات الجمعة 12 أكتوبر الماضية أن تنظيم الإخوان وحزبه لا رادع له وأن العنف أسلوب قرره في مواجهة القوى والتيارات الأخرى. واستدعت هذه الوقائع سؤالا حول قانونية هذه الجماعة، ومدى قانونية حزبها طبقا لقانون الأحزاب. ويلفت النظر أن رئيس لجنة الأحزاب المستشار الغرياني كان أحد الأسماء التي سعت جماعة الإخوان لترشيحها لمنصب الرئيس ولكنه رفض، وليجري اختياره لمنصب رئيس الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ورئيس للمجلس القومي لحقوق الإنسان، وكأن مصر ليس فيها من الرجال غيره. كان مطلب التيارات المشاركة في جمعة الحساب هو حل الجمعية التأسيسية للدستور وإعادة تشكيلها، وهو ما تعهد به الرئيس المنتخب، ولم يوف به، وهو أمر يثير الريبة أكثر من الثقة، ويؤكد أن قاعدة الاستحواذ هي أساس العلاقة بين الجماعة والمجتمع، وأضيف إليها العنف سبيلا لمواجهة أي معارضة. قراران أصدرهما الرئيس المنتخب وتراجع عنهما، ولكنهما كشفا أن هناك مشكلة عميقة في مؤسسة الحكم. القرار الأول كان دعوة مجلس الشعب للانعقاد في مخالفة واضحة لحكم المحكمة الدستورية، والتي تصدت لقرار الرئيس ليتراجع الأخير. والقرار الثاني بتعيين النائب العام سفيرا بالفاتيكان، ويرفض النائب العام بناء على القانون الذي يمنحه حصانة البقاء في منصبه، ويتراجع الرئيس، وتصدح أبواق إعلام الرئاسة بأن الرئيس قبل التماسا من مجلس القضاء الأعلى ومن النائب العام، ولكن الحقيقة أن هناك خللا في استيعاب دور الرئيس بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأن آلية استصدار القرارات الرئاسية بها عطب وانعدام للخبرة. يقول الدكتور فاروق الباز عالم الجيولوجيا والخبير بوكالة ناسا للفضاء "وارد أن تخطئ وأنت على الطريق الصحيح، ولكنك تراجع نفسك وتصحح الخطأ" ويكمل "تكرار الخطأ هو أكبر الجرائم في تاريخ البشرية، هو الجريمة الحقيقية"، ويوضح "أنه من دون رؤية وأهداف واضحة يجتمع عليها الشعب لا طائل من الحركة العشوائية". تكرار الأخطاء والتصدي بالعنف للمتظاهرين من عناصر الإخوان، وإصابات ودم وتكسير منصة بالتحرير واحتراق سيارتي أتوبيس، بينما تعرض مسودة دستور للنقاش العام، يقول بأن مصر تنقسم بينما هي في حاجة إلى إرادة مكتملة لإقرار دستورها الجديد. الحديث عن تيار إسلامي له مشروع سياسي، حديث لا سند له في الواقع سوى تكفير كل من هو خارج تنظيماتهم. وتحتاج مصر إلى رؤية اقتصادية واجتماعية وأن تكون دولة الدستور والقانون والتقسيم إلى إسلامي وعلماني محض افتراء. وتهديدات التنظيمات المتأسلمة بالجهاد إن لم ينص بأن أحكام الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع، هي دعوة للاقتتال. المواجهة قادمة إن لم يتدارك الرئيس المنتخب أمر الجمعية التأسيسية، والسبيل إلى ذلك مؤتمر للحوار الوطني حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية ومفهوم الأمن القومي، وإصدار قانون العدالة الانتقاليه لمحاسبة المسؤولين عن إهدار دم الشعب. صبر الشعب وصمته، لا يعني قبوله بجسر الدم للعبور إلى مجتمع الثورة، وإن كان لا يخشاه.

450

| 15 أكتوبر 2012

صمت المدافع.. الخروج الثاني لمصر!

يستدعي يوم 6 أكتوبر 1973 تفاصيل لا حصر لها جرت خلال أيام القتال، أو السنين العجاف التي سبقته، وأي فصل لليوم عما سبقه، أو تجاهل حقائق ما تلاه، هو محاولة قد ترضي البعض ولكنها تعجز عن حجب أجراس الخطر التي توقظ العقل والوجدان معا، وتفرض الإمساك بالحساب المجرد وبكل حقائقه. الأمم الناضجة لا تخادع نفسها، ولكنها تضع كشف حساب لما كان وما فعلت وكيف وأين هي في اللحظة الراهنة مما تريد. مثلت حرب 1967 أقصى تطور لمواجهة حركة التحرر العربي، وكان الهدف كسر الإرادة العربية وبوسيلة الحرب، ولم تكن حرب 1973 مجرد حرب لاسترداد الكرامة العربية، ولكنها تفقد قدرها وقيمتها إن غاب عن الإدراك أنها حرب استرداد الإرادة العربية وانطلاقها. كشفت تلك الفترة مقومات الأمة وحقيقة وحدة المصير والعدو المشترك وعمق الصراع العربي الصهيوني بكل أبعادة وكون إسرائيل كيان استيطاني فوق أرض فلسطين، وأن خطره يمتد بعمق الوطن العربي كله، وانه قاعدة عسكرية وليس ارض الميعاد الدينية لليهود، وانه لا يستقيم وجودها والحركة العربية للتحرر من الاستغلال والسيطرة وبناء المستقبل العربي. قال موشي ديان في أعقاب يونيو 67 أنه إلى جوار التليفون ينتظر من القاهرة طلب الاستسلام، ولم يحصل عليه، بل إن الشعب في مصر ومحيطها العربي رفض الاستسلام قبل أن تصمت المدافع. لم يكن قرار حرب أكتوبر73 وليد أيام آو شهور سبقت، ولكن قرار التحرير اتخذ بالفعل يومي 9، 10 يونيو 1976 رغم أنه لم يكن هناك جيش، وكان دخان المعارك لم ينقشع بعد. تاريخ الحروب لا تكتبه المعارك العسكرية مجردة عن واقعها، ولكن لأن الحرب إرادة مجتمع، فالتاريخ يسجل أن المجتمع بأسره كان تحت السلاح. سيسجل التاريخ من قاوم ومن قاتل، ولا يمكن تزييفه بأي ادعاء لاحق. وسيسجل التاريخ من كان مع الأمة ومن كان ضدها. سيسجل الرجال والفكر والعقيدة والتدريب كما سيسجل ملحمة الإنتاج الصناعي والزراعي ووعي الأمة وصبرها، وسيرصد ماذا آخذت السنين العجاف وماذا أضافت. الصراع العربي الصهيوني لم يستقر بعد ولن يستقر طالما أن هناك استيطان صهيوني فوق ارض فلسطين، وطالما لم تنكسر إرادة البقاء العربي، وإرادة التحرر العربي من كل صور السيطرة والاستغلال. صمتت المدافع من حيث الشكل في المواجهة، ولكن من الجانب العربي وحده، والذي وقع فريسة أن حرب 73 هي آخر الحروب. أعادت حرب 1973 شيئا من التوازن في المواجهة مع العدو، ولكنها لم تحل بينه وبين استخدام السلاح وقتما شاء وفي أي مكان أراده، ورأي ضرورة القتل أو الحرب ليحافظ علي ميزان التفوق لصالحة آو يدرأ خطرا يرى احتمال أن يمثل له تهديدا. دخل الإسرائيليون بيروت ودمروا المفاعل العراقي وقتلوا أي عنصر يحتمل أنه يمثل خطر عليهم، أو يمثل معرفة علمية قد تنتج خطرا عليهم، واستخدموا حالة التردي العربي لقضم كل الأرض التي حصلوا عليها بعد 67، وفككوا الحالة الفلسطينية إلى شظايا، لتتحول من حركة تحرر إلى حالة كلام واقتتال، ونجحوا في الدخول إلى المجتمعات العربية، وفصل جنوب السودان عن شماله، بل ونجحوا في تحويل مواقف دول في العالم كانت تميل إلى الحق العربي وتناصره، ولتدفع بالمصالح لتكون أكثر فائدة من القيم والمبادئ، حتى إن هذه الدول كانت تقول وهي تغير من مواقفها، لن نكون عربا أكثر من العرب أنفسهم. قبل أن تنطلق المدافع عام 1973 ويعبر الرجال جسر الدم على قناة السويس، كانت السياسة تحاصر النتائج، وتصل إلى كيسنجر رسالة أنها حرب تحريك، ولنصنع من كيسنجر بطلا جديدا في التاريخ الإسرائيلي بعد بن جوريون. قال كيسنجر "لو أن السادات طلب أي شيء مقابل إخراج السوفييت من مصر لتحققت له مطالبه"، ولكن من يدفع ثمنا فيما يحصل عليه بالمجان؟ ويبقى سؤال لماذا أتيح أمام كيسنجر معلومة التحريك لا التحرير، وبالمجان أيضا؟ الحديث ليس عن خيانة ولكن الحديث عن قصور في الإرادة. توعد كيسنجر بإقصاء البترول العربي من أي صراع ونزع قيمته كعمق اقتصادي للإرادة العربية، وأحاله إلى أرصدة مالية بالبنوك الأمريكية، وما لدى أمريكا يبقى هناك ولا سبيل لخروجه منها. يربط البعض بين حرب 1973 وبين ثورة يناير 2011 وبين كلمة العبور، ويغيب عنهم سمتان مشتركتان بين الحدثين. السمة الأولى أن كلا الحدثين كان نتيجة حركة مجتمع بأسره، وبكل قواه، وكانا تعبيرا عن إرادة وصلت ذروتها بتحقيق الحدث، وأن محاولة رصد الوقائع خلال أزمنة دوام الحدث، وهي تقريبا واحدة (ثمانية عشر يوما)، هي محاولة قاصرة، فالحديث عن التفاصيل يتعدد في كلا الحدثين بعدد البشر المشاركين ومواقع الحدث وزمن المواجهة، وهو انحراف عن دلالة أداء المجتمع كاملا بكامل إرادته وبكل ما امتلك من قدرات. السمة الثانية أن كلا الحدثين على عظمتهما يندرج بنحو أو آخر تحت عنوان "الفرص الضائعة"، وكأن قدر الشعب أن يبني ويصنع الحدث ويضحي بالدم فيه، لتؤول الأمور والنتائج بعيدا عن أهدافه التي أرادها. لم ترق السياسة في 1973 إلى مستوى الإنجاز العسكري على أرض المعركة، وما حدث في يناير 2011 يقارب ذات النتيجة، فقد جرى اختطاف الثورة والانحراف بنتائجها، والفاعل في كلا الحالتين داخلي، ويحمل الجنسية المصرية. كان السؤال قبل أكتوبر 1973 عائد النصر لمن؟ وبقي ذات السؤال بعد يناير 2011 عائد الثورة لمن؟، ومازالت الإجابات ناقصة لم تكتمل بعد، غير أن ثورة يناير 2011 تحمل بحدوثها مدخل الإجابة على سؤال 1973 بأن عائد النصر العسكري ذهب في اتجاهه الخطأ فاستدعى بعد 28 عاما ثورة الشعب بكل قواه ليسترد إرادته ويقيم مجتمع العدل. كان الخروج الأول لمصر في أعقاب 1973 من المعادلة العربية للصراع بدأت مع كيسنجر وزيارة القدس وانتهت بمعاهدة كمب ديفيد. وأعادت حركة الشعب ووحدته ووضوح هدفه في ثورة يناير مصر من جديد إلى المعادلة، وأكدت أن الطاقة الكامنة في هذا الشعب لم يتم استنزافها، وواجهت الأطراف الأخرى في الصراع سؤال ماذا يحدث أن استقرت وحدة الشعب واسترد إرادته؟، وأصبح هدفهم ألا يسمحوا بهذا. الخطر الآن في الخروج الثاني لمصر من جلدها، لتعري الأعصاب واللحم والعظام، وتنزوي مصر على جانب مضاد لإرادة البقاء والتحرر العربية، تتجاوز الوطنية وتجعل الوطن دار كفر، وتتجاوز الارتباط المصيري بالعرب، لارتباط تحت دعاوى تحمل سمة القداسة دون مضمونها. الخروج الثاني لمصر هو نكسة النضال الوطني فوق الأرض، فهل ستغيب مصر عن حركة التحرر العربي في مواجهة العدو الصهيوني، سؤال معلق فوق رؤوسنا بعد 39 عاما من نصر أكتوبر.

536

| 09 أكتوبر 2012

ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام ❷

هل للإنسان العربي أن يدرك أن الله كرم بني البشر وحرم قتل النفس بغير الحق، بل وفتح باب الإحسان بالعفو. هل أدرك الإنسان العربي أن مرض الإيدز سببه الشذوذ الجنسي، وأن المجتمع العربي يهجر لحم الخنزير، ويهجر الخمر، بل ويهجر المشروبات الغازية ويطلقون عليها "شركات الكيماويات". قامت المظاهرات احتجاجا على فيلم صهيوني أساء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتحرك ساكن للعرب عندما أعلن أوباما أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل في حملته الانتخابية. ويتضاعف الخطر بظاهرة جديدة على المجتمع المصري وهي تهجير المسيحيين من أماكن إقامتهم، بناء على تهديدات من بعض عناصر التنظيمات الدينية، حدث هذا من قبل في الجيزة وهاهو يحدث في رفح وفي أسيوط. نعم التهجير القسري أو الإرادي جرى من قبل في مصر، ولكن أيام الاحتلال وأثناء الحروب، حدث في بعض الأماكن خاصة قناة السويس والإسماعيلية أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الطائرات الألمانية تغير على المعسكرات البريطانية وعلى قناة السويس، وأثناء الاحتلال البريطاني لمصر كانت هناك هجرة بينية من حي إلى آخر هروبا من الحصار الذي يفرضه الاحتلال البريطاني، وحدث التهجير لمواطني مدن القناة في حرب 1967 لحرمان العدو الإسرائيلي من استخدام قصف المدن والمدنيين والمصانع، حتى أن مصانع عديدة نقلت من منطقة القناة إلى الغرب بالمنصورة وكفر الدوار ولم تعد إلى المنطقة بعد ذلك. أي ارتبط التهجير لكل المصريين وليس لعنصر دون الآخر، بالاحتلال الأجنبي والعدوان الخارجي، فهل بيننا صهاينة أو أجانب غير مصريين يفرضون تهجير على الهوية من مكان إلى آخر دون رادع لهم. ظاهرة جريمة لا يمكن أن يتجاهلها مجتمع أو تنكرها سلطة، والأخطر عندما تقع على الحدود مع العدو الصهيوني، والسؤال الذي يتكرر من يفعل هذا؟ ولمصلحة من؟ ومن أفتى له بجواز العدوان على حرمة مواطن أيا كان دينه؟ إلى أين هم ذاهبون بالمجتمع؟ وهل الصمت والإنكار والتجاهل هو الحل؟ ثم ما معنى أن يكون الملجأ إلى الجيش ليحمي أسر هم مواطنون. حرم الإسلام هذا، فهل لهؤلاء من الإسلام شيء؟ يتعاظم الكابوس الأسود على صدر الوطن، ويعلن شيخ سلفي أنه التقى مع مرشح الرئاسة في مصر أحمد شفيق بمنزل الأخير ليلة إعلان النتيجة لترتيب الأمور حال فوزه بمنصب الرئيس، وذلك بعد أن نفى اللقاء وبإصرار وهو ضاحك على شاشة التلفزيون، ويطلق هذا الشيخ تصريحا يتهم فيه قيادات من الإخوان أنهم قادوا البلطجية لمواجهة المتظاهرين في وقائع ملحمة مجلس الوزراء عندما كانت المظاهرات ترفض تعيين الجنزوري رئيسا للوزراء. أليس من الواجب أن تتناسب الوسائل شرفا مع الأهداف النبيلة؟ لن تكشف الغمة عن إرادة الوطن بهؤلاء الذين ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام، ولن تتوقف مخاطر فتاوى الفتنة بغير حركة للأمام بكامل الإرادة وعيوننا على المستقبل ويقيننا أننا نستطيع أن نخلع العجز عن أنفسنا. إرادة بناء المستقبل هي العاصم من الاستغراق في الماضي للهروب من العجز، وهي الطريق الوحيد لتجنب إراقة الدماء بين أطياف الوطن الواحد، فدماء الحرب الأهلية ستكون الناتج الوحيد للعجز وعدم استرداد الوعي.

616

| 03 أكتوبر 2012

ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام ❶

التقى الصديق في المعتقل بأحد قيادات الإخوان، والذي يتولى الآن منصبا تنفيذيا عاليا في مصر، وسأله حينها الصديق عن الجماعة وكيف يراها، وفوجئ بإجابة الرجل: إنهم ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام! كانت الإجابة مفاجأة للصديق في حينها وبذات القدر كانت مفاجأة لي حين سمعتها. ومن ملاحظات الصديق على الرجل أنه يفعل كل شيء لنفسه وبيديه رغم أن في المعتقلات هناك من يقوم بالخدمة لمثل هذا الرجل، حتى أنه دعا الصديق إلى كوب شاي في زنزانته وقام بنفسه بغسل الأكواب وإتمام الضيافة. ينظرون للخلف ويتحركون بظهورهم للأمام، وصف لا ينطبق على جماعة الإخوان وحدها، بل يكاد يكون سمة عامة تشترك فيها الجماعات والتيارات والتنظيمات والأفراد أيضا، أغلبهم قادم بالماضي، ويرتكن على سمعة تحققت في فترة ما من تاريخ مصر، ولم يطرح أي منهم بعد مبررا لوجوده هو بذاته، برؤية وخطة عمل ورجال. بعيدا عن اليأس أو ادعاءات الحكمة والحكم المسبق على الأمور، تحيا مصر حالة أقرب إلى كابوس أسود يكاد يقتلع الأخضر من الأرض ويقتل أي أمل لدى الشعب الذي تتعاظم حالته سوءا كل يوم. شهدت الأيام الماضية تشكيل أحزاب سياسية، واندماج لأحزاب متعددة، وإعلان ائتلافات وتيارات، وجميعها تدور بين ذات النخبة، وفي ذات القشرة السياسية من المجتمع دون أن تضرب بجذورها في المجتمع، وتحمل منهجا واحدا بعد انعزالها عن الشعب وهو "أنها وحدها الحل للأزمات"، ولا يجيب أي منها عن السؤال الجوهري كيف؟ وغاية ما تطالب الشعب به بكل معاناته أن يمنحها صوته في الانتخابات القادمة، ولم يقولوا لنا وفق أي دستور ستكون هذه الانتخابات، وطبقا لأي قانون انتخابي، ومن سيصدر هذا القانون، أم أن ما يحكم موقفهم من الدستور والقانون هو أحلام اليقظة. استمرار الرفض والشجب والإدانة دلالة عجز عن الفعل، ومجرد الاكتفاء بالمطالب الجزئية حول الدستور والتشريعات المكملة، وعدم اتخاذ موقف موحد من الجمعية التأسيسية للدستور هو دلالة غياب الإرادة السياسية. الحياة فوق الأرض المصرية كما الأفكار تنتقل من حالة اغتراب إلى مزيد من الاغتراب، وفترات الفعل الوطني فوق أرضنا تبدو محدودة ونادرة، نمسك بها لاستدعاء الرضا بالعجز عن الفعل والتسامح معه والتعايش، ونملك قدرة غريبة على إجهاض التاريخ والقيم، ونصم أي لحظة إنجاز في تاريخنا بالنواقص، ونخلعها من تربتها ومن الزمن الذي جرت فيه، وننزع عنها ما حققته، حتى يمكننا التعايش مع حالة العجز، وكأننا نهدم بأيدينا الصروح فوق رؤوسنا دون أن نقدم بديلا معاصرا، لنستمر في اجترار الحياة دون صنعها ودون توفير الأسباب الحقيقية لاستمرارها وتطويرها وتوفير احتياجات التقدم. أعادت ثورة يناير 2011 كلمة الثورة إلى القاموس المصري من حيث اللفظ، وأبدعت للإنسانية نموذجا جديدا لحركة الملايين الشعبية دون تنظيم أو قيادة، ولكن غاب عن القاموس المصري أن الثورة هي علم تغيير المجتمع. وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل الثورة الإيرانية بأنها رصاصة انطلقت من القرن السابع لتستقر في قلب القرن العشرين، وقياسا على هذا التعبير فإن الثورة المصرية انطلقت من القرن الواحد والعشرين ولم تستقر بعد، رغم كل محاولات إعادتها إلى ما قبل القرن السابع، إلى زمن الجاهلية. أكلت الوحشة النفوس المصرية بعد الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، وكأنها استهلكت كل أرصدة الطاقة الشعبية، فعاد الناس إلى بيوتهم ينتظرون عائد الثورة، وصار السؤال الجوهري عائد الثورة لمن وبمن؟ حركة المجتمعات لا يصنعها المجهول، ولا تؤول إلى العدم، فهي طاقة خرجت من مكمنها، ولا تنتهي دون أن تصل إلى حالة الاستقرار. التفكك والتفتت إلى جزيئات للحركة الشعبية في مصر ليست حالة انتحار جماعي للإرادة الشعبية التي تجلت في الأيام الأولى للثورة، لم يكن التفتت عاملا ذاتيا بقدر تضافر جهود القنص والقرصنة والإجهاض التي جرى ممارستها خلال الفترة الانتقالية، وتجلت الإرادة الشعبية في استمرار حالة المقاومة طوال الفترة الانتقالية وقدم فيها الشعب الشهداء وكان خطر الدم يحوم كالعنقاء فوق الرؤوس كلما تجاوزناه عاد من جديد يحاول اقتلاع الثورة كمفهوم من القاموس، وحصار نتائجها، والحيلولة دون استعادة أي إمكانية لتكرار الحركة الشعبية التي أسقطت رأس النظام السابق. لم يكن اغتراب الثورة لفظا ووعيا ومنهاجا هو السمة الوحيدة للوعي المصري قبل يناير 2011، بل كانت هناك هجمة مستمرة على الهوية الوطنية والقومية، وكلما كانت تضعف الدولة والمجتمع، كانت الجهالة الفكرية تتفاقم حتى تماسك دخانها الأسود ليصنع شرنقة صلبة تحيط بالوعي الوطني. انتقلنا من قتل الأفكار إلى حالة الفتن المتتالية، وكان أقصى وأقسى ما يمكن أن يعاني منه المجتمع هو الفتنة الطائفية وتقسيم المجتمع وفقا للديانة، وأنتجوا صورا جديدة للفتن، فأنتجوا فتنة الأجيال وفتنة التاريخ وأن الثورة تنسخ ما قبلها، وفتنة الهوية وكأن مصر طفل سفاح وجد على قارعة الطريق ومجهول النسب، وجرى تقسيم مجحف للمجتمع بين مسلم وغير مسلم، وليس غير المسلم هم أصحاب الديانات الأخرى ولكن غير المسلم هو أي مصري خارج التنظيمات الدينية ولم يقسم لهم قسم الولاء. الصورة الجديدة للفتنة هي الفتنة في الدين ذاته، والانحراف به على ألسنة ترتدي مسوح رجال الدين وتنطلق على الفضائيات العربية، لا تمس الحياة السياسية كما كانت في البدايات، ولا تدعو إلى أحزابهم، ولا تهاجم من خالفهم بأنه علماني كافر، ولكنها تنتج فتاوى تبيح اللواط وزواج القاصرات والاستعمال الشاذ لهن، وتستخدم ألفاظا يعف الملحد عن استخدامها، بل إن إحدى الفتاوى أباحت لواط المجاهدين كضرورة تبيح المحظور لإعداد المجاهد للعمليات الاستشهادية!؟ خطر داهم لو صنع بغير لغة الضاد وبمسوح رجال الدين، لما انقطعت حفلات الطبل والزمر والمظاهرات تصف من أتى بها بالصهيونية والإلحاد والتقول على الدين الإسلامي الحنيف، ولكنها عندما تخرج منهم على الفضائيات العربية فهي أمر حمال أوجه؟! اتهموا من كان خارج تنظيماتهم بالعلمانية، والعلمانية عندهم هي الكفر والشذوذ والزواج المثلي، ولم يحاول أحد التصدي لما يجري ويدور وتتناقله شبكة الإنترنت وأفلام الفيديو المنتشرة عليها، فمن لم يشاهد الفتاوى على الفضائيات تصل إليه في منزله وعلى شاشات الكمبيوتر والتليفونات بمقاطع فيديو عندما تسمعها تشعر بالخطر الداهم وكيف يجري هذا على ألسنة هؤلاء؟ ولماذا الآن؟ ولماذا لم يجد من يتصدى له؟ هل للإنسان العربي أن ينظر إلى الكون والمجرات والأنجم والكواكب ويرى اتساع هذا الكون الذي يعجز العلم حتى الآن أن يجد وحدة قياس لقياس اتساع المجرات والمسافات بينها. هل للإنسان العربي أن يدرك معنى الزمن، واليوم الإلهي بألف عام مما نحسب، ويوم القيامة بخمسين ألف عام مما يعد البشر. هل للإنسان العربي أن ينظر ما تخرجه الأرض من ثروة طبيعية، هل جاءنا رزق الطاقة دون جهد منا فنتوقف عن إعمار الأرض بالعلم ونكتفي بالإهلاك والاستهلاك. هل للإنسان العربي أن يدرك أن الله علم آدم الأسماء، منح الله الإنسان المعرفة، وكلفه بإعمار الأرض.

424

| 03 أكتوبر 2012

الخطر الأعظم.. الارتجال والخفة العقلية

أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكما يقضي بأن حكم الدستورية العليا بشأن حل مجلس الشعب حكم ملزم للتنفيذ ونهائي، وبهذا وضعت حداً لحالة الخفة العقلية التي أصابت قانونيين وسياسيين تفسر وتشرح على هواها حكم المحكمة الدستورية، ووضعت حدا أيضا لحملة شنها نواب من جماعة الإخوان توحي بأن عودة مجلس الشعب أمر في حكم المنتهي وعلى الأقل عودة ثلثي المجلس. أصدرت المحكمة حكمها على مرحلتين؛ الأولى صباح السبت 22 أغسطس وقضت بتأجيل الحكم في الدعوى المنظورة أمامها إلى منتصف أكتوبر، وأنهت حالة التوتر والتربص من المحامين المنتمين لجماعة الإخوان ومن جرى حشدهم بالمحكمة، وعادت للانعقاد الساعة الخامسة بعد الظهر لنظر دعوى أخرى في ذات الموضوع ولتعلن حكمها هذا، وكأن هيئة المحكمة أدارت معركة سياسية قضائية، لتتجنب حالة الانفلات الإخواني في مواجهة القضاء كما هو في كل الاتجاهات. حالة "الخفة العقلية" والاستقواء بقاعدة "الحكم لمن غلب" سائدة الآن في مصر، وإذا كانت قضية حل مجلس الشعب وجدت السبيل لمواجهتها من القضاء وساعد تعدد الدعاوى في نفس الموضوع على ذلك، غير أن هذا غير متوفر في باقي المواجهات الجارية الآن في مصر. الارتجال هو السمة السائدة في الأداء السياسي في مصر، ومحاولة إلباس الارتجال عباءة الدين هو خطأ وخطر، ولم يعد الأمر مجرد خطف الثورة، ولكن تم الانتقال بأطوار المرحلة الانتقالية ــ وانتخاب رئيس للجمهورية هو إجراء ضمن المرحلة الانتقالية التي تستهدف وضع الدستور الجديد ــ إلى محاولة خطف الدولة والنظام الواجب بناؤه بعد الثورة. جدول أعمال التغيير في مصر من القضاء على بيئة الفساد إلى امتلاك مفهوم واضح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدل الاجتماعي، ومواجهة الخطر الخارجي المتمثل في إسرائيل، وخططها بالنسبة لسيناء والحصار الجغرافي والسياسي لمصر، تستلزم رؤية وأهدافا محددة وخطة إستراتيجية ممن يتصدى للعمل سواء في منصب الرئيس أو الحكومة أو المجالس النيابية، ومجرد الركون إلى إطلاق الشعارات أو التناحر سيدفع إلى انفجار في المجتمع أكثر خطورة من نظام الفساد. ليس كافيا أن نخرج من حكم الاستبداد إلى حكم الدراويش، وليس كافيا التسامح والقول بأن من يعتلي كرسي السلطة يملك الحق المطلق بذاته كي يستعين بمن شاء، وليس من الكفر أن نسأل ماذا تعنون بأن هناك مشروعا للإسلام السياسي، فقد كشفت الوقائع والأحداث أن مشروعهم يؤدي إلى الفتنة الطائفية والسياسية والوصول إلى السلطة والتشريع باستغلال حاجات المواطنين، وأن لكل صوت ثمنا، وأن الرشاوى السياسية والانتخابية هي سبيلهم للسيطرة والتمكين. نعم مصر تحتاج إلى حوار بين كافة الأطراف، وجهد كل الأطراف، ولكن السؤال الجوهري هل كل الأطراف ــ دون استثناء ــ مهيأة لهذا الحوار؟ وهل يملك أي منهم قدرة التعامل مع الآخر؟ أم أن الكافة يتحدثون عن مصر الوطن والشعب والمستقبل والدور دون امتلاك لرؤية ومشروع حضاري، وأن كلا منهم يرى أن الحل "هو" شخصه بذاته؟ وأن الكل لا يرى التاريخ كي يتعلم منه، بقدر ما يرى إمكانية الاستنساخ دون امتلاك أدواته ودون استيعاب حقائق العصر والإمكانات الوطنية ودلالة الاستقلال الوطني ومهامه في عصرنا الحالي. العبث والخفة العقلية تشمل المواقف الجزئية والكلية معا، وصارت القضايا كقطع الفسيفساء المتنافرة والتي لا تصنع لوحة، بقدر صلاحيتها للتراشق وصناعة المواقف المتصارعة. محاولة مريبة لإعادة قانون الطوارئ، ويبلغ الأمر بوزير العدل، وهو من قضاة الاستقلال!، أن يقول بأن قانون الطوارئ وارد في القرآن الكريم، قد يعني الرجل معنى غير الذي وصل للناس، ولكنه قالها، وكأن كل مطالبة بإلغاء قانون الطوارئ هي تناقض مع القرآن الكريم!! وذات الوزير كان من أوائل من هاجموا حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وهو أيضا يحمل في جعبته رؤية لإلغاء المحكمة الدستورية من هيكل القضاء، أمور بلغ فيها العبث مبلغه، كونها تتم دون رؤية كاملة للدستور والاستخفاف بالقضايا والمؤسسات غير عابئين بما يترتب على تلك المواقف. وفي ذات الوقت تجرى محاولات لإصدار تشريع يجرِّم المظاهرات والإضرابات والاعتصام تحت عنوان تنظيمها، وهي تكرار لمحاولات سابقة لنواب من الإخوان، والآن تتكفل عناصر من الإخوان باستخدام الحجارة لفض الوقفات الفئوية كما حدث منهم في مواجهة موظفي الجامعات أمام الجامعات، وبدأت الداخلية في التعامل الأمني لفض الاعتصامات العمالية وتحويل العمال إلى النيابة العامة بادعاء أنهم يخربون منشآت عامة ويحولون دون استمرار العمل، وكأن الشعب استبدل داخلية الرئيس المنتخب بداخلية الرئيس المخلوع، وبدون محاولة لاستيعاب الأسباب والتعامل معها، بل الحل أمني وهو المنع والتجريم، وهذا لن يلغي قضايا المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، بل هو مرشح لانفجار الغضب. الارتجال وغياب الرؤية والاكتفاء بأحاديث الدراويش يكاد يصيب الأمن القومي بصدع خطير. ارتهن النظام السابق سيناء بيد معاهدة كامب ديفيد والترتيبات والإجراءات المتبادلة فوق الأرض التي جعلت سيناء قضية إسرائيلية يناقشها الكنيست الإسرائيلي أكثر منها قطعة مقدسة من كبد الوطن وليست زائدة دودية يمكن الاستغناء عنها، وفتحت سيناء لدخول الإسرائيليين دون حاكم أو ضابط، وصارت الأرض محل البيع والشراء، وعند البيع والشراء فالمال الصهيوني حاضر، وهو أقل كلفة من الحرب، وزرع النظام السابق فتنة بين المواطنين المصريين أهل سيناء وبين الدولة، وتجاهل إعمار الأرض، بل وتجاوز الأمر إلى اتهامات بالخيانة. ولم يعالج نظام الارتجال الذي أعقب الثورة هذه الحالة، بل لم يتركها دون أن يزيد من حدتها، ودخل إلى مخاطرة كثعبان أسطوري مزدوج الرأس، فقد تولدت بؤر لجماعات دينية مسلحة، استقطبت من الداخل ومن الخارج عناصر يطلقون عليها الجهادية، ليعلنوا أن سيناء إمارة إسلامية، وتمثل الرأس الثاني للثعبان الأسطوري قي التعامل مع قضية حصار غزة بغير رشد واجب، وصارت حكومة حماس وكأنها ومكتب الإرشاد أصحاب القرار في شأن المعبر، واختزلت القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وآلامها في مجرد فتح معبر رفح بل وبلغ الأمر بالمرشد أن يطلب عدم إغلاق الأنفاق؟!، دون مسوغ حتى قانوني له للحديث في السياسة، فهو رئيس جمعية تابعة للشؤون الاجتماعية ولم توفق أوضاعها بعد، وطبقا للقانون ما كان لها أن ترشح أو تنتخب أو تدعو أو تتحدث عن حزب الحرية والعدالة بأنه الجناح السياسي لها، وهذا ما أورثه لنا ارتجال المجلس العسكري السابق. رأسا الأفعى هما خطر داهم على الأمن القومي المصري في مواجهة عدو يرى أن أرض سيناء ضمن مشروع تبادل الأراضي وبديل للفلسطينيين في غزة عن الأراضي التي جرى احتلالها بعد 1967 ويجرى بناء المستوطنات فوقها. والحديث عن جهاد إسلامي ينطلق من سيناء في مواجهة الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، هو حديث حق يراد به باطل، فهو البوابة الذهبية لصدام قادم حتما بين مصر وإسرائيل، وهذه التصرفات تضع الجيش المصري بين شقي رحى وتزج بمصر إلى صدام في غير توقيته، ودون الاستعداد له، والخطط الإسرائيلية جاهزة، وآلة الإعلام الصهيوني تجهز العالم بأن سيناء خارج السيطرة ومصدر للإرهاب وهناك حاجة لوقفه!، بينما التغني بالجهاد يشبه فحيح الأفاعي. إسرائيل تحركت في جنوب مصر ونجحت في فصل جنوب السودان وهي تعمل بكل قوة في دارفور، ويمتد أداؤها إلى منابع النيل. وإسرائيل موجودة في العراق وفي الشمال الكردي، وهي موجودة في الجنوب اللبناني وسوريا، بل إن إسرائيل موجودة في مياه بحر العرب والخليج العربي، وتكاد تحكم سيطرتها على مضيق باب المندب والذي كان مضيقا عربيا في حرب 1973، وهي تتحرك في اتجاه الوجود في ليبيا، بينما أدى الارتجال بمصر أن تصبح سيناء أرض اقتتال بين الجيش المصري وعناصر الإمارة الإسلامية. الخفة العقلية والسياسية والدينية أودت بالحوار الداخلي إلى مقدمات الحرب الأهلية، رغم أن طبيعة الشعب المصري تحول دون تفاقمها، فكيف بالارتجال أن يواجه الحقائق فوق أرض سيناء. إن كانت الخفة العقلية ألمت بالمواقف من حكم المحكمة الدستورية وقانون الطوارئ والتظاهرات والإضرابات وبلغت حد محو جداريات الجرافيتي التي كانت تسجل قصة الثورة والشهداء، وعجزت عن حل مشكلة إدارية بين جامعة النيل وجامعة زويل حتى صار البحث العلمي محل صراع يحسمه الأمن المركزي، فإن حالة الارتجال والعناد والاستكبار أصابت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وصار كالحمل خارج رحم الأمة، إيذانا بمولود مبتسر بعيدا عن إرادة المجتمع وقواه الاجتماعية. إن الرؤية التي تحتاجها مصر للتنمية والعدالة الاجتماعية تنبع من داخلها، ولا يجري البحث عنها عبر مواقف جزئية في خارجها. إن خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ داخليا، تفتح أمام الخطر الخارجي أميالا معبدة دون جهد منه لتحقيق أهدافه، وتزيد من حالة الانقسام الداخلي إلى حد الصدام وليس التنوع والحوار. إن استمرار الحديث عن صراع بين إسلاميين وغير إسلاميين هو نوع من خداع النفس، إن ما نواجهه هو حالة من العجز عن رؤية العصر ومواجهة تحدياته، وهو إجهاض للإرادة الوطنية التي صنعت الثورة وتجاوزت كل الأيديولوجيات. خطر الارتجال والاستخفاف بالعقول والعناد مع الحقائق يعجل بمواجهة عسكرية مع العدو الإسرائيلي، وفي حده الأدنى تسليم لإرادة خارجية لا يعنيها وحدة الوطن. الجمعية التأسيسية للدستور لكل المصريين، ودستور مصر ليس مجرد صياغات، بل هو إرادة شعب، ولا يجب القبول بالاستفتاء عليه بقاعدة الزيت والدقيق والبطاطس. والقضية الفلسطينية ليست قضية حكم ذاتي تحت الاحتلال، وتقسيم فلسطين إلى شمالية وجنوبية بين فتح وحماس، ولكنها قضية الوجود العربي، قضية شعب وليست قضية معبر. والمواجهة مع إسرائيل ليست رعونة، هجمة هنا وهجمة هناك، بادعاء أداء واجب حرب العدو المقدسة، لتهدر إرادة وطن وأمنه وواجب حماية الأرض والشعب والمصالح. الاقتتال فوق أرض سيناء يؤكد من جديد ضرورة بناء جيش وطني قوي، مؤهل للدفاع عن الأرض والشعب وحماية الدستور، ويفرض استعادة السيادة فوق أرض سيناء المقدسة.

887

| 25 سبتمبر 2012

العجوز والحرب

أعاد الإعلام العربي نشر تصريحات "هنري كيسنجر" مستشار اﻷمن اﻷمريكي، ووزير الخارجية السابق في عهد ريتشارد نيكسون، أطلقها منذ عدة أشهر وأنهاها قائلا: "إن طبول الحرب تدق ومن ﻻ يسمعها فهو مصاب بالصمم".أيا كانت أسباب استعادة التصريحات، غير أنه ليس من الحكمة تركها تمر دون محاولة إدراك أبعاد ما يمكن أن تعنيه، خاصة أن حالة الفوضى، وتهديدات الحرب وحركة الأساطيل لم تنقطع عن المنطقة العربية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، والحديث عن النظام العالمي الجديد، والذي كان يومها أيقونة الحديث السياسي. ولنر ماذا قال كيسنجر، ثم كيف نضعه في سياق الخيارات الأمريكية الغربية، فمما نقل من تصريحاته: "أن ما يجري حاليا هو تمهيد للحرب العالمية الثالثة التي سيكون طرفاها هما روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى ". وقال كيسنجر "إن الدوائر السياسية والإستراتيجية اﻷمريكية طلبت من العسكريين احتلال سبع دول شرق أوسطية من أجل استغلال مواردها الطبيعية خصوصا النفط والغاز مؤكداً أن السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول أما السيطرة على الغذاء فهي السبيل للسيطرة على الشعوب". وأكد "أن العسكريين اﻷمريكيين حققوا هذا الهدف تقريبا أو هم في سبيلهم إلى تحقيقه استجابة لطلباتنا، وبقي حجر واحد علينا إسقاطه من أجل إحداث التوازن وهو المتمثل في إيران". وأوضح كيسنجر "أنه يدرك أن كلا من الدب الروسي والتنين الصيني لن يقفا موقف المتفرج ونحن نمهد الطريق أمامنا خصوصا بعد أن تشن إسرائيل حربا جديدة بكل ما أوتيت من قوة لقتل أكبر قدر من العرب.وهنا سيستيقظ الدب الروسي والتنين الصيني. وقتها سيكون نصف الشرق اﻷوسط على اﻷقل قد أصبح إسرائيليا". هكذا حرب عالمية ثالثة، أسلحة جديدة لم تكشفها أمريكا، احتلال لسبع دول نفطية لأن البترول وسيلة الاستيلاء على الدول، وإسرائيل تحتل نصف الدول العربية، وحجر العثرة هي إيران، أي أنها مجرد خطوة على الطريق؟! ليس من السهل القول إن كيسنجر قد بلغ من العمر ما ينفي عن كلماته العقلانية، فهو لا يتحدث من بنات أفكاره، ولكنها نتائج مراكز البحث والتفكير ورسم السياسات والإستراتيجيات في أمريكا، وحكم الكوربوقراط كما ذكر بيركنز ونقلنا عنه في مقالنا السابق، والذي يعلن عنه كيسنجر باسم الحكومة العالمية ذات القوة الأمريكية المطلقة. فهل هي الإستراتيجية الجديدة، الحرب العالمية بكل ما تحمله من صور الدمار، أم هي المزج بين الاقتصاد والحرب، والشرق العربي الإسلامي حطبها؟ من المؤكد أن هناك صراعا اقتصاديا مكتوما بين الصين وأمريكا، وخرج إلى العلن في أزمة الرهن العقاري، واتضح أن للصين يدا عليا، ومن المؤكد أن هناك محاولات روسية للعودة إلى دائرة الضوء الدولية، ومن المؤكد أيضا أن حربا عالمية بين الأطراف الرئيسية تعني فناءهم جميعا، ولكن من المؤكد أيضا أن ساحة الصراع هي نحن "النفط والموقع وإسرائيل"، فهل ندرك هذا؟ التطور لا يمس الرؤية في ضرورة تحقيق سيادة الإمبراطورية الأمريكية أو الكوربوقراطية، ولكن التطور يمس "كيف؟". من بعد الحرب العالمية انتقلنا إلى كيرميت روزفلت في إيران وإسقاط مصدق. ومن ثم إلى قراصنة الاقتصاد، ومعركة الإغراق بالديون، للسيطرة الكاملة، وقراصنة الاقتصاد لا يتجاوزون مرحلة إن لم تحقق هدفها، وإلا فيعقبها مرحلة الثعالب من رجال العمليات القذرة بالاغتيالات، وإن لم تنجز هدفها بالسيطرة على الدول جاء دور الجيوش. وتخلل ذلك أسلمة الحرب في أفغانستان، عندما أعلنت السي أي إيه الجهاد بالمسلمين في مواجهة الاتحاد السوفييتي الملحد، وليخرج بعد ذلك ما أسماهم العالم بالمجاهدين الأفغان، وأغلبهم من العرب، ولكن الأخطر من حمل السلاح وفكرة الجهاد، فالسؤال كان جهادا ضد من؟، وكان الأقرب والأيسر هو الجهاد ضد المجتمعات التي خرجوا منها، ليصبح ميدان عملهم "عقيدة وفعلا" هي الأرض العربية، والأقطار العربية، والتي كانت معاناتها من أنظمة الاستبداد تفتح الباب على مصراعيه لبيئة عمل مواتية لهم. ثم كانت رؤية كونديليزا رايس في الفوضى الخلاقة، وكان مشروع الشرق الأوسط الجديد. لم تكن المجتمعات العربية مجرد أرض جرداء من الإرادة، واقعة تحت الفساد والاستبداد والتخلف في الداخل، وتتعرض لاغتيال التاريخ والانتقال من دعوة التحرر الوطني والقومي والتقدم، إلى الانقسام الطائفي والمذهبي، ويتفشى الفساد ليطال النخب السياسية والفكرية التي استطابت مجرد الكلام دون محاولة العمل والاجتهاد والبناء، ففقدت المجتمعات طليعتها الفاعلة، ولكن كانت هناك إضاءات، تمثل واحد منها في حرب 2006 بجنوب لبنان عندما كشف صمود المقاومة اللبنانية إمكانية كسر إرادة العدو العسكرية والسياسية، ولكن لم يكد يمضي 50 يوما حتى كانت الضربة الإسرائيلية لشمال سوريا في 6 سبتمبر 2006، لم تتحرك سوريا للرد على تلك الضربة، وتكفلت الطيور المهاجرة القادمة من الشمال عبر إسرائيل بإثارة الرعب بأجهزة الإنذار الإسرائيلية، ومضت إسرائيل لتصنع منظومة القبة الحديدية لمواجهة صواريخ الكاتيوشا وما دون الصواريخ الباليستية. وتتجسد هزيمة عربية جديدة في انفصال الجنوب السوداني عن السودان، وتشتعل حروب الانفصال في السودان، ومازال مرشحا لمزيد من الانقسام. وتتجمد المقاومة الفلسطينية على يد فتح وحماس، ويتحول الصراع مع إسرائيل إلى اقتتال بارد بين طرفي وأد القضية في فتح وحماس، ويدفع الشعب الفلسطيني الثمن من حياته ومن أرضه التي تضيع بهدوء وكأن الغد ملك للغافلين عن أمرهم اليوم، وليثبت أن مشروع المقاومة الإسلامية لا يحمل ما يؤهله لمواجهة حقيقة الوجود الصهيوني فوق أرض فلسطين. وتتجسد الإضاءة الثانية في الثورات العربية في تونس ومصر في مواجهة أنظمة الفساد، ويخرج الملايين إلى الشوارع، في ظاهرة فاجأت العالم وفاجأت الشعوب ذاتها أنها تستطيع ويمكنها، وتنتقل حركة الشعوب إلى ليبيا واليمن، ويطلق الغرب عليها الربيع العربي، ويقول أحد الأصدقاء إن الربيع الغربي تسقط فيه الثلوج عن الأشجار لتنكشف عن جذوع سوداء، وكأن الغرب عبر عن مكنون ذاته أنه الربيع الأسود على العرب، هذا ما أرادوه ويسعون إليه. ويكشف الربيع العربي حقيقة التردي والاهتراء الذي أصاب الحياة السياسية العربية ومدى التصحر الذي أصابها، فالملايين التي خرجت دون قيادة أو تنظيم، عندما عادت إلى بيوتها، وجدت نفسها عرضة لقراصنة الاستيلاء على إرادتها، ووجدت ذاتها تحت سيطرة لخداع تحت عباءة الدين المطلق الراسخ في وجدانها وثقافتها، ولكنه خداع لا يحمل مشروعا سياسيا يحفظ لها هويتها وأمنها ويبني لها نظاما يتيح لها التقدم والتحرر وإزالة الفساد والاستبداد. وكأننا خلال الأسبوع الماضي أمام بداية لطور جديد مما أطلقوا عليه الربيع العربي. عرض فيلم أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقلت أجزاء منه إحدى الفضائيات الدينية في مصر، فكأنه زناد جرى الضغط عليه لينفجر حجم السخط العربي والكراهية المتراكمة ضد أمريكا، ويبزغ نجم العنف مسلحا كان أو عاصفا بالحناجر ضد أمريكا، في ذات يوم ذكرى 11 سبتمبر 2011. وإذا جاز للأمريكيين أن يسألوا ببراءة منهم، أو بخبث، لماذا تكرهوننا؟، فالأخطر أن يتساءل أحد منا لماذا هذا العنف؟، وكأن العرب قطعان من الثيران البرية دخلت ساحة الكريستال النقي الأمريكي الثمين، وأن كل هذا العنف ليس صناعة أمريكية، سواء بمواقفها المعادية لأي حق عربي، أو بما زرعته من مناهج وأساليب وتدريبات للعنف قامت بها أجهزتها السرية، وبما مارسته من ترتيبات مع تنظيمات الإسلام السياسي التي اعتلت السلطة في الأقطار العربية، تلك التنظيمات التي بدأت التحريض والتظاهر، لتنسحب من بعد تاركة الفعل لما يعتري البشر من انفعال. مشهدان يوحيان بأن منعطفا يقترب من الحالة الجزائرية في المواجهات التي دارت بين الجيش والتنظيمات الإسلامية المسلحة وأودت بحياة الآلاف تكررا في بنغازي وسيناء، عنف مسلح وأسلحة تقتل وتحرق، ولا تتجاوز غير إعلان عن الذات والمنهج، وأساطيل تتحرك، وحكومات ومسؤولون أكلت القطط ألسنتهم، بل وأكلت العقول، ليس هناك من يخرج إلى شعبه بحديث سياسي. إن أخطر ما يصم أي قيادة سياسية بالنفاق والعجز، هو أن تنافق القيادة شعبها، ولا تحادثه بالحقائق. وحملت تغريدات متبادلة بين نائب مرشد الإخوان بمصر وبين السفارة الأمريكية، رفض الأمريكيين لما كتبه لهم بالإنجليزية غير ما تحدث به بالعربية، وقالوا له إنهم يمكنهم قراءة ما يكتب بالعربية، ليسقط قناع جديد عن أن الكذب عندهم بكل اللغات ومع كل الأطراف وليس مع مجتمعهم حيث النسيان سببا لاستمرارهم السياسي. إن ما جرى في بنغازي هو مقدمة للمستقبل الذي ينتظر ليبيا، فهل ليبيا باتساعها الجغرافي وتنوعها ذاهبة بالسلاح والأساطيل وأطماع البترول وعمقها الصحراوي إلى حالة من التقسيم؟، وليس هناك ما يحول دونها غير أن يشملها الله برحمة من عنده. ويتزايد الخطر في وقائع ما يجري في سيناء، فلم يعد الأمر هجوما مسلحا عارضا، ولكنه عدة هجمات في توقيت واحد، وتتعدى الكمائن إلى مديرية أمن شمال سيناء ذاتها ومن محيطها السكني ولمدة تجاوزت ساعة يجري تبادل الرصاص، وموقع "الريسة" يتعرض للهجمة السادسة والثلاثين، ويجري اقتحام لمعسكر "الجورة" لقوات المراقبة الدولية وأغلبها من الأمريكيين ويصاب بها اثنان من جنود القوة. وتتحول سيناء إلى مادة لبيانات عسكرية، ومتحدث عسكري، وهي أرض حبلى بأسباب الانفجار الذاتي، وتتداخل احتياجات المواطنين هناك، مع أسلحة الإمارة الإسلامية وأعلامها السوداء، على مرمى حجر من العدو الصهيوني، بينما يجري الحديث عن أن الأنفاق بين غزة المحاصرة وبين سيناء يجب أن تبقى، بل ما يبعث على الاستغراب رفض حكومة حماس تسليم عناصر مطلوبة لمشاركتها في هجوم رفح الذي استشهد فيه 16 جنديا وضابطا مصريا، إلا إذا سمح لمندوبي حماس بحضور التحقيقات معهم؟! حالة الفوضى المنتشرة فوق الأرض العربية، وخلط الخطط الأمريكية بخطط التنظيمات المتأسلمة، وغياب رؤية عربية مستقلة لحقيقة ما يجري، تزيد من العبء الداخلي في الأقطار العربية، بينما تعاني تلك الأقطار من غياب توازن للقوى لصالح الثورة. قال الأستاذ هيكل إن العراق ميدان ضرب نار، والهدف أن تصل أصوات الانفجار إلى أسماع الصين، وها هو كيسنجر يربط مباشرة ذات الهدف ولكن لا يكتفي بالعراق، بل يتجاوزه إلى سبع دول نفطية، ونصف الأرض العربية، وإيران، فهل هناك من بلغ به الرشد كي يعيد ترتيب البيت، إقليميا، ومصر هنا يجب أن تكون أولا، وعربيا، حتى نحول دون "سايكس بيكو" جديدة تقسم الأمة العربية مرة أخرى على هوى الغرب المعاصر مع غياب كامل للإرادة العربية؟.

1106

| 18 سبتمبر 2012

توازن القوى... تشتت الفكر وغياب الإرادة

من يحكم مصر؟ سؤال يبدو بسيطا، ولكنه يستدعي سؤالا آخر، ولمصلحة من؟، وكلما استطردنا في بحث توازن القوى، ظلت كلمة "ماهية الرؤية الحاكمة" لطبيعة التوازن تلح علينا، لنتمكن من تحديد طبيعة الأطراف في لعبة التوازن، ومن أي خندق نجري حسابات التوازن؟ من الإنصاف الإقرار أننا نحيا في عالمنا في قشرة السطح منه، وعمق القشرة لا يتحدد بحجم الكم العددي، ولكن يحدده حجم المتوافر من معلومات، والقدرة على تحليلها والتنبؤ بالقادم. نعم نحن نلوذ بقيم نراها من حق الشعوب، ونتمسك بحقيقة أن الشعوب هي القادرة على البقاء، وهي المالكة للمستقبل، والشعوب هي القادرة على هزيمة كل صور الغدر والعدوان والاستغلال والإرهاب، شريطة أن تستطيع كشف الحقائق والإمساك بها وأن يستقر هذا في وعيها. نعم الشعوب لا تستخلص إرادتها لتضعها في متاحف التاريخ، ولكن لتعيد صياغة الحياة بما يوفر لها الرخاء والنمو والعدل، ولكن لم تعد هناك متاحف لإرادة الشعوب في العصر الحالي، ولكن هناك قراصنة وثعالب وجيوشا، بل إن الجيوش لم تعد جيوش دول تحترم المعاهدات أو المواثيق والأعراف في الحرب النبيلة ـ إن كانت هناك حروب نبيلة ـ أو أخلاق الفرسان، خاصة بعد أن باتت الجيوش من المرتزقة، مدفوعي الأجر، وجرى خصخصة الحروب كما الاقتصاد والشركات، بل جرى استخدام "الطينة من العجينة"، أي خلق حالات الاقتتال الداخلي بديلا عن الغزو الخارجي. الأفكار في عالمنا، خيرا كانت أو شرا، لا تولد لتموت، ولكنها تبقى قد تزوى بعض الوقت، لتلائم نفسها والبيئة التي تنمو فيها، ولكن أخطر ما يصيبها أن تبقى حبيسة أنماط تجاوزها الوقت والعلاقات والقوى والمعرفة ومناهج العمل. وفي عالم صناعة القوى وصراعها، لا تأتي الأفكار من إرادات أشخاص يتوهمون أو عباقرة يصيغون، ولكن تنتجها إرادات ومصالح ورؤى وخطط وأهداف في المستقبل. وأولئك الذين يحد تفكيرهم مدى بصرهم وفقط، وعلاقات بيئتهم الشخصية، دون أن يتجاوزوا ذلك إلى الكون والمطلق والعالم الذي يعيشون، يصابون بعمى الرؤية وذرية التفكير. كشفت مباراة كرة قدم في مصر تحول العقل إلى شظايا، ومدى غياب الإدراك، وصار الدم أهون من الماء، رغم أن الصراع على الماء يقترب من الحرب الدامية، وكشفت حجم الخلل المضطرد في أداء أجهزة وكيانات أمنية وقضائية وإعلامية وسياسية داخل مصر. توهم أن الخلل مجرد سمة ذاتية في الأجهزة وبناء الدولة هو هروب من المسؤولية، وهروب أيضاً من مواجهة النفس، فالخلل ليس في الأداء ولكن الخلل في القناعات والانتماء والرؤية وما يترتب عليها من مسؤوليات، ويبقى دائما السؤال لمصلحة من السير في اتجاه مضاد لحاجة الشعب والمهام التي يجب الاضطلاع بها لإنجاز هذه المهام، حتى أن القول بأنهم مدفوعون إلى هذا بإرادة الغير صار الأقرب إلى القبول عن أن ما يفعلون ناتج طبيعي لكونهم أعضاء في هذا المجتمع، يعيشونه كما يعيش التسعون مليونا أيامهم. لم تكن مباراة كرة القدم وحدها هي الواقعة الكاشفة، سبقها الحديث حول قرض صندوق النقد الدولي لمصر، حديث أقرب إلى المراهقة الاقتصادية والسياسية والدينية، في شأن توصيفه بأنه قرض ربوي وبذلك فهو حرام، وكأن الربا فقط مالي، وغاب عن العقول مفهوم آخر هو الربا الاجتماعي، أي ما يدفعة المجتمع من أعباء نتيجة شروط القروض وليس مجرد معدل الفائدة، وتلك الأجندات الخاصة التي تتحرك على أساسها عمليات الإقراض، وحركة الأموال والاستثمار في عالم اليوم بين الدول. لم تعد صورة "شيلوك" المرابي اليهودي التي رسمها شكسبير في مسرحيته تاجر البندقية، هي صورة الشيطان الذي اشترط على المدين إن عجز عن دفع دينه وفوائده في الموعد المحدد، أن يقطع رطلا من لحمه الحي، ولكن الصورة الحديثة تعدلت، فالمرابي لم يعد شخصا ولكنه شركات وعناصر تتسلح بالمعرفة والعلم والتكنولوجيا ويطلقون على أنفسهم "قراصنة الاقتصاد"، ولم يعد المدين شخصا، ولكنه دول يستهدفها قراصنة الاقتصاد، للسيطرة الكاملة عليها، وتوجيهها اقتصاديا وسياسيا إلى حالة من التبعية، ولم يعد الجزاء رطل لحم، ولكن الهدف الوصول بالمقترض إلى حالة الإغراق في الديون والعجز عن السداد، وإن تعثرت أهداف السيطرة يتراجع قراصنة الاقتصاد ويحل مكانهم الثعالب من رجال العمليات القذرة للقتل والاغتيال، وإن لم تفلح الثعالب تقدمت الجيوش، وكل ذلك في إطار نظام "الكوربوقراط" أو حكم المؤسسات الصناعية والبنوك. جون بيركنز واحد من هؤلاء القراصنة، سجل في كتابه "اعترافات قرصان اقتصادي"، ممارسات نخبة رجال الأعمال في الولايات المتحدة لبناء إمبراطورية عالمية تسيطر عليها "الكوربوقراطية" أي حكم منظومة الشركات الكبرى الأمريكية. يروي بيركنز على لسان مدربته أن كيرميت روزفلت وضع المثل لمهمة القرصان الاقتصادي، وأيضا نبه بالمحظور. كيرميت روزفلت هو رجل المخابرات الأمريكية الذي أدار الصراع في مواجهة رئيس وزراء إيران محمد مصدق (1951) بعد أن قام الأخير بتأميم البترول الإيراني وتضررت شركة بريتش بتروليوم، ولجأت بريطانيا إلى أمريكا حليف الحرب العالمية لتعينها، واستبعدت أمريكا خيار الحرب، ولكنها أرسلت روزفلت إلى إيران، ونجح في استخدام سلاح المال والتهديد والعمل السري ألمخابراتي في حشد الشارع ضد مصدق، والقيام بمظاهرات أدت إلى سقوط مصدق، ولكن المخاطرة أن روزفلت كان يحمل في ذاته الخطر علي مهمته، لكونه أحد رجال المخابرات المركزية الأمريكية. نجح روزفلت في تنظيم وإدارة أول عملية أمريكية أسقطت نظام حكومة اجنبية، ولكن كما يقول بيركنز، كان من الضروري ايجاد طريقة لتحقيق الهدف دون الإشارة إلى واشنطن، وهنا ظهرت وظيفة القرصان الاقتصادي الذي يتقاضى مرتبه من القطاع الخاص، شركة مستقلة عن الحكومة الأمريكية، وفي هذه الحالة لن يمثل مشكلة أن اكتشف أمره، حيث ستفسر أفعاله علي أنها صراع المنافسة بين شركات وليس لصالح الدولة، فضلا عن أن نشاطه سيكون بعيدا عن مسائلة الكونغرس. يحدد بيركنز دوره في استخدام المنظمات المالية الدولية ـ صندوق النقد والبنك الدولي وبرنامج المعونة الأمريكية ـ لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأمريكية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك، فهو يقوم بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، بشرط قيام الشركات الأمريكية بتنفيذ هذه المشروعات، فلا تخرج الأموال من الولايات المتحدة، ويبقي علي الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد. ويؤكد بيركنز أن مقياس نجاح الخبير يتناسب طرديا مع حجم القرض بحيث يجبر المدين علي التعثر بعد بضع سنوات، وعندئذ تفرض شروط الدائن التي تتنوع مثل الموافقة علي تصويت في الأمم المتحدة أو السيطرة علي موارد معينة في البلد المدين أو قبول تواجد عسكري به، وتبقي الدول النامية بعد ذلك كله مدينة بالأموال. ويكشف بيركنز خداع ما يسمى بالتقدم الاقتصادي الذي يقاس علي الناتج الإجمالي القومي والذي يمكن أن يتركز في أيدي نخبة داخل الدولة المقترضة، ويؤدي ذلك إلى تكوين مجموعة من العائلات الثرية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي تشكل امتدادا للنخبة الأمريكية من خلال اعتناق نفس أفكار ومبادئ وأهداف النخبة الأمريكية. ويرصد بيركنز أن حجم مديونية العالم الثالث وصلت إلى 2.5 تريليون دولار وأن خدمة هذه الديون بلغت 350 مليار دولار سنويا عام 2004 وهو رقم يفوق ما تنفقه كل دول العالم الثالث علي الصحة والتعليم ويمثل 20 ضعفا لما تقدمه الدول المتقدمة من مساعدات خارجية. ويكشف بيركنز عن قيامهم بتطويع اللغة لتغليف استراتيجيتهم في النهب الاقتصادي، وذلك باستخدام مفاهيم مثل "الحكم الرشيد وتحرير التجارة وحقوق المستهلك"، وهو ما يؤدي إلى خصخصة الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء. ويعرض بيركنز لتجاوز إشكالية أصحاب المصالح الأمريكية مع المواطن الأمريكي بطريق غسيل المخ أو ما أطلق عليه "هندسة الموافقة"، بحيث يصبح حديث المواطن الأمريكي متمشيا تماما مع مفاهيم النخبة، وبحيث يساق الشعب بشكل دائم إلى إدراك أن الحرب لم تنته وأن بلاده تحارب من أجل قضية نبيلة، ويعرض استخدام ريجان تعبير "إمبراطورية الشر" وبوش تعبير "محور الشر"، للتأثير بألفاظ ذات مسحة دينية. وعلى المستوى الخارجي تندرج السياسة الأمريكية تحت مبدأ الاحتواء، حيث يتكامل الداخل والخارج في خدمة الكوربوقراط. ويقول بيركنز إن مهمته وأمثاله الترويج لهذا النظام الذي يمثل منظومة الشركات والبنوك والحكومات، فإذا فشلوا، يبدأ الثعالب في تكملة الطريق، وهم نوع مؤذ من رجال العمليات القذرة، أما إذا فشل هؤلاء فهنا تتدخل الجيوش. لم يترك الرجل الموضوع لمجرد الحديث الروائي بل ربطه بوقائع دارت في جواتيمالا وبنما والإكوادور والعراق وفنزويلا وإندونيسيا وكولومبيا، ولعله يجب العودة مرة أخرى للحديث عن الكتاب وما يتضمنه، ولكن قصة استرداد فوائض النفط من المملكة العربية السعودية تبدوا الغرابة فيها في فصل يطلق علية المملكة العربية السعودية وعمليات غسيل الأموال، وكيف بدأ وضع مخططاته للقرصنة علي عوائد النفط من صورة فوتوغرافية عرضها عليه أحد دبلوماسي المملكة عام 1974 للرياض العاصمة، وفيها قطيع من الأغنام يرعي بين أكوام القمامة خارج مبني حكومي، وأن الدبلوماسي شرح له أنها وسيلة التخلص من القمامة، ويعلق بيركنز: "أغنام في عاصمة أكبر مملكة بترول في العالم. بدا لي أمرا لا يصدق"، ولكن هذه الصورة كانت منطلق بيركنز فيما بعد ليضع خطة التطوير للمملكة والتي نجحت بها الشركات الأمريكية في استعادة ما دفع للنفط خاصة بعد أزمة 1973 عندما زادت الأسعار بطريقة خيالية. هكذا تضع أمريكا خطط السيطرة والاستحواذ، ونحن نقتتل حول مباراة كرة قدم. من ينسى دم أبناءه، ويترك قاتليهم دون قصاص، لن يعي دلالات ذلك لدى القوى الخارجية، بل كيف يستوعب حقيقة القرصنة الاقتصادية، ولعله سيقبل بالقرصنة الاقتصادية بديلا عن العمليات القذرة للثعالب أو تدخل الجيوش، ولكن في كافة الأحوال فإن مثل هذه الأنظمة لا تعبر عن شعوبها أو مصالح تلك الشعوب، هم صرعي امتلاك السلطة، حتى وأن كانت هناك في مصر ثورة. ما يبدو أننا نعرفه حتى بالرؤية لا يتجاوز قمة جبل الجليد، وليس هناك من سبيل لتجاوز الخطر، ما نراه وما لا نراه، من دون امتلاك قدرة تحديد الإمكانات، وتجاوز أخدود الجهل الذي فتت العقل، وامتلاك أدوات العصر، وعدم ادعاء أحد لامتلاك الحقيقة المطلقة، نحن نخوض صراع البقاء، والكوربوقراط يرون أن مصر هي الجائزة الكبرى، ونعاني من ثلاث مخاطر محدقة بنا، النفط الذي تحول من نعمة إلى لعنة، والموقع الذي يمثل مركز الحركة بين الشرق والغرب، وإسرائيل التي تمثل الخطر المباشر علي المجتمع العربي، فهل نظل نضع أصابعنا في أعيننا، أم أننا سنغيظ وجهنا ونقطع أنفنا.

693

| 11 سبتمبر 2012

توازن القوى.. الصدق..التركيز.. العمل والزمن

استطراد الحديث عن توازن القوى ليس حديثا عن تفاعل كيميائي محدد المعالم بمعادلات تربط بين المواد الداخلة فيه ووسط التفاعل، ولا هو حل لمسألة رياضية تقيم توازنا بين عوامل تؤثر فيها، وليس تفسيرا لحركة تيار كهربي تحكمه نظريات ومعادلات محدده في أي مكان وزمان، إلا إن خرجنا بكل هذا من حالة الجاذبية الأرضية، وانعدم تأثيرها، فقد تتغير القواعد الحاكمة ويجب اعتبارها، حتى أن العلم عندما وصل إلى النانو تكنولوجي ربط بينها وبين رحلات المسافات الفضائية كرحلة المريخ وما تتطلبه من سنوات ذهابا وعودة، واعتبروا أن الاستخدام الطبي العلاجي للنانو في زرع العلاجات داخل الجسم البشري هو مقدمة ضرورية لإتمام تلك الرحلات. لكن الحديث عن التوازن داخل المجتمع هو علم بذاته، ينطلق من طبيعة المجتمع ومكوناته، وثقافته، وموقعه الجغرافي، ومصالحه، وعلاقاته الخارجية في إقليمه أو في العالم بأسره، وطبيعة المخاطر التي تحيط بهذا المجتمع، ونطاق تأثيره، ومجاله الحيوي، ونطاق نفوذه، وإمكاناته، ليس في واقع اللحظة ولا التاريخ وحدهما، ولكن في المستقبل الذي يريد هذا المجتمع صناعته. وهذا كله يفرض القراءة الجادة بعيدا عن الانفعال أو الاختباء خلف أحكام مسبقة، أو تجاهل وقائع فوق الأرض وتفسيرها بالهوى على غير حقيقتها، وفضلا عن ذلك كله هو تعامل مع حركة حية الأساس فيها هو الإنسان المكون الأساسي للمجتمع. الحديث عن توازن القوى في مصر هو حركة فوق رماد ترسب من سحابة رماد بركاني أطلقها انفجار بركان يناير 2011 الذي لم يطلق حممه المنصهرة بعد ليعيد تشكيل تضاريس المجتمع الجديد الذي يريد. تراكَم الرماد فوق الأرض ودفن كل المظاهر الإيجابية التي تجلت خلال الأيام الثمانية عشر الأولى وما تلاها، ولكن خروج سحابة الرماد لم يحل دون استمرار غليان الحمم التي تبحث عن اكتمال طاقتها لتخرج فوق الأرض وتعيد تشكيل تضاريسها الاجتماعية والسياسية، كما أنها لم تنه النظام السابق الذي استهدفت الثورة إسقاطه تحقيقا للثورة وتمكينا للأسس العلمية لتغيير المجتمع. ورغم زلزال حركة الشعب ووضوح أهدافه ضد الفساد ومن أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وتجاوزه للنظام بمكوناته من سلطة ومعارضة وتنظيمات أو جماعات تعايشت مع هذا النظام، إلا أن هذا لم يحل دون التكالب الداخلي والخارجي على ثورة الشعب المصري، لتفريغها من مضمونها والحيلولة دون تحقيق أهدافها ولإجهاض الإرادة الشعبية ونزع أي إمكانية لاستمرار الثورة وبكافة الوسائل حتى القتل إن لزم الأمر، وهو أمر لم تنته المحاسبة للمسؤولين عنه والمتسترين عليه. المكاشفة تتطلب صدقا مع النفس وعدم جلد الذات، فالحديث عن أمة ووطن ومستقبل شعب، لا يحتمل غير الجدية والصدق والتركيز وعدم الانسياق إلى دروب فرعية. توقفت حركة الشعب عندما كان واجبا أن تستمر لتستولي على مقدرات السلطة لتتمكن من تحقيق أهداف الثورة، وإن بدا زمن التوقف قياسا على حياة الشعوب متناهيا في الصغر، غير أن هذا الزمن كان كافيا لتفقد حركة الشعب المبادأة ولتتحول من بعد ذلك إلى حركة مقاومة لكافة محاولات إجهاض الثورة والاستيلاء عليها. والتحول إلى حالة المقاومة أدى إلى فقدان الحركة للقدرة على تطوير أدائها لمهام تستوجبها أهداف الثورة، وساعد غياب عصب تنظيمي للثورة وقيادة موحدة لها، إلى تزايد الانجراف إلى معارك فرعية كانت تخدم الخطط المضادة لإلهاء الثورة وعناصرها عن غاياتها، وصارت تلك الحركة العفوية وكردود فعل هي رقص على طبول يدقها التحالف المضاد للثورة وتخدم أهدافه في الاستيلاء على الثورة والسلطة معا. تمثل الخطر الأول في الانسياق إلى الاستفتاء ومن ثم التسليم بلعبة صناديق التصويت وخيار الانتخابات قبل الدستور، وحركة الشعب دون التماسك في رؤية متكاملة، ولم تملك تنظيما يجمع قواها الحية في حركة سياسية منظمة، فانتقلت مصر تحت دعاوى الممارسة الديمقراطية إلى سيطرة على السلطة بعيدة عن إرادة الثورة وتوجهاتها، وأكدت هذه السيطرة أن النظام السابق لم تجر إزالته وتطهير الوطن من توابعه، ولكن جرى توريث النظام لتحالف المجلس العسكري والتيارات الدينية، ليعود ذات النظام بذات السياسات والولاءات والتوجهات ولكن في ثوب جديد بصياغة يمكن الجزم الآن أنها كانت صياغة أمريكية بامتياز، تؤمن لها مصالحها ورؤيتها في المنطقة والالتزام بأمن إسرائيل والاصطفاف الطائفي وفق القواعد التي سنتها اللجنة الرباعية في زمن بوش الابن في أعقاب حرب لبنان عام 2006 والتي كان أعضاؤها ديك تشيني نائب الرئيس في ذلك الوقت وابرامز مسؤول الأمن القومي وزلماي خليل زادة وبندر بن سلطان. من الصدق بمكان القول إننا نحاول الإسهام، ولا نملك الحقيقة كاملة، وستبقى محاولات الإسهام مجرد ملاحظات علها تكون إضافة حتى لا نكرر مأساة ما يجري من بعض الأطراف عندما يرون أنهم الحل، ليصبحوا بذلك جزءا من المشكلة. ضرورة المكاشفة تتطلب رؤية لأهداف الثورة وما تعنيه في الضمير الشعبي العام، ودلالات إرادة تحقيق التغيير بالمجتمع، وتتطلب تحليلا سياسيا للواقع الحالي ومدى قدرة الكيانات السياسية القائمة أو التي يجري تأسيسها على التعبير عن عمق المجتمع المصري وليس تلك القشرة السطحية التي طفت في أعقاب الثورة والتي تملك شاشات الإعلام والصحافة والوجود بالضجيج السياسي دون طحن، على حساب المجتمع الذي يئن تحت وطأة الفقر والجهل والمرض والغلاء والبطالة، ثم هي تتطلب بعد ذلك الإجابة على سؤال كيفية امتلاك القدرة على الفعل وتحديد القوى صاحبة المصلحة في الفعل، وكيفية استثمار معامل الزمن لصالح الثورة. ليس من الإنصاف القول بأن التيارات الدينية التي خرجت إلى السطح بعد الثورة أسوأ ما في المجتمع، ولكن انحراف أدائها وأهدافها وأساليبها، عن حاجات المجتمع وأهدافه جعلها أكثر تهديدا لتقدمه وللتغيير، من قوى الفساد وبقايا النظام السابق، ولن يكون من العدل عند تقييم المواقف إسقاط تحالفها مع المجلس العسكري ضد الثورة وعلى حساب التغيير، حتى إن التهديد شمل سيناء، والحديث عن أن الجماعات الدينية التي تحمل السلاح في سيناء، قوة مقاومة للعدو الصهيوني يقابلها في الوقت ذاته احتمال أن تلك التنظيمات التي تتستر بالدين يجري توجيه أهدافها وأدائها بواسطة المخابرات الإسرائيلية ولأهداف تتجاوز تحقيق ادعاء الإمارة الإسلامية إلى القضاء النهائي على القضية الفلسطينية بعد تقسيم جسدها بين سلطة وحكومة مقالة، بينما إسرائيل تنجز جملة أهدافها فوق الأرض. وإذا كنا قد رصدنا من قبل محاولات تقويض الدولة المصرية من قبل جماعة الإخوان، غير أن خطرا أكبر على محاولة بناء أسس النظام الجديد هو سطو الإخوان والتيارات الدينية على الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وصم الآذان عن كل النداءات الموضوعية بإعادة تشكيل الجمعية بما يتيح التوافق الوطني اللازم لإعداد الدستور، وهو وحده السبيل لذلك، واستمرار المضي في هذا الطريق سوف يفجر الاستفتاء على الدستور ويجعل منه سبيلا للاقتتال بديلا عن كونه تعبيرا عن إرادة الأمة مجتمعة وتوافقها على العيش معا وفق عقد اجتماعي صحيح ويمثل إرادتها. تمثل طبائع الأشخاص مصدرا آخر للخطر، ولعل قليلا من التركيز في دراسة المشهد، ترصد عناصر ترى ذاتها "الرئيس القادم"، ولم يعلنوا لأنصارهم الذين تجرفهم العواطف، هل يعني قولهم هذا إنهم قادمون إلى رأس السلطة فوق أنقاض الثورة وجثث الشهداء؟ إن ترك الفرصة لإعادة تشكيل الواقع بعيدا عن إرادة الشعب يعني أن مجرد تبادل السلطة هو في حقيقته تزييف لإرادة الشعب وخيانة له. إن الصمت عن السطو على الجمعية التأسيسية والحديث عن الانتخابات القادمة، هو انحراف بالوعي الوطني، عن واجبه تجاه الدستور الجديد. إن معركة الدستور هي معركة الثورة الأساسية في هذه اللحظة، وتلك المظاهرات التي حاصرت مجلس الوزراء من قبل لمنع الجنزوري من دخول مبنى المجلس وحصار ماسبيرو ومبنى وزارة الداخلية، والتي فقد الشعب شبابا من خيرة أبنائه شهداء ومصابين وفي السجون، يصبح اليوم أقل قيمة من ضرورة النضال الشعبي من أجل جمعية تأسيسية حرة تمثل كل أطياف المجتمع لوضع الدستور القادم. كافة الاجتهادات من أجل تأسيس كيانات حزبية أو كتل من الأحزاب هي احتياج للمجتمع، ولكنها في جملتها عمل على المدى المتوسط وليس لمواجهة الواقع الحالي الذي يتطلب حشدا لكل القوى من أجل قضية الدستور الوطني. إن هذه الكيانات مطالبة أن تجد سبيلا للحوار المشترك لرؤية جامعة حول الفترة الانتقالية ووضع الدستور ومعايير التنمية والعدالة الاجتماعية، وإلا فإنها تكرر خطأ افتقاد الرؤية الذي تعاني منه حركة الثورة وتكرر خطأ التشرذم إلى شظايا سياسية. كما أنها مطالبة بمد جذورها إلى القوى الاجتماعية في المجتمع، خاصة أن هذه القوى تعاني من عدم وجود تنظيمات نقابية كاملة تعبر عنها، والأمر يتجاوز العمال إلى المهنيين، كما أن الفلاحين يفتقدون أي تشكيلات تعبر عنهم وتجمع كلمتهم، هذا فضلا على أن الصراع يقسم كتلة القضاة في المجتمع والتي كانت قبل الثورة كتلة وازنة. ولعله من اللافت للانتباه أمنيا ليس مجرد عودة نشاطات أمن الدولة السابقة والتي بدأت على استحياء منذ أشهر، غير أنها اليوم تأخذ منحى جديا، خاصة إذا أضفنا إليها المخابرات الحربية والأمن القومي، ويجري اليوم الحديث عن عودة الحرس الجامعي والذي جرى إلغاؤه بحكم قضائي من قبل، خاصة وأن الطلاب كتلة التعبير الرئيسية دائما داخل نضال الحركة الوطنية في التاريخ المصري، وكان تحالف العمال والطلبة هو كتلة المواجهة لأي نظام على مدى التاريخ المصري. ورغم كل المخاطر التي تحيق بالثورة، فإن بارقة أمل تطل من استيعاب لحاجات المجتمع وضرورات البناء، ومع تنوع الفصائل اجتماعيا وإدراكها بضرورة توافر الرؤية والتنظيم، تطرح معها أهمية الجمع بين العمل السياسي والتنمية المجتمعية مما يزيد العبء على الجهد والوقت ونوعية الكادر وضرورات تأهيله، ويفتح الباب أمام مواجهة صحيحة لظاهرة التمويل الخارجي وتأثيرها على الحياة السياسية. ورغم صحة هذه الرؤية في المزج بين العمل السياسي والاجتماعي، إلا أن هذا الخيار يفرض ضرورة اليقظة حتى لا يتبدد الجهد بين الاتجاهين خاصة وأن كليهما يبدأ من نقطة الصفر، وقد يؤدي الأمل والتصورات الطموحة للعمل الاجتماعي إلى وهم بأنه بديل للدولة ودورها، وليس أداء يدعم الاتصال السياسي بالجماهير. إن اتجاه المجهود الرئيسي هو امتلاك الثورة القدرة على وضع دستور النظام القادم، وليس جماعة بعينها أو تيارا دون باقي أطياف المجتمع، ولعل البحث عن سبيل للحوار داخل المجتمع مع الوعي بكل دروس الفترة الماضية منذ 25 يناير 2011 هو السبيل الأمثل لطريق تحقيق أهداف الشعب بأقل خسائر ممكنة، والبديل سيكون سبيلا لأن تكسب حمم بركان الشعب طاقة انفجار لن يحول دونها متاريس الأمن أو وهم اختراق الدولة والتمكن من عناصر القوة فيها.

823

| 04 سبتمبر 2012

هل أنت آمن اقتصادياً؟
هل أنت آمن اقتصادياً؟

هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...

1383

| 26 يوليو 2026

الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون
الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون

حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...

753

| 23 يوليو 2026

حين يعلو ضجيج الأفكار يصمت الإبداع
حين يعلو ضجيج الأفكار يصمت الإبداع

كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...

654

| 23 يوليو 2026

ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟
ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟

من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...

591

| 22 يوليو 2026

اللجنة الاستشارية للخبراء
اللجنة الاستشارية للخبراء

في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...

579

| 27 يوليو 2026

قبل فوات الأوان
قبل فوات الأوان

وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول...

564

| 21 يوليو 2026

احترموا صغاركم
احترموا صغاركم

ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...

558

| 25 يوليو 2026

بين السطور
بين السطور

ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...

507

| 23 يوليو 2026

الظاهرة والتحدي القادم
الظاهرة والتحدي القادم

إن المشهد المتكرر لظاهرة الكلاب الضالة التي بدأت...

453

| 22 يوليو 2026

د. الكواري.. وجسر المعرفة القطري
د. الكواري.. وجسر المعرفة القطري

عندما تُشيَّد الجسور بين المدن والدول، فإنها لا...

447

| 23 يوليو 2026

خرافة التنوير.. الحداثة وما بعدها وتشويه الفكر الإنساني
خرافة التنوير.. الحداثة وما بعدها وتشويه الفكر الإنساني

المشهد الفكري والاجتماعي للمجتمع الإنساني، بكل أجناسه وملله...

429

| 24 يوليو 2026

وما نحن إلا ضيوف
وما نحن إلا ضيوف

ما إن تخرج من بطن أمك- جزاها الله...

420

| 22 يوليو 2026

أخبار محلية