رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الذي يحدث في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا يؤكد لنا بأن أعسر مرحلة مخاض لهذه الشعوب هي مرحلة ميلاد الحريات من رحم الأنظمة القديمة التي رحلت ومرحلة سيادة القانون بعد فوضى الفساد وشر القمع ومرحلة احترام حقوق الإنسان بعد عقود من إذلاله. والمرحلة الراهنة عسيرة لأنها تشكل تحولا كاملا وشاملا من ثقافة إلى ثقافة ومن عصر إلى عصر ومن هنا جاءت المخاطر المحدقة بكل عملية جذرية من هذا القبيل لأن طبيعة المجتمعات هي من طبيعة البشر أي أنها لا تتقبل انقلاب الموازين بسهولة وبالتالي وجب على النخب العربية حاكمة كانت أو معارضة أن تتحلى بالحكمة في إدارة هذه الأزمات والتعامل مع الشأن العام بعقلية جديدة بعيدة عن غريزة الانتقام وعقدة التشفي وإرادة فرض التغيير بالقوة أو بالمناورة والخديعة. وسجلنا حين تأملنا في سلوكيات وسياسات بعض النخب المزهوة بنصرها أن الحكم فتنة حقيقية كما كان دائما قد تصيب بعض الناس بدوار التغيير المفاجئ فيتحولون من حقوقيين إلى قامعي حقوق دون أن يشعروا بأنهم وهم في مواقع السلطة اضطروا إلى استعارة العصا من النظام الذي سبقهم ليضربوا بها رءوس جيل جديد من الحقوقيين وتأكدوا تدريجيا بأن السلطة "تقتضي" أن يتذكروا عبارة الخليفة عثمان بن عفان بأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن وأن الهراوة القديمة التي طالما أصابتهم في العهد البائد لها فضائل أخرى لم يعرفوها حين كانوا معارضين واكتشفوها حين تصدروا مواقع في الدولة الناشئة. وفي هذا المجال تتشابه أوضاع مصر وتونس واليمن وليبيا إلى حد بعيد مع بعض الفوارق التي تفرضها اختلافات هذه الشعوب ومدى قوة الانتماءات القبلية فيها وتعداد سكانها وقربها أو بعدها عن مصادر الغرب السياسية والفكرية ومساراتها الخصوصية نحو الديمقراطية. وبدأ الرأي العام هنا وهناك يعيد إنتاج نفس المصطلحات والسلوكيات التي أنضجت ثورات اليوم والتي هزت عروش من سبقوا فأصبحنا نقرأ في مواقع الاتصال الاجتماعي عبارات مثل "الثورة على الثورة" أو "دار لقمان على حالها" أو " موسى الحاج عوض الحاج موسى" أو "إنه الخريف لا الربيع" ونطالع بيانات جديدة للاعتصامات المبتكرة تندد بالمس من حرية التعبير وبتدجين الإعلام. وفي ليبيا تمددت أشباح القطيعة القبلية إلى ما يوحي بانقسام الدولة إلى دويلات بل وقع انشقاق بين حكومة ثورية يرأسها عبدالرحيم الكيب ومجلس انتقالي ثوري هو الآخر يرأسه المستشار مصطفى عبدالجليل وثوار الزنتان الذين لديهم سجن يقبع فيه سيف الإسلام ونلاحظ أن مشروع الأحزاب الذي يمنع تأسيس حزب ديني وقع التراجع والاعتذار عنه في ظرف سويعات. وفي مصر كاد مركب الثورة أن يتوه في بحر الظلمات بين مجلس عسكري أعلى يترأسه وزير الدفاع السابق في نظام محمد حسني مبارك لمدة عقدين المشير طنطاوي وبين حركات إسلامية منقسمة إلى "براغماتيين" و "راديكاليين" وكل حزب بما لديهم فرحون وبين شخصيات بأحزاب ومن دون أحزاب جاءت من عهد يسميه شباب مصر بائدا وملأت صور وجوهها المبتسمة معلقات على جدران المحروسة أمثال الفريق أحمد شفيق والأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى وهما من صناع القرار في عهد مبارك. وفي تونس رغم أن هذه المرحلة الانتقالية أقل مشاكل فإن بعض الأحزاب تشهد انقسامات وانشقاقات وطرحت على الرأي العام والنخب ملفات تتعلق بمدى حرية الإعلام والحدود التي يجب أن تقف عندها حرية الفنون ومنها ملف قناة نسمة ما بين القضاء والتقييم الفني والأخلاقي والخطوط الحمراء بين التعبير والمقدس. كما أن الجدل قائم حول صلاحيات المجلس التأسيسي بين مصدر الشرعية الشعبية ووظيفته كواضع للدستور الجديد والمدة التي تتطلبها مرحلة التأسيس للجمهورية الثانية. وفي زخم هذه المشاكل تبقى معضلة قلة الموارد المالية في الاستثمار الداخلي والخارجي ومشكلة انخفاض عدد السياح وغلق بعض المصانع هي مؤشرات الأزمة الأكثر تأثيرا على حياة الناس. وأنا أشاطر رأي من يقول إن محاذير الديمقراطية أرفق بنا وأرحم من مخاطر الاستبداد ولعلها مرحلة مخاض عسير لكنه مخاض واعد ليس في تونس فحسب بل في كل بلدان الربيع العربي مهما كانت الهزات الأرضية السياسية والحضارية عنيفة وقاسية. هو مخاض الانتقال من الاستبداد إلى الحرية ومن الثورة إلى الدولة.
488
| 09 مايو 2012
ماذا سيقول مؤرخ عربي بعد عقود وهو يقرأ أحداث سنة 2012؟ ويريد أن يستخلص بعض الحقائق من خلال هذا الضجيج المحيط بالربيع العربي! أتوقع أنه سيصاب على الأقل بصداع الحيرة والضياع وسط غوغاء المصطلحات أو في أسوأ الأحوال يصاب بانهيار عصبي. والأسباب كثيرة لكن أبرزها هو أنه سيكتشف أن 350 مليون مواطن عربي هم من الفلول أو الأزلام! نعم من الفلول في نظر وتقييم خصومهم. وإليكم بعض الكشوف التي لا تحتاج إلى دليل لأنها أصبحت البضاعة السياسية الرائجة هذه الأيام في سوق التجاذبات والمناورات في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا وسائر بلاد العرب. الذين تحملوا بعض المسؤوليات حتى الإدارية البسيطة في الدولة ما قبل الثورات لمجرد كسب العيش وأداء دور عادي لا صلة له بالسياسة أصبحوا مصنفين من قبل ثوار اليوم بكونهم من الفلول ولا فرق لدى ثوار اليوم بين من خدم منظومة الفساد ومن خدم الدولة أي جهاز الإدارة اليومية للمواطنين. وسقطت حتى النخبة ذاتها أحيانا في هذا التصنيف الجائر لا تفرق بين الدولة والنظام لأن الدولة قطاع عام وخادم لمصالح الشعب أما النظام فهو شبكة المستفيدين والمضاربين والسماسرة المتاجرين بقوت الناس وشتان بين مواطن كان يملأ مكانه في إحدى وزارات أو إدارات أو دواوين الدولة وبين لص استغل علاقاته بعصابات الفساد ولم يرع حرمة ولم يقرأ حسابا ليوم حساب. اليوم نجد الجميع في كيس واحد كتب عليه (فلول النظام البائد). وقس على ذلك أيضا آلافا من رجال الأعمال الذين دخلوا عالم الاستثمار فأقاموا المصانع والشركات وشغلوا عشرات الآلاف من شباب بلادهم بل توسعت نشاطاتهم لتمتد لبلدان عربية أخرى وسمعت كثيرا من سادة اليوم يلقبونهم بفلول النظام المخلوع بل ويعاقبونهم على نجاحاتهم كأنما كان المطلوب منهم أن يتركوا أعمالهم وصفقاتهم ليتحولوا إلى سياسيين راجمين بالغيب يتكهنون بانقلاب الأمور رأسا على عقب فيساندون حزبا دون حزب ويضخون أرصدتهم في موازين السياسة. وفي الضفة الأخرى نجد أن بعض الإسلاميين والسلفيين يصنفهم العلمانيون والليبراليون بكونهم فلولا لأفغانستان وباكستان والسعودية وقطر وأن إسلام تونس تونسي وإسلام مصر مصري وإسلام اليمن يمني وإسلام ليبيا ليبي وبالطبع كرد فعل عادي ومتوقع فإن العلمانيين يتحولون إلى فلول الغرب وأحزاب فرنسا وبريطانيا والمخابرات الأمريكية. إنها بالفعل حرب كلمات ولكنها تصبح أحيانا حرب لكمات في الشوارع والساحات بين فلول وفلول مضادة. وتأمل معي يا قارئي العزيز حوارات الفضائيات لتجد أن عبارة (فلول) هي الأكثر استعمالا وقد ضرب برنامج صديقنا الفاضل المتميز د. فيصل القاسم الرقم القياسي في تكرار هذه العبارة السحرية بتلويناتها المختلفة والمتضاربة حتى أني اقترحت على الزميل فيصل تغيير عنوان برنامجه الشهير من (الاتجاه المعاكس) إلى (لقاء الفلول) أو (ساحة وغى الفلول) لأن أول ما يبدأ (الهواش) يتم تصنيف المتقابلين إلى فلول لجهة حكومية أو إيديولوجية أو أطراف مجهولة وينطلق سيل التهم من هنا وهناك بالتوازي والعدل وتصوروا فإن فيصل القاسم نفسه لم يسلم في عديد برامجه من نعته بكونه من الفلول إما للنظام السوري أو لدولة قطر ومجلس التعاون أو لأحد مجالس الثورة السورية وهي اليوم عديدة ومتضاربة وتتهم بعضها البعض هي الأخرى بالانتماء للفلول. ولا تظن نفسك ناجيا من وصمة الفلول يا أخي القارئ إذا ما ابتعدت عن الأحزاب وآثرت السلامة فإنك سوف تصنف ضمن فلول المهمشين والقاعدين والمتفرجين وهي فلول خطيرة على الناشطين الذين حملوا أنفسهم أمانة صنع التاريخ. أما إذا حلت عليك لعنة السياسة فاشتركت في حزب تقليدي فأنت من فلول العهد البائد وأذيال أعداء الثورة أو من حزب الثورة المضادة وإذا اشتركت في حزب يساري فأنت من فلول ستالين ولينين وإذا انخرطت في حزب إسلامي فأنت من فلول الرجعية وأعداء الحداثة والدولة المدنية. اللهم سترك يا رب لكي لا يتحول 350 مليون عربي إلى جيوش من الفلول وجماهير من الأزلام!
710
| 02 مايو 2012
سوف يتحدد مصير السياسات الفرنسية وربما الأوروبية يوم السادس من مايو القادم موعد الحسم في انتخاب رئيس الجمهورية ومستأجر قصر الإيليزيه لمدة خمس سنوات. فأهمية باريس ضمن الاتحاد الأوروبي بالغة وحاسمة بفضل الدور التاريخي والإستراتيجي والاقتصادي لفرنسا صلب هذا الاتحاد. ففرنسا مع ألمانيا تعتبران القاطرتين القائدتين للقارة العجوز في تكتلات العالم. إلا أن انتخابات 2012 سجلت عناصر جديدة في السباق من أجل الرئاسة تمثلت في توظيف قضايا العرب والمسلمين في المباراة الرئاسية وذلك من زوايا عديدة أبرزها التلويح بملف الهجرة المغاربية إلى فرنسا شرعية كانت أو سرية وبملف الإرهاب المتوقع من الحركات المتطرفة المرتدية زي الدين وبملف قضية فلسطين وبملف الحضور العسكري الفرنسي في أفغانستان وملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وأخيرا بملف الدور الفرنسي العسكري والدبلوماسي في أزمة ليبيا وأزمة سوريا. ويقول قائل إن كل الصراعات الانتخابية الفرنسية منذ عقود استعملت هذه القضايا وهو صحيح لكن هذه السنة تميزت بنوعية جديدة وغير مسبوقة من إثارة النعرة العنصرية ضد العرب والمسلمين دون أي رد فعل من سلطات الدول العربية والمسلمة ودون تعبئة حقيقية للرأي العام العربي والمسلم في فرنسا والغرب عموما ضد هذه الأكاذيب التي يروج لها بعض المرشحين لخدمة أغراضهم السياسية والانتخابية ويكون العرب بجالياتهم المتواجدة في فرنسا والغرب أول ضحاياها في المستقبل مع ما سينجر على أبنائهم من الجيل الثالث من تداعيات الميز العنصري وربما الظلم المؤسسي بإلغاء فعلي لحق الشغل والسكن والترقي الاجتماعي وحق المواطنة في مجتمعات عادت بالغريزة إلى سلوك عدواني واستعماري متجدد لا يليق بدولة الحق والقانون وسيادة العدالة والمساواة. وحين أقول إن هذه النعرة غير مسبوقة فلأسباب موضوعية أهمها حلول الربيع العربي في الساحل الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط وحلول الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة في الساحل الشمالي لهذا البحر. فتميزت أواخر العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين بمواجهة جديدة ذات طابع سياسي وحضاري طريف بين دول عربية مسلمة بدأت تراجع مصادرها الثقافية وترفض منزلة التبعية والإذلال التي ارتضاها لها حكامها السابقون ثم تجرأت على التخطيط لعلاقات دولية أعدل وأنصف بينها وبين الدول المستكبرة التي استعبدتها عقودا طويلة من التاريخ وبين دول أوروبية استيقظت عام 2008 على واقع صعب ومرير من التذيل للنظام النقدي العالمي (بريتن وودس) الذي تشكل منظومة (وول ستريت) قلبه النابض الغاشم. فأعلنت دول أوروبية عديدة عن إفلاسها ورغم تضامنها فبعضها يرفض تحمل أخطاء البعض الآخر. وأصبح الطامحون إلى الحكم فيها يعلقون مشاكلهم المزمنة على شماعات الهجرة ومخاطر الإسلام السياسي وحتى أشباح الخلافة! ففي فرنسا ذاتها تزامن تفاقم العنصرية الشعبوية اليومية مع تفاقم البطالة وانحسار القدرة الشرائية لدى الأسر الفرنسية كما تزامن كل هذا مع عمليات إرهابية غريبة من شاب فرنسي ذي أصول مغاربية (محمد مراح) عائد من أفغانستان يشاع أنه كان عميلا للمخابرات الفرنسية على خلفية تصريح لمدير سابق لهذه المخابرات! وقد شرع الرئيس الراهن ساركوزي في عملية انتزاع أصوات اليمين المتطرف لفائدته حتى يناطح المرشح الاشتراكي الذي تؤهله معطيات عديدة للفوز (فرنسوا هولند) وتبقى رئيسة الحزب اليميني العنصري (مارين لوبان) محافظة على النسبة التقليدية الدائمة لناخبيها وهي حوالي 15%. أما الغريب في هذه الانتخابات فهو تجاهل العرب لأحد المرشحين وهو الأستاذ جاك شوميناد (الديغولي اليساري) وهو سياسي فرنسي من أخلص أصدقائي وأصدقاء القضية الفلسطينية والعربية منذ ثلث قرن اشترك معي في السابق في عضوية اللجنة العالمية للدفاع عن مروان البرغوثي (2004) وبعدها كان عضوا معي ومع الدكتور منصف المرزوقي في اللجنة العالمية للدفاع عن البروفسور منصف بن سالم (2005) وسبق أن تحمل معي الأمانة العامة للأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس وكافح وما يزال بصدق وجرأة ضد المظالم الصهيونية على مدى أربعين عاما وقد توصل ليكون ضمن المرشحين العشرة الكبار الذين حصلوا على الـ500 توقيع تؤهله للترشح للرئاسة الفرنسية وهو يكرر طروحاته ضد العنصرية من أجل أخلاق سياسية ونظام نقدي عالمي أعدل وأنصف. وهو ككل من يساند العرب والمسلمين من زعماء الغرب يصرخ في واد غير ذي زرع دون أن يسمعه أولائك الذين يدافع عنهم أي العرب سامحنا الله وغفر لنا غفلتنا الحضارية الوراثية.
378
| 25 أبريل 2012
إن الحوار الساخن الذي يجري في تونس و مصر و ليبيا و اليمن حول توجهات الدساتير الجديدة المنبثقة من الثورات الشعبية هو حوار مفصلي و أساسي و مؤسس لأنظمة الحكم القادمة و المنشودة. و لا يخفى بالطبع ما يميز هذه الدول بعضها عن بعض من حيث مسارها التاريخي و مكانتها الجغرافية و قربها أو بعدها عن حضارة الغرب لكنها تتشابه جميعا في عروبتها و إسلامها و في حاجتها للديمقراطية و العدالة و التنمية المتوازنة الحقيقية و احترام حقوق الإنسان و الطموح المشروع للعودة لحركة التاريخ المعاصر بعد أن بقينا خمسين عاما على هامشه بلا تقدم و بلا إرادة و بلا هوية. الفصل الأول من الدساتير العربية الجديدة د.أحمد القديدي إن الحوار الساخن الذي يجري في تونس ومصر وليبيا واليمن حول توجهات الدساتير الجديدة المنبثقة من الثورات الشعبية هو حوار مفصلي وأساس ومؤسس لأنظمة الحكم القادمة والمنشودة. ولا يخفى بالطبع ما يميز هذه الدول بعضها عن بعض من حيث مسارها التاريخي ومكانتها الجغرافية وقربها أو بعدها عن حضارة الغرب لكنها تتشابه جميعا في عروبتها وإسلامها وفي حاجتها للديمقراطية والعدالة والتنمية المتوازنة الحقيقية واحترام حقوق الإنسان والطموح المشروع للعودة لحركة التاريخ المعاصر بعد أن بقينا خمسين عاما على هامشه بلا تقدم وبلا إرادة وبلا هوية. لعل معرفتي بالدستور التونسي وما حام حوله منذ نصف قرن من تجاذبات وخيبات تؤهلني للحديث عنه كأنموذج للدساتير العربية خاصة أن النقاش الراهن الدائر بين العائلات السياسية والفكرية التونسية حول فصله الأول يكاد يتحول إلى انشطار عنيف بين أبناء الوطن الواحد. ولا يمكن أن نتحدث عن الدستور التونسي دون الإشارة إلى أن تونس كانت الدولة العربية الأولى التي سنت دستورا حين أصدر ملكها محمد باشا باي دستورا سماه عهد الأمان في 10 سبتمبر 1857 تحت ضغط قناصل الدول الأوروبية التي خشيت على أمن أقلياتها المتواجدة بتونس ثم نقح هذا النص على أيدي خلفه الملك محمد الصادق باشا باي وصدر عام 1961 بشكل ومضمون استلهما من الدساتير الأوروبية ومن التنظيمات التركية. والعبرة التي يمكن استخلاصها من أول دستور عربي هي أنه لم يحم تونس من الاحتلال الفرنسي الغاشم (الذي تم سنة 1881) ولم يحم شعب تونس من استبداد الملوك بل إن ثورة شعبية قامت سنة 1864 تم قمعها بشراسة ووحشية ومات بطلها علي بن غذاهم في سجنه الرهيب بحلق الوادي. وأنا حين أعيد التذكير بعجز دستور عهد الأمان عن توفير الأمان للشعب والاستقلال للدولة فإنما لأضرب مثال دستور الجمهورية التونسية الذي سنه الزعيم بورقيبة يوم غرة يونيو – جوان 1959 والذي هو اليوم في بلادنا محل جدل ساخن يكاد يقسم الشعب التونسي إلى ثلاثة فرقاء: فريق إسلامي (من دون حركة النهضة) يساند التنصيص على الشريعة الإسلامية كمصدر أساس من مصادر الدستور والقوانين وفريق سلفي ينادي بأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد وفريق علماني أو ليبرالي ذو توجهات غربية يدعو إلى استبعاد الإسلام تماما وعدم التنصيص على الشريعة. وإذا سلطنا العقل واعتمدنا الاعتبار فنحن مضطرون للإقرار بأن الفصل الأول من دستور 1959 الذي يقول: تونس دولة، حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها لم يضمن لبلادنا الحرية ولا صان فيها تعاليم الإسلام ولا حمى لغتها العربية بجد حيث ينطق أغلب أبناء تونس (و المغرب الإسلامي عموما) بلغة هجينة هي الفرنكو- عربية لأن برامج التربية حادت عن خيارات الدستور التي تؤكد أن "العربية لغتها". والأخطر أن عبارة "الجمهورية نظامها" لم تسعف الشعب من انحراف الجمهورية إلى ملكية مؤبدة لدى الزعيم بورقيبة في خرفه الطويل وكادت أن تتحول مع التحول إلى توريث غبي جهول لولا رحمة ربك وثورة شعب. فهل ينكر وطني عاقل أننا بعد نصف قرن من دستور 1959 وفصله الأول لم نحقق قيمة واحدة من القيم المنصوص عليها في فصله الأول وظلت بنوده في مهب الأهواء والنزوات. ولكن أساتذة القانون لدينا ينسون أن المشرع في المجلس التأسيسي لدستور 1959 قدم للدستور بديباجة (سموها توطئة) تقول: (نحن ممثّلو الشعب التونسي المجتمعون في مجلس قومي تأسيسي، نعلن أنّ هذا الشعب الذي تخلّص من السيطرة الأجنبيّة بفضل تكتّله العتيد وكفاحه ضدّ الطغيان والاستعمار والتخلّف، مصمّم على تعلّقه بتعاليم الإسلام وبوحدة المغرب الكبير وبانتمائه للأسرة العربية والتعاون مع الشعوب الإفريقية في بناء مصير أفضل وبالتضامن مع جميع الشعوب المناضلة من أجل الحرية والعدالة، وعلى إقامة ديمقراطية أساسها سيادة الشعب وقوامها نظام سياسي مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السلطة). هذه توطئة الدستور القديم وهي تؤكد أن الشعب التونسي متعلق بتعاليم الإسلام إبان استقلاله فهل من الحكمة أن نتراجع عن هذا التعلق بعد نصف قرن؟ الجواب يكمن في الاعتبار بفشل الدستور القديم وضرورة تحصين الهوية في الدستور الجديد.
362
| 18 أبريل 2012
كان مشهدا يشرف تونس الجديدة حين وقف رئيس الجمهورية د. منصف المرزوقي يعتذر لأسرة الزعيم صالح بن يوسف طيب الله ثراه باسم الدولة التونسية والزعيم الشهيد اغتيل في صيف سنة 1961 في أحد فنادق مدينة فرنكفورت بألمانيا كما اعتذر لأسرة الزعيم الحبيب بورقيبة عما ناله من ظلم بعد الانقلاب عليه سنة 1987 فتم وضعه في إقامة جبرية قسرية أنهت حياته بشكل اضطهاد مجاني لا يليق بزعيم. إلا أنني أتمنى أيضا ألا تتردد الدولة باسم رئيسها الحالي في الاعتذار لكل المضطهدين والمقموعين والمطاردين على مدى العقود الخمسة الماضية أي في عهدي بورقيبة وبن علي. فالوفاء الذي يعبر عنه التونسيون هذه الأيام لبورقيبة بمناسبة ذكرى وفاته هووفاء صادق لزعيم كبير لكن أخطاء بورقيبة كانت أيضا كبيرة ولا يخلومنها عهد من عهود الدول في العالم. والتاريخ نقرأه بعيون الوفاء ولكن كذلك بعيون الحقيقة ورد الاعتبار لكل من ناله عسف أوراح ضحية انتقام. هنا يكمن شرف الدولة العادلة المنصفة الأمينة ولا أحسب الدولة التونسية المنبثقة من شرعية الثورة إلا مؤسسة على العدل والإنصاف والأمانة. إن أول الأسر التونسية التي علينا تقديم الاعتذار لها هي من بقي حيا من أسرة ملوك تونس الحسينيين لأن هذه الأسرة التي عزلها بورقيبة عن العرش وأسس الجمهورية في 25 يوليو1957 تعرضت للإهانة والسلب والنهب دون أي اعتبار لما كان لها من دور وطني مع الملك الصالح محمد المنصف باشا باي الذي اختار أن ينحاز لشعبه ويواجه الاستعمار إلى أن اغتيل مسموما في منفاه بمدينة (بو) الفرنسية وكذلك الملك الصالح محمد الأمين باي الذي اختار لرئاسة حكومته الزعيم بورقيبة وحكومة من الحزب الدستوري وتعرض بعد خلعه لسوء المعاملة والإهانة وزج بأولاده وصهره الوزير محمد بن سالم وبوزيره محمد سعد الله في السجون بتهم كيدية وتوفي الوزير محمد سعد الله في السجن وهوأحد مؤسسي الإدارة التونسية المستقلة كما توفي الملك محمد الأمين في شقة صغيرة بحي تونسي متواضع. ثم إن رئيس الحكومة الأسبق في وزارة الاستقلال طيب الذكر الطاهر بن عمار الذي وقع بيده وثيقة الاستقلال يستحق أهله وأولاده اعتذار الدولة بعد أن انتقم منه بورقيبة بلا سبب وجيه وأودعه السجن حين كان مفتاح السجن بيد بورقيبة وليس بيد القضاء. وبعد ذلك تأتي مأساة اليوسفيين من أنصار الزعيم المرحوم صالح بن يوسف وما أصابهم في أرواحهم وأملاكهم وذريتهم من مظالم ومحومن التاريخ أعقبتها مباشرة ملاحقات اليساريين الشبان من مجموعة (آفاق) وهم من نخبة شباب تونس في أواخر الستينات ومعهم القوميون والبعثيون الذين أحبوا وطنهم لكن بطريقتهم وحسب مبادئهم فطوردوا وسجنوا وتحملوا عقودا من الملاحقات والتهميش والضيم. وحلت منذ سنة 1969 محنة أحمد بن صالح الوزير القوي الأسبق للاقتصاد الذي مسح فيه بورقيبة سكين تورطه الشخصي وتورط حكومته في مغامرة (التعاضد) فحوكم الرجل ظلما ثم نجا بجلده للمنفى ولم يناصره أحد ممن كان في بطانة بورقيبة وحلت لعنة الزعيم بورقيبة على كل من وقف مع هذا الرجل المضطهد وقال كلمة حق في حضرة السلطان الجائر. وأحمد الله أنني كنت من هؤلاء وأنا شاب في العشرين مع رفيقين من نفس السن هما المربي الفاضل عامر سحنون والموظف بعد ذلك في جامعة الدول العربية أحمد الهرقام وهما حيان يرزقان اليوم حين كان محافظ الشرطة حسونة العوادي يستجوبنا يوم 4 سبتمبر 1969 بتهمة الدفاع عن بن صالح وبث البلبلة عفا الله عنه وعنا جميعا. ثم انتهى عهد بورقيبة بمحنة محمد مزالي رئيس الحكومة الأسبق رحمه الله الذي تشرفت بمرافقته في منفاه وتحمل تكالب النظام البائد علينا وعلى أهلنا وعلى أعراضنا لمدة عقدين فصودرت بيوتنا وشتت أولادنا ولوحقنا أنا وهو من منظمة إنتربول سنوات طويلة ورئيس الجمهورية الحالي د. منصف المرزوقي كان أول من شد أزرنا وراسلنا وكتب في الصحف التونسية مقاله الجريء (راكب الأسد) وهو اليوم أجدر من ينصفنا أمام التاريخ وأمام الشباب التونسي الذي لم يعش مأساتنا. إن اعتذار الدولة موقف معنوي وسياسي وقيمي لعله يساهم في كتابة التاريخ الوطني بأكثر أمانة وعدلا وإنصافا.
656
| 11 أبريل 2012
عندما كانت جماهير الناس تهتف للحريات و الكرامة في شوارع تونس و مصر و اليمن وليبيا كان لديها أيضا حلم عربي من ذلك الصنف الذي غنى له المطربون العرب فأبكوا العرب من المحيط للخليج حين قالوا : كان حلمنا طول عمرنا حضن يضمنا كلنا كلنا. جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما.... و كذلك أوبريت الضمير العربي الذي يقول إننا يمكن نسينا في يوم إن العرب إخوان و الشعب العربي يريد سلام موش استسلام.... و كان لدى هذا الشباب الثائر على الظلم سنة 2011 كذلك أمل في أن تهب دول عربية لزرع الرجاء بمجرد تفعيل الاستثمارات لمشاريع هذه البلدان محدودة الموارد وهشة البنية التحتية وتعويض السياحة الأوروبية بالسياحة العربية و تحمل قسط في جلب الكفاءات من شبابها المعطل للعمل في هذه المجتمعات على الأقل في مرحلة عسيرة جاءت مباشرة بعد انهيار أنظمة الاستبداد. أين ذهب العرب و أين أيديهم الكريمة السخية التي يتطلع لها إخوة لهم دفعوا بشهداء الحرية من أجل إنتمائهم للعروبة و الإسلام و فتح طريق جديدة نحو استقلال القرار العربي و البداية في تحرير من بقي من شعب فلسطين من أفظع مأساة احتلال و إبادة في القرن الماضي. كان الأمل العميق معلقا على قلوب الأشقاء العرب و ضمائرهم لأن إجهاض هذا الربيع وارد و المناورات عديدة تحاك هنا و هناك من أجل إفشال نموذج تونس مثلا لأنه نموذج فريد و غير مسبوق حقق تحولا حضاريا و سلميا أبهر العالم و بنجاحه سوف تنجح الحالات العربية الأخرى و بفشله لا قدر الله ستسقط كل محاولات بناء الذات التي تبعته و تلته في هاوية الردة و النكوص. إن تونس الخضراء اليوم تقف على أبواب نصر الحرية على الاستبداد و نصر الحق على الباطل و نصر المظلومين على الظالمين و نصر الحلم العربي على المؤامرات الاستعمارية الجديدة و نصر اللغة العربية على اللهجات الهجينة اللقيطة و نصر التضامن العربي على مغامرات التقسيم و التجزئة و نصر الوحدة العربية على أشلاء سايكس بيكو. إن تونس التي دشنت صراط الانعتاق و أوصدت طريق الإلحاق مهددة بمعضلات هيكلية موضوعية لا دخل لنخب اليوم في وجودها. فكل حالة تغيير جذري في أية دولة تطرح قضايا انخرام التوازن الاقتصادي و استفحال المطالبات الاجتماعية و تضاعف أعداد الشباب العاطلين عن العمل إلى جانب بعض الانفلات الأمني و انحباس الاستثمار الداخلي و الخارجي وإغلاق الفنادق و المرافق السياحية وهي ملفات طبيعية فتحت في زمن قصير و في الوقت نفسه لتهدد مكاسب الشعب بالتراجع. و نحن نثق في أشقائنا قبل أن نثق في المؤسسات الأمريكية و الأوروبية لكي يتدارس إخواننا في الله و العروبة إمكانية التوافق حول مخطط مارشال عربي لإنقاذ لا وطني فحسب بل و معها كل مكاسب الربيع العربي الذي يبشر بعصر عربي أروع و أقوى و أبقى. إن الولايات المتحدة شعرت مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بأن مصيرها مرتبط جدليا و سياسيا و اقتصاديا و استراتيجيا بمصير القارة الأوروبية بعد أن خرجت فرنسا و بريطانيا منتصرتين على النازية فهبت واشنطن لتنفذ مخطط مارشال الذي ضخ في الاقتصاد الأوروبي مئات المليارات من الدولارات دون من و دون شروط حتى نهضت القارة الأوروبية العجوز من كبوتها و ارتبطت بمحيطها الأطلسي و دافعت عن الولايات المتحدة بآليات حلف الناتو إلى يوم الناس هذا. ثم إن ما يشبه مخطط مارشال وقع تطبيقه منذ سنة 2008 على الدول الأوروبية المهددة بالإفلاس مثل اليونان فضخ فيها البنك المركزي الأوروبي بإعانة أمريكا مئات المليارات من اليوروات حتى لا يغرق المركب الأوروبي بمن فيه. إن مركبنا العربي اليوم مركب واحد و إذا نجحت تونس في تجاوز عراقيلها فهو نجاح للعرب جميعا و من أؤكد واجبات إخوتنا و أبناء عمومتنا أن يمدوا يد العون و السند لشعب عقبة بن نافع و طارق بن زياد و ابن خلدون و أبي القاسم الشابي لأن التاريخ العربي الإسلامي علمنا أن بطولات تونس منذ الفتح الإسلامي هي نفس بطولات الجزيرة العربية الشماء التي منها إنطلق الفاتحون فواصل أبناء المغرب الإسلامي طريقهم نحو الأندلس ثم نزلوا إلى إفريقيا مبشرين براية الرسول الأعظم و الكتاب الذي أنزل إليه. إن ماضينا واحد و لا يكون مستقبلنا إلا واحدا.
412
| 04 أبريل 2012
نظم حزب الاتحاد الوطني الحر التونسي هذا الأسبوع ندوة دولية تحت عنوان: الإسلام والتنمية والديمقراطية بمشاركة عدد من المفكرين من بينهم البروفسور أحمد أقندوز من تركيا حول التجربة التركية الحديثة والأستاذ جورج إسحاق أحد مؤسسي حركة كفاية المصرية حول المجتمعات التعددية العربية ما بعد الربيع العربي والأستاذ محمد أوجار وزير حقوق الإنسان في الحكومة المغربية السابقة حول شروط نجاح منظومة حقوق الإنسان بين الدين والسياسة ود. محمد بن بريكة الجزائري مؤرخ الحركات الصوفية في العالم الإسلامي حول جوهر الفكر التصوفي ورسالته في المجتمعات المسلمة وفضيلة الأستاذ عبد الفتاح مورو أحد أبرز مؤسسي الحركة الإسلامية التونسية حول التوفيق بين القيم الأصيلة والحداثة. وحظيت هذه الندوة العلمية باهتمام عدد غفير من أساتذة الجامعات ورجال الإعلام والأدب والفكر والسياسيين لأنها طرحت محاور أساسية اختارها رئيس الحزب الأستاذ سليم الرياحي وأمينه العام الدكتور خالد شوكات لكونها تحاول تبيان عدم تضارب هذه المنظومات القيمية الأساسية وهي دين الأمة وطموحها المشروع للتنمية وتطلعاتها القوية للديمقراطية وصون الحريات. واتفق جميع المتدخلين على ألا تضاد بين الإسلام كعقيدة وكشريعة مع التنمية المستديمة والديمقراطية الأصيلة. واخترت أنا في مداخلاتي أن أشرح للشباب من منظوري المتواضع معنى ما أسميته الحداثة التأصيلية مقابل بضاعة مغشوشة هي الحداثة المستعارة. وقدمت للحاضرين مثل اليابان والعالم العربي حين بدأت النهضتان اليابانية والعربية تقريبا في نفس العشرية أواسط القرن التاسع عشر وقد كان اليابان يدشن نهضته على أيدي أسرة المايجي وكان العالم العربي يدشن نهضته على أيدي الحركة الإصلاحية لمحمد علي في مصر. وأشرت إلى أننا بعد قرن ونصف نتساءل اليوم: أين وصل اليابان وأين وصل العرب؟ والسر الأول في توفيق اليابان وفشل العرب هو أن اليابانيين غرفوا حداثتهم من معينهم الأصيل وأحسنوا توظيف تراثهم وأحيوا تقاليدهم وأثروا دينهم مع فتح أبوابهم في وجه الغرب المتطور دون التنازل عن ثوابتهم بينما نحن العرب اخترنا استعارة حداثتنا من الغرب ومن تقاليده ولغاته وأحيانا من أديانه معتقدين كما كان يقول الزعيم بورقيبة عن حسن نية بأننا سوف نلتحق بركب الحضارة...(الغربية) كأنما الحضارة الغربية سوف تنتظرنا جامدة تراوح مكانها حتى نلتحق (بسلامتنا) بها وهذا هو الخطأ الجوهري الذي جعل أغلب بلادنا مذيلة للغرب مستلبة الإرادة مستعيرة سلوكياتها وثقافاتها ولغتها وردود أفعالها من الغرب وبالطبع فهي عاجزة عن الإبداع بل وعاجزة عن تحقيق استقلالها الكامل حتى لو نالت استقلالها الإداري والعسكري. فتعطلت التنمية الحقيقية الخلاقة لتعوضها استكانة لراحة الاستهلاك وضاعت التربية المبدعة التواقة لتحل محلها نواميس التقليد واستنساخ تجارب الأمم الأخرى فأنتجت المجتمعات العربية أصنافا مشوهة من الأجيال العاجزة المندمجة في الغير من دون إرادة. ونسيت نخب العرب ما لدى العرب من مخزون حضاري غني ومتميز مثل مدرسة الطب الإسلامي التي شهدت عبقريات ابن سينا وابن الجزار وابن النفيس والرازي حين كان الطب الإسلامي هو الذي يجمع بين علاج الجسد والنفس ومثل مدرسة التربية الإسلامية لدى محمد بن الجزار القيرواني صاحب كتاب (سياسة الصبيان وتدبيرهم) ومثل مدرسة العلوم لدى الخوارزمي الذي حرف الغرب اسمه إلى (لوغاريتم) الذي أسس لتكنولوجيا الحواسيب بفضل علم الكسور ومثل مدارس المعمار العربي...إلى آخر قائمة الحضارة الإسلامية التي نقلت للغرب أصول علوم اليونان وفلسفاته وآدابه. وألححت في مداخلاتي على أن تكون تحولات الربيع العربي تحولات حضارية لا مجرد مطالبات سياسية أو اجتماعية حتى نعود كأمة رائدة إلى حركة التاريخ نصنعه ولا نتحمل دوراته العجيبة ونحن على هامشه نتفرج على إنجازات الأمم الأخرى مبهورين مندحرين مقموعين لا حول لنا ولا قوة. ذلك هو الفرق الشاسع بين حداثة تأصيلية وحداثة مستعارة.
762
| 28 مارس 2012
قطع العالم الطريق الفاصلة ما بين الاقتصاد والسياسة والحرب خلال العقود الثلاثة الماضية بشكل غير معلن بل إن الخبراء وحدهم هم الذين اكتشفوا العلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والسياسة والحرب. أصبحنا نرى الدول المتعاظمة مطالبة من قبل شعوبها بتقديم حلول سياسية لمعضلاتها الاقتصادية وإذا تعذر الأمر وعجزت السياسة فالحرب هي الحل. وهذا الخطاب واضح مثلا من نبرات خطاب السيدة هيلاري كلنتون الأسبوع الماضي حول شروط الإعانة الأمريكية لمصر حيث وضعت نوعية العلاقات بين مصر وإسرائيل كمعيار لتقييم السياسات المصرية وبالتالي فإن القاهرة ما بعد الربيع مطالبة بتقديم شواهد احترام المصالح الأمريكية الحيوية مستقبلا دون تغيير عميق لما عرف عن مصر في السابق. كما أن عودة الحرب الباردة ما بين أمريكا وروسيا والصين (حول سوريا وحول الدرع الصاروخية مثلا) توحي بأن عملية لي الأذرع هي الأصل لتغيير نوع العلاقات الراهنة بين مجموعات من الدول تتناقض مصالحها وتتضارب خططها وتتناحر شركاتها وتتعادى شعوبها بما لا يخدم السلام العالمي وبما يهدد المصالح العربية في دولنا الهشة. فنحن كأنما نكتشف لأول مرة الخلافات الجوهرية بين مجموعات الدول المتقابلة في شبه مواجهة وهذه المجموعات هي كالتالي: 1- الولايات المتحدة تتزعم فريقا من الدول مثل كندا وأستراليا وعدة دول أوروبية أهمها بريطانيا تنادي برفع كل القيود المفروضة على المبادلات التجارية وتحرير الاقتصاد لتعزيز الليبرالية وهذا الطريق حسب عقيدة هذه الدول هو الكفيل بزيادة النمو ومضاعفة الإنتاج وخلق دينامكية التنمية وتوزيع خيرات وثمار التنمية على كل شعوب العالم. وبالطبع فإن هذه المنهجية ليست مبتكرة لأنها وليدة المفكرين الاقتصاديين الأوائل أمثال أدم سميث (1723-1790) وجون ماينار كاينز (1883- 1946)، لكن المنظرين الجدد في الإدارة الأمريكية (مثل السيناتور ماك كاين) يوظفون هذه النظريات لخدمة مشروع سيادة اقتصاد السوق وإعطاء الأولوية لإنتاج تلك البلدان المشاركة في هذه العقيدة الليبرالية المتشددة تحت غطاء شرعية المنظمة العالمية للتجارة ولعل هؤلاء المنظرين اهتدوا إلى أن التغييرات التي أنجزها الربيع العربي لا بد أن تحافظ على هذه العقيدة وأن تعزز غلبة هذا الفريق في ضمان التزود بالنفط والغاز بل أن تصبح الطاقة تحت الرقابة الأمريكية المباشرة حتى لا تطمع روسيا والصين في مزاحمة القوة الأمريكية الأعظم. 2- فرنسا تتزعم فريقا من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبلجيكا واللكسمبور والنمسا تطالب بتفكيك العولمة الاقتصادية إلى حلقات تراعي خصوصيات البلدان وعدم تدويل الملفات الاقتصادية وتدافع مثلا عن مبدأ مساعدة القطاع الزراعي في بلدانها بينما ترى المجموعة الأولى بأن مساعدة الدول للمزارعين تعيق عملية التنافس الحر وتناهض مبدأ التجارة الحرة. 3- القوى الكبرى الجديدة كما أصبحت تسمى وهي الصين والهند والبرازيل تشكل فرادى أو مجتمعة قوة ضغط وتأثير تقرأ لها واشنطن ألف حساب، وهي دول كانت بالأمس القريب تعد من بين الدول النامية وضمن نادي العالم الثالث وقفزت إلى الطليعة بفضل إنتاجها الصناعي الذي استقل عن الارتباط بالخارج وبفضل انخراطها السريع في الثورة الرقمية ومجتمع المعلومات بل وتحولت إلى مصدرة لجميع أصناف المنتجات النسيجية والتكنولوجية والغذائية والإلكترونية لكل أنحاء الدنيا مما طرح قضايا جديدة وطارئة لم يكن يعرفها الاقتصاد العالمي من قبل مثل قضية غزو النسيج الصيني أو غزو الحواسيب الهندية أو السيارات البرازيلية لأسواق أمريكا وأوروبا في ظرف زمني غير مسبوق. وهذه القوى القادمة لها شروط تحاول فرضها على منظمة التجارة العالمية وأهمها شرط الشراكة الكاملة مع المجموعات المهيمنة وتحديدا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا مجرد التنسيق والتعاون بعقلية السيد والعبد كما قال وزير التجارة الدولية البرازيلي. 4- مجموعة البلدان الهزيلة والمتقبلة للمساعدات الدولية (وأحرى بنا أن نقول الصدقات) وهي البلدان التي كانت مستعمرات أوروبية ثم عندما استقلت ظلت مراتع للاستعمار ومختبرات للتجارب من جميع الأصناف، بما فيها التجارب النووية إلى عهد قريب مثل ما يثار أحيانا من عمليات دفن النفايات النووية الأمريكية والأوروبية في بعض البلاد المتخلفة وهذه البلدان التي أصبحت تصدر المهاجرين لدول الشمال المرفهة بل وتصدر الأوبئة أصبحت محل اهتمام من الغرب لهذه الأسباب أي الخوف من تحولها إلى بؤر التهجير ونقل الإيدز وقض مضاجع السادة النائمين المطمئنين إلى منظومة بريتن وودس النقدية العالمية الجائرة وإلى نواميس صندوق النقد الدولي التي خربت بيوت شعوب مستضعفة وزادت من حفر خنادق الظلم بين البلدان ووسعت من دائرة الحرمان وبررت الحروب الأهلية والمجازر في عدة أقاليم من العالم آخرها هذه الأيام مجاعة في الصومال ومخاطر أزمات كبرى في كل البلدان العربية التي تغيرت أنظمتها سنة 2011. وهكذا تدريجيا، تنزلق دول العالم من الوفاق المزيف إلى التعاون الاقتصادي المخادع إلى المواجهة السياسية والشقاق الدبلوماسي ثم تدريجيا إلى التلويح بالحروب وتتبدل شيئا فشيئا منظمة الأمم المتحدة لتصبح في الواقع منظمة الأمم المتناحرة! ولا يمكن فهم مسار الملف النووي الإيراني أو التعاطي مع أحداث سوريا إلا في هذا الإطار.
536
| 21 مارس 2012
الزلزال الذي هز كيان الاتحاد الأوروبي بالأزمة المالية الخانقة وما تلته من التوابع المتوقعة هي حالة الانشطار والاحتقان بين قطبي الاتحاد فرنسا وألمانيا حتى بعد إعلان منح 120 مليار يورو لليونان المفلسة منذ أسبوع واصطناع موقف متقارب بين الدول الأوروبية حول ضرورة إنقاذ أثينا من السقوط. أعلن هذا الزلزال في الواقع عن تغيير عميق في حدود الانقسامات التقليدية بين يمين ويسار وبين حاكم ومواطن وبين بورجوازي وطبقة كادحة، ليصبح الانقسام الأكبر هو بين المناصرين للاتحاد الأوروبي وبين المناهضين لمبدأ الوحدة من خلال التهديد الصريح بمغادرة سفينة العملة الموحدة (اليورو) لعودة فرنسا للفرنك وألمانيا للمارك. فقد رأينا العجب العجاب في الحملات الانتخابية الرئاسية في باريس، حين اتفق أقصى اليمين المتمثل في زعيمته مارين لوبان مع أقصى اليسار المتمثل في زعيمه ميلونشون مع المرشح الديغولي اليساري جاك شوميناد على ضرورة الرجوع للعملة الفرنسية الفرنك وعدم تحمل أزمات الدول الأوروبية الهزيلة مثل اليونان والبرتغال وأسبانيا، كما رأينا كيف انفجر الحزبان الأكبر: حزب الأغلبية الرئاسية وهو الحزب الحاكم، والحزب الاشتراكي الذي يستعد لتسلم السلطة.. انفجر هذان التنظيمان من الداخل لينقسم كلاهما إلى شقين: شق دعا إلى القبول بالدستور الأوروبي وشق دعا إلى رفضه. وأعلن فرنسوا هولند الأمين العام للحزب الاشتراكي ومرشحه للرئاسة بعد أيام أن الحزب سيعقد مؤتمرا استثنائيا لمحاولة تجاوز الأزمة. أما الانشقاق الثاني فهو يتعلق باستعمال المهاجرين العرب والجاليات المسلمة كورقة سياسية للحصول على أصوات الناخبين. وقد تجاوز الرئيس الفرنسي المرشح لخلافة نفسه (نيكولا ساركوزي) كل الخطوط الأخلاقية الحمراء ليفتك من أقصى اليمين بعض ما لديه من (كتائب انتخابية تمثل 15% من الخارطة الانتخابية الفرنسية) فأعلن أن فرنسا غير نادمة على استعمار الجزائر وأنه لابد من التخفيف من دخول المهاجرين الشرعيين إلى بلاده بنسبة 50% هذا العام بعد أن تحمس لتقديم قانون يجرم كل شك فيما يعرف بإبادة الأرمن وهو ما رفضه المجلس الدستوري الفرنسي بشجاعة لأن التاريخ من مهمات المؤرخين وليس من مناورات السياسيين. ولم يدخل المرشح الاشتراكي هذه الحلبات الملغومة فظل على الأقل وفيا لمبادئ حزبه. يتفق جميع المراقبين السياسيين على أن الرئيس الفرنسي والنخبة السياسية اليمينية الجمهورية في باريس لم تحسن استخلاص الدرس القاسي الذي أعطاه الشعب الفرنسي لزعاماته يوم 21 أبريل 2002 حين لم يحصل شيراك زعيم اليمين ومنافسه جوسبان زعيم اليسار آنذاك في الدور الأول للانتخابات الرئاسية إلا على نسبة 26% للاثنين مجتمعين في حين صعد جون ماري لوبان زعيم اليمين العنصري المتطرف (وهو والد الزعيمة الحالية لنفس الحزب مارين لوبان) إلى الدور الثاني للانتخابات وكاد يفوز برئاسة الدولة لولا هبة الشعب الفرنسي الحضارية في اللحظات الأخيرة أنقذت النظام الجمهوري من الانهيار الحقيقي الذي كان ينتظره حينها ، وبعد ذلك نجح شيراك في جمع أصوات الجمهوريين وأنصار دولة القانون والحق، ثم تجاهلت الطبقة السياسية اليمينية الفرنسية ذلك الإنذار الخطير وواصلت لعبة التحالفات اليمينية المتطرفة والشعارات العنصرية ضد المسلمين بمعزل عن الواقع أي بمعزل عن تخوفات الشعب الفرنسي من خطرين محدقين وهما : توسيع الاتحاد الأوروبي بلا ضوابط مما يحرم الفرنسيين مما اعتبروه واعتبره العالم معهم "النموذج الاجتماعي الفرنسي" أو مما يسمى اختصارا بالاستثناء الفرنسي ! والخطر الثاني هو انزلاق السياسات الأوروبية نحو دغدغة الغرائز العنصرية وإيقاظ الغول الفاشي النائم في أعماق الرأي العام الجاهل لأن التلويح بالبعبع العنصري والفزاعة بخطر أسلمة أوروبا تحريف للتاريخ وللحق تحت ذرائع انتخابية تهدد القيم الحضارية والسياسية التي تأسست عليها أوروبا وتعزل الاتحاد الأوروبي عن فضائه الجغراحضاري الذي يشمل العالم الإسلامي منذ 15 قرنا.
373
| 14 مارس 2012
عبارة (امتحان الربيع العربي) استعرتها من الصحفي الأمريكي (ديفيد سانجر) الذي عنون بها مقاله القيم في صحيفة (نيويورك تايمز) ليوم 2 مارس الجاري والتي حلل فيها ما سماه عقيدة أوباما في الملف الشرق أوسطي أي بإزاء العلاقة التفاعلية بين مسار الثورة السورية وبين التعاطي مع الحالة الإيرانية. ويعتقد الكاتب أن البنتاجون نصح البيت الأبيض بالسعي إلى تكثيف العقوبات المسلطة على طهران وتشجيع العمليات السرية ضد منشآتها وعلمائها (بأيد إسرائيلية) وتحريك آليات حراك شعبي داخلي إيراني شبيه بالربيع العربي والتهديد بالخيار العسكري الأمريكي (وهو ما فعله أوباما يوم السبت الماضي) وأيضا التسريع بإسقاط النظام السوري عوض تقرير ضربات عسكرية فعلية ضد المفاعلات النووية الإيرانية. والسبب هو أن الولايات المتحدة تدرك حجم الكارثة المتوقعة من جراء حرب (أمريكية – إسرائيلية) على إيران تكون تداعياتها إقليمية ودولية. فإقليميا سيتأثر المحيط العربي بتركيبته الطائفية المعقدة في لبنان والعراق والخليج كما أن باكستان لن تبقى خارج الأزمة وهي التي تملك 120 رأسا نووية ووسائل إطلاقها بعيدة المدى وباكستان هي التي ساعدت إيران على تطوير برنامجها النووي بمساندة روسية وكورية شمالية كما أن تركيا التي تستورد %30 من نفطها من إيران لن تقتنع بحلول عسكرية أحادية تغير خارطة المنطقة بما لا يخدم مصالحها. أما دوليا فالمواجهة محتملة مع موسكو وبكين بنفس المواصفات التي نقرأها في معالجة الأزمة السورية. وهنا لا بد أن نشير إلى تصريح القائد الأعلى للقوات الروسية الجنرال (نيكولاي ماكاروف) لإذاعة (إيكو موسكفي) حيث قال يوم 23 فبراير إن "روسيا لا تخطط لمواجهة مع حلف شمال الأطلسي لكنها حين تجد مصالحها الحيوية مهددة فهي لا تتردد في استعمال سلاحها النووي" ومن جهة أخرى أعلن في نفس التصريح بأن موسكو بصدد تصنيع عشر غواصات نووية وتحديث أسطولها الجوي الناقل للسلاح النووي. ولا ننسى بأن رئيس مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشاف ندد يوم 17 فبراير بالدرع الصاروخية الأمريكية الذي بدأ ينشر وحداته قريبا من الحدود الروسية حين قال" إن الولايات المتحدة لم تستمع لمقترحاتنا في هذا الشأن ونحن ندرك بأن هذه الدرع موجهة لروسيا وللصين أكثر من توجيهها لإيران". في النشرية الأمريكية (سترتيجيك ألرت) نقرأ في عدد فبراير بأن قائد أركان الجيش الأمريكي الجنرال (مارتن دينبساي) صرح على قناة (سي إن إن) يوم 19 فبراير بأن من مصلحة الولايات المتحدة عدم المواجهة مع روسيا والصين. ولكن هذا التفاؤل تفنده اللهجة المهددة للرئيس أوباما والتي يمكن وضعها في خانة المناورة الانتخابية استعدادا للرئاسيات القادمة. ومهما كانت قراءتنا لهذه النذر الجدية فإن الربيع العربي سيتجاوز امتحانه الدولي الأول والخطير بالنظر إلى ترابط كل هذه الملفات بعضها ببعض. إن نظرية توقع حرب عالمية نووية ثالثة أصبحت تسكن مختلف الأدبيات السياسية والدبلوماسية والأكاديمية في الغرب وفي روسيا والصين واليابان ومن الغريب أننا نحن العرب كأنما ألهانا التناحر عن استشراف أفقها المظلم وفخاخها المنصوبة حتى نتحوط على الأقل ونعتبر بالأحداث. فعالم الاقتصاد الأمريكي ليندن لا روش مستشار الرئيس ريجن سابقا عقد مؤتمرا صحفيا يوم 19 فبراير لينذر أمريكا والعالم بخطر توجيه مسار الاختلافات نحو المواجهات منبها إلى أن الأزمة المالية التي تعيشها عديد الدول الأوروبية تسعى بأوروبا نحو الحرب كمخرج تقليدي من الإفلاس مثلما كانت الحرب الكونية الثانية نتيجة منطقية لأزمة 1929 الكبرى. وهنا لا مناص من استحضار تهديد الداهية الأمريكي هنري كيسنجر بضرورة استيلاء القوات الأمريكية على سبع دول عربية حتى يعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الأمة الأمريكية (3 فبراير في أغلب وسائل الإعلام). ثم اقرأوا تحليل توماس فريدمان بعنوان (من عرب ستريت إلى وول ستريت) لتدركوا أن الربيع العربي رغم شرعية منطلقاته وحتمية صيرورته فهو ليس في مأمن من التوظيف الدولي في مخططات أكبر منا كثيرا وأوسع تأثيرا وليس في أيدينا مقود توجيهه نحو ما يخدم أمتنا.
337
| 10 مارس 2012
كل من أكرمه الله بقراءة التاريخ يدرك ما تخفيه المصطلحات من "فخاخ" أيديولوجية فهي تستعمل لتبرير العدوان وتزين القبيح من الأعمال. وإني دائم الحذر عندما أقرأ عبارة (الإرهابي) تلصق بمقاوم للظلم أو بطالب حق. ولم يستثن الربيع العربي أدبياته من توظيف نعت الإرهاب دون تمحيص فأصبحنا نسبح في بحار الإرهاب من هنا وهناك دون منارة حتى أصبح مصطلح الإرهاب هو الأكثر استعمالا ورواجا في لغة السياسة والإعلام والأدبيات الفكرية في كل أرجاء العالم اليوم، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى تفاقم ظاهرة الإرهاب واستفحال معضلات الشعوب المغلوبة على أمرها وتزايد محنة المستضعفين في الأرض وقيام العولمة بإلغاء الحدود وتحطيم الحواجز أمام الأخبار والمعلومات والناس والبضاعة. ولكن الذي يقرأ التاريخ يكتشف حقائق غريبة وغير متوقعة لتحديد مفهوم الإرهاب عبر مراحل التطور البشري ويدرك بأن هذا المصطلح استعمل دائما لوصف الشيء ونقيضه واستخدم من قبل الأعداء والخصوم لنعت بعضهم البعض وظل لهذا السبب مصطلحا هلاميا غامضا وخفيا لا يمكن تصنيفه بموضوعية ولا إلقاؤه جزافا على كاهل هذا أو ذاك من الشرائح البشرية. وأنا ذاتي كانت بعض الصحف التونسية الصفراء خلال العشريتين الماضيتين تلقبني بالإرهابي! عندما كنت مجرد مثقف متعفف معارض ناصح للرئيس السابق بن علي تماما كما كانت نفس الصحف تصف الشيخ راشد الغنوشي ود. منصف المرزوقي والمهندس حمادي الجبالي!ولعل التعريف الذي تقدمه السيدة كلينتون (أخيرا في مؤتمر تونس) أو السيد بوتن (أخيرا في حملته الانتخابية) مثلا لتوصيف الإرهاب وتحديد معناه يفتقد المرجعية التاريخية ويقع بذلك في المزالق الأيديولوجية مما يجعل هذه التعريفات ظرفية ومرتبطة إما بمصالح الدولة الأمريكية أو المعسكر الروسي الصيني عموما أكثر من ضبط المفهوم اللغوي والسياسي للكلمة فالدبلوماسية الأمريكية والروسية والصينية تؤكد بأن الإرهاب هو قتل الأبرياء تحت أية ذريعة كانت. وهو تعريف يبدو موضوعيا وصائبا بل متفق عليه من دون جدل، لكن المنطق يقتضي أن يطلق هذا المفهوم على الجيوش النظامية التي تقتل الأبرياء كذلك وبصورة أوسع تحت ذرائع شتى ولكن خارج إطار كل الشرائع الدولية منها والأخلاقية فإسرائيل وحليفها الأمريكي مثلا حين ينعتان مسلحي حماس والجهاد الإسلامي بأنهم إرهابيون لأن استعمال القوة وحمل السلاح لا يخول إلا للأنظمة والدول وإلا تحول الأمر إلى فوضى، لكن ماذا نقول عن مليون مسلح مدني إسرائيلي مدججين بالرشاشات هم أيضا خارج النظام وخارج الدولة الإسرائيلية بكل المقاييس ويقتلون ويلاحقون ويعذبون ويختطفون بلا قانون فكيف نسمي الأولين إرهابيين والآخرين مدافعين عن أنفسهم؟ فأبسط قواعد التصنيف الموضوعي تدعونا إلى اعتبار المدني الإسرائيلي المسلح والذي يهاجم المدنيين كذلك إرهابيا بنفس المعايير التي تطبق على مسلحي حماس والجهاد، حتى إذا جاريناها وألغينا حقوق الشعوب المحتلة في الكفاح من أجل التحرير بكل الوسائل حسب نص ميثاق الأمم المتحدة!ثم إن التاريخ يعطينا دروسا وعبرا لا بد من استحضار بعضها في مفهوم الإرهاب. ففي حملة بونابرت على مصر قامت ثورة القاهرة في 22 أكتوبر 1898واستمرت ثلاثة أيام استشهد فيها علماء وطلبة الأزهر الشريف على أيدي قوات الاحتلال الفرنسية وكان الضابط والمؤرخ الفرنسي/ فيفان دونان ينقل في أوراقه ذلك الحدث ثم نشرها في كتاب يسمي فيه الثوار بالإرهابيين! ثم نقرأ منذ سنة 1830 كل الصحف الفرنسية لنجد أن الأمير عبد القادر الجزائري أمير القلم والسيف والذي قاوم الاستعمار منعوت في الإعلام والبرلمان الباريسي بأنه زعيم الإرهابيين! وفي مجلة باري ماتش أشهر المجلات الباريسية عدد 18 يناير1952 نقرأ بقلم مدير المجلة/ ريمون كارتييه بأن الحبيب بورقيبة إرهابي يخفي وراء عينيه الزرقاوين حقدا إسلاميا ضد فرنسا والغرب! مع العلم أن بورقيبة علماني ومتأثر بالغرب وثقافته ومن أنصار مصطفى كمال أتاتورك! أما في جنوب إفريقيا ومنذ اندلاع شرارة مقاومة الميز العنصري في الستينيات فإن كل وسائل الإعلام البيضاء مع الحركات المتطرفة العنصرية كانت تجمع على تلقيب نيلسن منديلا بلقب كبير الإرهابيين!وفي فرنسا ذاتها كان الجنرال ديجول بعد انشقاقه عن الحكومة والالتحاق بلندن عام1940 لتنظيم صفوف مقاومة النازية وتحرير فرنسا، كان ملقبا في الإعلام باسم زعيم الإرهابيين وكان محكوما بالإعدام ولاجئا في بريطانيا إلى حين تحررت أوروبا من النازية وعاد الجنرال مظفرا يوم 19 أغسطس 1944 إلى باريس والغريب أن حكومته لاحقت أنصار الماريشال/ بيتان المتعاون مع هتلر وسمتهم بدورهم إرهابيين وأعدمت منهم الآلاف!وأنا ابتعدت عمدا عن تاريخ العرب في النصف قرن الأخير لأن الجراح لا تزال نازفة وهو تاريخ الانقلابات المتعاقبة والتخوينات المتلاحقة والاتهامات المتبادلة بالإرهاب، تاريخ الشعارات المخزية التي عصفت بأبناء الأمة مابين الناصرية والتقدمية والبعثية والقومية والاشتراكية والتي كنا نشهد خلالها مشاهد القتل والسحل والسجون والمنافي لمن اتهموا بالإرهاب ثم عادوا للحكم بعد أن داسوا على رقاب المنهزمين وذبحوهم بتهمة...الإرهاب!لهذه الأسباب ولأن الله سبحانه هداني لقراءة التاريخ واستخلاص عبره فإني أظل شديد الحذر في استعمال مصطلح الإرهاب!
567
| 03 مارس 2012
لا أحد ينكر أن نوعا من العنف غير المبرر صاحب في بعض الأحيان تحولات الشعوب العربية والإسلامية من الاستبداد إلى الديمقراطية فظاهرة فقدان البوصلة رافقت كل الثورات بل وحرفت مساراتها من الرشد إلى الضلال ويكون ذلك بأيدينا نحن دون أن نغض الطرف عن أياد عدوة لا يرضيها ما ينفعنا إذا رأت فيه تهديدا لمنافعها. تلك قاعدة العلاقات الدولية شئنا أم أبينا.بعد أن حاول الإرهاب تشكيل منظوماته في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا أصبحنا نتعامل بوضوح وشفافية مع هذه الظواهر الخطيرة لنحلل أسبابها الدفينة ونعالج مضاعفاتها العديدة. ولعل القاسم المشترك بين تفجير كنائس مصرية والإعداد لبث العنف في تونس وتسريب السلاح من ليبيا إلى تونس وقتل الأبرياء في سوريا واليمن هو ارتداء لبوس الدين كتبرير لما لا مبرر له تماما كالذي حدث منذ سنوات في باريس ولندن ومدريد وبدأ يتأكد الغرب من هوية مقترفيه أي أولئك الشباب المولودون في فرنسا وبريطانيا من أصل عربي أو باكستاني، والذين تلقوا تعليمهم في مدارس أوروبا وتشربوا ثقافتها واكتسبوا تقاليدها، وبشهادة كل من عرفوا هؤلاء أو درسوهم أو رافقوهم فإنهم لا يثيرون الريبة والشك بل وجد الإعلاميون الغربيون حتى من أثنى على أخلاقهم وسلوكهم كشباب عاديين يندمجون في المجتمع الغربي بلا أية إشكالية لا حضارية ولا لغوية ولا اجتماعية!بدأ المفكرون الغربيون في بريطانيا وفرنسا وسائر بلدان أوروبا يتساءلون في حيرة من أمرهم: من أين جاء هذا البلاء الجديد؟ ومن أي باب مفتوح دخل هذا الغول المجهول؟ وكيف نفهم هذه الظاهرة الطارئة؟ وبأي الوسائل نواجه هذا الخطر المحدق؟ وأنا أكتب هذه الخاطرة لقرائي العرب وأنا أمامي سيل من التحليلات العميقة تحملها الصحف الأوروبية كل صباح نقرأ فيها مراجعات مريرة وجريئة للأفكار الجاهزة والقوالب الجامدة والخلفيات الخاطئة التي زرعها اليمين الغربي المتشدد في الأذهان، وساعده في غرسها لدى الرأي العام الغربي أولئك الجهلة المتشنجون ودعاة الفتنة من المسلمين الضالين. هذا اليمين الغربي الذي أعلن عداءه للإسلام والمسلمين بل إن وزير داخلية فرنسا (كلود جيون) صرح منذ أيام بأن الحضارات ليست متساوية وأن بعضها يتفوق عن بعض! وهي العقيدة التي بررت إبادة سكان أمريكا الأصليين والحروب الصليبية والغزوات الاستعمارية وما تزال تبرر تعامل الغرب مع قضايا المسلمين وحقوقهم بأساليبه الفضة الجائرة وقوانينه العنصرية.فهذا الأستاذ فرنسوا جيري رئيس المركز الفرنسي للبحوث الجنائية في جامعة باريس الثالثة يكتب في صحيفة لوموند الفرنسية يقول بأن حرب العراق حين لم يتحكم التحالف من إدارتها بشكل جيد ومتوازن أصبحت المصنع الأخطر للإرهاب بسبب الفوضى الكاملة التي حولت العراق إلى مستنقع سياسي واقتصادي وبؤرة للتدريب على العنف بكل أشكاله، وأول مظاهر العنف هي تلك التي شاهدها العالم مندهشا ومنددا حين ظهرت صور العار في سجن أبو غريب ورأى العالم والعرب كيف يدخل جنود المارينز إلى مسجد الفلوجة ويقتلون جريحا أعزل للإجهاز عليه دون أن يهدد هذا المسكين أحدا. ويضيف هذا الباحث الأكاديمي الفرنسي قائلا: "إن سياسة إذلال الشعوب والدوس على حقوق الإنسان مهما تزينت بشعارات مقاومة الإرهاب ستظل السبب الأساس لتبرير هذا الإرهاب الذي نقاومه، ولا أجدى من إقرار مبادئ العدل الدولي في مجال العلاقات بين الدول وبين الأمم لا إلغاء الأخلاق في التعاطي مع الحضارات المختلفة بدعوى أن الغرب يواجه الإرهاب! وإذا لم يسترجع الغرب نواميس العلاقات الدولية العادلة بين الأغنياء والفقراء فنحن معرضون للإرهاب الذي يولد من رحم الظلم والبؤس والإذلال. ولا يعتقدن أحد أنه في مأمن أمين من انتحاري مستعد لدفع الثمن بحياته دون تردد!وفي صحيفة لوفيجارو يكتب أحد المتخصصين في الشرق الأوسط الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية الزميل الدكتور علي العايدي صاحب كتاب(الجهاد في أوروبا وأسرار الحرب الاقتصادية) فيقول إن ظاهرة الإرهاب الجديد نشأت يوم 9\11\1989 أي مع انهيار القطب السوفييتي الشيوعي فتحول الصدام بين غرب رأسمالي وشرق اشتراكي إلى صدام بين غرب منتصر بعقيدته الليبرالية الديمقراطية وشرق مازال يعاني التخلف والفقر ويصر على الاحتفاظ بهوياته وتراثه ومعالم ثقافته لأن هذه الموروثات الحضارية هي كل ما بقي له لتأكيد وجوده بعد أن أوصدت الدول الغربية الغنية أبوابها في وجه شبابه بغلق الحدود وإقامة السدود ومواصلة التأييد المطلق لأعداء العرب والمسلمين من دون ضوابط، بينما يرفع الغرب شعارات الشرق الأوسط الكبير وضرورة إدماجه في دورة التاريخ الحديث وهو يمعن في تكثيف الحواجز وإقامة الجدران العازلة لجعل هذا الشرق الأوسط في الحقيقة محتشدا كبيرا والإمعان في السيطرة على قيمه وثقافته وطريقة حياته!وظاهرة عزل الشرق الإسلامي في محتشد فكري وجغرافي اهتدى إليها وحللها مفكرون أمريكان أمثال عالم السياسة \جامس روسنو الذي فضح داء التضارب بين العولمة الداعية لفتح الحدود وبين التقوقع الوطني الجالب للمزيد من عزل الشرق، وكذلك زميله المفكر الأمريكي\ بنجامين باربر الذي فكك آليات الجهاد الجديد ضد الماك وورلد أي عالم الماك الأمريكي ذي الاتجاه الواحد، ودعا إلى تصور عالم أوفر عدلا وأقل ظلما وأكثر تضامنا بين الغرب القوي والشرق الحائر، وإلا فالإرهاب سيتعزز لأن العلاج الأمني الصرف لا يحل المشكلة ولا يستأصل العنف من الجذور.أرجو ألا يعتقد القارئ الكريم بأني أضع كل الوزر على عمى الغرب بل أنا أنقل آراء الغربيين أنفسهم في الجزء من المسؤولية التي يتحملونها، ولكن الجزء الآخر من الانحراف يتحمله دعاة الجهالة العلمانية والجاهلية التغريبية من المسلمين الذين تطرفوا في مقاومة هوية أمتهم وزينوا للشباب طريق الانسلاخ عن مقومات الأصالة، بينما أعظم صحوة تنتظرها الأمة هي انطلاق حداثتها من صلب هويتها لا استعارة الحداثة من الغرب كثوب (فريب أي مستعمل) مع المصالحة التاريخية بين التراث والعصر.
437
| 27 فبراير 2012
مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1275
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...
1077
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...
1002
| 07 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
690
| 11 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
597
| 08 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
555
| 09 يناير 2026
مع مطلع عام 2026، لا نحتاج إلى وعود...
549
| 06 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
507
| 12 يناير 2026
بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى...
456
| 06 يناير 2026
وصلتني صورتان؛ تختلفان في المكان، لكنهما تتفقان في...
453
| 06 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
444
| 12 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
441
| 09 يناير 2026
مساحة إعلانية