رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ورد هذا السؤال ضمن الآية 78 من سورة هود كالآتي:"وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس فيكم رجل رشيد"، وكما هو واضح فقد قالها سيدنا لوط عليه السلام موجها خطابه لقومه عند انحرافهم ونحن نعيد إلقاء السؤال على الشعبين المصري والتونسي باحثين عن رجل رشيد في زحمة بعض الانحرافات المختلفة تماما عما ورد في الآية ولكنها تهدد بضياع مكاسب الربيع ونجد أنفسنا اليوم أمام الأحداث العنيفة التي تهز المجتمعين المصري والتونسي بعد أن جاءت التحولات الحضارية التي صنعها وعاشها الشعبان منذ عامين وحقق بها شباب البلدين مكاسب غالية أولها استعادة الكرامة والحرية والقضاء على أنظمة الاستبداد. ولكن الشبه بين البلدين لا يقف عند هذا الحد فهما شعبان نشأت فيهما الحركات الإصلاحية والتحريرية في القرن التاسع عشر حين دعا المصلحون في القاهرة وفي تونس إلى يقظة حضارية مباركة تجمع بين الهوية والحداثة أمثال محمد عبده ورفاعة رفعت الطهطاوي ورشيد رضا من مصر والوزير خير الدين وابن أبي الضياف والشيخ بيرم من تونس إلى الانعتاق من قرون التخلف وتجديد الدين (عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الدين يأتي من يجدده على رأس كل مائة عام) داعين إلى الأخذ بأسباب التقدم وإعمال العقل من تجارب الغرب دون الانسلاخ عن هوية الإسلام ودون الانصهار في الغرب. وقادت حركات الإصلاح المصرية والتونسية بقية الحركات العربية حتى أن الكواكبي وهو شامي لم يكن نافذ الفكر إلا عند إقامته في مصر ولم تثمر حركة تحرير المغرب الإسلامي من الاستعمار في الأربعينيات إلا عند لجوئها إلى القاهرة المعزية (نسبة للمعز لدين الله الفاطمي الذي جاءها من المهدية بتونس وأسسها وشيد الأزهر) ولعلنا من هذا المنطلق التاريخي نؤكد بأن تونس ومصر تتميزان اليوم بعد دخولهما فضاء الحريات بأنهما أصبحتا مختبرين للثورات العربية السلمية وحسب نجاحهما أو لا قدر الله إخفاقهما سوف يتحدد مصير النهضات العربية القادمة. ولهذه النهضات لو أنصفناها نتائج لم يعد يشكك فيها عاقل منها التغيير العميق الذي يطرأ تدريجيا على أم القضايا المركزية العربية الإسلامية أي قضية فلسطين التي بدأت تتحرك مياهها الأسنة وتزمجر أصواتها المكتومة وهاهو أبو الوليد خالد مشعل يقبل أرض غزة يوم الجمعة الماضي بعد رحلة كفاح طويلة كنت شاهدا من شهودها منذ حلول خالد بالدوحة سنة 1997 مع صحبه الكرام وهو يذكرني بخير ويهب لعناقي كلما التقينا في مناسبات القمم والمؤتمرات العربية. انتصرت غزة على المعتدين وقدمت المزيد من شهدائها البررة وتغير الخطاب الدبلوماسي لكل من باريس ولندن وبرلين والاتحاد الأوروبي بـ27 دولة حين استدعت هذه الدول سفير إسرائيل لتندد بالاستيطان وهو حدث لعمري غير مسبوق يفتح شرخا في العلاقات الغربية الإسرائيلية لن ينغلق بل سيتوسع والفضل فيه يعود لجهاد حماس والتفاف الفلسطينيين حول تحقيق غايتهم النبيلة المشروعة وكذلك إلى دبلوماسية رام الله التي حصلت على منزلة الدولة المراقب في منظمة الأمم المتحدة ولكن أيضا بعض الفضل يرجع للربيع العربي الذي مر من هنا. والأمل الآن بعد تجدد أعمال العنف السياسي بدرجات متفاوتة في مصر وتونس هو ألا يتحول النموذج الرائد في كلا البلدين إلى نموذج محبط وألا ينتكس الربيع إلى خريف ويكفي أن نشير إلى التوجس النفسي الذي أصبح ينتاب الإخوة السوريين من سوء الأحوال في البلدان العربية التي حققت مكاسبها لكنها ضلت الطريق إلى الثقافة السياسية التشاركية في كنف التسامح والقبول بالرأي المختلف وكادت النخب فيها أن تتمترس وراء خنادق الفرقة والشقاق وتتصارع بالسلاح بعد الهبوط في الخطاب وكيل شتائم التخوين والتكفير وبعد تشكل ميليشيات العصي والهراوات من كل الجوانب ولدى كل الفصائل وهو ما اضطر المواطن الكريم إلى العزوف عن أداء دوره كعنصر أساس في الانتقال الديمقراطي واللجوء لمجرد المطالبة بالعيش في أمان وترديد عبارة (الله يقدر الخير). نعم إن الأمل معقود على النخب الجديدة التي أفرزتها التحولات وأنا واثق من أن مصر وتونس ستعودان إلى صفاء النفوس وإيقاظ الضمائر في هبة من هبات العبقرية الشعبية التي حباهما الله بها عبر القرون الطويلة من تعاقب الحضارات الثرية وتزاوج الثقافات الغنية ويكفي تونس فخرا أن كانت في تاريخها القرطاجني أول دولة سنت دستورا يسمى باسم دستور قرطاج قبل أكثر من ألفي عام كما يكفي مصر شرفا أن تعلمت الدنيا من جذورها الفرعونية مبدأ تأسيس الدولة منذ ألاف السنين. فالذي استطاع إنجازه الأولون لا بد أن يواصله جيل الربيع الراهن حتى لا تتحول أحلامنا إلى كوابيس.
34483
| 12 ديسمبر 2012
هذه محطات ثلاث من رتل قطار الربيع العربي السائر المندفع على السكة يطوي الأرض طيا كما كان يقول الشاعر العربي لكننا يجب أن نقف وقفة تأمل واعتبار من حين إلى حين حتى ندرك أين وصل هذا القطار وإلى أي غاية يسعى؟ وهل هو على الطريق الصحيح أم وقع تحويل وجهته إلى جهات مجهولة؟ وما هي أخطاؤنا؟ نحن جميعا نحب الحكم والمعارضة الذين سرنا وراء الشباب المتمرد المطالب بحقه في الشغل والكرامة والحرية فكنا تابعيه ووراءه ولم نكن نقوده أو أمامه حين هب الناس في سيدي بوزيد تلك المدينة التونسية المهمشة والمحرومة حيث أحرق محمد البوعزيزي شبابه وأمنياته بالبنزين والكبريت ذات يوم 17 ديسمبر 2010 وقتل في القاهرة الشاب المصري خالد سعيد ذات يوم 6 يونيو 2010 بين أيدي أعوان أمن الدولة حيث تحول ذلك الشاب المصري الوسيم الوديع إلى رمز من رموز استهانة الدكتاتورية المصرية وبوليسها بأرواح الناس. وسرى اللهيب إلى طرابلس وبنغازي للقضاء العسير والنهائي على حالة اللادولة وتغول عقيد محدود المدارك وأولاده في ليبيا التي حولوها إلى مزرعة خاصة وإلى كاريكاتور سلطة مجنونة أهدرت ثروات الشعب الليبي الصابر على مدى 42 سنة فكانت (الجماهيرية) مثار استهزاء العقلاء من الليبيين الشرفاء ومثار ضحك الأجانب لأن ليبيا لا تستحق هذه المأساة الملهاة بشعبها الذي ظل فقيرا رغم ثرواته النفطية والبشرية بينما يلعب أولاد القذافي بالسيارات الفخمة في شوارع باريس ولندن وكان أبوهم نجم الخيمة في الخارج ونجم القمم العربية في العالم العربي ونجم مؤتمر الشعب العام واللجان الشعبية والكتاب الأخضر في الداخل.. ثم جاء دور اليمن وأرادت أغلبية من الشعب اليمني أن تضع حدا لصراع أجنحة قبلية يمنية غلبت مصالحها الفئوية على المصلحة العليا للوطن السعيد. ثم كانت الصيحة الكبرى في إدلب ودير الزور وحمص وحماه وريف دمشق معلنة نهاية مرحلة القائد المنقذ والزعيم الأوحد الذي كان أسدا لمدة ثلاثين عاما وخلف شبلا لمدة اثني عشر عاما. ولا صوت يعلو على صوته في نظام مخابراتي بامتياز قد يتعلل بنوع من الأمن والتعايش وخرافة الممانعة التي جعلت الاحتلال الإسرائيلي للجولان ينام على فراش وثير من حرير بحدود آمنة لم تطلق فيها رصاصة يتيمة منذ 1967 لكن هذا النظام الذي يرمي الناس بالبراميل المتفجرة لا يملك أي شرعية شعبية تمكنه من البقاء والخلود بقمع كل صوت حر وتعذيب ممنهج لكل من يرفع الرأس ويأبى الرضوخ. هذه هي خارطة الربيع العربي التي نراها اليوم بعيون مختلفة لأنها تتشكل أمامنا بألوان من العنف وتراكم الأخطاء وانحراف عن غايات الثورات مما يهدد مكاسب الحرية بالتراجع والانتكاس في محيط إقليمي ودولي لا يرتاح للتغييرات ولا يساعد على ما يعتقده إخلالا بالتوازنات الإستراتيجية التقليدية القديمة والقائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على خدمة مصالح الغرب والقوى العظمى وبخاصة الحفاظ على حالة اللاسلم واللاحرب التي ضمنت إلى حد 2010 توغل إسرائيل بعنجهية وخرقها للقانون الدولي دون حساب أو مساءلة. فالذي يجري في ساحة التحرير من رفض لممارسات فرعونية جديدة باسم الشرعية ومن مظاهرات مضادة للرافضين ومؤيدة للرئيس محمد مرسي هي إرهاصات ما بعد الثورة من أجل تصحيحها حتى يفرض الشعب مواقفه ومصالحه ويحمي مصر من أي انقضاض على الثورة تحت ستار الدين في بلاد يتعايش فوق أرضها المباركة المسلم والمسيحي والمثقف العلماني منذ قرون. وفي سليانة التونسية هب المواطنون ليقولوا كلمتهم ويطالبوا بالتشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعية مؤكدين أن هذه الأهداف هي التي خرج في سبيل تحقيقها شباب أعزل يوم 17 ديسمبر 2010 وأدت إلى فرار زين العابدين بن علي يوم 14 يناير 2011. وجدت السلطة الجديدة نفسها في مواجهة مع شباب قالت هي ذاتها بأن مطالبه مشروعة لكنها كانت تتمنى لو عبر عنها سكان سليانة دون عنف وبدون إحراق مقرات الأمن والإدارة. وسبق لي الأسبوع الماضي أن علقت على أحداث سليانة على قناة فرنسا 24 فقلت إن فلاسفة اليونان القديمة كانوا يقولون بأنه في حالة تصادم الحق بالباطل فإن ذلك هو المشكلة أما تصادم الحق مع الحق فتلك هي المأساة. وإني أحسب والله أعلم بأن مواطني سليانة على حق حين يستبطأون التنمية وتحسن الأحوال المعيشية بعد تضحيات أبنائهم بحياتهم وبأن السلطة على حق حين تدعو للتريث والتعبير عن المشاغل باحترام القانون وبالطرق السلمية الدستورية. لكننا في تونس لسنا في مأمن من الاختراقات والتجاوزات وتوجيه الرأي العام والتلاعب بعواطف الجماهير وهو ما يهدد بانحراف الثورة عن أهدافها والتخبط دون بوصلة في دوامة الفوضى غير الخلاقة. وفي سوريا وصل الثوار إلى مشارف مطار دمشق وهي المرحلة المعروفة في تاريخ الهزات السياسية بكونها مؤذنة ببلوغ نقطة اللاعودة ونذكر جميعا كيف أخذت الأزمات منعرجا حاسما في مطارات كابل وبيروت وبغداد وطرابلس وتونس والقاهرة وصنعاء لأن المطارات هي الواجهة الدولية لكل العواصم وبوابتها التي تنفتح على الخارج وعلى العالم ومتى تم إغلاق مطار أو السيطرة عليه فإن منعرجا أساسيا انفتح أمام صفحة جديدة من التاريخ. وللتاريخ لو علمتم دورات ومنعرجات لم يدركها مع الأسف بعض حكامنا أمثال ابن علي وحسني مبارك والعقيد القذافي وعلي عبدالله صالح ولا نرى أن بشار يشذ عن غياب الوعي الذي يصيب بعض القادة بالفتنة والغرور والجنوح للانفراد والطغيان في لحظات غفلة قاتلة ولله الأمر من قبل ومن بعد.
398
| 05 ديسمبر 2012
حينما نقول الشرق الأوسط اليوم سنة 2012 فنحن نعني ما تعنيه مراكز البحث والتحليل واستشراف المستقبل المبثوثة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان والصين واتحاد الجمهوريات الروسية أي البلدان العربية والإسلامية بما فيها إيران وباكستان وأفغانستان وتركيا ينضم إليها جميع العرب مشرقا كمصر والشام الكبرى والعراق وفلسطين والأردن والجزيرة العربية الأصلية التي كانت تسمى الحجاز واليمن ومغربا ما يسمى اليوم بالمغرب العربي أي الشمال الإفريقي. وكل هذه المنطقة التي ترتبط حضاريا بالإسلام والعروبة رغم أن بعض أقلياتها غير مسلمة أو هي منحدرة من أعراق غير عربية لكنها منطقة تقع في الفضاء الحضاري الإسلامي لغة وتقاليد تعايش سكانها على مدى قرون طويلة في سلام ووفاق ثم إن الغزوات الأجنبية من مغولية وإفرنجية وقبلهما الرومانية زادت أهلها تلاحما وتماسكا وتشبثا بالهوية الحضارية الجامعة والمانعة. وأذكر أنه حين تجمعني بعض المؤتمرات الإقليمية والدولية مع ساسة غربيين وأصحاب قرار أمريكان أو أوروبيين أبادرهم بسؤالي الذي يشغل فكري وهو: من الذي يرسم خارطة هذا الشرق الأوسط الجديد وكيف ترسم ولمصلحة أي أمة من الأمم؟ وحين أطرح هذا السؤال أتلقى أجوبة قد تختلف في تفاصيلها لكنها تتفق جميعا في منطلقاتها وفي جوهرها وأستخلص أنا بما كتب الله لي من موهبة الاعتبار ونعمة التفكر والتدبر بأن سابقة اتفاقية (سايكس بيكو) التاريخية والتي وقعها الوزيران المذكوران لخارجية كل من الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية يوم 16 مارس 1916 هي التي حددت على الميدان ملامح خارطة الشرق الأوسط القديم والراهن حيث تم تقاسم تركة الرجل المريض (الخلافة الإسلامية) بين الدولتين الاستعماريتين الأقوى في ذلك التاريخ وهما خارجتان منتصرتين في الحرب العالمية الأولى أو في عداد المنتصرتين لأن الحرب انتهت سنة 1918 بعد أن اندلعت عام 1914 وبادرت بنت أوى البريطانية من لندن سنة 1917 بإعطاء يهود العالم وعد بلفور المعروف كما بادرت فورا وعام 1918 بإيفاد الجاسوس العبقري لورانس العرب إلى الشريف حسين وأولاده في مكة من أجل القضاء على السلطان العثماني وبداية رسم الخارطة الحالية للشرق الأوسط. هذه المقدمة التاريخية ضرورية لفهم وتحليل الواقع الراهن للشرق الأوسط لأنها تنير الجوانب الغامضة من لعبة الأمم وتكشف خفايا ما يخبئه لنا العالم المتحرك من مصير. ولنبدأ بتسليط الضوء على بؤر الأزمات الشرق أوسطية التي تعالجها الإمبراطوريات الدولية التقليدية والناشئة في هذه الظروف الصعبة وهذه المنعطفات الخطيرة من زمن الربيع العربي والصحوة الإسلامية. أول هذه البؤر هي الحالة السورية لأنها تطرح محاذير أمنية وجغراسترتيجية تتجاوز الإقليم إلى رحابة العالم. فقد تحولت المطالبات الشعبية السورية من مجرد مظاهرات تستعجل إصلاحات دستورية وسياسية واجتماعية بشكل سلمي إلى حرب أهلية مسلحة قد تطول وهذه أكبر غلطة سياسية ارتكبها نظام بشار الأسد حين واجه مظاهرات شبابية باجتماع برلمانه المهزلة وتلاوة قصائد المديح للقائد المنقذ من الضلال وهو تكتيك قديم عديم الجدوى في عصر الإنترنت وسرعة انتقال المعلومات وتشاركية الحشد والتجنيد الشعبي بفضل مواقع الاتصال الاجتماعية. أما البؤرة الثانية فهي القضية الفلسطينية التي تغيرت معطياتها بوصول نخب عربية منتخبة إلى السلطة كليا أو جزئيا مما بوأ الشعوب منزلة المتابع للشأن الفلسطيني والمؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني وهو ما سيعجل بالتجاء الجانب الإسرائيلي لأخف الضررين أي للاعتراف بدولة فلسطينية تتعايش مع دولة إسرائيل ضمن حدود وضعها القانون الدولي وبصمت عليها قرارات مجلس الأمن. وقد استثمر الفلسطينيون هذا التحول المبارك بما فيهم حماس وسلطة رام الله للعودة ربما لنوع مختلف من مسيرة السلام لا علاقة لها باتفاقية أوسلو وفك فتيل الاشتعال الذي سيؤدي بالمنطقة إلى حقل ألغام جديد. أما مربط الفرس والبؤرة الرئيسية في المنطقة فهي ملف النووي الإيراني الذي يهدد توازنا قديما للقوى وينذر بتغيير عميق وجذري في معادلات القوة والحرب ومناطق النفوذ. ولا مناص من الإقرار بأن غاية القوى العظمى والمتعاظمة اليوم هي أخذ نصيبها في إدارة الملف النووي الإيراني بشكل يخدم مصالحها ويؤمن لها موطئ قدم في الشرق الأوسط. ونحن أمام خيارات ليست مختلفة فحسب بل متناقضة على حدود الخارطة الجديدة للإقليم فالولايات المتحدة في الولاية الثانية لباراك أوباما تريد إيرانا منزوعة السلاح النووي بينما تريد روسيا والصين الحفاظ على حليف إيراني له أسنان وأنياب لكن تحت السيطرة. ومصر تتبدل بسرعة والحكم الإخواني الجديد يرتكب هفوات قد تغير موازين القوى الداخلية المصرية وتبقى تركيا الصاعدة تتربص بعدة ملفات شرق أوسطية سوف تعيد لإسطنبول (وليس لأنقرة) ما كان عليه حال السلطان العثماني. إننا على شفا تحولات كبرى لا بد أن نجتمع كعرب أولا ثم كمسلمين ثانيا حولها لنقي أنفسنا مخاطر الخروج من التاريخ ولا ننسى أننا تم طردنا من التاريخ منذ قرن ولم نعد إليه إلا هذه الأيام بفضل تضحيات شباب عربي مسلم جلس أبناؤه أمام شاشات حواسيبهم وشرعوا يتواصلون من أجل اليقظة الحضارية من رقدة أهل الكهف.
528
| 28 نوفمبر 2012
أول من أثار انقلاب الموازين بين إسرائيل والعرب هم المفكرون والخبراء الإسرائيليون أنفسهم وقبل سواهم لأنهم يخافون شيئا قادما اسمه زوال إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط وهذه الفرضية ليست وهما أو ضربا من الخيال السياسي بل هي توقع يكاد يكون (أريطماطيقي) أي حسابي علمي كما تؤكده حقائق الديمغرافيا والجغرافيا ومسار الأزمات الكبرى منذ الحربين العالميتين إلى اليوم ونواميس لعبة الأمم. وعلى رأس هؤلاء نجد أشهر الفلاسفة الفرنسيين من الدين اليهودي (ستيفان هيسيل) الذي أدان بشدة العدوان الراهن على غزة والذي تسلم مفاتيح القدس الرمزية من أيدي سفارة فلسطين بباريس وكذلك الكاتب الإسرائيلي المعروف (شلومو صاند) صاحب كتاب (كيف اخترعت أرض إسرائيل؟) ونجد الكاتب الفرنسي اليهودي (إيريك رولو) والنائب بالبرلمان الأوروبي المواطن الفرنسي الألماني من أصول يهودية (دانيال كوهن بانديت) كل هؤلاء يشكلون ضميرا جديدا للشعب اليهودي ليذكروا قادة الهمجية الإسرائيلية وينذروهم بأنهم بمواصلة سياسات القمع والاغتيال وقتل الأبرياء إنما يسارعون بالدولة العبرية نحو حتفها وأنه إذا رغب اليهود في أن تكون لهم دولة فلا بد من الاعتراف للشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة على ضوء قرارات الأمم المتحدة وحسب مواد القانون الدولي. وبالطبع فرغم اعتدال وتوازن هذه المواقف اليهودية النادرة فإن لا بنيامين ناتنياهو ولا إيهود باراك يعيران اهتماما لها لأسباب انتخابية وحزبية تجعل من كل مناسبة سياسية إسرائيلية داخلية فرصة لمزيد إبادة شعب فلسطين بأطفاله ونسائه بمرأى ومسمع من العالم الأصم الأخرس. أما الحجة الجديدة التي أصبح هؤلاء العقلاء اليهود نسبيا يلوحون بها فهي الحقيقة الساطعة التي غيرت قواعد السلم والحرب وحورت بعمق أسس العلاقات الدولية في الأحداث الراهنة عربيا وإقليميا وعالميا ألا وهي حجة الربيع العربي الذي مرت أزهاره وثماره من هنا وأطاحت بأساطين التعايش مع المذلة الصهيونية والقهر العنصري فهذا الربيع أوصل نخبا عربية منتخبة إلى السلطة وأصبحت جماهير الناس هي التي تفرض إرادتها وتدافع عن حقوقها وتحاسب مسؤوليها وكما رأينا هذه الأيام في عقر ديار غزة العزة وتحت قنابل العدو الغاشم وأمام جرحى غزة في مشفى غزة هذه الثلة من الرجال الجدد أمثال هشام قنديل رئيس حكومة مصر ورفيق عبدالسلام وزير خارجية تونس وأبو الوليد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس فإن فلسطين ما قبل الربيع العربي ليست هي فلسطين ما بعده. مياه جارفة وثائرة جرت كالأنهار من تحت جسور الشرق الأوسط تضطر اليوم زعماء الدولة العبرية إلى مواقف أخرى غير العنجهية والبلطجة بلا حسيب أو رقيب. بل تضطر الدولة الأمريكية الراعية لإسرائيل أن تعيد حساباتها تدريجيا وأن تشعر بأن ممارسات إسرائيل الضاربة بالقانون الدولي وبمجلس الأمن عرض حائط المبكى أصبحت عبئا ثقيلا قد لا تتحمله ظهور الأمريكان والأوروبيين على المدى البعيد. فالذي كان متاحا مباحا لإسرائيل قبل 2011 لن يكون كذلك بعده لأن الشعوب العربية هي التي اكتشفت نفسها سنة 2011 وأدركت ما لديها من مخزون حضاري وبطولي عربي إسلامي كان طيلة نصف قرن مكبوتا بقمع آلة الإذلال والتذييل التي عملت عملها عندما كان الرؤساء لا يرتقون سدة الحكم إلا حين تؤيدهم القوى الغربية الخارجية وتأخذ منهم صكوك التعاون مع العدو الغاشم المعربد في الشرق الأوسط وحين تضمن وتؤمن خضوعهم للنظام العالمي الجائر ومنظومة بريتن وودس المالية والاقتصادية الناهبة لثروات أممهم. في غزة اليوم تغير مشهد الرعب بل قل توازي الرعب لدى الشعب الإسرائيلي ولدى الشعب الفلسطيني مع هطول الصواريخ على القدس الغربية وعلى تل أبيب لكن بفارق عظيم هو أن رعب أطفالنا وأبريائنا رعب نعيش معه منذ 65 سنة نتوارثه جيلا بعد جيل ونصمد ونقاوم في حين أن رعب الصهاينة هو رعب السارق المغتصب لأرض الغير ورعب المتجبر المحتاج لغطاء حلفائه ومالهم وسلاحهم. كنا نتابع اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم السبت الماضي 17 نوفمبر وتمنينا لو أشار أحد الوزراء إلى تزامن هذا اللقاء مع ذكرى وعد بلفور سنة 1917 حين بدأت تتجسد أشباح مخطط إجرامي غير مسبوق في التاريخ الحديث أحل شتات شعب يهودي دخيل محل شعب فلسطيني أصيل في أكبر عملية تزوير للتاريخ وللجغرافيا وللحضارة في هذا العصر.
435
| 21 نوفمبر 2012
ما أروع عبارات القرآن الكريم الذي أنزل على أشرف الأنبياء والمرسلين حين ينير دروب المؤمنين بالحكمة الكامنة في كل كلمة وإني منذ طفولتي رسخت في ذاكرتي بفضل مؤدبنا الشيخ البشير بن غانم رحمه الله الآية 214 من سورة البقرة والتي كان يفسرها لنا إمامنا ومربينا الشيخ عبد الرحمن خليف رحمه الله في حلقات الزيتونة بجامع عقبة بن نافع بالقيروان وهي: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" (214) فاتفق العلماء على أن معنى البأساء هو شدة الابتلاء بالقتل والجرح والأسر والجوع والعطش وأن الضراء هي ترك الأهل في أيدي المشركين وضياع الرزق والخوف من أذى الكفار أما فعل (زلزلوا) فهو امتحان المسلمين (في هذه الآية يرجح المفسرون أنها غزوة الخندق) امتحانهم بمحنة نفاذ الصبر حين تدلهم السبل ويتلاشى الأمل ويبدو النصر بعيد المنال إلى أن اكتملت الآية الكريمة باستغاثة المؤمنين (تذكروا أيضا عبارة بلغت القلوب الحناجر) ثم بالوعد الرباني الصادق العظيم بقوله (ألا إن نصر الله قريب). إن معنى الزلزال الذي ذكره سبحانه في هذه الآية هو الذي أستعيره لنعت الأحوال العربية والإسلامية كما تظهر اليوم للرأي العام الدولي مبعث أمل ومبعث قلق في الوقت نفسه وللربيع العربي هنا التأثير العميق على وضعنا الراهن حين اهتزت أركان أنظمة حكم لم تستطع مواكبة السيل الجارف من طموحات الشعوب بل استفرد بعض الطغاة وعائلاتهم بمقدرات شعوبهم وبلغت التحولات السياسية فيها درجات غير متوقعة تراوحت بين العنف وانحباس الاستثمار وضياع البوصلة وربما لم تشعر الجماهير فيها بأهم وأبرز إنجازات تلك التحولات المباركة وهي استعادة الإنسان لإنسانيته المتمثلة في الحرية وصون الحقوق واسترداد الكرامة. الخطايا العشر التي تعيق اليوم انعتاق الأمة هي 1- الخلط بين الدولة ومنظومة الحكم البائد فالمواطن اعتقد أن تصفية منظومة الفساد القديمة تستدعي التمرد على القوانين (حتى المرورية منها!) وأن كل من عمل في وظيفة هو من فلول النظام السابق. 2- تيسير استعمال العنف للتعدي على حقوق الناس بدعوى أن الثورة مرت من هنا (نذكر مثال الاستحواذ على أراضي الناس وبناء بيوت فوضوية عليها ومثال الانتقام من الخصوم شخصيا ومن دون الرجوع إلى محكمة). 3- الانفلات الأمني الذي يروع المواطن جعل الناس يربطون بين الثورة وبين الفوضى وأصبحت المطالبة بالأمن أولوية الأولويات بل شرع الناس ينزلون إلى الشارع متظاهرين مطالبين بحقهم في الأمن 4- تراكم المطالبات الاجتماعية بشكل يتجاوز مقدرات الدولة وموازين المؤسسات الصناعية مما أجبر أصحاب هذه المؤسسات على الهرب والاستقرار في بلدان أخرى. 5- اتساع رقعة العنف السياسي بأشكال مبتدعة بلغت حدود القتل والاختطاف والاعتداء على ممثلي الدولة ومطبقي القانون والخصوم السياسيين واتسع خرق القانون على راقع الدولة بل أصبح الأمن يحتاج إلى أمن. 6- انفجار العنف اللفظي والتحريضي واستعمال لغة السب والشتم والتنكيل في المنابر دون رادع (والحجة ألسنا في ثورة؟). 7- انتشار مناخ التخوين والكيد والتشويه على صفحات المواقع الاجتماعية بسبب التخفي وعدم تحمل المسؤولية القانونية ونتج عن هذه الفتنة تقسيم جائر للمواطنين في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا إلى مسلمين وعلمانيين (أو كفرة) وإلى ثوريين وثورة مضادة وإلى أبطال مستقبل وفلول نظام بائد وهذه الاختزالات الظالمة فتحت أبواب العنف والاستئصال والإقصاء. 8- فتح أبواب التدخلات الأجنبية بمخابراتها وأعوانها لتزيد النار زيتا وتورط الشعوب في مؤامرات ضد مصالحها وإقحامها في أجندات أعدائها. 9- ضياع النخبة السياسية قليلة الخبرة بين خدمة أحزابها وخدمة الوطن. 10- تخبط النخبة أمام استفحال الملفات المطروحة للحل العاجل بفقدان سلم أولويات وفاقية وطنية تحدد لها الآجال وتوفر لها الموارد المالية والمخططات العقلانية والمعالجات الشفافة مثل ملف تشغيل الشباب وإعادة النظر كليا في برامج التعليم التي تنتج لنا جيوش عاطلين وكذلك تقسيم تراب البلاد بشكل مختلف يلغي تدريجيا الفوارق في النمو وفرص الاستثمار وتوفير أقطاب الصناعة والزراعة والسياحة بالعدل والقسطاس. تلاحظون أن هذه الخطايا العشر أو الجراح العشر التي لا تزال تنزف في بلداننا العربية مهما كان ربيعها أي تلك التي مرت بثورة أو تلك التي صنع قادتها ربيعا هادئا وديعا بلا هزات عنيفة. فالعالم العربي في هذا المنعرج من تاريخه يعاني زلازل من الحجم الكبير (سبعة على سلم الحضارة...الشبيه بسلم ريشتر) ولعلنا لا نزال في مرحلة نقاهة بعد تعافينا من أمراض الاستبداد كمن يصحو تدريجيا بعد إجراء عملية جراحية وهو تحت تأثير التخدير فينظر من حوله ليرى الأشياء والناس يلفهم الضباب غير واضحي المعالم ويبدأ في استرداد وعيه المفقود شيئا فشيئا حتى تتضح الرؤية وتستقيم أمامه الخطوط ويعي الحياة من حوله كما هي بعسر مشاكلها وتعقيد أوضاعها واستحالة حل معضلاتها من دون وفاق واسع ومن دون ترفع عن توافه الأحقاد ومن دون استعادة هيبة دولة عادلة قوية آمنة. ذلك هو التحدي الأكبر لمواجهة الزلازل.
600
| 14 نوفمبر 2012
على ضوء الأحداث المثيرة التي هزت العالم العربي في السنوات الأخيرة وعلى خلفية التجاذبات والصراعات المهددة بالفتنة والعنف ما بعد الربيع أقرأ هذه الأيام الكتاب الأخير الذي صدر عن مؤسسة (غراسيه) الباريسية للنشر في مطلع هذا الخريف وهو لأبرز المفكرين الفرنسيين (ألن مينك) مستشار العديد من رؤساء الجمهورية الفرنسية ومؤلف 30 كتابا في الاقتصاد المعولم والعلاقات الدولية. وهذا الكتاب يحمل عنوان (روح الأمم) L'AME DES NATIONS يستعرض فيه المفكر نظرية جديدة في العلوم السياسية وهي نظرية تقول إن للأمم هندسة جينية (أو وراثية) كما للبشر وهذه الهندسة الجينية الخاصة بكل أمة تؤهلها بإرادة منها أو من دون إرادتها إلى أن تسلك هذا المسلك التاريخي أو ذاك وإلى أن تكون ردود أفعالها بإزاء الأحداث بهذا الشكل أو ذاك حسب إملاءات خفية لجينات تشبه جينات البشر التي تهيئه لأمراض معينة وتخضعه لسلوكيات نفسية وبدنية محددة وحين تفطنت البحوث الطبية لوجود الهندسة الجينية الوراثية لدى الإنسان والحيوان والنبات عام 1974 بدأت الأبحاث تستعمل هذا المجال الجديد لتطوير الطب الوراثي (أو الجيني) لمعالجة بعض الأمراض المستعصية مثل إنتاج مادة الأنسولين وتحوير الكروموزومات وتحسين الإنتاج الحيواني والنباتي بالتعديل المثير للجدل. وقد نتجت عن هذه الاكتشافات حركات مناهضة للتعديلات الجينية ورفض الاستنساخ منذ قضية النعجة (دوللي) المعروفة ومنذ إباحة بعض الدول الأوروبية والأمريكية إنتاج وترويج حبات الذرة المعدلة جينيا للاستهلاك البشري. أما الأمم فقد اهتدى المفكر (ألن مينك) إلى تفسير مساراتها التاريخية بوجود هندسة وراثية تتشكل من التفاعل بين تركيبتها السكانية ونوعية أنظمة الحكم فيها وعلاقاتها مع محيطها الإقليمي وبيئتها الجغرافية فيصنف الأمة البريطانية في خانة الأمم المحاطة بالبحر (أي أنها جزيرة) وحاجتها للتوسع بالتجارة والحرب واحتلال أمم أخرى بعيدة عنها وأكثر عددا وأعرق حضارة (كالهند) وبناء على هذه العناصر يقول (ألن مينك) إن تاريخ بريطانيا الاستعماري هو نتاج طبيعي لهذه الهندسة الوراثية. ويؤكد المؤلف أن سياسات بريطانيا اليوم تستمد ثوابتها من كونها أمة عظيمة يطمس الواقع الجديد عظمتها تدريجيا لكنها تحرك العملاق الأمريكي بذكاء ودهاء فهي تعتبر نفسها أم الولايات المتحدة. أما ألمانيا فهي أمة- شعب ترتكز على اللغة وحق الدم (ومع النازية الهتلرية حق العرق العنصري) تطورت منذ المستشار (جيرهارد شرويدر) إلى استعمال حق الأرض في منح الجنسية الألمانية وتطور تاريخ هذه الأمة من الإمبراطورية البروسية المجرية إلى الوحدة بين جزئي ألمانيا منذ انهيار الشيوعية وجدار برلين عام 1989. وتفرض ألمانيا اليوم غلبتها على كل دول الاتحاد الأوروبي بل تعتبر برلين هي قاطرة الاتحاد وصاحبة القرارات الاقتصادية الحاسمة فيه. أما إيطاليا فهي الأمة التي عانت من ثقل تاريخها الإمبراطوري الروماني ومن خوفها من التمزق والتشرذم إلى دويلات جهوية وعرقية لا تزال مخاطرها ماثلة إلى اليوم كما أن إيطاليا كانت فاشية مع زعيمها الذي لوح بوحدتها وهو (موسوليني) في مرحلة الحرب العالمية الثانية. وإسبانيا أمة تأسست على القوة البحرية بأسطولها (الأرمادا التي لا تغلب) وعلى أطلال ماضيها الإسلامي الذي تغلغل في كل مفاصلها الاجتماعية والثقافية من لغة وعادات ومعالم أثرية إلى اليوم وقد هيأتها جيناتها لتقود في الماضي محاكم التفتيش ضد المسلمين واليهود كرد فعل ضد دورها الإسلامي لمدة سبعة قرون ثم إنها استسلمت للنازية ودكتاتورية الجنرال (فرانكو) إلى أن هبت عليها رياح الديمقراطية فغيرت من لباسها وانخرطت في الاتحاد الأوروبي باقتصاد السوق الحرة والمبادئ الديمقراطية. بالطبع لن أستطيع تلخيص كل أبعاد هذا الكتاب القيم في مقالي الموجز هذا لأنه يشمل أيضا فرنسا وأمريكا والغرب عموما لكنه لا يتطرق لا إلى الصين ولا اليابان وقليلا ما تعرض لروسيا لأنها الجزء الأكبر من القارة الأوروبية رغم نصفها الآسيوي. والذي يهمني ككاتب عربي هو تطبيق نظريات (ألن مينك) على العالم العربي وهنا أتوجه لعلمائنا المختصين وخبرائنا المتميزين حتى يقولوا لنا ما هي الهندسة الوراثية للعرب إذا ما اعترفوا أن لأمة الضاد خصوصيات وراثية وإلى أي مصير تقودنا وكيف على ضوئها نفسر تخلفنا وانقساماتنا وبلاوينا وأيضا ثوراتنا وطموحاتنا في زمن الربيع الصعب الذي أبطأت أزهاره وتعطلت ثماره لعلنا نفقه أزماتنا وندرك هندستنا الوراثية كسائر الأمم. لكن الأكيد عندي وأنا أرصد تحولاتنا منذ نصف قرن هو أننا نحمل أثقال تاريخنا الحضاري المجيد والطويل أسفارا وأوزارا على أعناقنا فتتحول هذه الأثقال بسبب هزالنا الثقافي الراهن إلى أعباء ننوء تحتها ونستغيث من ثقل الأمانة التي نحملها ونحن عاجزون عن بلوغ نهاية الطريق بحملنا فلا نحن قادرون على حطه من ظهورنا ولا نحن مخولون لإعارته لسوانا يحمله عنا. ولا أقدر عن التعبير عن حالنا العربية العجيبة هذه من عبارة قالها الممثل المصري الراحل يوسف وهبي في أحد أفلامه القديمة وهي عبارة: يا للهول!
1441
| 07 نوفمبر 2012
كلما حل موعد الانتخابات الأمريكية إلا وتساءل الستة مليارات من البشر عن مواقف الرئيس الجديد أو الجديد القديم من هذه القضية أو تلك لأن ما يمس أمريكا يمس العالم بأسره إلى درجة أن المفكر السياسي الفرنسي (ألن مينك) طالب بأن يقع انتخاب الرئيس الأمريكي من قبل كل سكان الدنيا لا من قبل الأمريكان فقط. وفي الحقيقة رغم المبالغة فإن التأثير الأمريكي على مسيرة العلاقات الدولية تأثير عميق وحاسم لأسباب قد ترفضها الأيديولوجيات ولكن يقر بها الواقع والواقعيون لا للرضوخ الآلي لخيارات وضغوط واشنطن ولكن للتعامل مع السياسات الأمريكية بحذر وذكاء وإرادة. ولدينا في التاريخ السياسي الحديث أنموذجان عربيان من هذا التعامل العقلاني مع العملاق الأمريكي: الأول هو توظيف الزعيم بورقيبة لبعض اللقاءات مع كاتب الدولة الأمريكي (دين أتشيسن) في الأربعينات ليحرج القوة الاستعمارية الفرنسية أمام حليفها وولي نعمة تحريرها فيكسب لحركة التحرير التونسية صديقا مؤثرا وفاعلا، أما الثاني فهو الزعيم عبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي على مصرفي أكتوبر 1956 حين أقنع الرئيس الأمريكي (دوايت إيزنهاور) بأن فرنسا وبريطانيا وإسرائيل تتحدى واشنطن وتريد زعزعة مصالح أمريكا في الشرق الأوسط فهدد (إيزنهاور) الحلفاء الثلاثة وأمرهم أن يغادروا أرض مصر. أما النماذج الفاشلة والمدمرة فكثيرة أبرزها (الطز في أمريكا) التي رفعها القذافي شعارا أجوف انتهى به منذ حادثة (لوكربي) إلى التفريط في كل ثروات ليبيا للغرب وتبني شعار (طز في العرب) إلى آخر المسرحيات الهزلية المأساوية المعروفة. واليوم نقف أمام حدثين لا بد أن نربط بينهما وهما: تداعيات الربيع العربي على طبيعة العلاقات الدولية واقتراب موعد 18 نوفمبر الذي سيحدد فيه الناخب الأمريكي مصير البيت الأبيض. وحتى أدرك خفايا تحول متوقع في الاستراتيجيات الأمريكية تجاه العرب استطلعت آراء صديقي القديم (ليندن لاروش) وهو المستشار الأسبق للرئيس ريغن وأبو برنامج حرب النجوم ثم آراء صديقي الحميم (جاك شوميناد) المرشح للرئاسيات الفرنسية 2012 والمحلل الاستراتيجي القيم واتفق الرجلان بأنه في حال فوز (ميت رومني) بالرئاسة فإن موقف واشنطن من العالم العربي سوف تعاد صياغته على أسس مختلفة تفرضها فلسفة الحزب الجمهوري الجديدة إزاء الحفاظ على المصالح العليا للشعب الأمريكي وهي فلسفة مناقضة تماما للرؤية (الأوبامية) للعالم العربي والإسلامي عموما والتي عبر عنها في خطاب جامعة القاهرة يوم 6 يونيه 2009 وهي رؤية بدأت بالسلام عليكم ورسم خطة أمريكية عربية لمقاومة الإرهاب (بالمعنى الأمريكي والإسرائيلي) لا بالمعنى اللغوي للكلمة وخطة للتعاون الاقتصادي واعتراف بأن لا دولة يمكن أن تفرض الديمقراطية على دولة أخرى (هنا كان أوباما يريد طمس معالم بوش الابن) وخطة لمعالجة الملف النووي الإيراني بجعل العرب يعوضون العداء لإسرائيل بالعداء لإيران. ويأتي اليوم (ميت رومني) في صورة فوزه بنظرة مختلفة لنفس القضايا العالقة فيرى أن أوباما لم يحم القنصلية الأمريكية بليبيا وأن مصرع أسامة بن لادن ليس عملا بطوليا لأن استفحال القاعدة في شمال مالي وجنوب اليمن وعلاقات الأحزاب الإسلامية العربية بالقاعدة والسلفيين عموما بعد وصولها للسلطة ما تزال تطرح أسئلة مقضة لمضاجع ومصالح الأمريكان ولأن واشنطن عاينت قلة خبرة النخب الحاكمة وتلعثمها الأمني بعد الربيع العربي من خلال مقتل السفير (كريستوفر جونز) في ليبيا والهجوم على السفارات الأمريكية في تونس ومصر وصنعاء وحللت بطانة (رومني) من الخبراء الوضع في سوريا لا على ضوء المسيرة الديمقراطية العربية (كما تعلن الوزيرة هيلاري كلنتن) بل على ضوء العلاقات الأمريكية الروسية والصينية لأن (رومني) يعتقد أن أوباما يزج بالولايات المتحدة في أتون حرب باردة جديدة تقترب جدا من نشوب حرب عالمية نووية بسبب انتشار درع صاروخي أمريكي – أطلسي على تخوم روسيا وهو أمر يرفضه (بوتين) وهو بصدد مراجعة قواته بتعزيز قدرات روسيا النووية في البر والبحر والجو. إننا في العالم العربي نرتكب أخطاء استراتيجية فادحة لأن نخبنا تنقسم إلى قسمين وهميين: قسم يؤله الدور الأمريكي ويضخمه وينفخ فيه لأسباب عقائدية وقسم يهون منه ويستصغره بل أحيانا لا يعترف به أصلا. وكلا الفريقين على ضلال مبين وتدرك واشنطن من خلال مراكزها البحثية هذه الحقيقة فلا تعول على رأي عربي عام له توجهات عقلانية ومصالح دائمة ومخططات مسؤولة بل تتعامل مع العالم العربي مع الأسف كأنه شظايا دول غير مكتملة وتحكمه نخب مزاجية عاطفية لا تجتمع على رأي ولا تحترم الاختلافات بينها. هذه عقيدة (رومني) التي سيواجه بها شعوبنا لو انتصر في الرئاسيات القادمة وهي مرحلة دقيقة لست مقتنعا شخصيا أننا استوعبناها وقيمناها وأعددنا لها ما استطعنا من الحكمة والترفع. الأمر المجهول في سلوك (رومني) تجاه المسلمين ربما يكون نوعا من التعاطف السري وغير المعلن مع تعاليم الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات لأن (رومني) كما نعلم ينتمي إلى طائفة المرمون (7 ملايين أمريكي) وهي الطائفة التي تبيح التعدد بل تدعو إليه لأنه حسب منشورات المرمون يصون المرأة والأسرة والمجتمع.
621
| 30 أكتوبر 2012
يوم الثلاثاء 23 أكتوبر سيبقى منارة في تاريخ العرب والمسلمين، لأنه يوم تجرأ فيه زعيم عربي مسلم على إخضاع العالم للحق: حق الشعوب العربية المسلمة في أن تكون حرة وأن تؤدي أمانة المقاومة ضد الطاغوت وأن تستقل بقرارها عن طغيان الأمم القوية الظالمة العاتية. إنها معجزة سياسية وحضارية تحققها قطر على أيدي أميرها وقائد مسيرتها الشيخ حمد حفظه الله. كل هذه المعاني الجليلة عشناها ونحن نتابع مباشرة زيارة صاحب السمو أمير قطر لفلسطين الثائرة من خلال بوابتها التي كانت ممنوعة بالقهر والجور: بوابة غزة العزة. لا أريد أن أعيد ما قاله المناضل إسماعيل هنية باسم شعبه الفدائي فهو قد وفى وكفى ولكن أريد أن أعطي لهذا الحدث أبعاده الجيوستراتيجية الكبيرة التي ربما غابت عن الأذهان. إن الإقدام على فك الحصار وتحطيم الجدار حول شعب فلسطين هو عمل سياسي جبار سيكتبه المستقبل بحروف من ذهب لأنه يدشن عهدا جديدا من رفع التحديات، هذه التحديات التي طالما تغنى بها القادة العرب والمسلمون ولكن لم يحققوا منها شيئا ولم يغيروا من باطلها شيئا حتى جاء كاسر الحصار وحاضن الأحرار ومؤيد الثوار أمير قطر المفدى ليعطي للتحدي معنى ويجسد حلم الأجيال فيكتسح السدود ويتجاوز العقبات ويصنع تاريخا جديدا للعرب والمسلمين بعد أن هبت رياح الربيع العربي على أغلب مجتمعات العرب والمسلمين مبشرة بالصبح القريب. التهاني والتبريكات من قلب رجل مثلي احتضنه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سنة 1990 حين كان الشيخ بيض الله وجهه وليا لعهد قطر وكنت أنا مجرد مثقف وطني تونسي معارض ملاحق من أنتربول في كل مطارات الدنيا مشرد في أرض الله لم تعترف بكفاحي سوى الدولة الفرنسية التي ضمنت لي ولعيالي حق اللجوء السياسي. فكان أن تشرفت في ديسمبر 1990 بزيارة الدوحة التي أعرف فيها منذ السبعينيات العبادلة الثلاثة رحمهم الله تعالى (بن محمود والأنصاري والسبيعي) وكانت الكويت سنة 1990 ما تزال تحت الغزو الصدامي لا العراقي حاشا العراق وكانت لي مع صديق العمر رئيس حكومة تونس المضطهد أنذاك محمد مزالي رحمه الله جولة في قطر وضيافة من سمو ولي عهدها الشيخ حمد الذي سألني بمروءته المعروفة: ماذا تعمل في فرنسا يا دكتور؟ فقلت له يا سمو الشيخ أنا عاطل ونعيش من راتب زوجتي هناك وهي صيدلانية. فقال لي تعال يادكتور ودرس في جامعة قطر فقلت له إني ملاحق من نظام تونس ومطلوب في أنتربول فلعل وجودي في الدوحة يحرج حكومتكم، فقال حفظه الله: إنك ضيفي وهذا وطن من لا وطن له. وبالفعل بدأت رحلتي القطرية وكنت من مؤسسي قسم الإعلام بالجامعة سنة 1996 وفي نفس العام واكبت تأسيس قناة الجزيرة وكنت المعلق فيها مباشرة على الأحداث التي هزت العالم يوم 11 سبتمبر 2001 ثم شاركت في إنشاء عديد المنظمات في المجتمع المدني القطري الرائد بتشجيع من سمو الشيخة موزا رعاها الله وأخلصت لأجيال الشباب القطري من بنين وبنات الذين تخرجوا على يدي وعلى أيدي الزملاء الأفاضل في مجال الإعلام وشرعت أكتب على صفحات الشرق الغراء منذ 1990 إلى يوم الناس هذا بإصرار وثبات ساعدني فيه رؤساء تحرير كرام تعاقبوا على الشرق أخرهم ابني الفاضل جابر الحرمي بعد عبد اللطيف آل محمود وعبد العزيز آل محمود وأحمد عبد الملك وبعد عميدهم جميعا صديقي الكبير محمد ناصر العثمان الذي شاركني في منفاي بكلماته الطيبة جزاه الله عني ألف خير. فصاحب السمو هو الذي أواني وأكرمني كما أكرم عددا لا يحصى من المناضلين والأحرار وهو اليوم يتوج هذا السلوك الأخلاقي العظيم بكسر الحصار عن شعب فلسطين بشجاعة نادرة وهمة عالية ومروءة سامية. فالله معك يا كاسر الحصار وحاضن الأحرار ووفق الله وطنك ورعى مساعيك ومساعي سمو ولي عهدك وسمو الشيخة موزا إلى ما فيه خير هذا الوطن وخير العرب والمسلمين. اللهم جاز المحسنين واجعلهم منارة للطيبين وانصرهم بنصرك يا رب العالمين.
481
| 24 أكتوبر 2012
تتعالى أصوات الناعقين غربان السوء السياسي في فضاء بلدان الربيع العربي كأن القدر نفخ في صور الطموحات الشعبية لتتراجع وتندثر أمام بعض العراقيل الظرفية الطبيعية بعد كل تغيير عميق. والمطلوب من النخب العربية اليوم هو الصمود وعدم اليأس من إعادة التاريخ إلى مجراه بعد أن حوله الطغاة إلى مسرح هزلي مأساوي أقصى فيه الشعوب عن التفكير والمسؤولية واستفرد بالقرار والخيار وسار بالبلاد نحو الكارثة. أما وقد استعادت الشعوب حريتها وكسرت أغلالها واستجاب القدر لإرادة الحياة كما قال شاعر تونس أبو القاسم الشابي فإن الزمن أصبح يسارع بعده العكسي أمام النخب الحاكمة والمعارضة لتخرج بالمجتمعات من حالة فقدان البوصلة إلى حالة الوفاق من أجل مصلحة الوطن. ولنأخذ تونس مثلا لما يمكن أن يصيب بلداننا من انحراف سياسي عن أهدافها السامية فنسجل حالة احتقان دستورية أسبابها اصطدام تعنت بتعنت: تعنت أقلية من أهل السلطة الشرعية بإصرارها على استبعاد جزء أو أجزاء من الطيف المقابل باستعمال آليات القانون تعسفا ضد من أجرم وضد من لم يجرم على السواء وهو ظلم قامت الثورات لمقاومته وإنهائه وتعنت أقلية من المعارضة بتهويل المخاطر وإشاعة رهاب الفوضى وإيقاظ أشباح الماضي والتلويح بالفراغ الدستوري وهي مواقف من الجانبين مجانبة للصواب وتصب في خانة المعادين لكل تغيير ولا تخدم مصير تونس ومصير الربيع العربي. وفي هذه المطبات السياسية الشبيهة بالمطبات الهوائية بالطائرات لا بد من الإشارة إلى أن سترة النجاة تحت المقعد أي في متناول اليد وهذه السترة المنقذة من الضلال هي الجلوس حول مائدة مستديرة للحوار الوطني وهي البادرة التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل وهو المنظمة العتيدة المجاهدة التي دفعت ثمن استقلال الوطن غاليا وهذه المبادرة يبدو أن أغلب الفرقاء السياسيين في بلادنا قبلوا بها لكن لكل فريق شروطا لم تعد مقبولة بالنظر إلى أولوية الملفات المطروحة ولا بد أن يتخلى كل فريق عن شروط الإقصاء لأن الحوار الوطني في مفهومه الأصيل هو الاستماع للآخر المختلف عنك لا التحاور مع المتفق معك. عوض الخلاف بين تضاد أيديولوجيات ومصالح أحزاب يمكن أن يكون الحوار استكمالا للحوار الجاري بالمجلس التأسيسي المنتخب وسندا وتعميقا وتحيينا وتأصيلا له لأن المجلس يضم جميع الحساسيات السياسية ويقوم برسالته لكن بتعثر وبطء يحسبان على عدم التجربة وضعف الدربة لا على سوء النية وبإمكان الحوار الوفاقي الوطني أن يستكمل تلك الرسالة لتبلغ البلاد شاطئ النجاة والملفات المستعجلة معروفة ومتفق عليها وهي: 1) الاتفاق على الهيئة التي ستنظم الانتخابات القادمة وعلى القانون الانتخابي. 2) الاتفاق على الهيئة التي ستشرف على القضاء وتضمن استقلاليته وحياده. 3) الاتفاق على الهيئة التي ستدير قطاع الإعلام والاتصال وتؤمنه ضد التسييس الحزبي واستغلال المال السياسي. 4) الاتفاق على إنشاء وزارة للأمن والأمان تكون الذراع القوية العادلة لدولة الحق والقانون. 5) الاتفاق على روزنامة محددة واضحة للمواعيد الانتخابية المنتظرة أي في النهاية الاستعداد لإنشاء الدولة بسلطاتها الثلاث المستقلة عن بعضها البعض: التنفيذية والتشريعية والقضائية. إن هذه الملفات الخمسة هي ذات الأولوية والاستعجال ولا أعتقد أن واحدا من الفرقاء مهما كان انتماؤه يعترض على حيويتها بالنسبة لمصالح الناس ومستقبل الوطن. كما لا أعتقد أن واحدا من الفاعلين السياسيين يفكر في إرجاء حلها لأنها تشكل آلية الدولة المنشودة وتأسيس العمران بعد انتشار الخراب إلى جانب الأمانة التي انتخبنا المجلس التأسيسي لأدائها وهي تحرير دستور جديد للبلاد يكون الضامن للحقوق والحريات والمؤتمن على مصير البلاد وهي أمانة ثقيلة لم يتوفق المجلس بعد عام من انتخابه لإنجازها مما أدى إلى بعض الإرباك وتأجيل القضايا الخمس التي عددناها إلى مواعيد قادمة نأمل ألا تطول. الوطن أمانة في أعناق الجميع أيا كانت مواقع أقدامهم ومهما اختلفت رؤاهم وكيفما تصوروا أداءها إنها أمانة استخلاف حقيقية نتحملها أمام الله والشعب والتاريخ حتى لا نضيع بأيدينا ما أراد الله لنا من سلام وأمان وتقدم وكرامة وعدالة.
520
| 17 أكتوبر 2012
مرت بلادنا في تاريخها العريق الممتد على ثلاثة آلاف سنة بأنظمة لا تحصى ولا تعد تداولت على تونس منذ الفينيقيين والرومان والبربر والعرب وفرضتها منزلة هذه البلاد الجغرافية وموقعها على سواحل البحر الأبيض وارتباطها بالجنوب الإفريقي والشمال الأوروبي وكانت تونس سيدة البحر الأبيض بعاصمتها قرطاج ومنافسة روما بإمبراطوريتها الواسعة إلى أن قيض الله لها إسلامها على أيدي الفاتحين العرب فكانت القيروان منذ سنة 50 هجريا منطلق الفتوحات نحو الأندلس ونحو القارة السمراء. ثم بلغت بلادنا شأنا عظيما من القوة والإشعاع على أيدي دولها المسلمة من القيروان إلى تونس إلى المهدية وتعاقبت عليها أسر حاكمة عديدة ومذاهب دينية وفكرية متباينة وأحيانا متناقضة وقامت بدور تاريخي حاسم في وضع حد للحملات الصليبية التي دامت قرنين حين مات ملك فرنسا لويس التاسع الملقب بالقديس لويس على مرتفعات قرطاج سنة 1270 م ثم أصيبت بلادنا بالخراب الفرنسي الذي احتلنا لأننا فرطنا في الدولة وتمسكنا بالأنظمة وتشتت عصبيتنا الخلدونية ويعرف جيلنا من خلال ما درسوه من كتب التاريخ كيف قاوم شعبنا الخراب واستعاد هويته وحقوقه واستكمل سيادته ومضت علينا في تاريخنا الحديث مراحل من العزة والهوان وفترات من الوعي والغفلة ولحظات من القوة والضعف إلى أن هبت علينا رياح العولمة الاتصالية كما هبت على الأمم جميعا فأيقظت المارد العبقري من رقدة أهل الكهف وأفقنا على مطالب الحرية والهوية والشرعية وهي الفرائض الغائبة على مدى تاريخنا المعاصر لنبلغ اليوم سنة 2012 حالة شعب يؤسس دولة بالمعنى الخلدوني للكلمة أي يرتفع المواطن عن مصالحه الشخصية وانتمائه الضيق ليشكل مع غيره من المواطنين دولة الحق والقانون والعدالة والنمو بعيدا عن الفوضى والاحتقان والانتقام، لن يكون لنا مستقبل إلا في كنف دولة لا في تواصل صراع الأنظمة. إن هذه الخواطر راودتني وألحت عليّ حين لاحظت لدى بعض التوانسة وحتى من النخبة خلطا عجيبا بين الدولة والنظام لأن الدولة هي القاعدة الإدارية والقانونية التي تنظم حياة المجتمع وتمنع القوي من أن يظلم الضعيف وتباشر تسيير شؤون الناس اليومية الضرورية في جميع حاجياتهم المادية والمعنوية بأدوات الوزارات والإدارات والدواوين والجيش والشرطة والمصارف والرقابة والأمن وتطبيق القانون أما النظام فهو ما يعبر عنه بالإنجليزي والفرنسي بـ(السيستم) أي منظومة علاقات أسرية ومهنية علنية وسرية تفرض خدمة مصالحها بواسطة التلاعب بأجهزة الدولة وتحويل القانون عن أهدافه بغرض مصادرة الدولة للغايات الدنيئة وتمكين المتنفذين من سلب ثروات البلاد وهدر طاقاتها ونهب خيراتها ومثل هذه (السيستمات) هي التي كادت تأذن بخراب الدولة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وهي التي تهدد مجتمعاتنا بأزمات أهلية نحن في غنى عنها لنحقق أهداف ثورات شعبية لم يقدها منا أحد ولم يتقدمها بل سرنا وراءها بتواضع وحاول كل منا أن يكون في مستوى قامة شبابها الجسور. إن بقاء الدولة العادلة القوية هو الدرع التي تقي البلاد من الهزات وتجنبها المكاره وتشكل نواة بناء المستقبل المشترك وقد نصح المناضل الكبير نيلسن مانديلا نخب تونس ومصر بعد نجاح ثورتيهما بأن يؤسس الجميع الدولة الجديدة على استمرار الدولة القديمة لا على الأنظمة التي زالت بسبب فساد بعض عناصرها لأن الدولة بعد الثورة لابد أن تؤسس على دولة دائمة منذ عصور مع القطع مع السيستم لا مع الإدارة ولهذا السبب لا أوافق الذين يريدون إقصاء كل من تحملوا مسؤوليات في الدولة في عهود سابقة، وإقصاؤهم بقوة القانون لا بقوة صندوق الانتخاب وهو ظلم لنخبة من المواطنين لم يتهمهم قضاء مستقل ويقرر حزب سياسي أن يحشرهم في سلة واحدة جائرة لتكرار تجربة العراق على أيدي (بريمر) حين دمر الدولة العراقية بحل حزب وشل دولة وتفكيك جيش. إن الدولة الجديدة العادلة لن تؤسس على فراغ وإن الحقد لا يبني دولة بل يعيق حركة التاريخ ويعطل عبقرية شعب تونسي (أو مصري أو ليبي أو يمني أو سوري) نحو الاستقرار والتنمية والتكافل وتجاوز الكراهية إلى الأفق الأبعد والأسعد. والله سبحانه الموفق لما فيه الصلاح والخير.
406
| 10 أكتوبر 2012
مائة عام تزيد عشرا تكتمل اليوم على وفاة المصلح العربي الشامي صاحب الكتاب ـ الحدث طبائع الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي ـ رحمة الله عليه ـ سنة 1902 والأمة العربية بربيعها أنجزت سنة 2012 بعضا من أفكاره النيرة لكنها مهددة بالسقوط في أنواع أخرى من طبائع الاستبداد. مائة وعشرة أعوام كذلك تقريبا على صدور ذلك الأثر العظيم الذي نظر قبل كتب أوروبا لأسباب التخلف وجذور التقهقر وحللها واقترح على المسلمين علاجها. مائة وعشرة أعوام تمر ولا حياة لمن تنادي، لا الحكومات العربية ولا جامعة الدول العربية ولا الجامعات العربية ولا مراكز البحوث الإستراتيجية اغتنمت هذه الذكرى لإحياء هذا التراث العربي المتميز وقول كلمة حق في ذلك الرجل الأمين الذي دفع حياته ثمنا لقول الحق.. لا شيء كما قال عبد الرحمن الكواكبي نفسه في توطئة كتابه: (وهي كلمات حق وصيحة في واد، أن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غدا بالأوتاد..). إن مجتمعات العالم كلها تحتفي بذكريات رجال أقل شأنا من الكواكبي وأقل تأثيرا بل إن مجتمعات أوروبا وأمريكا واليابان والصين تقتنص كل ذكرى لإحياء أمجادها بحق أو بباطل.. ونحن العرب غافلون كأنما فقدنا ثقتنا في أمجادنا وكنوز ماضينا البعيد والقريب وقطعنا الصلة مع ذلك الفيض الرائع من الفكر الحر وأصبحنا أيتام حضارة بإرادتنا! ولد عبد الرحمن الكواكبي عام 1854 لأسرة عربية كريمة في مدينة حلب الشامية التي تقصف اليوم بالطائرات والدبابات وتلقى علومه في المدرسة الكواكبية وعمل في الصحافة والمحاماة كما تقلد بعض المناصب الوظيفية وبدأ يجلب لنفسه السجون والاضطهاد ومصادرة المال والدار عندما كتب عن الاستبداد في الصحف. هاجر من حلب سنة 1900 وطاف الجزيرة العربية وشرقي إفريقيا والهند وأقصى الشرق ثم استقر في مصر، وفيها كتب (طبائع الاستبداد) كما كتب (أم القرى) وتوفي بالقاهرة عام 1902 ضحية سم دُس له في فنجان قهوة.. معيدا قصة أرسطو فيلسوف الإغريق وضحية الدفاع عن الحرية هو أيضا. من الغريب ـ بل من العار على العرب ومؤسساتهم الثقافية ـ أن صدور الكتاب وطبعاته المتلاحقة كانت دائما بسعي نجله أسعد الكواكبي في الثلاثينيات ثم بسعي حفيده د.عبد الرحمن الكواكبي في السبعينيات واليوم بجهد الزميل د. سلام كواكبي وكانت تنفد حال نزولها للسوق وعنيت الجامعات الأوروبية والأمريكية بالكتاب وأدرجته في برامج دراساتها السياسية والاجتماعية كأحد أبرز آثار الفكر العربي الإصلاحي بل تتلمذت على الكواكبي ثلة من منظري علم الاجتماع السياسي في الغرب وأبرزهم الأستاذة (هانا ارندت) صاحبة كتاب الاستبداد الذي أصبح المرجع الأساسي للعلوم السياسية وهو المؤلف بعد ثمانين عاما من كتاب الكواكبي الذي تجاهلته المؤسسات الرسمية العربية للأسباب التي نعرفها جميعا ولم يعد بالإمكان إخفاؤها بعد الربيع. وإن تأملنا في عصر الكواكبي وجدناه عصر نهضة عربية مباركة بحيث لم يأت كتاب طبائع الاستبداد من فراغ بل كأنما هو حلقة ضرورية إلى جانب حلقات نهضوية تشكل سلسلة تمهيد لانطلاقة عربية شاملة فقد صدر عام 1901 كتاب الشيخ محمد عبده (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) وكتابه (الإسلام والرد على منتقديه) وأصدر مصطفى كامل صحيفة اللواء وفي المغرب العربي بدأت حركة علي باش جانبه الإصلاحية تنشط ضد الاستعمار كما كتب قاسم أمين كتابه (المرأة الجديدة).. كان ذلك المناخ الفكري كالتربة الصالحة لبذرة الكواكبي.. وهي البذرة الوحيدة التي لم تتحول إلى سنبلة طيلة القرن.. لأن حركات الإصلاح تمكنت من طرد الاستعمار والإبقاء على جذوة الإسلام السليم حية لكنها فشلت فشلا ذريعا في تطوير الفكر الشوروي ـ أي الديمقراطي ـ في بلاد العرب جميعا مما تسبب في نكبات وكوارث عربية قديمة وحديثة لانزال نحمل أوزارها إلى اليوم فغياب الديمقراطية هو الذي أدى على الأقل إلى الهزيمة العربية يوم 5 يونيو 1967 وتوسع الاحتلال الإسرائيلي ثم احتلال الكويت ثم حروب الخليج وفتنة 11 سبتمبر 2001 ثم انتشار أنظمة الأسر "الجمهورية" والقمع الممنهج الذي أدى إلى انتفاضات عربية لم تنضج بعد. يقول حفيده. د. عبد الرحمن الكواكبي: "إنه الاستبداد الذي يظل يرافق الحياة كلها بوجه عام والحكم بوجه خاص، على تباين أثره وتفاوت شره، فهو يشتد أو يضعف، وبقدر ما يخبو الوعي السياسي أو ينمو، وبقدر ما يمحى التخلف أو يزداد، وبقدر ما يصفو الفكر أو يتعكر، وبقدر ما تظهر النزعات الوجدانية والمراحم الإنسانية ومكارم الأخلاق أو تضمر". لهذه الأسباب سيظل الكتاب أثرا خالدا فريدا في صنفه، نوعا من أنواع إيقاظ الموتى من رقدة العدم ويكفي أن تلقي نظرة على فهرست الكتاب لتعلم أيها القارئ العربي أن الكواكبي أنار بشعلته الوقادة كافة جوانب الاستبداد وعلاقته بحياتنا فنجد الفهرست كما يلي: ما هو الاستبداد؟ والاستبداد والدين الذي أوضح فيه أصول الإسلام وبعدها عن الطاغوت، وكذلك الاستبداد والعلم لينفذ نظريات فطرة الناس على قبول الاستعباد، وأيضا الاستبداد والمجد لزرع الثقة في نفوسنا حتى لا يستبد علينا أحد. ثم يتطرق المؤلف إلى موضوع العلاقة بين الاستبداد والمال، فيكون الكواكبي سباقا لعصرنا الراهن، مستطلعا آفاق ارتباط الاستبداد كسلوك سياسي وثقافي بالمال كعصب محرك للمجتمعات وبعد ذلك يحلل الكواكبي محور الاستبداد والأخلاق من منظور فلسفي عميق قل أن يدركه عالم متخصص ثم يحلل علاقة الاستبداد بالتربية، فالتربية لديه هي خميرة المجتمع وأساسه وعليها مسؤولية تخريج جيل رافض للاستبداد. ثم هو في فصل الاستبداد والترقي وبعده في فصل الاستبداد والتخلص منه يقدم وصفة الحكيم المتمرس الأمين لتحقيق نهضة عربية وإسلامية ديمقراطية تعتمد احترام رأي الأغلبية والحكم بفضائل الأخلاق وتجسيد المحاسبة والمراجعة والعزل كأدوات لمراقبة الحاكم حتى لا يستبد وقد ختم الرجل كتابه بحكمة لا بد أن نوردها: (إن الله جلت حكمته قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال من يحكمه عليها وهذا حق فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله لأمة أخرى تحكمها كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه وهذه حكمة ومتى بلغت أمة رشدها وعرفت للحرية قدرها استرجعت عزها وهذا عدل). فكيف نعذر العرب على نسيان هذا الرجل وكتابه ونحن لم نجب بعد قرن ونيف على الأسئلة التي طرحها الكواكبي منذ قرن؟ وظللنا نعاني نفس العلل بدرجات متفاوتة.. إلى يوم الناس هذا.
3156
| 28 سبتمبر 2012
من غرائب المسارات السياسية في العالم العربي نسجل هذا التحول السريع العجيب لمصطلح (هيبة الدولة) من مضمونه القديم الذي أراده الطغاة ترويعا وقمعا لشعوبهم إلى مضمونه الجديد بعد الربيع العربي الذي أصبح يعني إجماعا شعبيا على ضرورة استتباب الأمن وإيقاف الانفلات وأولوية تأمين الناس وحياتهم وأملاكهم وأعراضهم وعيالهم من الصعاليك وقطاع الطرق والخارجين عن القانون. هكذا بقدرة قادر كريم تحول شعار الأنظمة المستبدة إلى مطلب شعبي (مع تغيير مفهومه طبعا) فقد كانت أنظمة القمع "أمنوقراطيات" هشة ونحن نريد أنظمتنا الراهنة ديمقراطيات آمنة (والفرق كبير). ففي كل من القاهرة وتونس وطرابلس وصنعاء نلمس نفس التوق للأمان والخوف من غياب السلطة وتلاشي القانون. ولعلي أفيد قرائي حين أكشف عن بعض محتوى حديثي مع كل من السيد الباجي قايد السبسي حين استقبلني مشكورا في قصر الحكومة وهو رئيس للوزراء ومع السيد حمادي الجبالي في فندق شيراتون الدوحة في جوان- يونيو 2011 قبل الانتخابات ومع عديد أقطاب حركة النهضة حين كانوا في مرحلة الانتخابات قبل تشكيل الحكومة وكنت مع هؤلاء جميعا أنصح بتقسيم وزارة الداخلية إلى وزارتين الأولى للحكم المحلي من محافظات وعمادات وبلديات والثانية اقترحت عليهم جميعا تسميتها بوزارة الأمن والأمان لأنني كنت مسكونا بهاجس من جرب قليلا من السلطة وخبر ويلات الهزات الاجتماعية بل وراح ضحيتها من جملة الضحايا فأدرك بأنه لا تنمية ولا عدالة اجتماعية ولا تعليم ولا صحة ولا سياحة ولا استثمارات بل لا تعايش ولا وفاق من دون أمن وأمان. وكنت دائما أضع نصب عيني الآية الكريمة (من سورة قريش) التي استعرضت أولويات رحلتي الشتاء والصيف فأكد الله جل وعلا أن إطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف هما الشرطان لحياة كريمة لقريش وللناس أجمعين من وراء قريش. تلك نواميس القرآن المجيد وتلك سنن السياسة في أعمق معانيها بالأمس واليوم وغدا. ولا أدري لماذا لم يعمل أحد حكامنا بنصيحتي المتواضعة الصادقة ولم تنشأ أية حكومة من حكوماتنا وزارة للأمن والأمان وأحسب والله أعلم أن الريبة من وصمهم بالأمنيين ونعتهم بالقمعيين هي التي صرفت أنظارهم عن هذا العمل الصالح وربما خافوا من أن يقال عنهم (إنهم يعيدون إنتاج الاستبداد!) ولكن الحقيقة وتطور أحداث الربيع العربي أثبتت بأن الخلل الأمني الناتج عن التجاذبات السياسية وانعدام الرؤية الواضحة وغياب الوفاق هو الخلل الأكبر والأخطر الذي شل حركة الإصلاح وعطل تحقيق أهداف الثورات وفتح أبوابا ونوافذ للمتسللين من أعداء الشعوب ليصولوا ويجولوا فيدمروا السفارات ويحرقوا المرافق العامة ويهددوا الحريات الأساسية بل ويملأوا الفضاءات الإعلامية والمدنية والإلكترونية بما ابتكروا من وسائل الاندساس وقلب الأوضاع لمصالحهم دون رادع من قانون ولا أخلاق. فالأمن كما تعلمنا في الحياة وعلى مقاعد الجامعات هو الدرع الواقية للدولة التي هي الدرع الواقية للمواطن وحصرية استعمال القوة العامة في يد الدولة هو الضامن لتطبيق القانون بعدل واستقلالية وكفاءة وابتعاد عن الأحزاب. وإذا ما حللنا ظاهرة مهاجمة السفارات الأمريكية في العديد من العواصم العربية كنموذج ساطع لضعف الدولة الجديدة وخاصة في ليبيا ومصر وتونس وتلاشي هيبتها فإننا نجد أنفسنا حيال امتحان عسير لقدرة السلطة على تطبيق القانون. فمصالح الأمن بعد الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن لا تدرك بالضبط طبيعة العلاقة بين الأحزاب الإسلامية الحاكمة أو المشاركة في الحكم وبين السلفيين (مع العلم أن السلفية تيار متواجد في كل المجتمعات المسلمة لكن اختراقها من قبل مجموعات ذات أجندات مغايرة هو الذي أخل بتحركاتها) فتصاب هذه المصالح الأمنية بالتذبذب وعدم اتخاذ القرارات الميدانية الملائمة بالإضافة إلى الخوف من المساءلة عند استعمال القوة أو الدفاع عن النفس ويتاح للمندسين من كل الاتجاهات أن يحولوا وجهة أية مظاهرة ويشوهوا بالتالي صورة بلادهم وسمعة مؤسساتها ويتحمل الشعب هذه الثغرة الأمنية بشكل يصعب علاجه. إن الشعوب العربية في البلدان التي عوضت أنظمة التسلط والفساد بأنظمة الأحزاب لم تعد في أغلب مكوناتها تلمس إيجابيات التغيير الديمقراطي وهبوب رياح الحريات أمام تقلص تدريجي وخطير لهيبة دولة جديدة منتخبة وديمقراطية ذات مؤسسات دستورية تصون حقوق المواطن وتؤمن حياته وتخدم مصالحه اليومية وتوفر له ولأولاده الأمان والصحة والشغل والأمل. وبدأت شرائح عريضة من الناس تحمي نفسها بنفسها في ظل انسحاب غير مبرر لهياكل الدولة لحساب تدافع سياسوي انتخابوي يضع الأحزاب فوق الوطن ويضع تقاسم الكراسي فوق تقاسم ثمار التنمية. إنه درس قاس في كل من مصر وليبيا وتونس حتى تعي النخبة حاكمة كانت أو معارضة أن هيبة الدولة تجب إعادة تركيبها على أسس القوة المشروعة المسنودة إلى قانون توافقي عادل وإلى ضمان مسار الشعب نحو التقدم والمناعة بلا تردد أو تلعثم أو تحزب. ولم أجد لأختم مقالي هذا أفضل من رأي قرأته للزميل المفكر التونسي العجمي الوريمي وهو عضو في حركة النهضة قال: "هناك معادلة صعبة هي كيف يتم فرض القانون وهيبة الدولة دون العودة إلى الديكتاتورية وكيف يتم ضمان الحرية لكافة التونسيين دون الانزلاق في الفوضى حتى الفتنة. ولعل مسؤولية الأحزاب والمجتمع المدني أساسية في تأطير المواطنين خاصة الشباب وتشجيعهم على المشاركة في الحياة السياسية والثقافية والتعامل الإيجابي مع المسار والنأي بأنفسهم عن العنف ونحن نتفهم حالة القلق والإحباط والامتعاض والتشاؤم التي تنتاب شرائح معينة من المجتمع في مراحل التحول والانتقال ولكن ذلك لا يعطي مشروعية للفوضى والتسيّب والتخريب ولا مفر للدولة كي تقوم بواجبها في حفظ الأمن وحماية الحريات وقد انتخبت الحكومة للقيام على ذلك وهي تجد نفسها أحيانا إذا تسامحت تتهم بالتقصير وإذا تشددت تتهم بالاستبداد وكل فريق يزعم بأنها متساهلة مع الفريق الآخر".
565
| 26 سبتمبر 2012
مساحة إعلانية
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
2070
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد،...
2067
| 29 يوليو 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
1461
| 30 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1434
| 30 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على...
1383
| 29 يوليو 2026
بعض الكتب تبقى على قيد الحياة طويلا لا...
1299
| 28 يوليو 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن...
1023
| 28 يوليو 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
798
| 02 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
750
| 31 يوليو 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...
546
| 02 أغسطس 2026
في سبتمبر عام 2008 انهار بنك (ليمان براذرز)...
525
| 29 يوليو 2026
مهما كتبت الأقلام، ومهما أبدعت الكلمات، فلن تفي...
516
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية