رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المتابعة لمجريات الأمور في مصر لا تغري عاقلا بالمغامرة والخوض فيها، وإلا خرج وفرسه الأبيض ورداؤه الناصع البياض ملطخا بدماء الشهداء وطين أحذية البيادة، فالالتباس أصاب كل الأشياء، ورغم الصراخ في أجهزة الإعلام والمجلس والأحاديث المتتالية حول الانتخابات والدستور ولجنته والرئيس القادم والانفلات الأمني وطهارة وزارة الداخلية والهتاف بإسقاط حكم العسكر والطائرة العسكرية الأمريكية التي حملت 16 أجنبيا من محبسهم إلى قبرص متجاوزين في ذلك حكم محكمة، رغم كل هذا فإن مصر تبدو ثورتها وقد دخلت بحرا من الرمال المتحركة، ولا يحاول أحد أن يتوقف لقليل من الوقت لمراجعة إلى أين المسير. اللحظة هي نتيجة مباشرة لميزان القوى جرت إعادة صياغته عنوة في أعقاب ثورة يناير، وكأنه سيناريو معد سلفا وجرى إعداد عناصره على مدى زمني بغير حدود، ويمثل قمة الانقلاب على الشعب وتاريخه وتضحياته وآماله ومقاصده العليا. وانتقلت قوى سيناريو الاستيلاء من حديث عن ثلاثين عاما مضت لتكشف عن وجهها وتتحدث عن ستين عاما مضت، وكأن عناصر هذا السيناريو يستكملون ما بدأته المخابرات المركزية الأمريكية وثبت عليه محاولات الانقلاب باسم الديمقراطية في أول الخمسينيات، ثم محاولات الاغتيال المتتالية، وحرب العدوان الثلاثي وقبلها اغتيال الموساد لمصطفى حافظ في غزة وصلاح الدين مصطفى في الأردن، ومؤامرات ما سمي بالرجعية العربية، والحصار الاقتصادي ومحاولات الحيلولة دون بناء اقتصاد وطني حر وعدوان 1967، وإهدار انتصار السلاح في 1973، خلال كل هذه الفترة كانت مصر بالفعل تحت السلاح تقاتل وتبني. وبعد تولي السادات عادت مصر للخلف أربعين سنة أخرى وجرى اغتيال الحركة الوطنية بتحالف بين السادات والإخوان حتى قتلته التنظيمات الدينية وبقدر حبه للمغامرة كانت نهايته الاغتيال بين جنود القوات المسلحة. كان قدوم حسني مبارك خروجا أيضاً عن سيناريوهات ما بعد النصر العسكري لتنقلب مصر من دولة ذات قيمة بين دول المنطقة والقارة الإفريقية، إلى جمهورية من دول الدرجة الثانية والثالثة وعلى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وبدا المشهد أن مصر بكل حضارتها صارت تحكمها عصابة. ولأن التاريخ يقف صاغرا أمام حركة الشعوب ويستجيب لفعلها، كانت مصر يناير بطليعتها من الشباب وشعبها تحمل في ضميرها إرادة الثورة والتغيير، لتفاجئ العالم بأن هذا الجسد الذي ظنوا أنه قد مات وغير قابل للحياة ينتفض ليقلب الموازين خلال 18 يوما من أعظم أيام تاريخ مصر، ويسطر الشعب المصري صفحة جديدة لمعنى الثورة الشعبية وقدرتها على تطوير أهدافها وفق المتغيرات اللحظية، فوق قدرتها على الإمساك وبوضوح بأمل التغيير والاستعداد للشهادة في سبيله. وبعد عام من الثورة لا يبدو المشهد انقلابا عليها وإنما يبدو امتدادا للانقلاب على مبدأ الحرية ذاته فيقف المنقلبون على 23 يوليو جنباً إلى جنب مع المنقلبون الجدد على 25 يناير. وتغفل جموع المنقلبين عن أن إعادة هيكلة القوات المسلحة بعد يونيو 67 وإن كان ظاهرها الجيش لكنها أعادت بناء الدولة لتخلق حائطا يحميها لعقد أو أكثر بعدها وإلا لسقطت من المؤامرات الداخلية المستعرة. ويبدو المشهد اليوم وكأن لورانس العرب الذي أقام نظام الجزيرة العربية على أنقاض الخلافة العثمانية والهاشميين، قد عاد ليكمل الدور وليستكمل إقامة نظام جديد في مصر على أنقاض وطن وشعب ودولة، ومعه ومن خلفه كل القوى التي كانت أو استحدثت جديدة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد سقوط الكتلة الشيوعية، ومعه كافة أجهزة قوى العالم القديم والجديد وبكل ما جرى بناؤه من تنظيمات داخلية، لها ذات العقيدة المتدثرة بأردية الدين، والمنصاعة للإرادة الخارجية. مشهد يتحدثون فيه عن ستين عاما مضت من العذاب، ولا يملكون في أيديهم غير نداء الأممية الإسلامية وبداياتها إسقاط الدولة المصرية، بحصار للوطنية وإهدار للهوية وإعادة صياغتها بما يتفق والهوى وضرورات السيناريو الجديد. الصراع في مصر وعليها صراع إرادات، منذ الاستعمار التقليدي إلى زمن الخصخصة والعولمة. وما يمكن رصده من غرائب السيناريو الجاري فوق أرض مصر هو اللقاء بين التنظيمات الدينية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، لقاء غير جائز تحت أي دعاوى إلا إن كانت صياغة اللقاء معدة سلفا بالأدراج، بتحديد أبعاد المصالح لكل طرف، ووحدة التصور للمستقبل، وغير هذا فهو زواج مؤقت وأهدافه مكتومة في الصدور والصدام بين أطرافه قادم. الجيوش في أي مجتمع لا تستطيع أن تتخلف عن عصرها، حتى وإن كانت إمكاناتها لا تتيح لها أن تملك ما تريد. وهي تملك من المعلومات عن عدوها وعن الداخل ما يكفي لصانع القرار أن يملك بدائل تمكنه من تحقيق النجاح أو على الأقل تمنع عدوه من تحقيقه. والجيوش ليست بناء أصم، لا تفاعل داخله، فأبناؤها هم عناصر من الشعب يجري عليهم أو على أهلهم ما يجري على الجميع، فضلا عن أن الجيش لم يعد جيشا من أبناء الطبقات العليا في المجتمع بل هو تعبير عن كل مكوناته الاجتماعية، الأمر الذي يجعله في حالة تفاعل وليس جدارا أصم. فكيف والحال كذلك أن يرى من المجتمع جماعة بعينها دون المكونات السياسية والاجتماعية للمجتمع ذاته. الجيش فيما فعل لم يكن خائنا، ولكنه كان يحكمه أحد بديلين، إما أنها قناعة ودور يمكن به التنظيمات الدينية ليتفرغ هو لدور آخر لا نستطيع رصده في اللحظة، أو بديل آخر أنه يخرج ما بعمق المجتمع لصدام قادم حتما. منذ اللحظة الأولى وفي أول قرار بتحديد لجنة التعديلات الدستورية، سلم الجيش للإخوان دفة الأمر بتعيين البشري رئيسا للجنة التعديلات وضم شخصا واحدا من التيارات السياسية وهو محام من الإخوان، ولم تكن هوية ممدوح شاهين السياسية محددة ومازالت غائمة، ولكن خيار الجيش كان واضحا بالدليل العملي، اختار الإخوان. فماذا كان يعني المجلس العسكري بخياره هذا؟ لا يقول أحد إنه أراد جماعة منظمة لها رأس يتحدث معه، ولها جسد ينصاع للرأس بالطاعة. فالرأس والجسد، كانا تحت السيطرة، ولم يفتح لهم الأبواب إلا المجلس العسكري وخياراته، فالمجلس العسكري الذي قبل أن تنطلق رصاصات القتل تجاه الشباب الثائر، لم يكن يمنعه شيء إن اختار تغيير اتجاه التصويب في جهة أخرى. وإذا لاحظ الجميع غياب الداخلية عن دورها الأمني، وحصار جهاز أمن الدولة المؤقت في الأيام الأولى للثورة، إلا أن الداخلية كانت تملك ثلاثة عناصر جرى حشدها وإعدادها وتمكينها بهدوء، وهذه العناصر الثلاثة تمثلت في التنظيمات السلفية، واستخدمت في مواجهة الإخوان بعض الوقت، واستخدمت قياداتها عبر فضائيات مفتوحة على مصراعيها لزلزلة الوعي الشعبي وتغييبه عن قضايا الحياة، حتى وصل بأحد شيوخها الذي يملأ البصر الآن أن أفتى بعدم جواز الخروج على الحاكم طالما أنه مازال يفتح المساجد للصلاة، وتناسى أن الأرض كلها جعلها الله طهورا، ولم يختص المساجد دون باقي أرض الله. وكانت تشكيلات السلفيين مهيأة لتلقي تعليمات الخروج بواسطة الداخلية عبر مشايخها، وكان التشكيل الثاني هو ما أطلق عليه البلطجية، وهؤلاء جرى تجربتهم في انتخابات 2005 وانتخابات 2010 ونجحوا في الظهور للمرة الأولى يحملون أدوات القتل كما مجتمعات الحروب الأهلية في مجاهل إفريقيا. كانت الداخلية بعد الثورة كامنة وتركت البلطجية طلقاء اليد في ترويع المجتمع. وثالث ما كان بالداخلية هو تنظيم "العادلي" والذي كان مختلفا حتى عن أمن الدولة، وهو يقود ويتابع ويقترف الجرائم كما يشاء. تنظيمات الداخلية أضافت إلى الإخوان ذراعين آخرين واحد يشكل عمقا وصل مع الإخوان إلى %60 من مكونات المجتمع السياسي قهرا وبالقوة وباختيارات في التوقيتات وجدول أعمال للفترة الانتقالية مكنهما معا من المشهد السياسي، والآخر يمثل أداة الترهيب والترويع في المجتمع، والمجتمع يتحدث ببراءة الحملان عن أن للداخلية مهام يجب أن تؤديها معتقدا أنها لا تؤدي مهامها وفق السيناريو المعد سلفا. ولم ينه السيناريو مشاهده دون أن يعيد الإعلام إلى حظيرة النظام المعد سلفا وأن يتجاوز دور القضاء. وأن يترك جهاز الفساد الذي يدير الدولة في مكانه، فيستشري ويزداد فجورا. وكانت مقاومة الثوار لهذا السيناريو غير محدودة، مما أوصل المواجهة إلى حد القتل العلني وبلا رادع للثوار قتلا انتقائيا يعلم من يقتل ومن يعتقل ومن يحاكم ومن يحبس، وتركوا لنا ملهاة نتسلى بها هي محاكمة الرئيس المخلوع وابنيه وبعض من قيادات الداخلية، وانهار من بناء الثورة جدر عديدة انزلقت إلى تحويل الشهداء والمصابين إلى سلعة وتجارة وليسوا ثمنا دفعه الشعب لاستخلاص حريته وإرادته. ما تواجهه الثورة في مصر ليس تداعيا بالصدفة، ولكن التعامل معه على أنه سيناريو جرى إعداده مسبقا وبإحكام، يبعد بالتحليل عن السقوط في خطأ الانسياق وراء متغيرات وأقوال تخرج بمصر من فعل التغيير إلى حالة التغييب، والتي يتسارع في اللحظة إنتاجها من كافة المصادر. "اللحية الحديدية" هل هي التوصيف الأقرب لواقع ودور التنظيمات الدينية؟ أطلق على حرس الملك فاروق اسم "الحرس الحديدي"، وانضم إليه أنور السادات في مرحلة من حياته، وهذا التشكيل اعتبر مسؤولا عن محاولة اغتيال مصطفى النحاس زعيم الأغلبية. وكان هناك تشكيل لحماية مبارك والعائلة أطلق عليه "الأفعى الحديدية". وتبدو التنظيمات الدينية في اللحظة تنظيما يحمل ذات سمات التشكيلات السابقة، يبدأ بالحماية فهل يصل إلى الاغتيال؟، ولو كان الاغتيال معنويا للثورة وشبابها. ويبدو من تتابع الأحداث أن هذا السيناريو كان معدا سلفا لمواجهة عملية التوريث إن استلزم الأمر أن يتحرك الجيش، والفارق أنه في حالة التوريث كانت الداخلية والبلطجية والسلفيون في جانب آخر من الصراع في مواجهة تحالف المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان، ولكن ثورة يناير جمعت بين فرقاء سيناريو التوريث لمواجهة الثورة، وصار عبء المواجهة حادا وقاسيا على الثوار. الأمر يستدعي مراجعة أمر قوى الثورة، هل سيستجيبون لمحاولة الاحتواء من المجلس العسكري، وهل سيبقون بلا تعبير مباشر عنهم تنظيما وقيادة، وسيكتفون بمن جلبتهم الأحداث إلى السطح بأهوائهم ورؤاهم الليبرالية فاقدة البعد الاجتماعي إلا من باب التجميل وتحسين الأقوال بما يتوافق مع هوى الكتلة الشعبية؟ وهذا حديث آخر سنعود إليه لأنه يستحق أن ينال حظه من القراءة المتأنية.
373
| 06 مارس 2012
المسيرات الشعبية إلى ميدان التحرير لم تكن مجرد روافد، ولكنها كانت أذرع الثورة الممتدة عبر القاهرة المحررة لتعلن "أنا الشعب"، وهو تعبير طال انتظاره، ولم يكن للمسيرات التي امتدت عشرات الكيلومترات وانضم إليها مئات الألوف، مجرد الشكل حيث ضمت الطفل والشيخ والسيدة ومن حولهم وبينهم شباب لا تملك إلا أن تزهو به وتدعو الله أن ينصر بهم جميعا وطنا أحبوه وضحوا بحياتهم وجهدهم وعرقهم في سبيل حريته، فاحتضنهم وخرج الشعب على الأرصفة ومن الشرفات يحيي مواكب النصر والإصرار ليؤكد أن "الثورة مستمرة" حتى تحقق أهدافها، هذا ما كان من أمر الشكل، أما من حيث المضمون فكما هي أذرع الثورة الممتدة في عمق القاهرة الشعب والجغرافيا، فقد حملت المسيرات رسائل بلا حدود. الرسالة الأولى أنها تمت بسلام وبلا أي صدام، ورغم إعلان الجيش والشرطة أنهم سيخلون الشوارع، إلا أنه يبدو أن هناك إعلانا آخر بأن البلطجية يمتنعون، وهو شهادة أن الشباب والشعب مهما كان حجم الحشود، فهم في سلام وكل المنشآت أيضا طالما ليس هناك تدخل خارجي يفرض الدفاع عن النفس. الثانية كانت رسالة الإصرار على أن اليوم ليس يوم احتفال ولكنه يوم لإعلان استمرار الثورة، يوم تعاقد جديد بين الشعب وشهدائه وبين الشعب وبعضه البعض، في كل أنحاء مصر، بأن الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، وأنها لن تتوقف مهما قال البعض إنها دعوة غير أخلاقية أو حرض على الشباب، أو حاول بعض آخر سرقة الشرعية من حركة الشعب ونسبتها إلى فرع أنتجه التصويت الذي جرى وصار برلمانا، لا شرعية له أن انضم إلى مناورات الالتفاف على الثورة، أو محاولات إجهاضها تحت نفس الشعارات التي ترفعها الثورة. والثالثة كانت تحطيم الأصنام التي صنعوها من تراب الأرض ودم الشهداء لينصبوا هذا أمينا للثورة أو يعلنوا أنهم حاملو أختام الثورة ليحكموا بأن هذا ثائر وهذا ليس بثائر، أو أنهم قد ملكوا الميدان أرضا وملكوا مفاتيحه، وأعلنت المسيرات مضمون الثورة أن ميدان التحرير ليس مجرد الأرض، ولكنه المعنى والروح، وروح التحرير هي الوقود الذي يحرك مئات الآلاف في كل شوارع مصر، هي الفكرة، أكثر منها الوجود فوق الأرض، وقد استدعى هذا تقاذفا بالشعارات، لم يرق إلى الصدام، ولكن خسر الإخوان الذين حاولوا إحالة الموقف إلى احتفالية، تارة بالأغاني الوطنية، وأخرى بإذاعة القرآن الكريم للحد من هتافات الحشود، ورفع البعض الأحذية في مواجهة منصتهم، وقذفوها بزجاجات الماء الفارغة، ورغم تدخل عديد من الخطباء لامتصاص غضب الحشود، ونداءات من شباب الإخوان بأن كل الشعب يد واحدة غير أن الهتافات ضد مرشد الإخوان العام لم تتوقف طيلة المسيرات. ليس مطلوبا في هذه اللحظات أن نتحدث عن لماذا هذا الغضب، ويكفي أن نقرأ تصريحا لنائب المرشد تناقلته وكالات الأنباء والصحف: "أرجع خيرت الشاطر تأخر تسليم إدارة البلاد إلى المدنيين إلى المجموعات التي تحاول نشر الفوضى في مصر ". مؤكداً أن الجيش يرى ضرورة تسليم إدارة البلاد إلى سلطة مدنية"، لندرك أن أحدا لا يجني إلا ما تغرسه يداه. وكانت رسالة مضمون وهدف الثورة في ثلاثية "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، دلالة ثالثة في وحدة الشعار وشموله لمعنى الإرادة الشعبية التي قبلت بدفع الثمن وصبرت وصابرة طوال عام بأكمله من أجل تحقيقه وهو مازال يراوح مكانه ولم يجد من إرادة الإدارة لا الاستيعاب ولا القدرة على تحقيقه، بل مراوحة، أقرب للهروب منها عجزا في الأداء. إن لقمة العيش الكريمة التي يريدها الإنسان المصري ليست معجزة مستحيلة، ولكنها تريد من يقتنع بحق الإنسان فيها، إنها المقدمة الأولى لحرية الإنسان في الاختيار، إنها بوابة الإحساس بالعزة، إن شعار ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد، وشعار ارفع رأسك فوق أنت مصري، لم يعد لهما من سبيل إلا برفع الغبن عن لقمة الخبز المباشرة التي يحتاجها الإنسان. وإذا كان المدخل إلى هذا توازن بين الأجور والأسعار، فإن البوابة الرئيسة إليه هي أمن المواطن. إن حرية لقمة العيش وأن يجد الإنسان قوت يومه، هي الحرف الأول من الأمن القومي، وآخر الأحرف القدرة القتالية لجيشه، لقد تحمل الشعب المصري ما يقرب من 45 عاما منذ حرب 1967 أن يكون قوته عند حد الكفاف، ولكن يومها كانت صرخة المواطن أن كيلو اللحمة أصبح "بجنيه" وهو يتجاوز السبعين جنيها اليوم، بل تجاوزت الأسعار إلا أن الطعام الرئيس للإنسان المصري "الفول والخبز والملح والزيت والسكر والشاي" صار عبئا اقتصاديا على الأسرة متوسطة الحال. إن مطلب الحرية لا يعني بأي حال التنازل عن الهوية الوطنية أو القبول بأي صورة من صور الإرهاب الفكري مستوردا من الشرق أو من الغرب، إن هتاف الشباب "بالحرية حتفضل مصر غالية عليه" فد حققه بالفعل، لقد شكل الشباب غرف عمليات تلقائية يحددون بها من يختارون لمجلس الشعب، وكانوا يناقشون عبر الإنترنت والهاتف الأسماء، ويختارون، ولكن القصور لم يكن في الاختيار، القصور كان في طبيعة البضاعة المعروضة واتساقها مع حجم الأعداد المطلوبة. وهي ذات المشكلة في اختيار الرئيس، فالكل في حيرة مما هو مطروح، وحديث أن أي رئيس يمكن أن نغيره، يصطدم بحقيقة أن "حامد كرزاي" مازال في أفغانستان واحة الدم والديمقراطية الأمريكية، ومازال عند نفس النقطة يسعى للحوار مع "طالبان" كما نقلت وكالات الأنباء، أي أن كلا الطرفين موجود، ومازالت أفغانستان دون الخطو للأمام، ولا يحاجج أحد بأن مصر ليست أفغانستان، ولكنها هي ذات التجارب وذات النتائج المتوقعة، أو هو الدم. إن مطلب الحرية عميق بعمق الحياة. وليس مجرد كلمة ننطقها فتتحقق. إن مطلب العدالة الاجتماعية من الجدية بمكان، يلزم معه رؤية للاقتصاد المصري المهلهل، والذي لا يمكن به لا تحقيق تنمية جادة ولا عدالة اجتماعية، مما يعني أن العصب الرئيس للأمن القومي المصري غائب أو هو بيد أجنبية. إن ذلك يفرض ضرورة استمرار الثورة حتى تجد مرفأ لها تستقر عليه، إن الأدوار قائمة تنادي من يتولاها، ولكن الانشغال عنها بالصراعات الباقية من النظام القديم تعصف بها من كل جانب. لقد نجح الشباب رغم مسؤوليات استمرار التظاهر، في أن يجد بفكر جديد معادلة التعامل مع الإدارات القائمة بهدف التغيير، إن المظاهرات التي أطلقوا عليها الفئوية، واستخدام الاحتشاد في مواجهة أي قرار يمس لقمة العيش، هو خروج عن نمط الحياة والسلوك المعتاد من الشعب المصري، وأكثر من هذا وأعمق، لم تكن النظرة إلى المواقف والأزمات من باب الأنا أو المصلحة مباشرة، بل يفكر فيها بعمق، ويربط بين المواقف ومعنى الظلم، ويعظُم قيمة المعلومات، واكتسب الثقة في النفس إلى حد أنه لا يخشى من القادم حتى وإن كان يركن حتى الآن إلى التجربة والخطأ. ويملك قراءته الخاصة لنتائج الانتخابات الأخيرة، ويقبل بها ويبحث عما بعدها وحجم ما ترتب عليها من مسؤوليات جديدة على كاهله، وهذا أيضاً معنى استمرار الثورة، بل هو المعنى العملي لما أطلق عليه نجيب محفوظ "الثورة الأبدية". إن هذه الأنماط الجديدة على الشعب المصري من حيث الفكر والسلوك، والإحساس بالمسؤولية وحتى عمق الزمن اللازم لتحقيق الغايات العليا، تم تجاوزه وبحده وبإجماع عام في المضمون الخامس للمسيرات الشعبية، وهو النداء الصارخ "يسقط يسقط حكم العسكر"، وهو أمر يجب تناوله بمنتهى الجدية. نعم الجيش هو القلب الصلب لمصر. ولا أعتقد أن التمييز بين الجيش وقيادته في هذه الآونة أمر حقيقي، ولكنه غلاف من السلوفان نغطي به الحقيقة، فالمجلس العسكري هو من وافق على نهج مواجهة الشباب بالقتل، وعناصر من خيرة القوات المسلحة نفذت الأمر. التباطؤ ليس إلى حد التواطؤ، ولكن التباطؤ والتواطؤ، أديا إلى جرائم القتل والسحل والاعتقال والمحاكمات العسكرية، وزاد الطين بلة الصمت دون حساب المسؤولين عن عمليات القتل. حركة الشعب تطالب بإسقاط حكم العسكر، نتيجة الجرائم المسكوت عنها، والبديل تقديم موعد انتخاب الرئيس. والإخوان يطالبون بإنهاء حكم العسكر، حسب الاتفاق، والبديل لديهم ولدى العسكر محدد. العسكر أضعف من إعلان موقف محدد، ويتعاملون بذات منهج النظام السابق، "دع الزمن يتكفل بالعلاج"، ولم يعد هذا المنهج صالحا للتعامل مع حالة اليقظة بعد يناير 2011، والضعف ينتج سوء القرار ويزيد من مبررات المطاردة الشعبية لهم. والمجلس الاستشاري الذي ضم أعضاء حاولوا إحداث توازن بين خياري أيهما يسبق الدستور أم الانتخابات ومع نتائج استفتاء السامري، أسقطته تصرفات المجلس العسكري فقد قيمته لدى الشعب، وفقد مصداقيته وصار بتصريحات رئيسه ومواقف أعضائه. الخيارات القادمة أحلاها مر علقم. والأقرب إلى الحدوث صدام آخر، ودم حول لجنة الدستور بعد صدام الرئيس. قال السامري إنه لا يجب صياغة دستور تحت حكم العسكر، أليس هو قائد ومفكر الانقلاب على الثورة. لا أتوقع سلاما قريبا ولكن الأقرب إلى الحدوث صدام بين طرفين رفضا حكم العسكر ولأسباب اختلاف أخرى، وما أكثرها. فهل يبلغ المجلس العسكري الرشد ويقرر محاكمة علنية لقاتلي الثوار، أم أنه حتى يأخذ هذا القرار يحتاج معجزة من السماء؟ وإذا اتخذ هذا القرار هل سيصدقه الشعب؟ للأسف الآن لا إجابة، غير أن الشعب مازال ينادي بسقوط حكم العسكر ويطالب بذلك خلال ثلاثة أشهر بينما برنامج المجلس العسكري ينتهي بعد خمسة أشهر، وفارق المضمون صار مجهولا ولا يحمل من مفاجآت غير العرق والدم والدموع. الآن نحن في طريق اختلطت فيه الأوراق، يفوز البعض على المدى القريب، بينما يحفل الوطن باحتمالات المواجهات الحادة بين القوى داخله، واحتمال أن تفوز الثورة على المدى البعيد قائم في الأفق. الثمن باهظ جدا، فهل يعيد شباب الثورة ترتيب الأوراق من جديد، ويحسم أمره بمواصفات الرئيس، أم إنه سينفتح الباب ليدخل منه مسيلمة الكذاب ليكمل ما فعله السامري. الفارق بين الغباء والعبقرية أن للعبقرية حدود.
455
| 31 يناير 2012
مصر يوم 25 يناير تحاول أن تغتسل مما علق بثوب الثورة، ذات حالة الترقب وحالة انعدام مفاتيح الثورة،ذات حالة مصر منذ عام قبل يناير 2011 غير أن نزاعا بينا بين الإسلاميين وبين الشباب من خارجهم، وبين الشباب وباقي التكوينات التي برزت للصدارة بعد الثورة، اتجاهات تنذر بالسوء وأن هناك من يريد أن يحيلها إلى فوضي، وأنهم "هم" ـ الإسلاميون ـ حماة الثورة ورافضي الفوضى، وهم هذه تعود على غير الشباب الذي تعرض للقتل والاغتيال، الشباب الذي يرفع شعار "يسقط حكم العسكر" وهو الشباب الذي يحاولون تشويهه تارة بالبلطجة وتارة أخرى باتهامه بالتمويل من الخارج وأخيرا بالحكم المطلق عليهم بأنهم ليسوا من الثوار. نشرت جريدة المصري اليوم جملة على لسان منصور حسن رئيس المجلس الاستشاري والذي جاءوا به من غياهب الركون السياسي بعد أن أقاله السادات آخر أيامه منذ 30 عاما، ليصبح هو نبي المرحلة، وكأن الثورة لا تتقدم للأمام ولكنها تعود للخلف بعمق الزمن الذي ثارت عليه، والجملة المنشورة تصف الدعوة إلى الثورة الثانية بأنها "غير أخلاقية"، وكأن حديثه هو عن ضرورة أن يكون الجيش حاسما ضد الشباب وأن يستخدم القوة هو الحديث الأخلاقي، وكأن ظهوره هو على رأس مجلس استشاري للمجلس العسكري هو تصرف أخلاقي وليس تعيشا ومحاولة للحصول على مغانم في مصر بعد الثورة، ولكن الأمر لا يمسه وحده ولكنه يمس تلك النخبة التي اختارها المجلس العسكري لتكون معا المجلس الاستشاري، واختارته هذه النخبة رئيسا لها، أو كما يقول الشباب، أنه تصرف في شأن الثورة بذات الفكر الذي أرادت الثورة أن تتخلص منه لتضع منهاجا جديدا للتغيير. قي الوقت ذاته، كانت تصدح قناة الرحمة بأحاديث الفرز والوعيد والإيمان الملزم للصمت، وتحدث من لقبوه بأمين الثورة، أن الشباب الإسلامي الذي يتبع المتحدثون على قناة المحور سيؤمن الميدان، بعد أن يفرغه ممن فيه، وأنهم هم الثوار ومن عداهم أدعياء، وأن برلمان الثورة ودستور سيكتبونه ورئيسا سيختارونه هو الثورة، وما عداهم فهو غير شرعي، أما هدف الثورة "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" هو رجس من عمل الشيطان، وهؤلاء الذين يحملون المباخر والأختام معا هم ذاتهم الذين صمتوا على شهداء الثورة الفترة الماضية، وهم الذين يتيحون العمرات والحج بأعداد بالمئات هدايا للثوار، وهم ذاتهم الذين أدانوا الفتاة المسحولة على الأسفلت لأنها لم تكن ترتدي شيئا تحت العباءة، وتركوا من سحلها وقضوا بأنها ليست منهم، هم من لاموا المقتول والمسحول وادعوا عليهم بما ليس فيهم، وأكلت القطط ألسنتهم طوال أشهر المطالبة بتحقيق الثورة، وأهدافها. وثالث المقدمات جريمة خطيرة نشرتها بوابة الأهرام الإلكترونية يوم الأحد الساعة 12:50 بأن مجهولين اغتالوا الناشط السياسي محمد جمال عضو ائتلاف لجان الدفاع عن الثورة في حوالي الرابعة فجرًا في ظروف غامضة، حيث تم ذبحه بسلاح حاد خلف دار القضاء العالي أثناء تواجده أمام مكتب النائب العام مع مجموعة من زملائه المعتصمين، الذين يطالبون بتطهير القضاء، وسط ذهول القضاة المعتصمين. هذه المشاهد الثلاثة تزيد الأمر غموضا عما يمكن أن يحدث، خاصة أن شباب مصر يكاد يكون في مسيرات وتحركات للحشد استغرقت الشهر الماضي كله، ويضاف إلى ذلك حالة التوتر التي أصابت أساطيل النقل البري نتيجة أزمة الوقود، ووصل الأمر بالسائقين إلى إغلاق المحاور المحيطة بالقاهرة بإلقاء حمولات من الرمال والحجارة على تلك المحاور، ويطالبون بتخفيض أسعار الوقود وليس فقط عدم زيادتها. فمن هو مصدر الخطر الحقيقي على مصر، وعلى الثورة؟ هذه هي بدايات برلمان يطلقون عليه برلمان الثورة، "غير أخلاقية" ووعيد للشباب من قناة تتحدث بلسان وشكل ديني، وذبيح على أعتاب دار القضاء العالي، وطوابير البنزين والسولار وقطع الطرق، والهتاف لا لحكم العسكر، بدايات عمدها نعيق الغربان. من يدير الدفة الآن؟ وأين هي إرادة الثورة؟ قالت الأستاذة سها السباعي إن الأزمة هي "أزمة إرادة وأزمة إدارة". واتفق معها، ولكنها ذات الأزمة لدى طرفي المعادلة، هي ذاتها لدى قوى شباب الثورة ولدى القوى المواجهة له. الإرادات رغم تباينها إلا أنها في جانب الثورة تملك "لا"، وعندما تضع البديل تتفق وقوى الثورة المضادة، بل وتتعايش معهم، لأن الشعب خارج المعادلة. والإرادة على الجانب الآخر ترفع ذات الشعارات التي تتحدث بها قوى الثورة تفصيلا، ولكنها تقتل الثورة وتصفي دم الثوار. لقد خرج كلا الطرفان إلى ساحة القتال دون قوة الحسم الرئيسية طوال الأشهر الماضية، وهي القوى الشعبية صاحبة المصلحة. وترصد عين الصقر أن 27 مليونا خرجوا لانتخابات المجلس النيابي، وأن شبابا من شباب الثورة حصل على بعض المقاعد، وأنهم كانوا بحالة السيولة التنظيمية يواجهون التنظيمات الدينية وحدهم، وحديث الدين صار بوابة تجميد حركة التغيير بل الأخطر أنه صار البوابة الخضراء للرؤى الأمريكية، بعد أن كشف تقريرا صحفيا نشره رئيس تحرير جريدة الفجر المصرية عن اللقاء المنتظر بين رجل الإخوان القوي "خيرت الشاطر" ـ الذي أفرج عنه المجلس العسكري من سجنه لأسباب "صحية" بعد الثورة ـ وبين الإدارة الأمريكية، كما كان قد نشر من قبل تقريرا تم نفيه في عجالة عن لقاء بين ذات الشخص والمجلس العسكري منذ ثلاثة أشهر، وهذا كله يوضح ما الذي أنتجته بالفعل الفترة الانتقالية التي قاربت العام. بعد اغتيال السادات ووصول مبارك إلى السلطة، خرجت أقوال جديدة أنه يجب منح الرجل فرصة لأن الظروف حساسة وهي ذات المقولة التي تتردد الآن أنه بعد الغياب لنظام مبارك من الواجب أن نترك الفرصة للتنظيمات الدينية التي لم يؤسسها حسن البنا كما يقولون ولكن أسس أوعية تكوين عناصرها الحالية وبأوامر من أنور السادات كل من محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان، وهو الجيل الذي تكون في رحم السبعينيات ويتصدى اليوم للقيادة، وتغييبا لحقائق زمن التكوين الجديد وممارساتهم خلاله، يجري الحديث عن فرصة جديدة لهم، دون أن يتحدث أحد عما يعرضون من رؤية أو تصور يتسق ومطالب الثورة، حتى أن رئيس حزب الحرية والعدالة وأمين الحزب العام قاما بزيارة لرئيس اتحاد الصناعات المصرية صاحب الكويز وربيب جمال مبارك والذي جاء به رشيد محمد رشيد الهارب الآن خارج مصر. الفرصة التي يطالبون بإتاحتها هي الآن متاحة أمام نظام السادات (منصور حسن وقيادات الإخوان الجديدة) ونظام مبارك (الجنزوري وجهاز الإدارة) وجهاز أمن الدولة الغائب الحاضر (السلفيون)، وبمباركة أمريكية سعودية وبحماية من المجلس العسكري، وكأننا في مصر بعد الثورة نتحرك عكس قوانين المجتمع فبدلا من أن ينتج "الجديد من قلب القديم" الذي يحمل بذور فنائه، صار أمر عجز الساسة والنخب ينتج "القديم من قلب الجديد" وينفيه ليبقى، غير مدركين أن عوامل فنائه مازالت قائمة، وستعمل أثرها مهما قاوموا. قبل أن نبحث في أمر مجلس الشعب القادم والرئيس والدستور، علينا أن نتساءل من هو الذبيح القادم على أعتاب الثورة من شبابها؟ أليس هذا السؤال يحمل من الواقعية أكثر من أحاديث الفرص المتاحة لخليط أعداء الشعب، رغم الفرص الضائعة من الثورة التي قام بها الشعب؟ كسرت ثورة يناير قيودا لا حدود لها، وتجاوزت كل التنظيمات التي كانت والنخب المترهلة، وليس أدل على ذلك من طبيعة تشكيل مجلس الشعب الجديد، ولكن ما يحاول البعض تجاهله أو هو لا يدركه أنها كسرت معادلات الثورة في العالم، وكسرت الشرنقة التي كانت تحيط خيوطها الحريرية أو الحديدية بدور الشباب، وأن الشباب قد وضع شعارا منهجيا بالإضافة إلى نداء الشعب "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وتمثلها الشعار المنهجي أن خيارات الشباب لا تنضوي تحت المنهج التقليدي الذي يوقع صكوك الولاء حتى الانحناء، وأنه لن يوقع أبدا، وأن كل شيء محل النقاش والتقييم، وعلى ذلك فإن المنهج الذي أنتجه يمكن وضعه تحت عنوان "استمرار الثورة"، سواء كان تجديدا بالتوالي العددي أولى وثانية وثالثة والتي استدعت من القدم من عصر السادات قبل 30 عاما أن يصف المنهج هذا "بغير الأخلاقي" لأنه منهج في الأساس يقضي بنفيه هو وما يمثله ومن أتى به، أو كان معنى الاستمرار هو مسيرة الشهداء المستمرة. إن محاولة أخرى غير أخلاقية تستبدل المجلس المنتخب بالحركة الشعبية، أو بالميدان، وهنا يبين الاختلاف المنهجي، فبينما هم يرون أنفسهم بديلا عن الحركة، وبالتالي يدخلون الشباب ثلاجة الجلسات ومقاعد اللجان بالمجلس، إلا أنهم لا يستحون أن انعقادهم يتم خلف أسوار تفصلهم عن الشعب بعضها حجري والآخر من الأسلاك الشائكة، وإذا كانت حكومة للوفد جاءت فوق دبابات الجيش البريطاني، وحكومة العراق جاءت فوق دبابات أمريكية، فإن برلمان 2012 جاء من فوهة بنادق اغتالت الشباب وسحلته واعتقلته وحاكمته عسكريا، وكانوا يشيحون بوجههم بعيدا. وبالقطع سيتساءل أحدهم ثم ماذا بعد؟ والإجابة بسيطة وليس بها أي تعقيد، أن كل ما يلزم لإحداث التغيير الحقيقي واجب أخلاقي قبل أن يكون مهمة للثورة، وأن تلك الصور المتنوعة لإجهاض الثورة هي بالقطع أبواب إلى مزيد من الانفجار والصراع، وبدلا من أن يكون برلمان الثورة هو مصدر الشرعية، سيكون هو رمز الانقلاب على الثورة، وسيكون محط رمي الجمرات. النور الذي فجرته ثورة يناير لن يستطيع تحالف الانقلاب على الثورة أن يطفئه، بل سيعمي أبصارهم، ويفتح الباب على مصراعيه لجيل جديد سيحقق التغيير الذي يحتاجه الوطن.
683
| 24 يناير 2012
تحت عنوان "الفن ميدان" تعقد فعاليات فنية متعددة تبدأ بعرض لأحداث الميدان وأيضا جملة عروض تحت عنوان "كاذبون" تعرض للمفارقات بين أقوال أعضاء المجلس العسكري وبين الأفعال المعاكسة لهذه الأقوال، ويعقب العرض عرضا موسيقيا لفرقة "إسكندريلا"، وهي مجموعة من الشباب غنى أغنيات الثورة قبل وأثناء وبعد الثورة. حضرت مصادفة فعالية لهم في ميدان عابدين، وعادت بي الذاكرة إلى ما شهده ميدان عابدين على مر عقود متتالية، فقد كان ميدان عابدين هو ميدان الثورة، فمنذ 130 عاما واجه أحمد عرابي الخديوي توفيق وهو على جواده، والخديوي إلى جواره قناصل الدول الأجنبية ليقول كلمته الشهيرة: لقد خلقنا الله أحرارا ولن نستعبد بعد اليوم. وذات الميدان احتلته دبابات الجيش المصري في يوليو 1952 وهي تحاصر القصر، وكان قصر عابدين هو قصر الحكم، وخرج الضباط الأحرار يومها وكانوا في سن الشباب وليس من أكل الدهر عليهم وشرب، خرجوا من شرفة القصر ليعلنوا مبادئ الثورة الستة. هدمت ثورة يوليو سور القصر الخلفي، وأحالت حدائق القصر إلى مركز للشباب، وأعاد السادات بناء السور بعد توليه الرئاسة، كان هدم السور عنوانا لانحياز ثورة يوليو وإعادة بنائه عنوانا للانقلاب على الثورة. تذكرت كتابات عبدالرحمن الأبنودي "وجوه على الشط" وهو يصور بقلمه وكلماته الحياة وأشخاصها على شاطئ القناة في منطقة السويس في أعقاب عدوان 1967 وأثناء حرب الاستنزاف، وتصورت أنه لو كان بعافيته لمشي بين الشباب الذي يتجمع ليسمع ويغني ويهتف، ولكتب "وجوه على الإسفلت" أو "وجوه الميدان". وجوه مصرية شابة نضرة تراها العين ولا يخطئ الوجدان الإحساس بهم، وعندما تغني "إسكندريلا" أغنية "اتجمع العشاق في سجن القلعة .. اتجمع العشاق في باب الخلق" والتي مضى عليها قرابة نصف القرن، تجد الشباب يرددها وكأنهم عاشوا تفاصيلها، بينما سجن القلعة تحول إلى متحف، يغنونها بكل حواسهم ومشاعرهم وكأنها تجربتهم، وليست تجربة سبقتهم بخمسة عقود كاملة. استمعت إليها معهم مبتسما، وكأني بنغم الثورة لا يموت، بل مازال حيا بيننا ينادي حي على الفلاح. تذكرت مقدم مهندس كان زميلا باللواء الذي خدمت به، كان كلما التقاني بادرني بالبيت الأول منها، لنغنيها معا، وتذكرت مدرجات الجامعة بعد 1967 وهي تموج بموجات من الأغنيات الوطنية مع الشيخ إمام وأولاد الأرض ومحمد حمام وكانت هذه الأغنية في مقدمتها. تيار الثورة مستمر عبر الأجيال، يخرج من القرى والمصانع والمدارس والجامعات ومن الطبقة المتوسطة وأبنائها هؤلاء الذين تفاعلوا مع أطفال الشوارع أثناء اعتصام مجلس الوزراء واخرجوا منهم مكنون الذكاء ليبدعوا فنيا ويتعلموا النحت والرسم ويصبحوا من شباب الثورة خلال زمن محدود، وليبدلوا الضياع بحلم جديد يعيشوه ويدافعوا عنه علهم ينالوه. في الميدان الكل يحمل الكاميرات والتليفون المحمول يسجلون لبعضهم البعض هذه اللحظات، فلا أحد منهم يعلم متى سيفارقون بعضهم بعضا إلى السماء، ولكنهم يغنون وكأن الغناء هو وقود الثورة، وهو وقودها بالفعل. تبدو الثورة في جينات التكوين المصري، فمصر في رباط منذ أن كتب التاريخ، والثورات والحركات الثورية مستمرة منذ توحيد القطرين الشمالي والجنوبي علي يد "مينا" حتى اللحظة التي نحياها. الثورة في الشعب المصري كحبة قمح غرست في طينها ورواها النيل، فهي تنبت سنابل ذهبية، لتعاود من جديد دورتها، تحفظ الحياة وتطعمها بأعداد مضاعفة من الحب. المصريون يتوارثون أغنيات الثور كحبة القمح التي تحافظ على جيناتها، وكل جيل يردد أغنيات من سبقوه من أجيال، فكل الأغنيات تحمل ذات الهموم، من طغيان وظلم واستبداد، وكل الأغنيات أداة توصيف لاذع للحال، وهي ذاتها مفتاح حشد وشحن وتحريض، لتنتهي الأغنيات بالأمل والطريق إليه. تتعرض الثورة في الفترة القادمة لأوقات فارقة، الكل يتحدث عن 25 يناير 2012، وكل يغني على ليلاه، وليست كل الألحان بنغمات الثورة، ثم تتوالى الأسئلة كيف سيكون حال لجنة المائة التي اخترعوها لوضع الدستور؟ ثم ماهية الدستور القادم، وأيضا إلى أين سيمضي انتخاب الرئيس؟ العشوائية أصابت العقول والأفعال والخيارات والكل يتحدث عن ذاته وليس عن مصر الوطن والشعب والثورة، وآخر ما كنا ننتظره أن يتولى "العشوائيون" أمرنا ولن نقول الجهلة ولا الخونة ولا المرابين السياسيين. يبدو أن تعميد المجلس العسكري العشوائي لفكرة مجلس قومي يناقش ميزانية القوات المسلحة، هو عشوائية تتسم بالجهالة، فليست الأمور الجادة هكذا تطرح ويتم تناولها كأنها المضمون بينما هي أداة لرؤية متكاملة لعلاقة الجيش والدولة، وهذا التناول هو استمرار لنهج الاستجابة لحاجات لدى المجلس ولدى أدواته في المشهد السياسي أكثر منها حاجة لاستقرار الدولة المصرية التي يريدها الشعب ويحتاجها. مصر في حالة فوضى عارمة في الخيارات السياسية بقدر ما تعم الفوضى الحركة في شوارعها. إنهم يفككون الدولة إلى قطع فسيفساء صغيرة لمحاولة إعادة تشكيل صورة المجلس العسكري والتي استحالت إلى صورة "دوريان جراي" التي شكلتها كل موبقاته وجرائمه. انتقلنا من الدستور أولا أم الانتخابات أولا، إلى الدستور أولا أم الرئيس أولا، ويطل البشري مهندس الانقلاب المستمر على الثورة ليعيد ترجيح الانتخابات قبل الدستور، دون إسهام بمدى حق كل الشعب في التوافق على دستور الأمة الذي ليس مجرد تعديل مادة تخص انتخاب الرئيس ولكنه رؤية تقنن النظام القادم بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس رؤية أغلبية اليوم التي يمكن أن تتحول إلى أقلية غدا، وهي التي تبادلت رسائل المحمول معلنة أنهم انتقموا لأنفسهم! الدولة المصرية المفككة، وحكومات ما بعد الثورة العاجزة، والرئيس القادم من المجهول ولا يحمل غير نهج "صناعة الرئيس" دون مضمون، ومجلس عسكري يرى الشعب أنه لن يقبل برئيس من خارجه، كل هذا يجعل الريبة تتسلل إلى الشعب أن شيئا ما سيحدث في اللحظة الأخيرة خارج ما يرى. يسود حديث الانتقام وأفعال تعود بمصر لأبعد من 14 قرنا إلى الوراء لزمن الجاهلية وأحاديث عن التجربة التركية غير آخذة في الاعتبار "الحالة المصرية". يدعون علينا أن التجربة التركية هي مجرد اللحظة التي يشهدونها وبداياتها هي بدايات وعيهم بها، ولم يدركوا أنها تجربة استمرت القرن العشرين كله تتراكم خلالها الأفكار والأحداث وتتفاعل لتنتج مجتمع هو أقرب إلى الغرب منه إلى الشرق. إن تجارب الأمم غير قابلة للنقل، والثورات غير قابلة للتصدير، لكن حركة الأموال ومؤامرات لها مدارسها وأدواتها، تجمع بينهم "المصالح ومناطق النفوذ"، إن ظهور اسم "دحلان" كداعم لتنظيم الجهاد الإسلامي في سيناء أمر يطرح سؤال الريبة، ما الذي جمعهم معا؟ ويتردد حديث إنه الممول الرئيسي للجهاد الإسلامي في سيناء وهو التنظيم الذي أرسل رسالة للأمن في العريش للاستسلام وتسليم سيناء إليه ليحكمها. يحدث هذا والانتخابات "المرتجلة"ومؤامرة اقتناص الثورة في مصر على أشدها، في ذات الوقت الذي تشوهت فيه العقيدة القتالية للجيش المصري رغم أن الزي العسكري هو ذات الزي ومازالت الرتب العسكرية هي ذاتها، ولكن دون أن تعبر عن مضمون "الوطنية المصرية" أو ترفع إعلامها. قد يكون مقبولا أن تواجه الثورة والشعب معا حركة مضادة للثورة من عناصر النظام السابق والمرتبطة معه بمصالحها، ولكن الانقلاب على الثورة هو معادلة لم تكن في الحسبان واستغرقت زمنا طويلا لتتكشف أبعادها لدى العديد من عناصر الثورة. تحدث أحد قيادات الإخوان أن حزب الحرية والعدالة هو الجناح السياسي لجماعة الإخوان، تلك الجماعة المسكوت عن مبرر وجودها بعد أن حصل أعضاؤها على حزب سياسي، وإن كان حزب العدالة هو الجناح السياسي للجماعة، فما هي باقي الأجنحة التي لم يعلن عنها بعد؟ الخوف والريبة هما سمة العلاقة بين أطراف الأزمة والتهديد هو لغة الحوار بينهما. ولكن استمرار الثورة معلق بالأمل على حركة الشباب الذي لم ينس أغنيات الشعب للثورة طوال معاناته. المؤسسة العسكرية ظلت ثلاثين عاما تحمي الانقلاب على الدستور، وهي اليوم تحمي حركة الاستيلاء على مصر والشعب والثورة بواسطة التنظيمات الدينية. نحن مسلمون ومصر وطننا، والسؤال أي مصر يتحدثون عنها؟ أي مجتمع يريدونه؟ وأؤمن أن الإسلام ثورة في حد ذاته لتمكين الإنسان بالحرية من إعمار الأرض، ولم ين ثورة بإطلاق اللحى وتكفير الغير "فلا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي". سمح الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة لأن بها حاكما مسيحيا يسلم بوجود الله، ورأى الراهب بحتري قافلة فيها محمد الصبي وسأل عمه أن يعود به حماية له، فأين أنتم من هؤلاء؟ وبدأ محمد (ص) الفتوح للدعوة التي ما كان لها أن تستقر لولا بناء دولة العدل، وليس مجرد دولة الإحسان، عاهد محمد صلى الله عليه وسلم اليهود فخانوه، فلماذا تسقطون بندقية المقاومة الفلسطينية وتحيلونها إلى مشروع للإعمار والمقاولات. فاقد الشيء لا يعطيه، الذي يرى الوطن حلبة صراع سياسي ويسقط مفهوم العدالة الاجتماعية ويرفع سيف التكفير ويستحل كل شيء وأي شيء للوصول إلى السلطة، يفتح أبواب الجحيم في مصر. لا يصنع تاريخ الأمم حملة المباخر ولا يصنع تاريخها مؤامرات تحت عباءة الدين، فقد تجاوز العالم والمصريون والمسلمون السيطرة الكهنوتية على العقل تحت دعاوى التنظيمات بالدين كما تراه هي. استمرار لحملة لورانس العرب للإجهاض على الوجود العربي كله تحت دعاوى دينية مستحدثة. تجاوز العالم أن يكون فرسان المعبد رغم وجود فرسان مالطا بيننا، أو جحافل تخرج من المساجد بعاطفة دون أن تدرك حقها في الحياة، وبعيدة عن صحيح الإسلام، تجاوز أن يكون هؤلاء هم صانعو الحياة، إنهم القاتلون الجدد، وأداة الدكتاتورية الدينية الجديدة في مصر. إن نظرة على الوعي الشعبي بكل طوائفه في تونس الثورة، يحكم على التجربة المصرية بالفشل والخروج على الشعب. ليس أمامنا سوى أن نشق طريقا ولو بالدم ثمنا للحرية الاجتماعية والسياسية وسط تضاريس تمحوا العقل وتعمل سياسية القطعان اعتقادا منها بإمكانية استبدال الوطن بجماعة أو مجلس أو أشخاص يقتلهم الشوق لكرسي الرئاسة ولو على أكتاف حاجات الشعب ومصالحه. إن جماعات تقوم على تغييب العقل والإرادة تحت دعوى السمع والطاعة، تنتهي بالقطع إلى الانفجار الداخلي، لا كهنوت في الدين، ولا كهنة في السياسة، هكذا علمنا التاريخ. ما يجري في مصر مقدمة لسيناريو أكثر عنفا حتى وإن بدا أنه بعيد ولن يطول الجميع. حركة الواقع وجدلها والدم المسال فوق الإسفلت يقاوم كل محاولات إجهاض الثورة وغسيل المخ. الشباب الذي يغني أغنيات الثورة ويحمل جيناتها المرية هو القادر على صناعة الغد إيمانا بربه ووطنه وحقه في الحياة. وسيظل نغم الثورة أنشودة البقاء والحياة باقيا وسيمحون التاريخ في حركته كل من لا يحمل جيناته، فهو أصل التكوين المصري.
843
| 11 يناير 2012
يظن البعض أن حديث اغتيال الثورة حديثا جزافيا، فيه من الاستعارة أكثر من الواقع، ولكن القتل هنا تعبير مجازي لأن هناك ما هو أشد فتكا من القتل. في الحروب نتحدث عن التطعيم في المعارك، ولا نعني به التطعيم الطبي ولكن معناه التعود على صوت الرصاص والانفجارات وطبائع المعارك من صخب ثم من موت ودماء، ومعنى ضرورة استمرار القدرة على القتال حفاظا على الحياة لمن بقي من المقاتلين، وهذا لا يحدث في الحياة المدنية بذات النسق. في الحروب هناك قتال متبادل والقتلى يسقطون من الجانبين، واستمرار القدرة على القتال ضرورة حياة، أما جرائم القتل للمدنيين في المظاهرات فهي اغتيال يقابله عجز عن استخدام السلاح لانعدام وجود السلاح في أيدي المدنيين مما يعظم أثر الرصاصات القاتلة، فهي تقتل من أصابت، ولكنها تعمل أثرها فيمن رأى القتل وما ترتب عليه من دماء أو مشهد أجزاء متناثرة أو خروج لأجزاء من داخل الرأس متناثرة في محيط الجريمة، مما يترتب عليه آثار نفسية. من تقتله الرصاصات نحتسبه عند الله شهيدا، ولكن ماذا يفعل الأب والأسرة والخطيبة إن أصاب الابن حالة من الصمت والصمم؟ إن قتل المتظاهرين المدنيين جريمة مركبة، يمتد أثرها خارج الجسد الذي أودت بالروح فيه، إلى أنفس أخرى ومشاعر المحيطين به ليصيبها بالاكتئاب، ورغبة في التطهر من العجز بالحوم من حول المكان، دون أن يكون لهذا أي أثر في إزاحة الاكتئاب عن الشخص. حادثني ابني وأنا عائد من العمل بعد منتصف الليل، وسأل أين أنت فقلت له أعبر ميدان التحرير من ناحية عمر مكرم، فقال الزم يمين الطريق ففي الجانب الأيسر منه دماء أحد الشهداء فوق الإسفلت، وتناثر "المخ" في نفس المكان نتيجة إصابة مباشرة في الرأس!!، ولزمنا الجانب الأيمن فقد كان هناك شباب يشيرون إلينا أن نبتعد عن الجانب الأيسر، ومضيت إلى المنزل لا أعلم ماذا تحمل لي الأيام القادمة. تحاورت مع ابني عن الأحداث، وأكدت أهمية الوجود في التحرير وثمن الحرية من شهداء ودماء مهما عظمت، وردد على مسامعي قولا استغربته، أن من عاشوا الحياة كما عشتها أنت يختلفون عن رؤسائنا في العمل، فهم في واد آخر، كان تعليقا تعودت عليه وملاحظة دائمة نسمعها كثيرا ولم أتصور مغزاها الخفي في حينها، وما سيترتب على هذا المعنى من موقف. ذهب الابن الشاب إلى عمله الذي يبدأ من منتصف الليل إلى السابعة صباحا، وعاد مساء اليوم التالي بعد أن ذهب لتأدية الفرض التحريري بزيارة الميدان ومشاركة أهل الميدان في طقوس يومهم، وكان هذا آخر عهدي به خارج المنزل أو متحدثا، فقد لزم غرفته، وأغلقها على نفسه، لا يخرج ولا يتكلم ولا يسمع أيضا، ولثلاثة أسابيع على التوالي حتى اليوم رغم كل محاولات التأثير عليه. وتوفيت والدة عروسه، كانت حانية عليه فهو عريس ابنتها الصغرى، وكان هو أيضا يحبها، أخبرته بالخبر وأن نذهب معا إلى الجنازة وباقي الأسرة وكأنني كنت أحادث لوحا من الثلج عكس طبيعته، لم يبد أي انفعال، وقال اذهبوا أنتم، لم يبك ولم يتنازل عن رفضه للذهاب، وتركناه ومضينا لأداء الواجب. يمضي أوقات يقظته أمام الأخبار وبرامج الحوار، وأصابعه على لوحة المفاتيح للكمبيوتر ليرسل رسائله، غير منتم إلى من حوله بالمنزل، عالم آخر ليس هو بقبر شهيد ولكنه أقرب إلى أخدود الاكتئاب اللعين. أسابيع ثلاثة يستغرقني فيها العمل لإنهاء انتخابات نقابة المهندسين المصرية، الذي يقطع من الليل والنهار ما يمتد إلى العشرين ساعة يوميا، في عمل تطوعي غايته الوصول إلى مجلس للنقابة منتخب، وفي بيتي ابني أصابته أحداث التحرير بشرخ نفسي لا يعلم إلا الله مداه. هكذا نحن نحاول أن نصنع للوطن فجرا جديدا وأولادنا يقتلون ويصابون بالشروخ، وتمضي بنا الحياة إلى مستقر لها ولكن لا نعلم بأي الأحاسيس والمشاعر والأحوال سيمضي بنا القدر. هل يدري القتلة ماذا يفعلون؟ نحن نسألهم لماذا تقتلون؟ وتصيبون فلذة أكبادنا بالشروخ النفسية؟ أفلا يعلمون أن القتل ترخيص بالثأر، أفلا يعلمون أن من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا؟ دعوة ابني الدائمة لغيره من الشباب: لا تقولوا نحن "ضد" ولكن اشرحوا مع ماذا أنتم "مع". من يقتله الرصاص من أبنائنا نحتسبه عند الله شهيدا والله حسيبه، ومن يصيبه ناتج الرصاص بشرخ نفسي دعوة للثأر تمشي على قدمين بيننا. لن يكفي أن نتألم، بل سبيلنا لعلاج هذا محاصرة القتلة وتجريدهم من سلاحهم المجنون، وهل يعتقد القتلة أننا سنترك ثأرنا؟ كتبت في المقال الماضي عن مصر التي تجدد شبابها بشبابها، وها أنا اليوم أعرض لجانب آخر من الصورة. نعم الألم يعتصرني على ابني الوحيد، الذي يبدو باحثا عن كيف يأخذ بالثأر ممن قتلوا الشهداء، وترك الحياة والأهل والعروس والواجب وأكبر قضية الوطن، ويكاد يكون قد نسي ما عداها. قد يكون في هذا حد رومانسي من الثورة، ولكن ها هي الصورة أمامنا ولا تحتاج إلى رتوش أو استعارات لغوية، ولكنها تضعنا أمام يقين أن كلا منا لا يجب أن يسقط التضحية من عقيدته، وأن المكاسب السياسية المدعاة لا تكون على حساب الشهداء والشباب الذي أصابه القتل وعجزه عن الثأر بشرخ نفسي، لا تعون ما يمكن أن يؤدي إليه من تطور لمعنى مواجهة العجز. إنهم يقتلون الجياد!! ولكن هل تظنون أننا نضن بفلذات أبنائنا على وطننا، كبر مقتا عند الله أن نقول ما لا نفعل، نحن لم نضن على وطننا بأرواحنا حين دعا الداعي للقتال، ولن نضن بأبنائنا ولا أنفسنا عندما ينادي الوطن "بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية"، ولكننا نضن عليكم بالحياة دون محاكمة للقتلة. ألم تسمعوا بالنداء للذهاب إلى سجن طرة للأخذ بالثأر من قتلة الشهداء؟ ألم يصلكم نداء الثورة الغاضبة الثانية في الخامس والعشرين من يناير القادم، وإرهاصاته التي بدأت؟ أيها السادة القتلة للروح والجسد، إنني أفخر بابني وكل جيله. نعم أفخر بابني وأؤمن أن رزقه وعافيته ومحياه ومماته من لدن رب العالمين. نعم أفخر بابني وعقله وإرادته ورفضه للحياة بينكم، حتى وإن كان رفضه حتى الآن بتجنب الحياة بينكم. نعم أفخر بابني الذي ذكرني بأن قرار الزواج والإنجاب اتخذته بسجن القلعة بالقاهرة عام 1972، وأنا أحاسب نفسي أنني تحولت إلى طاقة سلبية في الكفاح الوطني، وأنه لو كانت هناك مسؤولية في عنقي لما استطبت المقام بالسجن خصما من حساب القدرة على الفعل، هكذا تحول موقفي في الحياة وأدركت أن الزواج مسؤولية تدفعنا إلى الغيرة على الحرية فنثور حتى ونحن خلف أسوار السجن. أدرك أن هناك "ما بعد" لما نحن فيه، وأن الله غير مخلف وعده. ادعوا الله لي ولابني بالشهادة، وادعوا له بالعافية هو وكل رفاقه، فالمهمة أمامهم طويلة وبلا حدود زمنية ومكانية، وأعلم أنهم إن شاء الله قادرون عليها. لعلكم معنا تدعون لهم، فهم جند الله في وطنهم.
506
| 06 يناير 2012
تضوي أفكار الشباب بعد الثورة بإشراقات كثيرة وأسئلة أكثر يلقونها على أنفسهم بعد اثني عشر شهرا من الثورة تجمع بين الأمل واليأس وكأن انفراجا قد بدأ يصيب اليأس والاكتئاب الذي أصاب جموع الشعب والشباب معاً بعد مرور أيام من تنحي حسني مبارك. مزج الشباب بين الحلم والواقعية وأدرك أن الأفكار مهما كانت صعبة التحقيق وتبدو مستحيلة، تحتاج إلى جهد البناء كما هي تحتاج إلى زخم الدعم الشعبي. ويؤكد الشباب بعداً جديداً استقر في يقينه ووجدانه أن الزعامة المطلقة كما السلطة المطلقة مفسدة مطلقة وأن العمل الجماعي يحتاج قيادة جماعية ولا يحتاج إلى القائد الفرد الأسطورة. ويقرر الشباب في أمر الثورة معادلة اقتصاد القوة ورغم تعدد التجمعات، ورغم أن الوقت ينظم حالة الحضور والانصراف والاعتصام إلا أن هذا التعدد وتأثير الوقت المتاح أمامهم، أدخل معادلة اقتصاد القوة وتوجيهها في عملهم فاستقرت واحدة من سمات الأداء. قبل الشباب بالتنوع السياسي فيما بينه وخاض البعض منه تجربة الانتخابات البرلمانية وخرج منها بضرورة التنسيق بين أطياف الشباب وهي معادلة لبناء وحدة أداء وليس وحدة التنظيم. واكتشف إمكانية وحدة الأداء عند وضوح الهدف والمهام الواجبة لتحقيقه وتجنب البحث عن وحدة التنظيم التي مآلها إلى انقسامات أكثر وزمن يضيع من بين أيديهم. كشفت الحوارات مع الشباب أن منهجا جديداً يحكم التفكير وأنه أقرب إلى منهج إدارة الأزمات وما يؤكد استيعابهم لهذا المنهج هو القدرة على اكتشاف "الفرص المتاحة داخل الأزمات" والإمساك بها حتى وإن كان الأمل في تحقيق نجاح فيها يبدو في البدايات ضئيلاً ولكنهم وبإصرار يسعون إلى تنظيمه. وتخلص الشباب من مجرد الجدل العقيم حول الأفكار التي تطرح عليه وأصبحت هناك موجة لمستخدم مشرط الجراح في تناول الأفكار المثيرة للجدل فاقترب من الواقع أكثر. وأعاد البعض من الشباب توجيه اهتمامه العملي فهو يخرج عن مسار دراسات تكميلية تعتبر استطرادا لدراساته الجامعية إلى آفاق جديدة في الدراسات الإدارية والاجتماعية أي أنه بعد تأهيل ذاته لمهام قادمة تحتاج إلى جيل جديد بتدريبات جديدة ومتنوعة غابت عنه في البدايات ولكنها ضرورة للاستمرار في تحمل مسؤولية المستقبل. كانت أولى موجات الفتنة التي أصابت ثورة يناير 2011 هي محاولة خلق صدام بين الشباب والشعب والفصل التعسفي بين الأجيال وأحال الشباب هذا الأمر إلى معيار للقياس هو مدى خدمة الأفكار والمناهج لمطالب التغيير ومهامها. ولم تعد هناك قاعدة "لن أعيش في جلباب أبي" ولكن ماذا يملك الآباء لغدنا وليس ما الذي قدموه من قبل وأوصلنا إلى ضرورة دفع الدم للتخلص منه وبدأ حركة التغيير. هذا التغير في التعامل مع الأجيال السابقة جعلهم قادرين على فرز الرؤى والآراء ومكنهم من الاستفادة من خبرات إيجابية موجودة داخل المجتمع بل بلغ الأمر بهم أن يحددوا ما الأسئلة التي يريدون إجابات عنها. ووسط ضجيج بورصة أوراق التصويت في الانتخابات البرلمانية والنسب الساحقة لهذا أو لذاك تمكن الشباب من رؤية وتحديد القوى المؤثرة في المجتمع. ورغم الصدامات المتكررة مع المجلس العسكري والقوة التي يملكها والقرارات التي يتخذها إلا أنه انتقل من مرحلة الهتاف ضده إلى مرحلة دراسة إمكانية الحركة والتغيير مع التوصيف الدقيق لموقفه. وأدرك الشباب بأنه لا يملك إمكانية وقف آلة القتل ولكنه يملك إمكانية استمرار القبول بدفع الثمن من دماء الشهداء. أي أن الشباب أدرك أن هناك مستقبلاً يريده وأن الطريق إليه عبر صراع متصل وهذا الصراع بالكلمة والدعوة والعمل والشهادة يمكن أن يستعيد التوازن بين أطراف الصراع ويفتح أمام التغيير آفاقاً واسعة للتحقق. واتخذ الشباب موقفاً من نتائج الانتخابات هو ذاته موقف العامة من الجماهير التي تقول بأننا جربنا الجميع فما هي الخشية من تجربة الآخرين. الشعب يقول بهذا لأنه لم يجد توازناً موضوعياً يخترق وعيه ويوجه اختياره وبغريزة البقاء والدوام لدى الشعوب التي تبنى قدرتها على الاستمرار في الحياة قبل بمخاطرة القبول بما هو مطروح عليه قاعدة "التجربة والخطأ" ولكن باتساع الزمن والكتل الشعبية رغم كل المحاذير التي أطلقت حول الجديد القادم ولكن لكونها فقط محاذير وليست بديلاً موضوعياً جرى الحشد من حوله لم تؤثر على الوعي في عمق الريف والمدينة وصارت الطوابير المحتشدة تعبر عن اختيار يبدو للعقلاء أن الشعب يضع أصبعه في عينه. ولكن اختيار الشباب لذات الموقف هو رغبة لعدم خوض المعارك في غير توقيتها وهي رغبة في الوصول إلى عمق تكوين هذا القادم وتصنيفه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهي في الوقت ذاته تعبير عن مبدأ في الصراع بعدم خوض معارك لم يأت حينها بعد بينما الزمن كفيل بتغيير ميزان القوى داخل الصراع ولكن الزمن وحده غير كاف بل هو احتياج لضرورة بناء علمي لقوى التغيير في المجتمع. والشباب بذلك يحاول الانتقال بالصراع من مرحلة الصدام والدم واحتمالات الحرب الأهلية إلى مرحلة توازن القوى في المجتمع وهي مهمة كل الأزمنة وهي السبيل الوحيد لتجنب الديكتاتورية أو الصراع الدموي في مواجهتها. والعظيم في هذا الاختيار أن الشباب بتنوعه لم يسقط الاستعداد لتقديم الشهداء.. معادلة صعبة ولكن الشباب يأخذ بها وهي دلالة اتساع الأفق في رؤية الصراع وإدخال المعامل الزمني فيه وليس الانزلاق إلى اللحظة وأحداثها. وبهذه الخيارات أعمل الشباب قوانين التغيير العلمية دون أن يعلن عنها وتكاملت آراؤه وأفكاره وأداءاته لتؤكد أن الأسلوب العلمي للتفكير قد وجد لنفسه مكانا بين الشباب. أدرك الشباب أن الجديد ينبع من القديم وإعادة توصيف تنوع الأجيال داخل القوى المطالبة بالتغيير من حالة الصراع إلى حالة الاستنباط والتكامل. وأدرك الشباب قانون صراع الأضداد والمتناقضات بين الأطراف وفي داخل كل طرف على حدة فطرح أفكاره ورؤاه حتى وإن كانت في مراحل الشعارات وأصر عليها وقبل دفع ثمن الدم لها ففرضها على المجتمع وأحاطها بالاستعداد للشهادة ففرض استمرار حضورها وصارت تعمل أثرها بين الأطراف وداخل كل طرف منها وصار الجدل إيجابيا وليس سلبياً. وأقام الشباب معادلة ترابط عناصر الحياة وربط بين كل ما هو مطروح عليه في منظومة تحاول صياغة ذاتها وأن كل العناصر المكونة للحياة في داخل الوطن هي حلقات في سلسلة تمثل قوام القوة والضعف داخل المجتمع وإن اختلفت القوة بين حلقات هذه السلسلة انقطعت وفقدت قدرتها على خلق الاستقرار الإيجابي داخل المجتمع وفتحت الباب أمام أسباب جديدة لتجدد الصراع. واختيارات الشباب تؤكد قدرة ذاتية على إدراك دلالة التراكمات الكمية والتغيرات الكيفية وهذه المعادلة هي واحدة من قواعد الأسلوب العلمي للتفكير وإعمال معادلات التفكير العلمي في قضية التغيير وهي منهج ضروري للانتقال من حالة العشوائية إلى حالة الأداء المنتج. وهذه القياسات لعناصر الأسلوب العلمي للتفكير ليست محاولة إلباس أداء الشباب وأفكاره قسرا صفة العلمية وليس الارتجال ولكنها عناصر تقيم ما وصل إليه عبر تجربة العام المنصرم. إن اتجاه الشباب من مرحلة التوصيف والنقد ومجرد التظاهر والاعتصام إلى مرحلة جديدة يسعى فيها إلى الوجود في أداءات المجتمع والدولة ومكوناتها هو دلالة صحة وبدايات عملية لعملية التغيير بالوجود والحوار والمشاركة قد تبدو أنها تجريبية وفي البدايات ولكنها منهج جديد يضيف إلى نداءات المطالب باتجاهات حركة لا تكتفي بمجرد المطالبة. نعم هو مشوار طويل ولكنها بديات صحيحة وفي اتجاه صحيح لم يسقط من يده أي من عناصر القوة التي يمتلكها. "سمر" هي مهندسة شابة أضيفها هي ومجموعة العمل من مهندسين ومهندسات شباب أضيفها إلى "بائعة الذهب" "وابنة أبيها" اللاتي كن في حلبة المواجهة في يناير 2011 وهي كانت معهم هناك ومازالوا جميعا مرتبطين بميدان التحرير الرمز والفكرة ولكن تفكيرها هو الشاهد على كل هذه الملاحظات حول خيارات الشباب. مجموعة عمل من المهندسين الشباب هي قوة المهمة الرئيسية لإدارة عملية انتخابات نقابة المهندسين تداعوا أفراداً للمشاركة التطوعية في إدارة الانتخابات وأعلنوا أن الأداء التطوعي لا يمكن أن يقبل مقابلا ماديا لجهده ويعلنون في النهاية أنهم جميعاً خلقت التجربة داخلهم إحساس الأسرة. يحاورون كل من يمر بهم دون عرض الذات أو الجدل العقيم. يدركون حجم الفساد ويسعون إلى تغييره ولا يشيرون بأصبع الاتهام إلى أشخاص ولكنهم يقومون بتحليل النظم التي أدت إلى هذا. لا يشايعون طرفا دون طرف آخر بل إن صدمتهم قد تساوت فيها كل الأطراف إذا بعدت عن الموضوع وكان الحديث عن الذات. سمر. سلمى. منال. سارة. سارة " أم علي". جوزيف. أمير. محمود. ياسمين. ياسين. كريم. إسلام. ماريان. رمضان ومصطفى. أسماء جميعهم إشراقات عقل وعلم وأداء وانتماء تؤكد أن الشباب قادر إذا ما وجد بيئة عمل صالحة بل ويستطيع الإدارة إذا وجد الفرصة. ونجحوا في جذب الانتباه للمحيطين بهم وباتساع الوطن كله في مهمة واحدة وبلغ الأمر أن الشباب في كافة المحافظات كان على ذات درجة الانتماء والحركة والأداء الإبداعي. كانوا صادقين صدقا يتجاوز الصدأ الذي أصاب العديد من الأجيال الماضية. وهكذا مصر تجدد شبابها بهذه الدماء الجديدة. أحسست بالأبوة لهم. أزحتها جانبا في الوجدان وأطلقت مفهوم "الزمالة" صفة الجمع بين زملاء مهمة على ذات القدر من المسؤولية وبالتالي من سلطة القرار وأيضا من نصيب في أسباب النجاح. كلنا شركاء مسؤولية وجلباب الأب قد يكون حنونا أو صارما. ولكن توصيف " الرفاق " و" الزملاء " في منظومة العمل هو مصدر الندية والقوة لجماعية العمل. وجمعتنا جميعا مسيرة لتكريم شهداء المهندسين، فأحسست بعودة الروح وكل من كانوا يوما قيادات للمظاهرات في زمن الستينيات والسبعينيات ذابوا داخل مسيرة الشباب. يتجاوز الشباب توصيف النجاح والفشل والنصر والهزيمة في قاموس اللغة ويتحدثون عن تراكم الإنجاز عبر المراحل وأنه السبيل للبناء شرط أن يكون الهدف واضحا وأن تكون الإستراتيجية واضحة وأن يكون المجتمع وعاء التراكم ليس مثقوبا بفعل "الأنا". نتائج أولية لثلاثة أشهر مضت تشوهت فيها علاقات كانت ممتدة عبر 45 عاما لأن "الأنا" تعاظمت داخل هذه العلاقات وفقدت الموضوعية مكانها بإطلاق رصاصات كاذبة في غير اتجاهها ولكن الموضوع "البناء" اكتسب زخم الشباب الصادق ليمتد بأعمارهم ومستقبلهم الذي يصنعونه على أعينهم العمر بي وأشعر أن الخلود قد أصابني بأن للوطن جنودا للمستقبل.
547
| 04 يناير 2012
الدم المسال على الأسفلت في مصر، هو ثمن لصراع بعيد عن ثورة الشعب ويقين الشباب، هو دم مهدر نشأ عن محاولات لإجهاض قيمة تحرير الإرادة، هو دم يستدعي الثأر، وقد يظهر للعيان أن هناك ما هو أخطر من الدم المسال، ويمثله اجتراء على القيم والأخلاق، وتهافت على الدعة والسكون، وظهور غير مبرر لقوى اقتنصت الثورة ونتائجها لذاتها دون أن تطرح على الشعب رؤية غير السيطرة على إرادته بالدين، وبدلا من أن يكون الدين ملهما للتحرر، استخدموه كالأفيون مغيبا لإرادة الشعب. البحث في حقيقة من المسؤول عن هذا لا يحدد طرفا واحدا ولكنه يشير إلى الجميع، وإن اختلف حجم ما يتحمله كل منهم من مسؤولية. هناك من يشير إلى أن مغادرة ساحة الميادين يوم 12 فبراير هو السبب فيما وصلت إليه الأمور. وهناك من يحمل النخب التي كانت تتصدر المشهد أنها تعاملت في أمر الثورة واحتياجاتها برعونة ولم تكن بالأصل مستعدة وعيا وإرادة للاستجابة لمطالب الشعب في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، بل انساقت إلى دروب فرعية هي أقرب إلى الإعلان عن الذات، دون أن تختار طريق التغيير وهو غير مستحيل إن خلصت النوايا وإن تبلورت الإرادة صار من الممكن تخطي مخاطره وصعوباته مهما كانت. وهناك من يحمل الأمر كله للمجلس العسكري الذي أثارت أفعاله شكوكا في البدايات عندما أتى بلجنة الشيطان التي تولاها البشري فانحرفت بكل منطق ممكن لمعنى الفترات الانتقالية وكانت عصا غليظة ضربت إرادة الشعب بالخداع فيما سمي بالتعديلات الدستورية، وثني على ذلك باستدعائه تنظيمات دينية من خارج الواقع المصري وتضاريسه السياسية سالكا بذلك سلوك السبعينيات الذي اتخذه السادات في مواجهة الحركة الوطنية التي صنعت الزخم الشعبي لفترة الإعداد للتحرير، إنتاجا وقتالا، وشكل في مواجهتهم تنظيمات دينية تلعب لعبة شق الشعب إلى ديني وكافر، وكان المجلس العسكري والمستشارون المحيطون به في هذا كما يقولون "حافظ مش فاهم". وتجاوزت الأمور حد الشك عندما أصيب المجلس بجنون القوة ومس الشيطان وعيه بحالة من جنون "الانفراد بالوطنية المطلقة" فقتل وسحل وانتهك قيما أسقطت قيمة أنه مجلس محترف لصالح الوطن، فصار عرضة لتجاوز العقيدة التي أطلقت يوما شعار "الجيش والشعب يد واحدة"، بل وضع نفسه بالكذب محل الريبة في إمكانية الوثوق به، وهو ما يعني الهزيمة الداخلية قبل الاشتباك مع العدو الخارجي الذي يهدد الوطن والشعب ويتحمل الجيش مسؤولية هذه المهمة. وفوق ذلك بعناد تجاوز الإرادة الوطنية بقبوله استمرار تدفق الغاز إلى العدو الرئيسي، صنع هدفا دائما تبلورت من حوله تنظيمات أعلنت مسؤوليتها عن تفجيرات متعاقبة لخط الغاز ولتعلن أنها تنظيمات تابعة لـ بن لادن، وسواء صح هذا أو كان مجرد ادعاء، فإن النظرة الأولى لواقع سيناء يؤكد أنها تحولت إلى بؤرة انفصال عن الوطن الأم وهو الأمر الذي يشارك فيه البعض من الداخل والعدو الرئيسي في الخارج. إن مفترق الطرق الآن قد وصل إلى نقطة حرجة، ويبدو الأمر في حاجة إلى معجزة لتجاوزها، لأن الانقلاب على الثورة واقتناصها والدفاع عنها صارت هي فعاليات المرحلة الانتقالية، ومازالت دون حالة التفاعل المستقر ولكنها في حالة اقتتال دائم، لا يدفع المجلس العسكري ولا التنظيمات الدينية ثمنا لها بينما يدفع المدافعون عن الثورة الدم ثمنا وتحاصرهم آلة الإعلام للنظام السابق بكل أجهزتها بأضخم حرب نفسية داخلية تمثلت في حملة التشويه للعزل عن المجتمع والانفراد بهم وتصفيتهم بالقتل. التقى الانقلاب والاقتناص في مواجهة الثائرين، فاستخدم الجيش القتل وانطلقت التنظيمات الدينية في مظاهرة الصمت الكبرى بقبول انفرادها بسلطة خاوية على عروشها، وصار الاثنان المجلس العسكري والتنظيمات الدينية متهمين بسفك دماء الشباب فعلا وصمتا، لتتزايد الهوة داخل المجتمع بين المكونات السياسية المتاحة، بينما قوى الشعب غائبة عن المشهد لتفكك أصابها به النظام السابق، والمعانات المعيشية التي تطحن عظامهم. ليس هناك وصفة سحرية لحل الأزمة، ولكن تفكيكها إلى عناصرها الأساسية قد يتيح فرصة للتعامل معها، وقبل ذلك يجب الإجابة عن سؤال أساسي ماذا نريد؟ ومن نحن؟ والسؤال الثاني هام، فهناك مقولة سائدة في مصر الآن نتساءل: من فوضكم للحديث باسم الشعب؟ ويتلوها من فوضكم للحديث باسم الثورة؟ ولنبدأ من هنا. ليس هناك من هو مفوض من الشعب، ومن لهم فضل البدايات، ليس لهم حق الولاية على الشعب والثورة، وفوق هذا هناك من هم على طريق التضحية بالروح في سبيل الوطن ولكن أيضاً ليس لهم حق الولاية على الوطنية، فالوطنية مفهوم جامع وشامل، ولكن دون أن يتحقق مضمون الانتماء للشعب والولاء للوطن دستوراً وحركة وتكوينا اجتماعيا وأخلاقيا ومقاصد عليا سواء كانت ناتج البناء الحضاري أو ناتج إرادة التغيير في مرحلة الثورة، يسقط معنى الوطنية عمن يتغنى بها. قضايا الفساد وإهدار المال العام والمؤامرات من أجل التوريث والتزوير والتجارة مع العدو الصهيوني والانصياع للإرادات الخارجية جميعها هي شرخ في جدار الانتماء للشعب والولاء للوطن، وأخطر من ذلك كله "صناعة الخطر لحكم الشعب"، "والكذب والخداع" للتحايل على إرادة الشعب وإهدار إمكانية توفير احتياجاته. صناعة الخطر والتحايل على الشعب هي سمة الأداء الآن من القوى التي انقلبت على الثورة. وأداؤها في ذلك هو القتل والحرق، وذلك لا يمكن التعامل معه بمجرد الكلام، ونقطة ضعف القوى المضادة للثورة هي غرور القوة وعدم القدرة على توقع القادم وكذلك فهم يتحسبون للمفاجأة بحذر أدى إلى تباطؤ بلغ حد معاداة الشعب والتواطؤ ضد مخزون آماله، وتعظيم نقاط الضعف سوف يؤدي إلى نتيجة عكسية، ولن يكون الصدام الأمثل، بينما التسليم لهم يعني التفريط في الثورة نهائياً والاستسلام للاغتيال المعنوي فضلاً عن القتل. وعليه فإن موقف المقاومة يجب أن يستمر، وأول سمات المقاومة هي استمرار الحشد في مواجهة كافة صور الانقلاب على الثورة، ويضاف إلى ذلك الفكرة والعقل ولن يتأتى هذا بغير تولي طرف المقاومة مهمة الإعداد للفكرة والمضمون، مع استمرار المقاومة رغم كل أصوات الاحتجاج أو محاولة تفريغ الثورة من المقاومين. إن طرف الانقلاب ما زال عاجزاً عن تجاوز الثورة، ومع مرور عام على تفجر الثورة، فإن الشهادة لصالح قدرة المقاومين على الاستمرار، وفرضوا على خندق الانقلاب على الثورة الاحتماء خلف أسوار خرسانية وأسلاك شائكة، ودلالة ذلك أن هناك توازنا يمكن أن نطلق عليه "توازن الضعف" وهو "توازن حرج" وليس "توازن استقرار" يمكنه أن يؤدي إلى رؤية جامعة. لنتجاوز نتائج صندوق الانتخابات والذي لا يعبر عن مصر الحقيقية بمخزونها الحضاري ولكنه يعبر عن مصر التي صنعها المجلس العسكري باستخدام طارق البشري، وسط بيئة اتسمت بضعف الحياة السياسية وجرى استغلال ذلك الضعف والانشغال بلقمة العيش بأقصى حد، وليكن الأداء المقاوم فكرا وعقلا في بحث أمر دستور مصر الجديد، والذي يجب أن يشارك فيه جميع مكونات المجتمع وإن تطلب ذلك زيادة في عدد اللجنة التأسيسية لوضع الدستور للحيلولة دون السيطرة على هذه اللجنة وتوجيهها في اتجاهات لا تعبر عن حقيقة هوية الأمة ومخزونها الحضاري. لذلك فإن الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية قبل الدستور تزيد الأمر تعقيدا. فالرئيس القادم يجب ألا يكون مجهول الهوية تختاره ذات الأغلبية التي صاغت البرلمان، وهم دائما وفي كل تجاربهم يختارون من خارجهم الأضعف ليحكموه، فيحكموا هم، غير آبهين بما يمكن أن يترتب على ذلك. لم ننتخب جمعية تأسيسية لوضع الدستور وانتخبنا مجلسا تشريعيا بلا صلاحيات ولكن انكشف للجميع ماذا يمكن أن تصنع الصناديق بالمجتمع. لم تتمكن القوى الاجتماعية المنتجة في مصر من التعبير عن نفسها، وبديلا عن الشعب استدعينا الديكتاتورية الجديدة تحت عباءة الدين. إننا مطالبون بالدعوة إلى "مؤتمرات المصير" بذات عزيمة الشهداء والاعتصام والتظاهر، فستحدد هذه المؤتمرات المحاور الرئيسية للدستور ونظام الحكم، ونحن في حاجة ملحة لدراسة العلاقة الحاكمة للمؤسسة العسكرية في مصر بعد الثورة، وأن نحدد الخيار الاقتصادي الذي يربط بين التنمية والعدالة الاجتماعية. تغيير قواعد الاشتباك بين القوى المعادية للثورة والمعبرة عن الثورة والشعب لتصبح المقاومة شعبية وليست طلائع ممن وهبوا حياتهم لوطنهم ويتعرضون كل لحظة للاغتيال المعنوي بحملة التضليل والكذب والخداع. لقد نسي الجميع قانون العزل السياسي. وسقط أساتذة الدستور في قاع المجلس الاستشاري. ودخل المجلس العسكري في طور الاعتذارات بلا مضمون تمهيدا لموجة قتل جديدة. تغيير قواعد الاشتباك ضرورة لاستمرار الثورة، ودون ذلك فإن البدائل الأخرى تؤجج صداما دمويا قادما بالضرورة. حينما ارتمت حميدة في أحضان العسكري الإنجليزي تبيع جسدها لمن يشتري، كتب نجيب محفوظ معلقا في سياق رواية زقاق المدق: "خرجت حميدة إلى الوجود في بيئة الست الوالدة التي تعمل خاطبة وهي بيئة تتحدث ليلا ونهارا عن الطلاق والزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة سواء في إطارها أو في غير إطارها فخرجت حميدة إلى الحياة عاهرة بالسليقة" تذكرت هذا أمام تصريحات عديدة تتري في الإعلام... وكأنها من نواميس السماء وليست عهرا بالسليقة.
678
| 27 ديسمبر 2011
أعلنت تجمعات شبابية إطلاق مليونية يوم الجمعة تحت اسم شرف الحرائر تنديدا باعتداء قوات الجيش على المصريات في ميدان التحرير. وشهدت مصر مظاهرات نسائية تحت ذات المعنى واحتقن الموقف بين طلاب جامعة عين شمس وقوات الشرطة العسكرية التي تحول بينهم وبين الوصول إلى وزارة الدفاع. أول الوصايا السماوية "لا تكذب" والكاذب يسقط قيمة ذاته قبل أن يسقط في أعين غيره. الفرسان في الجيش المصري هم أصحاب البيريهات الخضراء. وللفرسان أخلاق النبلاء. سواء كانوا على صهوة الخيل أو كانوا داخل دبابة مقاتلة. ولن أستشهد بأسماء مثل حسين الشافعي أو خالد محيي الدين وغيرهما المئات. ولكنني أستشهد باسم رجل يعلمه فرسان الجيش المصري فارسا نبيلا دفع ثمن صدقه وصراحته أن تم استبعاده من قيادة فرقة مدرعة عسكرية لمنصب الملحق العسكري بتركيا قبل حرب 1973 بعدما واجه السادات بضرورة اتخاذ قرار العمليات أو يخلع رتبته ويلقيها على الأرض وهو اللواء "عادل سوكة". فقد ضرب مثلا جليا لمعنى أخلاق الفرسان طوال خدمته. وكانت النهاية أن أبعده السادات ليعود بتكليف عسكري لتقييم الأوضاع بعد انتهاء العمليات العسكرية. وقد يرى البعض أن تصرف "عادل سوكة" انفعال. ولكنه انفعال الفارس في مواجهة تسويف القرار السياسي لإطلاق العمليات العسكرية لتحرير الأرض. هكذا يكون الفارس النبيل. ويبدو اليوم أن الفارق جوهري. فالبيريه الأخضر وضع فوق رؤوس حان قطافها. فانتحرت انفعالا وأخلاقا. أن ينفعل جنرال في الجيش المصري لأن أحدا قاطعه في مؤتمر صحفي. يعني أن التوافق العقلي العصبي مفقود. وأنه أمر خطير جدا" على الصحة النفسية لصاحب البيريه الأخضر ويحرمه من نبل أخلاق الفرسان. وغير الانفعال لن أقول الكذب. ولكن حالة الدفاع العاجز عن النفس بادعاء أن الصور المتعددة لأفعال جنود وجيش مصر ليست صورا من مصر! ولم يكلف خاطره بتحري الدقة. أو سيادته في واد والواقع يتحرك من حوله دون أن ينبهه أحد أو أن هناك من يحول بينه وتقارير أمنية هي بطبيعتها لا تملك سوى أن تسرد الحقيقة دون تزييف وإلا فإن المصيبة أعظم إن جرى تزييف التقارير أيضا. لم نعد في حاجة إلى تحديد أعداد الشهداء أو أن "المصرية" التي جرى سحلها فوق الأرض وتعرى جسدها هي أشرف من الانفعالات أو الكذب. ولكننا في حاجة إلى وقفة مع النفس. إن أول " الحرائر" التي يجب الانتباه إليها هي مصر. ولم يعد الأمر مجرد سلطة مدنية أو حكومة انتقالية. ولكن الأمر الآن يتمثل قطعيا في عنصرين جوهريين بالإضافة إلى ذلك. العنصر الأول هو الحفاظ على زخم التظاهر والاعتصام حتى الاسترداد الكامل للثورة وتوليه أمرها وبإرادتها لرجال ينتمون إلى الثورة والشعب وأن يكون الشباب المصري قادرا" على الحفاظ على قدرته هذه في المواجهة وفي ذات الوقت قادرا" على وضع تصور لمصر التي يريدها والمهام الواجبة لتحقيق استراتيجية الثورة في " الخبز الحرية – العدالة الاجتماعية ". والثاني يتمثل في ضرورة بناء جيش مصري بعقيدة قتالية واضحة وفق خبرة ما تحقق بعد 1967 وكان سببا رئيسا لإدارة أول حرب احترافية في مواجهة إسرائيل كادت أن تؤدي بالكيان الصهيوني ذاته إلى حد أن " جولدا مائير " رئيسة الوزراء في ذلك الحين رفعت حالة الاستعداد للضربة الذرية، البناء يبدأ من نقطة التطهير. وما أحوجنا إلى تطهير الجيش المصري من الانفعال والكذب وفقدان الإحساس بالشعب الذي أخرجه ليحميه وفقدانه الإحساس بالوقت الذي يهدره. فهذا معناه أن الجنرال "الوقت" الخدمة قد غاب عن المجلس العسكري. السقوط المتوالي لأدوات اختلقها المجلس العسكري يؤكد عجز المجلس عن قراءة الواقع المصري. وهذا مؤشر على أن الصدام بين المجتمع وبين المجلس لم ينقض بعد. لقد تكونت تضاريس جديدة في الحياة السياسية المصرية. وكلها خروج عن الاحتياج الحقيقي لمصر الثورة. ويفتح الباب أمام ألوان جديدة من الصراع تتطلب رؤية وترجمتها إلى الأمام وهو يؤكد أن المهام تتعاظم ويتبقى السؤال ما هي المهمة الرئيسة التي يتحقق إنجازها اقترابا" موضوعيا" من بداية تحقيق استراتيجية الثورة في "الخبز - الحرية - العدالة الاجتماعية". مهمتان تتطلبان التصرف بالسرعة الواجبة والوضوح والدقة الواجبان أيضا. واجه الشعب في كل الثورات الشعبية جيوش أنظمة سابقة. كانت قياداتها منتمية إلى النظام الذي تثور عليه الشعوب. واستطاعت الشعوب في النهاية تحقيق النصر. لو كان بينهم الآن الفارس اللواء "عادل سوكة" لكانت قولته لهم "إما أن تكونوا مع الشعب وثورته وتحققوا أهدافها أو لأنزعن عن أكتافكم رتبكم وألقي بكم على الأرض" ليست فقط جمعة الحرائر. وليس الكذب والادعاء والانفعال وإهدار الزمن. وسؤال أخير إلى المستشار عبد المجيد محمود النائب العام المصري. متى ستتحرك بصحبة جمعيات الحقوق المدنية إلى مجلس الشعب لتكشف عن غرف التعذيب أسفل المجلس؟ .
568
| 23 ديسمبر 2011
التماس مع ميدان التحرير في هذه المرحلة الحرجة للثورة المصرية يحيل الأفكار والرؤى إلى واقع، يخصبها، ويفرض ثأر الدم والعرض عليها أن تكون أقرب إلى الحقيقة من أن تكون مجرد قراءة للواقع عن بعد أو أحلام أو كوابيس، وتغني عن التشبيه والأمثلة، هناك في التحرير يكتب تاريخ جديد للشعب المصري، ترتفع هامات وتسقط الأقنعة، ليبين لكل الأطراف حقيقة من يقتل الثورة ويحولها إلى مغنم، ومن يخادع الشعب ويحولها إلى استفتاءات وانتخابات، وهؤلاء الذين استدرجوا إلى المجلس الاستشاري لم يجدوا غير ربيب السادات ليعمدوه رئيسا لهم، ليخرج على الناس قائلا: لقد صبر المجلس العسكري على الشباب (البلطجية) ووجب وقفهم بكل حزم، فتخرج موجات القتل للشباب فجرا وأنا أكتب المقال بعد مغادرة الميدان بساعة واحدة. المشاهد التي نقلت على الشاشات والصور لليلة الجمعة 16 السبت 17 ديسمبر كانت توحي أن من أصدر الأوامر لا يمكن أن يكون مصريا، وأوامره كانت لصفوة الجيش المصري، رجال المظلات!! من فعلها؟، من استحل سحل المصريين فوق الإسفلت؟ من استحل قتل الشيخ الأزهري برصاصة من طبنجة في القلب؟ من سحل السيدة المصرية وعراها على الإسفلت؟ من أصدر أوامر القتل ليستشهد 10 بين مهندس وطبيب وطالب وشيخ من الأزهر؟ من حرق المركز القومي للوثائق ومنع إطفاءه وحال دون أن ينقذ الشباب محتوياته وجلس كما نيرون يغني "سأحرق روما" غير واع أن نيرون ذهب وبقيت روما، وأن كافة الغزاة قد ذهبوا وبقيت مصر؟ من حشد مدنيين فوق سطح ملحق المجلس النيابي ووفر لهم كسر الرخام ليقذفوا به الشباب؟ ويقذفوا كرات النار ببهجة عارمة ويستخدمون الألعاب النارية ليقذفوا بها حتى حرقوا التاريخ والأخلاق معا؟ هل أدرك المجلس العسكري ومن أصدر الأوامر بكل هذا معنى مظاهرة الآلاف من طب عين شمس والأطباء تخليدا لشهيدهم؟ هل أدركوا معنى جنازة الشيخ الأزهري؟ هل أدركوا أنهم يفسدون في الأرض وجزاء ذلك أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؟ وهل أدرك المتلهون بصناديق الانتخابات أن مستقبل مصر يسطر بعيدا عنهم وأنهم ليسوا أكثر من اصطفاف خارج الثورة؟ كان تعليق "أيمن" من ثلاث ليال بأنهم لن يتوقفوا حتى تتم تصفية الكل وبدون رادع، فتصفية الشباب هي تفريغ للثورة من عصبها، وأكمل ساعتها قائلا: سيهاجموننا الليلة؟ وهو ما حدث، كان ذلك سببا كي أعود إلى الصديق "منير" أسأله أن التقي "أيمن" كي أسأله كيف يري الصورة الليلة، وما الذي يتوقعه مستقبلا؟ قبل أن نلتقي استمر الحديث مع "منير" متصلا فهو حوار لم ينقطع منذ أن خرج من محاكمة عسكرية بحكم سنة مع الإيقاف، كان رأي منير منذ ليلتين أن النهاية مفتوحة، وأن أهل الميدان انتقل موقفهم من رفض حكومة الجنزوري والمطالبة بحكومة إنقاذ وطني، إلى المطالبة بالثأر.. دم الشباب وعرض السيدات، فالأمر ليس مجرد القتل والسحل، بل أيضاً الاتهامات في الأعراض، ويتولاها الإعلام بالنشر والتلميح، وأخبرني أن حشودا من 40 لوري للأمن المركزي وصلت، وجميعهم في زي مدني وهو ما يؤكد أن الليلة (الأحد الاثنين) سيحدث هجوم جديد، ووصلته مكالمة تليفونية تخبره أنه تم رصد نقل أنابيب بوتاجاز في الخطوط الخلفية للقوات خلف الجدار العازل، وهو جدار بناه الجيش في مدخل شارع القصر العيني، كما بني جدار مماثل على مدخل شارع محمد محمود من ناحية التحرير. تواصل الحديث السريع حتى نجحنا في الاتصال بأيمن، التقينا، ليقول نحن كفيلون بهم، ولكن مشكلاتنا الإعلام، التواصل مع الشعب، والنخبة الذين يكمنون إلى أن يصل الموقف إلى ذروته ويتدخلون ليجنوا الثمار، وليضيف منير أن "الأفندية" ـ كما يسمي أهل التحرير نخبة الشاشات التلفزيونية ـ حاولوا إسكات الشباب ليتفاوضوا فنالوا من الشباب هتافات أحالتهم إلى اتباع للنظام وجردتهم مما يدعون. أيمن يدرك أهمية التواجد وأهمية الجذوة المشتعلة، منير يدركها، الكل يدرك حقيقة أن الثورة في خطر، يرصدون موقف الإخوان والسلفيين، يحللونه، نخرج بقناعة أن كل دقيقة تمر من عمر الصمود هي اقتراب من لحظة النصر بشرط الإعداد الجيد للقادم من مواقف، واستقر الكل على أنهم يملكون مخططا ويستفزون الشباب ليوجهوا له الضربات المتتالية لإجهاض أي محاولة للتعبير أو الاعتصام ورفع المطالب الأساسية للثورة، كان واجبا أن أرحل، ولم يكن ممكنا أن أطلب منهما الرحيل، ولكن كان مطلبي، حافظوا على أنفسكم. الآن الكل يواجه الحقيقة كاملة، قائد المنطقة المركزية ورئيس العمليات وقائد الشرطة العسكرية جميعهم وراء الأوامر الصادرة بالتعامل مع المعتصمين، وأسلوب التعامل، وهذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، والمطالبة بمحاسبتهم وتقديمهم للمحاكمة صارت مطلبا لأهل التحرير. ويتداعي تساؤل آخر هل بإمكان هؤلاء الثلاثة أن يصدروا أوامرهم دون موافقة ومباركة المجلس العسكري؟ وتداعي سؤال آخر، هل هناك بالمجلس العسكري انقسام؟ وهناك من يزرع الفتنة بين الشعب ورجال الجيش؟ وسؤال ثالث كيف بجيش مصر أن يقبل تغيير عقيدته القتالية؟ وبدلا من أن يراجع أفعال الأشهر الماضية منذ الثورة حتى اليوم أن يقبل بتحويل مهمته إلى قتل الشعب الذي هو الوطن؟ فما هي عقيدته القتالية ومن هو العدو؟ وتأبى يد الله إلا أن تضيف خزيا فوق أفعالهم، فينفجر خط أنابيب الغاز للمرة العاشرة في نفس اليوم. امتلك المجلس العسكري ناصية الأمر سواء بالتشكيل المدجن للمجلس الاستشاري، أو بنتائج الانتخابات التي نجح فيها مناصريه من الأحزاب الدينية، كما جاء من متحف الوزراء برئيس لا علاقة له بالثورة أو أهدافها، وهو من أتباع النظام البائد، بل تحيطه اتهامات توشكى الذي لم يحقق عائده، وأكبر منصب كان يجب وضعه فيه هو مسؤولية أن يحقق نتائج توشكى أو يحاكم بتهمة تبديد المال العام. أخذ المجلس العسكري جميع أدواته إلى السقوط، وأضاف غير المطالبة برحيله، بضرورة محاكمة ثلاثة من رجاله بتهمة القتل العمد، فلمصلحة من يفعل كل هذا؟ ما الذي يهدف إليه المجلس العسكري؟ لقد أصابوا من أصابوا فجر الاثنين واعتقلوا من اعتقلوا، ولكن الشباب دفعهم إلى خارج الميدان، واستعادوا الميدان مع طلعة النهار، فلماذا عمليات الإجهاض هذه؟ لمصلحة من؟ هل يحاول البقاء في السلطة؟ كيف وهو يزرع الثأر مع الشعب؟ هل يحاول تمكين رئيس وزرائه من دخول مجلس الوزراء؟ وكيف سيستقر وسابقه جاء من التحرير ورفضه الشعب بعد ذلك لأن المجلس العسكري كبل يداه. لقد تجدد الثأر مع وزارة داخلية الجنزوري وليس أمامه سوى أن يحمل كفنه على يديه ويرحل؟ فالثأر معه يفتح باب القتل المتبادل؟ فهل تطيق مصر هذا الأمر لجريمة اقترفها ثلاثة من رجال الجيش المصري دون أن يقدموا للمحاكمة؟ الموقف الآن في أدق لحظاته، الكل اكتسب عداء الشعب، وجرت محاولة لتقسيم الشعب إلى مع المجلس وضده، وانتقلت إلى تشويه الشباب، لينقسم الشعب إلى مع الشباب وضده، ومازال موقفكم من البلطجية هو الاستخدام، وليس أدل من ذلك إلا ما جرى بعد الساعة الواحدة من فجر الاثنين عندما مرت عناصر تابعة للقوات المسلحة تطلب من المقاهي والمحلات الإغلاق لأن البلطجية قادمون؟ وهل لدى المجلس استطلاع مبكر رصد دخول البلطجية إلى ساحة القتال؟ لقد نقلت أفعالكم الشباب إلى تصعيد جديد في المطالب، فمطلبهم أصبح إعدام مبارك ومن معه، وتطهير مبنى الإذاعة والتلفزيون ممن فيه. وتطهير الجيش قبل عودته إلى ثكناته بمحاكمة قتلة الشباب، ومحاكمة كل من قتل أو عذب أو انتهك عرضا، لقد انتقل رجال المنطقة المركزية من كشف العذرية إلى تعرية النساء سحلا فوق الإسفلت، فهل تعتقدون أن هذا سيمر دون حساب، حتى لو خرج كل شيوخ الأزهر الذين أكلوا لحم الشهداء بتأييدهم لكم وهجومهم على شباب، حتى لو خرجوا جميعهم معكم، فسيخرج الشعب يوما عليكم وعليهم. إن بقاء الجنزوري في مكانه هو المفجر للعصيان المدني، وليس من إدانة له أكثر من كونه يدير أمره من خلف جدار عازل بينه وبين الشعب. وبقاء مجلسكم الاستشاري هو إعدام للثقة أنكم تريدون الوصول إلى بر السلامة لوطن أراد شعبه الحرية وسينالها. وخديعة الصناديق انكشفت، وسيتحول مجلس الشعب إلى نصب الشيطان ليرجمه الشعب. وها هو الشباب قد أحس بحاجته إلى التنظيم والحشد والقيادة، رغم كل من اندسوا بينه بناء على رغبتكم وتحت إمرتكم ليبولوا في رأسه، فالشباب يدرك متى يسمع، وفي أي لحظة يغلق أذنه عن لغو القول. أمامكم خطوة واجبة، وهي المحاكمة السريعة لمن قتل وعذب وسحل، وعلنية، وأحكام تتناسب وعمق الجرح. لقد أعادت الثورة لكم كرامة العسكرية المصرية عندما التف الشعب من حولكم، ولكنكم أبيتم إلا أن تأخذوا موقفا مغايرا لإرادة الشعب، ستحاسبون عليه أمام الشعب وأمام التاريخ. أليس هناك رجل رشيد يعيد الأمر إلى نصابة، لتتشكل حكومة الإنقاذ الوطني كما طالب بها الشباب، ويأخذ على يد من قتل وعذب وسحل وعري الأعراض، ويعيد إليكم شموخ رجال مصر والعسكرية المصرية؟ إن مصر تدخر جيشها ليوم آت لا ريب فيه في مواجهة الصهيونية العالمية، فلمصلحة من تغيرون عقيدة الجيش القتالية، ولمصلحة من تزرعون الفتنة بين الشعب وجيشه.
705
| 20 ديسمبر 2011
القراءة السياسية لنتائج الانتخابات حتى الآن تشير إلى أن بقايا النظام السابق بألوانها المختلفة، تحاول تأكيد وجودها وإكساب هذا الوجود شرعية الصناديق. حركة خداع عميقة للالتفاف على الثورة ونتائجها بعد أن أثبتت المواجهات المباشرة مع التجمعات الشعبية "عجز القوة" في مواجهتها، فلم يعد أمام الحركة المضادة للثورة غير إلباس المواجهة مسوح الديمقراطية الصناديق الكاذبة، وإلباس الصناديق عباءة الدين. والإجابة على سؤال ما العمل؟ الذي يواجه عناصر الثورة في مصر الآن يستحيل الوصول إليه دون تحليل سياسي لمدلول النظام السياسي السابق وحالة المجتمع الراهنة. وأيضا دون القبول بأن التغيير الاجتماعي هو علاقة مع بشر وقوى اجتماعية يصبح الحديث عن التغيير حرث في الماء. يهدر الحلم والطاقة ويفتح الأفق لنظام أشد سوءا من سابقه. وبدون القناعة بأن هناك فارقا بين التنظيم للقوى صاحبة المصلحة في التغيير وبين تركها في حالة سيولة دون جامع هيكلي لها. فإن الحركة من أجل التغيير تصبح نداء بوادي الطرشان ومجرد إبراء للذمة دون تأثير في الواقع الذي تحياه. إن الشعوب لا تسترد إرادتها لتضعها في متاحف التاريخ. إن نداء التغيير في المجتمعات ليس ترفا. ولكنه ضرورة حياة فالشعوب لا تطالب بالتغيير لتحيل الوطن والمجتمع إلى مجرد حزب أو تيار سياسي. والتغيير يعني في مضمونه إلغاء واقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وإقامة واقع آخر يحقق للمجتمع غاياته ومقاصده العليا. وهي لا تعني على الإطلاق تمكين إحدى القوى السياسية والاجتماعية من فرض سيطرتها. ولكن توازن القوى داخل المجتمع يجب أن يعتمد أساسا على قدرة كافة مكوناته في التعبير عن نفسها تحت ذات الظروف وبفرص متكافئة وبحركة نمو طبيعي. ما الفارق بين مقولة ديكتاتورية البروليتاريا ووحدانية التنظيمات الدينية داخل المجتمع. كلاهما ديكتاتورية الأولى طبقية وكانت لها رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية والثانية تفجر المجتمع وقيمه وبناءه الحضاري لتنفرد بالسلطة وفق الحق الإلهي دينيا. وليس عجبا أن يمر أحدهم بطوابير الناخبين أمام مقار لجان الانتخاب ليقول لهم لا تنتخبوا هذه القائمة فهي قائمة المسيحيين لتنفجر في وجهه "زوجتي" - وهي خريجة الأزهر قسم لغة عبرية – في طابور الانتخاب قائلة "هل أهدرتم الثورة ودم الشهداء لتقسموا الشعب إلى مسلم ومسيحي"، ورمقها الرجل بعين غاضبة إلا أنه ذهب ولم يعد.. فهل اعتقد كل من كان بطابور الانتخاب أنها ليست مسلمة وأنها تتخفى في حجابها؟ المشهد الآن ينتقل من نظام فساد وقتل وتوريث بذات مكوناته إلى نظام ديكتاتورية دينية وإرهاب بالتكفير والمليونيات الملتحية. وكلا النظامين باركتهما المؤسسة العسكرية المصرية. بل هي أقامت النظام الجديد بخيارات لجنة البشري وعلى حد قول د. يحيى الجمل في لقاء مع أقربائه "إنهم ضحكوا علينا"، ونقل عن البشري أنه حركته عقدة قديمة أن يبقى العسكر في الحكم، فأهدر معنى الثورة واستراتيجيتها وتنازل عن قناعاته وما كتبه نتيجة عقده، هكذا تعاملوا مع الشعب والثورة، وهكذا فتحوا الباب على مصراعيه للقادمين من الظلام، وفرضوا على الشعب أن يعود للشارع ولكن بطريقة مغايرة ليسترد الثورة من سارقيها. أطلق العنان لعودة التنظيمات الدينية في مصر منذ عام 1971 واستخدمها السادات في مواجهة كافة القوى الوطنية. وبعد أن كان الشعار الوطني في مصر " يد تبني ويد تحمل السلاح " أصبح النداء والإلحاح في الطرقات تبرعوا لبناء مسجد. وكأن مدينة الألف مئذنة تحتاج إلى نتوءات لا تحمل وجها حضاريا كمساجد القاهرة ولكنها تفتح مراكز الخدمة والاستقطاب والتجمع والحشد تحت ستار الدين. ومنذ انقلاب مايو 1971 وكافة التنظيمات السياسية والنقابية وأصحاب الرأي ونخبة الرجال في زمن التحرير والعدل الاجتماعي محل مطاردة أمنية كانت تتم بانتقاء وتوحشت بعد انتفاضة يناير 1977. الغريب في الأمر أن تنظيم الإخوان عندما عاد بين السادات بعد 1973 وأعاد السادات بعض جنرالات الجيش الذين أقصوا من أماكنهم بعد 1967 وكان البعض منهم من ذات الاتجاهات والبعض الآخر أقصي لعدم جدواه بعد 1967 فإن هذا التنظيم انقلب على السادات أيضاً وعاشت فترة السادات ميلاد تنظيمات دينية متعددة ووفق نظريات تنظيمية مختلفة لينتهي الأمر باغتيال السادات في عام 1981 بعد أن انقلب على المجتمع كله ووضع كل تياراته واتجاهاته داخل المعتقل. واغتيل السادات من داخل المؤسسة العسكرية واغتيل أمام كافة القادة وإلى جواره وزير الدفاع. واتسعت المطاردة الأمنية زمن مبارك لتشمل التنظيمات الدينية التي أصبحت تهدد النظام الذي نجا من حادثة المنصة. وفي الوقت ذاته كانت الأحزاب والتنظيمات غير الدينية ما زالت تحت وطأة الحصار منذ 1977. ومع تصاعد سيطرة النظام فقدت سياسته عمق الاتصال بالجماهير واحتياجاتها وصار الإحسان بديلا للعدل الاجتماعي واتخذت سياسة السوق المفتوح بديلا لسياسة التخطيط والتنمية ليغيب دور الدولة عن مسؤولية التنمية ويبدأ التوجه إلى تصفية كافة النقابات المهنية بعد أن جرى حصار الفلاحين وإلغاء ما ترتب على قوانين الإصلاح الزراعي والقضاء على الجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني للفلاحين. وتزامنت سياسة الخصصة التي أفرغت الاقتصاد المصري من خط دفاعه الرئيس للإنتاج والتجارة والذي كان دعامة زمن الإعداد للتحرير بين عامي1967 و1973 تزامنت مع تجمد اتحاد العمال المصري الأمر الذي استدعى اللجوء إلى إنشاء النقابات خارج إطار الاتحاد واكتمل عقد الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في مصر ولازم ذلك سياسيا ما أطلق عليه " التصحر السياسي " والذي نتج عن غياب رؤية وطنية تربط بين الشعب والدولة وجرى الانفصال وصار جهاز الأمن هو أداة الدولة وتحولت الدولة إلى أسرة حاكمة وطبقة مالكة ليكتمل الانقلاب على عائد حرب أكتوبر والتي ظل الشعب فيها تحت السلاح عقدا من الزمن وعلى مدار 40 عاما منذ بدأ السادات السير في هذا الطريق. هنا تكمن قيمة ما جرى منذ 25 يناير 2011 وهنا تكمن قيمة الشباب الذي نجح في أن يشكل وجدانه وعقيدته الوطنية وسط هذا الهجوم الضاري الداخلي وانهيار المحيط العربي بعيدا عن قيمة المجتمع الواحد. وتجلت قيمة الشعب الصابر عندما خرج منه عشرون مليونا ليرفضوا النظام وما وصلت إليه الحال ولكنهم جميعا عادوا إلى بيوتهم لأن الهدف لم يكن مكتملا في الرؤى المتعددة الأفراد والجماعات ولأن القيادة كانت غائبة ولأن الجماهير كانت في حالة سيولة وليس هناك هيكل يجمعها. قد تصلح المواجهات الفئوية لتحقيق بعض المكاسب الضيقة، وقد تصلح مظاهرات الشباب واعتصامه لتعديل هنا أو هناك، وقد يزيد دم الشهداء والشباب قابل بهذا، ولكن الأمر محل البحث هو ما الجدوى دون رؤية كاملة وقوى من خلف هذه الرؤية. المجلس النيابي القادم من المجهول لا يعبر عن الشعب، ولكنه يعبر عن صناديق ارتدت عباءة الدين. وفي ذات الوقت يجب الابتعاد عن الصدام غير المشروع بين الدين بسبب الأدعياء الذين يتخذون منه ستارا للسيطرة دون مضمون اجتماعي واقتصادي وسياسي يعبر عن العمق الحضاري لمصر، والدين والله هو محوره الرئيس عبر كافة العصور، وليس مطلوبا القبول بإرهاب التكفير والحلال والحرام لأنه يغلق باب السياسة ويفتح باب الدكتاتورية. إن الدور التائه في مصر والذي يبحث عن بطله هو ترجمة شعار الثورة وعدم الانحراف عنها إلى قضايا فرعية، ودراسة القوى المكونة للمجتمع، وقدرتها على الحفاظ على زخم الثورة. البطل ليس فردا ستنتجه لنا شاشات التلفزيون، والبرامج الحوارية أو المجتمع الافتراضي، ولكن البطل مؤسسة تنظيمية وجب الأخذ بها وسيلة لإعداد القوى الشعبية وتنظيمها وراء أهدافها، وتخرج من الواقع. إن أهمية الانتقال من حالة السيولة إلى حالة التنظيم لا تقل عنها أهمية الحفاظ على جذوة التظاهر والاعتصام حتى لا يستقر لنظام الفساد المعدل والذي تجمل ليتوحش بدكتاتورية دينية، تحميها المؤسسة العسكرية. بدون رؤية استراتيجية ليس هناك تنظيم. وبدون تنظيم ليس هناك حركة منتجة. وبدون التظاهر والاعتصام ستنطفئ الجذوة. وبدون تحديد القوى صاحبة المصلحة الحقيقية سيكون التنظيم خواء جديدا يضاف إلى ما ينتشر في ربوع مصر من تشكيلات دون مضمون. هذه هي المعادلة الصعبة التي تواجهها الثورة في مصر بعد أحد عشر شهرا، ولكنها حركة الحياة، والتغيير ليس ترفا ولكنه مسيرة صراع وهو من الأهمية والجدية بحيث يجب أن يتولاه القادرون علية، والسيولة الشعبية هي العدو الأول لحركة التغيير. إن تجربة العمل مع الشباب تؤكد أنهم يملكون القدرة عقلا، وجهدا، ويرفضون صور الخداع أيا كان مصدرها، ولكن رسوخ فكرة التنظيم لم تكتمل عناصرها في اليقين الجمعي لهم، والثورة قضت على أي من الحركات الفردية، وأصبح لا سبيل إلا جماعية العمل وآلية لاتخاذ القرار، وبناء مؤسسي للحشد والحركة.
554
| 16 ديسمبر 2011
استمعت إلى حوار مع الدكتور محمد المخزنجي يربط فيه بين مشاهداته وتأملاته في الكون والحياة وبين الواقع الآن في مصر وانتهيت إلى أنني صديق له من طرف واحد، كما تلك العلاقة الحميمة التي تنشأ فيها المشاعر من طرف واحد ولا تملك وسائل إيصالها إلى الطرف الآخر، ورأيت أيضا في ثنايا حديثه إلى أي مدى تملك مصر نواة عقل يمكن تسميتها بالنواة الناعمة، موجودة وليست وليدة اللحظة وكانت هناك دائما منذ زمن الفلاح الفصيح أو ما قبله في رؤية الكون والخلق والتعامل مع الطبيعة وحركة الأفلاك ومواضعها في زمن الفراعنة. جمعني والدكتور محمد المخزنجي ما رواه عن قدوم العيد عليه وهو في معتقل القلعة لا أعلم الفارق الزمني بيننا ولكنني عندما اعتقلت في فبراير 1972 من الجامعة إلى معتقل القلعة كان موعد عيد الأضحى، ولم أدرك قدوم العيد حينها إلا بوصول تكبيرات العيد التي يرددها المصلون بعد كل صلاة في يوم عرفات وطوال أيام التشريق، وصولها إلى مسامعي من مساجد ميدان القلعة، يومها أدركت أن العيد يمر بوطني، ووجدت الدكتور المخزنجي يربط بين وجوده في معتقل القلعة وبين سماعه لأغنية "الليلة عيد" وما تثيره من شجن في نفسه كلما استمع إليها، هكذا وجدت بيننا مشتركا يفرض الصداقة وعززه ما سمعته منه ورؤيته حول ما يجري في مصر. وتضيف الوقائع الجارية في مصر الآن ضرورة التأمل والخروج من الصندوق ومحاولة إعادة قراءة لما يجري، وحتى لا يكون حديثنا مجرد تأس ونواح أجد واجبا أن أشير إلى عنصرين مضيئين في المشهد، هما عنصرا الشباب والنواة الناعمة كلاهما يؤكدان أن مصر ستمضي بخطوات واثقة لن تنحرف ولن تنجرف ولن يستطيع الخوف أو البطش أو عناصر فقدت دليل العمل الوطني أن يحاصروها أو يحولوا بينها وبين تحقيق غاية التغيير للمجتمع باستراتيجية "الخبز - الحرية - العدالة الاجتماعية". من يمض في شوارع مصر وميادينها يجد من حوله لافتات تحمل أسماء جميعها تطلب أن تكون نوابا للشعب، ولكن عناوين الكتاب لا تحمل سمات مضمونة ومحتواه، بل تتجاوز الاحتياج الوطني والمعاناة الشعبية بمقولة إن مجلسا منتخبا هو الحل. ولن ندخل في طبيعة العملية الانتخابية ذاتها ولا من أي معين جاء المرشحون، ولا إلى أي رؤية ينتمون، ولكن المسألة التي ستظل عالقة بالثورة وحاجات الشعب، هي أن مضمون أهدافهما قد غابت وصار السعي إلى السلطة (حتى التشريعية) قادمة من مجهول يفرض نفسه بعلو الصوت أو الغلو في القول أو نفي الآخر وإقصائه، أو استبدال الخصومة مع نظام الفساد الذي قضى عليه الشعب بخصومة جديدة مع المجلس العسكري وكأنها "دون كوشتية" جديدة تصارع طواحين الهواء فلا هي أقامت الدولة ولا هي أرضا قطعت. وأمر المجلس العسكري تحدثنا فيه كثيرا من قبل، ولكننا في هذه اللحظة نقول لهم: ألم يذهب المجلس في قراراته إلى ما أردتم بأن تكون الانتخابات أولا؟ وأن الدستور يجب أن يسبق أي تمثيل نيابي، وأن رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية يجب أن تسبق حتى الدستور؟. سألتني أسرتي من ستنتخب؟، وحاولت التهرب من الإجابة، وقلت إن الانشغال يحول دون قراءة المرشحين، ونحن كأسرة موزعون على ثلاث دوائر، ولكن السؤال أفشى حقيقة ما يدور بالأسرة المصرية، وأنهم مهتمون بالأمر، وأنهم أيضاً يحاولون الاختيار، والابن كما جيله يسعى إلى طباعة أوراق تدعو الناس إلى التصويت وانتخاب ممثليهم، ولكن السؤال الحائر لديهم ماهية مرجعيات المرشحين وماهية أسس المفاضلة بينهم. رغبة في المشاركة تصطدم بحقيقة الاختطاف الذي جرى للثورة وتأجيل أهدافها واستراتيجياتها لحين الاستيلاء على السلطة التشريعية والتي لن تؤدي بأي حال إلى تشكيل السلطة التنفيذية (الحكومة) على قاعدة الأغلبية البرلمانية. أثار الإعلان عن وثيقة المبادئ الدستورية الحاكمة أو الأساسية أو أي ما كان مسماها لغطا كثيرا داخل الأحزاب وعناصر الحوار السياسي في المجتمع، وتجاهل جميعهم أن مبرر الإعلان الدستوري كان محاولة لوجود حل وسط بين الدستور أولا والانتخابات أولا، ولكونه ينشأ تعبيرا عن القوى الآنية في المجتمع المعبرة عن نفسها في حوار الطرشان فيما بينها وبعيدا عن القوى الاجتماعية الحقيقية في الوطن ودون اعتبار للحاجات الشعبية، فقد تضمن أمرا يخص القوات المسلحة في شأن ميزانيتها، ويخص دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة كحكم على أمر مشروع الدستور بالقبول أو الاعتراض، وبالوثيقة محددات اختيار لجنة وضع الدستور وذلك كله بمجموعه يمكن تشبيهه ببناء على غير رؤية أو أساس فالمقصد نبيل، أن نضع لمصر دستورا جديدا وأن نتوافق عليه وأن نتحاور حول محدداته وأن نحدد خط السلطة داخل الوطن وليس مجرد آليات تداولها، ولكن النتائج لا تتوافق ونبل المقصد أو حتى إيجاد نقطة وسطية. ويتضح أن كلا من الانتخابات ووثيقة المبادئ الحاكمة وتصور لجنة وضع الدستور، يتم خارج المنطق وبلا رؤية حاكمة وبلا حوار مجتمعي، والمضمون اللفظي أو الإجرائي يؤدي إلى سقوط في الفوضى بلا رادع ولا مرجعية. عندما كانت الهزيمة العسكرية عام 1967 جرى تقنين لدور الجيش والمؤسسة العسكرية وكان يومها يجب الأخذ بما هو علمي ومتعارف عليه حتى تستطيع المؤسسة العسكرية أن تؤدي دورها في إزالة آثار العدوان واسترداد الإرادة الوطنية ويومها أيضاً لم يكن ممكنا للعتاد والرجال بالقوات المسلحة أن يحققوا الهدف دون أن يكون المجتمع كله خلفهم بكل أدوات الإنتاج فيه وبكل البنائين من أبنائه وبخيرة شبابه كأساس لتكوين جنود الجيش المصري من حاملي المؤهلات العليا، والتي خاضت الحرب بجيش المليون. وضعت ثورة 25 يناير الجيش المصري على المحك، وأثبت أنه جيش ينتمي للشعب وأن السلاح في يده لا يواجه الشعب، وإذا كان واجبا استحداث أمر في العلاقة بين الجيش والدولة، تأسيسا على نظام مدني مستهدف، فلا سبيل إلى ذلك بغير حوار مجتمعي متخصص لا تدخل فيه الشعارات قيدا على الحوار ولا الادعاء بالمعرفة بديلا عن دراسة تجارب العالم وقواعد العلاقة بين السلطة السياسية بطبيعتها القابلة للتداول وبين المؤسسة العسكرية النواة الصلبة للمجتمع بطبيعة بنائها ومهامها ومسؤولياتها. التخلي عن هذه المسؤولية بمجرد فقرة في وثيقة غير كاف، بل مهين لمعنى وقيمة الوطن وجيشه. المطلوب هو حوار وسواء صدرت وثيقة تتضمن المعنى قبل الانتخابات أو بعدها، فهي يجب أن تصاغ بناء على رؤية علمية وموضوعية تتضمن كل آليات التدقيق والتوثيق بالتاريخ والواقع وطبيعة ما ننتقل إليه، وليس بأسلوب الفقرات "المسلوقة"، دون إنضاجها. المفارقة الثانية تجري في الانتخابات، فلن نتحدث عن قانون جرى صياغته والاستجابة لضغوط لتعديله من أحزاب ليست تعبيرا دقيقا عن الشعب والوضع السياسي في الوطن، ولكن الحديث عن أمر يخص قرار محكمة بحل الحزب الوطني السابق وقرار بحل المجالس المحلية في المحافظات، وكلا القرارين كان يعني أن هناك مشاركة من نوع ما بين عناصر من هذه التشكيلات مارست الفساد السياسي والتزوير والتربح من وجودها، لا نقول جميعهم، ولكن كان الواجب أن يجري عزل من ساهم في جرائم النظام السابق، وضاعت الفترة الانتقالية دون إعمال ذلك، ومن غير المقبول أن يحاكم رأس السلطة ومكتب الحزب السياسي وتترك الأدوات الفاعلة طليقة، تسعى إلى المجالس النيابية بمباركة قانون الانتخابات الحالي، وبواسطة عشرة أحزاب من أعضاء سابقين بالحزب الوطني، وتواجد لأعضاء منه في الأحزاب القائمة التي كانت محسوبة على المعارضة، وبالتالي طرحت عناصر ممن يسمون بالفلول نفسها في الانتخابات القادمة والمتوقع أن يكون لهم وجود في المجالس النيابية بعد الثورة لتنفيذ إرادة الثورة والشعب!!، فهل هناك عبث وفوضى أكثر من هذا؟. يبقى دائما في مصر أن الأمل يرتبط بوضوح رؤية لشعار الثورة "الخبز - الحرية - العدالة الاجتماعية"، وأن هذه الرؤية ترتبط في تحقيقها بحيوية أجيال شابة جديدة تستدعي الأمل وتمسك به وتحرص عليه وترتبط بالنواة الناعمة في قلب مصر التي تجدها حيثما حللت عندما تكون صادقا حتى وإن اختلفت وجهات النظر، فبمجرد أن يلمسوا الصدق في الأداء والقول يقبلون بما يطرح عليهم لصالح الجميع ودون الوقوف عند حاجات ذاتية، معبرين في هذا عن وعي كامن يدرك وحدة المجتمع ويتجاوز الذات. في نهاية حديث الدكتور محمد المخزنجي، الصديق من طرف واحد، أشار إلى قرية في جنوب السودان هاجمت النمور والفهود أهلها، فاجتمع أهل القرية على قتلها وأبادوها، وبموت النمور بقيت القرود التي كانت طعام النمور المفضل، فهاجمت القرود القرية وأجبرت أهلها على الرحيل، من هي النمور التي يقتلونها الآن؟ وما هي القرود التي تجبر أهل القرية على الرحيل؟ سؤال يكاد يجد إجابته فيما هو معروض علينا للاختيار من بينه. ولكن شعب الثورة وشبابها يملكون القدرة على الحياة والحفاظ عليها والتضحية بالحياة ذاتها، لتحقيق استراتيجية الثورة في "الخبز - الحرية - العدالة الاجتماعية".
534
| 08 نوفمبر 2011
يبدو تعبير الاغتراب داخل الوطن هو التعبير الدقيق لوصف حالة التباين بين ما يجري وبين حالة الأمل التي تجلت بشائرها في وقائع الثورة العربية المعاصرة في تونس ومصر، ولم ينجح ما تبعها من وقائع دامية أو تداع يبعث على الريبة وتمييز من جديد بين معنى الثورة ومعنى الدماء التي قد تودي باحتياج الشعب إلى التغيير وهدفه لتحقيق حياة كريمة إلى أبواب جديدة للانشطار والتجزئة والتفتيت للمكونات الاجتماعية وللأقطار العربية ذاتها، لم ينجح هذا في حصار جذوة الشباب الجديد والذي تجاوز القديم بمكوناته السلوكية ومفاهيم الهزيمة والانصياع التي يمكنها أن تكون قد استحوذت على أغلب القديم. وقد يكون تعبير اغتراب اللغة، بمعنى أنه الاعتقاد بأن نطق الكلمة يعادل التجربة، هو مرافق وباعث على الإحساس بالاغتراب داخل الوطن. ما زالت تجربة الإشراف على انتخابات نقابة المهندسين والتي تستحوذ من يومي 18 ساعة غير زمن الانتقال، أيضاً تنتقل بي بين مواقف وألوان من البشر كما لو أننا اقتطعنا شريحة رأسية داخل المجتمع وندرس فيها ما يجري في المجتمع بأثره، مازالت هذه "المهمة ـ التجربة" تطرح كل يوم تأكيدا أن الحراسة على النقابات المهنية كانت لازمة ومتوافقة ومماثلة في الأثر كما كانت الحراسة على الوطن ككل، ولم يكن الفساد وسرطنة المجتمع وانهيار الأداء والانتماء وتغيير السلوك إلى الأدنى بأمر يحدث في قطاع ولا يتم في قطاع دون الآخر، ولكنه كان منهج تعامل مع المجتمع ككل وأسلوب حكم عجز عن التواصل مع الشعب فاتخذ من الإفساد وتغليب المصالح الخاصة سبيلا لخلق طبقة معاونة وعازلة بينه وبين المجتمع. الغريب أن الفترة الانتقالية داخل نقابة المهندسين تماثل الفترة الانتقالية داخل الوطن، بذات البدايات وذات الأداءات، وهو ما يعني غياب الرؤية والقبول بأداءات لا تبني التغيير على أسس راسخة، مما يعني الاغتراب أيضاً لمن تولوا الأمر عن حقائق ومفاهيم مبرر وجودهم في إدارة الفترة الانتقالية، وكأن لعنة "البشري" بما أطلقوا عليه الصناديق تطارد كل مطلب للتغيير أينما وجد، وصار الثأر من ميراث النهب هو الثقب الأسود الذي يستنفذ القدرات والعقل والتصور، وكأن صورة التحكم أو محاولته تنتقل أيضاً إلى الشريحة المهنية، وتماثل وجود الفلول أن قبلنا بهذا اللفظ تعبيرا عن أركان النظام السابق بين قوي الشعب، كأنهم تعبيرا آخر عن قديم معاد لا يريد أن يستسلم بل يحاول استعادة سيطرته على الواقع الجديد، والغريب أن الانشطار كما نال السياسيون في المجتمع، فقد نالهم أيضا داخل النقابات وأسقطوا من ذاكرتهم علاقة جمعت بينهم وهم يخوضون معركة إنهاء الحراسة على نقابتهم وصار التمايز والانفصال هو السمة الغالبة والدافعة إلى التناحر. وتبدو الأجهزة الوظيفية داخل هذه المنشآت مماثلة لجهاز الدولة البيروقراطي، لا يرقى إلى مستوى ما يتولاه من مسؤوليات، قدرة وأداء، ولا هو بقابل لتغيير أنماط السلوك إلى الأفضل، فيصبح هو المشكلة التي تستنفذ جهد الأداء بآلياته، وعدم الوعي بضرورة تغييره بما يتوافق والمهام الملقاة علية، والتي يمثل تحقيقها الأساس لإجراء التغيير. كلما اكتشفنا أن تجاوزا قد جرى بالإهمال أو بعدم التكليف به خلال فترة الحراسة تجاه الإجراءات النمطية للعملية الانتخابية، ردد الكل سواء كانوا من الفلول أو من الشباب المتطوع للأداء، قول: لم يكن الحارس يقصد إجراء الانتخابات ولكن الدعوة إلى فتح باب الترشيح الانتخابات كانت "مناورة" لا تعني دلالة عن يقين بوجوب نقل السلطة إلى مجلس منتخب للنقابة، وصار الأداء بذات الأدوات البشرية والآليات المتاحة نوع من ترقيع ثوب ملئ بالثقوب، وهي ذات الحالة داخل الوطن بأسره. وبديلا عن مهمة ومسؤوليات إجرائية وفق القانون واللوائح فقط، صارت المهمة إبحار في بحر الرمال المتحركة، إبحارا هو في ذاته مغامرة، حددوا لها زمنا قاطعا وصموا الأذان عن احتياجاتها من وقت وترتيب وقرارات، وانغمسوا في روايات وأداء يحدث من الضجيج ويحمل من الأسماء غير ما ينجز من مهام. يصطدم الأمل بالواقع الذي يحول دون تحققه بالعجز عن وضع تصور أساسي للمهام، الأمر الذي أدى إلى تضخم المسؤولية، ودفع بالأداء إلى البحث في التفاصيل الدقيقة، بل وترميمها لعبور بحر الرمال المتحركة. هكذا ساد الاغتراب مناحي الوطن كيانا ومؤسسات، وصارت المسؤولية تتجاوز حد تحقيق أهداف لها بريقها، إلى مسؤولية أخرى تحول دون الغرق في أوهام بحر الرمال المتحركة. قد يدعي البعض أن هذه الرؤية جاءت ابنة ثقافة الشك ونظرية المؤامرة، ولكن عندما نري أن هذه الرؤية للأحداث يجري تداولها بين شباب دون الثلاثين، ندرك أننا أمام زهور تتفتح تقبل بالتحدي تدركه بالوعي والقدرة على سبر أغوار التصرفات والإجراءات وحتى الكلام الذي يحمل من الهدف الشكل وليس الموضوع والمعني، وغير أنها تقبل بالتحدي، لتحقيق الهدف بأداء أكثر واحتشاد أكبر، كما ونوعا، بينما ينغمس الجيل السابق عليهم في مجرد المهام الانتخابية دون ربطها ببناء أسس متينة تضمن تحقيق مهمة الانتخابات في صورتها الأمثل، وينقسم الجيل السابق بين ساع إلى المنصب، وبين ساع إلى إيقاف العملية الانتخابية بأحكام قضائية، رفاق الأمس فقدوا قدرة الحوار والتفاهم، فمارسوا أداء الخصومة التي أدت إلى تجميد النقابة 16 عاما خارج نطاق خدمة المهندسين أصحاب الحق الأصيل فيها، وخارج مهمتها الوطنية في كونها الاستشاري الأول للدولة في مشروعاتها المهدرة بأيد فسدت ومازالت فاسدة. الموقف داخل الوطن تجاوز الاحتكام إلى القضاء إلى الاقتتال بين القضاة والمحامين، وبلغ الأمر أن طلقات من الرصاص انطلقت بديلا لحوار العقل، وكأننا بصدد هدم المعبد علي رؤؤسنا، وكأن كل منا قد بلغت به نزواته حد إهدار قيمته الذاتية وقيمة الوطن الذي يحتاج جهدا متصلا ومترابطا، سعيا إلى انتصار لوهم تملكه أن هناك فرصة لقنص الوطن والفرصة المتاحة لإحداث التغيير، حتى التف على جثة الوطن ينهشها وينافس باقي الوحوش المفترسة ليس كما يحلوا للبعض أن يسميه اقتسام التورتة بل أقرب إلى التحول لنهش جسد ملقى في عرض الطريق كما تصور الأفلام مشهد آكلي اللحوم يرقصون حول جسد مقيد لينتهوا به طعاما لهم. أن تشهد مصر وقائع البلطجة أمر قد نقبل به، ولكن أن نجد صراعا بين جناحي العدالة وبالرصاص بديلا للكلمة فهذا دلالة غياب الوعي وعدم إدراك المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع، وأولهم القضاء الذي يتحمل مسؤولية الفصل بين الثورة والنظام السابق، ويتحمل نفر من المحامين مسؤولية التعبير عن إرادة الثورة في مواجهة محامي القتلة الذين يدعون أنهم يحاولون تحقيق العدالة. مركب يثقبونه بأعصاب باردة، وليسوا ممن أتاهم الله علما من لدنه. لم يعد هناك وقت للحديث عما يحدث في الانتخابات النيابية، ولكن من الواضح للعيان أنها السبيل لاستعادة النظام السابق لسلطته، عبر استخدام منحرف لكلمة الديمقراطية، وقعت في براثنه كافة الأطراف، وصار الجميع يضربون بمجاديفهم للإبحار عكس رياح التغيير التي دفع الشعب ثمنها دماء أبنائه. عكس هذا الثقب الأسود الذي صنعه التباطؤ والتآمر معا، وكانت آلياته نخب وأحزاب وجماعات، عكس ذلك تبرز وبهدوء شمس الحق متمثلة في ذلك اليقين الذي يجمع شبابا يملك جسارة الإصرار على صنع مستقبل جديد، يملك رؤية، يدير مهامه، يتحاور ولا يميز بينه جنس ولا دين، يحمل الهوية المصرية الخالدة ولديه قدرة التعبير عنها، بل إنه لا يحده طاغوت ولا يخاف الموت ويقبلها شهادة في سبيل وطنه. هذا الجيل يحتاج أن يجد بيئة تستطيع أن تسمع له، دون كبر ولا إحساس بالتمايز عنه، يحتاج من الجميع أن يرتقي إلى مستوى يقينه ووعيه وأمله، لأنه معهم يستطيع أن يختصر الزمن، وبدونهم سيصل إلى هدفه مهما طال به الزمن، فالأولى بنا أن نكون معه في ذات المركب لنتجاوز الطوفان، ولبناء دولة عصرية شابة قادرة أن تواجه التحديات المحيطة والتي تقترب منا كما حبل الوريد، وصارت إرادة الوطنية المصرية مطالبة بالتصالح مع النفس لتستطيع مواجهة التحديات الخارجية. واقع مرير كما الحنضل، وأمل مشرق يواجهه، ومسؤوليات ملقاة على الطريق تبحث رجالها، فهل آن لنا أن نبلغ بالثورة سن الرشد، ندركها وننجز مهامها، ونبتعد بها عن لعبة القتل والإفساد؟
853
| 01 نوفمبر 2011
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1383
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...
753
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...
654
| 23 يوليو 2026
من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...
591
| 22 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
579
| 27 يوليو 2026
وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول...
564
| 21 يوليو 2026
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...
558
| 25 يوليو 2026
ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...
507
| 23 يوليو 2026
إن المشهد المتكرر لظاهرة الكلاب الضالة التي بدأت...
453
| 22 يوليو 2026
عندما تُشيَّد الجسور بين المدن والدول، فإنها لا...
447
| 23 يوليو 2026
المشهد الفكري والاجتماعي للمجتمع الإنساني، بكل أجناسه وملله...
429
| 24 يوليو 2026
ما إن تخرج من بطن أمك- جزاها الله...
420
| 22 يوليو 2026
مساحة إعلانية