رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

علم الإدارة كمدخل لحل الأزمات: العدوان على قطر أنموذجاً

الهجوم الأخير الذي شنه الكيان على الدوحة كشف لنا أن الأزمات السياسية لم تعد ينفع أن تدار بالخطابات ولا بالمواقف المؤقتة، بل يجب أن تدار بالقدرة على تحويل الصدمة إلى استراتيجية مستقبلية جديدة وثابتة، وهنا يبرز «علم الإدارة» باعتباره البوصلة المعرفية التي تعيد ترتيب المشهد السياسي، وتمنح الدولة أدوات جديدة للتعامل مع أزمة سياسية معقدة تجمع بين البعد الأمني والسياسي والدبلوماسي. بداية.. أول ما يقدمه علم الإدارة هو ضرورة بناء الفهم العميق لجذور الأزمة السياسية، فالموضوع لا ينحصر في صاروخ أو عملية عسكرية، بل في معادلات إقليمية، وصراع مصالح متناقضة وإدارة الصراع التنظيمي، والسعي الى سد الفراغات في هيكل المنظومة الامنية الدولية، فالإدارة الرشيدة لا تكتفي بردّ فعل غاضب، بل تفتح ملفات «البيئة المحيطة بالحدث» وتتساءل: أين مواطن الخلل؟ وكيف يُستغل الضعف؟ ومن هم الشركاء الحقيقيون الذين يمكن تحويلهم إلى حائط صدّ أو تأييد ؟ ثم تأتي قاعدة إدارية أخرى وهي مدى القدرة على تحويل الخلافات إلى فرصة للتفاوض وكسب التأييد، فبدلًا من أن يتحول الهجوم إلى هجوم مضاعف، فيمكن عبر إدارة دبلوماسية نشطة – وهذا ما حصل- أن يُستثمر الحدث لكشف ازدواجية المعايير للشارع العربي، وتعزيز تحالفات سياسية جديدة، وربما دفع قوى اقليمية كبرى إلى إعادة حساباتها بشأن أمن الخليج، بل وحتى بعض دول الخليج التي لها موقف من «حماس»، سعت الى تبني موقف إيجابي وتأييد لقطر خشية منها من قابل الأيام من الحليف الذي لم يعد يثقون فيه، فهذه ليست وظيفة السياسة وحدها، بل ثمرة تصميم إداري يُحوّل الأزمة إلى منصة للمكاسب. ونأتي الآن على نقطة تنشط كثيراً في بيئات علم الإدارة وهي إدارة المعرفة ومنها حفظ البيانات وجودة المعلومات، فلا يمكن لأي قرار أن يكون رشيدًا من دون إدارة بيانات ومعلومات دقيقة، فهنا تحتاج الإدارة السياسية إلى غرف عمليات تُحلّل المعلومات ومنها حركة الرأي العام، واتجاهات الإعلام الرديف والموازي والضد والحليف، وقياس ردود الفعل الدولية، والتفكير في السيناريوهات العسكرية ومنها التحالف مع الترك وغيرهم، فالإدارة الرشيدة تحوّل هذه المعطيات إلى خطط جاهزة للاستخدام السياسي، بحيث لا يبقى القرار رهين العاطفة وردات الفعل. وأيضاً من المهم معرفة أن علم الإدارة في مثل هذه اللحظات الصعبة يوصي بالعمل على سد أي فجوة قد تُضعف الثقة بين الحكومة – الادارة التنفيذية - والشعب – المستهدفين بالخدمة الحكومية - فالمواطن القطري بحاجة إلى ما يتجاوز الطمأنة اللحظية، بأن يرى أن القرارات المتخذة من قبل الحكومة، مهما كانت صعبة ومليئة بالتبعات، قد بُنيت على وعي استراتيجي وتقدير دقيق للمخاطر، وأن يصبح معيار النجاح السياسي في قطر ليس في سهولة الطريق، بل في مدى إيمان الشعب القطري بأن قيادته اختارت المسار الأصعب دفاعًا عن قيمه وسيادته ومعتقداته وقوميته، فكلما لمس المواطن في قطر أن ما تحمله عقول الإدارة القطرية من مبادئ ورؤى وقيم يتطابق مع إرادته وتطلعاته وقيمه ومبادئه، تَحوّل المجتمع القطري إلى كتلة واحدة تُحصّن الداخل القطري وتمنح القرار السياسي قوة مضاعفة في الخارج، وإن النزاهة الإدارية هي صمام الشرعية السياسية، وإذا رأت الشعوب أن الأزمة تُدار بموضوعية، بعيدًا عن الارتجال أو المصالح الضيقة، فإن الموقف السياسي يكتسب وزنه الأخلاقي في المحافل الدولية وهذا ملاحظ في قراءة موقف الشارع القطري من سياسة حكومته. لذلك يتضح لنا أن علم الإدارة علم إنساني يلتقي مع علم السياسة في خدمة قضايا المجتمعات والشعوب، فبينما ترسم السياسة الأهداف، تقدّم الإدارة أدوات التنفيذ وتحويل الرؤى إلى واقع، وقد أثبتت البحوث الأكاديمية أن هذا التكامل ليس افتراضاً بل حقيقة عملية راسخة.

639

| 18 سبتمبر 2025

هل أرادوا اغتيال فكرة الوسيط؟

في حادثة مفاجئة وصادمة أثارت صدمة إقليمية ودولية، قامت طائرات مقاتلة إسرائيلية باستهداف موقع سكني في قلب الدوحة في محاولة لاغتيال عناصر من حركة حماس مقيمين في قطر، وهذا الحدث لم يكن مجرد خرق أمني عابر، بل كان بمثابة إعلان عن نية الاحتلال نقل ساحة صراعاته الطغيانية إلى قلب دولة عربية وخليجية لعبت – ولا تزال – دور الوسيط النزيه في واحدة من أعقد أزمات المنطقة وهو ملف الحرب في غزة. فكما تعلمون منذ اليوم الأول لانفجار الأوضاع في غزة، وقفت قطر في موقع الوسيط المقبول دوليًا، والمحاور الذي يحظى بثقة الأطراف ذات العلاقة، لما عُرف عنها من حياد نسبي، وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف ذات العلاقة، فالدوحة هي التي فتحت خطوط التفاوض لإيصال المساعدات لقطاع غزة، وهي التي استضافت الوفود من حماس والكيان والأمريكان، وهي التي حافظت على توازن حساس بين دعمها الإنساني للشعب الفلسطيني من جهة، والتزامها بالمعايير الدبلوماسية الدولية من جهة أخرى، وقد أثنى المجتمع الدولي مرارًا وتكرارًا على هذا الدور، باعتباره صمام أمان يحول دون انزلاق الأزمة إلى مستويات أشد خطورة. لكن العجب العجاب أن الكيان الإسرائيلي – بعقلية مأزومة مجنونة – لم ير في هذا الدور القطري سوى تهديد لنفوذها وخطابها الدعائي الفاشل، فوجود وسيط عربي «مسلم» يحظى بقبول غربي ودولي، ويمتلك من الأدوات الدبلوماسية ما يفضح ممارسات الاحتلال، يشكل عبئًا على تل أبيب التي لطالما سعت إلى احتكار رواية الأحداث وتقديم نفسها كضحية أمام العالم وفشلت في ذلك، ولهذا لم يكن مستغربًا أن يظهر التخبط الإسرائيلي في صورة تصعيد غير محسوب ومجنون، يصل إلى حد التفكير باستهداف العاصمة الدوحة ذاتها، في خطوة يمكن وصفها بالمغامرة الجنونية التي تهدد الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط الملتهب. فهذا التخبط يعكس في جوهره حالة الانكسار الداخلي التي يعيشها الكيان ودليلا على انهيار الدعاية الإسرائيلية، فالكيان اليوم يواجه مأزقًا متعدد الأبعاد كالجبهة الداخلية المأزومة بالانقسام السياسي والاحتجاجات، والجبهة العسكرية المتخبطة التي تستنزفها حرب غزة، والجبهة الخارجية التي تتمثل في فقدان ثقة حلفاء غربيين بدعوتها في حربها وسقوطها من أعين الرأي العام العالمي، لذلك أتمنى كمواطن خليجي وعربي أمام هذا التصعيد، أن لا تكتفي قطر ببيانات الإدانة، بل إن الأمر يستدعي تحركًا أكثر شمولية بالمشاركة مع دول الخليج التي صرحت مباشرة عن دعمها لقطر في أزمتها لأن استهداف الدوحة لا يعد اعتداءً على قطر وحدها، بل هو اعتداء على الشرعية الخليجية والعربية والدولية، على دور وفكرة الوسيط، وعلى فكرة الحياد الدبلوماسي في إدارة العلاقات بين الدول، وأن تتم المطالبة بتحقيق دولي يكشف حقيقة النوايا الإسرائيلية الجنونية، ويعرّي الكيان أمام العالم كقوة خارجة عن القانون، لا تتورع عن المساس بدولة ذات سيادة مثل قطر من أجل إجهاض أي وساطة تعطي العرب والفلسطينيين صوتًا في المحافل الدولية.

957

| 10 سبتمبر 2025

عندما تكون قهوة المدير أغلى من راتب الموظف!

«قهوة المدير أغلى من راتب الموظف!». هذه ليست مجرد عبارة ساخرة، بل هي كناية مجازية عن صورة مكثفة تختزل واقعًا إداريًا مشوَّهًا، حيث تتحول المناصب إلى امتيازات يسيل لها اللعاب، ويتحول الموظفون إلى متسابقين على مقاعد السلطة لا على أداء الواجب واستدامة المؤسسات، فحين تكون تكلفة «كوب القهوة» الذي يتلذذ به المدير أعلى من عائد جهد موظفٍ كامل الشهر، فنحن أمام أزمة قيم قبل أن تكون أزمة موارد. ولقد أشرت في العديد من الدورات التي قدمتها، سواء في قطر أو الكويت أو غيرها في المؤسسات الحكومية، إلى هذه المعضلة التي تنهش جسد الإدارة العربية، وهي «فصل المنصب عن مغارمه، وربطه فقط بمغانمه»، فالمنصب، في الأصل، تكليف قبل أن يكون تشريفًا، ومسؤولية تُثقل الكاهل أكثر مما تُرضي الشهوات، غير أنّ ثقافة “المغانم” جعلت الكثيرين يتطلعون إلى الكرسي لا باعتباره أداة لخدمة الناس، بل وجدوا فيه بوابة للوجاهة الاجتماعية، والوجبات الفاخرة، ورحلات السفر، و»قهوة المدير» التي تُدفع من جيوب المؤسسة. والموظفون بدورهم، حين يرون هذا المشهد يوميًا، تبدأ دوافعهم تنحرف، فلم يعد السؤال: كيف أطور مهاراتي لأخدم مؤسستي وأصنع فارقًا في تاريخها؟ بل أصبح: كيف أصل إلى المكتب الكبير وأجلس على ذلك الكرسي الدوّار المنعم؟، وهنا تُصاب المؤسسة بالشلل، لأن الطاقة البشرية المبدعة لا تُستنزف في التفكير في تنوع إنتاج الخدمات بل في سباق داخلي على المناصب. فالإدارة الحقيقية لا تُقاس بعدد المزايا التي يحصدها المدير، بل بعدد التضحيات التي يقدمها المدير، فالذي يفكر أولاً في مميزاته ومكاسبه وقهوته قبل راتب موظفيه ومصالحهم ومصالح العمل قد يربح هيبةً مؤقتة، لكنه يخسر ولاء المؤسسة بأكملها، بينما المدير الذي يعي أن مسؤوليته أثقل من كل مغنم، يدرك أن قهوته الحقيقية هي في إنجاز فريقه، ونجاح موظفيه، ونمو مؤسسته. يا أصدقائي إن المؤسسات التي تبني قيادتها على الوعي بالمسؤولية، لا على شهوة المغانم، هي وحدها القادرة على البقاء والتطور، أما المؤسسات التي يغدو فيها «كوب القهوة» رمزًا للفجوة بين القيادة والقاعدة، فهي مرشحة للسقوط ولو بعد حين. المناصب ليست حلاوة نتذوقها ثم نترك مرارتها للآخرين يتعذبون بقراراتنا الخاطئة، إنما المناصب عبء يتطلب وعيًا، ومسؤوليةً، وتضحية، وحين يدرك الموظفون ذلك، لن يكون همهم الوصول إلى الكرسي، بل إلى الإنجاز.

870

| 03 سبتمبر 2025

هشاشة النظام العالمي في غزة

كم أصبح العالم اليوم هشّاً كما لم يكن من قبل، وهذا ملاحظ للجميع، فالمنظومة الدولية التي شُيّدت على شعارات العدالة وحقوق الإنسان، لا تلبث أن تتهاوى عند أول اختبار حقيقي أمامها، ابتداءَ من تغير المناخ الذي يهدد مصائر الأجيال، إلى الحروب والنزاعات المسلحة التي تفتك بالأوطان والبشر، ومن أزمة الغذاء التي تعصف بالملايين، إلى موجات النزوح التي تحوّل البشر إلى ضحايا في تقارير المنظمات الإنسانية، وعند ذلك تتكشف لنا صورة قاتمة للعالم الذي يفتقد أبسط مقومات التعاون الفعّال. لكن ومع ذلك، تبقى الأحداث الأخيرة التي حصلت في غزة نموذجاً أكثر وضوحاً لهذه الهشاشة التي يعاني منها المجتمع الدولي، فكانت قطعة ضيقة من الأرض، كشفت بالفعل عجز العالم بأسره وتفضح خواء النظام الدولي. غزة ليست قضية محلية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي مرآة تعكس عمق الاختلال والهشاشة في النظام العالمي، فمنذ سنوات طويلة يعيش أهلها بين حصار خانق وحروب متكررة وما يحصل الآن بعد السابع من أكتوبر إلى هذه اللحظة، نجد أن القوى الكبرى تقف بين صمت مشبوه أو عجز متعمد عن صياغة حل عادل ومباشر، أو لعلها لا ترغب أصلاً في ذلك. فازدواجية المعايير هنا تفضح كل الادعاءات التي يروج لها المجتمع الدولي، فكيف يُحتفى بحقوق الإنسان في مكان، بينما تُسحق في غزة تحت صمت دولي مريب؟، أليس هذا دليلا واضحا على أن النظام الدولي لا يقوم إلا على موازين القوة ويتجاهل تماما موازين القيم؟. وهشاشة النظام العالمي لا تنحصر في غزة وحدها، فهي جزء من مشهد أكبر وأكثر قتامة، فهناك حرب مدمرة في السودان، وجوع ينهش سوريا، وصراع لا ينتهي في اليمن، وتوترات أخرى تهدد أمن المنطقة والعالم بأسره، وكلها ملفات متشابكة تفضي إلى نتيجة واحدة وهي أن غياب دور النظام العالمي لم يعد مجرد خلل سياسي، بل أصبح خطراً وجودياً يهدد حاضر الإنسانية ومستقبلها. فالدرس الأعمق هو أن النظام العالمي الذي يتغاضى عن جرح غزة لن يستمر طويلا في هيمنته، فالتواطؤ على الظلم لا يقتل المظلوم وحده، بل يدمر الفاعل ويزرع بذور الفوضى التي ستعود على الجميع، وإن غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب فحسب، بل كارثة تعطي سؤالا واحدا مفتوحا للضمير العالمي وهو، هل سيبقى دور النظام العالمي مجرد مؤتمرات وبيانات مكرورة، أم يتحول إلى فعل حقيقي يعيد الكرامة للمقهورين ويوقف نزيف الدم؟ أعتقد أن الأمر بحاجة إلى أعجوبة دهرية تسقط النظام العالمي الحالي وتسعى لخلق نظام عالمي جديد يؤمن بضرورة الحفاظ على المكتسبات البشرية بشكل عام ويحرص على توازن القوى وأن تعود القيم الإنسانية لتكون موجهة للإنسان في وجوده على الأرض.

303

| 27 أغسطس 2025

احذر... «وهم الحقيقة والطمأنينة المزيفة»

يقال إن الجهل في معناه البسيط هو فراغٌ كبير في الروح والعقل والنفس، ويمكن ملؤه بالمعرفة، أما «وهم الحقيقة» والذي يسمى أحياناً بـ «الجهل المركب» فهو امتلاء زائف وكاذب، كجدار سميك من القناعات والاعتقادات المضللة التي تمنع وصول ضوء الفهم إلى العقول والبصيرة، فالجاهل البسيط قد يتعلم متى ما أتيح له العلم، أما من يظن نفسه عالِمًا وهو غارق في الوهم، فإنه يغلق على نفسه باب الوصول إلى المعرفة بإحكام، ويصبح الدفاع عن خطئه ووهمه جزءًا من هويته وذاته. فتخيل رجلًا يسير في صحراء شاسعة واسعة موحشة، وهو يظن أن الطريق الذي يسلكه يقوده إلى الواحة، بينما هو في الحقيقة يتجه إلى هاوية سحيقة مهلكة له، فهذا الرجل بقناعته بنفسه قد لا يبحث عن علامات تدله على الطريق الصحيح، لأنه مقتنع تمامًا أن مساره هو الصواب ولا يعيد التساؤل عن مدى صحة قراراته، وأما الذي لا يعرف وجهته أصلًا، فربما يتوقف، ثم يسأل، أو يتأمل النجوم ليهتدي بها، وهنا تكمن خطورة وهم الحقيقة.. أن هذا الوهم يمنحك طمأنينة مزيفة، ويجعل الخطأ يبدو يقينًا. وإذا تساءلنا عن كيفية زراعة هذا الوهم، وهم الحقيقة، فإنه يتغذى من مصادر متعددة: كالإعلام الموجَّه، والخطابات الشعبوية، وخداع النخبة الحاكمة أو السياسية أو استخدام الديماغوجيا، أو إيهام الآخرين بالتجارب الشخصية المحدودة غير المفسرة وغير الثابتة بالنتائج، بل وحتى من غرور الإنسان وكبريائه الذي يرفض الاعتراف بجهله، فالعقل البشري يميل إلى الراحة في التصديق أكثر من المشقة في الشك والتحقق، ولهذا، قد يرفض المرء الحقائق الدامغة إذا تعارضت مع ما يظنه “حقيقته” الخاصة أو ما يحب فعلاً أن يعتقده. وإذا نظرنا إلى التاريخ فسوف نجده مليئاً بأمثلة الشعوب والقادة الذين قد حُجب عنهم النور بوهم الحقيقة، فكم من أمة ظنت أن قوتها لا تُقهر فسقطت، وكم من حاكم ظن أنه على صواب مطلق فقاد بلاده بقراراته إلى الهلاك، فهذا الوهم يجعل الإنسان يتجاهل المؤشرات والتحذيرات، لأنه يراها إما مبالغات أو مؤامرات، بينما هي في الواقع إشارات نجاة ولكنه لم يتوقف عندها. وإن كسر ما يسمى بـ «وهم الحقيقة» يحتاج إلى شجاعة مضاعفة، شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة مواجهة الذات، وشجاعة تقبل لحقيقة قد تكون مؤلمة أو غير محببة أو مخالفة لما اعتدناه وتوقعناه، وهذه الشجاعة لا يستطيعها إلاّ شجعان الروح والرأي وهي السبيل الوحيد لعبور المسافة بين الوهم والفهم. وفي النهاية، يمكن القول إن الجهل المبسط مساحة بيضاء تنتظر أن تُكتب ولا يضرها ذلك، لأن الإنسان لا يولد عالماً بل جاهلاً يحتاج إلى تعلم وكذلك كان الإنسان الأول الذي خلقه الله تعالى، أما وهم الحقيقة فهو نصّ مزيف مكتوب بحبر مخادع على ورق مرقع، كلما حاولت أن تضيف إليه الحقيقة، مزّقته كبرياء ضعاف العقول.

390

| 20 أغسطس 2025

الكيان الذي يخشى الكاميرا.. ليس دولة بل عصابة

الشهيد الصحفي أنس الشريف لم يكن يحمل في يده سلاحًا سوى الكاميرا والتوثيق، لكن رصاص الاحتلال الصهيوني استهدفه بدم بارد، في جريمة تكشف وحشية منظومة شريرة لا تحتمل وجود شاهد على جرائمها اللاإنسانية، فاغتياله لم يكن استهدافًا لشخصه فحسب، بل محاولة لاغتيال الحقيقة التي كان يوثقها بعدسته. إن الكيان الذي يخشى الكلمة الحرة ليس نظام حكم ولا يمكن أن يكون دولة قائمة، بل هو عصابة تتخفى خلف شعارات السلطة والدولة، فالدول الحقيقية تواجه النقد بالحوار، وترد على التحقيقات بالشفافية، أما الأنظمة البلطجية العصاباتية الهشة كالكيان الصهيوني، تختبئ خلف الرصاص، وتستهدف الصحفيين حتى تُخفي فسادها وفشلها. فاستهداف الصحفيين يعني أن هذا الكيان وصل إلى مرحلة الإفلاس الحضاري، فعلاً فهو عاجز عن إقناع شعبه أو الأمم الأخرى والرأي العالمي بما يفعله في غزة، فيلجأ إلى أقذر الوسائل مثل إسكات الشهود على الجريمة بقتلهم واغتيالهم، وهذا السلوك المشين في ميزان القانون الدولي والأعراف السياسية، يضعه في خانة العصابات المنظمة، لا في خانة الدول المسؤولة. فحين يسقط الصحفيون برصاص الكيان المغتصب، يسقط معهم جزء من صورة الدولة أمام العالم، فالاغتيال لا يقتل إنسانًا فحسب، بل يهدم ثقة الرأي العالمي بالكيان، ويكشف للمجتمع الدولي أن هذا الكيان الصهيوني لا يملك ما يدافع عنه، رواية ساقطة مغلفة بالقوة الجبرية وتدعمها بالخوف. والأنظمة التي ترتكب هذه الجرائم تظن أن قتل الصحفيين ينهي القصة، لكنها لا تدرك أن كل رصاصة تطلق على قلم حر وصحفي حر، تكتب فصلًا جديدًا في سجل إدانتها وجريمتها التاريخية، وهي بذلك تفقد كل شرعية أخلاقية أو سياسية، وتتحول كما هي منذ نشأتها إلى كيان مغتصب خارج عن القانون الدولي. ونأتي الآن للمجتمع الدولي، إذا أراد فعلاً أن يحمي حرية الصحافة وحق الشعوب في المعرفة، عليه أن يتعامل مع هذه الأنظمة كما يتعامل مع العصابات العابرة للحدود، بالعقوبات، بالملاحقات القضائية، وبحظر التعامل السياسي والاقتصادي معها حتى تلتزم بمعايير العدالة وحقوق الإنسان. فاغتيال الصحفيين بشكل عام ليس حادثًا محليًا معزولًا، بل هو تهديد للنظام العالمي المبني على حرية المعلومات وتبادل الأفكار، وكل طرف يشارك هذا الكيان في هذا الجرم، أو يتواطأ عليه بالصمت، يختار طوعًا أن يكون خارج منظومة الأخلاق الإنسانية، وداخل خانة العصابات الإرهابية ممن لا يستحقون الاحترام أو الاعتراف.

309

| 13 أغسطس 2025

كيف تُصنع الوساطة؟ قطر أنموذجًا

المتأمل في عالم السياسة وخصوصاً اختلاف تأثير الدول في صناعة القرار أو التأثير في صناعته، يجد أنه لا يُقاس التأثير بحجم الدولة الجغرافي أو عدد سكانها، بل بقدرتها على إدارة التحالفات المعقّدة والمتناقضة وبناء جسور الوساطة بين الأطراف «صناعة الحكيم»، والتعامل الذكي مع حدة وتنازع الأطراف المتناقضة وخلق دور «وسيط حيوي مؤثر» وسط القوى المتناحرة الدولية، فالدول التي تُجيد فن «إدارة دفة العلاقات الدولية» تستطيع أن تحجز لنفسها مكانًا مركزيًا في المشهد، حتى إن كانت صغيرة المساحة من حيث الجغرافيا أو حديثة التجربة في الميدان العالمي السياسي، وتجربة قطر المعاصرة تُقدَّم اليوم كنموذج إداري نادر لدولة صغيرة في جغرافيتها لكن مع حضور إقليمي متجاوز لحجمها الجغرافي الظاهري صنعت منها «وسيطاً حيوياً». وعندما ننظر إلى ما قاله علماء السياسة ومتداخلا مع نظرة علماء الإدارة العامة والعلاقات العامة، نجد أن أولى ركائز هذا النموذج القطري في صناعة الوساطة هي «القيادة الادهوقراطية» وبناء القرار السريع، حيث تبنّت الدولة عقلياً ما يُشبه «الهيكل المسطح» في علم الإدارة، أي تقليل التدرج البيروقراطي، مما يسمح بسرعة اتخاذ القرار في القضايا الحساسة دون عرقلة المستويات الإدارية، فوجود فريق تفاوضي مرن ورشيق الحركة، يُمكّن قطر من التحرك السريع في لحظات حرجة، بعكس دول كبيرة تعاني من تعقيد هياكلها السياسية وترهل نظامها الإداري مما يسهل أحيانا إيجاد صراعات داخلية أو تدخل لقوى خارجية تفسد العلاقات في المنظومة الداخلية فيفسد القرار المستخرج. وأما الركيزة الثانية هي ما يُعرف بـ «الذكاء الشبكي العلاقاتي»، أي القدرة على بناء علاقات متعددة الاتجاهات دون الوقوع في التناقض أو العداء مع طرف من الأطراف، فنجد قطر تُجالس الولايات المتحدة وإيران، وتدير اتصالات مع الكيان ولا تقطع حبل الوصل مع حماس، وتحتضن طالبان دون أن تخاصم الغرب، وكل ذلك ينبع من قدرة دقيقة على إدارة المخاطر العلاقاتية السياسية، وبناء الثقة الإقليمية بحرفية. وأما الركيزة الثالثة، فهي التموضع الاستراتيجي القائم على فكرة «التأثير من دون امتلاك»، بمعنى أن قطر لا تحاول السيطرة على خصوصيات الأطراف المتنازعة، بل تعرض نفسها كوسيط موثوق يساعد في حلحلة المعضلات السياسية، فهي لا تفرض رأيًا وتجبرهم عليه، بل تُدير المشهد بهدوء، مثل شركات القطاع الخاص التي لا تملك السوق بالضرورة لكنها تؤثر في مساراته وتوجهاته وقراراته. كما أحسنت قطر استثمار ثروتها في بناء «السمعة المؤسسية» عن طريق بناء نموذج وسيط يقوم على الثقة، والحياد، وسرعة الاستجابة، فهذه السمعة أصبحت مفتاحًا لدخولها كوسيط في أزمات في الجغرافية العالمية ككل. وأخيرًا، نقول لمن أراد أن يبني لدولته مركزًا مؤثرًا في صناعة القرار العالمي، فليتأمل جيدا أن التأثير لا يُشترط له اتساع الجغرافيا، بل وضوح الرؤية وذكاء الإدارة. فهناك أربعة عناصر أساسية لا غنى عنها لأي مؤسسة أو دولة، هيكل إداري ذكي ورشيق لا يعوق من يملك سرعة القرار ومحمي من تدخلات الخارج، وإدارة فعالة للتنوّع في العلاقات وإيجاد طرق للتأثير عليها، وبناء السمعة الراسخة فهي رأس مال لا يقدَّر بثمن، والاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي الهادئ الذي هو البوصلة وسط صخب العالم بصراعاته ولا يكون ذلك إلا بتعيينات قائمة على الكفاءات لا الولاءات، فهذه وصفة عملية أثبتت نجاحها، وتستحق أن تُدرّس لكل من يسعى لحضور فاعل وسط الكبار، بعقل كبير.

633

| 06 أغسطس 2025

إذا تحرّكت القاهرة.. تنفّست غزة

منذ أن تأسست الأمة والدولة الإسلامية وظهورها على مسرح التاريخ العالمي، كانت مصر قلبها النابض، وسورها المتين، وبوابتها الشرقية إلى بيت المقدس وفلسطين التي كانت قديما وحديثا مراد القوى العالمية العظمى من الروم وانتهاء بالصهاينة المدعومين من القوى البريطانية والامريكية، ومن عبور الصحابي عمرو بن العاص الفاتح للديار المصرية ونشر الاسلام والعروبة وتحرير المصريين من الاستبداد الروماني الغربي، إلى رسوخ الأزهر الشريف كمنارة تهدي العقول والقلوب المحبة للعلوم والفكر والتطور، وانتهاء بدور مصر والمصريين في فتح بيت المقدس وتحرير غزة وعسقلان من براثن القوى الاوروبية الغربية الصليبية، لذلك فقد كانت مصر الحاضن الطبيعي لغزة، والحامي الغريزي للأقصى، ولا تمر أزمة في الشام، إلا ويهتز لها نهر النيل، ولا تُغلق أبواب النصر للأمة إلا حين تغيب القاهرة عن الواجهة. ولأن غزة اليوم جريحة، ومكلومة، محاصرة بالجوع والنار، فإن البوابة الوحيدة التي يمكن أن يمرّ منها خلاصها، هي البوابة المصرية. لا لأن غيرها لا يريد، بل لأن التاريخ والجغرافيا والدور لا يتجسد إلا فيها، ومهما تعقّدت المعادلات، فإن حلّها يبدأ من القاهرة، لا من العواصم البعيدة، وهنا تتجلّى عدة أسباب تجعل من مصر رأس الحربة، لا مجرد وسيط إن أرادت لغزة حلا ومن تلك الأسباب كما يذكر أرباب التحليل السياسي: أن حدود غزة لا تفتح إلا بمعبر رفح، الذي بيد مصر، فقطاع غزة لا يملك منفذًا بريًا مفتوحًا إلى العالم سوى معبر رفح الواقع على الحدود مع مصر، وبما أن المعبر تحت السيادة المصرية، فإن قرار فتحه أو إغلاقه يمنح مصر دورًا حاسمًا في تخفيف الحصار أو تشديده، وأيضا أن القاهرة تمسك بخيوط التواصل مع حماس والسلطة، ولعلها مع دولة قطر قادرتان على القيام بدور الوسيط لحلحلة الأمور، وأيضا تملك مصر علاقة فريدة بإسرائيل، تخولها ممارسة ضغط ذكي بعيدًا عن الصخب الإعلامي، فبحكم اتفاقية السلام والمصالح المتبادلة، تستطيع مصر التأثير على إسرائيل بوسائل دبلوماسية وأمنية هادئة وفعالة، دون اللجوء إلى التصعيد العلني، هذا يمنحها ميزة في تحقيق نتائج حقيقية لصالح الفلسطينيين دون أن تُستفز الحسابات الإسرائيلية المتوحشة، وكذلك الوجود المباشر للمخابرات العامة المصرية في الملف الفلسطيني، ومتابعتها الدقيقة لتطورات غزة، يمنحها قدرة استباقية على احتواء التوترات والتفاوض بسرعة مع كل الأطراف قبل تفجّر الأوضاع، وأيضا تملك القاهرة إدارة ملف المساعدات والمعابر بواقعية مباشرة وغير ذلك من الأسباب. فمن هنا، فإن الأمانة اليوم عظيمة. لم يعد الأمر مجرد وساطة سياسية، ولا مجرد معبر مغلق أو مفتوح، بل هو اختبار لمركزية مصر في وعي الأمة وذاكرتها.

666

| 30 يوليو 2025

«توحش الأقليات في سوريا: نظرة إدارية»

بعد متابعتي للتصعيد الأخير بين الدولة السورية وبعض فصائل الدروز في السويداء، وظهور مؤشرات واضحة للدعم للإسرائيلي لهذا الحراك ومهاجمة صريحة لدمشق من قبل القوات الإسرائيلية، وجدت من الضروري تقديم رأي إداري بعيدًا عن التحليل الأمني أو السياسي، فالمسألة، في جوهرها، تعكس خللًا عميقًا في إدارة التنوع داخل الدولة، حيث يتحول التهميش المزمن للأقليات إلى أرض خصبة للاختراق الخارجي، ويصبح الغضب الداخلي مادة خامًا تستثمرها قوى معادية للدولة السورية، وهنا لا تعود القضية محصورة في طائفة أو منطقة، بل تمسّ صميم العلاقة بين الدولة ومكوناتها، وتذكّرنا بأن غياب الاحتواء الإداري قد يفتح الأبواب لتهديدات أكبر من الداخل والخارج. وفي علم الإدارة العامة، نلاحظ أن كل مؤسسة، كما هو حال كل دولة، تحتوي على أفراد يشعرون بأنهم على الهامش لا في المركز، وكأنهم يعيشون في الأطراف بدلًا من أن يكونوا في قلب الحدث، رغم أنهم قد لا يكونون ضعفاء أو بلا رأي، لكن حين يُتجاهل صوتهم مرارًا، فإنه لا يبقى متزنًا، بل قد يختفي تمامًا أو يتحول فجأة إلى صرخة غاضبة يصعب احتواؤها، وهذه الصرخة لا تكون دائمًا محسوبة أو عاقلة، و مفهوم الأقلية في العالم العربي، لا يقتصر على الطوائف أو المذاهب أو الأعراق كما يُعتقد، بل يشمل كل من يشعر بأنه غريب داخل النظام الإداري والاجتماعي، ومثال ذلك في البيئة الإدارية المرأة التي تُهمَّش في بيئات يسيطر عليها الذكور، أو الشاب الذي يصطدم بمؤسسات قديمة ترفض التغيير والتطوير الاداري، أو ابن القرية الذي لا يجد نفسه في مدن كبرى تتجاهل خصوصيته الثقافية، أو الموظف الكفء الذي يُقصى لحساب أصحاب الولاءات والمنافع، أو كل شخص مختلف يُطالَب بالتشابه والامتثال بدلًا من أن يُحتفى بكفاءته. والدولة كذلك، كما هي المؤسسات، حين تُوزَّع فيها الصلاحيات بغير عدالة وتُمنَح الفرص على قاعدة الولاء والمذهبية لا على الكفاءة، تتحول إلى بيئة طاردة لا حاضنة، وفي مثل هذا المناخ، يشعر المُختلِف أنه غريب في وطنه، ضيف ثقيل الظل في مؤسسةٍ كان يفترض أن تحتضنه، ويُفرض عليه عبء إثبات الولاء كل يوم، لمجرد أنه لا يشبه الصورة النمطية التي رسمتها السلطة أو العرف، وحين يطول هذا التهميش، تتبدّل النفس، ويبدأ التوحش في الاقليات. والتوحش قد يكون شديداً صلباً فيشمل الصخب والحرب الدموية والتمرد على النظام والقتال المسلح، وقد يظهر ناعماً في انسحاب صامت من الأداء، أو أن يزرع نفسه في تكتلات غير رسمية تنمو داخل النظام، أو في شبكات موازية تُضعف الجسم الإداري من داخله، أو في احتقار للرموز والسخرية من الشعارات، أو حتى في البحث عن ارتباط خارجي بمن يُقدّم الدعم مقابل الولاء مثل ما فعل بعض المنتمين لطائفة الدروز من استدعاء للكيان الاسرائيلي لمساعدتهم، وهذا أخطرها على الإطلاق، فحين تتحول الأقلية إلى أداة في يد خصم خارجي، تصبح ثغرة في الجدار الوطني لا مجرد صوت محتج، ويُهدّد كيان الدولة لا مجرد استقرار المؤسسة. لكن المسؤولية أيضاً لا تقع على الإدارة السورية في هذا المثال وحدها، بل تمتد إلى الأقلية في السويداء نفسها، التي إن وجدت نفسها مهمشة، فإن واجبها أن تطالب بحقوقها في إطار النظام لا خارجه، وأن ترفض التحول إلى ذراع للخصوم، مهما بلغت مرارة التهميش، فالتغيير لا يصنعه الانفجار، بل الإصلاح، ولا يثمره الاصطفاف الأعمى خلف أعداء الدولة، بل الوعي العميق بالدور والغاية والانتماء. فطريق الإدارة الراشدة يبدأ حين يشعر كل فرد أنه في وطن لا في موضع مؤقت، وحينها يصبح المختلف قوة لا عبئًا، والولاء نابعًا من الانتماء لا من الإكراه، ومن هنا فإني أدعو الأقليات في سوريا، وفي مقدمتهم أهل السويداء، إلى إعطاء الدولة الفرصة لاحتوائهم بالحوار لا بالصدام، فالدم السوري أغلى من أن يُهدر، والمصلحة الوطنية لا تتحقق إلا حين تلتقي العقول الحكيمة بالإرادات الصادقة.

651

| 23 يوليو 2025

حين نرتب حقائبنا للسفر.. هل نهرب من المكان أم من أنفسنا؟

هل نحن حقًا نحب السفر؟ أم إننا فقط نحاول أن نغادر أنفسنا لبعض الوقت؟ هذا سؤال نطرحه دائماً عند الحديث عن السفر مع الآخرين، لماذا نرتب حقائبنا بسرعة كلما ضاقت صدورنا، هل هو حب للسفر وزيارة العواصم البعيدة، أم فرار من مكاتب خانقة وأيام متشابهة؟ لماذا نشتاق لأماكن لا نعرفها، ونجد في المطارات المزدحمة راحة لا نجدها في روتيننا اليومي؟ هل نحن عشاق للترحال فعلًا، أم إننا مُنهكون من البقاء في المكان ذاته، والوجوه ذاتها، والعمل الذي لا يتغير؟ ربما لا نهرب من المكان، بل من الإحساس العالق بداخله، من دوامة العمل التي تسحق المعنى، وتطفئ الحماسة بروتينها، وتجعل من الوقت سلسلة متكررة من المهام المرهقة غير المحببة. لقد صار السفر لدى البعض لغة حديثة للهروب والتناسي، وليس بحثًا عن الاكتشاف، فبعضنا لا يريد أن يسمع صوته الداخلي، بل يفضل ضجيج المطارات وجداول الرحلات، ويركض خلف الفنادق والمطاعم لا ليتذوق الحياة، بل ليهرب من مذاقها القديم، وكثيرون يسافرون فقط لأنهم لا يحتملون البقاء. ومع ذلك، فالسفر بحد ذاته ليس استجمامًا دائمًا، بل قد يتحول إلى خيبة حين يكون مجرد مهرب من بيئة وظيفية مدمرة، فالمشكلة لا تُحل بتذكرة، بل بإصلاح الجذر الذي تعانيه في يومياتك، والذي قد يكون بتغيير العمل أو تحسينه، لا بتأجيل مواجهته، أو حل لمشكلات المنزل والحياة اليومية لا بتجاهلها، وكما أن السفر قد يكون مرهقًا حين تضطر للتوفير في كل شيء ولا تخدمك ظروفك المالية أو تسعى لمضاهاة الآخرين، وتتحمل مشقة التنقل، وحرارة بلدان لا تؤمن بالتكييف، فتصطدم بواقع أنك لست مرتاحًا رغم كل صورك السعيدة. ومع ذلك، حتى لا نكون سلبيين، فلا يُنكر أحد أن للسفر وجهًا آخر نبيلًا، فقد قال الشافعي: “وسافر ففي الأسفار خمس فوائد”، ورأى الحكماء فيه بابًا للحكمة وبُعدًا للبصيرة، إذ يفتح العين على اتساع الخلق، ويهذب الطبع، ويمنح القلب مرونة لفهم التنوع والاختلاف، فالسفر حين يكون واعيًا، يضيف إلى الروح، لا إلى معرض الصور، ويعلّم الإنسان كيف يرى، لا كيف يستعرض، ويمنحه فهمًا أعمق للناس والأمكنة، ويخلخل أفكاره الجامدة، ويجعله أقل تحاملًا وأكثر إنصافًا، كما أنه يُعيد إحياء الروابط المنسية، فكم من رحلة قربت بين أب وأبنائه، أو جددت العهد بين زوجين أنهكهما الروتين، أو أعادت الود بين صديقين شتتهما المشاغل، إن السفر لا يوسع العين الجغرافية فقط، بل يوسع القلب أيضًا، ويزرع في النفس التواضع، ويجعلنا نكتشف قيمة من نحب حين نراهم بعيدًا عن صخب الحياة اليومية. لذلك فالعاقل يعرف أن السفر بذاته فقط لا يعالج جرحًا داخليًا، ولا يصلح علاقة خربة، ولا يملأ فراغًا عميقًا، ونطرح هنا سؤالاً عميقاً: لو كنت وحدك، بلا وجهة ولا جدول، هل تحتمل نفسك؟ إن لم تستطع أن تعيش مع ذاتك في غرفتك وخلوتك، فلن تصبح إنسانًا أفضل في ربوع بلاد الروم أو شرق المعمورة، فليس كل من يسافر حرًا، ولا كل من بقي سجينًا، فالحرية النفسية لا تمنحها التذاكر، بل الشجاعة في أن تواجه ذاتك.

402

| 16 يوليو 2025

إلى المديرين: احذروا ثقافة الإرهاق الخفي

كثيرًا ما أقف متأملًا في عالم المؤسسات والعمل عندنا في البيئة العربية والخليجية بحكم عملي في مجال التدريب والاستشارات في عدة مؤسسات كويتية وخليجية، وأجد ذلك العالم الذي يبدو لنا في ظاهره منظمًا ومحكومًا بالخطط والأهداف، يبدو وكأنه يخفي بين جدرانه مشاعر متضاربة وتجارب إنسانية لا تُرى بالعين المجردة، وفي كل مرة أقترب فيها من تفاصيل بيئات العمل، أجد نفسي أمام ظاهرة صامتة تخنق الإبداع وتقتل الحماس وتستنزف الطاقات، إنها ظاهرة الإرهاق التنظيمي الجماعي أو ما يسمى بـ (Organizational Burnout). والإرهاق الذي أقصده هنا لا يخص الأفراد فقط كما قد يظن البعض، بل هو حالة جماعية تصيب فرق العمل أو المؤسسة بأكملها من كبيرها إلى صغيرها، وهو شعور مشترك ينتشر بين الموظفين بهدوء قاتل، حتى يتحول إلى ثقافة عامة تسيطر على الأجواء وتمنع أي أمل في التغيير أو الإبداع أو حتى الاستمتاع بالعمل، والمؤسف أن هذا النوع من الإرهاق غالبًا ما يُهمل أو لا يُعترف به حتى تصل المؤسسة إلى حافة الانهيار. وهذا الإرهاق التنظيمي الجماعي يحدث عندما يتعرض الأفراد والفرق لضغوط متكررة دون أن يُتاح لهم وقت كافٍ للتعافي والتشافي، فالمؤسسات كالإنسان البشري الذي قد يجهد نفسه في رفع الأثقال دون أن يأخذ فترة راحة للتشافي لحدوث تمزق في العضلات وكذلك المؤسسات والمنظمات تحتاج كما يحتاج الإنسان للتعافي، ولكن ما نراه هو أن الأمر يبدأ بفقدان الحماس، ثم يتطور إلى مشاعر الإحباط، ثم التشاؤم وفقدان الثقة في المؤسسة أو القيادة، وتتعدد أسبابه أعني الإرهاق التنظيمي الجماعي ومنها: غياب وضوح الأدوار، غموض الأهداف، انعدام العدالة في توزيع الفرص أو المكافآت، غياب التقدير، أو سياسات إدارية قاسية ومتقلبة لا تراعي الإنسان قبل المهام. وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتزامن مع أزمات كبرى مثل الأوبئة، الأزمات الاقتصادية، أو الضغوط المجتمعية، فتجد الموظف محاصرًا من كل الجهات بلا متنفس، حينها تصبح بيئة العمل عبئًا نفسيًا هائلًا بدل أن تكون مصدر إلهام وتحفيز. لكن لنكن متفائلين أن هذه الحالة ليست أمراً لا حل له، بل هناك دائمًا طريق للخروج. فيبدأ الحل أولًا بالاعتراف بوجود المشكلة، فكثير من المؤسسات تنكر وجود الإرهاق الجماعي أو تضعه في خانة «ضعف الأداء الفردي»، وهذا خطأ كبير. ثم يأتي دور القيادة الواعية التي تدرك أن الإنسان هو أثمن رأس مال تمتلكه المؤسسة. لذلك يحتاج الناس داخل أي منظمة إلى أربعة أمور أساسية.. أولها الوضوح وأن يعرفوا ما هو مطلوب منهم، وثانياً التقدير وأن يشعروا بأن جهودهم مُعترف بها، وثالثاً الإنصاف وأن يتساوى الجميع أمام الفرص، ورابعاً الدعم بأن يجدوا من يستمع إليهم ويدعمهم عند الحاجة، فبدون هذه القيم، سيتسرب الإرهاق إلى الجميع مهما كان حجم الحوافز المادية. ومن هنا أدعو كل قيادي وكل صاحب قرار إلى أن يعيد النظر في ثقافة مؤسسته، وأن يسأل نفسه وفريقه: هل نشعر بالشغف لما نفعله؟ هل هناك إنصاف ووضوح وتقدير؟ هل نسمح لأنفسنا وفِرقنا بالراحة والتجدد؟ فالحياة يا معشر القياديين داخل المؤسسات ليست مجرد سباق للإنجاز، بل هي رحلة طويلة.. يكون فيها النجاح الحقيقي ذا معنى جوهري.. أن لا تستنزف طاقات الناس بلا فائدة، بل من أجل إحياء طاقتهم وتقدير إنسانيتهم.

693

| 09 يوليو 2025

من يزرع القلق في المكتب.. لا يحصد ولاءً بل ارتباكًا

د. جاسم الجزاع الملاحظ في من يقرأ أدبيات علوم الإدارة أنه منذ أن ارتبطت الإدارة بالسلطة، وُلدت معها نزعة «الهيمنة» البشرية لدى بعض المديرين، الذين يظنون أن النجاح لا يتحقق إلا عبر إثارة الخوف والانضباط الحديدي، فيتخيل هؤلاء أن الموظف لا يعمل بجد إلا إذا شعر بالرقابة الصارمة، وأنه لا ينجز إلا إذا خاف من العقوبة الحادة، لكن هل نحتاج حقًا إلى طغاة في المكاتب؟ أم أن هذا النمط من الإدارة يُنتج موظفين صامتين سلبيين لا مبدعين، ومؤسسات جامدة لا متطورة؟ لقد أثبتت عدة دراسات متعددة أن الخوف لا يبني مؤسسات ناجحة. ففي عام 2020، نشرت مجلة هارفرد للأعمال دراسة كشفت عن حقيقة واقعية وهي أن بيئات العمل التي يسودها «الخوف من المدير» تؤدي إلى تراجع الأداء بنسبة تصل إلى 20 %، وارتفاع معدل الاستقالات بنسبة 35 %، كما أظهرت دراسة أخرى من جامعة ستانفورد أن المدير المتسلط يقتل روح الفريق، ويحوّل الموظفين إلى مجرد منفذين يتجنبون المخاطر، وحين تتحول بيئة العمل إلى ميدان ترهيب، تتوقف العقول عن المخاطرة، وتذبل الأفكار في مهدها. ولعل أخطر ما تفعله «الإدارة بالتخويف» أنها تُميت الحوار وتخنق المساءلة والنقاش الإيجابي، فالموظف حين يشعر أن رأيه قد يُفهم على أنه تمرد على الإدارة، أو أن الخطأ سيُقابل بالعقوبة، يتوقف حينها عن التفكير النقدي، ويتحوّل إلى موظف يُجيد الصمت أكثر من الكلام، والاجتماعات تصبح طقوسًا صامتة لتمجيد القرارات النابعة من الإدارة العليا لا لنقدها وتحليلها وتبيان سقيمها، وحلول الأزمات تُختصر في «نعم سيدي» و»أبشر طال عمرك»، بينما المشاكل تتضخم تحت السطح. لكن البديل والحل لهذا الطغيان ليس الفوضى، بل هو ما يسمى بـ «الإدارة التشاركية»، التي تقوم على التمكين والسماح للموظفين بإشراكهم في اتخاذ القرار، فتشير في ذلك الباحثة ليز وايزمان وتقول: «إن المديرين الذين يشاركون سلطتهم يضاعفون إنتاجية فرقهم وموظفيهم، لأنهم يُخرجون من كل فرد أفضل ما فيه من قدرات»، كما أن بيئة الثقة تؤدي إلى ازدهار الإبداع بنسبة تزيد على 45 % وفق عدة دراسات. «الإدارة بالتخويف».. نعم.. قد تنتج نتائج سريعة، لكنها لا تبني استدامة وتطورا طويل المدى، فهي كمن يدفع العاملين بالسوط ويجبرهم على العمل بلا رؤية، فينهار كل شيء إذا غاب المدير أو انخفضت سلطته، أما المدير الحقيقي، فهو من يجعل من نفسه خادمًا للفريق، لا سيدًا عليه. لا يسيطر على الموظفين بل يحرر قدراتهم. لا يُخيفهم بل يُلهمهم. لذلك تذكروا دائما أن الطغيان الإداري لا يصنع قادة، بل عبيدًا للساعة والهيبة، بينما القائد الحقيقي، يبني أفرادًا يملكون القرار ذوي ثقة عالية، ويخلق بيئة يكون فيها الفشل بداية للتعلم، لا تذكرة للطرد من العمل. فهل نعيد الآن التفكير في سلطتنا داخل المؤسسات؟ أم نستمر بإنتاج الطغاة على هيئة مديرين، ونستغرب بعدها لماذا تتآكل الفرق وتُغلق الأفكار أبوابها أمام مبادراتهم؟

444

| 02 يوليو 2025

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5811

| 23 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3105

| 24 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

2988

| 29 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2229

| 23 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1068

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1050

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

879

| 29 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

750

| 23 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

636

| 27 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

594

| 29 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

483

| 25 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

453

| 27 سبتمبر 2026

أخبار محلية