رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يدخل الأستاذ الجامعي إلى قاعة الدرس في اليوم الأول من بدء الفصل الدراسي، فإذا أغلب الأسئلة من طلابه أو طالباته حول الاختبارات وعددها وما هو الداخل بالاختبارات، وما المهم وغير المهم، إلى آخر الأسئلة التي يعرفها كثيرون منكم.. الأمر نفسه يتكرر في المدارس مع المدرسين وطلابهم، ورغبتهم الأولى في معرفة توزيع الدرجات ما بين الاختبارات والواجبات.. وهكذا كل عام أو كل فصل دراسي. المشاهد السابقة دليل على أمر واحد مؤكد، بل يكاد يكون هو الحقيقة المستمرة منذ سنوات في كثير من مجتمعاتنا، خلاصتها أن الاختبارات هي غاية لا وسيلة. هي الغاية من حضور المدرسة أو الجامعة، وليست وسيلة للتعلم واكتساب المعرفة. الأنظمة التعليمية تكرّس تلكم الحقيقة أو هذا المفهوم، عبر ذاك الاهتمام الكبير بمسألة الاختبارات، التي غالبها تعتمد على قوة ذاكرة الطلاب ومهارة حفظ واستظهار المعلومات، والتي يتفاوت كثيرون في تلك المهارات والقدرات، فيكون التقييم النهائي وفق ذلك. أي أن صاحب الذكاء الأكاديمي هو الفائز في تلك النوعية من الاختبارات، فيما أصحاب الذكاءات الأخرى: العاطفية، الاجتماعية، اللغوية، الجسدية وغيرها من ذكاءات، سيكون عليهم بعد الثانوية تحديداً، إثبات قدراتهم بطرق أخرى في قادم الأيام، لكن بعد أن تحتضن أنظمة العمل الرسمية أو التوظيف الفئة الأولى، أو أصحاب الذكاءات الأكاديمية، فتكون لهم الأولوية في التوظيف وتوابعها. في اليابان وبداية من منتصف هذا العام، سيتم تغيير أسلوب تدريس أو تعليم مادة التاريخ على سبيل المثال، بحيث تهدف إلى الفهم وليس الحفظ، وذلك من خلال طرح الأسئلة والبحث عن إجابات منطقية لها. وهذا هو المنطق الذي أنادي به منذ مدة، ليشمل جل المواد، وليس التاريخ فقط، وبالتالي تكون التقييمات وفق ذلك الأسلوب؛ أي أن نختبر ونتعرف على قدرات الطلاب في فهم المادة ومهارتهم في ربطها بحقائق أخرى، وكيفية التعامل معها والاستفادة منها وغيرها، بحيث تكون المحصلة النهائية من التقييمات، هي التعرف على جميع قدرات ومهارات الطالب في تعامله مع المادة العلمية، وعلى ذلك يتم تقييمه بالدرجات، بشرط أن يكون التقييم مستمراً طوال العام، وليس عبر فرض أجواء معينة للتقييم، هي الأجواء التي يعيشها الطلاب أيام الاختبارات، وما لذلك من تأثيرات نفسية على الأداء بشكل عام. استثمار ثورتي المعلومات والاتصالات الحاصل الآن ومنذ عقود عدة، على رغم تطور التعليم وتقنياته ووسائله، وتطور العالم من حولنا بثورة الاتصالات والمعلومات، أن التقييم لا زال كما هو لم يتغير إلا قليلاً، دون استثمار هذا التطور الهائل والمستمر في التقنية ووفرة المعلومات، التي تجتاح العالم منذ أكثر من عقد من الزمان. حتى تكون الصورة واضحة لما أروم إليه، خذ مثالاً مادة الاجتماعيات للمرحلة الإعدادية على سبيل المثال، لا الحصر. كمية المعلومات في تلك المادة كبيرة، وبالتالي صار من يحفظ أكثر، يحصد درجات أكبر، بغض النظر إن كان الحفظ عن فهم ودراية أم لا. الاختبارات ها هنا تقيّم قوة ذاكرة الطالب، وقدرته في حفظ أزمنة الأحداث، وحفظ أسماء الشخصيات والمدن والمواقع، وغيرها من معلومات لا تستدعي الحفظ واستحضارها وقت الامتحان، وتعبئة الذاكرة البشرية بها وهي متوفرة في أي زمان وأي مكان. بمعنى أن الحصول عليها الآن لا تستغرق ثوانيَ معدودة. لماذا يحفظ الطالب مثلاً نتائج الثورة الفرنسية ومتى كانت معركة العلمين أو وقت إنزال النورماندي أو معركة أوكيناوا وغيرها من أحداث تاريخية، ومعلومات أخرى دسمة في الجغرافيا ستكون جميعها حاضرة بكبسة زر وفي ثوان معدودة؟ لماذا لا يكون التقييم على قدرة ومهارة الطالب في الوصول إلى المعلومة، والاستفادة منها في الإجابة على الأسئلة، عبر اختبارات ما يسمى بالكتاب المفتوح مثلاً أو الاستعانة بالإنترنت في الإجابة، وأن تكون نسبة أخرى من الدرجة لتقييمه- من بعد تدريبه- على مهارة تحليل الأحداث التاريخية بحسب مستواه التعليمي، وكتابة رأيه فيها، وغير ذلك من طرق وأساليب التقييم المختلفة التي تناسب هذا الجيل، أو الجيل الرقمي؟ الأمر ليس مقتصراً على مواد الاجتماعيات، بل يشمل كذلك اللغة العربية بتفصيلاتها في قواعد اللغة والبلاغة، التي -في رأيي- ما تزيد أساليب التدريس غير مزيد ابتعاد الطلاب عن لغتهم الأم ومزيد نفور، ثم تكون المحصلة بعد الثانوية، لا مهارة قراءة ولا كتابة ولا فهم أحياناً كثيرة! وقس على ذلك تقييمات العلوم الشرعية والعلوم العامة وغيرهما من مواد. لا أقصد إلغاء التقييمات أو الاختبارات، لكن تعديل الطرائق والأساليب، فما كان معمولاً به زمن ندرة الكتاب وندرة مصادر المعرفة، التي جعلت حفظ ما بين غلافي كتاب كل مادة من اللوازم الأساسية لاكتساب المعرفة، لم يعد كذلك الآن مع هذا الجيل. لابد من مراعاة هذا التغيير الحاصل من حولنا مع أبنائنا. زمننا هذا لم يعد زمن حفظ معلومات واستحضارها وقت الاختبار. نعم لحفظ ما لابد منه كالقرآن والأحاديث وما يلزم الإنسان في عبادته. أما غير ذلك، فنحن نعيش زمن معلومات وتقنيات، وبالتالي نحتاج إلى تعليم وتوفير أداوت البحث لطلابنا، وكيفية الوصول للمعلومة وكيفية توظيفها، ومن ثم تقييمهم على تلك المهارات وما ينتج عنها، بالإضافة إلى تعزيز ودعم وتطوير مهارات الكتابة والقراءة والتفكير والتحليل، ليس بعد دخول الطلاب إلى الجامعات فحسب، بل منذ نعومة أظفارهم في الابتدائية وما بعدها. والموضوع في هذا يطول ويتشعب. مسألة الاختبارات، كخلاصة لهذا الحديث ولاسيما الثانوية العامة، بحاجة لإعادة نظر وتجديد وتطوير وفق مستجدات العصر، كي تواكب وتوائم ما يجري حولنا في هذا العالم من تطور طال معظم مجالات الحياة. فلماذا لا يصل هذا التطوير إلى التعليم وطرائق التقييم بالمثل؟ سؤال موجّه للسادة القائمين على نظام التعليم عندنا وما حولنا في العالم العربي.
978
| 02 يونيو 2022
تذهلك قصص القرآن لاسيما مشاهد الأنبياء مع أقوامهم. وبحسب معايير اليوم، ستعتقد ربما للوهلة الأولى، أن الأقوام الغابرة في التاريخ، كانت السذاجة قد بلغت بهم مبلغاً لا يمكن تصورها. سذاجة في التفكير والسلوك، دفعت بهم إلى نهايات أليمة غير مسبوقة. فهل كانوا سذجاً فعلاً؟ وهل غابت الحكمة عنهم؟ إن جئت تقـرأ في قصة لوط (عليه السلام) مع قومه، ستذهلك مشاهد عديدة فيها، لا سيما مشهد ردهم غير المنطقي على لوط (عليه السلام) وهو يدعوهم إلى عدم مخالفة الفطرة السليمة، فكان موقفهم القاطع الواضح ودون أدنى تردد أو خشية أو حياء، هو الفصل بينهم وبين لوط ومن معه، أي نفيهم وإخراجهم من القرية. لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون! هكذا بلغ بهم السفه، أن يطالبوا بنفي من يسعى لخيرهم وصلاحهم. وهكذا صار فعلاً. لم يختلف قوم لوط عما سبقوهم من القرون الأولى. كانوا على نفس النهج والفهم وإن بصور وأساليب متنوعة، لكن النتيجة كانت واحدة. قوم نوح يتهمون نبيهم الكريم بالضلالة (إنا لنراك في ضلال مبين)، وبالمنطق نفسه اتهم قوم عاد نبيهم هود (عليه السلام) بالسفاهة والكذب (إنا لنراك في سفاهةٍ وإنا لَنظُنك من الكاذبين). ثم يتكرر المشهد مع قوم فرعون وهم يحرضون الفرعون ضد نبي الله موسى (عليه السلام) ويتهمونه بالفساد في الأرض (أتذرُ موسى وقومَه ليُفسِدُوا في الأرضِ ويذَرَك وآلهتَك) حتى صار توافق غريب بين مزاج الفرعون وقومه ضد موسى، ليتجرأ بعد ذلك ويعلن منتشياً، وهو يرى موقف قومه ودعمهم له ضد المفسدين –وهم هنا موسى وهارون ومن معهم- فقام وكأنما يطلب تفويضاً لمحاربتهم (ذروني أقتل موسى وليدعُ ربَّه إني أخاف أن يُبدل دينَكم أو أن يُظهرَ في الأرضِ الفساد). هكذا بكل سهولة يتم توجيه تهمة الإفساد إلى أعظم المصلحين في زمنهم، موسى (عليه السلام)، ويطلب تفويضاً شعبياً وأمراً منهم ليقتل موسى، خشية أن يبدل معتقداتهم! المشاهد تتكرر المشاهد نفسها تتكرر عبر التاريخ بأشكال وأناس مختلفين، وثقافات مختلفة. لكن العجيب أن المفاهيم واحدة، لا تتغير عبر الزمان والمكان، أبرزها أن يصور الباطل نفسه كأحد المفاهيم، أنه الحق المبين، فيما المصلحون أو من يتضاد معه، مفسدون في الأرض بدعوى أنهم (أناسٌ يتطهرون)! وهكذا نراهم اليوم أهل الشذوذ. يود أحدهم لو يتم نفي كل من يكون على خلاف توجهاتهم ونزواتهم ورغباتهم غير السوية، والسبب أنهم أناس يتطهرون، كما قال بذلك الأولون. كل قصص المصلحين مع المفسدين، إنما هي مشاهد من المعركة الأزلية بين الحق والباطل، منذ أن بدأت أولى المشاهد بين آدم عليه السلام وإبليس في الجنة، إلى أن انتقلت بعد ذلك إلى الأرض، لتستمر إلى يوم الناس هذا. الباطل دوماً وأبداً يدرك تمام الإدراك أنه على غير هدى، وأن معركته مع الحق خاسرة نهاية المطاف، لكنه يعتبرها معركة ذات فصول عديدة، وكلما استطاع أن يكثر ويطيل من أمد تلك الفصول، كلما عاش فترة أطول وحافظ على مكاسبه لأمد أبعد. إنه يحاول بكل الطرق والأساليب، مستخدماً كل الأدوات الممكنة كي يحافظ على مكتسباته ونفوذه، حتى وإن دفعته الأمور لتشويه الحق وتصويره بأقبح الصور. لماذا؟ لأنها معركة بقاء، ومعركة صلاحيات ونفوذ. إنهم أُناسٌ يتطهَّرون أخرجوهم من قريتكم إنهم أُناسٌ يتطهَّرون.. هكذا تبلغ الجرأة بعد حين من الوقت عند الباطل، ليعتبر المكان مكانه والقرية قريته والزمان زمانه، ومن يختلف معه يكون مصيره الطرد والنفي من قريته أو قمعه واعتقاله. ولو تراخى العالم أكثر في وجه دعوات الانفتاح على الشذوذ واعتبار ذلك أمراً طبيعياً لا يستدعي الإنكار، فلن يكون غريباً الوصول إلى نقطة يقول الشاذون فيها بلسان الحال أو المقال: أخرجوا كل من ليس على مذهبنا اللاأخلاقي من مدننا وقرانا، فإنهم أناس يتطهرون. أن تتنزه عن أفعال وسلوك الباطل بكل أنواعه، هو ذات التطهر الذي يقصده الباطل. هو يدرك أن ما عليه الحق وأهله، طهرٌ ونقاء وصواب، على عكس ما الباطل وأهله عليه. ولذلك تجدهما لا يبغيان ولا يمتزجان أبداً. ونتيجة لذلك، تجد مفهوم (أخرجوهم من قريتكم إنهم أُناسٌ يتطهَّرون) يتكرر بصور مختلفة، وخاصة حين يعلوا شأن الباطل ويكون القرار بيده، حتى وإن كان لحين من الدهر لا يطول غالباً. الإصلاح وتهمة التطهر من يحاول إصلاح فساد مالي، أو إداري، أو سلوكي، أو غير ذلك من صور الفساد في أي مجتمع أو أي بيئة، فالباطل متربص به وسيواجهه من فوره بتهمة التطهـر، وهو أن تسلك مسلكاً لا يعجب الباطل وأهله، فإن لم يتوقف الأمر عند ذاك الحد، سينتقل الباطل إلى خطوة ثانية أخيرة حاسمة، هي تقرير عقوبة الإخراج من القرية بصورة وأخرى. لكن رغم هذه الوحشية في التعامل مع الحق وأهله، فإن الجميل في مشاهد معركة الحق مع الباطل، أن النتيجة في النهاية محسومة بوعد إلهي (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). أي أن هذا الباطل ذاهب زائل لا يستمر. نعم، قد يكون له صولة وجولة إذا لم يقابله الحق بحججه وأدلته الدامغة، أو حين يكون الحق في أضعف حالاته. ولهذا تجد أن الباطل لا يروج، إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته. وأخشى أننا نعيش شيئاً من هذا الزمن، الذي أرجو ألا يكون في بدايته وألا يطول، ويعود الحق إلى ما يجب أن يكون عليه، بتكاتف أهله وزيادة الصلة بمصادر الحق. والله هو الحق، وهو أحق أن يُتّبع. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
2113
| 26 مايو 2022
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. يا لها من آية تبعث في النفس طمأنينة وراحة لا يدرك معانيهما سوى من يبحث عنهما.. آية واضحة بذاتها تلخص مدى سعة الرحمة الإلهية بعباده. رحمة وطمأنينة تأتيان على شكل دعوة غاية في اللطف من الخالق عز وجل لعباده. دعوة ضمنية تشير إلى أهمية وضرورة عدم فتح المجال لشعور اليأس أن يسيطر على النفس. ذاك اليأس الطارد لأي أمل أو رجاء من حدوث أمر إيجابي مستقبلي، والإدراك التام بأن رحمة الله أوسع وأكبر مما نتصور. روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية". لماذا أحب النبي الكريم هذه الآية أكثر من الدنيا وما فيها؟ لأنها دون كثير شروحات وتفصيلات، بشارة إلهية لعباده أنه واسع المغفرة والرحمة، لا يأبه لأي ذنب، صغيراً كان أم كبيراً، إلا الشرك، طالما الإنسان المذنب أو المسرف على نفسه قرر الإنابة والتوبة. أضف إلى ذلك أن الآية تُعتبر دعوة إلهية -كما أسلفنا- إلى عدم القنوط أو اليأس، وضرورة أن يكون للإنسان أمل ورجاء في أن القادم أفضل، بشرط أن يبذل جهداً مستحقاً مناسباً لرؤية ذاك الأفضل في قادم أيامه. وقد جاء عن علي بن أبي طالب وابن مسعود –رضي الله عنهما– أن هذه أرجى آية في القرآن. ما هو الأمل؟ تلكم المقدمة التي بدأنا بها حديث اليوم، كانت مدخلاً للتفاكر بعض الشيء حول الأمل، ليس لأنه موضوع جديد، وإنما من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين. فهذا الأمل له تعريفات وشروحات كثيرة. منها: أن الأمل هو توقع نتائج إيجابية لما تقوم به من عمل. ويمكن التعمق في القول أكثر لنقول: إنه ليس فقط توقع قدوم أو حدوث نتائج إيجابية فحسب، بل هو الشعور بثقة ويقين أن تلك النتائج الإيجابية في متناول يديك نظرياً، وستصل إليها أو ستتجسد على أرض واقعك عما قريب، ولكن بعد خطوات معينة صحيحة تحتاج منك القيام بها. هذا ما يعرفه ويتحدث عنه المتفائلون. الأمل صوت داخلي، وجذوة متقدة بالنفس تدفعك إلى عدم اليأس والركون إلى الأوهام، أو الارتماء في أحضان الفشل والفاشلين، أو اليأس واليائسين، مهما كانت حياتك مليئة بالأحزان والهموم والأوجاع، أو تمر بأوقات عصيبة صعبة. تساؤلات ما الذي يدفع بالمزارع مثلاً أن يبذر البذور ويقوم عليها زمناً؟ إنه الأمل في حصاد وفير.. وما الذي يدفع لاعب القوى مثلاً أن يجهد نفسه بالتمارين وتقوية العضلات بشكل مستمر لا يتراخى ولا يتكاسل؟ إنه الأمل في أن يكسر الرقم القياسي في اللعبة ويحقق إنجازاً؟ وما الذي يدعونا إلى الاستمرار في الدعاء حين الأزمات والمشكلات والملمات؟ إنه الأمل في أن يأتينا فرج من الله، عاجلاً كان أم آجلا. الأصل في الإنسان أولاً، ألا يكلّ ولا يمل، أو يترك نفسه لتصل إلى اليأس، فيتركها محاطة بالأوهام ووساوس الشيطان، الذي يستغل مثل تلكم الحالات في الإنسان، ليدفعه إلى مزيد يأس، ويزيد من إحباطاته وتعميق مشاعر البؤس فيه. ثم الأصل ثانياً، أن يعمل الإنسان ويجتهد ويتخذ الأسباب، ويعقد الأمل في خططه وأعماله ونجاحها على قوة أكبر من أي قوة أخرى في هذا الكون، ويبدأ بتكوين يقين راسخ في قلبه أن هناك ربًّا قديراً سميعاً مجيب الدعوات.. فاليأس ليس من صفات من به ذرة إيمان واتصال بالله، الذي يدعونا سبحانه بقوله (وَلَا تيأَسوا من رَوحِ اللَّهِ إنَّه لا ييأَسُ من رَوْح اللَّه إلا القومُ الكافرون). الأمل وما يفعل لولا الأمل الذي عاش لحظاته النبي يونس –عليه السلام- وهو في ظلمات بطن الحوت والبحر، ويقينه الراسخ أن من كتب عليه هذا الواقع سيكتب له واقعاً آخر، ما وجدته استمر يدعو ويبتهل ويستغفر، ولكان استسلم لليأس وجلس ينتظر مصيره أو الموت. يعقوب -عليه السلام- لم يفقد أمله في العثور على ابنه يوسف –عليه السلام- والذي لم يفقد هو نفسه الأمل، كذلك أن يرجع إلى أبيه وأهله، وإن طال الزمن. وقد حدث فعلاً، بعد مشاهد ووقائع عديدة كما جاءت تفاصيلها في سورة يقرؤها المسلمون إلى يوم الدين. أيوب –عليه السلام– بالمثل. ما يئس من رحمة الله أن تتنزل عليه فيكرمه بعافية من عنده. وقد حدث ذلك وتبدلت أحواله بعد سنوات عديدة من آلام المرض وآلام فقد الأبناء وآلام ضياع المال والمكانة الاجتماعية. الخليل إبراهيم –عليه السلام- بلغ هو وزوجته من الكبر عتيّا ولم يرزقهما الله الأبناء، ما يجعل أي إنسان في مثل سنهما يفقد الأمل في الولد، إلا إبراهيم -عليه السلام- كان عنده ذاك الأمل، الذي جعله لا يمل ولا يكل من الدعاء بقوله (رب هب لي من الصالحين)، حتى جاءته البشرى وهو في التسعين من عمره، وزوجته كانت تجاوزت سن الحمل، بل كانت عاقراً بالأصل. فأكرمهما الله وبشرهما (بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب). إنه الأمل في رحمة الله وكرمه. هذا الأمل، الذي إن صح وجاز لنا التعبير، يمكن اعتباره صفة من صفات الأنبياء الكرام. نختم أمثلة ونماذج الأمل بنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يوم الخندق مع صحابته الكرام، وهم في أخطر وأحلك الظروف التي مرت بها الجماعة المسلمة منذ بدء الدعوة، حين اعترضتهم صخرة عظيمة أثناء الحفر لم يقدر عليها الصحابة الكرام، ولم يفتتها إلا النبي الكريم، الذي مع كل ضربة منه للصخرة، كانت تخرج شرارة فيكبّر عليه الصلاة والسلام، فيقول في الأولى: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة. ثم الثانية: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم الثالثة: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة". لم يقل الرسول الكريم ذلك، إلا لأنه في تلك الضائقة والمحنة، كان مدركاً أن الله لن يخذله هو وأصحابه، وأن أملهم ورجاءهم فيه عظيم، وأنهم بعد هذه المحنة الخطيرة التي اجتمعت وثنية الجزيرة العربية بمساندة يهودية لئيمة غادرة، سيخرجون منها سالمين غانمين، بل وفاتحين أرجاء الأرض. إن الأمل الذي كان يغمره -صلى الله عليه وسلم- جعله يرى مستقبلاً مبهراً قادماً دون أدنى ريب فيه، إلى الدرجة التي جعله يذكر أكبر الممالك أو القوى التي كانت مسيطرة على الأرض حينذاك، الإمبراطورية الرومانية والفارسية. ما يعني أن هذا الدين غالب، وإن انتكس أتباعه حيناً من الدهر، طال أم قصر، ولكن بشرط ألا يفقد أحدهم أمله ويقينه بنصر الله، والنتائج الإيجابية التي ستتحقق في قادم الأيام. وبشرط آخر لا يقل أهمية عن شرط الأمل، هو ضرورة العودة إلى طريق محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام، أو الصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه في صلواته كل يوم مرات عديدة أن يهديه إليه.. والله تعالى دوماً وأبداً، كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1689
| 19 مايو 2022
مما يروى عن الفاروق عمر- رضي الله عنه- بعد أن تولى الخلافة، حرصه الشديد على حياة الناس، لاسيما من كانوا يخرجون للفتوحات المختلفة. كان يحرّص قادة الجيوش على عدم المغامرة بأرواح جنودهم، فأن يتأخر فتح مدينة ما شهراً أو أكثر، هو خير عنده من أن يتم ذلك الفتح في أيام قليلة لكن مقابل استشهاد الكثير من الجنود.. من القصص الشاهدة على ذلك، حين أرسل عمرو بن العاص لفتح مصر، ولكن طالت المدة ولم يسمع بنتائج مأمولة، فعاتبه وأرسل له قائلاً: "فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر.. وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالى لا ينصر قوماً إلا بصدق نياتهم". وكان عمر بن العاص قد طلب مدداً من الفاروق لإتمام المهمة، وقد كان معه أربعة آلاف جندي. فبعث إليه عمر أربعة آلاف آخرين وعلى رأس كل ألف منهم قائد من أربعة، هم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وقال له: لا يُهزم جيش من إثني عشر ألفا! تعجب عمرو من الرقم، وكيف للفاروق أن يخطئ في الحساب، لأن مجموع ما سيكون عنده حسابياً بعد المدد القادم من عند عمر، هو ثمانية آلاف وأربعة أشخاص، فكيف يكون العدد اثني عشر ألفا؟ والحقيقة أن الفاروق لم يخطئ حسابياً، لأنه اعتبر القادة الأربعة؛ الرجل منهم بألف رجل، ما يعني أنهم أربعة آلاف –عند عمر- بالإضافة إلى الأربعة آلاف الآخرين الذين أرسلهم وما عند عمرو من أربعة آلاف أيضاً، فيكون المجموع اثني عشر ألفاً. وللفاروق في هذا فلسفته، وهي لب حديثنا اليوم. الكفاءة والفاعلية الفاروق عمر جمع في قيادته وإدارته للدولة بين الكفاءة والفاعلية. إذ الكفاءة أن تحقق أهدافك عبر استخدام أمثل للموارد المتوفرة عندك، بأقل جهد ووقت وتكلفة. والفاروق وضع هذا الأمر في ذهنه وهو يرسل المدد لعمرو في مصر. أما الفاعلية فهي تحقيق الهدف بشكل صحيح. وفي هذا المثال، تتمثل فاعلية الفاروق في تحقيق الهدف وهو فتح مصر، وقد تحقق ذلك بالعدد الذي تجمّع عند عمرو بن العاص وبالشكل الذي طلب منه الفاروق، وسنأتي إلى ذلك بعد قليل.. فالفاعلية إذن كتعريف عام، هي أن تحقق الهدف بشكل صحيح، بغض النظر عن كيفية استخدامك للموارد، والجهد المبذول والوقت المنصرف في ذلك. لكن أن تجمع بين الكفاءة والفاعلية في آن واحد، فهذا هو أفضل ما يتطلع إليه أي موقع عمل. الفاروق في هذا المثال، كان يلعب دور المدير ودور القائد في نفس الوقت، وقليلاً ما تجد من يجيد أداء دورين في الوقت نفسه في أي موقع أو ميدان عمل. فإما أن تجد قائداً أو تجد مديراً، أو الاثنين معاً، لكن أن تجتمع الصفتان في شخص واحد، فهذا من النوادر. القائد يكون تركيزه على الأهداف وكيفية تحقيقها، بغض النظر عن الموارد وكيفية استثمارها الاستثمار الأمثل، فهو غالباً لا يهتم بمسألة الوقت والجهد والتكلفة بقدر اهتمامه بمسألة تحقيق الهدف بشكل صحيح. لكن المدير هو من يحسب حساباته في سبيل تحقيق الأهداف، لكن عبر استخدام الموارد المتاحة عنده، وبأقل التكاليف والجهود وصرف الأوقات. في مثالنا مدار الحديث، لعب الفاروق –رضي الله عنه– دور المدير الكفء عبر استخدامه للموارد المتاحة لتحقيق هدفه، ولكن بأقل الأضرار، وهو ما تبين في عدم إرسال الكثير من الجند إلى مصر، وإنما استخدم موارده المتاحة التي ستلعب دوراً مؤثراً في تحقيق الهدف، فاختار القادة الأربعة، باعتبار فاعليتهم في الحروب، ودورهم المؤثر في تحقيق الأهداف. ولعب دور القائد في الوقت نفسه، وهو أن يحقق الهدف بشكل صحيح. كان يدرك أن جيشاً به اثنا عشر ألفاً ليس من السهل أن ينهزم، طالما اتخذ كل أسباب النصر، وأهمها كما جاء في تكملة رسالته إلى عمرو والتي قال فيها: ".. وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف. فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغّبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، وأمر الناس أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله وليسألوه النصر على عدوهم." فلما وصل الكتاب إلى عمرو جمع الناس وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، سائلين الله النصر.. ففتح الله عليهم مصر، وتحقق الهدف. مصفوفة الكفاءة والفاعلية مصفوفة غاية في السهولة لمن أراد معرفة موقعه منها أو أراد تطبيقها على العاملين معه. المربع الأول منها لا وجود فيه للكفاءة ولا الفاعلية، أو أنّ الاثنتين منخفضتان. وهذا يعني سوء إدارة للموارد، وعدم القيام بعمل صحيح لتحقيق الهدف. وهذا في المجمل خسائر متتالية بسبب هدر الموارد وضياع الجهود والأوقات والأموال. المربع الثاني، تتوفر الكفاءة لكن تغيب الفاعلية. أو أن الأولى مرتفعة والثانية منخفضة. وهذا يعني أن إدارة الموارد تتم بشكل صحيح وسليم، فلا يوجد هدر كما يبدو للوهلة الأولى. لكن مع مضي الوقت، وانخفاض الفاعلية، تبدأ الأوقات تضيع ومثلها الجهود وكذلك التكاليف، لأن الهدف غير واضح، والعمل لا يسير بشكل صحيح نحو تحقيق الهدف أو الأهداف. وهذا يتطلب قائداً يوضح الطريق والأهداف المرجو تحقيقها، ويقوم بدور المحفز لمن معه للقيام بالعمل بشكل صحيح. المربع الثالث، تنخفض الكفاءة لكن الفاعلية في قمتها. وهذا يعني أن الهدف تم اختياره بشكل صحيح وبالتالي أدى إلى عمل صحيح فتحققت في النهاية النتيجة المرجوة، ولكن بعد هدر الكثير من الموارد، كالوقت والجهد والمال. أي تحقق الهدف ولكن بتكلفة عالية أو جهد إضافي. وهذا يتطلب تدريباً مستمراً على كيفية استثمار الموارد بالشكل الأمثل. المربع الأخير وهو المطلوب في كل زمان ومكان. كفاءة عالية وفاعلية مرتفعة. كفاءة تمثلت في إدارة صحيحة للموارد نحو تحقيق الهدف بأقل جهد ووقت ومال. وفاعلية مرتفعة تمثلت في اختيار صحيح للهدف، وبالتالي عمل صحيح سليم وعبر استخدام أمثل للموارد المتاحة. والنتيجة جودة عالية، ونتائج إيجابية. لب الحديث، أن كفاءة تهتم بإدارة مثلى للموارد، حين تجتمع مع فاعلية تهتم بتحقيق الأهداف بشكل صحيح، فلا شك أن المنتج النهائي سيكون ذا جودة عالية، ونتائج محمودة، وهي غاية كل جهة عمل، شركة كانت، أم مؤسسة أم دولة. فكم من الكفاءات والفاعليات حولك؟ بل أين موقعك أنت من الكفاءة والفاعلية؟
1650
| 12 مايو 2022
ليس منا من لم يكره أمراً من أمور حياته، ثم اكتشف بصورة وأخرى بعد حين من الدهر، طال أم قصر، أن تلك الكراهية غير الواعية بخفايا الأمور في البداية، تحولت إلى شكر وثناء للخالق عز وجل في النهاية، بعد أن رأى الخير كامناً في الأمر الذي كرهه قبل ذلك. على المنوال نفسه، نجد أن أحدنا يحب أمراً ويسعى لتحقيقه بكل إمكانياته، لكن بعد حين من الدهر، طال أم قصر، سيجد أن هذا الذي أحبه وبذل جهده وسعيه، تحول إلى شر أو نكد أو هم، وتمنى ساعتئذ لو لم يسعَ في ذلك الأمر منذ البداية ! وما بين كراهية أمر أو محبته، ستكون دندنة اليوم، ومنها ننطلق ونحث في الوقت نفسه، ونحن في أواخر شهر التأملات والإيمانيات، على مدارسة قوله تعالى ((وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)). فمن منا يدري أين الخير؟ ومن منا يدري أين الشر؟ قصص ونماذج الآية الكريمة جاءت ضمن سياق الحديث عن معركة الفرقان الأولى، معركة بدر، وما جرى قبلها وأثناءها وبعدها وفق تدبير إلهي محكم، على رغم أن الصحابة الكرام الذين شاركوا في المعركة، اعتبروا مجريات الأحداث شراً لهم، لأنهم قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، فما خرجوا لمعركة، بل اعتراض قافلة تجارية، والفرق بين المهمتين كبير. لكن مع تطورات الأحداث، تبين لهم بعد ذلك أن الخير كله فيما دبّره الله لهم، وهي المغزى الحقيقي للآية، ما يفيد أن كراهيتك لأمر ما أيها الإنسان، لا تعني أنك محقٌّ ومصيبٌ فيها، فقد يكون الخير بانتظارك وأنت لا تدري. وبالمثل يقال عن حب أمر ما والميل نحوه، فقد يكون الشر بانتظارك من خلاله وأنت لا تدري، وهكذا. • لقد كان المؤمنون الذين خرجوا يوم بدر– كما يقول سيد قطب في ظلال القرآن- يطلبون عير قريش وتجارتها، ويرجون أن تكون الفئة التي وعدهم الله إياها هي فئة العير والتجارة، لا فئة الحامية المقاتلة من قريش. ولكن الله جعل القافلة تفلت، ولقاهم المقاتلة من قريش! وكان النصر الذي دوى في الجزيرة العربية ورفع راية الإسلام. فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الذي أراده الله للمسلمين! وأين يكون اختيار المسلمين لأنفسهم من اختيار الله لهم؟ والله يعلم والناس لا يعلمون ! • لم يكن على الأرض حين ألقت أم موسى رضيعها في اليَم، من هو كاره لذلك الأمر أكثر منها، بحكم طبيعتها وفطرتها البشرية. لكنها بعد حين من الدهر، وجدت الخير كله كامن في ذلك الأمر الذي كرهته نفسها بادئ ذي بدء، ورأته شراً له ولها، مخافة غرقه في النهر أو وقوعه بيد فرعون ومن معه من الظلمة، والتعرض للذبح كبقية مواليد بني إسرائيل. لكن الخير الذي رأته أم موسى تنوّع، ومن ذلك أن وليدها نجا، ثم ترعرع في قصر عدوه، حتى صار نبياً ورسولاً من أولي العزم من الرسل. • قد ترى ضمن مشهد إلقاء يوسف -عليه السلام- في الجب أو البئر، أنه أمر كان كله شراً وإجراماً وقسوة بالغة من إخوة كبار تجاه أخيهم الصغير، لتجد بعد حين من الدهر، أن الخير كان يكمن في تلك المؤامرة. خيرٌ تجسد بعد سنوات طوال، على شكل عزة وهيبة وسلطان ناله يوسف -عليه السلام– حتى طال ذلك الخير أمه وأباه، وكذلك إخوته الذين حاكوا ونسجوا تلك المؤامرة الشيطانية! • قصة أخرى أخيرة عن موسى- عليه السلام- أيضاً، وشعوره يوم أن طلب من خادمه تحضير ما يسد رمقهم في ذاك اليوم، من بعد مسير متعب بحثاً عن الرجل الصالح، أو الخضر عليه السلام. يخبره خادمه أن السمكة التي كانت معهم وكانت هي طعام غدائهم، قد عادت للحياة وخرجت بشكل عجيب من سلة طعامهم ناحية البحر؟ لا شك أن شعور عدم الارتياح كان هو الشعور الابتدائي عند موسى- عليه السلام- قبل أن يتنبه إلى أن ما حدث– وإن كرهه للحظات– هو الإشارة التي كان ينتظرها، والدالة على قرب الوصول لمبتغاهما. نعم، لولا هذا الحدث غير المريح بداية، لما عاد موسى- عليه السلام- وخادمه لمواصلة السير وقص الأثر، حتى وجدا الخضر عليه السلام، ومعايشة قصص عجيبة عرفوا من خلالها جزءاً يسيراً من عميق علم الله، وهي كلها شواهد على موضوع حديثنا اليوم. فقد كره موسى- عليه السلام- تخريب سفينة البحارة المساكين، وكره قتل الغلام بدون أي ذنب، وكره قيامهم بترميم بيت دون مقابل، في قرية لم يرأف بهم أحد من أهلها.. ليتبين له نهاية الأمر أن الخير في ما قام به الخضر، وليدرك أيضاً ومن سيأتي بعده من بني البشر، معنى قوله تعالى (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). كيف ننظر للشر؟ إن النظرة الإيجابية للابتلاءات والفتن هي المغزى من حدوثها، لأنها اصطفاء وتربية وإعداد لأمور عظيمة قادمة، حتى وإن اشتدت الابتلاءات وضاقت على الإنسان، فالنتيجة المرجوة بعد الصبر عليها والتعامل الحكيم معها، ستكون مذهلة إلى الدرجة التي يسعى المبتلى بعد رؤية النتيجة في الآخرة، أن يرجع إلى الدنيا تارة أخرى ليعيش تلك المحن والفتن والابتلاءات مرات ومرات، لعظيم نتائج الصبر عليها.. (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)، وإن كان هذا لا يعني تمني الفتن والابتلاءات والمحن، أو السعي إليها، لكن الأصل أن نسأل الله العافية من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. لكن إن جاءت محنة أو فتنة وأصابت أحداً منا، فالمطلوب ألا يظهر التأفف والضجر، بل يسأل الله الصبر والثبات أمامها. فربما تلك الفتنة التي نكره حدوثها أو وقوعنا بين أنيابها، تحمل بين طياتها خيراً كثيراً. هذا الأمر بالطبع وفي الواقع العملي، ليس سهلاً كسهولة الكلام والكتابة والتنظير الذي نقوم به، ولكن نكتبه ها هنا من باب التواصي وتذكير النفس والآخرين بذلك، في زمنٍ كثرت الفتن والابتلاءات والمحن من حولنا بصور وأشكال متنوعة، والتي نسأل الله العظيم أن يخرجنا منها سالمين، وأن يجنبنا شرورها، ويثبت قلوبنا على دينه وطاعته. خلاصة الحديث الآية الكريمة التي بدأنا الحديث بها، وكنقطة أخيرة في موضوعنا، هي بمثابة بلسم شافٍ للمؤمن، يملأ قلبه بالأمن والأمان والطمأنينة، ويدفع عنه القلق والتوتر، الأمر الذي يدعوه دوماً وأبداً عند كل أمر يحزنه بادئ ذي بدء، أن يردد ويقول: لعله خير، لعله خير.. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال من صلاة وصيام وقراءة قرآن وكل عام وأنتم بخير.
1185
| 28 أبريل 2022
تأمّل معي حال قائد عسكري جيء به لقيادة جيش، ثم بعد قليل يتولى كثيرٌ من الجند لسبب أو آخر، وقبل أن يتحرك الجيش. فكيف سيكون وضعه؟ إن قائداً مطلوب منه الخروج لمواجهة جيشٍ قوي في العدد والعُدة والعزيمة المرتفعة، ثم يتولى كثيرون من جيشه عنه منذ البداية، لا شك أنه في موقف يحتاج إلى نوعية خاصة من القادة. وهذا القائد الذي نتحدث عنه وهو طالوت، لم يبقَ معه سوى جمعٌ، لا يزال يُطلق عليه جيش، رغم انسحاب كثيرين منه لسبب أو آخر كما أسلفنا، لكن في قرارة نفسه، أنه سيقوم بالمهمة رغم كل إشكاليات البداية، لكنه يرى أن كل من اختار المسير معه، لا يمكنه خوض معركة حاسمة بهم قبل أن يختبرهم بنفسه ويرى قوة الإرادة عندهم واقعاً متجسداً، حتى لا يتكرر الانسحاب أثناء المعركة، مثلما كان قبل الخروج للمعركة، لأن الانسحاب من الميدان حينذاك ستكون كارثة. فكيف يختبرهم؟ قام طالوت وأخبرهم من بعد مسير طويل في الحر، وقد بلغ بهم العطش مبلغاً، أن نهراً بالطريق أمامهم، ويطلب منهم ضبط النفس وعدم الإسراف في الشرب منه، إلا بقدر كف اليد. ومن زاد عن ذلك، يكون دخل نطاق عصيان الأوامر، وعقوبة ذلك ألا يكمل المسير معه ويرجع إلى داره. الاختبار القاسي اختبار قاس دون أدنى شك، حيث لم يصمد في ذلك الاختبار كثيرون، فخالفوا تعليمات القيادة. تلك المخالفة كانت ضربة أو نكسة ثانية للقائد طالوت، لأنه أوضح لهم بأن أي مخالفة منهم لأوامره، تستدعي الخروج من الجيش، وهذا ما حدث مع كثيرين من جيشه، لكنه مع ذلك لم ييأس. لماذا؟ لأنه في مثل هذه الأحوال والظروف، تُعتبر تلك المخالفات أمراً لا يُغتفر. فالعصيان وعدم إطاعة الأوامر من شأنهما إلحاق كوارث بالجيش إذا ما وقعت الواقعة فعلاً وحدثت مواجهة بين الفريقين، والتي تحتاج لكثير صبر وقوة تحمل. انفصل كثيرون إذن عنه لأنهم -كما جاء في ظلال القرآن- "لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم. وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف، لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة. والجيوش ليست بالعدد الضخم، ولكن بالقلب الصامد، والإرادة الجازمة، والإيمان الثابت المستقيم على الطريق. ولم يهز طالوت تخلف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى، بل مضى في طريقه" لملاقاة جالوت وجنوده. العبرة ليست بالكثرة الكثرة ليست دوماً عامل كسب وحسم في الحروب؛ إذ ربما تكون عامل خسارة وهزيمة، إذا كانت تلك الكثرة كغثاء السيل. وتلكم حقيقة استوعبتها البقية الباقية ممن صمدت مع طالوت ونجحت في اختبار النهر، ويقينها الراسخ يومها أن قلة صابرة محتسبة صامدة وواعية، سيبارك الله فيها ويكون النصر عبرها، إذ (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله). وقد قيل بأن عددهم بعد النكسة الأولى والثانية بلغ في المرحلة الأخيرة قبل المواجهة، حوالي ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أصحاب بدر. قلة صابرة، لكن توفرت فيها شروط تحقيق أو تنزيل التأييد الإلهي والفوز بالمعركة. الهدف تحقق بفضل الله، وكان المطلوب: النصر وحسم المعركة وإلحاق الهزيمة بالعدو، سواء كانت عبر كثرة أو قلة جنود. وفي قصتنا، تحقق النصر عبر قلة صابرة محتسبة موقنة بنصر الله (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ). وفي التاريخ نماذج من هذه المعارك، لعل أبرزها معركة بدر الكبرى. من أسرار النجاح الانضباط والالتزام بتعليمات القيادة، لاسيما إن كانت قيادة واعية مخلصة وذات رؤية، من أسباب تحقيق النجاح والنصر في صراع الحق والباطل. وأي تلكؤ أو تردد أو مخالفة للتعليمات، فالنتيجة تميل غالباً إلى الأكثر انضباطاً وتنظيماً، وساعتئذ لا علاقة للإيمان بالمسألة ها هنا، وأقصد أنه مهما كان الجند على درجة من الإيمان عالية، لكن دون انضباط ودون احترام للقيادة، فالمسألة ستتحول إلى دنيوية أو مادية بحتة، والنتيجة الحاسمة ستكون لمن يكون أكثر التزاماً بالتعليمات، وأحكم في التخطيط والاستعداد المادي والمعنوي، مهما يكن دينه. هل يشك أحدنا في إيمان وإخلاص الرماة الخمسين في معركة أحد؟ لقد خرج الجميع مع خير خلق الله رغبة في الشهادة، وإعلاء كلمة الله ودحر الكفر والكافرين. وبتلك العقلية والهمة الإيمانية العالية، وصل من تبقى مع النبي الكريم إلى ميدان المعركة، بعد أن سحب رأس النفاق ابن سلول، ثلث الجيش وهم في الطريق إلى أحد. وبدأت المعركة وأبلى الجميع بلاءً حسناً بادئ ذي بدء، وكان المسلمون قاب قوسين أو أدنى من حسم أمر الكفار. لكن ساعة أن تسربت المشاعر المادية في نفوس غالبية الرماة وحب الدنيا ومتاعها، وقعت الكارثة.. كانت تعليمات القيادة لهم قبل المعركة دقيقة وصارمة وحازمة بعدم ترك مواقعهم ولو رأوا أصحابهم في الميدان تخطّفهم الطير. ولو يحدث ما يحدث في الميدان، فإن مهمتهم هي البقاء في مواقعهم على الجبل، وأداء الدور المطلوب منهم لا أكثر. حدثت المخالفة، ونزل كثير من الرماة عن الجبل لجمع الغنائم، فكانت بمثابة ثغرة استفاد منها العدو، فدخل منها وانقلبت الأمور، وحدث ما حدث في قصة المعركة المعروفة. وكم وقعت كوارث ومآس مماثلة في تاريخنا، سواء عبر المعارك أو الثورات ضد الظلم والظالمين، وراح ضحيتها الآلاف المؤلفة بسبب أخطاء من تلك النوعية التي ذكرناها في قصة رماة معركة أحد، أو قصة جنود طالوت الذين شربوا من النهر أكثر مما كان مسموحاً لهم. لب الحديث إن قصص القرآن وقصص التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل هي دروس وتجارب للتأمل والتدبّر، نتعلم من الأخطاء كيفية تجنب تكرار المآسي والأحزان، وفي الوقت نفسه نتعلم كيفية تحقيق الانتصارات. التاريخ دوماً يعيد نفسه، والأحداث هي هي تتكرر في كل زمان ومكان، ولكن عبر شخوص وطقوس مختلفة، وغالباً تكون النتائج والمآلات واحدة، إن لم يستفد الخلف من تجارب السلف (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
972
| 21 أبريل 2022
من روائع القرآن الكريم، ومن قلائل السور التي تقرأها دفعة واحدة، أو بدون توقف. فيها قصة كاملة، بطلها النبي الكريم يوسف - عليه السلام – الذي يمر بمشاهد متنوعة، تدور أحداثها في منطقة جغرافية محدودة، لكنها بلا حدود من الدروس والعبر والعظات. ومهما كتبت عنها، فإنك تجد المزيد مما يمكن الحديث عنه في كل مرة تعاود الكتابة عنها. في هذه السورة تجد نفوساً بشرية متنوعة، هي نفسها التي تتكرر منذ بدء التناسل البشري، بدءاً بقصة ابني آدم هابيل وقابيل، كنفس قابيل الحاسدة وما بعدها من نفوس أخرى، ستظهر تباعاً على مدار التاريخ إلى يوم الناس هذا.. تجد مثلاً في سورة يوسف شخصيات عديدة، كل شخصية صاحبة نفسية معينة. فهناك النفس الطيبة، والنفس الحقودة، وثالثة شريرة، ورابعة ساكنة، وأخرى قلقة، إلى آخر قائمة النفوس البشرية المختلفة. الحسد، مثلما أنه دفع بقابيل لقتل أخيه هابيل، والسُنّة السيئة التي سنّها بداية العهد البشري وما يعني ذلك من تبعات سيحملها على ظهره يوم الدين، فإنه الحسد نفسه أو مشهد الغيرة الزائدة عن الحد، يدفع بإخوة يوسف، وهم رجال بالغون ناضجون ومدركون، للخضوع أمام أهواء ورغبات نفوسهم غير السوية في تلكم اللحظات، والتي أشعل الحسد نيران قلوبهم ليدفعهم إلى تخطيط متسرع مليء بالثغرات، لا لشيء، سوى وضع حد لميل الأب الشيخ تجاه يوسف الصغير أكثر منهم، وهم الكبار، سنده وسواعده. فلماذا كل هذا الحب والميل إليه وليس لهم بالمثل؟ هكذا حدّثتهم نفوسهم، فكان التخطيط لقتل أخيهم، من بعد أن زيّن الشيطان لهم أعمالهم، فرأوه مقنعاً صائباً ! نفسية الشيخ الكبير الوقور، نبي الله يعقوب – عليه السلام – بدا عليها الاضطراب التدريجي وهو ينصت لابنه يوسف يروي ما رآه، فشعر أنها رؤية غير عادية قد يلعب الشيطان لعبته في عائلته، ما دفعه أن يطلب من يوسف كتمان ذلك عن إخوته. ربما دافعه إلى ذلك هو احتمالية ما لاحظه من ذي قبل من لدن أبنائه الكبار، وإبداء بعض الانزعاج والامتعاض تجاه ميله الأبوي الفطري، وهو شيخ كبير، نحو صغيره يوسف. وبالتالي ربما هذا ما دفعه ليطلب من يوسف كتم رؤيته، ولا يقصها عليهم. لكن هل ذلك الكتمان غيّر من الأمر شيئا؟ بالطبع لا، لم يتغير شيء. خطة الإخوة الكبار أمست جاهزة، والنيات قد عقدت عزمها على التنفيذ، والجميع بانتظار ساعة الصفر. الحسد وما يفعل كمية حسد غير مفهومة في تلك النفوس ظهرت لنا من خلال مشاهد القصة. كميةٌ تدفعهم لارتكاب جريمة قابيل تارة أخرى، وقتل أقرب الناس إليهم. لتبدأ المشاهد تترى. بدءاً من مشاهد التودد للشيخ الكبير، وطلب موافقته لاصطحاب أخيهم الصغير في رحلة صيد، ثم مشهد خشية الشيخ من الذئاب، وانتهاء بمشهد الموافقة على خروج يوسف معه، بعد أن استودعه الله. اقتربت ساعة الجريمة وكادت تنتهي بما تم الاتفاق عليه، لولا تلك النفس القلقة عند أحدهم، والتي غيّرت في اللحظات الأخيرة جزئية مهمة في الخطة، فكان الإلقاء في الجُب أو البئر، بدلاً من القتل، كي يموت الفتى الصغير بعيداً عن أعينهم، فذلك أخف وطأة على نفوسهم، أو هكذا بدا الأمرُ، كما لو أن بعض جزيئات الرحمة والشفقة اختلطت بأرواحهم في تلك اللحظات العصيبة، فقرروا إثر ذلك إلقاءه في الجب، بدلاً من رؤية أخيهم مخنوقاً أو مذبوحاً مسفوك الدم أمام أعينهم. في ذلك إشارة مهمة لنا خلاصتها أن الخير لا يختفي أبداً، وإن تعمْلق وتعاظم الشر، بل إن الخير ليخرج من رحم الشر أيضاً. هذا ما حدث مع إخوة يوسف لحظة تغيير بعض تفصيلات الخطة، وليس إلغاءها. فالنية والعزم هو التخلص من أخيهم وإزهاق روحه، لكن أسلوب الخلاص تغير، وبهذا التغيير الذي هو لطفٌ من الله ربما بسبب دعوات الأب، تغير القدر أيضاً، ليعيش يوسف – عليه السلام – أعواماً مديدة، ستتغير أثناءها أمور أكثر، وتقع أحداث أ كبر. محنة تحمل منحة يخرج الصغير يوسف من كيد أو محنة الإخوة، ليدخل في محنة الرق وما سيتعرض له من بائعي الرقيق في مصر. حتى إذا خرج من محنة البيع في سوق الرقيق بعد حين من الدهر لم يطل، وجدته يدخل أجواء محنة جديدة هي العبودية، وإن كانت راقية، لكنها ضمن نطاق ليست لك حرية التصرف فيه كما لو كنت حراً طليقاً. عاش في بيئة فاخرة مرفهة لكن بنفسية المغترب، التي تتطلب الكثير من الحذر والأدب والأخلاق الراقية في التعامل، لاسيما أنه بدأ يخدم في قصر عزيز مصر، أو رئيس الوزراء حينذاك، حيث الأجواء المخملية الغالبة على القصور بشكل عام. فيعيش يوسف سنوات شبابه ما بين أوامر: افعل ولا تفعل، وهات وخذ. ونفسه حزينة قلقة. حزينةٌ على ما كان من إخوته، وفراقه عن أبيه. وقلقةٌ مما ينتظره في قادم الأيام وهو بعيد عن أهله ووطنه، وهو لا يدري أن القادم أعظم وأشد على نفسه مما مضى. تبدأ بعد ذلك محنة كيد النساء في مشاهدها المختلفة، ليعيش أوقاتاً صعبة وجدها لا تنتهي إلا بما هو أصعب. ليخرج من حياة القصور بتهمة باطلة، يعاني على إثرها آلام الظلم ويدخل حياة السجون، التي بدت له أجمل وأحب مما كان فيه. لكن المدة تطول عليه وقد تأمّل ألا تطول، ليعيش محنة السجن فعلياً، ومحنة الابتعاد عن الحياة ومعاملاتها، والناس وعلاقاتها، والتي مهما تبلغ من السوء وبشكل عام وبعيداً عن قصة يوسف، إلا أنها تبقى رغم ذلك، أفضل من حياة السجون والمعتقلات. مكث ما شاء الله له أن يمكث بالسجن، حتى بدأت مشاهد الانشراح والانفتاح والكرم الإلهي. بدأت تتضح له ملامح المنح التي بدأت تخرج تباعاً من المحن. حيث يخرج من السجن بعد سنين عدة وبأمر مباشر من الملك، بعد أن تمت تبرئته من التهم الباطلة، وظهرت الحقيقة. ليتولى منصباً رفيعاً في الدولة، ويتحول بقدرة قادر إلى شخص يأمر وينهى، بعد أن كان يؤمر ويُنهى. وصار علماً ورمزاً للدولة، أو بطلاً قومياً بمصطلحاتنا الحديثة، فقد أنقذ الدولة من خطر مجاعة وإفلاس.. لتتوالى بعدها سريعاً المشاهد في القصة، لتدفع ظروف الحياة القاسية والمجاعة في فلسطين بإخوته، لطلب الاستغاثة من دولة الجوار في مصر، أو من القائم على أمر الاقتصاد هناك والمتحكم فيه، والذي لم يكن هذا الشخص سوى من ألقوه قبل سنوات ماضيات في الجب، حسداً من عند أنفسهم. فصاروا اليوم يطلبون معاونته وقت ضيقهم وشدة حاجتهم. فهل ينتقم منهم ويحاسبهم على جريمتهم القديمة، وهو حق خالص له؟ تبرز في تلك الأثناء، أخلاق النبوة وأخلاق الفرسان. وبها يتعرف عليه إخوته، فصاروا في مشهد لا يمكن وصفه. عاشوا حينذاك لحظات ما بين رجاء وحياء. رجاء أن يعفو عما صدر عنهم تجاهه، وحياء شديد من فعلتهم التي لا يفعلها إلا من اتبع شهواته وانقاد لشيطانه. يعفو يوسف الصديق عنهم ويصفح، ويُكرم نزلهم، ويدعو والديه للهجرة إليه والإقامة معه، لتتجسد رؤيته القديمة، بعد أن رأى والديه وإخوته الأحد عشر أمامه يسجدون سجدة تقدير واحترام، ليتردد قوله تعالى في وجدانك، وأنت تتخيل مشهد السجود (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، وليبعث في نفسك يقيناً تاماً، وتأكيداً جازماً على أن الخير باق إلى يوم القيامة، وأن الحق غالبٌ والباطل زاهقٌ لا محالة، والمكرُ السيئ لا يحيق إلا بأهله.. (لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب. ما كان حديثاً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
1055
| 14 أبريل 2022
تكررت آيات شبيهة المعنى، وكلها تستنكر التصاق الأبناء بإرث الآباء المعاكس للحق. إرث باطل يجب تصحيحه أينما وكيفما ظهر، وإلا فمحاربته أولى. يأتي النبي يدعو قومه إلى خير الدنيا والآخرة، ونبذ الشرك وعبادة غير الله، فيأتي الأبناء بدافع العصبية والعناد في الوقت ذاته، يمجّدون إرث أسلافهم، وأنهم على دربهم سائرون ! هكذا كانت حالة غالبية القدماء. المسألة لم تكن كامنة في العقول والألباب، بل في القلوب التي في الصدور. عناد ليس غيره. فإن أي عقل بشري سوي حين يرى الحق والباطل واضحاً أمامه، فإن فطرته تدفعه نحو الحق دفعاً، إلا إذا اختار المكابرة والمعاندة. وهكذا كان الأولون مع أنبيائهم. روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهود إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا. فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية". وقيل: الآية نزلت في مشركي العرب وكفار قريش، الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على الله دون علم ولا برهان. فإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله من قرآن، أعرضوا عن ذلك، وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء، كما جاء في التفسير الوسيط للطنطاوي. إذن هو تقليد أعمى مذموم، فليس كل تقليد محمود. ذلك أن التقليد في أمور العقيدة والتوحيد، دون علم ودراية كافية بما كان عليه من يتم تقليدهم، أمر مذموم يودي بصاحبه إلى التهلكة. ولهذا رد الله على من قال ونادى باتباع الآباء من منطلق التقليد الأعمى غير السوي، محاط بعناد وكبر وجهل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). القرآن في مواضع عدة يحذر من خطر التقليد الأعمى والقياس غير الصحيح (لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ). قال مشركو مكة للنبي الكريم هذا. لقد سمعنا بهذا يا محمد كما سمع به الآباء والأجداد من قبل ذلك.. "لقد وَعَدنا هذا من قبل محمد واعدون - كما في الطبري - وعدوا ذلك آباءنا، فلم نر لذلك حقيقة، ولم نتبين له صحة (إِنْ هذا إِلا أساطيرُ الأولين) وما هذا الوعد إلا ما سطَّر الأوّلون من الأكاذيب في كتبهم، فأثبتوه فيها وتحدّثوا به من غير أن يكون له صحة". هذا القياس باطل. الأبناء حين رأوا – ورؤيتهم ضبابية ناقصة - أن الآباء رفضوا دعوات السابقين من الأنبياء، واعتبروا دعواتهم جملة من الأساطير والخرافات والوعود لا تتحقق، حذوا حذوهم، وأمسوا يسيرون على خطى الآباء والأجداد. فطالما هم رفضوا، فهم يرفضون أيضاً، دون كثير نقاش وكثير تحليل وعميق فهم. هكذا كان كثيرون، وبسبب ذلك المنطق الأعوج غير السليم، وذلك القياس الخاطئ الباطل. هلك كثير منهم. كمثل الذي ينعـق التقليد الأعمى إذن كما أسلفنا، يودي بصاحبه إلى التهلكة، خاصة إن كان تقليد الآباء والأجداد في أمور العقيدة والتوحيد، وكان أولئك الآباء والأجداد أساساً، على ضلالة وكفر. ومن هنا، وصف الله تعالى أولئك المقلدين الذين ساروا في درب تعطيل العقول والألباب، بأنهم كالأغنام ينعقُ لها راعيها بالدعاء أن تأتي، أو بالنداء أن تذهب. أغنامٌ لا تفقه شيئاً مما تسمع من الأصوات. مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل، كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم - كما قال البغوي في تفسيره – وأن الكافر لا ينتفع بوعظك، إنما يسمع صوتك. إنها "صورة زرية - كما يقول صاحب ظلال القرآن - تليق بهذا التقليد وهذا الجمود. صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا تعني، بل هم أضل من هذه البهيمة، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح، وهم صمٌ بكمٌ عُمي، ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون، فكأنها لا تؤدي وظيفتها التي خُلقت لها، وكأنهم إذن، لم تُوهب لهم آذان وألسنة وعيون. وهذا منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره، ويغلق منافذ المعرفة والهداية، ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة". ما فائدة الآذان التي لا تسمع الحق؟، وما فائدة العيون التي لا ترى البراهين الدالة عليه، وما فائدة الألسن التي لا تنطق به؟ وعذرهم في كل ذلك (بلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، فليس غريباً إذن أن يشبههم الله بالأنعام - أعزكم الله - بل هم أضل. خلاصة الحديث نكرر في ختام هذا الحديث، ما قلناه من ذي قبل، ونعيد التذكير به كرّة أخرى ما خلاصته، أن الناس (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) يحاسبهم على أعمالهم وما كسبت أيديهم، حيث لا قبيلة ولا عشيرة ولا عائلة، ولا آباء ولا أجداد ولا أحد يستفيد من أحد، بل لا أحد يفيد غيره في (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ)، فكل منا سيكون مشغولاً بنفسه، ولن يسأل الله أحدنا: من أبوك ومن جدك، بل من أنت وما عملك؟ وعلى هذا الأساس سينال كل منا نصيبه وأجره، فإن (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ). احذر من التقليد الأعمى للآباء والأجداد ومن سبقوهم، خصوصاً في العقائد، ما لم يكونوا على عقيدة سليمة لا غبار عليها، والأفضل أن يكونوا من عالم الأموات أو البرزخ كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: أَلَا لا يقلِّدنَّ أحدكم دينه رجلاً، إن آمن: آمن، وإن كفر: كفر؛ وإن كنتم لابدَّ مقتدين، فاقتدوا بالميت؛ فإنَّ الحيَّ لا يُؤمن عليه الفتنة. لا تسلّم عقلك للآخرين للقيام بمهمة التفكير نيابة عنك، والتخطيط لحياتك، ومن ثم توجيهك وجهة هم يرضونها، وإن كانت على حساب حياتك ومستقبلك الدنيوي والأخروي.. فاللهم ألهمنا الصواب في القول والفعل، وارزقنا البصيرة في الدين، وحسن التأسّي بخير الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وسلم، وعلى من اتبع هداه إلى يوم الدين.
2204
| 07 أبريل 2022
لو تتأمل معي الآيات التي يتحدث الله عز وجل عن الصيام في سورة البقرة، وقد اقتربنا من الشهر الفضيل، ستجد بعدها مباشرة آية تنهى عن أكل أموال الناس بالباطل. فربما وأنت تقرؤها تشعر كأن الآية أخرجتك إلى سياق آخر غير سياق الصوم. لكن بشيء من التأمل، ستجد أنه كما دعت آيات الصوم المسلم للامتناع عن الأكل والشرب وغيره في عبادة الصيام، من وقت محدد للإمساك إلى وقت محدد للإفطار، فإن هناك إشارة للمسلم أنه مطالب كذلك دوماً، وليس في وقت محدد كالصوم، بالامتناع عن أكل من نوع آخر، ليس طعاماً ولا شراباً، بل أكل أموال الناس بالباطل. أكل الأموال نوعان؛ نوع يكون بالحق، وآخر بالباطل. فأما أكل الأموال بالحق، فهو واضح لا يحتاج لكثير شروحات وتفصيلات، وأبرز أمثلته الراتب الشهري، تأخذه من بعد أداء عملك بذمة وضمير، أو تكسب أموالاً من تجارة مشروعة، دون غش أو تحايل أو احتكار أو ما شابه من أساليب محرمة في التجارة. لكن موضوعنا اليوم يدور حول النوع الثاني من أكل الأموال، والذي يكون بالباطل، سواء تم بشكل فردي أو بمعاونة آخرين على شكل قضاة أو محامين أو أصحاب نفوذ وسلطة، أو وسطاء أو غيرهم. فهذا الشخص، أو آكل المال بالباطل أو المال الحرام -إن صح وجاز لنا التعبير- يكون قد أدخل نفسه دائرة لا يُرجى منها خير، لا في دنياه ولا آخرته، وما لم يخرج منها سريعاً، فإنه سيقع في خطر الاستمرار على هذا الفعل أو هذا المسلك، من بعد أن يكون الشيطان قد زين له أعماله أكثر فأكثر حتى يعتاده أو يألفه، ليدخل بعدها مستوى خطيراً لا يرى في عمله المحرم بأساً، لينتقل إلى مستوى أعمق وأعقد حين يبدأ مرحلة الدفاع عن فعله المحرم! اليوم أينما أدرت وجهك، ترى عمليات متنوعة، وكثير منها منتظمة أيضاً، من عمليات أكل أموال الناس بالباطل أو الحرام، حتى أمست بلا سقف أو حدود، أو لا تبدو أن لها نهاية أو قاعاً. الأمور تزداد سوءاً على كل المستويات والمجالات. آكلو الحرام يزدادون ثراء وجشعاً وقسوة، والمستضعفون أو الضحايا يزداد هوانهم وضعفهم، فيما الأبواب القانونية غالباً تكون موصدة أمامهم، أو لا يجدون إليها سبيلاً، خاصة مع شيوع مقولة ظالمة عند العامة، هي أن القانون لا يحمي المغفلين! فإن كان صحيحاً والقانون لا يحمي المغفلين أو أصحاب النوايا الطيبة والقلوب النظيفة، فمن يحمي إذن؟ ولن ندخل في جدال حول هذا المفهوم، كيلا يضيع منا خيط موضوعنا الرئيسي. احذر من هذه الأموال لا شك أن كثيرين وهم يرون عمليات أكل أموال الناس بالباطل، يتساءل أحدهم مندهشاً: كيف لمسلم أن يأكل الرشوة، قليلة كانت أم كثيرة؟ وكيف يأكل مال الغصب عبر الاستيلاء على الأرض دون وجه حق، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحذر: «من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه، خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين». وكيف يأكل مال يتيم، وكيف يأكل ديون الناس حين يقترض منهم وفي نيته عدم الوفاء والسداد؟! وكيف يأكل مالاً كسبه من قمار أو مراهنات أو أثمان بضائع محرمة كالخمر والخنزير وغيرها، حتى لو طابت نفسه وأقنعها بجواز ذلك بشكل من الأشكال؟ ويدخل في هذا الحرام أو المال الباطل -كما قال السعدي في تفسيره: «أكل الأموال المسروقة أو الخيانة في وديعة أو عارية، أو بمعاوضة محرمة كعقود الربا، ويدخل في ذلك أيضاً أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة، أو استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه. ويدخل في ذلك أيضاً الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها، أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه». قائمة المفلسين يوم القيامة أن تمتنع عن الأكل والشرب في عبادة الصوم، ثم تأكل أموال الناس بالباطل، فإنما هذا إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض.. بل إن هذا العمل يُدخل آكل الحرام ضمن قائمة المفلسين يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم فطُرحَتْ عليه، ثم طُرح في النار». أكل المال بالباطل أو الحرام، إنما يحدث تدريجياً وباليسير منه بادئ ذي بدء، ثم يتطور وتتعقد الأمور. يساعد على ذلك التقدم والتعمق في الحرام، انحسار أو تراجع ملحوظ في الإيمان. أي أنها عملية عكسية. كلما زاد الأكل من الحرام، ضعف الإيمان وقسى القلب حتى يبلغ مستوى التحجّر، فلا يتأثر حينذاك بموعظة أو نصيحة، خاصة إن وجد من يكيّف له الأمور ويزينها من الإنس قبل الجن، بشكل قانوني عبر ثغرات لا يعرفها إلا المختصون في القوانين، أو بشكل ديني عبر لَيّ أعناق النصوص الشرعية، لتتوافق وتطلعات آكل الحرام والعياذ بالله. زبدة الكلام أكل أموال الناس بالباطل، عمل لا أخلاقي ولا إنساني، قبل أن يكون عملاً محرماً قانوناً وشرعاً. هو انتكاسة في الأخلاق والإنسانية، يصلها الإنسان بسبب حبه الجم للمال، وحب الإكثار منه والولع به إلى درجة الفحش، لا تضبطه روادع وزواجر على شكل قوانين أو أخلاقيات أو إيمانيات. من يكون همه الإكثار من ماله بأي شكل من الأشكال، لابد أن يتفكر لحظات أو يوقفه أحد للتنبيه على أن هذا المال سيكون أحد أربعة أمور سوف يُسأل عنها يوم القيامة، والمالُ تحديداً قد خُصص له سؤالان، كما في الحديث الصحيح: «لا تزولُ قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عُمرِه فيم أفناه؟ وعن علمه ماذا عمِل به؟ وعن ماله من أين اكتسبَه، وفيم أنفقهُ؟ وعن جسمه فيم أبلاهُ؟ بالإضافة إلى أن المال الحرام سيكون سداً منيعاً أمام دعواته بالليل والنهار، والتي ستكون حدودها سقف غرفته لا أكثر. فاللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. سائلين الله ختاماً أن يعيننا على الصيام والقيام وتلاوة القرآن. وكل عام وأنتم بخير. abdulla.emadi@gmail.com
7642
| 31 مارس 2022
مشهدان من تاريخنا، هما محور حديث اليوم.. المشهد الأول للصحابي ربعي بن عامر وهو في مجلس رُسْتُم فرخزاد، قائد جيش الفرس في عهد آخر ملوك الدولة الساسانية يزدجرد الثالث أثناء معركة القادسية الخالدة، والمشهد الثاني لابن الأثير وهو يتحدث عن بلاء المغول، الذي عم أجزاء من العالم كثيرة، وكان لبلاد المسلمين النصيب الأكبر. سأبدأ بالثاني قبل الأول، لبيان التحول الواضح الكبير لحالة الأمة من العزة إلى الذلة. فالمؤرخ المعروف بابن الأثير، صاحب كتاب الكامل في التاريخ، حين وصل في تأريخ وتسجيل الحوادث في كتابه إلى سنوات ظهور وباء المغول، وما أحدثوه في العالمين من إهلاك للحرث والنسل وخراب الديار، بدأ يصف سبب توقفه عن كتابة التاريخ لفترة معينة. فأبدى رأيه في وباء أو كارثة المغول التي اجتاحت العالم الإسلامي بشكل يدعوك من فورك إلى تخيل واستحضار الأحداث في ذهنك، كما لو أنها تحدث أمامك، لتدرك بعدها معنى البلاء أو الوباء أو العذاب.. فماذا قال ابن الأثير في وصفه؟ يقول: "لقد بقيت عدة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدّم إليه رجلاً وأؤخر أخرى. فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً. إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً. فنقول: عمت الخلائق، وخصت المسلمين. فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها. ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله "بختنصر" ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدس. وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد -ويقصد المغول- التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس؟ وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قُتلوا؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قُتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج. وأما الدجال فإنه يُبقي على من اتبعه، ويُهلك من خالفه. وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال. شقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة. فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." انتهى. البُعد عن الدين مذلة إنها حقيقة أثبتتها الأيام بالتجارب والوقائع. فما من مرة ابتعد المسلمون عن دينهم واشتغلوا بالعاجلة أكثر من الآخرة، إلا ضرب الله عليهم الذلة، وأصابهم من البلاء والوباء الشيء الكثير. والحديث الصحيح واضح لا يحتاج لكثير شروحات وتفصيلات: يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت. وباء المغول كان هو العذاب لا غيره، والمذلة لا غيرها. والسبب دون شك، حب الدنيا وكراهية الموت، أو الوهن كما في الحديث الشريف. لكن نجد على النقيض من ذلك في مشهد ربعي بن عامر، وهو مرسل من لدن قائد جيش المسلمين، سعد بن أبي وقاص إلى قائد جيوش الفرس. نجده يدخل بفرسه إلى خيمة رستم بثيابه المتواضعة، فيما رستم في قمة زينته وهيبته. فجلس ربعي على الأرض، فقال له رستم: ما دعاك لهذا؟ فأجابه: إنا لا نستحب أن نجلس على زينتكم. ثم بدأ هذا الحوار: قال رستم: ما جاء بكم؟ قال ربعي، بثقة المؤمن المعتز بدينه: لقد ابتعثنا اللهُ لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِلَ ذلك منا قبلنا منه، وإن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر. قال له رستم: قد تموتون قبل ذلك. فأجابه: وعدنا الله عز وجل الجنة لمن مات على ذلك، والظفر لمن بقي منا. طلب رستم مهلة ليتفاكر مع قادته. فأمهله ربعي يومين، لكن رستم طلب أكثر ليخاطب رؤسائه في المدائن. فقال له ربعي: إن رسول الله قد سنَّ لنا ألا نمكّن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية. وإن كنتَ لنصرنا محتاجاً نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنياً رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي، ألا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا. قال له رستم: أسيدهم أنت؟ قال: بل رجل من الجيش، لكن أدنانا يجير على أعلانا -يعني إذا أحدنا أعطى وعداً فلا بد وأن ينفذه أعلانا- ثم عاد رستم يكلم قادته مستغرباً من منطق ربعي وقوته وثقته بنفسه، وهو محارب في جيش المسلمين وليس قائداً فيه. يتحدث رستم إلى قادته آملاً أن يقتنعوا بالصلح وتجنب الحرب. لكنهم رفضوا ولجُّوا وعاندوا. فكان القتال المعروف بالقادسية، والذي انتهى بنصر مشهود، تبعه بعد حين من الدهر قليل، زوال دولة كسرى. مشهد الإذلال والإذعان بعد مشهد العزة والهيبة، نجد مشهداً غاية في الذل والهوان، حين يتعمق حب الدنيا في النفوس وكراهية الموت كما في الحديث. مشهد الإذلال الدامي، المادي والمعنوي، وقد تجلّى في سقوط الخلافة الإسلامية بمقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله وبشكل مهين، بعد أن أضاع الأمانة ولم ينصح للأمة، ولم يجاهد في الله حق جهاده. فقد ترك أمر الدولة في يد خائن من غير الملة، ابن العلقمي ومن معه، الذي اتفق مع هولاكو قائد الهمجيين المغول، لتصفية مشهد من مشاهد عزة الإسلام المتمثلة في الخلافة، حيث أذعن الخليفة لشروط هولاكو خائفاً مرتعباً ذليلاً، بعد أن أقنعه ابن العلقمي بالصلح وتسليم المدينة من أجل صالح البلاد والعباد. فسلم رقبته ورقاب حاشيته وقادته وعلماء الدولة، بل الدولة كلها، لمتوحش لئيم مثل هولاكو، لا يعرف عهداً ولا وعداً، فأهلك الحرث والنسل، لتسقط الخلافة لأول مرة بعد قرون عدة. وكان الوضع آنذاك يشهد تدهوراً مماثلاً للدولة السلجوقية العظيمة، التي سيطر على مفاصلها المغول أيضاً، وكثر فيها الخونة من المسلمين المتعاونين معهم، في مشهد دفع بابن الأثير إلى أن يقول كلماته الحزينة السالفة، قبل أن يبدأ في تكملة كتابه وتسطير تاريخ دام موجع لأمة الإسلام. أمة لا تموت هذه حقيقة أخرى.. أمة الإسلام ما ظهرت لتموت، بل لتبقى إلى يوم الدين. قد تضعف وتنتكس، لكنها لا تموت. إذ مع الوباء المغولي الذي سيطر على عالم المسلمين كما غيرهم أيضاً، كانت في الوقت نفسه، نبتة أخرى قد بدأت تزهر وتنمو وتمتد جذورها إلى الأعماق، ويقوى جذعها وتتماسك أغصانها شيئاً فشيئا، مصداقاً لقوله تعالى (فإنّ مع العسر يسرا)، وتمثلت تلك النبتة في قبيلة بدوية من أتراك الأوغوز بقيادة سليمان شاه، ومن بعده ابنه الغازي أرطغرل. بدأت القبيلة في مسيرة النهوض بالأمة، عبر تكاتفهم مع آخر قلاع الإسلام في مصر بقيادة الظاهر بيبرس وقطز، وتم دحر المغول ودفعهم إلى حيث ألقت أم قشعم، والرجوع إلى جحورهم العفنة، لتبدأ مع قيام الدولة العثمانية عودة العزة للإسلام والمسلمين تدريجياً على يد أبناء السلطان عثمان: أورخان وبايزيد وسليمان القانوني وغيرهم.. يحكمون نصف العالم لستة قرون متواصلة مرهوبي الجانب، ينشرون الإسلام في أوروبا، حتى نال أحدهم وهو محمد الفاتح، شرف فتح القسطنطينية وتحقيق البشارة النبوية، في تأكيد جديد لحقيقة لا تتغير، هي أن نيل العزة والمهابة إنما عبر الدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه. اليوم تعيش الأمة في مشهد مماثل أثناء انتشار وباء المغول، والتفرقة التي كان عليها المسلمون. لكن مع ذلك نرى ومضات هنا وهناك في العالم الإسلامي، وهي لا شك ستتجمع معاً بصورة وأخرى في وقت قريب قادم بإذن الله، لبدء نهضة جديدة، وإنهاء وباء الصهيونية الظالمة، والرأسمالية المتوحشة، وبقية قوى الشر والطغيان على شكل دول ومؤسسات وهيئات دولية، والتي ما زادت العالمين غير تخسير (ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).
1251
| 24 مارس 2022
لماذا ندرس التاريخ؟ سؤال ربما سمعت به أو قرأته عشرات المرات. ومن المؤكد أنك توقفت مرات ومرات عند هذا السؤال، ووجدت إجابات عديدة متنوعة، وربما أيضاً لاحظت أن كل أحد يجيب بالعقلية التي يدير بها حياته، أو برؤية معينة ينظر من خلالها إلى الحياة بشكل عام. ولأن كل أحد منا له نظرته الخاصة، وله فكره الخاص أو ثقافته التي قامت حياته عليها، تتنوع الإجابات على السؤال أعلاه، لكن حين يكون المرجع الأهم في محاولات الإجابة على السؤال هو القرآن الكريم، فلابد أن الإجابة تكون هي المعتمدة والرئيسية. القرآن الكريم قد يعتقد قارئه غير المسلم، أنه كتاب تاريخي يسرد قصص الأولين، باعتبار كثرة القصص وتنوع أساليب سردها في مواضع من القرآن كثيرة، لكنه بالطبع ليس كتاباً للقصص التاريخية، إلا أن القصة لها مكانتها في القرآن، وأهدافها تتضح لقارئها كلما تدبرها وتأملها بين الحين والحين. حين يذكر القرآن الهدف الأبرز من سرد القصص في قوله تعالى (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۗ) أي أصحاب العقول الراجحة المفكرة والمتأملة، فذلك لأن قصص الأولين في القرآن ليست للتسلية والاستمتاع كما حال القصص والروايات الدنيوية، بل هي تاريخ مضى يستحضره القرآن للتأمل والتدبر، وأخذ الدروس والعبر. فما الفائدة مثلاً من قراءة قصة عاد وثمود مع أنبيائهم ومعجزاتهم، والمشاهد الرهيبة التي وقعت لهم، إن لم نتدبر من خلال تلك القصص، أسباب رفضهم لدعوات أنبيائهم والتي استحقوا على إثرها نهاياتهم الأليمة؟ القرآن يذكر تلك القصص بأشكال متنوعة، كي يحث من يقرؤه على التدبر والتأمل، والاستفادة من دروسها الكثيرة كي تدفعه لأن يستخلص القوانين أو السنن الإلهية في البشر والحياة بشكل عام.. إذ عبر تلك القصص، عرفنا كيف الأمم والحضارات السابقة عاشت وانتهت، وكيف أن التاريخ يعيد نفسه مرات ومرات عبر العصور والحقب، إلى درجة أن يقع الحدث الآن كما لو أنه الذي كان قبل مئات أو آلاف السنين، لكن بشخوص أو أناس مختلفين. يقع الحدث لأنه جرى وفق سنن أو قوانين معينة، سواء عبر اتباعها أو رفضها؛ يقع حدث النصر مثلاً أو قيام حضارة بشرية جديدة بسبب اتباع قواعد وسنن تحقيق الانتصار، أو قيام حضارة على أنقاض أخرى على وشك أن تزول وتختفي. وبالمثل تقع الهزيمة أو زوال حضارة بشرية ما، بسبب مخالفة قواعد وسنن الله في خلقه وأرضه (وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ). أمثلة من التاريخ حين ندرس مثلاً قصة سقوط بغداد أو الإمبراطورية العباسية على يد وحوش المغول، أو إمبراطورية الهدم، فلأن المنهزم سلك مسلك الهزيمة والفناء، وتوفرت وتكاملت عنده عبر الزمن أسباب وعوامل الانهزام والسقوط. وبالمثل نقول إن المنتصر، ما انتصر إلا لأنه اتبع قوانين وسنن النصر وكسب الآخرين. التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم. ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم. فنحن خير منكم. نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فأنزل الله (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ). أنزل الله القول الفصل في هذا الأمر، وبين لنا نحن المسلمين أنه ليس فضل الدين وشرفه، ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم، إن ديني أفضل وأكمل. بل عليه أن يعمل بما يهديه إليه، فإن الجزاء إنما يكون على العمل، لا على التمني والغرور. فليس أمر نجاتكم ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطاً بالأماني في الدين، فالأديان لم تُشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بالانتساب إليها دون العمل بها، كما جاء في تفسير المراغي. وللإمام ابن تيمية قول مأثور يوضح لك هذا الأمر على مستوى أعم وأكبر من العمل الفردي، وهو أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. سنن الله في عباده وأرضه هذه الحياة الدنيا تسير وفق قوانين وسنن إلهية، لا تفرق بين شخص وآخر وفق عقيدته أو شكله أو عرقه؛ المعيار ها هنا هو العمل الصالح والصحيح. فالصالح يُقصد به كل عمل يعود بالنفع على عامله والآخرين، والصحيح يُقصد به ما كان وفق قوانين وسنن الله في عباده وأرضه. عودة للمثال الذي بدأنا الحديث عنه وهو سقوط بغداد على أيدي المغول، نقول بأن أسباب السقوط والهزيمة توفرت وساهمت في سقوط الخلافة العباسية، وأبرزها الفساد والترف، ثم الظلم وغياب العدالة، وهي كلها تناقض قوانين وسنن الله في عباده وأرضه. وقد تكرر الأمر مرة أخرى وتوفرت أسباب الزوال عند دولة السلاجقة العظيمة، التي لم تدرس زوال الإمبراطورية العباسية بشكل مستفيض، فانهارت وتفككت حتى قامت على إثرها الإمبراطورية العثمانية، التي كانت قد بدأت تسلك مسالك العدل ومنع الظلم ومناصرة المظلومين، ولم تكن تعيش أجواء الترف والفساد كسابقتها من الدول والإمبراطوريات الإسلامية، فحكمت مساحات شاسعة وملايين البشر، واستمرت أكثر من ستة قرون، حتى بدأت في مخالفة سنن وقوانين الله في أرضه وعباده، فحدث لها ما حدث. خلاصة الحديث التاريخ ندرسه لتجنب تكرار ما حدث للأولين، أو هكذا هو الأصل في التعامل مع أحداثه، والتي هي أشبه بقوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات. فلا يمكن مثلاً، أن يتكون الماء إلا باتحاد ذرتي هيدروجين مع ذرة واحدة من الأكسجين، وأي تلاعب في الكميات أو مخالفة تلك المعادلة الكيميائية، فلن يظهر لك ماء، بل لا تنتظره أبداً. وبالمثل مع التاريخ. فكلما احترمت قوانين وسنن الله في أرضه وعباده، كان الله معك، وحققت ما تروم إليه، والعكس صحيح دون أدنى ريب. التاريخ ندرسه ونستقرئ أحداثه لأجل فهم أفضل للواقع أو الحاضر، ولأجل استشراف أوضح وأدق للمستقبل. حين ندرس أسباب وعوامل زوال الإمبراطوريات المختلفة، الإسلامية وغيرها، فلأجل أن نسقطها على واقعنا اليوم أولاً، فنعالج ما يمكن معالجته قبل أن يتكرر ويعيد التاريخ نفسه. ولأجل أن نمنع ثانياً، ظهور مسببات الهزيمة والسقوط والزوال، ونعمل على صناعة أسباب النهوض والنصر. وهذا هو بكل اختصار، المنهج المعتدل في التعامل مع أحداث التاريخ دون مزيد تفصيلات وكثير شروحات. abdulla.emadi@gmail.com
2947
| 17 مارس 2022
يقال بأن القط إن حَشَرْته في زاوية، فإنه تلقائياً من باب استشعار الخطر، يبدأ بمهاجمتك وإن كنت في وضع أفضل منه، وتملك أدوات القوة. المسألة في حساباته هو، حياة أو موت. وهذا الأمر له مثيل في عالم البشر الذي لا يختلف عن عالم الحيوان في مسائل الدفاع والخروج من المآزق بأي ثمن. لاحظ مثلاً في عالم السياسة وتحديداً في مسائل التفاوض، أن خصمك حين تحشره في زاوية ضيقة، ثم لا يجد طريقة يخرج منها سوى بمهاجمتك وإلحاق الضرر بك، فإنه لن يتوانى لحظة في تحقيق ذلك، والسبب هو أنت دون أدنى شك. لذا ينصح خبراء السياسة وفن التفاوض، ألا يدفع المرء خصمه إلى أصعب الخيارات، لأنه في سبيل تحرير نفسه من الورطة، سيلجأ إلى كل ما يحقق له ذلك من وسائل وحيل، ولو كانت نسبة المخاطرة كبيرة. الخاسر في الموقف السابق ليس خصمك الذي دفعته إلى تلك الزاوية فحسب، بل أنت كذلك ستخسر بدرجة وأخرى، والحكمة بالتالي تقتضي عند التفاوض، أن تقلل نسبة الخسائر قدر المستطاع، وإحدى وسائل تقليل الخسائر هي ألا تحشر الخصم في موضع، لا يجد مهرباً أو مفراً أو طريقة إلا بفك نفسه من الورطة التي دفعته أنت إليها، حتى لو كانت نسبة نجاحه ضئيلة، لكنها في حساباته أفضل من خسارة الموقف تماماً. هذه المقدمة شبه الطويلة، أحببت البدء بها بعد أن أثار الدكتور محمد المسفر، أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة قطر، مشكلة شراء الأبحاث والواجبات الأكاديمية المنتشرة بين كثيرين من طلاب وطالبات الجامعة، وعرج إلى أساس المشكلة وطالب بمناقشتها ووضع الحلول الناجعة. الأبحاث المعلبة حين يطلب أستاذ من طلابه في مادة ما، تقديم بحث أو أكثر خلال الفصل كجزء من عملية التقييم، التي هو نفسه ربما يكون غير مقتنع بها لكنه ينفذ تعليمات وتوجيهات أعلى، فإنما هو وبقية زملائه من طاقم الهيئة التعليمية بالجامعة، يدفعون الطلاب دفعاً إلى زاوية ضيقة، كما المثال الذي بدأنا به المقال. أي طالب في الجامعة لا تقل المواد التي يسجلها بالفصل الواحد عن أربعة أو أكثر. فإن كان مطالباً بإعداد أبحاث لكل مادة، مع التزاماته الأخرى كالواجبات والمشاريع المطلوبة في غالبية المواد، فضلاً عن الاختبارات، فتأكد أنك كأستاذ مادة مع بقية زملائك، حشرتم هذا الطالب في زاوية لا يجد مهرباً للخلاص سوى الاستعانة بالغير، كوسيلة من وسائل الخلاص. والغير ها هنا متمثل في مكاتب أو أفراد يقومون بإعداد المطلوب من الأبحاث والواجبات، ولكل عمل ثمنه. وهكذا القصة تبدأ والتي لا تزال مستمرة. المحصلة النهائية هي أن الطالب لم يستفد من الأبحاث كما يأمل الأستاذ، والذي هو نفسه لا يملك رفاهية الوقت للاطلاع على أبحاث طلابه، الذين ربما يفوق عددهم المائة طالب في الفصل الواحد. فأي قدرة عند هذا الأستاذ أو غيره لمطالعة مائة بحث، بالإضافة إلى واجبات أخرى طلبها من تلاميذه، وواجبات أخرى عليه تجاه التحضير والإلقاء والنقاش وإعداد الاختبارات وغيرها من مهام، وبالتالي أمام هذا الضغط الكمي لا النوعي على الأستاذ وطلابه، لن يكون مستغرباً أبداً ألا يجيد الطالب الجامعي بعد التخرج، أساسيات الكتابة أو إعداد البحوث والدراسات. فمن الخاسر ها هنا؟ إنه ليس الطالب فحسب، بل الجامعة كذلك أو سمعتها الأكاديمية، ويدخل ضمن نطاق الخسارة أيضاً الأستاذ، لأنه لم يجد الوقت الكافي لأن يبدع في تقديم مادته كما يجب، وبمعنى آخر، الجميع خاسر. من هنا نجد أن عملية التقييم في الجامعة لابد من أن يُعاد النظر فيها. والأفضل في رأيي أن يُترك التقييم لأستاذ المادة. يوزع الدرجات كما يشاء، فإن لكل أستاذ فلسفته وأسلوبه في تقييم طلابه، وكل مادة تختلف عن الأخرى، وبالتالي التقييم الذي يصلح لمادة ما، ليس شرطاً أن يكون كذلك لمادة أخرى، بل ليس شرطاً كذلك أن تكون الاختبارات التقليدية من شروط التقييم. لابد من تحديث وتطوير أساليب وطرائق التقييم. الحاصل الآن، أن كثيرين من طلاب الجامعة هدفهم الأول والرئيسي، معرفة نسب الاختبارات ضمن عملية التقييم، بل إن أول ما يسأل الطلاب عنها منذ اليوم الأول هي الاختبارات ودرجاتها، وأي جزئية ملغية أو لا تشملها الاختبارات، وغيرها من أسئلة تدل غالبيتها على أن هم الطالب الرئيسي في الجامعة صار هو الدرجة، وليس أن يتعلم! اختبارات المدارس ضمن سياق الحديث عن عملية التقييم بالجامعة، ربما أجد الوقت مناسباً أن يشمل حديثنا اليوم عملية التقييم بالمدارس أيضاً، وخاصة أننا في نهاية أسبوع اختبارات منتصف الفصل الدراسي الثاني، حيث أجد أن عملية التقييم بالمدارس تحتاج إعادة نظر، وتعديل فلسفتها. وقد سبق أن كتبت حول الأمر مراراً وتكراراً كما كتب غيري، لكن لا أثر واضحاً على ما يبدو من كل ما سبق! الحاصل الآن ومنذ عقود عدة، على رغم تطور التعليم وتقنياته ووسائله، وتطور العالم من حولنا بثورة الاتصالات والمعلومات، نجد أن التقييم لا زال كما هو لم يتغير إلا قليلا، دون استثمار فعلي في مسألة التقييم لمسألتي التقنية ووفرة المعلومات، التي تجتاح العالم منذ أكثر من عقد من الزمان. حتى تكون الصورة واضحة لما أروم إليه، خذ مثالاً مادة الاجتماعيات للمرحلة الإعدادية على سبيل المثال، لا الحصر. تجد أن كمية المعلومات في تلك المادة كبيرة، وبالتالي صار من يحفظ أكثر، يحصد درجات أكبر، بغض النظر إن كان الحفظ عن فهم ودراية أم لا. الاختبارات ها هنا تقيّم قوة ذاكرة الطالب، وقدرته في حفظ أزمنة الأحداث، وحفظ أسماء الشخصيات والمدن والمواقع، وغيرها من معلومات، لا تستدعي الحفظ واستحضارها وقت الامتحان، وتعبئة الذاكرة البشرية بها، وهي متوفرة الآن في أي زمان وأي مكان؛ بمعنى أن الحصول عليها لا تستغرق ثوانيَ معدودة. لماذا يحفظ الطالب مثلاً نتائج الثورة الفرنسية ومتى كانت معركة العلمين أو وقت إنزال النورماندي أو معركة أوكيناوا وغيرها من أحداث تاريخية، ومعلومات أخرى دسمة في الجغرافيا ستكون جميعها حاضرة بكبسة زر في ثوانٍ قليلة. لماذا لا يكون التقييم على قدرة ومهارة الطالب في الوصول إلى المعلومة، والاستفادة منها في الإجابة على الأسئلة، عبر اختبارات ما يسمى بالكتاب المفتوح، أو الاستعانة بالإنترنت، وأن تكون نسبة أخرى من الدرجة لتقييمه -من بعد تدريبه- على مهارة تحليل الأحداث التاريخية بحسب مستواه التعليمي، وكتابة رأيه فيها، وغير ذلك من طرق وأساليب التقييم المختلفة التي تناسب هذا الجيل، أو الجيل الرقمي؟ الأمر ليس مقتصراً على مواد الاجتماعيات، بل يشمل كذلك اللغة العربية بتفصيلاتها في قواعد اللغة والبلاغة، التي -في رأيي- ما تزيد الطلاب غير مزيد ابتعاد عن لغتهم الأم ومزيد نفور، وتكون المحصلة بعد الثانوية: لا مهارة قراءة ولا كتابة ولا فهم أحياناً كثيرة! وقس على ذلك تقييمات العلوم الشرعية والعلوم العامة وغيرهما من مواد. لا أقصد إلغاء التقييمات أو الاختبارات، لكن تعديل الطرائق والأساليب، فما كان معمولاً به زمن ندرة الكتاب وندرة مصادر المعرفة، التي جعلت حفظ ما بين غلافي كتاب كل مادة من اللوازم الأساسية لاكتساب المعرفة. هذا الأمر لم يعد كذلك الآن في هذا القرن، أو مع هذا الجيل. لابد من مراعاة هذا التغيير الحاصل من حولنا مع أبنائنا. زمننا هذا لم يعد زمن حفظ معلومات واستحضارها وقت الاختبار. نعم لحفظ ما لابد منه كالقرآن والأحاديث وما يلزم الإنسان في عبادته. أما غير ذلك، فنحن نعيش زمن وفرة المعلومات، التي يمكن الوصول إليها بأقل جهد ممكن، وبالتالي نحتاج إلى تعليم وتوفير أداوت البحث لطلابنا، وكيفية الوصول للمعلومة وكيفية توظيفها، ومن ثم تقييمهم على تلك المهارات وما ينتج عنها، والموضوع في هذا يطول ويتشعب.. لتكن التقييمات إذن على المهارات المطلوبة لهذا العصر، مثل سرعة الوصول للمعلومة ودقتها وكيفية الاستفادة منها، بالإضافة إلى تعزيز ودعم وتطوير مهارات الكتابة والقراءة والتفكير والتحليل، ليس بعد دخول الطلاب إلى الجامعات فحسب، بل منذ نعومة أظفارهم في الابتدائية وما بعدها. ولعل كثير منكم عنده من الإضافات والأفكار والأطروحات في هذا الشأن، والتي أرجو العمل على نشرها وعرضها على المهتمين وأصحاب الشأن والقرار، لمناقشتها وتطويرها، كي تواكب وتوائم ما يجري حولنا في هذا العالم من تطور طال معظم مجالات الحياة. فلماذا لا يصل هذا التطوير إلى التعليم وطرائق التقييم بالمثل؟ سؤال يحتاج إلى إجابة شافية كافية.
6929
| 10 مارس 2022
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
11955
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...
2904
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...
1893
| 02 أبريل 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1584
| 31 مارس 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1329
| 31 مارس 2026
«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...
1299
| 02 أبريل 2026
حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...
1218
| 02 أبريل 2026
عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...
1209
| 02 أبريل 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
1071
| 30 مارس 2026
يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...
912
| 31 مارس 2026
لا يمكن الحديث عن إستراتيجيات العمل لدى هيئة...
846
| 30 مارس 2026
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...
825
| 01 أبريل 2026
مساحة إعلانية