رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مونديال قطر هزم العنصرية بالقوة الناعمة

عزز بيان الفيفا ما أجمع المعلقون العرب والأوروبيون والأمريكان واليابانيون على أن النسخة القطرية لمونديال لكأس العالم بالإضافة إلى النجاح الكامل في التنظيم والتأمين وانسياب النقل وتوفير الإقامة لمليون و200 ألف ضيف قدموا مرحبا بهم من القارات الخمس فإن هذه النسخة القطرية الاستثنائية أيضا كانت حسب تحليل آلاف من الإعلاميين والدبلوماسيين والأكاديميين من كل أرجاء العالم درسا قاسيا بل ضربة قاضية للذين ما يزالون متمسكين ببقايا الفكر الاستعماري (في الحقيقة الاستخرابي) العنصري الاستعلائي وهم الذين يناصبون ديننا الإسلامي الوسطي الحنيف عداء بلا مبررات ولا حجج! نعم لقنت دولة قطر الأصيلة لهؤلاء العنصريين درسا في التاريخ والحضارة والشريعة الإسلامية لن ينسوه أبد الدهر لأن ما كشفته كأس العالم الأخيرة خلال فترة قصيرة (شهر واحد) في الداخل والخارج يعتبر أهم إنجازات المناسبة العالمية- كما أكدت وكالة (الأناضول) في تقرير لها صدر يوم 21 ديسمبر الماضي وهنا تساءل الدكتور محمد هنيد أستاذ العلوم السياسية في جامعة السربون الفرنسية قائلا على صحيفة (عربي 21) اللندنية: "هل انتهت حقا كأس العالم؟" وأجاب بنفسه عن سؤاله بقوله: "نعم لقد خُتمت المباريات وانتهت بفوز فريق الأرجنتين تتويجا باللقب لكنّ التصفيات الحقيقية بدأت للتو. لقد شكلت كأس العالم قطر 2022 منعرجا تاريخيا على أكثر من صعيد خاصة ما تعلق منه بالمواجهة الحضارية والصدام الثقافي الذي طرح على مستويات كثيرة بين الشرق والغرب" وهنا أضيف أنا بأن هذا الفكر اليميني المتطرف تعمد إنهاء المواجهة بإقرار حقيقته هو وهي أن المواجهة حسمت لصالح الغرب من خلال كتابين أساسيين هما (صدام الحضارات للمفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون) و(نهاية التاريخ للمفكر الأمريكي من أصول يابانية فوكوياما) ولنبق مع استطراد المفكر التونسي العربي الأصيل محمد هنيد حيث انتهى إلى استنتاج موثق حين قال: "غيرت الدوحة نظرة العالم إليها وإلى المنطقة العربية تغييرا حاسما وتحولت الهجمات الإعلامية ضدها إلى اعتراف بالنجاح وإقرار بالتفوق وتصريح بقدرة البلاد التنظيمية التي فاقت كل التوقعات". مثبتا في مقاله بعنوان (القوة الناعمة القطرية) بالحجج والتعليقات الغربية بأن الغرب أدرك قبل الشرق أن دولة قطر حققت بواسطة القوة الناعمة ما لم يحققه غيرها بالقوة الصلبة وتحول "البلد الصغير" إلى قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب لا في عدد الجيوش أو حاملات الطائرات أو راجمات الصواريخ بل في الفعل التنظيمي والكفاءة الدبلوماسية والحكمة السياسية والقدرات التواصلية. ومضى الزميل والصديق محمد هنيد الى تحليل سياسي وسوسيولوجي واستراتيجي لتفسير النجاح القطري الساطع بالقوة الناعمة فقال عنها إنها ببساطة مجموع الإمكانيات التي تستعملها الدول والحكومات لتفادي استعمال وسائل القوة الصلبة من الجيوش والعقوبات والحصار وغيرها لفض النزاعات أو تفعيل مبدأ السيادة أو منع الأزمات. القوة الناعمة هي المقابل للقوة الخشنة أو القوة الصلبة وهي مؤسسة على وسائل غير مادية مثل اللغة والثقافة بمفهومهما الشامل من فنون ورياضة وتعليم وتقاليد إلى جانب الدبلوماسية والوساطات والتحكيم والمعارض وتنظيم الندوات والمؤتمرات وإعلان الجوائز العالمية الثقافية (مثل جائزة دولية للترجمات) وغيرها من الأدوات الرمزية التي تحاول عبرها الدول تكوين خطوط دفاعية رمزية تؤمن سيادتها وثروتها وتخرج بها من مجال المفعول بها إلى مجال الفاعل. وأكد د. هنيد أن القوة الناعمة هي النقيض الطبيعي للحروب مثلا وهي أي الحروب واحدة من أوجه فشل أدوات القوة الناعمة في منع الاصطدام ونتائجه الكارثية. بناء عليه فإن استدعاء أدوات القوة الصلبة ممثلة أساسا في السلاح إنما ينتج عن فشل المفاوضات والوساطات والتحكيم في سبيل منع الانزلاق العسكري" ويقدم الدكتور أمثلة من التاريخ العربي الحديث ليشرح عبثية اللجوء للحروب ولا جدوى الاحتكام للمواجهات المسلحة لانتصار فريق على فريق أو دولة على دولة! فكتب مواصلا التعمق في مضمون محورنا الأهم وهو توفق قطر الى فرض قوتها الناعمة الناجعة مما جنبها مخاطر الأزمات العنيفة، بل وساهمت دولة قطر بوساطاتها الموفقة الى إحلال السلام والأمن في السودان ولبنان وفلسطين وأفغانستان. ونقرأ للدكتور هنيد عرضه للنماذج التاريخية فيقول: "صحيح أن احتلال العراق الأول مطلع التسعينات وغزوه الثاني في 2003 كان تخطيطا أمريكيا غربيا لتدمير واحدة من أهم الحواضر العربية والإسلامية لكن ذلك ما كان ممكنا دون الأخذ في الاعتبار سقوط النظام العراقي في مصيدة غزو الكويت ثم رفض العراقيين الانسحاب منه رغم كل الوساطات العربية والإسلامية والدولية. ويذكر د.هنيد بليبيا كأنموذج ثان للخراب فيقول: " في ليبيا رفض القذافي الانسحاب من السلطة إبان الثورة رغم كل الدعوات والوفود التي تحاول إقناعه بالنجاة بنفسه ومنع دمار بلاده لكنه أبى واستكبر ورفض كل الأدوات الناعمة القادرة على إنقاذه وإنقاذ عائلته وإنقاذ بلاده وهو الأمر الذي نجح فيه نظام بن علي في تونس ونظام مبارك في مصر على الأقل في منع الانزلاق إلى حمامات الدم! وينتهي د.هنيد إلى تحليل ما سماه (قطر وفجر القوة العربية الناعمة) فكتب يقول: "ليست كأس العالم في قطر إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة تطوير الدوحة لقواها الما فوق جغرافية وما بعد ديمغرافية. ما معنى ذلك؟ الجغرافيا تؤكد أن قطر دولة صغيرة جدا أما ديمغرافيا فعدد سكانها قليل أيضا وهو الأمر الذي يفسر النجاح الكبير الذي حققته الدولة مقارنة بضعف إمكانياتها الجغرافية والديمغرافية. أي أن الدولة لا تملك فضاء كافيا ترتكز عليه في الاقتصاد والفلاحة والصناعة والتجارة.. ولا تملك العدد الكافي من السكان لتحريك قطاعات الاقتصاد وخلق الثروة كما هو الحال في غيرها من الدول العربية مثل مصر أو السودان أو العراق أو الجزائر.. لكنها رغم ذلك نجحت في رفع أعظم التحديات في الإعلام والتعليم والثقافة والرياضة والدبلوماسية والخدمات والنقل هذا فضلا عما وفرته لشعبها من أفضل منوال تعليمي عربيا ومستوى معيشي ممتاز (وأنا أضيف بأن لقطر أفضل مطار دولي في العالم وأفضل شركة طيران عالميا وفازت بالدرجة الأولى بشهادة المنظمة العالمية للصحة في المرفق الصحي والطبي والتأمين وتطور العلاج) ويشرح د.هنيد أحد أسباب الإشعاع العالمي لدولة قطر فيكتب: "منذ وقت مبكر ومنذ تأسيس قناة الجزيرة العربية ثم الإنجليزية ثم الوثائقية والمباشر أدرك القطريون أنهم يملكون مكسب الوعي بأدوات القوة الناعمة البديلة كقوة للتأثير وصناعة الوعي وتحريك الرواسب وتشكيل فكر حضاري جديد وهي قوة لا محدودة التأثير ولم تكن المهمة سهلة بل كانت الطريق إلى الإلمام والتحكم بأدوات القوة الناعمة محفوفة بالمخاطر التي ظهرت في الحملات الإعلامية المسعورة التي لا تتوقف ولن تتوقف كما تظهر في سعي القريب قبل البعيد إلى إيقاف القاطرة القطرية خوفا من خروجها عن السيطرة فتكاد الدوحة تفلت من مخالب الساعين إلى إلحاقها بمزارع العجز العربية فكيف تجرؤ دولة صغيرة بهذا الحجم على منافسة أعتى الإمبراطوريات الغربية قدرة على التنظيم وحكمة في التدبير وكفاءة في إنجاح أعقد المنافسات العالمية ؟ وختم د. هنيد هذا التحليل الأكاديمي المتميز باستخلاص أهم عبرة من التحليل فقال: "سبقت قطر كل الدول العربية في تطوير أدوات القوة الناعمة منذ منتصف التسعينات لتتوج هذه المسيرة اليوم بأفضل وأنجح كأس عالم على مرّ تاريخ الكأس باعتراف الصحافة الغربية والعالمية قبل الإقليمية والعربية".

1305

| 02 يناير 2023

مونديال قطر الأفضل في التاريخ

سلطت (بي بي سي سبورت) الضوء على كل نهائيات كأس العالم في هذا القرن الحادي والعشرين والقرن العشرين وخلصت القناة البريطانية والتي قامت باستطلاع رأي أوروبي كانت نتيجته: «قطر 2022 كانت أفضل نسخة مونديالات القرنين» وشهد القرن الواحد والعشرون تنظيم البطولة في اليابان وكوريا الجنوبية في 2002، ألمانيا 2006، جنوب أفريقيا 2010، البرازيل 2014، روسيا 2018، وقطر 2022 وبلغت نسبة تصويت المشاركين لقطر 78%، يليه مونديال اليابان وكوريا بنسبة 6%، ثم مونديال البرازيل بـ5%، ومونديال روسيا 4%، ثم مونديال ألمانيا 4%، وأخيرا مونديال جنوب أفريقيا بـ3 % وفي هذا السجل كتب الإعلامي علي شيخون: «نجحت دولة قطر في تنظيم كأس العالم بصورة أبهرت الأعداء قبل الأصدقاء، وغيّرت الصورة الذهنية السلبية عن العرب والمسلمين، وأزالت بالممحاة ما دبره الحاقدون من الغرب والشرق لإفشالها كما نجحت قطر في تعريف ضيوفها بقيمها العربية والإسلامية، رغم الصورة الذهنية السلبية عنا فنجحت قطر في فرض مبادئها العربية والإسلامية بمنع المحرمات التي تضر بالإنسان، رغم صعوبة التحدي الذي يصل إلى حد الاستحالة.. ونجحت المنتخبات العربية والجماهير العربية في فرض حضور فلسطين في الحدث الرياضي، بصورة أصابت الصهاينة العنصريين بالإحباط واليأس من التواصل مع الشعوب العربية والإسلامية، ثم نجح منتخب المغرب في الوصول لنقطة بعيدة في الحدث، يعتبرها البعض حلما صعب المنال للعرب والمسلمين.. لكنه تحقق كما نجح منتخب السعودية في الفوز على الفائز بالحدث.. ونجح منتخب تونس في الفوز على وصيف البطل..ونجحت منتخبات ليس لها تاريخ في كرة القدم في إحراج كبار القوم فيها ونجحت منتخبات في تغيير النتائج من 2 - صفر أو 3 - صفر إلى تعادل أو فوز! لاعب واحد بمهاراته المتميزة جذب أنظار العالم كله، وأظنه أشهر من في الكرة الأرضية الآن، وأظنه يمثل قدوة لكثير من فتيان وشباب العالم وتبقى الصورة الأجمل، هي صورة القيم العربية والإسلامية (اللاعبون وآباؤهم وأمهاتهم) ونجح استثمار الحدث في آخر لقطاته (البشت العربي على كتفي قائد الفريق الفائز)، ليظل في ذاكرة العالم كله، أن الحدث الرياضي الأشهر في العالم قد تم على أرض عربية وبنجاح فائق ومنقطع النظير. واستمع العالم الى لغة الخطاب من صاحب السمو الأمير في الافتتاح ولغة الجسد له في الختام وطلاته بسعادة عند مشاهدته انتصارات الفرق العربية، تنبئ عن قائد واع ومدرك لما يفعل محب لأشقائه وفخور بإنجازاتهم كما انتصر التضامن العربي الواسع من الشعوب مع الفرق العربية خلال الحدث ومع فريق المغرب في صولاته وجولاته وهو ما يدعو للسعادة والاطمئنان أنه مهما كان بين الأنظمة العربية من خلافات مهما كان عمقها فلن يؤثر ذلك على علاقات الأخوة بين الشعوب. وبعد أن راحت سكرة المونديال، قضينا شهراً كاملاً سكارى وما نحن بسكارى، وليس كل المسكرات الحلال تؤخذ عن طريق الفم، فمنها ما يؤخذ عن طريق الأنف ومنها ما يؤخذ عن طريقي البصر والسمع. ويعلم من ضمّ مجلسنا، ومن غاب عنه أيضا، قصة العباءة التي ارتداها ميسي وتمريرات المضائق الرياضية، والشرر المتطاير عنها في فضائيات أوروبا، خاصة منها الألمانية، التي اجتمع فيها ضيوف أجمعوا أنَّ ميسي «إله» لا يجوز العبث به، وأنها محاولة لطمس هويته، وإخفاء قميص فريقه مع أن العباءة العربية شفافة، لا تحجب الثياب التي دونها، وأنّ الأرجنتينيين الأفاضل سعدوا بالأمر، فهم قوم ليس لهم سوابق استعمارية مثل الدول الأوروبية التي نكّلت بدول العالم الفقيرة. وقيل إن كثيراً من الأرجنتينيين اشتروا العباءة العربية، بل إن رسامين ظرفاء رسموا بطلهم بالغترة والعقال. وكلُّ الأمر أنَّ ميسي ارتدى العباءة لدقائق، ورقص بها رقصة الكأس فثارت ثائرة العالم، وظنَّ الغرب الأوروبي أن العرب يسرقون ابنهم، وظن آخرون أن ارتداء ميسي للعباءة داخل في شأن التجارة والأعمال، وربما تذكر بعضهم قصيدة مسكين الدارمي (قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسك متعبد) وأوردت الصحيفة الإلكترونية (عربي 21) تحليلا في نفس السياق بقلم أحد الزملاء من كتابها جاء فيه خاصة أن الإعلام العالمي انشغل بصورة ميسي وهو نائم يحتضن كأس العالم، وليس أمه أو أطفاله، وخبر عرضه نعله الرياضي للبيع، فبيع بثمن مقداره 119 مليون دولار! وبأخبار أخرى مثل معانقة سيدة له، وحسدوها حسداً شديداً، فمن تكون السيدة التي حظيت بعناق الرجل المبارك، إمام الكرة العالمية، وسيّد الملاعب، وقيل إنها أمه. وأتذكر أني قرأت للمفكر المصري المعروف عبد الرحمن بدوي في مذكراته، ذكراً لكتابٍ كتبه المؤرخ السويسري (يوهان هوزينجا) صاحب كتاب (اضمحلال العصور الوسطى)، اسمه «الإنسان اللاعب»، صدر سنة 1938، وهو غير مترجم للعربية للأسف، وهو كتاب سابق في فنه، يعكف على دراسة تغيير الإنسان من خلال اللعب، كما نرى انشغال أولادنا في الألعاب وتظل القاعدة هي: «ما يظهر في وسائل العالم موجود وما يخفى معدوم. وقرأت قصة جميلة للكاتب المصري الراحل فؤاد قنديل في مجلة العربي، وتفقدتها في أعماله الكاملة، فلم أجدها. يذكر الراوي في القصة أنه سعد بمظاهرة في بلده في وجه السلطة واستبشر، فاقترب منها فوجد أنّ المظاهرة هي بين جمهوري فريقين رياضيين. ويذكر كاتب أمريكي في كتابه (الشمس والظل) أن حرباً اندلعت سنة 1969 بين هندوراس والسلفادور، وهما بلدان فقيران، بسبب «مسّ الكرة الشيطاني». وأطلق المؤرخون عليها اسم حرب كرة القدم، فقد اندلعت الشرارة بينهما في تصفيات المونديال، وذهب ضحيتها أربعة آلاف ضحية. أسياد الحروب والكرة كانوا يتفرجون، بينما خسر الشعبان دماءً كثيرة! خلبوا ألبابنا، وشغلونا عن أحبابنا، ورفعوا اللعبة وشأنها رفعاً كبيراً، ويظهر أنَّ الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فقد ينقلب اللعب جدّاً.

1485

| 30 ديسمبر 2022

انعكاسات سلبية في قانون الأسرة التونسي

منذ عقود ومنذ كنت عضوا في البرلمان من 1980 إلى 1986 لم أتعب من القول بأن كل قانون هو كائن اجتماعي حي يتعدل ويتطور ويتحور حسب التحولات الطبيعية التي تطرأ على المجتمع، ومن واجب نخبة المجتمع تعديله أو تطويره أو تحويره، إنما نحن الوحيدون في تونس لا نمس القوانين حتى الصادرة عام 1919 مثل قانون تجريم توريد الذهب الذي سنته سلطات الاستعمار الفرنسي لمنع التونسيين من امتلاك الذهب وإلى اليوم يحاسب كل من يجلب كمية من الذهب إلى تونس رغم أنه سيثري بها رصيد الدولة!. (وشكرا للأستاذ المحامي الطاهر بوسمة الذي أثار هذا الموضوع) والأخطر مجلتنا الجزائية تعود الى 1913 سنها المستعمر لصيانة مصالحه وهي ضد مصالح أهل البلاد! أما في قانون الأسرة فتتسابق «نخبتنا» إلى كسب أصوات النساء (في الواقع صنف واحد من النساء) برفع شعار (مجلة الأحوال الشخصية خط أحمر ومكسب عظيم) بمن فيهم أحزاب المرجعية الإسلامية التي أمسكت ببعض خيوط السلطة ففرطت في ثوابتها وخاضت مع الخائضين قائلة (إنها خط أحمر)! وما زلت يوميا أكتشف الدرر السنية التي انفرد بها مجتمعنا والتي فرضها على الناس هذا القانون المختوم بخاتم آخر ملوك تونس محمد الأمين باشا باي رحمة الله عليه، بينما عزله بورقيبة عن عرش آبائه وأجداده بتهمة الرجعية والتخلف! وهو الموقع بيده على هذا القانون وآخر هذه الدرر أن امرأة تونسية أعلنت منذ أسبوع في فيديو على حسابها الفيسبوكي أنها تستعد للزواج برجلين اثنين! وهي حسب قانون الأحوال الشخصية التونسية على حق (حق قانوني أقصد) لأن قانوننا منع تعدد الزوجات وأغفل تماما تعدد الأزواج للمرأة! والدرة الثانية ما قرأه الناس على صفحات جريدة (الصباح) التونسية ليوم 22 فبراير 2015 حيث جاء في الجريدة عنوان هو (رجل تزوج من بنت أخته) ونقرأ في الخبر حرفيا: (تمكنت الشرطة العدلية بالسيجومي «ضواحي تونس» في يوليو 2014 من إلقاء القبض على زوجين يسكنان مسكنا في حظيرة بناء وبالتحقيق معهما تبين أن الزوج هو خال الزوجة! وأصدر حاكم التحقيق بمحكمة تونس الثانية قرارا يقضي بحفظ جميع التهم في حق المشتبه بهما (أي الزوج الخال والزوجة بنت الأخت) وذلك لعدم وجود جريمة زواج المحارم في قانوننا (المكسب البورقيبي) ومعتبرا أن ما جاء به قانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في غرة (أغسطس) 1957 ومجلة الأحوال الشخصية لم يحرما صراحة زواج المحارم! واكتفت مجلة الأحوال الشخصية التي هي (خط أحمر وما تزال كذلك عام 2022). اكتفت تنصيصا على بطلان الزواج حيث انتهى القاضي الذي تعامل مع هذه القضية إلى عدم وجود الركن الشرعي للجريمة. انتهى الخبر كما أوردته جريدة (الصباح). هنا أسأل تلك النخبة المدعية الحداثية النسوية المتطرفة: «هل نبادر بإصلاح هذه النقائص في قانون الأحوال الشخصية أم نواصل رفع عقيرتنا بالشعار المزيف (خط أحمر ولا تقربوها) جلبا لأصوات التونسيات الغافلات؟ الدرة الثالثة التي انفردنا بها دون العالمين هي أن أي شاب تونسي يتزوج من ابنة عائلة كريمة يحبها وتحبه فإذا بها عاقر بإرادة الله وحده فيضطر حسب المجلة المحروسة أن يطلقها (للضرر!) عوض أن يحتفظ بها وهي ذخر وأمانة ويتزوج من امرأة ولود فتنجب أولادا يتربون مع والدتين اثنتين (أم بيولوجية وأم عاطفية) وقد عرف جيلي وعايش حالات كثيرة من هذا التوازن الإنساني والتراحم الأسري ورأينا كيف كانت الأم العاطفية أما بأتم معنى الكلمة والأولاد إلى آخر رمق في حياتهما ينادون الأم البيولوجية بعبارة (أمي) والأم العاطفية بعبارة (أميمة) تقديرا لها ولسهرها وحدبها على أولاد زوجها! وأنا أطلب فقط ممن يتطرف في العلمانية الغربية المائعة أن يفكر في ابنته هو نفسه لعل الله قدر لها أن تكون عاقرا فأي الحلين أكثر رحمة ومروءة هل هو احتفاظ الزوج بالأولى أي ابنتك وإكرامها بأسرة وعش هادئ في الحلال أم الحل المفروض علينا بقانون جائر (لأنه جامد!) والذي يقضي برمي الزوجة البريئة في الشارع وحرمانها من الأمومة العاطفية ودفعها للدعارة لا قدر الله؟! أترك الجواب لضمائر القراء الأفاضل وضمائر تلك الأقلية المتمكنة من المنابر والصراخ الذي لقنتهم إياه ضيفتهم نوال السعداوي التي ألقت محاضرات في تونس قبل وفاتها رحمها الله!. أما الدرة الأخيرة والتي حيرتني وتحير كل من يطلب الحقيقة هي أن التيار العلماني لم يفسر لنا إلى اليوم التناقض الصارخ بين الغايات التي رمى اليها هذا القانون عام 1956 وبين واقع الحال أي النتائج الملموسة في المجتمع التونسي. فهم يقولون: «إن بورقيبة حرر المرأة وأن المرأة التونسية هي الوحيدة في العالم العربي والإسلامي التي تتمتع بحقوق لم تتمتع بها حتى السويديات والدينماركيات ولكننا بعد 66 عاما من (تحرير المرأة) نجد مع الأسف أن بلادنا تحتل المرتبة الأولى في نسبة الطلاق والمرتبة الأولى في نسبة العنوسة والمرتبة الأولى في نسبة الأمهات العازبات والمرتبة الأولى في نسبة الإجهاض غير المبرر بالإضافة إلى المراتب المتقدمة في الأمراض النفسية والتفكك الأسري وتعاطي المخدرات! وهذه الحقائق يمكن الرجوع إليها في إحصاءات رسمية نشرها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري ومصالح وزارة الصحة وبعض المنظمات المستقلة. إنني أطرح هذه المشاكل الاجتماعية العسيرة من منظور مواطن يشعر بمسؤولية إبداء رأيه راجيا مناقشتي علميا حتى يتغير هذا المنكر المتمثل في الانعكاسات السلبية في القانون وهو خلل يعالج بهيئة من الخبراء وعلماء الاجتماع والقضاة. والله من وراء القصد.

1221

| 26 ديسمبر 2022

مونديال العرب درس في الأخلاق الرياضية والحضارية

انتقد الإعلامي البريطاني (بيرس مورغان) نفاق الغرب لا سيما بريطانيا فيما يتعلق باستضافة قطر كأس العالم 2022، قائلا إنه بدلا من أن تكون الأولوية لمتابعة الرياضة، وأخبارها فإن النفاق بدأ بخطاب سلبي بريطاني حول قطر باتهام الدولة المضيفة بالأكاذيب رغم أن الأمور في الدوحة مختلفة بل لقنت قطر العالم درسا صادقا حول أخلاق الرياضة و ثقافات الأمم» ومن جهته كتب مروان المعشر في نفس سياق (مورغان) قائلا: «في طليعة هذه الدروس هذا التعبير العفوي الصادق والطبيعي لدعم فلسطين والقضية الفلسطينية و أضاف:»حدث كبير أن تصل المغرب للمربع الذهبي في سابقة لم تحصل لأي دولة عربية أو افريقية من قبل. ولم يبق عربي أو عربية واحدة إلا وامتلأ نشوة وفخرا بهذا الإنجاز الكبير. وفي الوقت نفسه رافقت هذا الانتصار دروس سياسية أتت بطريقة عفوية وعن غير قصد، لكنها عِبَرٌ تستحق التوقف عندها واستخلاص نتائج مهمة ينبغي البناء عليها للوصول إلى مستقبل أفضل للمنطقة كلها وفي طليعة هذه الدروس التعبير الصادق والعفوي دعما لفلسطين واحتجاجا على الممارسات العنصرية للاحتلال الإسرائيلي. ولم يبق صحافي إسرائيلي حاول تغطية الحدث، أو مقابلة الناس إلا وتعرض لتأنيب سلمي وصارم في الوقت نفسه، ورسائل واضحة بأن وجوده غير مرحب فيه. يحدث كل ذلك في الوقت الذي يقال لنا إن القضية الفلسطينية ما عادت تحظى بأولوية لدى الشعوب العربية، وإن أولويات الشعوب العربية عامة، والخليجية خاصة، باتت في أماكن أخرى، بل إن الاتفاقيات الإبراهيمية دليل على أن الشعوب العربية تولي الاهتمام لمصالحها الاقتصادية والأمنية وتعليها على أية اهتمامات سياسية تتعلق بالاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه. وفي جريدة القدس كتب مالك التريكي مقالا صادقا وأمينا حول أبعاد الدولة القطرية وغاياتها الأخلاقية من وراء تنظيم كأس العالم فقال: «طول الاعتياد يضعف الانتباه ويحد من القدرة على الملاحظة، ولهذا فإن الزائر قد يرى ما لا يراه صاحب البيت، كما أن السياح يلاحظون في العادة أشياء، وتلفت أنظارهم تفاصيل لا يكاد يشعر بها أبناء البلاد وكما أن من مزايا مونديال 2022 أنه أيقظ العالم بأسره على حقيقة أن العرب أمة واحدة وأن فلسطين في قلبها، وكما أنه أفهم الأعداء أن المحبة لا تشترى (ولو بتوقيع المعاهدات مع الحكومات)، فإن من مزاياه أيضا أنه فتح عيون البشرية على خصال أخلاقية متأصلة في معظم بلادنا العربية، إلا أننا لا نكاد نشعر بها لأنها من عاداتنا أو طباعنا الاجتماعية، بينما هي تثير انتباه الزائر الأجنبي، فما إن يلاحظها أو يشيد بها، حتى ننتبه إليها ونبصرها بعيون جديدة. ومن أمثلة ذلك ما تناقلته وسائل الإعلام العالمية عن الأمان التام الذي شعرت به النساء الأجنبيات، الأوروبيات والأمريكيات إلخ، في أثناء إقامتهن في قطر لحضور مباريات المونديال. حيث قالت كثير منهن إنهن لم يتعرضن لأي مضايقة من أي نوع، ولا حتى إلى أي من العبارات المسيئة أو البذيئة التي تعودن سماعها في شوارع بلدانهن، والتي كثيرا ما يطلقها الرجال (خصوصا الشباب) في سياق ما يسمى شعبيا بالمعاكسة، وهي لا تخلو من صفير ونهيق ونعيق. وقالت هؤلاء الأجنبيات؛ إنهن فوجئن مفاجأة سارة بما لقينه من الاحترام وحسن المعاملة. والتعليل عندهن أن البلد ذو ثقافة اجتماعية محافظة. أما السبب الأهم في رأيهن، فهو شدة القيود المفروضة على تناول الكحول. إذ المعروف أن كثيرا من حالات المعاكسة والمضايقة والتحرش الجنسي تقع عندما يكون الرجال مخمورين، بل ومعظم الجرائم. وفي مجال تعميم الحرية الجنسية (إلى حد الاعتراف بكل الممارسات والنزوات ورفعها إلى مقام الهويات السياسية، مثلما تدل على ذلك سطوة إيديولوجيا «الجيبيتي» التي يريد الغرب الآن فرضها على بقية العالم، بزعم أنها من حقوق الإنسان)، ما هو إلا تقدم ظاهري لا جوهري. المثال الثاني الذي أبرزه المونديال، عن العادة أو الخصلة الثقافية التي نعيشها يوميا دون أن ننتبه إليها حتى يلاحظها الأجنبي، هو ما ذكرته جريدة «التايمز» البريطانية في مقالين مختلفين عن شدة محبة لاعبي المنتخب المغربي لأمهاتهم. رأينا مشهد احتضان اللاعبين المغاربة، مثل أشرف حكيمي وسفيان بوفال، وحتى المدرب وليد ركراكي، لأمهاتهم وتقبيل رؤوسهن (ولعل بوفال قد فاق الجميع بتلك المراقصة الجميلة لوالدته على عشب الملعب). رأينا المشهد مرارا بعد كل فوز مغربي، وكان ذلك من المشاهد المتنوعة لفرحتنا العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج، لكن لا أذكر أن أي أحد من عائلتي أو أقربائي أو أصدقائي العرب رأى فيه شيئا غير متوقع أو مثيرا للتعليق. أليس حب الأم من طبائع الأشياء؟ وهل ثمة ما هو أجمل من أن يحضن المرء أمه فيقبل رأسها؟ وهل ثمة من هو أولى من الأم بأن تقاسم ابنها فرحته؟ أو ليست الأم في ديننا هي الأولى ثلاثا: أمك، أمك، أمك ثم أبوك؟ أمور تبدو لنا عادية أو بديهية لكن «التايمز» لم ترها بعيون الاعتياد؛ أولا لأنها استبانت أنه رغم أن محبة الأمهات ظاهرة إنسانية عامة، فإن الظاهرة درجات؛ أي إنها لا تتساوى فيها بالضرورة جميع الثقافات. وثانيا لأنها قارنتها بظاهرة بريطانية، وغربية عموما، فلاحظت أن محبة اللاعبين المغاربة لأمهاتهم، قد منحت المشاهدين الغربيين مشهدا محييا منعشا لأنه مغاير تماما لما اعتادوه من هوس اللاعبين الإنكليز بالزوجات والصديقات (أي ظاهرة « الـ wags» الشهيرة، حسب التسمية الاختصارية فشاعت في الكلام الشعبي وما يصحب ذلك من توافه القيل والقال والحكايا والقضايا (حيث وصلت الخصومة بين اثنتين منهن أخيرا إلى المحاكم في مسلسل طويل، لم يكن الإعلام يمل من إتحاف الجمهور بحلقاته السمجة). وكما أن مونديال 2022 قد كان مونديال فلسطين والعروبة سياسيا، ومونديال احترام المرأة والبر بالأمهات ثقافيا، فإنه كان مونديال المغرب الذي أشرق على العالم إشراق الشمس رياضيا وشعبيا. وأجادت «نيويورك تايمز» عندما كتبت أنه بصرف النظر عمن رفع الكأس يوم الأحد، فإن «هذا سيبقى مونديال المغرب على الدوام »: المونديال الذي كرس ريادة المغرب «فاتحا للدروب ومحطما للأرقام ورافعا منارة عالية لا يخبو نورها».

2016

| 23 ديسمبر 2022

قطر في عيون العالم

يعتبر الأستاذ فرنسوا بورغا من أكثر الأكاديميين جدية وأمانة وهو الزميل الفرنسي المتخصص في العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب المسيحي وصاحب ال 30 كتابا متميزا في تلك العلاقات التاريخية المعقدة منذ الحروب الصليبية الى اليوم حيث رصد (بورغا) ظاهرة ما سماه إرادة طغيان الثقافة الغربية على غيرها من الثقافات ثم التحول الخطير من الاستعلاء والاستكبار إلى فرض شبه حرب حضارية على الفكر الإسلامي وتراثه القيم وانتقل الانحراف من الفكر الى السياسة فصعدت الى مواقع الحكم والنفوذ وتدحرجت كثير من الحكومات الأوروبية من اليمين الوطني المعتدل إلى ضرب من ضروب الفاشية الصريحة كما في ايطاليا حيث أصبح المواطن الإيطالي لا يستنكف من تكاثر صور (الدوتشي موسوليني) على الجدران كأنما العودة بالحنين الى عهد الفاشية العنصرية أصبح غذاء ثقاقيا لأمم بدأ مجدها في الأفول أمام تصاعد سلمي وحضاري لحركات الإسلام المتسامح المعتدل. هذا هو (فرنسوا بورغا) الذي كان ضيف حوار رفيع مع قناة الزيتونة التونسية وأدار الحوار الإعلامي الكفؤ الحسين بن عمر وكان سؤاله الأول عن رأي الأستاذ (بورغا) في مونديال 2022 بدولة قطر وجاء الجواب بتلقائية وتعمق معا فقال الأستاذ: " أعظم فضل حققته دولة قطر على العدالة الحضارية هو فرض احترام قيم الاسلام الحنيف وتعديل الميزان المختل بين غرب عنصري يريد ترويج ثقافته على أنها ثقافة كونية وعلى مليار ونصف من المسلمين اتباع نهجها وتبني أطروحاتها الدخيلة عليهم كأن الغرب الاستعماري والعنصري قدر الدول الإسلامية فجاء مونديال قطر بروح جديدة فاجأت الفكر العنصري المتطرف لتفرض دولة قطر العربية المسلمة الخليجية رؤيتها للتحالف الإنساني الصادق المتوازن والذي يؤمن بأن العالم في المستقبل أفضل بتعدد الأقطاب الثقافية والجيواستراتيجية فتمسكت قطر بإشراف مباشر من حضرة صاحب السمو أميرها بثوابت دينها ولغتها وقيمها دون أي نكران للحضارات الأخرى المحترمة في العالم وحرصت قطر على إبلاغ صوت الحق للجميع رافضة تحديا مجانيا لقواعد المونديال المعروفة برفع شعارات لا أخلاقية بكل تجلياتها الرخيصة من رموز ورايات وممارسات مرفوضة عند قطر وسائر مجتمعات الفلك الإسلامي وهكذا رجعت طائرة ألمانية من حيث أتت بكل ركابها وصورها المنحرفة واستحقت بعض الفرق الغربية المتطاولة ببلاهة على أخلاقنا صفعات عديدة ومنصفة! هكذا وبتلك الروح القوية بالحق تقلص الباطل كما قال الأستاذ (بورغا) وكان لمونديال قطر هذه السنة إشعاع عالمي رفع من مكانة قطر. كانت تلك التحية الأمينة الصادقة التي وجهها رجل من العلماء الغربيين تشبع بثقافة الاختلاف والاحترام المتبادل وعدم غمط تاريخ وأمجاد الإسلام وتراثه وبالتالي مصالحه الحيوية. ومع الأسف كانت بعض ردود أفعال اللوبيات اليمينية المتعصبة غير وجيهة ومشحونة بالحقد التاريخي فنشرت إحدى صحفهم رسوما تستعيد تاريخ صقر قريش عندما تمكن من هزيمة الأسبان والبرتغال ثم دخل فرنسا وتم إيقاف مسيرته المظفرة (حسب رواياتهم المحرفة للتاريخ) في مدينة (بواتيي) في قلب بلاد الغولوا" التي تسمى اليوم فرنسا! ومن جهته كتب أحد الكتاب مقالا في نفس الوعي قال فيه بالخصوص: "يبدو كأس العالم هذه المرة حدثا كونيا واسعا وتحظى وقائعه بحيوية عالية، لربما لأنه يحدث في بلاد العرب ما يجعله أكثر قدرة على خلق حراك واسع ويشد الجماهير بقوة أكبر، ذلك أن طبيعة الإنسان أن يكون مشدودا للحدث طالما كان قريبا له. لهذا يغدو القول إنه مونديال العرب توصيفا دقيقا وليس مجرد دعاية سياسية كما قد يظن البعض حيث تمكنت قطر أن تنظِّم مونديالا يتجاوز كل التوقعات الغربية، ولهذا وجد البعض أنفسهم غير مستعدين للاعتراف بنجاحها القياسي، وحين عجزوا عن التقاط مثالب لها تخفض من درجة نجاحها ذهبوا لخلق وقائع جانبية بهدف صناعة تشويش مواز للمونديال. هذا دليل بؤس وليس فيه أي ذكاء باعتقادي أن الجماهير الغربية في حالة ذهول وإعجاب كبير بالواقع الذي رأوه في قطر، والجو العام المرافق للمونديال، وسوف يتكشف ذلك خلال ما تبقى من زمن المونديال وما بعده، ستخرج أصوات كثيرة تكشف انطباعاتهم الجوهرية عن هذه النسخة المميزة من كأس العالم. انتصرت قطر سياسيا وإداريا بنجاحها في كسر كل التوقعات السلبية حول قدرتها على تنظيم المونديال، وانتصرت قوميا بتمكنها من استضافة أول نسخة منه على أرض عربية وإذكائها للوجدان العربي وتأكيد جدارته بأن يكون قبلة للعالم، وانتصرت أخلاقيا وقيميا بتمسكها الصارم بمعاييرها الأخلاقية وبلياقة جديرة بالإعجاب".

1686

| 19 ديسمبر 2022

النصر الأكبر

أمام النصر الأكبر لا يسعنا إلا أن نقول «الله أكبر» وأن نفي حق حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي وعد أمام مجلس الشورى منذ شهرين بأن مونديال 2022 في قطر سيكون استثنائيا وغير مسبوق وسيثبت للعالم أجمع أننا قادرون على رفع كل التحديات وكسب كل الرهانات بما أنجزناه خلال 12 سنة منذ أعلن عن فوزنا بتنظيم كأس العالم وهي التظاهرة الحدث التي تشرئب لها أعناق مليارات البشر من القارات الخمسة. وها هي إنجازاتنا تنطق باسمنا من بنية تحتية راقية جعلت عاصمتنا الدوحة من أحدث مدن العالم مدينة منسابة الطرقات ذكية المرور ثم أنشأت الدولة الملاعب على أروع الأمثلة المعمارية فالتحية لصاحب هذا الوعد لأنه أوفي بوعده واعترف ملايين الحاضرين ومليارات المتابعين في كل أرجاء المعمورة بأنهم عاشوا حدثا يعتبر موعد قطر مع التاريخ وأن الدوحة خلال أيام وليالي الكأس وفرت وسائل النقل السريع وأهمهما المترو العصري بمحطاته الرائعة التي تنافس أعرق متروهات العالم إتقانا وتيسيرا للتحرك من أية نقطة على خارطة الدوحة إلى أية نقطة ومن أي ملعب الى وسط المدينة بفنادقها ومتاحفها وساحاتها الشعبية مثل كتارا وسوق واقف ومدينة الوسيل حيث يعبر الجمهور عن أفراحه ويلتقي الصيني بالمكسيكي والياباني بالمغاربي في جو احتفالي إنساني والافريقي بالهندي. وهذا هو في حد ذاته مكسب ثمين من مكاسب المونديال يؤكد ما سعت اليه دولة قطر بتوجيهات صاحب السمو أميرها من تحالف الحضارات ونبذ التطرف والعنصرية فكان الرابح الأكبر هو دعم السلام والأمن في العلاقات الدولية وضمان مصير أفضل للبشرية دون حروب مخربة مبنية على أغراض قديمة ودون صراعات أيديولوجية فرقت البشر وعززت الحدود بالأسلاك الشائكة وأقامت جدران العار الفاصلة بين الشعوب بل بين العائلات كما فعلت دولة إسرائيل في مناطق الاحتلال ورغم إدانة هذا العمل الخارج عن القانون الدولي من قبل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لأنه تهديد لشعب محتلة أرضه وللسلام كله في منطقة الشرق الأوسط وهكذا جاءت هذه الدورة القطرية لتجمع ما تفرق وتؤلف ما تشتت وتلملم ما تمزق وفي هذا تنفيذ لعقيدة إسلامية تؤمن بها قطر وافتتحت حفل الانطلاق بالآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ وهي ما ذكر به العالم ذلك الشاب القطري الذي أثر على سامعيه على المباشر كرسالة توجز سماحة الإسلام وايمان المسلمين بأن البشرية بشعوبها وقبائلها وبجنسيها الذكر والأنثى هي أمة خاطبها الله سبحانه بقوله (يا أيها الناس) أي خاطب جميع الملل والنحل وتوجه للناس جميعا بخطاب المحبة الإنسانية قاطبة وهذا هو المعنى الذي سيظل عالقا بالذكريات لدى الملايين التي عاشت الكأس وتفاعلت مع إخوة لها في الإنسانية وهو ما قصدته دولة قطر وما أوجزه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد - حفظه الله- بقوله إن مونديال العالم في نسخته القطرية سيكون استثنائيا وسيعزز قيم الإسلام والعروبة من خلال جميع تظاهراته حيث تحترم هويتنا ولا ننخرط في مهاترات لا فائدة منها. وفعلا هكذا كانت الدورة فتحولت بفضل من الله الى مناسبة لاشهاد الناس على حضارتنا ومبادئنا وتقاليدنا فأصبح الجمهور قطريا باللباس والغترة والعقال والإرث الثقافي الثري الذي أبرزته الكأس وعرفت به. ولا يفوتنا أن نشير باختصار الى أن لوبيات الافتراء والأكاذيب لم تخرس الى اخر يوم فظلت بعض غربانهم تنعق ولا تجد لها سامعا وتخيل هوسها المريض بعض الأراجيف التي حملت تكذيبها في ذاتها وتواصل قطر مظفرة رافعة راية العروبة والإسلام في عالم متعدد المحاور متنوع الثقافات خال من البغضاء والأحقاد ولعل هذا أرفع مكاسب المونديال حيث ساهم في تعزيز تلك الروح وبلورة تاريخ أنصع وأنقى وأبقى للإنسانية. فعلا هو النصر الأكبر ورفع التحدي الأصعب، فجزا الله حضرة أمير البلاد خير الجزاء على رسالة قطر العالمية وهي رسالة ريادة وصنع الأمجاد وإلى مواعيد قادمة بنفس العزائم ونفس القيم ! ما سيبقى في ذهني هو أن مونديال قطر كرس وعزز مفهوم الأسرة المسلمة المتماسكة حين ظهر المغاربة يقبلون بكل حب وبر جبين أمهاتهم وهو أروع رد على من حاولوا التبشير بالمثلية وتفكيك الأسرة كأنها مساواة كونية جديدة.

867

| 16 ديسمبر 2022

لماذا تقدموا وتأخرنا

نفس السؤال طرحه المصلحون العرب منذ 170 عاما وما نزال نطرحه الى اليوم 2022 حتى نجد جوابا شافيا لهذه الحيرة ذات الأبعاد الحضارية لأن التخلف ليس قدرا بل مسألة إرادة وعي وإرادة فلنحلل معا أسباب طرحنا المستمر لنفس السؤال.. من تداعيات زلزال الحادي عشر من سبتمبر الماضي على الفكر العربي أننا بدأنا نرى ونسمع في وسائل إعلامنا القليلة المتمتعة بسقف مرتفع نسبيا من طلاقة التفكير أصواتا وأصداء جريئة تضع واقعنا موضع النظر والتحليل وتقترح العلاج المفيد والاستعجالي للتردي الراهن. ولعل من رحمة الله بنا أن وهبنا محنة تاريخية تهز أركان القديم البالي من الأفكار المعلبة الجاهزة وتعيد ترتيب الأولويات العربية قبل فوات الأوان. وزادت الأحداث العالمية على محنتنا العربية فأضافت الأمثال التي يضربها التاريخ المعاصر لنا عسانا نعتبر، مثل ما جاءنا من الاتحاد الأوروبي وهو يدخل بثلاثمائة مليون مواطن أوروبي عصر العملة الموحدة ( اليورو) بشجاعة وحماسة وتخطيط، رغم ان هذه الشعوب تتكلم 12 لغة وطنية ورغم ان هذه الشعوب تتكلم 12 لغة وطنية ولها 12 عملة نقدية وتعتنق مذاهب وأديانا شتى وتاريخها مشحون بالبغضاء من جراء ثلاث حروب أوروبية عالمية في ظرف قرن واحد: 1870 ـ 1914 ـ 1945. ولم يكن ذلك ممكنا لولا تمسك الشعوب الأوروبية على مدى خمسين عاما بنعمة العقل ونعمة الديمقراطية. وهاتان النعمتان هما اللتان أتاحتا دول المؤسسات الراسخة والتداول السلمي على السلطة والتنازل عن مظاهر السيادة الوطنية لصالح السيادة الإقليمية الموحدة وقبول الاختلاف في الرأي كأمر عادي بل ضروري للنهضة بالمجتمعات من خلال وسائل التعبير الشرعية التي يرعاها قانون عادل وغير مسيس. هكذا توحدت أوروبا وتفرقنا نحن، ولنذكر بداية الستينيات حين كانت ثلاثة شعوب أوروبية هي أسبانيا والبرتغال واليونان ترزح تحت نير دكتاتوريات حيث كان الجنرال فرانكو يحكم أسبانيا بيد من حديد وكان الجنرال سالازار يحكم البرتغال خارج اطار المؤسسات الدستورية وكان العقداء (الكولونالات) يسيطرون على السلطة في اليونان بعد الاطاحة بالملك. واجتمعت أوروبا كلها في خطة سياسية وإعلامية وثقافية لتخليص هذه الشعوب الثلاثة من وصمة الدكتاتورية، فاعتلى الملك خوان كارلوس عرش أسبانيا وأدخل بلاده إلى خريطة الديمقراطية وقامت ثورة برتغالية مباركة على الدكتاتور سالازار وجاءت بالاشتراكي الديمقراطي ماريو سواريس إلى الحكم كما وقع أول انقلاب مدني على العسكر اليونانيين لتحل محلهم جمهورية ديمقراطية. وبدأت أوروبا تلحق هذه الدول الثلاث بمنظومة الاقتصاد الحر والسوق الأوروبية المشتركة وهبت ريح الحريات على كل أوروبا إلى درجة التأثير القوي والنافع على دول أوروبا الشرقية التي كانت تحت تأثير الاتحاد السوفييتي، فأصابتها عدوى الحريات وتحررت وانفتح لها باب الاتحاد الأوروبي الذي سيتحول من خمسة عشر عضوا إلى سبعة وعشرين خلال السنوات القادمة، تضم 600 مليون مواطن وتطمح إلى أن يكون اتحادها ـ أي الاتحاد الأوروبي ـ أقوى دولة على وجه الأرض اقتصاديا وثقافيا.. وربما سياسيا وعسكريا في حالة تدهور حالة الحضارة الأمريكية وانحسار هذه الدولة العظمى " الواحدة " إلى حدودها التاريخية القديمة قبل انفرادها بالعظمة. وعلى ضوء هذه العبر التي قال عنها الإمام علي كرم الله وجهه: ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار ـ على ضوئها الساطع لابد أن نفكر ونستعمل البصيرة إلى جانب البصر. كما فعلت أوروبا حيث أجمعت ـ بالانتخاب ـ على اختيار الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جسكار دستان رئيسا لفريق من المفكرين والمخططين والساسة الأوروبيين بقصد إعداد مشروع دستور أوروبي موحد ومؤسسات دستورية أوروبية موحدة حتى يقطع الاتحاد خط الرجعة إلى الوراء.. وينطلق نحو صناعة التاريخ. فهل كتب علينا نحن العرب ان نظل خارج منطق التاريخ خائفين مترددين أمام موجات التغيير القادمة، نُصر على أن نحرس بوابات قلاعنا القديمة المتهالكة خوف الهواء النقي. وهل نحن أيتام حضارة أو لقطاء تاريخ حتى تهملنا الحضارة ويجافينا التاريخ.. لا بل علينا ان نعيد قراءة تراثنا المجيد بعيون أخرى حسب فقه الأولويات والمقاصد فنلغي من برامجنا التربوية وأدبياتنا مظاهر التكفير والعنف والغاء الآخر لندرس روائع الفكر العربي الإسلامي المتحرر بفضيلة العقل.. أي نعوض التكفير بالتفكير. وكم عانينا من خزي التكفير الديني والسياسي فأعلن البعض ان البعض الآخر خارج من الملَة أو مارق عن الدين أو صائد في الماء العكر أو في قلبه مرض أو تحركه أياد خفية.. إلى آخر هذه المصطلحات التي كانت أدوات قمع وإلغاء وسجن ونفي ومشانق. وبالطبع في ظل بعض مظاهر القمع الرسمي ولدت حركات العنف الديني والسياسي حين أوصدت أبواب التعبير السلمي عن رأي مخالف أو نصيحة صادقة أو إسهام شريف في اطار المواطنة.. وفتح الغرب أبوابه للمنفيين ومنهم المصلح والمسيء ومنهم المعتدل والمتطرف ومنهم المهتدي والضال، حتى ضج الغرب بإيواء تناقضاتنا العربية وصراعاتنا الداخلية وكوارثنا العقائدية عوض أن نقوم بمواجهتها وحلها داخليا وفي منظومة شفافة من الديمقراطية والشورى ودولة القانون. أما إذا ما ضللنا الطريق وركبنا موجة المنطق العولمي الجائر المنادي جهرا بالتخلي عن الهوية الإسلامية واعتبار الحركات المقاومة للاستعمار والاحتلال حركات إرهابية فإننا سنأتي جرما حضاريا كبيرا. يجب ان نختلف اختلافا جوهريا عن الرؤية الغربية العنصرية التي تعتبر مقتل الوزير الإسرائيلي زائيفي جريمة إرهابية ومقتل الزعيم الفلسطيني أبو علي مصطفى عملا مشروعا لمقاومة الإرهاب، أو التي تعتبر الهجوم على البرجين عملا إرهابيا ـ وهو كذلك بلا شك ـ وقتل 650 ضحية في قلعة خانجي بأفغانستان عملا بطوليا طبيعيا لمقاومة الارهاب ـ وهو ليس كذلك على الاطلاق ـ وبالموازاة مع التعلق بأصول الهوية، علينا الانفتاح على العصر بثقة في النفس وفي القيم وبشجاعة على إعادة النظر في منطلقات ثقافتنا وإعلامنا وغايات مجتمعاتنا وجذور حضارتنا حتى يعود لحضارتنا إشراقها وتوهجها وإسهامها الحي في الحضارة الإنسانية كما كانت في عصورها الذهبية.

864

| 12 ديسمبر 2022

العواطف المشبوبة لخدمة القضية

منذ 67 عاما يتذكر الفلسطينيون كبار السن تلك العاصفة التي أثارها خطاب الزعيم الحبيب بورقيبة الذي ألقاه في أريحا عندما كانت الظروف مختلفة تماما عن ظروف اليوم ولم تندلع بين العرب وإسرائيل أية حرب جديدة منذ حرب 1948 لقد عشت توابع ذلك الزلزال حين ألقى الرئيس التونسي خطابه الشهير في مخيم أريحا وكان يقوم بجولة في تسع من دول المنطقة شرع يخطط له منذ شهر ديسمبر 1964 على إثر مقابلته مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر وأتذكر أن بورقيبة قال لنا في لقاء بالصحفيين وكنت مبتدئا مبكرا في الصحافة بعد سنوات من الحدث إن ما طمأنه وشجعه على الإصداع برأيه هو ما سمعه من عبد الناصر من موافقة بل وتحفيز ثم بدأ رحلته المشرقية من 18 فبراير إلى 15 مارس 1965 وحلل برؤية المناضل العربي المجرب المعوقات والأخطاء العربية التي أدت بالفلسطينيين إلى تلك الحالة من الاحتلال والتشرد واقترح أن يأخذ أبناء الشعب الفلسطيني مصيرهم بأيديهم وأن لا تغرهم الشعارات الحماسية حتى يخططوا للنصر بالعقل والحكمة والاستعداد دون التفريط في الأصل وقال في ذلك الخطاب: حذار من أن تكون فلسطين هي الأندلس الثانية. وللتاريخ فإن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة كان أول من فهم وفكك اللعبة السياسية والإستراتيجية العالمية قبل غيره فيما يتعلق بالملف الفلسطيني حين ألقى خطابه الشهير بمخيم أريحا في 11 مارس من عام 1965 وعرض خلاله الحل الذي يوازن بين الحق والواقع أي بين الحفاظ على الوطن بالكفاح المسلح والدبلوماسية بالتمسك بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار التقسيم 29 نوفمبر 1947 وبذلك مثلما قال بورقيبة نضع إسرائيل خارج الشرعية. والذي حدث مع الأسف بعد ذلك هو شتم بورقيبة واتهامه بالتهم العربية الجاهزة. واليوم بعد زمن معقد وطويل من خطاب أريحا نجد بعض العرب في غفلة من الحقائق الجديدة والتحولات الراهنة في العالم، لا يزالون لا يفرقون بين الحق والواقع، ويطالبون بالمستحيل عوض المطالبة بالممكن الآن وتأجيل ما هو غير ممكن للغد أو لما بعد الغد دون التفريط في الحق، لأن السياسة هي في النهاية فن الممكن، والتفاوض مع العقبات والمناورة المشروعة من أجل إحباط مخططات الخصم والعدو. ولعل الاحتقان المؤقت الذي يعرقل الشعب الفلسطيني بعد تباطؤ المصالحة بين الإخوة في الضفة والقطاع هو احتقان سببه الأول عدم التفريق بين الغاية الأساسية الإستراتيجية والوسيلة الملائمة لبلوغها وهي المسماة بالتكتيك أي التخطيط السياسي الذكي مرحلة مرحلة وخطوة خطوة. فالمجاهدون في الجهاد وحماس لهم نفس الغاية التي يسعى إليها محمود عباس بالضبط إستراتيجياً لكن الاختلاف وحتى الخلاف هو في التكتيك أي المرحلية والعقلانية واستعمال العقل والبصيرة. في أعقاب عودة الحرارة لمبدأ المصالحة الفلسطينية باجتماع المناضلين من فتح وحماس وجميع الفصائل وبداية تشكل وحدة حقيقية حول الأهداف المشتركة نشأت في العالم العربي ولدى الرأي العام العربي حقيقة جديدة مخيفة وهي أنه بتراكم المصائب بعد إجهاض الربيع العربي واستفحال ظاهرة داعش وخطورة الوضع السوري وحروب الفصائل في ليبيا وتعقد الوضع في العراق ومخاطر انقسام اليمن وعدم الاستقرار في أغلب الشرق الأوسط فإن منزلة القضية الجوهرية للعرب أي فلسطين بدأت تتراجع بل ولا تحتل الصدارة لدى الدول العربية نفسها فما بالك بالدول الأخرى وأعداء العرب وهو ما مكن نتنياهو من ابتزاز الولايات المتحدة والتلاعب على وتر انقسام القرار الأمريكي بين البيت الأبيض والكونجرس في زيارته الأخيرة التي دعا فيها للحرب على إيران وزعزعة ما تبقى من أمل في العالم العربي والإسلامي كما أن جامعة الدول العربية مغيبة وشرعت إسرائيل الظالمة تراجع مواقفها وتتموقع دوليا على ضوء هذا التشرذم العربي وقد كتب عدد من المراقبين مقالات وأبدوا آراء وأعلنوا مواقف كان أغلبها يدور حول هذه المحاور الثلاث المتداولة في القضية الفلسطينية وهي الحق والحلم والممكن، مهما اختلفت الرؤى والتحليلات، ومن هؤلاء إسرائيليون مثل كاتب سيرة الرئيس الراحل ياسر عرفات (أمنون كابليوك) والشريك في مؤتمر جنيف/ يوسي بيلين، وهما من بين المثقفين اليهود الأكثر تفهما للقضية الفلسطينية والأشد دفاعا عن الحق الفلسطيني إزاء الغطرسة الإسرائيلية. وأعتقد صادقا مع نفسي بأن الرموز الثلاثة المذكورة أي الحق والحلم والممكن هي التي علينا جميعا نحن العرب تحليلها والنقاش حولها ومن ثم تحديد أولويات الخروج من عنق الزجاجة الذي حوصرنا فيه منذ عهد النكبة 1947 تاريخ إنشاء دولة إسرائيل وما أعقبها من كوارث. فالحق الفلسطيني هو اليوم في منظور المنظومة الدولية الحق المعترف به في نطاق القانون الدولي المنبثق عن قرارات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والذي بالطبع يهضم حقوقا للشعب الفلسطيني، وجاء جيلان جديدان ما بعد النكبة، ليكتشفا على الميدان في الشرق الأوسط، واقعا جديدا مختلفا فرض فيه العالم كله على العرب دولة طارئة هي إسرائيل، أقول العالم كله لا الولايات المتحدة فقط، لأن الاعتراف الدولي بإسرائيل منذ 1947 جاء من موسكو ومن أنقرة ومن باريس ومن نيودلهي قبل أن يأتي من واشنطن، ولأن أغلب الدول الكبرى الفاعلة في الشرق الأوسط كانت تضمر عكس ما تعلن. وفي هذا المناخ العربي المهدد بالانفجارات المختلفة نحيي اليوم ذكرى خطاب بورقيبة في أريحا وهو الخطاب الذي لو استمع إليه العرب لما خاضوا حروب 67 و73 ولما اضطر الفلسطينيون أن يكتفوا اليوم بحدود 1992 بعد أن كانوا يطالبون بحقوقهم المشروعة بحدود 1947 و1967. فإن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة كان أول من نبه العرب من غفلة التاريخ وأذكر للتاريخ أن الزعيم بورقيبة قال لنا وكنت من بين العاملين معه في الثمانينيات: "لقد خدعني الزعيم عبد الناصر غفر الله له حين عرضت عليه أفكاري قبل خطاب أريحا فقال لي آنذاك: "إنه الحق إنما قله أنت" ممكن لأنني رئيس دولة متشابكة مع إسرائيل". وأضاف بورقيبة بمرارة: لقد ضيع العرب فرصة تاريخية أخرى. رحم الله الجميع وغفر لهم بعد أكثر من 67 عاما ولكن ليعتبر العرب ويا رب رحمتك وعفوك للعرب في هذا الإعصار القادم.

1407

| 10 ديسمبر 2022

خيط رفيع بين تحرير المرأة وتفكيك الأسرة

لماذا لا نزال ندفن رؤوسنا في رمال التغريب، ونجتث جذورنا الحضارية حتى يمنحنا المستعمرون القدامى شهادة (حداثة)؟ فالحداثة الأصيلة هي أفضل من الحداثة الدخيلة ولم تتقدم شعوب الأرض إلا بالحداثة الأصيلة، أي استعمال لغتها الأم واعتماد موروثها الثقافي والقانوني والتربوي وهويتها الدينية.. مؤشرات عديدة تؤكد أن المجتمعات العربية والمسلمة بدأت تعترف بمعضلة مسكوت عنها منذ استقلال دولنا وهي مخاطر التفكك الأسري وتشرفت بأن كنت من بين القلائل الذين أشاروا منذ أمد بعيد إلى ضرورة تعديل القوانين المنظمة للأحوال الشخصية عندما كنت برلمانيا وكنت أواجه بتهمة الدعوة لتعدد الزوجات! ويعلم الله أني لم أفكر في هذه الدعوة، بل كان ولا يزال همي متمحورا حول المآسي الاجتماعية الناتجة عما أسميه التفكك الأسري وتقليص سلطة الأب كرئيس للعائلة واستحالة الطلاق بسبب تعقيدات تدعي تحرير المرأة! بينما المرأة المسلمة تمتعت بحقوق قلما تضاهيها نساء الحضارات الأخرى منذ نزول الرسالة المحمدية ثم إن بعض المجتمعات العربية وظفت هذا الموضوع من قبل نخب سياسية بقصد كسب أصوات النساء متناسين ما ينجر عن هذه الأخطاء من تشتت الأطفال وضياع الحقوق وتكون المرأة دائما هي الضحية، بينما كانت غاية قانون مجلة الأحوال الشخصية التونسية مثلا حماية الأسرة كلبنة أولى لتأسيس المجتمع وصيانة حقوق المرأة والرجل وضمان نشأة الأطفال في أحضان أب وأم جعل الله بينهما مودة ورحمة! ثم بدأ المجتمع يستفيق من غفوة طويلة فسمعنا رئيس محكمة التعقيب في افتتاح السنة القضائية يؤكد أن المحاكم أصبحت عاجزة عن متابعة القضايا لقلة عدد القضاة وكثرة الملفات المطروحة عليها (17000 قضية طلاق سنويا) ونحن ندرك بالإحصائيات أن أكبر عدد ضخم من القضايا الأسرية هي قضايا الطلاق والنفقة، وأن معدل استمرار هذه القضايا أمام المحاكم هو ثلاث سنوات حتى لو كانت إنشاء بطلب أحد الزوجين. سعدت ببرنامج تلفزيوني على قناة تونسية منذ سنوات قليلة تناول المعضلة بجدية وعلم ووعي تكلم فيه كل من الأستاذ منذر ثابت والأستاذة سنية زكراوي والأستاذ زهير عزعوزي وهم من أهل العلم وقادة الرأي بعيدا عن التحزب في تحليل ظاهرة التفكك الأسري في تونس مبتعدين عن أدلجة الموضوع كما يفعل اليساريون أدعياء الحداثة وقلة من المنتحلين صفة الحداثة وخلاصة أقوال المشاركين في البرنامج المتميز هي أن أمراض المجتمع التونسي لا يمكن أبدا علاجها بوصفات قانون 1956 الذي يتطلب تحديثا وتطويرا بسبب ظهور انعكاسات سلبية على بعض بنوده فبعض القوانين التي تدير المجتمع أصبحت قديمة وانعدمت نجاعتها وأصبح من المستعجل إعادة تركيبها وإصلاح ما تقادم منها وأبرز مثال على ذلك أن المجلة الجزائية المعمول بها اليوم سنة 2022 هي التي صدرت عام 1913. فقد تغيرت المفاهيم تماما وانقلبت عديد القيم مثل مفهوم (الاعتداء على الأخلاق الحميدة!) أو (الإخلال بالأمن العام) أو (التجاهر بما ينافي الحياء) فكل هذه المفاهيم المطاطة وضعها المشرع في عهد الاستعمار الفرنسي للبلاد التونسية، وكان الغرض منها حفظ المصالح الاستعمارية تحت غطاء الحفاظ على الأخلاق والأمن! ثم إننا اليوم كما قال المتحدثون في البرنامج أمام ظواهر جديدة وخطيرة منها ميلاد 1500 طفل سنويا خارج إطار الزواج بل وإلقاء بعضهم بصفة فظيعة في القمامة أو أرصفة الشوارع! وتسرب 100 ألف تلميذ سنويا من المؤسسات التعليمية وتفشي ظاهرة انتحار الأطفال وتفاقم هجرة التوانسة وغيرهم من العرب والأفارقة غير الشرعية إلى أوروبا حيث أصبحت ظاهرة عائلية لا فردية وانتشل المنقذون مئات الجثث في البحر كما أنقذوا المئات من الغرق وإلى اليوم يبحث الناس عن أولادهم المفقودين، ثم أضف إلى هذه المعضلات حقيقة غريبة، وهي أن تونس مصنفة الأولى في عدد شبابها المنخرط في التنظيمات الإرهابية، بينما عمل بورقيبة وبعده ابن علي على علمنة البلاد وملاحقة الإسلام التقليدي؟ وتقول الإحصائيات الرسمية إن نصف مليون تونسي يتعاطون المخدرات و40 ألفا يستهلكون الكوكايين! فكيف وقع هذا لتونس؟ قال الأستاذ منذر ثابت وهو السياسي الأكاديمي بأن بلادنا تعاني من عدم مراجعة القوانين بسبب تغول تيار حداثوي فرنكوفوني أصبح متمسكا بشعار المساواة الشكلية بين الجنسين في صورة دوغمائية جديدة لا تريد البحث الموضوعي عن حلول للمشاكل الحقيقية المطروحة، بل تريد مواصلة الغطاء الأيديولوجي لهذه المشاكل، مما أدى بنا إلى حالة تأزم وانفصام نتيجتها تحول العلاقات الزوجية إلى ما يشبه الزواج الكاثوليكي المؤبد (والذي ألغته إيطاليا منذ ثلث قرن) ثم أصدرت محكمة تونسية هذه الأيام حكما بإلزام الزوجة بدفع النفقة، وهو حكم عادل نطق به أحد قضاتنا الأفاضل ما دامت المرأة تطالب بالمواساة الكاملة فلتدفع النفقة إذن مثل الرجل تماما (اللهم لا شماتة كما قال أحد المغردين!) لماذا لا نزال ندفن رؤوسنا في رمال التغريب، ونجتث جذورنا الحضارية حتى يمنحنا المستعمرون القدامى شهادة (حداثة)؟ فالحداثة الأصيلة هي أفضل من الحداثة الدخيلة ولم تتقدم شعوب الأرض إلا بالحداثة الأصيلة، أي استعمال لغتها الأم واعتماد موروثها الثقافي والقانوني والتربوي، وبهذا قفزت كل من تركيا وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة (على فكرة رئيسة سنغافورة هي السيدة حليمة يعقوب مسلمة محجبة ملتزمة وأصيلة) فقفزت هذه الدول إلى صفوف الدول المتقدمة في ظرف عقدين، بينما بقينا نحن مثل عباد الشمس نتخذ من أوروبا مثلا أعلى، ونلثغ بلغتها حتى في مستوى وزرائنا ونخبنا ونستورد قوانينها ونلبس لبوسها ويقف مواطنونا بالآلاف طوابير مخزية للحصول على تأشيراتها، بينما يدخل الأوروبي ببطاقة هوية حتى منتهية الصلاحية. لنبدأ بإصلاح هذه الإخلالات يرحمكم الله لحفظ كرامة التونسي وإنقاذ الأسرة التونسية من التفكك والانهيار أي الذوبان في الغير وفي الأمم الغالبة فنفرط في أصولنا ونبقى قوما تابعين لا تغادر بيت الطاعة.

2370

| 05 ديسمبر 2022

هل أتاك حديث "حقوق الإنسان" لدى من يدعيها؟

أكيد جدا كان تنظيم مونديال كأس العالم أكثر من تحد وطني وقومي رفعته دولة قطر، وأثبتت للعالم بما شهد به العالم من كمال التنسيق وسلامة الفرق والضيوف ومثالية الأمن المحفوظ للجميع وتوفير جميع مرافق الصحة وانسيابية المرور وقيام المترو بدوره في نقل الجماهير الغفيرة دون أي حوادث ازدحام أو تدافع إلى جانب تمسك الدولة القطرية العربية المسلمة بثوابت دينها وعروبتها دون المساس أو الخدش من أي دين أو عرق وبذلك كان المونديال كما وعد حضرة صاحب السمو أمير البلاد، حفظه الله، عرسا حضاريا جمع ولم يفرق وشعر كل من عاش الحدث وما يزالون يعيشونه بأنهم في أوطانهم لم يغادروها بأعلامها المرفوعة في كل مكان واعترفوا معتزين باحتضان الشعب القطري لهم ولعائلاتهم ومشاركته إياهم حماسهم وأفراحهم!. هل ما زال صوت نشاز من أصوات التشويه المخطط يجد له سامعين؟ ثم إن النفاق اليميني العنصري الغربي يحاول عبر التمويه واتهام قطر أن ينشغل العالم عن كوارث غربية في التاريخين القديم والحديث وأن ينساها الناس في عمليات تدليس الأحداث حتى يواصل ذلك اليمين الترويج لصورة نموذجية مزيفة لغرب مسيحي متسامح وملائكي أصبح اليوم ونحن في سنة 2022 أستاذا يلقي دروس حقوق الإنسان والحيوان وحتى الحشرات على "أمم متخلفة" تكتفي بالسمع والطاعة! أليست عبارة (الحروب الدينية) هي من إنتاج المسيحية وصراعاتها الطويلة والمريرة بضحاياها التي تجاوزت 10 ملايين وحدثت فيها مذابح شهيرة آخرها عام 1792 عندما أبيد شعب منطقة (الفاندي) الفرنسية (من كتاب الحروب الدينية لطلاب الثانوية) ثم حين وقعت مجاعات في أوروبا أعوام 1090 بسبب أمراض أصابت زراعات القمح ابتكرت الكنيسة طريقة تريح ملوك أوروبا من قطعان المزارعين الجياع فدعا البابا الفرنسي (يوربان الثاني) جميع الأوروبيين في خطاب شهير بكاتدرائية (كليرمون) عام للتحشيد للحروب الصليبية وقدم هذا البابا تلك الحروب كتخليص أكفان السيد المسيح في القدس من أيدي "الكفار" أي المسلمين!. ودامت هذه الحملات 200 عاما قتل خلالها 15 مليونا من جميع الأديان! ثم عاشت العقلية الصليبية كأشباح وخرافات تحرك النوازع العنصرية الى اليوم حينما نزل مناصران عنصريان الى ملاعب المونديال في قطر يرتديان اللباس الصليبي ويحملان سيفين وطبعا تم طردهما بحزم من قبل الأمن القطري اليقظ. وهل تعملون أن جرائم محاكم التفتيش في الأندلس تظل الى اليوم أفظع عمليات إبادة المسلمين بالحرق والتعذيب والتهجير في التاريخ؟ أما في التاريخ الحديث فقد شرع نابلبون منذ 1798 في الإعداد لعهد الاستعمار فيما سماه مؤرخوه (الحملة البونابرتية التنويرية لمصر والشام) والتي دامت 3 سنوات من تقتيل علماء الأزهر وافتعال قضية الهيروغليفيات وآثار الفراعنة وكانت أكبر عملية سرقة للآثار المصرية في التاريخ حيث يوجد تاريخ مصر اليوم في متحف اللوفر أكثر مما يوجد في مصر!. أما عن حربين أوروبيتين قيل لنا إنهما عالميتان فحدث ولا حرج فما بين 1914 و1918 تمت أكبر كارثة بشرية امتدت من أوروبا إلى أغلب العالم وقتل الأبرياء فيها بغاز الخرذل (30 مليون ضحية من جنود ونساء وأطفال!) ثم ما بين 1939 و1945 أعادت الأمة المسيحية الكارثة ورحنا نحن العرب والأفارقة ما بين مجند ومدني بالملايين (حوالي 50 مليون ضحية من القارات الخمس!) وحين قررت حكومة فرنسا حفر قناة السويس بإدارة (فردينان ليسبس) ذهب أكثر من 20 ألف مصري وشامي وأفريقي ضحايا ظروف عمل أقسى مما تتصورون! ثم عام 1900 حين قررت سلطات باريس حفر أنفاق المترو جلبت أيدي عاملة من أفريقيا وإيطاليا وبولندا ومات في ثلوج تلك السنوات أكثر من 12000 عامل بائس دون رحمة!. وفي الجزائر وحدها تجلت أعنف ممارسات الإبادة مما وصفه الرئيس ماكرون نفسه عام 2019 بكونه كان في مراحل الاستعمار عمليات لا نتردد في نعتها بالجرائم ضد الإنسانية! ونذكر في هذا الصدد بالمعضلة القائمة حول فظائع حرب التحرير وما قبلها بين الجزائر وفرنسا حيث تكلم الرئيس تبون منذ عامين بلهجة حادة وحاسمة في مؤتمر صحفي مشهود حين خصص الرئيس الجزائري الجزء الثاني من حديثه لمطالبة الدولة الفرنسية بالاعتذار عما ارتكبه الاستعمار من فظائع في الجزائر يبلغ بعضها مستوى الإبادة الجماعية مثل مصرع 45000 مواطن جزائري في مدينة سطيف يوم 8 مايو 1945 مباشرة بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي الألماني! أو محرقة قبائل أولاد رياح عام 1846حين التجأ 5000 مواطن مسلم الى جبل بالأطفال والنساء هربا من إرهاب الجيش الفرنسي فأمر الجنرال (بيليسييه) بإضرام النار في الجبل بمن فيه وأطلق الجنود النيران على كل من ينجو من الحريق! ثم طالب الرئيس الجزائري كذلك باعتذار فرنسا عن المليون ونصف المليون ضحية وشهيد أثناء الحرب التحريرية من 56 الى 62 ثم تعويض ضحايا التجارب الذرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية منذ 58 الى 61 حين استعمل الجيش الفرنسي مواطنين جزائريين كفئران تجارب لمعرفة تأثير قنابلهم الذرية ومات من مات منهم وبقيت تشويهات العديد منهم الى اليوم. مع التأكيد أن هذا الجيل الفرنسي ومنهم ماكرون ليسوا مسؤولين عما ارتكبه أجدادهم لكن الدولة حسب القانون الدولي والبند 37 من ميثاق الأمم المتحدة تظل مسؤولة عبر الأجيال عما ارتكب باسمها وتحت رايتها.

1086

| 02 ديسمبر 2022

أروع مقطع في الحفل فيديو ملعب الستينيات

تأثرت بصدق العاطفة وطغيان مشاعر الذكريات حين فوجئت بدقائق الفيديو تعيد للشباب القطري والعربي صورة ذلك الشاب بل وهو يرتدي قميص فريقه ويدحرج الكرة في ملعب مرتجل على الأرض الكلسية القطرية المباركة لا عشب فيه ولا مدرجات، وأذكر أن من بين اللعيبة الأوائل الزميل د. سيف الحجري. فمن هو يا ترى ذلك اللاعب المتحمس الذي سجل هدفا في مرمى الفريق المقابل وارتسمت على وجهه الصبوح ابتسامة صافية تلقائية بارك الله فيمن سجلها بكاميرا 16 مليمتر الخفيفة؟ هو اليوم نفس الرجل الذي قام لتحيته 60 ألفا من الجماهير داعين له بالصحة وطول العمر حين دخل ملعب البيت في افتتاح المونديال وهو أيضاً الرجل الذي قام لتحيته بتقبيل يده حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد في مشهد قطري عربي مسلم من أخلاق البر وتقدير الوالدين وتوارث هذا المجد العربي الإسلامي الأصيل. ذلك الرجل ذو القامة السامقة ونفس ابتسامة الرضا هو صاحب السمو الأمير الوالد حفظه الله ورعاه وهو يوقع القميص الذي كان يرتديه أيامها والذي أهدته الدولة لجميع الحضور. الشباب القطري الذي يعيش شهراً من بطولة الكأس بحماس ووطنية لم يولد بعد في السبعينيات وهي المرحلة المؤسسة لاستقلال الدولة وصانعة تميزها، ففي تلك الأيام كتب الله لي أن أزور الدوحة (تحديدا في نوفمبر 1977) وسبب زيارتي مع وزيرنا التونسي الظريف رحمه الله عزوز الرباعي أحد رفاق كفاح الحركة التحريرية الشجعان (عرف سجون الاستعمار في 9 أبريل 1938 وهو طالب في الصادقية) وكان أيامها في السبعينيات رئيساً ومديراً عاما للدار التونسية للنشر وهي المؤسسة الحكومية المكلفة بنشر الكتب التونسية والعربية في مطبعتنا العصرية في حي باب سعدون فنشرنا لفضيلة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كتابه الشهير (تفسير التحرير والتنوير) ونشرنا أفضل ترجمة لمعاني القرآن الكريم بجهود العلامة الناسك الشيخ الصادق مازيغ، ثم أصدرنا عيون التراث الإصلاحي التونسي مثل كتاب الوزير خير الدين باشا (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) الذي استلهم منه إخوتنا المصلحون المصريون والسورين أمثال رفاعة الطهطاوي ورشيد رضا ثم الأخير عبد الرحمن الكواكبي صاحب (طبائع الاستبداد) ولم نهمل الروايات ودواوين الشعراء التونسيين فنشرنا أكثرها ثورية وجرأة أدبية مثل (الدجلة في عراجينها) للبشير خريف وديوان الشاعر الميداني بن صالح (قرط أمي) ورواية محمد صالح الجابري (يوم من أيام زمرا) وكانت مجلة الفكر بإدارة محمد مزالي تتحدى الأدب التقليدي (الرسمي) وتنشر (الإنسان الصفر) للكاتب الغاضب عز الدين المدني. وأعود إلى رحلتنا للدوحة عبر طيران الخليج للمشاركة في المعرض العربي للكتاب الذي تنظمه وزارة التربية والتعليم في قاعة صغيرة باللقطة نبيع كتبنا نحن والمصريون واللبنانيون والسوريون ثم تقتني منا وزارة التربية ما تبقى لدينا من كتب لم تبع. والله ذكريات من أجمل ما عشت في دوحة صغيرة يتعايش فيها كل الناس منذ نصف قرن حينما زرتها وتفوح منها رائحة الخبز الزكية، وكنت أسكن لمدة عشرة أيام فندق (بسم الله) في سوق واقف طبعا بشكله القديم قبل الترميم وقبل إعادة تأسيس السوق الذي تعرفونه وسوف يصدمكم سعر الليلة في الفندق: (5 ريالات كاملة... نعم لم تخطئوا القراءة! خمس ريالات كنا لا نتهاون بها ونحافظ عليها كما تفعل أنت اليوم بورقة الـ 500)، المهم أني بعد 10 أيام بلياليها أدفع للبنغالي المسؤول عن تسيير الفندق خمسين ريالا... بحالها! فشكوت الغلاء للبنغالي الذي تفهم شكواي ووعدني أن يكرمني يوميا بطبق مجبوس أو برياني للتخفيف من "بلواي"! في ذلك العام استضافنا سعادة سفير تونس وهو السيد عمار السويدي في بيته وأعدت لنا السيدة حرمه كسكسي بالهامور بما معناه أن العلاقات الدبلوماسية الأخوية بين تونس وقطر كانت على مستوى السفراء ثم نصحنا رجال من نخبة قطر أن نحضر مجالس علماء قطر فكانت لنا سهرات من أرقى وأرفع المجالس الأدبية والفكرية الدينية في بيت فضيلة الشيخ عبدالله الأنصاري العامر وهو في نفس مكانه نهاية شارع النصر وهو نفس البيت الذي زرته مرات عديدة هذه السنوات بدعوات كريمات من أنجاله حفظهم الله عبدالرحمن وأصغرهم سنا أحمد من أفضل طلاب الإعلام في التسعينيات، كما أزور مكتبة الشيخ عبدالله وهي الواقعة أمام مجمع الميرة في طريق الجامعة مع العلم أن قطر تسمي الثلاثي الحاملين لكتاب الله بالعبادلة الثلاثة: عبدالله الأنصاري وعبدالله آل محمود وعبد الله السبيعي رحمهم الله تعالى كما تعرفت أيامها على عميد الصحافة القطرية والخليجية السيد ناصر العثمان الذي كان لي أيام اضطهادي بعد سنوات نعم السند ونعم الصديق عند الضيق أطال الله عمره في الصحة والعافية والعطاء. كما تعرفت في معرض الكتاب على الكاتب السوداني الأشهر بروايته (موسم الهجرة إلى الشمال) الطيب صالح رحمة الله عليه وكذلك أحد المثقفين القطريين في شبابه يوسف الدرويش.. كل هذه الذكريات الرائعة ظلت عالقة بالذهن، وأعادني إليها ذلك المقطع الصغير لصاحب السمو الأمير الوالد حفظه الله ورعاه وهو يلعب كرة القدم.. رمزاً إلى أن كرة القدم عريقة ومتجذرة في هذه البلاد. حيا الله بمناسبة مونديال 2022 كل قطري وكل مقيم ويا رب اجعل هذا البلد آمناً متمسكاً بهويته وأصوله لم يتنازل عنهما أثناء المناسبة العالمية.

870

| 28 نوفمبر 2022

مونديال قطر يفضح نفاق اليمين الغربي

الحملة ضد كأس العالم خليط مدلس من قيم اليمين المتطرف والعنصري أضواء المونديال كشفت النفاق والنزعة الأوروبية الاستعلائية في التغطية الإعلامية الغربية هذا العنوان هو عبارة عن حكمة عالمية أصبحت متداولة ليس في الإعلام العربي فحسب، ولكن أيضاً الغربي في عقر ديارهم (كما جاء في الغارديان ولوموند والواشنطن بوست...) شعار أصبح مرفوعاً ضد التوظيف المغشوش لقيم حقوق الإنسان بدهاء قديم مخطط له، خذ مثلا أول الشعارات وهو حقوق العمال، ولم تخف السلطات القطرية بأمانة أنها استفادت منها فبادرت إلى اتخاذ الحلول الجذرية بدعوة مكتب منظمة العمل الدولية إلى فتح فرع دائم لها في الدوحة، وقامت السلطة بكل حزم بالتصدي للشركات غير الملتزمة بتعهداتها وعاقبتها ثم تحول المتحولون اليمينيون إلى ما سموه ضرورة حماية الأقليات الجنسية، وهنا جاء رد سعادة وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مقنعاً ومفحماً ومتحدياً، لأن ما يسميه هؤلاء المرتزقة (قيماً كونية..!) ما هو إلا خليط مدلس من قيم اليمين المتطرف والعنصري وليس كونياً في شيء. هنا نستعرض ما جاء أمس الخميس في صحيفة لندنية أمينة هي (ميدل إست أي) بإدارة صاحبها الإعلامي البريطاني الكبير (ديفد هيرست) التي نشرت مقالاً متميزاً لرئيس تحرير (عربي 21) الصحفي فراس أبو هلالة الذي اعتبر أن النفاق الغربي لا حدود له بشأن المونديال الذي تستضيفه قطر، وقال فراس أبو هلالة إن نقاشاً غير مسبوق بشأن بطولة كأس العالم 2022 انطلق منذ إعلان فوز قطر باستضافة هذا الحدث العالمي عام 2010، في المقابل أشار الكاتب إلى أنه لم تُوجه أي انتقادات لبعض الدول ذات السجل السيئ في مجال حقوق الإنسان، التي استضافت دورات رياضية، بما في ذلك التي نظمت الألعاب الأولمبية، رغم الجدل القائم بشأن قمع الأقليات. وأضاف أنه وبالرغم من معاناة العمال الأجانب في قطاعي البناء والضيافة في جميع الدول، من ظروف العمل السيئة وساعات العمل الطويلة والأجور المنخفضة، فإن تدابير السلامة لمشاريع البنية التحتية الكبيرة جيدة نسبياً، كما قامت قطر بإصلاح نظام الكفالة، الذي كان يمنع العمال في السابق من تغيير وظائفهم دون إذن من أصحاب العمل. كما أقرت قطر مؤخراً حداً أدنى للأجور، وسلط أبو هلالة الضوء على إدانة الإعلام الغربي ظروف العمل السيئة للعمال الأجانب قبل كأس العالم، مستدركاً بالقول إن "التقارير حول هذه القضية كانت مليئة بالنفاق واستشهد رئيس تحرير "عربي21" بما أشار له الصحفي البريطاني (بيرس مورغان) بالنفاق الغربي في علاقة بسلوك الشركات الإعلامية، التي انتقدت ظروف عمل الأجانب في قطر، لكنها أرسلت في الوقت ذاته موظفيها للاستمتاع بالكماليات ذات الأسعار المعقولة التي يتيحها هؤلاء العمال أنفسهم، كما أشار الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط إلى عدد من وسائل الإعلام الغربية التي اعتمدت في تغطيتها لكأس العالم على صورة نمطية استشراقية لمن يعيشون في العالم العربي، مما ينقل انطباعاً غير دقيق للقراء الغربيين. وختم فراس أبو هلالة مقاله بالقول: إن كأس العالم 2022 توفر فرصة لمعالجة قضايا حقوق الإنسان في قطر والدول العربية الأخرى، كما توفر في الوقت نفسه، فرصة لتسليط الضوء على النفاق والنزعة الأوروبية الاستعلائية في التغطية الإعلامية الغربية، داعياً إلى أن يكون المونديال احتفالاً وفرصة لتحسين الرياضة في جميع البلدان عبر جميع القارات. ومن جهة أخرى أثارت وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، انتقادات واسعة، بعد أن ارتدت شارة "حب واحد" للتعبير عن دعمها للمثليين، خلال حضورها المباراة الافتتاحية لمنتخب بلادها أمام اليابان في كأس العالم، ونشرت فيزر صورة عبر حسابها في تويتر مع الشارة، بينما كانت تقف في المدرجات، فيما بدا أنه تعبير عن التضامن مع المنتخب الوطني، الذي انهزم بهدفين لهدف ضد اليابان. وكمّم لاعبو المنتخب الألماني أفواههم خلال الصورة الرسمية قبيل مباراتهم مع اليابان؛ احتجاجاً على رفض "فيفا" السماح لهم بارتداء شارة "المثلية". جاء ذلك بعد تراجع منتخبات ألمانيا وإنجلترا وويلز ودول أوروبية أخرى عن ارتداء شارة "حب واحد" في مباريات كأس العالم في قطر؛ بسبب التهديد من جانب الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا بمنح بطاقات صفراء للاعبين. وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لمشجعين وضعوا كوفية فلسطين على أذرعهم للرد على وزيرة الداخلية الألمانية. وفي أكتوبر الماضي، أثارت وزيرة الداخلية الألمانية أزمة بسبب تصريحاتها بشأن وضع حقوق الإنسان والموقف من المثليين، في معرض اعتراضها على تنظيم قطر بطولة كأس العالم، فيما تراجعت لاحقاً عن تصريحاتها بعد استدعاء الدوحة السفير الألماني، وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، على ما قالته فيزر. وكانت فيزر قالت: إن "حق الاستضافة هذا خادع للغاية"، وإن "هناك معايير يجب الالتزام بها، وسيكون من الأفضل عدم منح حق استضافة البطولات لمثل هذه الدول". واعتبرت أن المعايير يجب أن تتضمن "احترام حقوق الإنسان" و"مبادئ الاستدامة"، وقال الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في مقابلة مع صحيفة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ" الألمانية: "من ناحية، يتم تضليل الشعب الألماني من قبل السياسيين الحكوميين. ومن الناحية الأخرى، ليست لدى الحكومة (الألمانية) مشكلة معنا عندما يتعلق الأمر بشراكات أو استثمارات في مجال الطاقة.

1410

| 25 نوفمبر 2022

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

15192

| 08 فبراير 2026

alsharq
«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...

1863

| 12 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1650

| 10 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

852

| 10 فبراير 2026

alsharq
الطلاق.. جرحٌ في جسد الأسرة

الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...

840

| 12 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

672

| 11 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

609

| 11 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

588

| 09 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

525

| 09 فبراير 2026

alsharq
بين منصات التكريم وهموم المعيشة

في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...

522

| 12 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

495

| 08 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

459

| 10 فبراير 2026

أخبار محلية