رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كن عصامياً لا عظامياً

من قصص العرب قبل الإسلام، أن عاملاً متواضعاً يدعى عصام الجرمي كان في بلاط النعمان بن المنذر، ملك الحيرة وأشهر ملوك المناذرة، وقد استخدمه النعمان في قصره، بدأ عصام يتقرّب إلى الملك حتى أصبح بجهده وذكائه وتفانيه في خدمته، حاجباً له، وهكذا ظل يرتقي ويصعد إلى أن أصبح من أقرب المساعدين للنعمان، من بعد أن أثبت جدارته وحنكته الإدارية وشجاعته، حتى قال عنه الملك: "إن عصام بن شهبر الجرمي بألف جندي". ذاع صيت عصام بعد ذلك حتى صار من أعلام العرب في الجاهلية، حتى قال فيه النابغة الذبياني: نفسُ عِصامٍ سوّدتْ عِصاماً وعلّمتهُ الكــرّ والإقـدامـا وصيـّرتْهُ بطـلاً هُمـاما حتّى علا وجاوزَ الأقواما من هنا صار عصام مثلاً يُضرب للذي يعمل بجهده ويتفانى في عمله ويرتقي للمعالي، لا يعتمد في ترقياته وعلوه على آبائه وأجداده، حتى قالت العرب: كُن عصامياً ولا تكُن عظاميّاً؛ أي افخَر بنفسك وليس بعظام أجدادك، ذلك أن العظامي، الذي هو نقيض العصامي، أشبه بكائن طفيلي من تلك الطفيليات التي تعيش على أجساد الآخرين، دون أن يكون له أدنى جهد في دعم وبناء تلك الأجساد، إنه أيضاً في الوقت ذاته ذلكم الكائن المتسلق على سمعة وتاريخ الآخرين، وتحديداً الآباء والأجداد، وخصوصاً إن كانوا أهل شرف وسؤدد وتاريخ مجيد. هكذا العصامية النجاح، مثلما أنه نتيجة تخطيط سليم وعمل صحيح، فهو أيضا يمكن تحقيقه وصناعته دون كثير تأنٍ أو تخطيط طويل، بشرط وجود روح المغامرة والإقدام عند الشخص، ليتخذ قرارات حاسمة تحدث تغييرات جذرية ومهمة في حياته وربما حياة الآخرين، وتلك الروح هي إحدى مميزات العصاميين. القادة العظام أو العصاميون – إن صح وجاز لنا التعبير - الذين نقرأ ونطالع في سيرهم، تجد أن روح المغامرة كانت متعمقة وثابتة فيهم جعلتهم يقدمون على أمور، هي بالمنطق والعقل وبالحسابات الرياضية، مستحيلة وصعبة وتحتاج الكثير من الجهد والوقت والتخطيط. لكن بسبب تلك الروح الجريئة اختصروا الأزمان، وبالتالي أحدثوا التغيير على الأرض في صورة أبهرت كل من كانوا حولهم حينذاك، وأبهرت كذلك من أتوا وسيأتون في قادم الزمان. الإمكانات التي وهبها الخالق عز وجل للإنسان هائلة، ولو أنه استثمرها على الوجه الصحيح والأمثل، وبدأ يعي قدراته بعيداً عن أفعال وأمجاد الماضي من قبيل كان أبي أو كان جدي، فإنه لا شك سيجد نتيجة ذلك الوعي متمثلة في نتائج، سيراها أمامه إيجابية محمودة ومبهرة، والعكس صحيح لا ريب. اقرأوا إن شئتم في سير العظماء والمخترعين والمكتشفين، ستجدونهم أناساً عصاميين، بل ستجدون قصص حياتهم سلسلة من الكفاح والجهود المتواصلة، ليلاً ونهاراً، لا آباء في السيناريو ولا أجداد ولا غيرهم، بل هم أنفسهم، وجهودهم، ورؤاهم، وطموحاتهم. نماذج من العصاميين التاريخ يذكر أبا بكر الصديق ولا يذكر أباه، مثلما التاريخ يمجد الفاروق عمر وليس الخطاب، وبالمثل يمكن القول عن سيف الله المسلول ولا أثر لأبيه وأجداده، لقد أصابوا المجد بعصاميتهم ومثابرتهم وإقدامهم في الإسلام، لم يتكئ أحدهم على تاريخ آبائه وأجداده وقبيلته، فكانت نتيجة ذلك هو هذا المجد الذي أصابهم إلى ما شاء الله لهم أن يستمر. عمرو بن العاص نال المجد بعد أن دخل الإسلام وليس قبله، وقد كان أبوه من زعماء قريش، لكنه لم يفتخر به ولا بأجداده وقبيلته يوم أن قرر دخول الإسلام، ويطلب بسبب ذلك مثلاً، لقاءً خاصاً مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إنما طلب من الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، أن يسأل الله أن يغفر له ما كان منه قبل الإسلام، من أجل أن يبدأ صفحة جديدة يسطرها هو بنفسه وبجهده، ويبني نفسه ضمن إطار هذا الدين العظيم، لا يتفاخر بأصله وحسبه وأين كان هو وآباؤه وأجداده وقومه، فماذا كانت النتيجة بعد هذا؟ التاريخ يمجد سيرته إلى ما شاء الله أن يكون هذا المجد له، والفضل له بعد الله على كل مصري مسلم، أنه كان فاتح هذا البلد وأميره، فمن كان يدري ما تكون مصر عليه اليوم؟. لكن في الجانب الآخر، وفي الوقت الذي ما إن شعر أحد أبنائه أنه ابن أمير مصر وابن الأكرمين، وتفاخر بحسبه ونسبه وتعالى على أحد رعية والده في مصر من أهل الذمة، جاءته درة الفاروق عمر وأنزله منزلته، ولكن بعد أن جلب لنفسه وأبيه مشقة وحرجاً بسبب طريقة تفكيره العظامي. وبفعله ذاك، تجد أن التاريخ لا يذكره إلا في هذه القصة المخزية، بل أحسبُ أن كثيرين منكم لا يعرفون اسم هذا الولد، الذي أراد أن يبني مجده على حساب والده الصحابي الكريم عمرو بن العاص.. إنه نموذج من العظاميين الذين لا يرحب بهم التاريخ أبداً. حاول أن تسرح بذهنك وتتذكر أسماء عصامية مجّدها التاريخ، ستجد الكثيرين، اقرأ سيرة البخاري، وطالع قصة إسلام سلمان الفارسي وصهيب الرومي، وكذلك بلال الحبشي وغيرهم كثير كثير، وتأمل كيف أحدهم كان بدأ حياته من الصفر، لم يعتمد أحدهم على أب أو جد أو قبيلة.. اقرأ سير علماء ومخترعين مسلمين وغيرهم كذلك، تأمل كيف كان حال بائع الحلوى الفقير توماس أديسون ومثابرته حتى أصبح أشهر مخترعي العالم، ومثله إسحاق نيوتن، وبداياته المتعثرة وفقر أسرته، وانتقال تربيته من شخص إلى آخر حتى ثبت بعصاميته وإخلاصه في عمله، ليكون من أشهر علماء الرياضيات حتى يوم الناس هذا.. والأمثلة أكثر مما نحصيها في هذه المساحة المحدودة. خلاصة الحديث ذكرنا من ذي قبل، ونعيد التذكير كرة أخرى من أن الناس (كلهم آتيه يوم القيامة فردا) يحاسبهم على أعمالهم وما كسبت أيديهم، حيث لا قبيلة ولا عشيرة ولا عائلة، لا أحد تستفيد منه ولا أحد يفيدك (يوم يفـر المرء من أخيه وأمه وأبيه)، فكل أحد مشغول بنفسه، ولن يسأل الله أحدنا: من أبوك ومن جدك، بل من أنت وما عملك، وعلى هذا الأساس سينال كل منا نصيبه وأجره لأن (كل نفس بما كسبت رهينة).. وعلى هذا الأساس لابد أن يسير الناس في علاقاتهم فيما بينهم. إن كنت صاحب قرار في دنيا الناس، فلا يجب أن تنظر إلى الناس وفق المبدأ العظامي، من أبوه ومن جده ومن أي عائلة أو قبيلة أو ما شابه من معايير. لا، إنما الصحيح أن تنظر إلى الشخص بعيداً عن كل تلك المعايير التي لا معنى لها في موازين الله، وتراه وفق المبدأ العصامي، أنظر إلى رحلة حياته وكيف بدأ واجتهد ووصل، أنظر إلى عمله وجهده وكفاءته، وتأمل مهاراته وقدراته، واسأل عن أخلاقه وسمعته، ثم قرر له العمل المناسب والمهمة المناسبة والتقدير المناسب. على المنوال نفسه؛ إن كنت أنت الشخص وتنتظر أمراً من صاحب القرار، أياً كان منصبه، فلا يجب أن تتحدث معه أو تتعامل بالمنظار العظامي، فتحدثه عن آبائك، وأجدادك، وعائلتك، وقبيلتك، إنما الصحيح أن تتعامل مع صاحب القرار وفق المنظار العصامي، أطلب منه أن يرى سيرتك الذاتية، وجهدك، وعملك، لا تطلب تقديراً منه إكراماً لآبائك وأجدادك أو عائلتك أو قبيلتك، ليس هذا عدلاً ولا يجب أن تفكر بهذه العقلية الطفيلية، عقلية التسلق والوصول على أكتاف أو عظام الآباء والأجداد.. وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. abdulla.emadi@gmail.com

10562

| 09 سبتمبر 2021

سياسة الناس بين الترغيب والترهيب

على مدار التاريخ، ظهر قادة وزعماء، ساسوا بلدانهم وشعوبهم بطريقة وأخرى. تنوعت ما بين الترغيب والترهيب وما بينهما. نجح البعض في سياسة شعوبهم عبر أساليب الترغيب، فيما آخرون اتبعوا أساليب الترهيب، وفريق ثالث، مزج بين الأسلوبين. وقد كتب كثيرون حول أساليب قيادة الناس أو سياستهم، وظهرت نظريات في الإدارة والحكم كثيرة، يدرسها طلاب كليات الإدارة والسياسة في المعاهد والجامعات. لا شك أن سياسة الناس في مجتمع ما، تتطلب مهارات ومواصفات معينة لابد من توفرها في القادة والزعماء، أو من يقومون بمهام قيادة وتوجيه دفة حياة الناس وإدارتهم. والمجتمع البشري مر بمراحل عديدة وخاض تجارب مريرة في القيادة والإدارة، حتى انتهى إلى ما عليه اليوم من تنوع واضح بيّن. فتجد دول مؤسسات، وأخرى قمعية وثالثة تتراوح ما بين هذه وتلك. إن جئنا ننظر بشكل موجز إلى تلكم الأساليب، فنجد مثلاً حكومة ما، سواء كانت في دولة مؤسسية أم ما شابه ذلك، تقوم بممارسة قيادة وسياسة الناس عبر أسلوب الترغيب، أو إن صح وجاز لنا التعبير، أسلوب الطّرْق على وتر المنفعة الفردية للأشخاص، لاسيما المؤثرين منهم، وتمييزهم عن كثيرين بالهدايا، والعطايا، والمكانة، والوجاهة. وما تفعل تلك الحكومة ذلك إلا من أجل بسط سيطرتها ونفوذها على زمام الأمور عبر أولئك المنتفعين من هداياها وعطاياها، وصناعة ثقافة الأنانية في المجتمع. هذا أسلوب قديمٌ قدم التاريخ نفسه، ولكن مع ذلك لا يمكن التعويل عليه طويلاً، لأن له تاريخ صلاحية، بمعنى أنك قد تجد أولئك المنتفعين، ربما في لحظة تاريخية معينة، هم أول المنقلبين على من أكرمهم وأعطاهم وميّزهم عن الآخرين، بحثاً عن آخرين جدداً يضمنون استمرار سيناريو العطايا والهدايا ! وهذا أسلوب لا شك أنه لا يساعد البتة في بناء الدول، وإن كان يساعد في بناء الثروات لقلة قليلة منتفعة.. لكن بالمقابل يحدث أن تقوم حكومة ما لا تعرف للعمل المؤسسي أي معنى، أو لا تعترف بالمؤسسات أصلاً، وإن اعترفت بها فهي شكلية، حيث تجد السلطات فيها تتميز بأسلوب الترهيب، أو القهر والقسر في الإدارة وبسط النفوذ. حكومة لا تحتاج لصرف المال، بل عوضاً عن ذلك تهتم بتقوية الساعد والسلاح عبر مؤسسات أمنية متنوعة من أجل تحقيق تطلعاتها وسياساتها، والعمل على صناعة ثقافة الخوف في المجتمع، بحيث تظل تلك الثقافة مسيطرة على النفوس حيناً من الدهر غير قصير، تؤدي بالضرورة لنشوء حالة من استخفاف الحكومة بالناس، لدرجة أن يبدأ الناس بالطاعة والاستسلام اللاشعوري، أو ما يمكن تسمية تلك الحالة بالاستخفاف الفرعوني، كما في قصص القرآن عن هذا الطاغية أو النموذج الأبرز لمعنى الطغيان. فاستخف قومه فأطاعوه لقد كان الذي يحدث من فرعون تجاه شعبه، يمكن أن نطلق عليه بلغتنا المعاصرة (استهبال الناس) أو استخفاف عميق بعقولهم، عبر تمثيل بارع لأدوار متقنة منه وزبانيته، من بعد توجيه مصادر المعلومات التي تقع تحت سيطرتهم لتتحدث وتنطق بنفس العلم والحديث، وبأساليب فيها ترهيب ووعيد، حتى يعيش الناس ضمن إطار واحد من المعلومات بنفسية الخائف الذليل، لا يرون ولا يسمعون غيرها من معلومات، كي تسهل على فرعون عملية الاستخفاف بالناس، من أجل أن تثمر بعد ذلك على شكل طاعة شبه عمياء له. إن استخفاف الطغاة بالجماهير، كما يقول سيد قطب في ظلاله:" أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاؤون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين ". وعلى رغم قناعة تلك النوعية من الحكومات ببأس الجماهير وقوتها إذا انتفضت وثارت، وبدلاً من تجنب الخوض في معارك معها هنا وهناك، تجدها وقد دخلت في تنافس مع شعوبها في القوة واستعراض العضلات. وهذا يفسر لك عدم الاستقرار والتوتر الدائمين في تلك الدول والحكومات. أما السلطات الحاكمة في كثير من دول " المؤسسات " التي تتنبه مبكراً إلى قوة الرأي العام أو الجماهير أو الشارع، فإنها تتخذ التعامل الذكي أو السياسي، منهج علاقة مع الجماهير قدر المستطاع، سواء عبر الوعود الدبلوماسية المنمقة الراقية، أو بتنفيذ بعض مطالب الشارع فعلياً، وتتجنب في الوقت ذاته الخوض في مسائل من شأنها إثارة الرأي العام ضدها والتي قد تؤدي إلى عدم استقرارها وأحياناً سقوطها. هذا المنهج الدبلوماسي يضمن لها أن تستمر في سياسة بسط النفوذ، ولكن بشكل ذكي متدرج وهادئ. من هنا نجد أن في الدولة المؤسسية، على رغم أنها لا تختلف كثيراً عن الدول القمعية بنسبة ما في مسألة بسط النفوذ، من مزاياها وجود جماهير واعية بنسبة مقبولة أيضاً، وتكون غالباً ذات قوة وتأثير كبيرين عليها، بحيث يمكنها تحقيق نوع من التوازن بينها وبين حكوماتها إلى أطول فترة ممكنة، والتخفيف من سطوتها، وإن بدت في سلوكياتها وتعاملاتها أنها عادلة. الجماهير قوة كامنة الجماهير، كما يفهم ذلك علماء الاجتماع، قوة كامنة هائلة يمكن أن تتحول إلى ضاربة مؤثرة، لو كانت على قلب رجل واحد، أو بمعنى أدق، لو أنها تتحرك لتحقيق مشترك ما تجتمع الغالبية عليه. فالجماهير، كما في نماذج الثورات في أي مكان بالعالم، هي التي غالباً ما تقرر مستقبلها وتنقلب على حكوماتها، إن رأت منها الظلم والتعسف، ولكن بشرط أن تجتمع على أهداف محددة لا تتنازع بينها، فتضيع قوتها الكامنة وتتشرذم، ويسهل بالتالي القضاء عليها. مما ساعد بعض الدول عبر التاريخ أن تسود العالم أو أجزاء واسعة منه حيناً من الدهر، وجود ذاك النوع من التفاهم بين القادة وشعوبهم. تفاهمٌ كان من مظاهره ألا يجد الرئيس نفسه مميزاً عن رعيته، بل هو يعمل عندهم ولصالحهم. يراقبون أفعاله وأقواله. يسدون النصح والمشورة له، كي يسوسهم بالعدل، ويقودهم إلى بر الأمان، لا يظلمهم ولا يظلمونه. له السمع والطاعة، ما أطاع الله فيهم. يستمع إليهم ويستمعون إليه، " فلا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها " أو نسمعها، كما جاء في قصة الفاروق عمر مع أحد رعيته. بذلك النوع من التفاهم بين الراعي ورعيته، تستمر الدول وتسود وتزدهر، وتنشر الخير لشعبها والشعوب الأخرى المحيطة وربما أبعد. لكن ما إن يدب النزاع والشقاق بين الطرفين لأي سبب من الأسباب، وتنتشر ثقافة الأنانية والفردية في المجتمع، أو ثقافة القمع والترهيب والخوف، فإن الزمن سيتوقف في تلك الدولة لا محالة، حتى تغير ما بها أو تنتظر مآلات غياب العدل وانتشار الظلم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. abdulla.emadi@gmail.com

13929

| 02 سبتمبر 2021

اليوم أرفعُ نسبي وأضعُ نسبكم !

إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي: ألا إني جعلتُ نسباً، وجعلتم نسباً، فجعلتُ أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلانٌ بن فلانٍ خيرٌ من فلانٍ بن فلانٍ دعوها فإنها منتنة.. ما الذي يأمرنا به - صلى الله عليه وسلم - أن ندعها بسبب نتانتها وقبحها؟ ومعلوم أن الرسول الكريم لا ينهانا عن شيء إلا لقبحه وتبعاته الضارة المضرة علينا وعلى من حولنا، ولا شك أنها فعلة لا تستحق من الإنسان القيام بها، فضلاً عن الاقتراب منها، وإلا فإن قذاراتها وسوءاتها ستصيبه بصورة وأخرى. قام رجل من المهاجرين في المدينة في لحظة ضعف، بضرب رجل من الأنصار لخلاف وقع بينهما، فما كان من الأنصاري سوى أن قام ونادى: يا للأنصار، فما كان من المهاجري إلا أن قام بدوره ونادى بالمثل: يا للمهاجرين، حتى اجتمع المهاجرون والأنصار، كل فئة صوب من ناداها، حتى وصل الأمر سريعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أتى مسرعاً لموقع الجمهرة، وقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا: يا رسول الله: ضرب رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال - صلى الله عليه وسلم -: دعوها فإنها منتنة.. إنه إذن فعل التفاخر بالأنساب. هل انتهى الأمر سريعاً ؟ لا، لم ينته الأمر. فقد سمع رأس النفاق يومئذ، عبدالله بن أُبي بن سلول بما حدث بين الأنصاري والمهاجري، ووجدها فرصة لإيقاظ النعرات القبلية، فقال: فعلوها؟ ويقصد المهاجرين الذين - بحسب زعمه وعقليته العنصرية - زاحموا سكان المدينة في خيراتهم وأرضهم، فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل. ويقصد بالأعز نفسه ومن معه من قومه، والأذل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم – والمهاجرين. فبلغ كلامه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان معه الفاروق - رضي الله عنه - فقام من فوره وقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن منطلق روح المسؤولية: دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. لم يستخدم النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - صلاحياته كرئيس للدولة من أجل ردع رأس المنافقين يومها، إذ كان من الممكن أن يؤدي قتله أو أي نوع من التأديب، إلى فتنة عظيمة بين المسلمين وهم بعدُ في بداية بناء الدولة. فلماذا وهو رئيس الدولة يومها، لم يستخدم صلاحياته؟ الجواب بكل اختصار ووضوح: لأنه نبي ورسول أولاً، ثم هو صاحب دعوة ثانياً. أما ثالثاً، فقد كان يرى ما لا يراه كثيرون حوله، وهو المؤيد من السماء بوحي لا ينقطع. إذ ربما في تلك الحادثة، رأى ما هو أهم من قطع عنق منافق سيهلل الجميع لموته. لكنه واضح أنه رأى تغليب المصلحة العامة على الخاصة. رأى أهمية تماسك الصف المسلم في ذلك الوقت، وأنه الأنفع للأمة من تغييب شخص واحد وإن كان سيئاً مؤذيا. وجعلناكم شعوباً وقبائل تلك القصة تدعونا للعروج إلى أصل الموضوع مدار حديثنا اليوم. فبعد أن قبّح الله فعل الغيبة كما جاء في سورة الحجرات ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ). أرجعنا سبحانه إلى نقطة البداية، وأنه سبحانه خلق الناس جميعاً من أصل واحد، وإنْ تفرّق الناسُ بعد ذلك إلى شعوب وقبائل وعشائر وعائلات وما دون ذلك. لا أحد بمقدوره الزعم والادعاء أنه يختلف عن الآخر في الأصل، كما في الحديث الشريف (كلكم بنو آدم، وآدم خُلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعلان). يُفهم من هذا أن الدين يمقت العصبية للجنس، أو للأرض، أو للقبيلة، أو للعشيرة، أو للعائلة. كلها عصبيات لا يمكن وصفها إلا بالجاهلية التي جاء الإسلام يحاربها منذ ظهوره على أرض الجزيرة العربية، من أجل تكون فقط راية الله هي العليا، لا راية أخرى تعلوها. يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.. نداء إلهي للناس جميعاً أنهم من أصل واحد، وأنه ما خلقهم شعوباً وقبائل إلا للتعارف وليس الخصام والتناحر – كما جاء في ظلال القرآن – " إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله. إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس ". إن أكرمكم عند الله أتقاكم إنه الميزان الإلهي العادل. " فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء – كما جاء في تفسير ابن كثير - وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ; ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا، منبهاً على تساويهم في البشرية ". إن أكرمكم عند الله أتقاكم. لم يقل أغناكم ولا أعلمكم ولا أكثركم وجاهة وحسباً ونسباً وقوة، بل أتقاكم. ففي فتح مكة، خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس وهو على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال:" يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبيّة الجاهلية (أي الكبر والتفاخر)، وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجلٌ بر تقي كريم على الله، وفاجرٌ شقي هيّن على الله. إن الناس يوم القيامة يتفاضلون بينهم بالتقوى ليس غيرها. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي: ألا إني جعلتُ نسباً، وجعلتم نسباً، فجعلتُ أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلانٌ بن فلانٍ خيرٌ من فلانٍ بن فلانٍ، فاليوم أرفعُ نسبي وأضعُ نسبكم، أين المتقون ؟ خلاصة الحديث كلما عززنا العمل بالميزان الإلهي الدقيق العادل في تقييم الناس وتفضيلهم على بعض، كلما ساد العدل والأمن والأمان في المجتمعات، وضعفت الروح الجاهلية من أن تتعاظم وتسود من جديد. فالتضحيات التي قدمها رسولنا الكريم وصحبه الكرام ما كانت إلا لتحقيق العدالة بين الناس، ودفن الجاهليات والعصبيات، والحيلولة أن تقوم من جديد في أي مكان وأي زمان، وأهمية التذكير دوماً بالأصل والمنشأ، وأن الناس ( كلهم آتيه يوم القيامة فردا) فلن يكون مع المرء منا يوم أن نقف بين يدي الله، لا قبيلة ولا عشيرة ولا عائلة، ولن يبادر رئيس ولا زعيم الدفاع عنا، ولا جمعيات حقوق إنسان ولا هيئة أمم.. أنت وعملك. لا تقل إنك فلان بن علان من القبيلة الفلانية الشريفة الرفيعة.. لو كان ذلك نافعاً، لنفع عم الرسول – صلى الله عليه وسلم – أبا طالب، وهو القرشي الهاشمي ذو الحسب والنسب.. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم.. ودعوها فإنها منتنة. رسالتان موجزتان تنفع التذكير بهما وقت الضجيج الجاهلي، في أي زمان وأي مكان. نعم، لم آت بجديد اليوم، لكن أحسبُ أنه نوع من الذكرى التي أرجو الله أن تنفع المؤمنين. abdulla.emadi@gmail.com

25626

| 26 أغسطس 2021

الشورى بين التعيين والانتخاب

للأسبوع الثاني على التوالي، لا حديث في المجالس ووسائل التواصل إلا عن مجلس الشورى والربكة التي أثارت نقاشات وحوارات وسجالات لا تزال ساخنة لم تهدأ، ولا مؤشر على أنها إلى الهدوء تقترب، إلا بزوال سبب الربكة، وهو دون شك بعض شروط الانتخاب والترشح المبنية على قانون الجنسية لعام 2005. المجتمع منذ أن ظهرت الكشوف الأولية للناخبين، انقسم على نفسه، في مشهد غير مألوف، لاسيما بعد ثلاث سنوات ملحمية – إن صح التعبير – هي فترة الحصار الجائر، اختفت خلالها القبلية بمفهومها الجاهلي، وحلت مكانها المواطنة الحقة، بعد أن بدأت الروح القبلية تطل برأسها شيئاً فشيئاً بعد سنة وأخرى خلال احتفالات اليوم الوطني، حتى صدرت توجيهات غاية في الحكمة، بإلغاء كل مظهر في اليوم الوطني يعزز روح الانقسام والتفاخر القبلي على حساب المواطنة، التي وإن لم تكن ظاهرة بشكل مباشر واضح، لكن مظاهر الاحتفالات والإنفاق غير المبرر عليها، كانت توحي بأنها أشبه بانفعالات بركانية توشك في أي لحظة أن يتم استغلالها بشكل سيئ، فتنفجر ويتضرر الجميع من حممها. وتم تدارك الأمر بذكاء وحكمة ولله الحمد. رب ضارة نافعة كلمات قالها سمو الأمير أثناء الحصار الغاشم. فلقد كان من أبرز منافع الحصار أن توحدت القلوب والكلمات، وصار الجميع يتصرف بروح واحدة أو قبيلة واحدة، لا فرق بين البدوي والحضري، ولا سنة أو شيعة، أو حتى بين المواطن والمقيم في مشهد نادر. هكذا كانت الصورة وهكذا كان المجتمع، الذي لم تترك دول الحصار وسيلة أو أداة لتمزيق ذاك التلاحم العجيب، إلا واستخدمته، فكان التصدي الجماعي لها بفضل الله رائعاً ومشهودا. لكن ما إن بدأت الاستعدادات لتفعيل وتجسيد مشروع مجلس شورى منتخب على أرض الواقع، حتى بدأت أصوات متنوعة تحذر من وجود بعض الإشكاليات التي ربما تعرقل أو تؤخر مسيرة المشروع، ولابد تبعاً لذلك من معالجتها قبل تجسيدها على أرض الواقع، منها توزيع الدوائر الانتخابية كإشكالية أولى، بحيث لا تكون على أساس قبلي أو ما سمي بالعنوان الدائم، وإنما يكون بحسب العنوان الوطني. ثم الإشكالية الثانية تمثلت في شروط الانتخاب والترشح، وظهور مصطلح تداوله الناس بطريقتهم وقد بدا عليه بعض الغموض، والخشية من تعدد تفسيراته، وبالتالي تنوع تبعاته وتأثيراته، وهو تصنيف المواطنين إلى أصلي وغير أصلي!. تلك التخوفات، التي أكاد أزعم أنها لم تؤخذ بالجدية الكافية حتى جاء أسبوع تسجيل الناخبين، الذي كان وفق تقنيات العصر، رائعاً وميسراً، أفاض حماسة بالغة بالنفوس تجاه التجربة. لكن حدث ما كانت الأصوات المنادية تخشاه في وقت سابق، وطالبت بضرورة معالجته قبل البدء به. صارت مسألة استلام رسائل القبول كناخب أو عدمه، حديث المجتمع، وصار الغموض سيد الموقف، والتساؤلات زادت: لم وصلت رسالة القبول لهذا ولم تصلني، ولم الابن يصله القبول والأب لا يصله، بل الأخ في العائلة الواحدة تصله الرسالة وأخيه الآخر لا تصله ! وحدث ما حدث خلال أسبوع واحد ساخن غير مسبوق، في مجتمعٍ لا زالت مشاهد الحصار والتلاحم بين أفراده عالقة وطرية بالأذهان. أساس الإشكالية في أيام قليلة، وبدلاً من أن ينشغل الناس بالخطوة التالية المتمثلة في فترة الترشيحات، واختيار مرشحيهم، والتعرف على أهدافهم، وخططهم للمجلس، تحولت الاهتمامات ناحية قضية أخرى خلقت توترات ومشكلات، أحسبُ أن المجتمع، بل الحكومة كلها في غنى تام عنها. تلكم هو قانون الجنسية رقم 38 لعام 2005 الذي جذب اهتمام المجتمع بشكل ملحوظ وكأنه صدر بالأمس، مؤثراً بذلك على مشروع الشورى، والأجواء الإيجابية المأمولة لتطبيقه. ولقد أفاض كثيرون من أهل القانون في بيان ما تسبب به القانون الجديد من إشكاليات، لا نريد التوسع فيها كثيراً، لكن نذكر منها ما جاء في دراسة للدكتور حسن السيد، أستاذ القانون في جامعة قطر ما ملخصه أن " الدستور القطري منح أحكام الجنسية القطرية الصفة الدستورية، التي لحقت بقانون الجنسية رقم 2 لسنة 1961 لكونه كان سارياً ونافذاً وقت بدء العمل بالدستور، ولم يلغ بل أبقى الدستور العمل به استناداً للمادة 143 منه. لذا فإن قيام المشرع العادي، بعد ستة أشهر من العمل بالدستور القطري بإصدار قانون جديد للجنسية يحمل رقم 38 لسنة 2005، وإلغاء قانون لحقت بأحكامه الصفة الدستورية، فيه مخالفة للدستور، وذلك لصدور القانون الجديد قبل انتهاء الفترة الزمنية التي حظر فيها المشرع الدستوري المساس بأحكام القانون القديم، وهي عشر سنوات من تاريخ بدء العمل بالدستور. ولما كان قانون الجنسية الجديد قد أتى بأحكام جديدة ضيّق بها من نطاق تمتع فئات محددة من المواطنين بالحقوق السياسية، فإن بطلانه سوف يؤثر إيجاباً على تمتعهم بهذه الحقوق، إذ سوف يسري عليهم ما قرره القانون السابق في هذا الصدد، ومنه على سبيل المثال تمتع أبناء المتجنس بالجنسية القطرية المولودين بعد اكتساب والدهم لها، بحقي الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس الشورى القطري، وهو الأمر الذي يحرمهم منه قانون الجنسية القطري الجديد ". خطوات عملية لأن مشروع الشورى هو منحة من سمو الأمير لشعبه، ورغبة منه في بناء مؤسسات صلبة ديمقراطية في البلاد، فإن الحكمة بالتالي تقتضي ها هنا ألا تتحول المنحة بقدرة قادر إلى محنة. ذلك أن ما جرى خلال الأيام الفائتة كما أسلفنا الحديث حوله، مؤشر - لو لم تتم معالجة بعض الأخطاء سريعاً - إلى احتمالية كبيرة أن تتحول المنحة الجميلة إلى محنة، تجعل غالبية المجتمع يعيش في قلق على المستقبل، بل يتطلع إلى ما كان عليه الوضع التشريعي سابقاً، وربما يبدأ يتساءل عن الداعي لتحويل الشورى إلى مجلس منتخب، إن كانت تبعاته تؤثر على أمن واستقرار المجتمع، وخاصة أن هذا المجلس كان قائماً على التعيين منذ أن ظهر، وعلى أساس قبلي متوازن مدروس، ورغم ذلك لم يجد المجتمع منه ضوضاء ولا إزعاجا، ولا ينكر أحد جهود المجلس في كثير من الموضوعات والقضايا التي ناقشها على مدار تاريخه، حتى وإن لم تكن بعضها على المستوى المأمول، فلا يقلل ذلك أبداً من جهود الأعضاء السابقين، الذين كان اختيارهم، بالإضافة إلى المعيار القبلي كنوع من التوازن ومشاركة القبائل والعائلات في سن التشريعات والقوانين إلى جانب مؤسسة الحكم، كان أيضاً على أسس ومعايير متنوعة، لها أصل في تاريخ الحكم العربي الإسلامي. وقد عُرف عن كثير من الخلفاء اختيارهم لمجالس شورى كانت تعينهم على الحكم وإدارة البلاد والعباد، وكانت اختياراتهم من أهل الدراية والكفاية وأصحاب العلم والخبرات المتنوعة. وأحسبُ أن هذا التقليد هو الذي كان سائداً في قطر منذ أن ظهر مجلس الشورى. ولا شيء يعيبه إن استمر كذلك إلى حين آخر من الزمن. من هنا وحتى لا نطيل الحديث أكثر، نجد أولاً أهمية نزع فتيل أزمة - نرجو ألا تتطور أبداً - والمتمثلة في قانون الجنسية رقم 38 لعام 2005 والبناء على ما كان عليه الوضع بحسب قانون رقم 2 لسنة 1961 الذي به ستنتهي كل ما رأيناه فجأة خلال الأيام الفائتة، وأكاد أجزم أنه سيكون سبباً لعودة التلاحم والتماسك بين أفراد المجتمع كما كان زمن الحصار تحديداً. وبهذا القانون أيضاً، لن يختلف أحد على مسألة الانتخاب والترشح، بل سنكون في مصاف الديمقراطيات العريقة في العالم، التي لا تجد في شروط الانتخاب والترشيح فيها يختلف عن الذي جاء في قانون 1961 في قطر.. خذ بعض الأمثلة على ذلك: في الولايات المتحدة مثلاً، لا تتسم شروط الترشح لعضوية الكونجرس بأي تعقيد، منها أن يكون المرشح يحمل الجنسية الأمريكية مدة سبعة أعوام على الأقل، ويكون قد تجاوز عمره 25 عاماً، وبشرط أن يكون مقيماً في المقاطعة أو الولاية التي سيترشح عنها. وفي بريطانيا يجب أن يكون المرشح حاملاً للجنسية البريطانية التي يحصل عليها بالولادة أو عن طريق التجنس بعد خمس سنوات من الإقامة في البلد، أو بعد ثلاث سنوات من الإقامة فيها بشرط الزواج من إحدى مواطنات المملكة المتحدة، وألا يقل عمره عن 18 عاماً. أما في فرنسا فالوضع لا يختلف، حيث يترشح كل من يحمل الجنسية الفرنسية التي يكون قد حصل عليها بالولادة أو بالزواج من مواطنة فرنسية أو بالإقامة في الأراضي الفرنسية لمدة خمس سنوات على الأقل، وألا يقل عمره عن 23 عاما. والأمثلة أكثر مما يتسع المقام هنا لذكرها. التدرج والرفق في البناء يمكن ثانياً تلخيص الموضوع والقول بأن التدرج مطلوب في بناء المؤسسات الديمقراطية، وليس شرطاً البدء بهذا النوع من الحكم والإدارة عبر القفز سريعاً إلى أكبر المؤسسات التشريعية وهي مجلس الشورى. فكما بدأنا منذ عشرين عاماً بمجلس بلدي منتخب بالكامل، يمكن الآن تعزيز ثقافة الديمقراطية فيما هو قائم من كيانات ومؤسسات، والتوسع التدريجي في سن قوانين وتشريعات تسمح بإقامة الجمعيات أو النقابات المهنية مثلاً، كجمعية أو نقابة معلمين وأطباء ومهندسين ومحامين وغيرها من المهن، بالإضافة إلى الاتحادات الرياضية في الأندية مثلاً، والاتحادات الطلابية في الجامعات وغيرها كثير. بحيث تكون تلك الكيانات بمثابة مدارس يتعلم فيها أفراد المجتمع في مختلف الأعمار، منظومة وثقافة الديمقراطية، التي تشتمل على حرية التعبير والاختلاف وقبول الآخر والعمل الجماعي، والمراقبة والمساءلة وغيرها من قيم الديمقراطية التي تتناسب وقيمنا وثقافتنا العربية الإسلامية. هكذا نكون دخلنا في عمليات البناء المؤسسي والديمقراطي بشكل متدرج، كما يحكي التاريخ كيفية ظهور الديمقراطيات العريقة في العالم والتي أخذت وقتها الكافي للنضج والبدء في قطف الثمار. لا نريد الاستعجال في البناء ولا التشدد في تفاصيله، حيث الشيطان يعيش، بل نريد الرفق والتدرج في الأمر. وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - في الرفق قال: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. وفي صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه ". والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. abdulla.emadi@gmail.com

8664

| 19 أغسطس 2021

الفاروق عـمر.. كلية إدارة وأركان إستراتيجية

يتحدث "ويليم موير" المستشرق الاسكتلندي في كتابه (حياة محمد وتاريخ الإسلام حتى عصر الهجرة) عن الفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– قائلاً: "كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر، وأظهر ما اتصفت به إدارته، عدم التحيّز، وكان يقدّر المسؤولية حق قدرها وكان شعوره بالعدل قوياً، ولم يحابِ أحداً في اختيار عماله، مع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال، حتى قيل إن درّة عمر أشد من سيف غيره، إلا أنه كان رقيق القلب وكانت له أعمال سجلت له شفقته على الأرامل والأيتام.. تلك شهادة من مئات شهادات غير المسلمين في حق الفاروق عمر، والتي لم تأتِ من فراغ، بل بعد دراسة مستفيضة لحياة رجل عظيم في تاريخ الإسلام القديم والحديث.. إنك حين تقترب أكثر فأكثر من شخصية وقامة عظيمة مثل الفاروق عمر، ستجد أنه جمع الأضداد في شخصيته. تجده قمة في الشدة في موقف ما، لا يلبث أن تراه يجسّد أعمق معاني الرقة والرحمة في موقف بعده.. وقد تجده بركاناً فائراً حين يرى حرمات الله تُنتهك، ثم يذرف دموعاً غزيرة لمجرد إحساس بالتقصير تجاه أحد رعيته، حتى وإن لم يقصّر فعلياً في نظر من حوله، باعتبار أن معاييره ونظرته للأمور كشخص مسؤول مؤتمن، كانت تختلف عن عامة المسلمين. لم يتحرك الفاروق عمر وفق أهوائه وأمزجته، ولا أهواء وأمزجة من حوله من مستشارين وغيرهم، بل كان قد وضع نصب عينيه هدي المصطفى –صلى الله عليه وسلم– ومن بعده خليفته الصديق –رضي الله عنه– وبهديهما سار عمر، واجتهد فيما لم يجد مرجعية لا من عند رسول الله ولا الصديق أبي بكر. أسلم آخر ملوك الغساسنة وهو جبلة بن الأيهم، وكتب إلى أمير المؤمنين عمر يستأذنه في القدوم عليه، فرحب به وأدنى مجلسه، ثم خرج في موسم الحج مع عمر، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل فقير من بني فزارة، فالتفت إليه جبلة غاضباً فلطمه وهشم أنفه، فغضب الفزاري واشتكاه إلى عمر فبعث اليه فقال: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك في الطواف فهشمت أنفه؟ قال جبلة: لستُ ممن ينكر، أو يكتم شيئاً. أنا أدَّبتُ الفتى. أدركتُ حقي بيدي ! قال عمر: أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم؟ يريد أن يقول عمر لجبلة بأن مثل هذه المفاهيم لا محل لها عنده، بل هي عند غيره، حيث يُقهر المستضعف العافي ويُظلم.. أما عندي فلا. هي جاهلية وأزحناها من حياتنا يا جبلة. ثم قال عمر: أرضِ الفتى. لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك. قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقة وأنا صاحب تاج. إنني عندك أقوى وأعز. أنا مرتد إذا أكرهتني. قال عمر: "عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى". لم يستوعب جبلة ما كان يعنيه عمر.. لم يفهم أن الإسلام ساوى بين الناس، وأنه لا فرق بينهم إلا بالتقوى. المعيار الجديد في الإسلام للتمييز بين الناس إنما هو بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وليس أكثركم مالاً وعزاً وشرفاً ونسباً وحسباً، وغيرها مما كان منتشراً ومعروفاً بين الناس في الجاهلية. كل تلك المعاني لم يستوعبها جبلة، الذي طلب من عمر أن يمهله إلى الغد. حتى إذا انتصف الليل، هرب نحو القسطنطينية حيث هرقل الروم، مرتداً عن دينه. حتى إذا أصبح الناس وطلب الفاروق جبلة، علم أنه فر، لكنه لم يبالِ ويهتم به، وإن كان ملكاً من ملوك العرب، وإن كان بارتداده سيرتد ألوف معه. عمر لا يقيم لمثل تلك الاعتبارات أي وزن، فإن ارتداد رجل عن الإسلام أهونُ عنده بكثير، من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم من مبادئه وهو المساواة بين الناس، وإقامة العـدل بينهم، وخسارة فرد لا يمكن أن تُقاس بخسارة مبدأ. حين صار الفاروق معياراً للحق بمقاييس اليوم، سيعتبر البعض أن ما قام به الفاروق مع جبلة، عملاً سياسياً قصير النظر، وكان بالإمكان لملمة الأمر وتطييب خاطر فرد ضعيف لا وزن له في الأمة، مقابل مصالح كثيرة متوقعة من وجود شخص عظيم وملك من ملوك العرب ضمن الأمة المسلمة، لكن ثبات عمر على موقفه وشدته في الاقتصاص للمظلوم من ظالمه، رسخ معنى أن يعيش الناس أحراراً آمنين مطمئنين، لا يظلِمون ولا يُظلمون. وبموقفه ذاك، عاش عمر في النفوس المسلمة إلى اليوم وإلى ما شاء الله أن يكون، قامة عظيمة شامخة راسخة، تترحم عليه الملايين المسلمة، ويعجب به كثيرون من خبراء وقادة الإدارة في العالم، ويعتبرونه مدرسة لوحده في عالم الإدارة. ثباته على المبادئ ورغبته الأولى والدائمة على أن يؤدي أمانة الخلافة بالشكل الذي يرضي ربه، جعلته لا يهادن ولا يخاف في الله لومة لائم، بل إن كل من كان حوله من كبار الصحابة العظام الكرام، أخذوا عمر مقياساً ومعياراً، به يقيسون أنفسهم في تعاملاتهم مع الآخرين، وأداء أماناتهم وواجباتهم. قصته مع سيف الله المسلول، خالد بن الوليد وهو في أوج انتصاراته العسكرية، وشيوع مقولة أنه لا نصر بدون خالد، جعلت الفاروق يخشى على المسلمين من أن يفتتن الناس بخالد، وتتعمق تلك الفتنة والإعجاب، فيقرر لتصحيح تلك الظنون وأن النصر من عند الله وحده، وفي وقت حرج للغاية، بعزل خالد عن قيادة جيوش الفتح، ليتحول خالد الى جندي في الجيش بعد أن كان هو قائد الجيوش!. لم يرد بخاطر الفاروق احتمالية أن يتمرد خالد ويعترض، وقد كان يملك زمام القوة العسكرية الضاربة للدولة، وفي الوقت ذاته هو بعيد عن الخليفة، بحيث لو أراد الخروج عليه وإعلان نفسه أميراً للمسلمين حينها لاستطاع، بل ربما سار معه الألوف، لكن لم تدر ببال عمر تلك الاحتماليات، بل وخالدٌ كذلك، والسبب بطبيعة الحال أنهما من خريجي مدرسة محمد –صلى الله عليه وسلم– ولا يمكن لأحدهما أن يعمل وفق هوى نفسه. لا الفاروق سيظن لحظة أن قراره سيدفع بأي جاهلية باقية في نفس خالد للفوران والظهور على سبيل المثال، ولا خالد نفسه سيظن أو سيتخيل الفاروق وإمكانية أن يمارس حكماً بغير ما أنزل الله، أو يتخذ قراراً من تلقاء هوى نفسه.. وبتلك التربية ترسخت عدالة عمر على الجميع، القريب منه قبل الغريب والبعيد عنه. متى استعبدتم الناس نموذج آخر يتكرر مع صحابي عظيم مثل عمرو بن العاص، الذي كان أميراً على مصر، حيث أمره الفاروق أن يحضر هو وابنه إلى المدينة من فورهم دون أي تفصيلات أخرى، حتى إذا ما وصلا، جمع الفاروق الناس وأقام محكمة علنية لابن أحد أمرائه الكبار، الذي اعتدى على أحد أهل الذمة في مصر دون وجه حق، فطلب الفاروق من القبطي أن يقتص من ابن الأكرمين، بل وطلب أن يقتص من أبيه أيضاً لأنه ما فعل الابن فعلته إلا لشعوره بأنه ابن حاكم.. ليقول الفاروق يومها قولته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"؟ عاد عمرو الى مصر متأثراً بما حدث له أمام الناس بفعل حماقة ارتكبها ابنه، لكن لم تأخذه العزة بالإثم، ولم تحدثه نفسه أبداً التمرد على عمر، والانفراد بمصر وإعلانها دولة له، كما كان شائعاً قبل الإسلام وبعده أيضاً. وقد كان بإمكانه ذلك وهو من هو في الدهاء والحنكة السياسية، ولكن ليس عمرو من تلك النوعية، وهو لم يختلف كذلك عن سيف الله المسلول. عمرو يعلم أن الفاروق ما قام بذاك الإجراء، إلا لأنه يريد إقامة العدل الإلهي في أمة مسلمة ناشئة. إنه يدرك بأن عمر ما انتصر يوماً لنفسه أو انتقم من أحد لخلاف شخصي أو أمر دنيوي. خريجو المدرسة المحمدية صنعهم الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– بصورة يمكن القول إنهم لن يتكرر أحد منهم بعد ذلك.. ولك أن تطالع كتب التاريخ وتقرأ عن الكم الهائل من الثورات والتمردات التي حدثت على الخلفاء الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم كثير كثير من بعد انتهاء الخلافة الراشدة. وجد الصحابة الكرام في مواقف لا تحصى، أن الفاروق عمر ما انتصر يوماً لنفسه أو اتخذ قراراً وفق مزاج أو هوى.. عدالته، وإن كانت قاسية على بعض النفوس حيناً، إلا أنها جلبت احترام الجميع له، مسلمين وغير مسلمين.. والمقولة التاريخية (عدلت فأمنت فنمت يا عمر) جاءت على لسان غير مسلم. تلك العدالة وغيرها من مزايا وصفات نادرة في الفاروق، جعلته من أعظم شخصيات الإسلام بعد الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبي بكر، وجعلت أدباء وفلاسفة من غير المسلمين يذكرونه في مقالاتهم ودراساتهم وأبحاثهم، ليصفه أحدهم أنه كان بمثابة كلية أركان عسكرية وإدارة إستراتيجية. رحم الله الفاروق عمر، ورضي عنه وأرضاه.

8300

| 12 أغسطس 2021

كيف نختار المسؤولين ؟

حين طلب النبي يوسف –عليه السلام– من الملك، أعلى مناصب الدولة يومها، فإنما، إلى جانب كونه نبياً، كان على ثقة ودراية بالمهام التي تنتظره، إن هو تولى منصب رئيس الوزراء، في ظل ظروف كانت تتشكل لتعيشها الدولة خلال سنوات أربع عشرة قادمة. أي أن إستراتيجية ضبط وإدارة موارد واقتصاد البلد كانت واضحة في ذهن يوسف –عليه السلام– حين تقدم وطلب المسؤولية، التي عادة يتهرب منها الأمناء والمخلصون، لأسباب سنأتي عليها لاحقاً، إلا حالة يوسف –عليه السلام- الذي حين طلبها أعطيت له دون أدنى تردد من صاحب القرار يومها وهو الملك. لقد كان النبي يوسف –عليه السلام– كما يقول سيد قطب في ظلاله: "حصيفاً في اختيار اللحظة التي يُستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة؛ وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل، وشعوب كذلك تجاوره، طوال سبع سنوات، لا زرع فيها ولا ضرع. فليس هذا غُنماً يطلبه يوسف لنفسه، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية، لا يقول أحد إنه غنيمة. إنما هي تبعة يهرب منها الرجال، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم، والجوع كافر، وقد تمزق الجماهير الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون". الملك لم يَـرْتَبْ في يوسف –عليه السلام– ولم يشكك في قدراته، أو بحث عن سوابق له في السجلات المدنية وخلافها، بل فكّر وقدّر من بعد أن وجد فيه أهم الصفات المطلوبة في أي مسؤول يُراد منه أن يتولى إدارة مصلحة ما، وهي صفة الأمانة التي رآها عملياً في يوسف الصدّيق. لقد أعجبته تأويلاته لرؤياه أولاً، ومن ثم أعجبته أمانته في قصته مع النسوة ثانياً، وأعجبته أكثر وأكثر خططه لمواجهة كارثة اقتصادية حقيقية قادمة، والتي خاف منها الملك وارتعب وهو يرى أمامه أربع عشرة سنة قادمة لا يدري كيف ستكون. إن مثل تلك الأزمات كما أسلف الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- يهرب منها الجميع لصعوبتها وقسوتها. إذ لا توجد ضمانات كافية للنجاح في إدارتها، وبالتالي ستكون نتائجها وبالاً على من يتولى الأمر، وقد ينتهي به الأمر إلى الإقصاء أو ربما أشد.. فأي مسؤول يطلب الفواجع والكوارث لنفسه؟ غالباً لا أحد، إلا من رحم ربي من الشجعان، وقليل ما هم. هل يمكن تقبّل هذا السلوك في زمننا؟ بشكل عام، صار المتعارف عليه في كثير من الثقافات أن الساعي إلى ولاية أو سلطة، فإنما غالباً يرجو مصلحة من وراء ذلك، أو إدارة ما يمكن الاستفادة منها والتكسب من ورائها مادياً ومعنوياً.. أموال وترقيات، ومناصب، وشهرة، وسمعة. وحتى يحقق هذا الشخص مراده، فإنه سيزكي نفسه بكل الصور الممكنة، سواء عبر تزكيات يطلبها من هذا وذاك، أو عبر وسائل إعلامية تتنوع عبر الزمان والمكان. وبسبب هذا المنطق السائد عند الناس، نجد أن طالب الإمارة أو الرئاسة لا يُلتـفت إليه، بل إن الريبة ستكون حاضرة من فورها عند صاحب القرار وهو يسمع منه مثل هذا الطلب، إلا إن كان صاحب القرار ذا فراسة سليمة وحدس حاد يدعوه إلى الاقتناع بأن هذا الإنسان، وبدلاً من تجاهله، يستحق الانتباه والإنصات إلى ما عنده، ولعل هذا هو ما حدث بين الملك والنبي يوسف عليه السلام. دعونا نتساءل ها هنا.. هل يجوز أن يزكي الإنسان نفسه لتولي مسؤولية ما كما فعل النبي الكريم يوسف –عليه السلام؟ وكيف يمكن التوفيق بين ما جرى معه من ناحية، وبين ما جرى مع الصحابي الكريم أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- حين سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم– الولاية ولم يحصل عليها؟ بل حصل على توجيه ومكاشفة ونصيحة غالية في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها". أي أن طلبه تم رفضه، وهو الأمين الورع، لكن صاحب القرار في الدولة، بفراسته ومعرفته بالرجال، رفض الأمر. في الحالة الأولى، وافق الملك على طلب يوسف –عليه السلام– وقبل أن يزكي نفسه بشكل مستفيض وقوي للملك، الذي لم يكن يعرفه بعدُ بالشكل الكافي المقنع لتولي أخطر منصب في عهده. أما الحالة الثانية فقد كان الرفض الفوري، رغم أن النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– على علم كافٍ بأبي ذر وشخصيته وصفاته، فهل يمكن تعميم التوجيه النبوي ذاك على كل الناس في كل زمان ومكان؟ إن ما جاء في الحديث صحيح لا غبار عليه، لكن مع ذلك لا يمكن تعميم ما جاء فيه من توجيه ضمني، على كل الظروف والأشخاص؛ بمعنى أن الإمارة أو طلب المسؤولية هو، فعلاً، خزي وندامة إذا سعى وراءها من هو ضعيف عليها علمياً وإدارياً وقيمياً، هذه نقطة أولى. أما النقطة الثانية، فإنه لا شيء في أن يزكي المرء نفسه عند صاحب القرار، إن كان يرى في وجوده في منصب حكومي، هو لصالح البلاد والعباد. وبالمثل يمكن القول بشأن من يتقدم لترشيح نفسه لعضوية المجالس أو البرلمانات وما شابهها. إذ لا شيء في أن يزكي نفسه للجمهور الناخب، ولكن بشرط أمانته وكفاءته وإخلاصه في مسعاه، وألا يكون ذلك السعي لجلب منفعة شخصية أو وجاهة اجتماعية وغيرها من منافع ضيقة يخطط لها. ولمزيد توضيح.. لا بأس من التقدم للمناصب والوظائف المهمة التي تمس حاجيات وهموم الناس بشكل مباشر، لمن يعتقد جازماً في نفسه أنه أهلٌ للمنصب، تشفع له سيرته الذاتية عند الناس، بالإضافة إلى خبراته، وعلمه، وأمانته، وإخلاصه.. إنه دون شك، ليس عملاً صحيحاً أن كل من تقدم لطلب المسؤولية يُرفض، بل الأصل أن يتم النظر لكل حالة على حدة، وفق آليات معينة. فإذا احترت وأنت صاحب قرار مثلاً في اختيار شخص ما لتولي مسؤولية معينة، فاحرص على جملة معايير لابد أن تتوفر كلها أو معظمها فيه. منها أن يكون تقياً نقياً، أميناً مؤتمناً، كيّساً فطناً، صالحاً مُصلحاً، نظيف اليد عف اللسان، لا يخشى في الله لومة لائم.. تلكم نقطة أولى. النقطة الثانية، نرى أنه من عدم الأمانة، التهرب من المسؤوليات الحساسة وقت الحاجة، لأن هناك الكثير من الأكفاء في أي مجتمع، جديرون بتولي المسؤوليات، لكن تواضعهم ورغبتهم في البعد عن الأضواء والشهرة وكل ما يمكن أن يخدش أمانتهم مستقبلاً، يتوارون عن الأنظار، وفي اعتقادهم أن مثل تلك المسؤوليات خزي وندامة، كما جاء في قصة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. النقطة الثالثة الأهم، تتعلق بدور صاحب القرار ومن معه في الإدارة والمسؤولية، وأهمية البحث المستمر عن الكفاءات والكوادر الأمينة المخلصة في المجتمع، بحيث يتم إسناد المسؤوليات أو الأمانات -إن صح التعبير- إليهم، ومن لم يتم استعماله بعدُ، يتم إدراجه ضمن قائمة المؤهلين لشغل المناصب والمهام الكبيرة مستقبلاً. خلاصة الحديث إن إسناد أي أمر وخاصة العظيمة، سواء على شكل مناصب ومسؤوليات في الحكومة، أو عضوية المجالس والبرلمانات، إلى أشخاص غير أكفياء مؤهلين، بناء على هوى مسؤول ما ومزاجه، أو وساطات من هذا وذاك عند صاحب القرار، أو عبر فزعات قبلية أو ما شابهها في مسائل الانتخابات مثلاً، دون أي اعتبار إلى مسائل الجدارة والتأهيل المناسب والكفاءة، وجملة من الصفات التي ذكرناها آنفاً، إنما هذا هو بالضبط ما نسميه بإضاعة الأمانة، وهي التي دفعت أعرابياً ليسأل عن معناها في قوله -صلى الله عليه وسلم: "فإذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسّد الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة". abdulla.emadi@gmail.com

9267

| 05 أغسطس 2021

لأغوينهم أجمعين

القصة المعروفة التي حدثت في الملأ الأعلى في زمن ما، يوم أن خلق الله آدم عليه السلام، يمكن أن نستخلص منها الكثير والكثير. فقد ذكر ابن كثير في تفسيره بصورة مختصرة، أن الله سبحانه أعلم الملائكة قبل خلق آدم - عليه السلام - بأنه سيخلق بشراً من صلصال من حمأ مسنون وتقدم إليهم بالأمر، متى فرغ من خلقه وتسويته، فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر الله - عز وجل - فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس، ولم يكن منهم جنساً، كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه - عز وجل - فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خُلق من طين والنار خير من الطين في زعمه!. وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله، وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه، وسماه «إبليس» إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة - وأبلس هو اليأس من الرحمة الإلهية، وهو الانكسار والحزن - فأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة يوم البعث - أي الإمهال والخلود إلى حين - فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة، تمرد وطغى (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)!. أعلن إبليس العداوة منذ تلك اللحظة لبني آدم، فهو يدير معركته مع البشر إلى يوم القيامة، لا يهنأ ولا يهدأ حتى يسحب معه كل من صبأ عن ملته من ذرية آدم، إلى حيث قد تقررت نهايته هو، حيث جهنم وبئس المصير. «سبعون ألفاً إلى الجنة بغير حساب» كم هو مؤلم لإبليس ومن معه من أبالسة الجن والإنس أن يدخل الآلاف من ذرية آدم الجنة بدون حساب، وقد كرس جهده منذ بدء الخليقة للحيلولة دون وقوع هذا الأمر ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن له من الحيل والطرق والوسائل، الكثير الكثير لينحرف بذرية آدم عن الصراط المستقيم، ويدفعهم نحو طرق ملتوية عديدة، لا يخرج السائر عليها سوى بالخسران المبين، وهو غاية إبليس ومن معه. تأمّل معي الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه، عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يذكر صفات أوائل الداخلين إلى الجنة بقوله: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». لاحظ أن صفات السبعين ألفاً الأوائل الذين يدخلون الجنة بغير حساب، تتمثل في بعض من تلك الأعمال التي تخالف توجهات وهوى وخطط إبليس مع بني آدم، فمن الحقائق المعلومة أن أي عمل ضد توجهات ورغبات إبليس يقوم به أحدنا، تكون نتيجته إيجابية دون أدنى ريب. لاحظ مثلاً أولى صفات أولئك السبعين ألفاً الداخلين إلى الجنة رغم أنف إبليس، أنهم لا يسترقون، أي لا يسعون إلى أحد يطلبون منه الرقية، هذا المجال الذي دخل فيه من دخل، ولعب فيه من لعب، مع الشيطان أو بدونه، حتى ضلّ كثيرون وتاهوا، بعد أن زاغوا عن منهج الله في عمل بسيط مثل الرقية. الرقية لا شيء فيها، بل مطلوبة وفق ما هدانا إليه نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم - لكن بدلاً من أن يلجأ أحدنا إلى فلان وعلان ليرقيه، فالأفضل أن يبذل أحدنا جهده لأن يهتدي بسنة أولئك السبعين ألفاً، إنهم يرقون أنفسهم بأنفسهم، وقد قال علماء كثيرون بأفضلية رقية المرء لنفسه بنفسه، اقتداء بسيد الخلق والمرسلين، وقد جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله إذا آوى إلى فراشه، نفث على كفيه بـ»قل هو الله أحد» وبالمعوذتين جميعاً ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده»، تلك نقطة أولى حول موضوع الرقية التي وقفنا عندها قليلاً. أما النقطة الثانية، وقبل البحث عن علاج لبعض الشرور ذات المصادر الشيطانية، كالسحر والحسد وما شابه، فإن علينا الوقاية منها أولاً عبر الأذكار اليومية الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة في الصباح وأخرى بالمساء كما يعلم الجميع، فإذا قدّر الله أن يُصاب الإنسان بشر من تلك الشرور، فالعلاج هو الرقية الشرعية المعروفة عنه - صلى الله عليه وسلم - يقوم بها المرء بنفسه، فذلك أدعى للإخلاص، ولأن ذلك دليل على تمام التوكل على الله وحسن الظن به، والتوكل إحدى صفات أولئك السبعين ألفا، بدلاً من السعي هنا وهناك بحثاً عن راق يرقي، سواء كان لوجه الله أم يعمل بالدرهم والدينار. «قل أعوذ برب الفلق» في سياق الحديث عن شرور إبليس الذي لا يكل ولا يمل، لاحظ معي في سورتي الفلق والناس، وهما من أواخر سور القرآن، أنك في السورة الأولى تستعيذ بالله مرة واحدة من عدة مصادر للشر، تستعيذ برب الفلق من شر ما خلق، سواء كان من الإنس أم الجن أم الحيوان، ثم تستعيذ به من شر غاسق إذا وقب، أي من كل ما يخرج بالليل من شرور سواء من الجن أم الإنس أم بقية الأحياء، ثم أخيراً تستعيذ من مصدر ثالث للشر متمثل في النفاثات في العقد، أي تلك الساحرات أو أهل السحر عموماً، وأخيراً تستعيذ بالله من شر كل حاسد إذا حسد. ذاك الحاسد صاحب النفس الخبيثة المحبة للسوء والشر للآخرين، الذي اعتبره القرآن من مصادر الشرور التي يجب على بني آدم الاستعاذة منه. «من شر الوسواس الخنّاس» ثم لاحظ معي أنك في سورة الناس يختلف الأمر، حيث تستعيذ بالله هنا ثلاث مرات ولكن من شيء واحد، عكس ما كان في سورة الفلق، تجد نفسك وأنت تقرأ سورة الناس، أنك تستعيذ برب الناس وملك الناس وإله الناس. من ماذا؟ من شر الوسواس الخناس. إنه إبليس وبقية شياطين الشر معه ومن ضمنهم القرين الذين بين جنبيك، هذا الذي يوسوس لك بالشر والسوء ويزينهما لك على الدوام، دون كلل أو ملل، يأتيك بالخاطرة والفكرة ثم يزينها لك لتدخل مرحلة التخطيط، حتى تصل أخيراً إلى التنفيذ لتقع في الشر والخطيئة والذنب، وهذا غاية إبليس وذريته ومن معهم من الإنس كذلك!. هل سيتركك بعد كل ذلك؟ بالطبع لا، ولن يهدأ هذا القرين، لأن هدفه ليس إيقاعك مرة أو مرتين أو ألفاً وألفين، بل أن يدخلك مع كبيرهم إلى قعر جهنم، تنفيذاً للوعـد الذي قطعه إبليس أمام الله وقبل أن يسكن البشر الأرض، أن يقعد لبني آدم كل مقعد، يزين لهم الشر والسوء وينحرف بهم عن جادة الحق والصواب. ولأن الهدف الأسمى والأهم للوسواس الخناس الذي بين جنبيك لا يكل ولا يمل، هو أن يأخذك إلى تلك النهاية البائسة للإنسان، نجد أن الخالق عز وجل يدعونا ويحثنا على الاستعاذة منه ثلاث مرات في سورة قصيرة واحدة، على عكس مصادر الشر الأربعة سابقة الذكر في سورة الفلق، فتكفي مرة واحدة لصد شرورهم وأخطارهم، أما هذا الذي بين جنبيك، فكلما استعذت بالله منه أكثر، حماك الله وأبعدك ووقاك منه أكثر وأكثر. نخلص من هذا الحديث الطويل، أن علاجك ووقايتك وأمنك وأمانك في صلاتك وقرآنك وسنة نبيك، كلما جعلتها من أساسيات ومحاور حياتك الرئيسية، حفظت نفسك من شرور الإنس قبل الجن، والله خير حافظ وهو أرحم الراحمين. abdulla.emadi@gmail.com

8707

| 29 يوليو 2021

من يأكل من مال الله ؟

حديث صحيح ربما لم يسمعه كثيرون من ذي قبل، جعلني أتوقف عنده وأتأمله بعمق.. فقد جاء في صحيح البخاري عن خولة بنت عامر الأنصارية، وهي امرأة حمزةَ رضي الله عنهما، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:" إن رجالاً يتخوّضونَ في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة ". يتخوّضون - كما في معاجم اللغة - أي يتصرفون في الشيء بالباطل. وهنا في الحديث، مال المسلمين، هو ذاك الشيء الذي يتعرض منذ أمد بعيد للتصرف الطائش غير المبني على أصول شرعية.. هذا التصرف الطائش قد يكون على شكل إدارة غير واعية ولا علمية ولا مدروسة لهذا المال، أو تبذيره على ما لا نفع يُرجى من ورائه، أو سرقته واستغلاله بطريقة وأخرى، أو الانتفاع به دون وجه حق، أو غير ذلك من أوجه التصرف غير الجائز شرعاً وقانوناً وعُرفاً. ملخص شرح الحديث، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – يخبر عن أناس يتصرفون في أموال المسلمين بالباطل، ويأخذونها بغير حق. وأموال المسلمين يدخل فيها كل ما يمكن تصنيفه تحت مصطلح ( المال العام ) أو كما جاء في الحديث ( مال الله )، وهو كل إيرادات الدولة، أو كل ما يدخل خزينة الدولة عبر مؤسساتها المختلفة، من رسوم الخدمات والضرائب والثروات العامة. ومن ذلك أيضاً، أموال اليتامى والأوقاف والزكوات والصدقات التي تقوم عليها الجمعيات والهيئات الخيرية. كما تدخل ضمن المال العام كذلك، الهبات والعطايا لموظفي الدولة. كل ما سبق ذكره يدخل تحت مسمى مال الله أو المال العام بالمصطلح المعاصر، وبالتالي ووفق الحديث الشريف، لا يجوز التصرف فيه إلا بحقه. وحقه ها هنا، إما نصوص الشرع أو ما يوضع من قوانين وتشريعات لا تتعارض مع الشرع بطبيعة الحال. وإن التخوّض في هذا المال، كما جاء في الحديث، أي الأخذ منه بغير استحقاق ولا إذن، عاقبته كما أخبرنا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - النار يوم القيامة. المال العام مقدس هكذا منزلة المال العام في الإسلام. له حرمة، بل يكاد يكون مقدساً من شدة اهتمام الإسلام به، وأهمية إدارته بشكل صحيح، من حيث جمعه وإنفاقه والحفاظ عليه واستثماره، ومنع كل من تسول له نفسه الاعتداء عليه، حتى لا يجعله عُرضة للهدر والضياع. وحين توعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المتخوّض في المال العام أو المتصرف فيه بغير وجه حق، ليصل مصيره أن يكون من أهل النار – والعياذ بالله – فلأن الأمر شأنه عظيم، لا يتحمل استهتار وما شابه من سلوكيات تبدد ذلك المال وتضيع حقوق العباد والبلاد. المال العام في الإسلام كما يراه أهل العلم، يجب أن يقوم عليه أناس يتصفون بالأمانة والنزاهة، ولا يتصرفون من تلقاء أنفسهم، بل وفق قوانين وارشادات معينة، ومن ثم تقوم الأمة والذي يمثلها برلمان أو مجلس منتخب، بالموافقة على أوجه الصرف المتنوعة، وفق قواعد محددة وشفافية بالغة. ثم بعد ذلك تأتي المراقبة والمساءلة والمحاسبة من الجهة التي تمثل الأمة - كما أسلفنا - أو أي جهة أخرى يتم الاتفاق عليها لتقوم بمسائل المراقبة والمحاسبة، نيابة عن الأمة، من أجل منع كل المسارب التي يتسرب منها المال العام في غير وجه حق. في التاريخ الإسلامي، كان المال العام وإدارته بمثابة العلامة الفارقة بين الحكم الرشيد والحكم الفاسد. الإدارة الصارمة الشفافة النزيهة للمال العام، كانت تدل على أن الحكم رشيد، يطمئن الناس إلى أموالهم وحقوقهم ومستقبل الأجيال القادمة، فيما كان سوء التدبير أو ما نسميه بالفساد في إدارة المال العام، عبر محسوبيات ورشاوى وسرقات وأكل ذلك المال بالباطل، دلالة على أن الحكم فاسد غير نزيه، يقلق الناس على حاضرهم ومستقبلهم. نماذج خالدة يعتبر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز نموذجاً فريداً في الإدارة الصارمة العادلة للمال العام، وكيف لا وجده الأكبر هو الفاروق عمر بن الخطاب، الذي كان أول من أنشأ بيت مال للمسلمين، وأول من استحدث فكرة الذمة المالية للولاة أو المسؤولين، والذي كان - رضي الله عنه - يتعامل مع المال العام كمن يتعامل مع مال اليتيم، حيث قال يوماً: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجتُ أخذتُ منه، فإذا أيسرتُ رددْتُه، وإن استغنيتُ استعففتُ ". كان من القضايا التي اشتغل عليها عمر بن عبد العزيز، هو تطويق قضايا الفساد الإداري والمالي في الدولة - كما يقول الدكتور علي الصلابي - حيث بدأ في انتقاء ولاته والعاملين معه من أهل التقوى وحُسن التدين والأمانة. ثم التوسعة على الموظفين في معاشاتهم كأول إجراء إداري. حيث رأى في ذلك الإجراء وقاية لهم من الخيانة، رغم تقتيره على نفسه وأهله، وهو أمير للمؤمنين. ثم منع الموظفين من قبول الهدايا، وقد رد على من قال له: ألم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ؟ قال بلى، ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة. منعهم كذلك من ممارسة التجارة، إدراكاً منه أن ممارسة الموظفين والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم يكن الاثنين معاً: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتها عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق في شيء. ثم أخيراً، كان يتابع ولاته ويحاسبهم بنفسه، لاسيما في الجوانب المالية، وتطبيق مبدأ ( من أين لك هذا ). وقد كتب إلى أحد المسؤولين عنده:" لقد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت والسلام ". إن المحافظة على المال العام، وصيانته من النهب والهدر والاستغلال، مسؤولية الحاكم والمحكومين جميعاً. الكل يلتزم بالعمل، بحسب موقع كل شخص ووظيفته، على صيانة هذا المال والمحافظة عليه بكل الطرق والوسائل المتاحة، على اعتبار أن هذا المال في نهاية الأمر هو منهم وإليهم بالعدل.. وقد ردّ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة، كل ما زاد عنده إلى بيت المال. عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: لما احتُضِرَ أبو بكر - رضي الله عنه – قال:" يا عائشة، انظري اللِقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنةَ التي كنا نَصطَبحُ فيها، والقَطيفة التي كنا نلبسُها، فإنّا كنا ننتفعُ بذلك حين كنا في أمر المسلمين، فإذا مِتُّ فاردُديه إلى عمر ". فلما مات أبو بكر - رضي الله عنه - أرسَلت بِه إِلى عمر - رضي الله عنه - فَقال عمر:" رضي الله عنك يا أبا بكر، لقد أتعبتَ مَن جاء بعدك ". رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. abdulla.emadi@gmail.com

10115

| 15 يوليو 2021

ماذا في جحر الضب لتدخلوه ؟!

بدأت تدريجياً تنتشر في مجتمعاتنا مصطلحات من قبيل العقول المنفتحة أو كما تُلفظ بالإنجليزية " أوبن مايندد open minded "، للإشارة إلى أن من يُطلق عليه ذلك الوصف، إنسان متحضر يعيش زمانه. هكذا فريق أول يرى المصطلح، فيما آخر يراه بشكل سلبي، وأنه يوصف به الإنسان المنفلت عن دينه وثقافته وتقاليده.. إن جئنا نتعمق في الموضوع بعض الشيء، فمن المناسب أولاً أن نتعرف على رأي من جاء المصطلح من لدنهم وانتشر هنا وهناك. فقد جاء في قاموس كمبردج البريطاني أن العقل المنفتح أو open minded هو حين تنتظر لتعرف كل الحقائق قبل تكوين رأي أو إصدار حكم. وجاءت تعريفات أجنبية كثيرة لهذا المصطلح من قبيل أنه امتلاك عقل منفتح على الأفكار الجديدة؛ دون تحيز أو تعصب. وتعريف آخر هو الاستعداد للنظر في الأفكار أو الآراء الجديدة والمختلفة، أو هو تقبل الأفكار الجديدة أو آراء الآخرين المختلفة. لا يهمنا كثيراً التعمق في تعريفات الآخرين من غير ثقافتنا وديننا، فالمقصد ها هنا بحث هذا المصطلح وفق رؤيتنا وثقافتنا العربية الإسلامية ضمن ديننا الحنيف الشامل، باعتبار أننا عرب مسلمون، لنا رؤيتنا وتاريخنا وثقافتنا الأصيلة، والمفترض أن نحافظ عليها ونذود عنها أمام تيارات فكرية وثقافية متنوعة تجتاح العالم كله، وليس عالمنا العربي الإسلامي فقط. جيل الإنترنت الشاب، هو المعني بهذا الأمر أكثر من أجيال ما قبل النت. هذا الجيل الذي نشأ في فترة الانفتاح على العالم التي سُميت بالعولمة، أو الأمركة - إن صح التعبير – هو المعني في موضوع اليوم، نظراً لضحالته الفكرية والثقافية. فهو منذ أن بدأ يعي ما حوله، وهو يعيش في عالم الإنترنت مع وسائل التواصل والإعلام الحديثة المتنوعة المتجددة. يتأثر أكثر مما يؤثر. انهالت وما زالت تنهال عليه، ملايين المعلومات والأفكار، والمفاهيم، والمصطلحات، وغيرها. وقد يكون وعى القليل منها، لكن المؤكد أنه تأثر وانسجم واندمج مع الكثير منها، حتى تأثرت شخصيات أفراد هذا الجيل وأساليب حياتهم وأنماط تفكيرهم ورؤيتهم لأنفسهم ومن حولهم من الناس والأشياء. تسطيح العقول الفتاة التي تحاول التحرر من بعض القيود الاجتماعية وبعض الضوابط الدينية في علاقاتها مع الناس وتعاملاتها في المجتمع، ينظر لها كثير من هذا الجيل الشاب أنها صاحبة عقل منفتح أو Open minded فيما عكسها توصف بأنها منغلقة ومعقدة ومن جيل قديم لا يتطور أو Closed minded، وبالمثل تكون النظرة للشاب الذي يرى فارق السن بينه ووالديه من عوائق انطلاقه واندماجه مع المجتمع، أنه صاحب عقلية منفتحة ويحتاج الدعم ضد منغلقي الفكر كوالده أو والدته !! والأمثلة أكثر من أن تسعها هذه المساحة. ولا أشك أنكم سمعتم وقرأتم وعايشتم مثل هذه المواقف وتلكم الشخصيات. صار الاهتمام بكل ما يعاكس ويناقض أعراف المجتمعات المحافظة وتقاليدها وعقيدتها، والتهليل لقشور التمدن والمظهريات المادية، من علامات العقليات المنفتحة واجبة الدعم، وأي محاولات لتوعية المجتمعات بهلامية تلك القشور والمظهريات الجوفاء الخاوية، هي نوع من انغلاق العقل واجب التصدي له وضرورة تطويره، أو هكذا واقع الحال. هذا ما يمكن تسميته بتسطيح العقول. هذا التسطيح الذي بدأ يقوى وينتعش منذ أن بدأت تظهر وسائل التواصل المختلفة، وسهولة الوصول إلى أركان المعمورة بأقل وأسهل الإمكانيات والتكاليف، والتأثير البالغ الملحوظ لها. التسطيح الذي أعنيه، هو ذاك الاهتمام بالقشور في الموضوعات والقضايا، أو النظر إلى الأمور بنظرة سطحية، وترك اللب أو الغوص في الأعماق. وهي ثقافة يقوم عليها كثيرون، ويؤكدون عليها ويحرصون على تعزيزها، سواء كانوا على شكل أفراد، أم مؤسسات، أم أحياناً دول بذاتها. وهذا يؤكد خطورة ما يحدث ووجوب التصدي لعمليات تسطيح العقول، بنفس الأدوات والأساليب المتبعة، قبل أن تتعمق وتتعقد وتنتشر تلك العمليات، فإن نتائج عمليات تسطيح وتسفيه العقول مخيفة، وما مظاهر التفسخ التدريجي دينياً واجتماعياً وأخلاقياً سوى بعض أمثلة، وما خفي ربما أعظم. كيف يؤثر الإعلام علينا نفسياً ؟ صناعة تسطيح العقول هي واحدة من عشر استراتيجيات تحدث عنها المفكر الأمريكي " تشومسكي " في معرض إجابته على سؤال: كيف يؤثر الإعلام علينا نفسياً، فكانت إجابته عبارة عن عشر استراتيجيات يسلكها الإعلام الموجّه، من أجل إحداث تأثيرات نفسية وفكرية على الجمهور الأعظم المتابع لتلك الوسائل، وكانت صناعة تسطيح العقول إحداها. اليوم وبفعل وسائل الاتصال والتواصل من فضائيات وإنترنت وغيرها، تسارعت عجلات ثقافة التسطيح بين البشر، حيث تقوم وسائل إعلامية بدور عظيم وغاية في الخطورة في نشر تلك الثقافة وتناول الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة سطحية هزيلة. وعلى رغم القوة الهائلة لشبكة الإنترنت للقيام بدور الضد لهذه الثقافة وبيان الحقائق أولاً بأول، إلا أن الملاحظ هو تزايد أعداد من تتسطح ثقافتهم يوماً بعد يوم، لا سيما في القضايا المصيرية العظيمة، وشواهد ذلك كثيرة حولنا يمنة ويسرة. عملية التسطيح يمكن رؤيته عبر قيام مؤسسات رسمية ووسائل إعلامية تساندها، بنشر الثقافة الضحلة الهزيلة، والاحتفاء بأقلام وكتّاب ضحلين وتسليط الأضواء عليها، وتجاهل أصحاب الفكر والعقل وبُعد النظر، لكي ينشأ بعد حين من الدهر قصير، جيل تكون قدوته تلك العقول الهزيلة. ولقد ساعدت وسائل التواصل المتنوعة - كما أسلفنا - على ظهور فقاعات إعلامية بشرية، صارت هي الأخرى تلعب دوراً في عملية التسطيح هذه. وما يزيد الطين بلّة، أنها تنشط وتتمدد بمباركات ومتابعات شعبية غوغائية وأحياناً رسمية مرتبة مُحكمة ! الإسلام دين الانفتاح ديننا دين الانفتاح على الآخر لو فهمه الناس حق الفهم. إنه لا إكراه في الدين. لا أحد يجبرك أن تكون مسلماً. وحين يجتمع مسلم مع غيره من الملل الأخرى، فهذا لا يعني ألا يستمع إليه وينظر ما لديه، ويتحاور معه. يستفيد كل منهما من الآخر، ولكن كل أحد وفق ضوابطه الدينية والثقافية والاجتماعية. هكذا ينظر المسلم لمسألة الانفتاح. السبب الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، ودوماً نكرره، هو انفتاح المسلم على الآخر. دينه يدعوه إلى ذلك ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ). هذا التعارف يزيد ويوسع أفق المسلم، بل لا شيء يُخشى منه عليه، طالما أن إيمانه راسخ في قلبه متمكن منه، وعقيدته صحيحة لا تشوبها شائبة، ويعرف الحدود بين الحلال والحرام وما بينهما من أمور مشتبهات، فلم الخوف بعد كل هذا من الآخر؟ لكن التخوف من الحاصل الآن في العالم، سببه - كما قلنا آنفاً - ظهور جيل هش مجوف، أو فارغ من العلم والإيمان، أمام سيول عارمة من التيارات الفكرية والثقافية الضحلة المنحلة، تجرف كل شيء أمامها، ما لم يكن صلباً ثابتاً راسخة جذوره في أعماق الأرض. وحين رأى النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - عمر الفاروق وبيده نسخة أو صفحات من التوراة، شد عليه في الكلام وقال:" أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب – أي أمُتَحَيِّرون أنتم في الإسلام حتى تأخذوه من اليهود – ثم قال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاءَ نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيّاً ما وسعه إلا أن يتّبعني". هذا الحديث كان في بداية تكوين وتربية الجيل المؤمن، الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - متمكناً راسخاً لا يخالط مراحل تربيتهم وتكوينهم شيء من خارج الإسلام. حتى إذا تمكن الصحابة من دينهم، سمح لهم النبي - صلى الله عليه وسلم – لاحقاً، الانفتاح على الآخرين، كما في الحديث الذي رواه البخاري:" بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار". الانفتاح له ضوابطه خلاصة ما أروم إليه: أنه لا شيء في الانفتاح على الآخر، ولكن وفق ضوابط. منها ألا يكون على حساب الدين، فيكون الانفتاح سبباً في خلخلة العقيدة والتي قد تؤدي إلى تشويش وفوضى مؤدية إلى نقطة ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )، والأسوأ هو الوصول إلى الإلحاد. ثم لا يجب أن يكون الانفتاح على حساب الهوية، فينسلخ المرء بفعل الانفتاح غير المنضبط على الآخر من فكره وثقافته وعاداته، فيكون مسخاً لا يُعرف له هوية أو سمة تميزه. العقلية المنفتحة لا تعني التفسخ وتقليد الآخر في مأكله وملبسه ومشربه وعاداته، بحجة التحضر ومسايرة الواقع في العالم. لا، العقلية المنفتحة هي التي تجعل المرء صاحب قدرة على فهم واستيعاب ما يرد إليه من خير الغير أو شره، فيأخذ الخير ويدع الشر أو يصده ويمنعه عن نفسه وغيره. لا نريد أن يدخل هذا الجيل جحر ضب كريه نتن سيء التهوية، فقط لأن الآخر القادم من وراء البحار، دخله ! لا نريد أن يكون هذا الجيل جيشاً من الإمّعات، ولا نريده أن يكون هو من تحدث عنه الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – حين قال:" لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا يا رسول الله: آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ نحن المسلمين في غاية التفتح الذهني، أو العقلية المنفتحة على الآخر لقبول أي شيء " مفيد "، سواء كان من الشرق أو الغرب. لكن في الوقت ذاته، لابد أن نكون بالمرصاد لكل ما يشوش علينا فكرنا، ويبعث الفوضى على أعمالنا، ويفسد علينا ديننا.. والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. abdulla.emadi@gmail.com

10648

| 08 يوليو 2021

ولا ينبئك مثلُ خبير

القائد الناجح، رئيساً كان أم وزيراً أم مديراً، ودون كثير مقدمات وشروحات، هو ذاك المتواضع الذي يحترم من يعمل معه. التواضع واحترام الآخرين، صفتان رئيسيتان لابد منهما في أي قائد ناجح، أو يرغب في النجاح، تضاف إليهما قدرة أو مهارة فائقة، ليس للاستماع لمن معه وحوله فحسب، بل ينصت باهتمام حتى يعي ويفهم ما يُقال له. تقع كثير من مشكلات العمل، لاسيما بين الرئيس والمرؤوس، بسبب أن الأول لا يريد أن ينصت، بل هو لا يسمع، وبالتالي لا تجده يفهم ويعي الحديث، وهذا بالضرورة يقوده إلى اتخاذ قرارات أو إصدار توجيهات، غالباً لا تصيب الهدف، فيأتيك غاضباً بعد حين من الوقت ويتساءل عن سر تدني الأداء والمستوى والإنتاج وغيرها!. إذا أردنا ذكر صفات أخرى للقائد الناجح وبشكل سريع في هذه المقدمة، وقبل الدخول في لب موضوع اليوم، فإننا نذكر من تلك الصفات، أنه يتقبل النقد الهادف بكل رحابة صدر، ويتميز بسمعة واسعة مفادها أنه من القلائل الذين يسعدون بجلب وتعيين من هم أفضل وأقوى منه في العمل، لا يخشى منهم، بل يعتبرهم إضافة حقيقية له وقوة يستعين بها على تحقيق مقاصد وأهداف المؤسسة، أو الشركة، أو الحكومة، أو الدولة بشكل عام. ثم هو يثق في قدراته، لكنه مع ذلك يدرك قيمة العمل الجماعي أو العمل بروح الفريق الواحد، فتراه بسبب ذلك يستشير هذا وذاك، ويسأل الصغير والكبير، ويستفيد من خبرة وعلم كل من معه، فلعل أحدهم يكون معه مفتاح الإبداع دون أن يدري، فتكون مهمته كقائد أن يتعرف عليه ويتعاون معه لفتح مغاليق الإبداع، ليكون الاثنان سبباً في أي نجاح إن حدث، حيث لا تجده ينتهز الموقف والمنصب ليستولي على النجاح، وينسبه إلى شخصه، بل هو يشارك الجميع فيه. الخبير قولاً وعملاً المقدمة السابقة شبه الطويلة عن القيادات والكفاءات كان لابد منها، ونحن ندخل في موضوع بالغ الأهمية ويتعلق بالمستشارين أو الخبراء، الذين تجد أمرهم يدخل تلقائياً ضمن سياق أي حديث عن الإدارة والكفاءة والنجاح، وأهمية اختيار المستشار أو الخبير بعناية فائقة، حتى يكون صاحب مهمة معينة فعلية، لا أن يتحول إلى تحفة فنية في مكاتب الوزراء والقادة!. اختيار المستشارين أو الخبراء والمعاونين، مسألة أجدها غاية في الأهمية لمن أراد أن يدير مؤسسته، أو شركته، أو وزارته، أو دولته بكل أمانة ودقة، سواء كان يرجو بذلك وجه الله ورضاه، أو يرجو تحقيق مصالح ومكاسب دنيوية ترفع من شأنه واسمه، ولن نختلف ها هنا حول المقاصد النهائية، بحثاً عن دنيا عاجلة أو رجاء آخرة باقية، لأن الحديث يدور حول آلية اختيار المساعدين والمستشارين ومن يستعين بهم الرئيس أو الزعيم أو القائد لإدارة شؤون الدولة، أو الوزارة، أو الشركة، أو ما شابه من كيانات إدارية، صغرت أم كبرت. من هو الخبير ومن هو المستشار؟ الخبير هو ذاك المهني صاحب الدراية المتعمقة بمجال معين محدد، يعرف تفاصيل ودقائق الأمور فيه، كأن نقول: هذا خبير اقتصادي في مجال الكشف عن مواقع النفط مثلاً. أما المستشار فهو صاحب باع طويل وواسع في مجال ما، يعرف علاقات وقوانين وأنظمة مرتبطة بهذا المجال، كأن نقول: مستشار تربوي لوزير التربية والتعليم مثلاً. الخبير يُطلب منه الرأي في مجاله، فيقدمه للطالب، والمنطق السليم يقتضي الأخذ برأيه، أما المستشار، فإنه يبدي رأياً للمسؤول حين يُطلب منه أو يبادر بعرض وجهة نظره أو رأيه، لكن الفرق بينه وبين الخبير، أن المستشار قد يؤخذ برأيه أو يُرد. والمنطق الإداري السليم ها هنا أن رأيه غير ملزم للمسؤول، الذي ربما يكون محاطاً بعدد من المستشارين، في حين يكون رأي الخبير - كما يقتضي المنطق الإداري السليم – أقرب إلى الإلزام أو القبول به، إذ لا يوجد سبب مقنع وجيه لرفض رأيه من المسؤول، إلا إذا وجد رأياً أكثر وجاهة وعمقاً من خبير ثانٍ يفوق الأول، عمقاً ودقة في علمه وخبراته. من هنا تأتي الآية الكريمة تبين مكانة الخبير في قوله تعالى (ولا ينبئك مثلُ خبير) أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، مثل خبير بها - كما جاء في تفسير ابن كثير - على رغم أن بعض المفسرين قالوا إن الله في هذه الآية، يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة، ولكن بعضاً آخر من المفسرين رأى في الآية إشارة مهمة إلى منزلة الخبرة، التي يصل إليها أي مشتغل وباحث في مجال محدد، والتعمق في تفاصيله ودقائقه. الرسول قدوتنا في مسألة الخبراء والمستشارين النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – بخبرته في الحياة والتعاملات مع البشر، ومعرفة شخصياتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكياتهم ومهاراتهم، كان دقيقاً في اختيار مستشاريه والخبراء الذين أحاط نفسه بهم، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو غيرهما من مجالات، فقد كان دقيقاً مثلاً في اختيار أمراء السرايا وقادة المعارك وغيرها من المهام الحياتية المتنوعة آنذاك، في قصة رفع الأذان المعروفة، جاءه أحد الأنصار وهو عبدالله بن زيد الأنصاري، بعد رؤية صالحة رأى فيها ما يقوله المؤذنون اليوم، وقد توافقت رؤياه رؤية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - ورغب أن يكون له شرف القيام بمهمة رفع الأذان، لكنه – صلى الله عليه وسلم – لم يوافق له على رغبته، لعلمه أن بلالاً أندى صوتاً من الأنصاري، فاختار بلال بن رباح ليكون مؤذن المدينة. قصة غاية في البساطة، لكنها إشارة إلى أهمية أن يكون القائد على دراية بمن معه، فقد كانت له – صلى الله عليه وسلم - رؤيته الثاقبة ونظرته إلى الرجال، وكأنه يعلمنا أنه ليس دوماً وليس شرطاً أن تكون بعض المعايير التي نتفق عليها بشأن اختيار القادة والمسؤولين أو الخبراء والمستشارين، صحيحة، فلكل مهمة قائد أو شخص معين، وفي الوقت ذاته ليس بالضرورة أن ينفع هذا الشخص في مهام أخرى، أو إن نجح فلان في مهمة، فليس شرطاً أن ينجح في مهمة أخرى، وهكذا. اختيار الخبراء والمستشارين ليس مكافأة نهاية خدمة نستخلص مما سبق أهمية وضرورة التأنّي لدى أي مسؤول حين يقوم باختيار معاونيه، أو مستشاريه، أو خبرائه، إن أراد النجاح في مهمته، الأمر لا يجب أن يكون نوعاً من المكافأة أو شراءً للذمم أو أهداف أخرى، بل لابد أن يكون اختيار المستشارين أو المعاونين أو ما شابههم في المهام، بعيداً عن نظام المحسوبيات والمجاملات، سواء لمن يتم اختيارهم أو لمن قام بتزكيتهم وترشيحهم، الأمر أكبر وأخطر من ذلك بكثير. اختيار المستشارين ربما يأتي مقدماً على اختيار الخبراء، باعتبار أن المستشار يكون أقرب للمسؤول ويبدي الرأي في مجال أوسع نطاقاً من الخبير، ومن هنا لابد أن يكون اختيار المستشارين وفق معايير محددة تشمل الكفاءة والخبرات المتراكمة اللازمة في المجال الذي يتم اختياره له، بالإضافة إلى ضرورة تمكنه من كثير من المهارات الشخصية، كالتفكير الناقد وتحليل المشكلات، والقدرة والإبداع في ابتكار وتقديم الحلول بتجرد وموضوعية، دون نزوع إلى ترضية هذا وذاك على حساب المصلحة العامة أو الكبرى. المسألة في النهاية أمانة، والأمانة هي كل ما تم الائتمان عليه من قول، أو عمل، أو مال، أو علم، وأي اتباع للهوى والمزاج في تقديم الاستشارة للمسؤول، إنما هو أقرب إلى خيانة الأمانة، فقد يسير موكب الكيان الإداري، سواء كان على شكل شركة، أو مؤسسة، أو وزارة، أو دولة، بيسر وأمن وأمان ونجاح واستقرار، حين يقوم الجميع بأداء مهامهم بأمانة واقتدار، ونقيض ذلك يؤدي بالضرورة إلى التخبط وعدم استقرار، ومن خسارة إلى أخرى، وصولاً إلى انتكاسة أو أعمق من ذلك وأعقد، والأمثلة من هنا وهناك أكثر من أن نحصيها، كان للمستشارين تحديداً وربما أحياناً بعض الخبراء أو المعاونين، دورهم في النجاحات أو الانتكاسات. تقع النجاحات حين يقوم المستشارون أو الخبراء والمعاونون بأدوارهم بكل أمانة وجدارة واقتدار، فيما الانتكاسات تزلزل الكيانات إن تخلى أولئك عن أماناتهم وعهدهم، متبعين أمزجتهم وأهواءهم، بل ربما أهواء غيرهم أيضاً على حساب المنفعة العامة، وعلى رغم علمنا جميعاً أن الله يحب أن تؤدى الأمانات إلى أهلها كاملة غير منقوصة، إلا أن الواعين لمثل هذه القبسات القرآنية قليل قليل. abdulla.emadi@gmail.com

9231

| 01 يوليو 2021

وما عند الله خيرٌ وأبقى

ليس هناك أدنى شك في أن ما عند الله أو ما أعده سبحانه في الآخرة لعباده الصالحين الطائعين، خيرٌ وأبقى.. خير من الدنيا وما فيها. فما هذه الدنيا إلا متاع زائل لا محالة. متاع منزوع عنه حقيقة الخلود. تلك الحقيقة التي ستكون حاضرة في كل أمور الآخرة، من جنة ونار، سعادة وشقاء. تأتي الآية الكريمة في سورة الشورى ( وما عند الله خير وأبقى) لتقرر أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. لكن لمن ستكون تلك الخيرية أو خوالد الأمور والأشياء في الآخرة؟ إنها مقررة للذين يتصفون بصفات معينة، ويقومون بأفعال محددة، ويمتازون عن غيرهم بطبائع وسلوكيات تجعلهم مؤهلين لنيل خيرية الآخرة. فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى. السؤال الذي يطرح نفسه ها هنا: لمن هذه الخيرية يا رب؟ إنها بكل وضوح كما تقول الآية (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) بالإضافة إلى صفات أخرى سنأتي عليها بعد قليل.. فتلك الخيرية إذن للذين وقر الإيمان في قلوبهم أولاً واستقر وتمكن منها. سلوكياتهم وأفعالهم وأقوالهم تمضي وفق ما استقر من إيمان عميق بالله في القلوب. هذا ما وجده الصحابة الكرام بعد أن انتقلوا من عالم الكفر والفوضى إلى عالم الإيمان والنظام والاستقرار. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي - رحمه الله - في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن هذا الإيمان:" وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع، لا يخضعون لسلطان، ولا يقرون بنظام، ولا ينخرطون في سلك، يسيرون على الأهواء، ويركبون العمياء، ويخبطون خبط عشواء. فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان، والأمر والنهي، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة، وأعطوا من أنفسهم المقادة، واستسلموا للحكم الإلهي استسلاماً كاملاً ووضعوا أوزارهم، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله، ولا يرضون ولا يسخطون، ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره". ومن يتوكل على الله فهو حسبه ثم متى استقر الإيمان في القلب، اطمأنت النفس قبل الجسد، وصار بالتالي مفهوم التوكل على الله في كل الأمور واضحاً لا ريب فيه، وهو الصفة الثانية بعد الإيمان، للذين أعد الله لهم ما بالآخرة من خير لا مثل له في الدنيا (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). إن تخلى الناس عنك فتوكل على الله، وإن عاداك الخلق فتوكل على الله، وإن تآمر عليك متآمرون فتوكل على الله، وإن أردت النصر من الله فتوكل عليه.. ليكن توكلك على الله بشكل خاص في عظائم الأمور، تنال صغائرها دون أن تشعر، ولتكن همتك عالية وتوكلك على الله عظيماً، ولا تكن مغبوناً في توكلك. في هذا يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله:" ترى بعض الناس يصرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، مع أنه يمكنه نيلها بأيسر شيء، وفي المقابل ينسى أو يغفل عن تفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان، والعلم، ونصرة الدين، والتأثير في العالم خيراً، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة. كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين". والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش لا شك أن القلب المتمكن منه الإيمان الصحيح، ليس به تلك الفراغات التي يمكن أن يقذف فيها الشيطان ما يعكر صفوه ونقاءه. ذلك أن قلب المؤمن الصادق، المتوكل على الله في كل أموره وشؤونه، لا يتوافق أو يتآلف مع الآثام والمنكرات، صغيرها وكبيرها. حتى وإن ضعف بحكم فطرته البشرية، فإنما يظهر الضعف في الصغائر، التي تمحوها بإذن الله الحسنات، التي يُذهبن السيئات. إن طهارة القلب، ونظافة السلوك من كبائر الإثم ومن الفواحش - كما يرى صاحب الظلال - أثر من آثار الإيمان الصحيح، وضرورة من ضرورات القيادة الراشدة. وما يبقى قلبٌ على صفاء الإيمان ونقاوته وهو يقدم على كبائر الذنوب والمعاصي ولا يتجنبها. وما يصلح قلبٌ للقيادة وقد فارقه صفاء الإيمان وطمسته المعصية وذهبت بنوره. ثم تواصل الآية الكريمة ذكر الصفات الواجبة لنيل خيرية الآخرة، لنجد صفة ضبط النفس والتحكم فيها عند أشد أنواع الانفعالات الفطرية سهلة الإثارة، وهو الغضب (وإذا ما غضبوا هم يغفرون ). الوصية الذهبية التي خرج بها أعرابي من عند الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: أوصني، قال: لا تغضب. فردد مراراً، قال: (لا تغضب) لما في الغضب من انفعالات ومشاعر تفصل الإنسان ولو للحظات قليلة عن الواقع، قد يقوم أثناءها بسلوكيات وأفعال، ربما لن ينفع معها بعد ذلك ندم طوال عمره، ولات حين مناص. إن الغضب ينقص من الدين، ويؤثر على المظهر العام للشخص، بالإضافة إلى تأثيراته السلبية على الصحة بشكل لا خلاف عليه، كما يقول بذلك السادة الأطباء وخبراء النفوس الإنسانية. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة صفة أخرى عظيمة من صفات أولئك المستحقين لخيرية الآخرة، والخلود فيها. إنها الاستجابة لأوامر الله ونواهيه، وطاعته والسير على صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. استجابة خالصة نقية لا تشوبها شائبة، ولا يخالطها تردد أو شك قيد أنملة. وكيف يكون التردد وقد ارتقت نفوسهم وصفت وتعالت على كبائر الإثم والفواحش، صغيرها وكبيرها، حتى صارت مهيأة لأي أمر أو نهي من لدن العلي القدير، ومن ذلك إقامة الصلاة، عماد الدين، لحديث جابر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة. من يقيم الصلاة في أوقاتها، محافظاً على أدائها بالصورة الصحيحة المعروفة، غير متكاسل ولا متهاون في أمرها، فإنه مع سائر العبادات والتعاليم الأخرى أحفظ، وإلى التحلي بصفات أهل الآخرة أقرب. ومن ذلك الإنفاق في سبيل الله، زكاة أو صدقات، فإن الإنفاق هو أحد الأعمال المزكية للنفس، تخلصها من حب المال وملحقاته من طمع أو جشع أو اسراف وتبذير وغير ذلك مما تعطل النفس التواقة للآخرة من المضي قدماً في مسعاها. وأمرهم شورى بينهم تأتي بعد استقرار الإيمان في القلوب والاستجابة لأوامر الله ونواهيه، وضبط النفس وقت الشدائد، صفة أخرى راقية من صفات المؤمنين الصادقين، وهي المشورة أو الشورى في الآية الكريمة - مدار حديثنا اليوم - (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم). أي لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم - كما جاء في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي – مضيفاً إلى أن هذا لا يكون إلا فرعاً عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمراً من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لمهمة أو قضاء أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عموماً، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية. تلكم كانت بعض صفات من وعدهم الله ما عنده من خير أعظم وأجلّ وأزكى وأرقى وأبقى. خيرية دائمة خالدة، جزاء وفاقاً لمن آمن بالله صدقاً وعدلا، واستجاب لله وأطاعه سراً وعلانية، وأقام الصلاة وزكى نفسه بالإنفاق، وسار مع الجماعة، يشاورهم لا يفرق أمرهم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. abdulla.emadi@gmail.com

8505

| 24 يونيو 2021

لأحتنكنّ ذريته إلا قليلاً منهم

ما إن رأى إبليس ذاك التكريم الإلهي للمخلوق الجديد، حتى أخرج ما بنفسه من مشاعر وصفات وأخلاق. أظهر الكبر والحسد والغيرة ونكران الجميل. أخلاق تجمعت سريعاً فكانت كفيلة بطرده مما كان فيه، وتنزيل رتبته من الملائكية الرفيعة إلى الشيطانية الدونية، وهذا ما حدث في الملأ الأعلى في زمن من الأزمان. لكن هل انتهى مشهد طرد إبليس من المقام الملائكي الرفيع إلى الشيطاني الوضيع بالسرعة التي يمكن تخيلها؟ لا، لم ينته سريعاً، بل استمر في الخصام والجدال العقيم، ورأى أن يطلب من الله العلي القدير، الطلب الأخير قبل الرحيل. طلب الخلود في الحياة الدنيا، ليس للتوبة والإنابة بالطبع، بل لبدء مرحلة جديدة مع هذا المخلوق وذريته، والعمل على تأسيس صناعة العداوة لهذا الذي كرّمه الله عليه وذريته إلى يوم القيامة، فاستجاب الله له. فهل رحل سريعاً؟ بالطبع لم يرحل إلا بعد أن أخرج ما بنفسه التعيسة من حقد تكوّن سريعاً، وأعلنه صريحاً أمام القدير.. من جملة ما قال وتعهد بتنفيذه إلى يوم الدين ( لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ). تقول العرب احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله. وفي قول آخر، حنك الدابة يحنكها: إذا شد في حنكها الأسفل حبلاً يقودها - كما في تفسير البغوي - أي: لأقودنهم كيف شئت. وقيل لأستولين عليهم بالإغواء ( إلا قليلا ) يعني المعصومين الذين استثناهم الله عز وجل في قوله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان). بعضكم لبعض عدو بدأت سريعاً رحلة العداوة بين الإنسان والشيطان إلى ما شاء الله لها أن تكون، بعد أن ارتكب آدم - عليه السلام - خطيئته الأولى وأكل وزوجته من الشجرة - رمز المحظور - من بعد أن خفت عزيمته وإرادته للحظات معينة، وسار وراء شهوته وغريزته البشرية، حتى كانت الخطيئة الأولى التي أخرجتهما من الجنة إلى الأرض، حيث ستكون هذه الأرض ميدان المواجهة، والمعركة بين الخير والشر، والحق والباطل إلى قيام الساعة. لكن على رغم أن آدم - عليه السلام - ارتكب المحظور بفعل الفطرة البشرية، عاد سريعاً بحسب الفطرة ذاتها، حيث تاب وأناب، فغفر الله له. ثم أرشده الله وبين له مصدر الغواية، وعرّفه بعدوه وعدو ذريته إلى يوم الدين. فأدرك تمام الإدراك أن وجوده وخلافته في الأرض، تستلزم منه وذريته فهم حقيقة الأمر، وأن هناك طريقين في هذا الوجود لا ثالث لهما. إما الله وإما الشيطان - كما جاء في ظلال القرآن - وإما الهدى وإما الضلال. إما الحق وإما الباطل. إما الفلاح وإما الخسران. هل احتنك إبليس البشر ؟ هل وضع إبليس حباله في الحنك الأسفل لبني آدم يقودهم أينما شاء وكيفما شاء؟ هل ينفذ إبليس وعده وعهده اليوم، مع ذرية آدم الذي بسببه تم طرده من السماء إلى الأرض؟ هل نجح إبليس في صناعة الإغواء والبغضاء والعداوة بين البشر؟ الأسئلة أكثر مما يمكن أن تحتويها هذه المساحة المحدودة، والإجابات على تلكم الأسئلة لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات. فأينما وجهت وجهك اليوم، ونظرت إلى حال البشر، وجدت الشيطان في التفاصيل. تلك التفاصيل التي صارت شرارات لعداوات ستدوم طويلا، أو مشاريع للشر تتسع وتنتشر، أو أساسات لعلاقات متوترة ستغلب عليها الديمومة، أو غيرها من تلك السلوكيات أو الأفعال التي يسعد بها إبليس أيما سعادة، ويطرب لها ليلاً ونهارا. طالع وتجول ببصرك وسمعك وفؤادك في عوالم السياسة والتجارة والعلاقات البشرية المتنوعة، ولاحظ كمية وعدد من احتنكهم الشيطان، وصار يقودهم يمنة ويسرة، حتى وصل الحال بكثير منهم أن يجاهر بأفعال وسلوكيات - أكاد أزعم أن الشيطان نفسه لم ولن يجهر بها – كما يقوم بني البشر بذلك ! وإلى يوم الناس هذا، يستمر الشيطان في نجاحاته مع ذرية آدم، وإن كانت هناك إخفاقات بالمثل، لكن نجاحاته أكثر، ليس لشدة ذكائه أو قدرة منه، بل لغباء الإنسان. فالشيطان لم يضرب متابعيه بالعصا – كما يقول الحسن البصري رحمه الله - ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه. كيف نكذّب ظن إبليس ؟ يعتقد إبليس منذ القدم أنه ناجح في عمله، فقد ظن ظناً معيناً، وصدّق نفسه أو ظنه. في هذا يقول الحسن البصري - رحمه الله – كما جاء في تفسير ابن كثير: لما أهبط الله آدم من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. كان ذلك ظناً من إبليس. فأنزل الله عز وجل) ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ( فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده وأمنّيه وأخدعه. فقال الله عز وجل (وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له). لقد نزل آدم وزوجه إلى الأرض، وهما يدركان طبيعة المعركة التي سيعيشانها وذريتهما مع عدوهم الواضح البيّن، والذي أعلن عداوته منذ اللحظات الأولى من ظهور هذا المخلوق البشري. ودون شك أن نتيجة هذه المعركة التي بدأت منذ الأزل، ولازالت مستمرة إلى ما شاء الله لها أن تستمر، يقررها الإنسان بنفسه هو. فإن أراد كسب المعركة ضد الشيطان، فله ذلك. أو يترك الأمر لعدوه، فتكون النتيجة بالتالي خسائر متتالية دون أدنى ريب. والقرآن الكريم واضح في هذا الأمر (فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى). وتلكم هي خلاصة حديث اليوم. abdulla.emadi@gmail.com

6888

| 17 يونيو 2021

alsharq
ما بين ضفتي الخليج

في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات...

5916

| 06 أبريل 2026

alsharq
القشرة اللامعة.. وهم المعرفة السطحية

في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت...

2757

| 05 أبريل 2026

alsharq
وضع النقاط على الحروف

-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...

2067

| 02 أبريل 2026

alsharq
في الأزمات... هل تضغط الموارد البشرية على الموظفين؟

عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...

1797

| 02 أبريل 2026

alsharq
حين نؤجل الفرح… نخسر الكثير

كثير من الناس يعيشون حياتهم وكأن الفرح موعد...

1590

| 02 أبريل 2026

alsharq
اسمعوها مني صريحة

«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...

1407

| 02 أبريل 2026

alsharq
هل نحن بحاجة إلى كل هذه المؤسسات الخيرية في قطر؟

حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...

1347

| 02 أبريل 2026

alsharq
الأعمال المحظورة على الموظفين

إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم...

1137

| 06 أبريل 2026

alsharq
الإدارة الخضراء.. يولد جيل أخضر

في بيتنا لم تكن تلك العلب تُرمى بسهولة،...

1116

| 03 أبريل 2026

alsharq
من لفتة كريمة.. إلى أثر لا يُنسى

في مشهد يعكس عمق الرؤية وسمو الاهتمام بالإنسان،...

978

| 06 أبريل 2026

alsharq
مكافحة الشائعات في زمن الحروب والتضليل الرقمي

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...

873

| 01 أبريل 2026

alsharq
إلى متى؟

فعلاً إلى متى سنبقى بين التحذير والتطمين من...

648

| 02 أبريل 2026

أخبار محلية