رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لا تؤجل فرحتك.. فالمشاعر لا تؤجل

نعيش هذه الأيام فرحة عيد الفطر السعيد، بعد أن ودّعنا شهر الرحمة والمغفرة، والذي نسأل الله أن يعيده على الأمة العربية والإسلامية بالأمن والسلام والوحدة. إلا أننا في دوامة الحياة اليومية، حيث تتزاحم المهام والالتزامات، وتتكاثر هموم الأعمال، ويتحول الإنسان إلى كائن وظيفي يدور في فلك الواجبات غير المتناهية دون أن يلتفت إلى روحه، يصبح الفرح شيئًا مؤجلًا، مؤجَّلًا إلى حين وإلى وقتٍ غير معلوم، نجد البعض يتساهل حتى في اقتناص الفرحة الموسمية والمتمثلة بالعيد وما يحويه من مشاعر روحانية واجتماعية وما ذلك الا كسل اجتماعي وفتور نفسي. *والحقيقة أن الفرح ليس خيارًا هامشيًا، بل حاجة إنسانية فطرية، هو ليس نقيضًا للجدية، ولا عدوًا للإنجاز، بل هو وقود للنفس، وتجديد للمعنى، وإعادة ضبطٍ لنبض القلب، فالإنسان بطبيعته لا يمكنه أن يستمر في العطاء والإنتاج إن لم يتنفس بهجة الحياة بين الحين والآخر، والفرح ليس فقط لحظة زهو، بل توازن داخلي، ودفقة نور تذكر الإنسان بأنه ما زال حيًّا بروحه لا بجسده فقط. حين يأتينا العيد، نجد أن من المنطق والطبيعي أن يتسلل الفرح إلى أرواحنا لا بوصفه احتفالًا موسميًا دينيا عابرا، بل كتذكير ناعم بأننا نستحق السعادة والفرح، مهما أثقلتنا الأعباء، ومهما جرحتنا الأيام، ونستحق أن نضحك، أن نرتدي الجميل، أن نُصافح بحب، أن نعيش لحظة لا يسرقها القلق من الغد، ولا يفسدها حنين إلى ما لا يُستعاد، والعيد يحمل رمزية عميقة، فهو لحظة توقف في الزمن، تُمنح للروح كي تتنفس، للقلوب كي تتلاقى، وللنفس كي تستريح من جدية الحياة. *لكن لماذا نؤجل الفرح أو لا يحاول استشعاره؟ لأننا ببساطة نربطه بشروط، فلا نفرح إلا إذا أنجزنا شيئًا ملموساَ، أو حققنا هدفا ماديا، أو تحسنت الأحوال المعيشية، فالبعض يرهن الفرح لحدوث ما لا يمكن السيطرة عليه، ثم يستغرب لماذا لا نشعر بالسعادة. وهكذا، نبقي مع الأسف الفرح في غرفة الانتظار، ونسجن أنفسنا في دائرة التأجيل والتمني للمشاعر، فنؤجل الفرح، حتى حين يكون بين أيدينا، ونؤجله لأنه يتطلب منا جرأة على كسر القالب، وتخفيف الحمل، والخروج عن النص. والناظر الى حقيقة الفرح يجد أنه لا يُمنح من الخارج، بل يُصنع من الداخل، هو موقف داخلي قبل أن يكون حالة ظرفية. والعيد، في جوهره، ليس مجرد تقويم أو مناسبة، بل هو دعوة روحية لمصالحة النفس، وتجديد العلاقة بالحياة، ففي العيد، لا نفرح لأن كل شيء كامل، بل نفرح رغم أن لا شيء كامل بل النقصان شأن الأمور والأشياء، *ولا ننسى أن الفرح لا يكتمل حين يكون فرديًا، بل حين يمتد للآخرين، خصوصا في وجوه الأطفال، ويكمن في يدٍ تعطي، وفي زيارة يتجدد بها الود، فنجد المعنى الأعمق للعيد. فالعيد يا أحبابي هو موسم للتخفف من الأثقال، لتصفية الخواطر، لتقبيل الذاكرة، وللسماح للفرح بأن يتنفس في صدورنا، فلا تؤجلوا فرحتكم. وعيدكم مبارك.

963

| 02 أبريل 2025

العرب بين التراجع والاستفاقة.. متى نخرج من دور الضحية؟

في زمن تعالت فيه صرخات العرب، وضاعت فيه الحقائق بين دخان الحروب وأشلاء الأحلام، بات السؤال يحترق في ضمائر المخلصين من هذه الأمة العربية متساءلين: إلى متى نظل نحن العرب أسرى دور الضحية؟ إلى متى نعوّل على سردية المؤامرة، ونتقن البكاء على الأطلال، بينما ترتفع رايات الأمم الأخرى على أنقاض أوطاننا؟ عجبا لنا ولزمننا، إنه زمن العرب الذي يترنح بين ماضٍ تليد صنعه الأجداد، وحاضر مشلول نرثي فيه أنفسنا، وننتظر معجزة تسقط من السماء، دون أن نمد أيدينا وننتزع مصيرنا من بين فكّي التبعية والتيه والخنوع والخضوع. فقد صار العربي يتفنن في سرد القصص عن الاحتلال، والاستعمار، والخيانة، دون أن يسألوا أنفسهم: ماذا قدّمنا نحن؟ كيف نوقف هذا السقوط الحر؟ متى تحوّلنا إلى أمة تُحسن البكاء ولا تحسن الفعل؟ متى نكف عن اجترار ماضينا بحسرة، وننهض لصناعة مستقبل يليق بعظمة العرب التي دفناها بأيدينا؟ فالأمة العربية، منذ ما يزيد على قرن، تتقمص دور الضحية ببراعة، باستسلام واضح للعيان، فثقافة الاستضعاف تملكت عقولًا كثيرة من العرب، وتروّج لنظرية المؤامرة كذريعة للكسل، وتهرب من مواجهة الذات. فنلوم القوى الخارجية على مصائبنا، ونتجاهل فساد إداراتنا العربية، وسلبية شعوبنا، وتمزيق وحدتنا بأيدينا، وقيام إعلامنا بتضليلنا، وكلما تقدمت أمة، رمينا نجاحها على أنها لعبة من ألاعيب الاستعمار، بينما نغرق في تخلف صنعناه بأيدينا، ونحن نصفق له على أنه قدر لا فكاك منه. لذلك نجد – حتى نكون عمليين – أن الحل يبدأ بإعادة صياغة العقل العربي، فنحن بحاجة إلى ثورة فكرية حقيقية تخلع عنّا عقلية الضحية، وتزرع مكانها قيم المبادرة والعمل، بعيدًا عن جلد الذات أو تعليق الفشل على شماعة الآخر، وهذا لا يتحقق إلا من خلال إيجاد مناخ سياسي يؤمن بالتعبير عن المشكلة والتنبيه لها والإشارة إليها، ثم تعليم واعٍ، لا تعليم تلقيني يخرّج حفّاظًا يمجدون أوهامًا لا تصنع مستقبلًا، فنحن نرنو لتعليم ينتج مفكرين ومبدعين يحملون رؤية جديدة تنهض بالأمة. وإلى جانب ذلك، لا بد من بناء مؤسسات حقيقية، فالدول القوية تنهض بالمؤسسات الراسخة، لا بالأشخاص العابرين، ونحن بحاجة إلى قضاء مستقل، وإعلام حر، واقتصاد منتج، يخلق فرصًا ويحرر الإرادة الوطنية من التبعية، وبعيدًا عن انتظار الزعيم المخلّص الذي قد لا يأتي. فإحياء المشروع العربي المصيري الوحدوي أصبح ضرورة، ومشروع لا يستند إلى حنين عاطفي للماضي، بل إلى رؤية معاصرة تنطلق من المصالح المشتركة، وتجاوز الخلافات المصطنعة بين العرب والأقطار العربية، والأهم من ذلك كله هو إشاعة ثقافة العمل والإنجاز، بدلًا من ثقافة الشكوى والتذمر، لأن المستقبل لا ينتظر من يبرع في الحزن، بل من يملك خطة واضحة للعمل والإصلاح.

1581

| 26 مارس 2025

هل العادات والتقاليد مقدسة؟ وهل من الممكن تجاوزها؟

إن المتأمل في العادات والتقاليد يجد أنها ليست مجرد مظاهر شكلية أو أفعالًا مكرورة توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، بل هي خلاصة التجربة والممارسة الإنسانية لمجتمع ما عبر الدهور، فهي تعكس رؤيته للحياة، وتترجم قيمه ومعتقداته وثقافته، كما تعكس نظرته إلى الوجود والعالم من حوله، فإن العادات والتقاليد هي بمثابة الذاكرة الجمعية للشعوب، وسجلها الحيّ الذي يحفظ ملامحها وهويتها، ويصنع من خلالها سلوك الأفراد وينظّم علاقتهم بعضهم ببعض، كما تُرسّخ قواعد الانتماء، وتعزّز الشعور بالهوية والخصوصية الثقافية، فيعرف بها الإنسان نفسه، ويشعر بالانتماء إلى مجتمعه وبيئته، ويدرك موقعه ضمن نسيج اجتماعي واسع ومتداخل. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذا السياق: هل العادات والتقاليد مقدسة؟ وهل ينبغي التمسك بها على إطلاقها، مهما كانت طبيعتها أو أثرها؟ إن الحقيقة التي لا خلاف فيها أن التقديس لا يكون إلا لما ثبت بنصٍ من وحي السماء، أما العادات والتقاليد والأعراف، فهي جهد بشري خالص، ونتاج لسياق تاريخي مجتمعي وثقافي محدد، فالعادات خاضعة للتطور والنقد، والتقاليد قابلة للمراجعة والاختبار مع تغيّر الأزمنة والأحوال والظروف، فما كان منها منسجمًا مع فطرة الإنسان ومصلحته العليا العامة، ومحققًا للعدل، ودافعًا إلى صيانة الكرامة الإنسانية، فهي تقاليد وأعراف تستحق الحفظ والصيانة والاعتزاز. وأما ما تحوّل منها إلى قيدٍ يكبل الإنسان وحريته الفكرية والمعرفية والسلوكية، أو حاجزٍ يحول دون تطور المجتمع وارتقائه، فهو مما تجب مراجعته، بل وربما تجاوزه، بعقل راشد، وبصيرة نافذة. لذلك فالتقاليد ليست صخورًا صماء لا تتحرك، بل أشبه بالنهر الجاري، يتجدد في مساره العام، ويحمل شيئًا من ماضيه القديم، لكنه لا يتوقف عند نقطة واحدة من حياة البشرية، فالمجتمعات التي تجمّدت عند أعراف لم تعد تناسب روح العصر الآني، نجد أنها قد أصابها الوهن والجمود، وتراجعت مكانتها بين الأمم. وكما هو الغلو مذموم فالتجافي مذموم أيضا، فنرى المجتمعات التي نسفت جذورها تمامًا، وتنكرت لموروثها، تاهت عن ذاتها، وفقدت خصوصيتها، وضاعت في زحام الأمم. وقد جاء الإسلام بتشريعاته وأطره الواسعة ليقدم موقفًا متوازنًا تجاه الأعراف والعادات والتقاليد، فلم يرفضها لأنها موروث بشري، بل قبِل منها ما وافق مبادئ العدل والإحسان، ورفض ما يعارض الكرامة أو يكرّس الظلم، بل إن كثيرًا من التقاليد العربية السابقة، مثل إكرام الضيف، وصلة الرحم، والوفاء بالعهد، أقرها الإسلام، وشجّع عليها. وهذا يدل على احترامه لما هو أصيل ومتجذر، ما دام لا يصادم أصول الدين. وفي نهاية الأمر، تبقى النصيحة لكل مجتمع في الوجود، أن يعيد النظر في عاداته وتقاليده بين الحين والآخر، بعين الحكمة والعدل، فيحافظ على ما يربطه بجذوره، ويمنحه هويته وشخصيته، ويتخلّى عما يقيّده ويعيق حركته نحو التقدم، فالعادات حين تتجدد بروح العصر، تبقى حيّة نابضة، تخدم الإنسان، ولا تستعبده.

1206

| 22 مارس 2025

كيف نتعامل مع أخطاء العلماء والمثقفين؟

يروى في التاريخ أن الحسن البصري أفتى يومًا فتوى، فخالفه ابن سيرين، فردّ عليه ببيانٍ جليّ، وحجةٍ قوية. فما كان من الحسن إلا أن أطرق رأسه، ثم قال: "كلنا خطّاء، وخير الخطّائين من أناب للحقّ وأذعن للصواب". فلم يرَ في الردّ غضاضة، ولا في النقد مهانة، بل علم أن العالم يؤخذ منه ويُردّ عليه، وأن الفضل لا يُمحى بزلة، ولا العلم يُنسف بهفوة. نجد في كل عصر، أن العلماء والمثقفين لا يزالون بمثابة منارات تضيء الطريق أمام مجتمعاتهم، حاملين شعلة الفكر والتجديد، ولكن ماذا يحدث عندما يخطئ أحدهم؟ هل يُمحى تاريخه بضربة قاضية؟ هل تُنسف جهوده كأنها لم تكن؟ نرى أن التعامل مع أخطاء العلماء والمثقفين هو في جوهره اختبار لمستوى الوعي والنضج الفكري في المجتمع. أحبابي.. إن الخطأ طبيعة بشرية، والعصمة ليست من سمات المفكرين ولا العلماء، بل هي شأن إلهي خالص يهبه لأنبيائه. ومع ذلك، نرى اليوم من يتعامل مع زلات العلماء وكأنها جريمة لا تُغتفر، فيمارس محاكمات علنية قاسية، تُجرد صاحبها من كل منجزاته السابقة، كأن تاريخه الفكري والعلمي كان وهماً لا حقيقة له وصرحا من خيال قد هوى، فإن هذا اللون من التفكير قائم على رؤية نقدية أحادية وحادة، لا تعترف بالتطور والنمو، بل تحاكم الإنسان بلحظة واحدة من حياته. فالنقد الموضوعي البنَّاء شيء، والهدم المتعمد شيء آخر، ونقد العالم والمثقف أمر مشروع، بل ضروري، فهو جزء من ديناميكية الفكر وتطوره وتحسينه، لكن يجب أن يتم ذلك في إطاره الصحيح، بعيداً عن التهجم الشخصي أو النوايا المغرضة والطعن في الذوات، فاحترام الشخص لا يعني أبداً تبني كل آرائه، كما أن مخالفة الرأي لا تعني الطعن في الشخص ذاته. يمكن أن نخالف عالماً أو مفكراً في مسألة ما، ومع ذلك نظل نُقدر إسهاماته ونحفظ له مقامه العلمي. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين النقد البناء والتشهير، فالأول يستهدف تصحيح الفكرة، والثاني يستهدف إلغاء الإنسان ذاته، والشعوب التي تتقدم هي التي تُدرك هذا الفارق بوضوح، فتتعامل مع الفكر كحقل للنقاش والجدل، لا كحلبة للصراع والإقصاء. وعلى جانب آخر فالانحياز المطلق، سواء كان للعلماء والمثقفين وادعاء عصمتهم والتطبيل لهم، هو مظهر من مظاهر ضيق الأفق والجهل المريع، فكما أن العداء المطلق للعلماء خطأ، فإن تقديسهم واعتبارهم فوق النقد خطأ لا يقل فداحة، والمطلوب هو موقف متزن، يعترف بفضل المبدعين من العلماء والمثقفين لكنه لا يُنزههم عن الخطأ، فيحترم الأشخاص لكنه لا يُلزم نفسه بتبني آرائهم دون تمحيص. وفي النهاية، يجب أن نعي أن التراث العلمي والفكري هو بناء تراكمي، وكل عالم أو مفكر يضيف لبنة في هذا البناء، فإن أخطأ، نبهناه، وإن أصاب، شكرناه، لكن لا ينبغي أن يكون الخطأ معول هدم يهدم كل شيء، فالعبرة ليست في السقوط، بل في القدرة على النهوض، ولعلنا حين نُدرك ذلك نصبح مجتمعاً أكثر إنصافاً ونضجاً، وأكثر قدرة على احتضان الفكر بكل ألوانه.

783

| 12 مارس 2025

الإنتاجية في رمضان.. إرادة أم أعذار واهية؟

يعتقد بعض الموظفين أن رمضان هو شهر التباطؤ في الأداء والانخفاض في الإنتاجية، متناسين أنه يمكن أن يكون فترة مثالية لتعزيز الكفاءة والفاعلية في بيئة العمل، فعبر التاريخ، كان رمضان شهر الإنجازات والانتصارات، فلماذا أصبح اليوم مرتبطًا بالتأجيل والتسويف؟ من يتأمل ذلك يجد أن التحول من ثقافة الكسل إلى ثقافة الإنتاج في رمضان يتطلب وعيًا إداريًا، وتخطيطًا فعالًا، وانضباطًا شخصيًا، فالمنظمات الناجحة تدرك أن إدارة الوقت والطاقة خلال هذا الشهر يمكن أن تزيد من كفاءة العمل وتساعد في تحقيق الأهداف المؤسسية دون الإخلال بروحانية الشهر الفضيل. فكيف نجعل رمضان شهرًا للكفاءة والإنجاز؟، أعتقد أنه أول المتطلبات لتحقيق الكفاءة في رمضان هو إعادة ترتيب الأولويات واستغلال أوقات الذروة بذكاء، فالساعات الأولى من اليوم، بعد السحور غير الثقيل طبعا، هي الأكثر إنتاجية بسبب صفاء الذهن ونشاط الجسم، لذك، ينبغي التركيز خلالها على المهام التحليلية والإبداعية، بينما يمكن تخصيص فترة ما بعد الظهيرة للمهام الأقل استنزافًا للطاقة مثل الاجتماعات الروتينية والتنسيق الإداري. وأحيانا نجد أن بعض المؤسسات تقلل ساعات العمل في رمضان دون استراتيجية واضحة، مما قد يؤدي إلى تراكم الأعمال بعد الشهر الفضيل، لذلك فالحل يكمن في تصميم نظام مرن يوازن بين تقليل عدد الساعات وزيادة الفاعلية، من خلال تحديد الأهداف بوضوح وتحفيز الموظفين على الإنجاز ضمن الإطار الزمني المتاح. ونأتي هنا إلى أن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الموظفون خلال رمضان هو الاعتماد على التأجيل والبطء في إنجاز المهام، لذلك يجب تشجيع التخطيط المسبق، ووضع قائمة بالمهام اليومية، والالتزام بإنجاز الأولويات بدلًا من تأجيلها. ويجب علينا أن نتذكر البعد الروحاني للشهر الفضيل، فرمضان شهر تهذيب النفس والانضباط الذاتي، وهذه القيم يمكن توظيفها في بيئة العمل، عندما يدرك الموظف أن الالتزام بالعمل بإتقان هو جزء من أداء الأمانة الوظيفية، فإنه سيعمل بجدية أكبر، ويمكن للإدارة تعزيز هذا المفهوم عبر مبادرات تحفيزية، مثل مكافآت الأداء، أو حملات «العمل عبادة» التي تربط بين العطاء الوظيفي والأجر الروحي. ولا ننسى أبدا دور العادات الغذائية والنوم الجيد اللذين يلعبان دورًا حاسمًا في الحفاظ على النشاط خلال رمضان، فالموظفون الذين يتبعون نظامًا صحيًا متوازنًا، ويتجنبون الإفراط في الطعام عند الإفطار، ويتمتعون بساعات نوم منتظمة، يكونون أكثر تركيزًا وأعلى كفاءة في أداء مهامهم. لذلك فقد حان الوقت لتغيير الصورة النمطية عن رمضان كشهر للكسل والخمول إلى شهر للإنجاز والفاعلية، فالعمل في رمضان ليس عبئًا، بل فرصة لإعادة اكتشاف قدراتنا وتحقيق التوازن بين الروحانية والإنتاجية، وإذا كان أجدادنا قد حققوا انتصارات تاريخية عظيمة في هذا الشهر، فمن الأولى أن نحقق نحن انتصاراتنا المهنية والوظيفية.

894

| 05 مارس 2025

السلوك الأخضر.. ترف أم ضرورة؟

الصباح هادئ جدا، والهواء نقي، لكن هناك شيء مختلف هذا اليوم، فالضوء الذي يتسلل عبر النوافذ يبدو أكثر نقاءً، والطرقات أقل ازدحامًا، والمباني من حولي تعكس الشمس دون أن تستهلكها. هنا مبنى حكومي حديث، واجهته الزجاجية تمتص الطاقة الشمسية لتضيء مكاتبه الداخلية، وتزيد موظفيه إشراقا في نفوسهم وأرواحهم أثناء عملهم، وعند المدخل الرئيسي، عبارة منقوشة تقول: "بسلوكنا الأخضر.. نحن نرعى بيئتنا كما نرعى خدماتكم". السلوك الأخضر ليس مجرد إجراء، بل حالة وعي، إنه تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الأشياء الصغيرة التي يقوم بها يوميًا لها تأثير حقيقي، وأن لكل فعل صدى أبعد مما يتخيل. فكيف يمكن لمؤسسة حكومية أن تكون أكثر خضرة؟ ربما ببيئة عمل تقلل من استخدام الورق، أو بإضاءة ذكية تتكيف مع حركة الناس، أو حتى بمبانٍ تحتضن الأشجار بدلاً من أن تقتلعها. السلوك الأخضر ليس مجرد نزعة حديثة أو اتجاهًا بيئيًا عابرًا، بل هو مفهوم علمي إداري عميق وقائم على دراسات في الإدارة والاستدامة، يربط بين تصرفات الأفراد والمنظمات وتأثيرها على البيئة. فعلا إنه الترجمة العملية لفكرة أن القرارات الصغيرة، سواء في المؤسسات الحكومية أو في الحياة اليومية، يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا في الحفاظ على الموارد وتقليل الأثر البيئي. في المباني الحكومية الحديثة، لم تعد الاستدامة رفاهية، بل ضرورة متكاملة مع أساليب العمل. فالزجاج العاكس للحرارة يقلل الحاجة إلى التكييف، والإضاءة الذكية تعمل فقط عند الحاجة، بينما تقلص المعاملات الرقمية استهلاك الورق بشكل جذري. وهذه التغييرات ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل ناتج دراسات علمية تؤكد أن الإدارة البيئية الفعالة تساهم في تحسين الأداء المؤسسي وتقليل التكاليف على المدى الطويل. السلوك الأخضر يتجاوز كونه ممارسة مؤسسية ليصبح نمط حياة وظيفي، وعندما يصبح تقليل الهدر عادة وتقليدا، وعندما يتحول الحفاظ على الطاقة إلى وعي داخلي، فإن الاستدامة تتحقق ليس فقط في القوانين، بل حتى في السلوكيات اليومية. والأبحاث العلمية تشير إلى أن الأفراد الذين يعملون في بيئات تتبنى الاستدامة يصبحون أكثر ميلًا لتطبيق هذه العادات في منازلهم أيضًا وحياتهم الشخصية، مما يخلق تأثيرًا متسلسلًا يجعل المجتمع بأكمله أكثر وعيًا بيئيًا. لذلك نجد أن الحديث عن السلوك الأخضر ليس ترفًا فكريًا، بل استجابة علمية لاحتياجات العصر. فالعالم يواجه تحديات بيئية غير مسبوقة، والتغير المناخي ليس مجرد خبر في نشرات الأخبار، بل واقع يتطلب حلولًا عملية تبدأ من أصغر التفاصيل، ونستطيع أن نقول بأن السلوك الأخضر ليس مجرد خيار، بل هو مسؤولية ووعي بأن كل قرار، مهما بدا بسيطًا، يترك أثرًا، وعندما يصبح هذا الإدراك جزءًا من ثقافة المؤسسات والأفراد، فإن العالم حتمًا سيصبح مكانًا أنقى، وأجمل، وأكثر قدرة على الاستمرار.

1164

| 26 فبراير 2025

هل يحكم الفلاسفة المؤسسات ؟

كما تعلمون أن الإدارة ليست مجرد قواعد علمية ورقمية فقط، بل هي فن يستند إلى فهم الطبيعة البشرية والتعلق بالبصائر والنظر الى حوادث الأمور، وهنا يتلاقى الفكر الفلسفي مع علم الإدارة، حيث يمكن لأفكار الفلاسفة العظماء أن تقدم إضاءات غير تقليدية للقادة السياسيين والاداريين اليوم، فمن سقراط الذي أسس للحوار قواعد النقد، إلى العلامة ابن خلدون الذي وضع نظريات في العمران والاجتماع البشري كوحدة تنظيمية، تتجلى الفلسفة كمنبع لا ينضب للحكمة الإدارية. وقد كان سقراط يؤمن بأن المعرفة تبدأ بالسؤال وليس بالإجابة، وهو نهج يمكن للقادة تبنيه من خلال الإدارة بالحوار والمناقشة، حيث يمكن استبدال الأوامر المباشرة بأسئلة تحليلية تحفيزية ملهمة تدفع الموظفين للتفكير النقدي والبحث عن حلول مبتكرة في أداء أعمالهم، مما يعزز روح الفريق والشعور بالمسؤولية. وفي المقابل، رأى أفلاطون أن الدولة المثالية يقودها “الفيلسوف الملك”، وهو تصور يمكن إسقاطه على القيادة الإدارية حيث يحتاج القادة في المنظمات والمؤسسات إلى رؤية استراتيجية عميقة تتجاوز الحلول السريعة إلى التفكير في الأثر البعيد للقرارات، والحكمة من قراراتهم، مما يجعلهم أكثر قدرة على مواجهة التحديات. وأما أرسطو، فقد قدم مفهوما يحقق التوازن بين التطرفات والمتناقضات، وهو ما يعكسه القائد الناجح في قدرته على اتخاذ القرارات بحكمة بين الحزم والمرونة، والجمع بين المخاطرة والاحتياط، وبين الابتكار والمحافظة على الاستقرار، مما يجعل قراراته أكثر عقلانية وأقل اندفاعًا. أما العلامة ابن خلدون، فقد وضع أنموذجًا لفهم دورة حياة الدول والمجتمعات، وهي نظرية يمكن تطبيقها على عالم الأعمال والمنظمات والمؤسسات، حيث تمر تلك المنظمات بمراحل مبتدئة بروح الفريق والابتكار في مرحلة النشأة، ثم تزدهر مع تحقيق النمو، قبل أن تدخل في الجمود الإداري بسبب إحلال البيروقراطية والترهل الإداري محل الإبداع، وهنا إذا لم تتمكن من تجديد نفسها، فقد تصل إلى الانهيار والموت حالها حال البشر. فالقائد هنا إن تبنى حكمة الفلاسفة فسوف يدرك أن فهم الدورة التنظيمية تمكنه من اتخاذ قرارات استباقية تمنع مؤسسته من التراجع، وذلك من خلال تبني ثقافة الابتكار وإعادة الهيكلة الدورية لتجنب الركود والموت الإداري. ومن منظور آخر، نجد أن الفلاسفة لم يتحدثوا فقط عن نظم الحكم والإدارة من حيث اتخاذ القرارات والصرامة في شؤون الحكم، بل ناقشوا أيضًا الأخلاقيات المرتبطة بها، حيث أكد سقراط على أهمية تبني النزاهة من القائد في أطروحاته، بينما شدد أفلاطون على أن الحاكم أو القائد لا يجب أن يسعى وراء مكاسبه الشخصية بل يجب أن يضع مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار، وهو ما يتطابق مع مفاهيم الحوكمة الرشيدة في الشركات الحديثة. فالفكر الفلسفي يمكن أن يساعد أيضًا في فهم تعقيدات بيئة العمل المعاصرة، حيث إن القائد الذي يتبنى نهجًا سقراطيًا في النقاش وبناء الحوارات، ونهجًا أفلاطونيًا في صياغة الرؤية والحكمة البعيدة، ونهجًا أرسطويًا في تحقيق التوازن بين المتناقضات والمصالح، ونهجًا خلدونيًا في استشراف المستقبل وفهم تقلب الأيام والدول، سيكون قادرًا على إدارة فريقه ومؤسسته بفعالية وتحقيق النجاح المستدام.

948

| 19 فبراير 2025

لولوة الخاطر واستدعاء إرث فاطمة الفهرية

في عالم السياسة والفكر، حيث تلتقي الحكمة بالقوة الناعمة، تبرز لُولوة الخاطر كنموذج للمرأة العربية المثقفة، فهي ليست مجرد مسؤولة سياسية، بل مفكرة وأديبة، استطاعت أن تقدم خطابًا متوازنًا يدمج بين الذكاء في الادارة المؤسسية وبين الرؤية الثقافية العميقة، مما جعلها صوتًا مؤثرًا في المشهد العربي ولافتا في المشهد الدولي، من خلال عملها تمكنت من إبراز صورة جديدة للمرأة العربية القادرة على التأثير في صناعة العمل السياسي الرصين والمحاط بالفكر المستنير والمستند إلى ثقافة واسعة وفهم عميق لمجريات الأمور. فحين نتابع مسيرتها، يتبادر إلى الذهن اسم آخر من أعماق التاريخ الإسلامي وكأن لولوة الخاطر قد استدعت تلك الشخصية من أعماق التاريخ العربي الى حاضرنا، ألا وهي السيدة المبجلة فاطمة الفهرية – طيب الله ثراها - رغم الفاصل الزمني الشاسع بينهما، إلا أن كلتيهما جسدت صورة المرأة القادرة على الجمع بين الإدارة والفكر، فكما جمعت "الفهرية" بين الإدارة الحكيمة والرؤية العلمية في القيروان في ذلك الزمان البعيد، جمعت "الخاطر" بين الفكر والسياسة، فكلتاهما لم تكتفِ بالدور التقليدي للمرأة، بل خاضتا مجالات معقدة ونجحتا في ترك بصمة بارزة. * فأما عن السيدة المبجلة فقد ولدت فاطمة الفهرية في القرن التاسع الميلادي بمدينة القيروان، وانتقلت مع أسرتها إلى مدينة فاس المغربية، التي كانت آنذاك مركزًا حضاريًا مزدهرًا، وبعد وفاة والدها، ورثت ثروة كبيرة، لكنها لم تسعَ وراء متاع الدنيا، بل قررت توظيف هذه الثروة لبناء مشروع حضاري خالد له أثر في منظومة التعليم والتدريس عبر التاريخ، نعم أحكي عن جامعة القرويين، أقدم جامعة تعليمية في التاريخ البشري، والتي أصبحت منارة علمية استقطبت كبار العلماء والمفكرين من مختلف بقاع العالم الإسلامي وأوروبا، فلم يكن بناء جامعة القرويين مجرد مشروع خيري من قبل السيدة المبجلة فاطمة، بل كان خطوة استراتيجية تهدف إلى ترسيخ العلم في المجتمع، مما يعكس رؤيتها الثاقبة ودرايتها بأهمية التعليم في بناء الأمم. والعجب أنه لم يكن دور السيدة فاطمة الفهرية مجرد تمويل بناء الجامعة، بل أشرفت على المشروع بنفسها، وحرصت على أدق التفاصيل الهندسية والمعمارية، مما يجعلها من أوائل النساء في التاريخ اللواتي جمعن بين الفكر والإدارة الفعالة. لقد أرادت أن يكون هذا الصرح العلمي مركزًا لنشر المعرفة، فلم تقتصر الدراسة فيه على العلوم الدينية، بل امتدت إلى الفلسفة، الطب، الرياضيات، والفلك، مما جعل جامعة القرويين أقدم جامعة في العالم ما زالت قائمة حتى اليوم، كما استقطبت الجامعة نخبة من العلماء الذين أثروا الفكر الإنساني وساهموا في تطور العلوم. * إن التشابه بين السيدتين يتجلى في قدرتهما على الجمع بين الإدارة والرؤية الثقافية، وبين التأثير العملي والفكري. فكما ساهمت "الفهرية" في بناء مؤسسة علمية تركت أثرًا خالدًا، تعمل "الخاطر" اليوم على تقديم نموذج جديد للقيادة النسائية، حيث تتداخل الادارة المؤسسية مع الفكر والثقافة، والسياسة مع الأدب. فرسالتي لأبناء جيلي الغر الميامين، أنتم امتداد لإرث عريق صنعه أجدادكم بالحكمة والعلم والإدارة الفاعلة، فلا تكتفوا بالنظر إلى الماضي بإعجاب وبكاء على أطلاله، بل اجعلوه منارة حية مستنيرة تستلهمون منها عوامل النهضة في أنفسكم، فتعلموا من رموز التاريخ العربي كيف تجتمع الفكرة المعنوية مع العمل التطبيقي، فأنتم القادرون على استكمال المسيرة، على بناء مجد جديد لكم يجمع بين الأصالة والابتكار.

1413

| 12 فبراير 2025

فن صناعة المبادرات - السياسة القطرية في سوريا

في مشهد سياسي يعكس الواقعية والمسؤولية التاريخية والسياسية، جاءت زيارة الأمير سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى دمشق كعلامة فارقة في العلاقات العربية – العربية، إذ مثلت خطوة دبلوماسية متقدمة تجاه سوريا، بعد أكثر من عقد من التوتر الحاصل بفعل النظام المخلوع، فلم تكن هذه الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي، بل كانت رسالة قوية تعبر عن رؤية قطرية قائمة على تغليب فلسفة المبادرات الفاعلة على الحياد السياسي. فليست السياسة سوى فن الممكن، وذكاء إدارة المواقف، وصناعة الحلول حين تتعقد الأمور، وهذا هو جوهر فن صناعة المبادرات، الذي يُعد من أبرز سمات الدول ذات الرؤية الإستراتيجية والقادة أصحاب العزم، فالمبادرات ليست مجرد ردود فعل وقتية، بل هي أدوات تغيير تُحدث تحولات كبيرة في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالدول التي تصنع المبادرات لا تنتظر تحولات للواقع، بل تسابق الزمن لرسم ملامح المستقبل، والمبادرات الفعالة تقوم على قراءة دقيقة للواقع، وامتلاك رؤية واضحة للمستقبل، مع الشجاعة والإقدام في اتخاذ الخطوات الحاسمة، ومن يراقب السياسة القطرية، يجد أنها ليست فقط مستجيبة للحدث، بل تصنع الحدث وتتفاعل معه بمبادراتها، وذلك عبر توظيف الدبلوماسية المرنة، والوساطات الذكية، والمشاريع التنموية، والسياسات الاقتصادية الرائدة. والناظر أيضا إلى علم الإدارة العامة والسياسات العامة يجد أن صناعة المبادرات لا تقتصر على السياسة وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد، والثقافة، والتنمية، بل وحتى الحياة اليومية للشعوب والمؤسسات، فالنجاحات الكبرى في التاريخ لم تكن وليدة المصادفة، بل كانت نتيجة مبادرات جريئة قام بها أفراد ودول امتلكوا الشجاعة والقدرة على التفكير خارج الصندوق. لذلك يعد مفكرو الإدارة العامة فلسفة المبادرات كإحدى الركائز الأساسية التي تُمكّن الحكومات والمؤسسات من تحقيق التنمية المستدامة والتكيف مع التحديات المتغيرة، ويُعرّف مفهوم المبادرات على أنها خطوات استباقية وإستراتيجيات مدروسة تتخذها الجهات الإدارية بهدف تحسين الأداء المؤسسي، وزيادة الكفاءة، وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات بأنواعها السياسية والاقتصادية وغيرها، بأساليب استثنائية فريدة، فالمبادرات ليست مجرد أفكار وأمنيات، بل هي خطط تنفيذية واقعية محددة الأهداف والزمن والموارد، تهدف إلى إحداث تغييرات إيجابية مستدامة، سواء على مستوى الخدمات العامة أو السياسات الاقتصادية أو الحوكمة المؤسسية، وتعتمد المبادرات الناجحة على التخطيط السليم، والقدرة على التنبؤ بالمستقبل، والتفاعل السريع مع المتغيرات المحلية والدولية، مما يجعلها أداة فعالة في صياغة السياسات العامة وتحقيق الأهداف الوطنية والقومية والإقليمية. وفي عالم السياسة نجد أن الإبداع السياسي، يتمثل في ذلك القائد أو المسؤول الذي يقدم المبادرات الاستثنائية ويستطيع التعامل مع التحديات السياسية والإستراتيجية بأساليب مبتكرة، وهذا النوع من السياسيين يتميزون بقدرتهم على قراءة المشهد السياسي بذكاء، واتخاذ قرارات استباقية، والتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية بطريقة ديناميكية. فالمبدعون السياسيون عبر التاريخ هم من قادوا التحولات الكبرى، وأحدثوا تغييرًا إيجابيًا في مجتمعاتهم، وذلك عبر رؤيتهم الإستراتيجية، وقدرتهم على التفاوض وتقديم مبادرات تاريخية، وإيجاد أرضيات مشتركة بين الأطراف ذات العلاقة، تحقق الاستقرار والتنمية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

1119

| 05 فبراير 2025

هل يكفي أن تكون مواطناً للحصول على وظيفة؟

توطين الوظائف هي قضية تُثير الكثير من النقاشات بين المؤيدين والمتحفظين، حيث يمثل التوطين استراتيجية تهدف إلى تعزيز مشاركة المواطنين في سوق العمل وتخفيف الاعتماد على العمالة الأجنبية والوافدة. ومع ذلك، فإن الآراء المتباينة حول هذا المفهوم تبرز الأبعاد المختلفة لهذه القضية وتدعو إلى نقاش متزن، فالمؤيدون يرون أن التوطين يمثل خطوة أساسية نحو الاستقلالية الاقتصادية وتعزيز التنمية المستدامة، ومن أبرز مزايا التوطين هو قدرته على توفير فرص عمل للمواطنين، مما يسهم في تقليل معدلات البطالة في المجتمع. فالتوطين لا يقتصر فقط على تمكين الأفراد اقتصاديًا، بل يعزز شعورهم بالانتماء الوطني ويجعلهم شركاء في التنمية، ويعتبر المؤيدون أن التوطين يسهم في بناء كوادر وطنية مؤهلة قادرة على إدارة المؤسسات وتحقيق التقدم في مختلف القطاعات، فالاستثمار في رأس المال البشري المحلي الوطني هو ركيزة أساسية لأي اقتصاد قوي ومستدام، مما يجعل التوطين ضرورة وطنية وليس خياراً ومتعلقا بالأمن القومي الوطني. ولكن على الجانب الآخر، هناك من يرى أن التوطين يواجه تحديات كبيرة قد تؤثر سلباً على كفاءة سوق العمل، وأحد تلك الانتقادات الرئيسية هي نقص المهارات المتخصصة بين الكوادر الوطنية وفقرها، خاصة في القطاعات التي تتطلب خبرات تقنية متقدمة قد لا تتوافر بين جموع المواطنين من العاملين، فيرى المتحفظون أن فرض التوطين بالقوة دون مراعاة لمتطلبات الكفاءة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وزيادة التكاليف التشغيلية. ونجد أنه غالباً ما يُثار تساؤل حول القدرة على تحقيق التوازن بين توظيف المواطنين واستمرار تدفق الكفاءات الأجنبية، ففي بعض الحالات، يكون وجود العمالة الأجنبية ضرورياً لضمان نقل الخبرات وتطوير المهارات المحلية. فعند النظر إلى هذه الآراء، يبدو أن التوطين هو قضية معقدة تتطلب حلاً وسطاً يجمع بين الاستفادة من الخبرات الأجنبية وتمكين المواطنين، التحدي الحقيقي الآن يكمن في كيفية تحويل التوطين من مجرد سياسة إدارية إلى رؤية استراتيجية شاملة تأخذ في الاعتبار الاحتياجات الفعلية لسوق العمل المحلي. لذلك قدم العديد من الباحثين في النظم الادارية مجموعة من الحلول ومنها أن يتم التركيز على تطوير برامج تدريبية فعالة تواكب احتياجات السوق وتسد الفجوة بين التعليم الجامعي والمهني وسوق العمل ومتطلباته، كما أن التوطين يجب أن يتم بطريقة تدريجية انسيابية ومدروسة تضمن توظيف الكفاءات المناسبة في الأماكن الصحيحة وليس فقط لأنه ابن البلد، ولا يمنع ذلك الاتجاه من استغلال كل الكفاءات الاجنبية والخارجية وجعلها شريكة في تنمية قدرات الموظفين المحليين سواء الحاليين أو القادمين لسوق العمل، لذلك فالتوطين ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو عملية تنموية شاملة تحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجيات مرنة، ويبقى التوطين مشروعاً يتطلب توازناً دقيقاً بين الطموحات الوطنية الداعمة للموظف المواطن وبين الواقع العملي الذي يراعي نقص المهارات الفنية الاستثنائية في بيئة العمل الوطنية.

1158

| 29 يناير 2025

تكنولوجيا العلاقات: نعمة أم نقمة؟

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا.. بهذا البيت العذب عبّر ابن زيدون عن مرارة الفراق وتحوله من قرب الأحبة إلى وحشة البعد، وعن تبدل دفء اللقاءات إلى جفاء يعصف بالقلوب. في زمنه، فكان الفراق نتيجة للظروف الجغرافية أو الأقدار المحتومة، لكننا اليوم نعيش فراقًا من نوع آخر، فراقًا تغذيه التكنولوجيا الحديثة التي كان يُفترض بها أن تقربنا. ففي عالمنا الحديث، أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث وعدتنا بتقريب المسافات وتعزيز التواصل بين البشر. ومع ذلك، حملت معها سؤالًا محوريًا: هل نحن اليوم أكثر قربًا أم أكثر عزلة؟ لقد أضحت المنصات الرقمية وسيلة أساسية للتفاعل، لكنها كشفت تدريجيًا عن جوانبها الأخرى، حيث قدّمت لنا فرصًا غير مسبوقة للتواصل، لكنها في الوقت نفسه زرعت بذور العزلة والانزواء خلف الشاشات، وأصبحت العلاقات تُختصر في تعليقات وإعجابات إلكترونية، وفقدنا الكثير من دفء اللقاءات الحقيقية التي تعمق الروابط بين الناس. كم مرة جلسنا في غرفة واحدة ومكان واحد مع أصدقائنا أو أفراد عائلتنا، لكن الصمت كان سيد الموقف، والجميع منشغل بشاشته؟ التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تقربنا تحولت في بعض الأحيان إلى حاجز غير مرئي يبعدنا عن التواصل الإنساني الحقيقي. أصبح الناس يتحدثون دون أن يسمعوا بعضهم البعض، ويشاركون دون أن يشعروا بحلاوة المشاركة، وينشغلون بمتابعة حياة الآخرين بدلًا من عيش حياتهم الخاصة بصدق وعمق. لكن مع ذلك لا يمكننا إنكار الجانب الإيجابي للتكنولوجيا. فهي جلبت معها فوائد لا تُقدر بثمن، إذ أصبح بإمكاننا أن نبقى على اتصال بأحبائنا مهما بعدت المسافات، وأن نشارك لحظاتنا ونتعلم ونعمل بطرق لم تكن متاحة من قبل. ومع ذلك، يبقى السؤال: كيف نوازن بين هذه الفوائد وبين التأثيرات السلبية التي تهدد عمق علاقاتنا ودفئها؟ طبيعي جدا أن الحل لا يكمن في التخلي عن التكنولوجيا، بل يكمن في طريقة استخدامها وأن تكون بوعي، فيجب أن نعيد صياغة علاقتنا بها، بحيث نضع حدودًا لاستخدامها ونخصص وقتًا خاليًا من الشاشات، لنعيش اللحظات مع أحبائنا بصدق واهتمام. فاللقاءات الحقيقية، والمحادثات الصادقة، والنظر في عيون من نحب، تعيد الروح إلى العلاقات التي أرهقتها السطحية الرقمية. وفي النهاية، إنقاذ العلاقات الإنسانية بيننا مسؤوليتنا جميعا! أفرادا وجماعات، فالتكنولوجيا أداة قوية إذا أُحسن استخدامها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن الروابط الحقيقية الشاعرية التي تُبنى على الثقة والاهتمام، فإذا تعلمنا التوازن بين العالم الرقمي والواقعي، يمكننا أن نصنع عالمًا يحتفظ بإنسانيتنا، حيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتعزيز العلاقات، وليس لتحويلها إلى ظلال باهتة لا حياة فيها.

642

| 22 يناير 2025

حقيقة اللامبالاة.. راحة نفسية أم استقالة من الحياة؟

في عالم يموج بالتحديات النفسية والمشاعر المتناقضة، يصبح السؤال الملح في أذهاننا هو عن اللامبالاة، ذلك الأمر المثير والداعي للتفكير العميق. هل هي فلسفة للراحة النفسية أم مجرد هروب من مسؤوليات الحياة؟ نجد أن اللامبالاة تجذبنا كفكرة إلى مفترق طرق بين التفسيرين، إذ يرى البعض أنها أسلوب حياة يهدف إلى إيجاد التوازن الداخلي بعيداً عن التوترات والمشاعر السلبية، بينما يراها آخرون هروباً من المواجهة الحقيقية مع الواقع، وهي حالة من التجرد من الالتزامات والمشاعر التي تستهلك طاقتنا، فهل هي فعلاً إستراتيجية للتخفيف من الضغوط، أم هي مجرد وسيلة للابتعاد عن التحديات الحقيقية؟ اللامبالاة، في جوهرها، قد تكون رد فعل طبيعي على مشاعر الإحباط أو الاستنزاف النفسي، ففي ظل عالم مليء بالمشكلات الاقتصادية، الاجتماعية، والعاطفية والسياسية، يسعى البعض إلى الانسحاب والتوجه إلى حالة من اللامبالاة كآلية وأداة دفاعية تحميهم من الاضطرابات المستمرة والضيق والتوتر. وهذا الانسحاب، رغم أنه يبدو سلبياً، قد يُفسر في بعض الأحيان على أنه محاولة لإيجاد مسافة صحية من ضغوط الحياة اليومية. حين يتخذ الإنسان من اللامبالاة فلسفة حياة، فإنه يسعى إلى التوازن الذهني، معترفاً أن التفاعل الزائد مع العالم يمكن أن يؤدي إلى الإرهاق العاطفي. ففي بعض الحالات، تكون اللامبالاة بمثابة حاجز نفسي يحمي الفرد من الانغماس في المشاعر السلبية أو المواقف المؤلمة والعيش في دوامة مغلقة من الآلام. ولكن دعونا نفكر ونتأمل.. فعندما يصبح الشخص غير مكترث بالقضايا الكبرى في الحياة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو شخصية، قد ينطوي هذا على نوع من الفراغ الروحي، والهروب هنا لا يتجسد فقط في تجاهل الأمور التي قد تكون مؤلمة، بل في الهروب فقط دون سعي إلى التغيير أو التأثير في الواقع من حوله. فمن هذا المنظور، تكون اللامبالاة بمثابة عباءة نرتديها لحماية أنفسنا من المواجهات التي تتطلب بكل صراحة شجاعة منا أو تتطلب أن نكون أكثر التزاماً في عالم يتسم بالحركة الدائمة غير المستقرة. فقد يشعر الفرد حينها بأن اللامبالاة هي طريقة للبقاء بعيداً عن الفوضى، لكنها قد تؤدي إلى انفصال عن الذات والآخرين. وبالرغم من الانتقادات التي قد توجه للامبالاة باعتبارها مظهراً من مظاهر الخمول العقلي والروحي، فإنه يمكن أن تكون أداة فعالة لابتكار إستراتيجيات مرنة للتعامل مع القلق والخوف والتفكير الزائد. فعندما نتوقف عن الانخراط في كل التفاصيل الصغيرة التي تزعجنا، قد نجد مساحة للتنفس والتركيز على الأهداف الأكثر أهمية في حياتنا. فاللامبالاة ليست دائماً سلبية، فهي قد تفتح مجالاً للتفكير العميق في ما هو جوهري حقاً، وتساعد على اتخاذ خطوات أعمق وأكثر هدوءاً في حياتنا. إذن، عندما نبحث عن إجابة هذا التساؤل: هل اللامبالاة هي فعل انتقامي تجاه الحياة أم إستراتيجية للبقاء على قيد الحياة؟ فنستطيع أن نقول هي مزيج بين الراحة النفسية وبناء الاستقرار وبين الجبن والهروب من مواجهة مخاطر الحياة إلا أن الجواب الصحيح يظل في يد الفرد، الذي يقرر في النهاية إن كانت اللامبالاة تعني له راحة أم سجنًا من الخيارات المغلقة.

1305

| 15 يناير 2025

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5817

| 23 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

3870

| 29 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3120

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2229

| 23 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1071

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1053

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

924

| 29 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

756

| 23 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

648

| 29 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

642

| 27 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

492

| 25 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

459

| 27 سبتمبر 2026

أخبار محلية