رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأمل معي قوله تعالى (ٱعْلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ ۖ ) إلى آخر الآية. ألا تستشعر أن القرآن هاهنا يقلل من قيمة الحياة الدنيا، فتجد من خلال تأملك للآية، أن سعيك الحثيث في أعمالك، وجدك واجتهادك في أمور دنيوية لا صلة لها بالآخرة، إنما هو إضاعة للوقت فيما لا يعود بنفع عليك لمستقبل قادم ستراه؟ وبالطبع لا أقصد بالمستقبل، هو ذاك المستقبل الدنيوي، إنما ذاك المستقبل الحقيقي الذي يكون في حياة آخرة باقية خالدة. إن مشهد تقليل شأن الدنيا الذي يقوم به القرآن، يتضح لك أكثر من خلال بقية الآية، حين يوصف الله الدنيا بأنها (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًا ۖ )، وكلمة الحطام تعطيك تصوراً بأن الدنيا أشبه بورقة شجر يابسة، ما إن تضغط عليها حتى تتفتت وتطير مع أي هبة ريح. إنها بالإضافة إلى ذلك، لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لماذا؟ لأن الحياة الدنيا– كما في تفسير ظلال القرآن لسيد قطب – "حين تقاس بمقاييسها هي وتوزن بموازينها، تبدو في العين وفي الحس أمراً عظيماً هائلا. ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزن بميزان الآخرة، تبدو شيئاً زهيداً تافها. وهي هنا في هذا التصوير تبدو لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة من جد تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة. أما الآخرة فلها شأن غير هذا الشأن، شأن يستحق أن يُحسب حسابه، ويُنظر إليه، ويُستعد له. فهي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا. وهي لا تنتهي إلى حطام كذلك النبات البالغ أجله. إنها حساب وجزاء ودوام يستحق الاهتمام". من هنا يتبين لنا أهمية الاستثمار للغد، وبالطبع ليس الغد الدنيوي القريب -كما أسلفنا- بل الأخروي، والذي لا أقول عنه "غد بعيد"، بل هو ربما يكون الأقرب لأي أحد منا من الغد الدنيوي، فالآجال محددة، وآخرة الإنسان تبدأ لحظة موته وانتقاله من الفانية إلى الباقية.. وفي كل الأحوال، ليس مقصدنا هنا الحديث عن التوقيت، بقدر ما هو كيفية استثمار اليوم الدنيوي للغد الأخروي، دون أن ننسى بالطبع نصيبنا من الدنيا كما يوجهنا القرآن (وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ). أعمار أمتي من الستين إلى السبعين في الحديث أن أعمار أمتي من الستين إلى السبعين وأقلهم من يجاوز ذلك، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك إشارة إلى قصر الأعمار أو المدة الزمنية المقررة لهذه الأمة، على عكس ما كانت الأمم السابقة. وقد قال الإمام الطيبي صاحب كتاب التبيان في المعاني والبيان، في مسألة الأعمار هذه أنها: "رحمة الله بهذه الأمة ورفقه بهم، أخرهم في الأصلاب، حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد نفاد الدنيا. ثم قصّر أعمارهم لئلا يلتبسوا بالدنيا إلا قليلا، فإن القرون السالفة كانت أعمارهم وأبدانهم وأرزاقهم أضعاف ذلك. كان أحدهم يُعمّر ألف سنة، وطوله ثمانون ذراعا وأكثر وأقل، وحبة القمح ككلوة البقرة، والرمانة يحملها عشرة، فكانوا يتناولون الدنيا بمثل تلك الأجساد، وفي تلك الأعمار، فبطروا واستكبروا وأعرضوا عن الله (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)، فلم يزل الخلق ينقصون خلقاً ورزقاً وأجلاً إلى أن صارت هذه الأمة آخر الأمم، يأخذون أرزاقاً قليلة، بأبدان ضعيفة، في مدة قصيرة، كيلا يبطروا. فذلك رحمة بهم." لكن مع قصر الأعمار لهذه الأمة، إلا أن الله عوّضنا بأجور عبادات نقوم بها، تقلل الفارق في مسألة الأعمار. ومن ذلك مثلاً، جعل لنا ليلة في العام تعادل العبادة فيها، عبادة ثلاثة وثمانين عاماً، هي ليلة القدر لمن تحراها وقام بما يجب إيماناً واحتسابا. ومن ذلك أيضاً، الإكثار من العمل الصالح في العشر الأوائل من ذي الحجة، وصوم يوم عرفة، وغير ذلك من أعمال وعبادات متنوعة، كلها تصب في خانة استثمار العمر فيما ينفع للمستقبل الأخروي. اجعل لك خبيئة من طرق استثمار الوقت أو العمر الكثيرة والمتنوعة، العمل على تجسيد وصية نبوية كريمة على أرض الواقع، والمتمثلة في قوله عليه الصلاة والسلام: "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل". وحين نتحدث عن فكرة الخبيئة أو العمل الصالح الخفي، تتبادر إلى الذهن قصص كثيرة، منها قصة في التاريخ مشهورة، يمكن اعتبارها نموذجاً للخبيئة، أو العمل الخفي بين الله والعبد، وهي قصة صاحب النقب، الذي لم يعرفه أحد حتى اليوم والى قيام الساعة. وحقق الله ما أراده. حاصر القائد مسلمة بن عبدالملك بن مروان في إحدى المعارك ضد الروم، حصناً منيعاً لهم لم يجد المسلمون طريقة لاقتحامه إلا واستخدموها دون جدوى. حتى قام أحد الجند وقد تلثم، وأحدث نقباً في جدار الحصن دون أن يتنبه إليه جند الروم، فإذا ما طلع النهار، قام صاحب النقب باقتحام الحصن عبر النقب الذي أحدثه، وفتح إحدى أبوابه، وما انتبه الروم إلا وجنود مسلمة وقد اقتحموا الحصن مكبرين مهللين، وانتهى بذلك الحصار الطويل بهزيمة الروم. بعد أن انتهى المسلمون من المعركة، قام قائد الجيش مسلمة فنادى في جنده: أين صاحب النِّقب؟ فما جاء أحد، فنادى أخرى: إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه -أي حلفت- إلا جاء. وفي الليل والقائد بخيمته، جاء رجل ملثم فقال للحاجب: استأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه. فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له، فقال: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تُسَوِّدُوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو. فقال مسلمة: فذاك له. قال في استحياء: أنا هو. فكان مسلمة، كما جاءت بالروايات التاريخية، لا يصلي بعدها إلا ويردد دعاءً يقول فيه: "اللهم اجعلني مع صاحب النقب". إن أحدنا كما يحرص على أن يستر نفسه من الأفعال السيئة التي يقوم بها بين حين وآخر، ولا يعلم بها إلا الله، فإنه جدير به كذلك الاستمرار على النهج نفسه، ولكن مع الخير والعمل الصالح كما قال الصحابي الجليل، الزبير بن العوام -رضي الله عنه-: "اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح كما أن لكم خبيئة من العمل السيء". والله كفـيـل بكل جمـيـل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
7775
| 03 مارس 2022
معروف عن حيوان الأخطبوط كثرة أياديه والتي تبلغ ثمانية، وقدرته على استخدام تلك الأيادي في وقت واحد ولعدد من المهام، حتى صار نموذجاً يُضرب به المثل في عالم الإدارة والأعمال عند البشر، فيقال لمن يقوم بعدة أعمال أو مهام في آن واحد بالسيد أخطبوط، مع ما لذلك التشتت من سلبيات وأخطاء وقلة جودة وعدم تركيز، إلى غير ذلك من مساوئ. يقول مؤلف كتاب "مدير لأول مرة": "إن استخدام مصطلح "الأخطبوط" في وصف نوعيات من المديرين الذين يشبهون هذا الحيوان، دقيق وشامل.. ذلك أن مثل هؤلاء المديرين أو القادة أو المسؤولين العظام، يمدون خيوطهم ليستولوا على جميع المهام والمناصب". وأحسبك الآن أيها الموظف بدأت تتساءل عن عالم السيد أخطبوط، الذي سنتعرف عليه عن قُرب في السطور التالية.. لو صادفت أيها القارئ أخطبوطاً في موقع عملك، على شكل مدير، أو رئيس، أو مسؤول، فاعلم بادئ ذي بدء بأنك ستعاني منه كما غيرك من الموظفين في نفس الموقع، ولن يكون بمنأى عنه سوى ثلة قليلة مقربة تستفيد منه بشكل وآخر. إن كنت ترغب الحصول على ترقيات مثلاً، أو مكافآت معينة من السيد أخطبوط، فستكون مثل من ضيع في الأوهام والآمال عمره. لماذا؟ لأنه لن يفوضك بالقيام بأي مهمة في موقع العمل، وخصوصاً تلك الصعبة التي يؤدي إنجازها إلى تحقيق شهرة وسمعة، وبالتالي ترقيات ومكافآت؛ إذ تراه يحتفظ هو عادة بخيوط تلك المهام ليديرها بنفسه، حتى إذا ما تحققت وتم إنجازها، تكون المكاسب والشهرة والمجد له وحده دون غيره، لكنه لن يمانع في تكليفك بمهام هي في عُرف الموظفين، تافهة وقليلة الأهمية. السيد أخطبوط إن لاحظ فيك قدرة على الإبداع في عملك، ولديك من المهارات ما تمكنك من الظهور وبروز نجمك، كما أسلفنا، فإنه سيعمل من فوره للتضييق عليك بصورة وأخرى، كيلا تجد تلك المساحة من الحرية الدافعة للإبداع والإنتاج أولاً، ومن ثم لا يتحقق لك المجد والنجاح ويسجل باسمك ثانياً! هكذا هي العقلية الأخطبوطية؛ تجده يعمل ما بوسعه أن يكسر شوكتك وعظامك، مهما كانت طرية شابة، إن وجد منك محاولات اعتراضية، أو عدم تقبل لتوجهاته وقراراته وسياساته. السيد أخطبوط لا يعرف معنى للتفويض، ومعنى المساعدين والنواب.. إنه يعيش في وهم البطولة، وخلاصته أنه هو وهو فقط، السبب الأوحد في نجاح أي عمل بالمؤسسة أو الشركة أو موقع العمل، وما لم تكن له بصمة في أي عمل، فمصيره الفشل، ولن يتحقق ويُنجز بالشكل المأمول.. هكذا يفكر أخطبوط. السيد أخطبوط يتدخل في كل صغيرة وكبيرة. يغرق نفسه، بل يستمتع في التفاصيل ولو أدى ذلك إلى تعطيل العمل. يريد أن يشعر أنه على علم وإلمام بأدق التفصيلات والجزئيات. لا يريد ترك جزئية ما لأحد العاملين معه، ولو كان من كان، دون أن يكون له هو نفسه رأي أو علم بها. ويضيف مؤلف الكتاب، سمة طريفة في السيد أخطبوط، هي أنه نادراً ما يستفيد من رصيد إجازاته كلها مرة واحدة، وإنما يجزئها لسبب وجيه هو يراه أو يعتقده، مفاده أن العمل لن يسير بشكل آمن ومطمئن دونه، وبالتالي غيابه سيكون مؤثراً على العمل بصورة وأخرى.. هكذا اعتقاده. العقلية الأخطبوطية إن انتشرت في أي موقع عمل، فهي مشروع لكارثة مستقبلية، وأي مؤسسة أو شركة أو موقع عمل، يظهر فيه أخطبوط، فاعلم أيها القارئ الكريم، أن الإحباط سيكون هو المسيطر على الجميع، واللامبالاة ستكون ضاربة بجذورها أعماق العاملين، لاعتبار مهم هو أن السيد أخطبوط هو مسيطر على مقاليد الأمور كلها، وفرص النجاح أو الحصول على تقدير أو مكافأة، تصير ضرباً من المستحيلات، وبالتالي لن يكون غريباً شيوع شعور اللامبالاة، وتكاثر التساؤلات حول جدوى التعب والجد والاجتهاد، إن لم يكن هناك من يقدّر ويعطي لكل ذي حق حقه. السيد أخطبوط نموذج فرعوني في الإدارة، كما كان فرعون في الحكم والسياسة. وأي إنسان منا عنده القابلية لأن يكون فرعوناً بدرجة وأخرى، لأن ما يدعو الإنسان لسلوك هذا المسلك، والتصرف بالطريقة التي كان عليها فرعون في قومه ودولته، إنما لمجموعة عوامل، إن توفرت كلها أو بعضها لدى الإنسان، فسيكون قاب قوسين أو أدنى من أن يكون فرعوناً. وصاحبنا الأخطبوطي، نموذج فرعوني دون أدنى شك. حين تتوفر لمسؤول ما صلاحيات واسعة بقدرة قادر؛ صلاحيات لم يسعَ إليها ولم يحصل عليها بجهده وتفانيه ومثابرته، مع وجود بطانة سوء مستفيدة منه تزين له الأمور والحاجيات، مع قناعات داخلية عنده بعدم جدوى ونفع العمل الجماعي، فإنما هذا باختصار شديد، مشروع فرعون جديد يبدأ يتضخم مع الوقت، سواء كان على شكل زعيم سياسي، أو قائد عسكري أو رئيس مدني، أو وزير أو مدير أو غيرهم. وصاحبنا المدير الأخطبوطي منهم. إن القائد الذكي وليس الأخطبوطي، هو من يكسب الناس حوله، ويجذب قلوبهم نحوه، وكلما استطاع القائد المضي قدماً في هذا الأمر، وخلق روابط قوية بينه وبين من معه، سواء كانوا موظفين أو أنصاراً أو معجبين، كلما كانت فرص نجاحه أكبر وأكثر. القائد الحقيقي وليس الأخطبوطي، يثق في قدراته، ويدرك تماماً قيمة العمل الجماعي، أو العمل بروح الفريق الواحد. تراه بسبب ذلك، يستشير هذا وذاك، ويسأل الصغير والكبير، ويستفيد من خبرة وعلم كل من معه، فلعل أحدهم يكون مفتاح الإبداع معه دون أن يدري، فتكون مهمته كقائد أن يتعرف عليه ويتعاون معه لفتح مغاليق الإبداع، ليكون الاثنان سبباً في أي نجاح إن حدث؛ إذ لا تجده ينتهز الموقف والمنصب ليستولي على النجاح، بل هو يشارك الجميع فيه. لكن القائد الحقيقي تجده ينفرد ويتحمل مسؤولية أي إخفاق يقع، من مبدأ مهم يؤمن به هو أن الخير عنده يعم والشر يخص، وليس كما هو شائع الآن في كثير من مؤسساتنا. الخصوصية هاهنا يرجعها إلى نفسه كقائد، ويعتبر الفشل فشله هو أولاً قبل غيره، ويعتبر نفسه المسؤول الأول عنه، على عكس ما هو سائد في كثير من مؤسسات العمل عند القادة الأخطبوطيين على وجه التحديد. أخيراً وليس آخراً عزيزي القارئ.. إن كنت أخطبوطاً أو صاحب عقلية أخطبوطية، فمن المهم أن تراجع نفسك الآن وقبل فوات الأوان. لماذا؟ لأن مستقبلك في خطر وشيك، ولأن نهايتك لن تكون سارة أبداً مهما طال بك الدهر.. أما إن كنت ضحية لأخطبوط ما في عملك، فاسأل الله -وزملاؤك المبتلون-، أن يرفع عنكم هذا البلاء، ويعافيكم فيمن عافى، ويتولاكم فيمن تولى، فإنه سبحانه سميع عليم، مجيب دعوات المضطرين والمستضعفين. abdulla.emadi@gmail.com
10008
| 24 فبراير 2022
أفسد الشيء في اللغة، إذا عمد إلى شيء صالح فقام بتغييره وإفساده. كأن يتم إفساد شخص صالح أو قانون صالح، أو نظام صالح، أو سلوك صالح أو غير ذلك من أفعال وسلوكيات وأنظمة وإجراءات.. وهذا يدل على أن الفساد قد يكون جزءاً في كل، إن كان هناك ضبط وربط ورقابة ومتابعة، أو يتحول ليكون هو الكل في الكل، حين تغيب كل تلك الإجراءات والمتابعات، فيتحول إلى منظومة متكاملة بعد حين من الدهر قصير، لا يمكن للصالح أن يعيش معها، وإلا فسد. وبعيداً عن المقدمات الفلسفية، اسمح لي أيها القارئ الكريم أن أسرد عليك قصة قصيرة، جاءت على شكل نكتة شعبية، لكنها ذات معنى ومغزى، وأحاول أن أكتبها كما وصلتني دون تغيير كبير. فقير أخوه وزير.. قالت له زوجته: اذهب لأخيك الوزير، يمكن يساعدك بكم فلس. راح لأخيه الوزير وقال له: أنا حالتي تعبانة ومحتاج مساعدة. رد عليه الوزير وقال: تمام، مر علي بكرة المكتب ويصير خير.. بالغد راح الفقير إلى المكتب ورحب به الوزير وقال له: اقعد ولا تتكلم بشي.. وخليك ساكت وأنا بس أتكلم.. قام الوزير واتصل على أحد المقاولين، وقال له: المناقصة اللي وعدتك فيها، للأسف رست على مقاول غيرك. رد المقاول وقال: كيف يصير هذا يا سيادة الوزير؟! وأنت وعدتني فيها وأنا محتاجها ومرتب وضعي عليها. رد الوزير وقال: طيب ماشي.. ومن حظك أن المقاول اللي رست عليه المناقصة، موجود عندي بالمكتب. تعال وتفاهم معه، يمكن يتنازل لك عنها. وصل المقاول وقال لأخ الوزير: شو بدك بعطيك بس تتخلى عن المناقصة؟ أخو الوزير قاعد مثل الأطرش بالزفة.. لا كلام ولا سلام ولا تعليق. رد عليه الوزير وقال: اعطيه ثلاثة مليون ويتركها لك. فطلّع المقاول ثلاثة مليون وحطهم على الطاولة وطلع من المكتب.. فأخذ الوزير مليونين وأعطى أخاه مليون فقط. فرجع الأخ للبيت وسألته زوجته: خير شو صار معك؟ قال لها: أخوي سرق مني مليونين عيني عينك!! هكذا الفساد إذا تحول لمنظومة في أي مجتمع، ستجد الكل بصورة وأخرى، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم، يصيبه من رذاذ هذا الفساد، قبل أن يتحول ذلكم الرذاذ إلى فيضان يغرق الجميع. قصة سنغافورية خبير سنغافوري تحدث عن مكافحة الفساد أثناء حضوره مؤتمراً حول رؤية عمان 2040، وتم نشر مقطع من حديثه على وسائل التواصل، يقول فيه: إن كنت ترغب في القضاء على الفساد في مجتمع ما، فإن الطريقة الأكثر فعالية للقيام بذلك، هي التأكد من عدم معاقبة الأشخاص في القاع، ولكن تبدأ بمعاقبة الذين هم بالأعلى. ثم سرد حكاية وزير من بلده سنغافورة، حين كانت دولة فقيرة تكافح للنهوض والبناء والتأسيس على أسس سليمة، حيث تمت دعوة الوزير لقضاء إجازته هو وعائلته مع أحد رجال الأعمال البارزين. يقول الخبير: وحين عاد الوزير من إجازته، تم اعتقاله وسجنه. لماذا ؟ لأن قبول تلكم الدعوة، في مفهوم بناة الدولة السنغافورية الجديدة، دليل على قبول رشوة على شكل إجازة مدفوعة الثمن، والتي ستتوالى بعدها رشاوى بأشكال وأحجام مختلفة، بحسب طبيعة الأعمال التي يقوم عليها الوزير. كان اعتقال الوزير وسجنه، رسالة واضحة من حكومة منهمكة في بناء دولة على أساس سليم، لكل من هم في أعلى الهرم الوظيفي بالحكومة، من وزراء ومديرين عامين وأمثالهم، خلاصتها أنه لا مجال لبذور الفساد أن تُزرع هنا وهناك، وسيتم التعامل بحزم وصرامة مع الفساد والمفسدين، فكانت النتيجة أن صارت سنغافورة اليوم، تتصدر المراكز العليا في قائمة أقل الدول فساداً في العالم، ويكاد مؤشر الفساد يصل إلى الصفر! الواسطة أُس الفساد بحسب التقرير الصادر عن منظمة الشفافية العالمية لعام 2019 وتم نشره في 2020، حلت الدنمارك ونيوزيلاندا وفنلندا وسنغافورة، المراكز الأربعة الأولى على التوالي، حيث يقاس مستوى الفساد فيها على أساس مؤشر من 100 درجة، أعلاها الأفضل، وأصغرها الأسوأ، وقد سجلت سنغافورة 86 من 100. في المقابل، ذكرت التقارير الصحفية أنه وللعام الرابع على التوالي، لم يسجل أي بلد في المنطقة العربية تحسناً ملحوظاً على مؤشر مدركات الفساد لعام 2021، حيث أوضحت منظمة الشفافية الدولية، أن السلوك السياسي الممنهج، والمصالح الخاصة التي يتم تحقيقها على حساب المصلحة العامة في الدول العربية، من الأسباب الرئيسية التي سمحت بتعرّض المنطقة لمزيد من الدمار بسبب الفساد. وأن الاستخدام الفاسد للعلاقات الشخصية، أو ما يسميها العرب من المحيط إلى الخليج بالواسطة، ما زال يدعم ويعزز عدم المساواة في جميع أنحاء المنطقة العربية. إذ وفقاً لمقياس الفساد العالمي 2019 على سبيل المثال، والصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فإن واحداً من كل خمسة مواطنين في الدول العربية دفع رشوة، وأكثر من واحد من كل ثلاثة، استخدم العلاقات الشخصية لتلقي خدمات عامة أساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية! القيادة السياسية هي القدوة القائد أو الزعيم أو الرئيس والملأ من حولهم، هم القدوة للناس في كل خير أو كل شر. وحين تكون القيادة السياسية على درجة من الأمانة وتبدأ بمحاربة الفساد بجميع أشكاله، فإنه تلقائياً يصل التأثير إلى الناس، فينصلح حالهم، وتتفكك شبكات الفساد وأنظمته تدريجياً، وسبب ذلك قوة وتأثير القيادة السياسية على الناس، كما جاء عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". أي أن هناك من الناس من لا يردعه قرآن ولا حديث، لمرض في نفسه، لكنه يرتدع حين يرى بأس السلطان أو الزعيم. حين يتحدث الناس عن نماذج من قادة عظام فككوا شبكات الفساد وأنظمته في دولهم، يأتي الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز على رأس تلك النماذج. فقد كان قوياً أميناً في إدارة الدولة، وتولى الخلافة وهو من الأثرياء، فخرج منها بعد عامين مثمرتين فقيراً، على غير عادة الزعماء في كل عصر سابق ولاحق.. فكان مما اشتغل فيه سريعاً ليقطع دابر الفساد والمفسدين، أن بدأ بنفسه وأهله. حيث رد إلى بيت مال المسلمين، كل ما وفرته لهم الدولة، بحكم منصبه الجديد مما ليس لهم فيه حاجة، من خيول وملابس وحلي وغيرها. ثم بدأ العمل الجاد من فوره، فعزل الولاة الفاسدين وأبدلهم بأقوياء أمناء صالحين؛ إذ بصلاحهم تصلح رعيتهم. ثم قام على حاجيات الناس الأساسية ولم يترك أحداً. فقد كتب ذات مرة إلى أحد ولاته بالعراق، أن أخرج للناس أعطياتهم. فكتب واليه: إني قد أخرجتُ للناس أعطياتهم وبقي في بيت المال مال. فكتب إليه: انظر مَن استدان في غير سفه ولا سرف، فاقضِ عنه. فكتب إليه: إني قد قضيتُ عنهم وبقي في بيت المال مال. فكتب: انظر كل بكر ليس له مال، وشاء أن يتزوج فزوجهُ وأصدِق عنه. فرد عليه: إني قد زوجتُ كل من وجدتُ وقد بقي في بيت المال مال. فكتب إليه للمرة الرابعة: انظُر مَن كانت عليه جزية، فضعّف عن أرضه، فأسلِفْه بما يقوَى به على عمل أرضه.. وهكذا كان عمر. أغنى الناس وأعطاهم من المال العام، من غنائم الفتوحات وثروات وخيرات البلاد، كما كان يفعل جده لأمه، الفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنهما- حين أمر الفاروق بأن يُصرف لكل مسلم شهرياً، منذ ولادته مبلغاً من المال من ديوان الأعطيات، يزيد بحسب تقدمه في العمر، سواء كان من أسرة غنية أم فقيرة، مسلماً أم غير مسلم، وبغض النظر إن كان يعمل أو لا يعمل، مع مئتي كيلو غرام من الطعام.. وبتلك الإستراتيجية في الإنفاق ورعاية حاجيات الناس، انخفضت نسبة الفقراء واستغنى الناس، وبالتالي لم تظهر بواعث أو دوافع لأن يفسد الناس اضطراراً عن جوع أو فقر أو حاجة. ومتابعة لقصص محاربة الفساد، سنختم بأمثلة من حياة الفاروق عمر، الذي قضى على الفساد الإداري مثلاً، عبر اختيار القوي الأمين الكفء لأي منصب أو وظيفة. وكان يقول: إني لأتحرَّج أن أستعمل الرجل وأنا أجدُ أقوى منه. وفي مقولة أخرى له رضي الله عنه: من استعمل رجلاً لمودة، أو لقرابة، لا يستعمله إلا لذلك؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. من الإجراءات الأخرى التي قام بها الفاروق للقضاء على الفساد الإداري أو للحيلولة دون ظهوره، أنه منع المسؤولين في الدولة من العمل بالتجارة بشكل مباشر أو غير مباشر. وأنشأ ديوان التفتيش وفكرته أن يجعل على كل مسؤول من يراقبه. وقام كذلك بتعيين مسؤول يتسلم شكاوى الناس ويقوم هو بنفسه -رضي الله عنه - التحقيق فيها، بالإضافة إلى إجراءات أخرى كثيرة لا يتسع المقام لسردها. إنّ مجتمعاً مثل مجتمع عمر، لا يمكن أن يسرق الناس عن جوع، ولا يرتشي الناس عن حاجة، ولا تضيع حقوق الناس عن ظلم أو تماطل وتكاسل موظفين غير أكفياء ولا أمناء، ما يؤكد مرة أخرى وجاهة مقولة عثمان رضي الله عنه، بأن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وواقعية كلمات الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - بأنه لا تسعد الأمة إلا بثلاثة: حاكم عادل، وعالم ناصح، وعامل مخلص. abdulla.emadi@gmail.com
10835
| 17 فبراير 2022
شعور الهزيمة غير مريح، وطعمه غير مستساغ، وما من أحد أصابته هزيمة أو خسارة ما في جولة من جولات حياته، أو منافسة من منافساته مع الآخرين، إلا وشعر بمرارتها بدرجة و أخرى، وربما زادته تلك المرارة ألماً وحزناً بحكم الفطرة البشرية، وربما أيضاً تبعتها كآبة وشعور بالإحباط لحين من الدهر قد يطول أو يقصر بحسب قوة صبر وتحمل الشخص، وفهمه لطبيعة الأمور وحقائق الحياة. لكن بشكل عام لا أحد منا -بحكم فطرته البشرية- يحب الهزيمة في أي منافسة حياتية، أكانت في المؤسسات التعليمية مثلاً أم مؤسسات وبيئات العمل، أم غيرها من مجالات التنافس في المجتمع.. كما أنه لا أحد يهزم نفسه بنفسه أو يسعى للهزيمة، أو هكذا نفترض أن يكون أحدنا، لأن السعي للهزيمة خلاف للفطرة، لأن الأصل أن تنافس بقوة وشرف، وتبذل أقصى ما لديك لتنتصر وتنجز، وتحقق أهدافك وتنجح، وهذا أمر له ثقافته وفلسفته. الهزيمة أو الخسارة لا تقع هكذا صدفة، إذ لا صدفة في هذه الحياة، وإنما كل شيء بقدر. الهزيمة هي نتيجة عمل ما، سواء بما كسبت يد المهزوم، أو بفعل فاعلٍ، رسم وخطط لتلك الهزيمة بشكل وآخر. وحديثي اليوم أساساً حول الهزيمة التي يكون سببها الشخص نفسه، أو بما كسبت يداه، وليس بسبب آخرين. إذاً، الهزيمة لا تقع إلا حين تخالف القوانين الحياتية. هزيمتك في منافسة رياضية على سبيل المثال، إنما بسبب ارتكابك أخطاء معينة أثناء المنافسة، أو لأنك قبل المنافسة لم تعمل وفق قواعد الإعداد الجيد الصارم الحازم أثناء التدريب، فتكون النتيجة هزيمة مؤكدة في الميدان. هكذا وبكل بساطة، دون كثير شروحات وتفصيلات. الإخفاق في إنجاز مهمة ما يطلبها مسؤولك في العمل، يمكن اعتباره هزيمة إدارية، وغالباً تكون عواقبها غير حميدة بالنسبة لك. هذا الإخفاق على الأرجح تكون أنت السبب في وقوعه، وربما بنسبة ضئيلة يشارك آخرون فيه. لكن بشكل عام، لا يلام أحد هاهنا غيرك. فلقد كان من المفترض منذ استلام المهمة، أن تكون على اطلاع ووعي تام بالأمور وكيف ستجري، مع وضوح رؤية لاحتمالات وسيناريوهات النجاح أو الهزيمة، ومن ثم التركيز على كيفية العمل على تجنب وقوع الهزيمة. خير الخطائين التوابون أن تخطئ وأنت تعمل عملاً بذلت جهدك في اتخاذ الأسباب للنجاح، لن يعاتبك أحد ولن يقع كثير لوم عليك. لكن إن حصل تقصير واضح أو متعمد، ثم أخفقت نهاية الأمر، فليس مستغرباً وقوع الكثير من الملامات عليك والانتقادات، فهكذا المنطق يقول. لكن الحقيقة التي لا نختلف عليها، أنه لا يوجد من يعمل دون أن يخطئ، إلا إن كان هذا من جنس الملائكة الكرام. فنحن البشر، الأصل أن نعمل وفق خطة أو رؤية واضحة ونجتهد في العمل، ونتيجة هذا الاجتهاد قد نخطئ أو نصيب في النهاية، وقلما يسلم امـرؤ من الوقوع في الخطأ. ولأننا بشر تتحكم بنا المشاعر والأحاسيس، وتتقلب أو تتبدل الأهواء والأمزجة ما بين ليلة وضحاها، أو ظرف ما وأخته، ولأننا نعيش في مجتمع بشري يعمل فيه كل فرد بصورة وأخرى، فلنتوقع الوقوع في الأخطاء أثناء أداء الأعمال والمهمات، ولن يكون هذا عيباً، لأن العيب في هذا الموضوع، ألا تعمل وفق رؤية واضحة وخطة محكمة. والعيب أيضاً أن تقع في الخطأ نفسه مرة أخرى وثالثة وألف.. والعيب ألا تستفيد من أخطاء الماضي. والعيب ألا تستخير أو تستشير أهل الخبرة والاختصاص.. وبالتالي، بعد كل ذلك، يقع الإخفاق وتقع الهزيمة تلو الأخرى. إذاً، الأخطاء واردة من الإنسان، ولا أحد معصوم منها. الأنبياء الكرام وقعوا في أخطاء من تلك التي لم يكن للوحي دور فيها، لماذا ؟ لأنهم بشر كغيرهم. كانت لهم اجتهاداتهم، ولكن كما علمنا رسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم– أن: "كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون". ومع ذلك، لا يعني هذا أن يقحم الإنسان نفسه في الأخطاء، مبرراً لنفسه أننا كلنا نخطئ، وسنتوب من ذلك. لا، الأمر ليس بهذا المفهوم، وإنما الأصل أن تعمل جهدك ألا تقع في الأخطاء، لكن إن وقع خطأ بعد بذل كل جهد وكل سبب، ووقع إخفاق أو حلت بك هزيمة، فإنك حينها تتوقف لتدارك الأمر، وبحث الأسباب، والعمل على ألا تعود إلى المسلك ذاته تارة أخرى، وهكذا. الناس أصناف أمام الهزيمة الناس أمام الهزيمة أو الإخفاق أنواع وأصناف. نوع أولٌ يكون على درجة عالية من الوعي والفهم، بحيث يقدر على استيعاب أمر الهزيمة أو الخسارة، ويعتبر أن ما حدث هو أمر طبيعي، وأن الصراع أو المنافسة في مواقف الحياة المتنوعة، غالباً تكون نتائجها نصر أو خسارة، وأنه مثلما تخسر جولة، فإنك ستكسب أخرى وثالثة ورابعة وهكذا.. إذ المهم في مسألة الهزيمة أو الخسارة، أن يتقبلها المرء بروح رياضية راقية، يتعظ من خسارته، ويستفيد الدروس والعبر لجولات تالية ربما تأتي في قادم الأيام. لكن هناك من تكون درجة الوعي عنده دون المستوى أمام المسألة، فيدفعه هذا التدني في الوعي والإلمام بفلسفة الخسارة أو الهزيمة، إلى الخصام وربما الفجور في الخصومة، وخصوصاً إن شعر ورأى الهزيمة أو الخسارة في الطريق قادمة إليه لا محالة. هو لا يريد الاعتراف بالهزيمة وأنه السبب، بل تراه يبحث بكل الطرق عن طريقة يلصق هزيمته بآخرين. فتجده لا روح كبيرة يتمتع بها، تدعوه إلى الصبر وتقبل الأمر ومراجعة أسباب الخسارة أو الهزيمة، ولا أخلاق فرسان رفيعة نبيلة، تدعوه إلى الترفع عن الصغائر بسبب تلك الخسارة. نوع ثالث من البشر أمام الهزائم، ربما هو الأسوأ، حيث لا يتقبل الهزيمة مطلقاً، حتى وإن كانت حقاً وصدقاً نتيجة ما كسبت يداه. فهو لا يكتفي بعدم القبول فحسب، بل ربما أخذته العزة بالإثم، وربما كذلك ساندته بطانة أسوأ منه، تريه الحقائق عكس ما هي، فتخفيها عنه وتدعوه إلى السير على غير ذات هدى وبصيرة، فيصير كالناقة العشواء، يتخبط يمنة ويسرة. التعامل مع الهزيمة ثقافة ما يهمنا في هذا السياق هم الذين يمرون باختبارات الحياة المختلفة، والذين يتعرضون فيها لمتاعب جمة وآلام مبرحة، حتى ترى أحدهم وقد انتكس واستسلم للنتيجة أو الواقع دونما قليل من التفكر وإعادة النظر، للبدء من جديد.. لا أحد منا يرغب أن يكون مهزوماً في موقف أو صراع ما أو منافسة معينة. لكن لا تُقاس الأمور بالرغبات والأهواء، فالحياة لا تسير هكذا اعتباطاً بحسب أهواء وأمزجة بعضنا، بل هي قوانين ومعادلات وسنن دقيقة. وحين تخسر اليوم جولة، فتأكد أنك ستكسب أخرى غداً أو بعد غد. خسارتك أو هزيمتك، إنما هي نتيجة، ولا تعني سوى أن خطأً ما ارتكبته في مرحلة معينة، وبحاجة لتعديل وتصحيح، كي تعاود إكمال مسيرتك. هكذا هي الحياة بكل وضوح. نجاحات وإخفاقات، انتصارات وابتلاءات. والحكيم من فكّر وقدّر ثم اعتبر، وقد وضع نصب عينيه حقيقة حياتية ثابتة، مفادها أن دوام الحال من المحال. وفهم تلك الحقيقة، جزء لا يتجزأ من ثقافة التعامل مع الهزيمة، والتي لابد أن نعيها في حياتنا، إذ بها نُريح ونستريح. ختام ما يمكن قوله في هذا الصدد، أن ما نتعرض له من مواقف وانتكاسات وخسائر وهزائم، يجب ألا توقفنا وتؤخرنا عن مسيرة الحياة، لأن الخاسر الأكبر في تلك الحالة هو من يتقبل الهزيمة ويخضع ويركع لها، ومن يركع لغير الله فقد ذل وخاب وخسر. abdulla.emadi@gmail.com
15655
| 10 فبراير 2022
من الدعوات الجميلة التي كنا صغاراً نسمعها من الشيخ يوسف القرضاوي، وهو يبدأ برنامجه الأسبوعي "هدي الإسلام" بتلفزيون قطر: "اللهم يا معلّم آدم وإبراهيم، علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما"، انطلاقاً من الوصية الإلهية لنبيه الكريم –صلى الله عليه وسلم– الاستزادة من العلم (وقل رب زدني علما)، وفيها إشارة إلى أن قطار التعلم عند الإنسان لا يتوقف، بل لا يجب أن يتوقف، طالما في الإنسان بقية طاقة وقدرة على التعلم وطلب الاستزادة، أو هكذا نفهم الإشارات القرآنية الحاثة على العلم والتعلم. من قال أنا عالم فقد جهل. أو هكذا نص الحديث –بغض النظر عن درجة صحته– لكن معناه صحيح وواضح؛ إذ لا يمكن لأحد أن يقول عن نفسه عالم، دون تحديد مجال واختصاص معين دقيق. كما أنه لا يمكن لإنسان في هذا العصر الزعم بأنه اكتفى من العلم، أو ليس بحاجة لأن يتعلم أكثر مما تعلمه. نعم قد يصل المرء منا إلى حد عميق في تخصصه، لكن ماذا عن بقية التخصصات والعلوم والمعارف؟ لا أقول بالطبع أن يتعلم كل العلوم كما يتعلمها المتخصصون فيها، ولكن شيئاً من كل شيء، تماماً كما أخذ تقريباً كل شيء من شيء واحد، في إشارة إلى التخصصية. موسى والخضر في سياق التزود بالعلم، يضرب القرآن لنا مثلاً بنبي الله موسى -عليه السلام- حين جاء يوماً فخطب أمام حشد كبير من بني إسرائيل، ثم سأله سائل: هل هناك من هو أعلم منك يا موسى؟ فأجاب دون تردد: لا. إجابته السريعة تلك ربما لاعتقاده أنه لم يكن هناك على الأرض حينها أحد غيره له صلة بالسماء يأتيه الوحي من الله، وبالتالي هو يعرف ما لا يعرفه بقية البشر. لكن الله أوحى إليه فوراً أن يا موسى: هناك من هو أعلم منك. فتعجب من ذلك وسأل الله أن يدله على ذاك الذي هو أعلم منه. فكانت قصته مع الخضر -عليه السلام- الذي اتفق المفسرون على أنه كان نبياً كُشف له عن بعض ما في الغيب، فحدثت الوقائع الثلاث معه، كما جاءت في سورة الكهف: إتلاف السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار، وهي مفسرة مفصّلة لمن أراد قراءتها والاستزادة فيها. من هنا يتبين لنا أهمية الاستمرار في التعلم أو التعلم مدى الحياة، وهي مفاهيم انتشرت في السنوات الأخيرة، تفيد كما هو واضح دون كثير شروحات، أن المرء لا يجب أن يقف عند حدود معينة في العلم، إنما عليه الاستمرار في التعلم إلى الدقيقة الأخيرة من حياته -إن كان حينئذ على وعي وقدرة كافيتين- لكسب علم جديد. وقد جاء عن الفاروق عمر- رضي الله عنه- قال: "لا تتعلَّمِ العلْم لثلاث ولا تتركهُ لثلاث.. لا تتعلَّمه لتتمارى به، ولا لتُباهيَ به، ولا لتُرائيَ به، ولا تتركهُ حياءً من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضاً بالجهل به. هل لرحلة التعلم نهاية؟ حتى تتعلم من الآخرين، لابد أن تتوفر في طالب العلم عدد من الصفات. أهمها، وجود شغف وحب مستمرين نحو التعلم. البعض منا قد يكتفي عند بلوغه نقطة معينة، وتحقيق هدفه من التعلم، أو بلوغ منصب معين، أو تحقيق نجاح وإنجاز كان يهدف الوصول إليه. فيلجأ بعد ذلك الإنجاز إلى ما يسمى بمنطقة الراحة عنده، فيتوقف عن التعلم، مكتفياً بما اكتسبه، معتقداً وصوله لنهاية رحلة العلم. ذلكم خطأ يرتكبه كثيرون، لأن رحلة العلم والتعلم في الأصل لا تتوقف، بل لا نهاية لها (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، وهي إشارة قرآنية واضحة إلى أن رحلة العلم والبحث لابد لها من الاستمرار، لأن مجال العلم أوسع مما يمكن تخيله، وبالتالي من يرغب في تطوير نفسه واستمرار نموه العقلي والذهني، عليه التنبه لهذه الحقيقة الكونية، وعدم ترك قافلة أو قطار التعلم أبداً. من الصفات الأخرى المطلوبة في طالب العلم والراغب في استمرار التعلم، ضرورة تقدير الآخرين وعدم التقليل من شأنهم في مسائل التعلم. فقد تحضر مثلاً، ندوة ربما يكون المتحدثون فيها أقل خبرة وسناً منك، فتعتقد أن حضورك مضيعة للوقت. فما الإضافة التي عند هؤلاء يقدمونها لك، أو هكذا يراودك شعور الفوقية ولو للحظات سريعة. لكن قد تتمالك نفسك وتضبطها فتدخل وتحضر وتستمع إليهم، فتذهلك معارفهم وخبراتهم، لتخرج بعدها وقد أضفت إلى حقيبة خبراتك الحياتية والعلمية الكثير الكثير، والسبب هو ضبطك لذاك الشعور السلبي، أو شعور التعالي على الآخرين ممن هم أقل خبرة وسناً منك، وتواضعك في طلب العلم. تماماً كما حدث مع نبي الله موسى -عليه السلام– الذي دفعه تواضعه مع الخضر لتعلم حكم ودروس معينة قصيرة، وكان بالإمكان أن يزيد عددها لو كان قد تحلى ببعض الصبر على مشقة التعلم مع الخضر، كما ورد عن النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم-: "رحم الله أخي موسى، لو صبر لأرانا من عجائب علم الله عند الخضر عليه السلام". التواضع والصبر مما سبق يتبين لنا أهمية التواضع في طلب العلم وأهمية الصبر أثناء التعلم. وهما دعامتان أساسيتان لأي رحلة تعلم ونمو مستمر ناجحة تريد القيام بها، والبحث عن أصحاب القدرات والمهارات التي لا تمتلكها، أو لم تحظ بفرصة لكسبها وتعلمها. إن استطعت أن تتصل بصاحب مهارة أو علم محدد، ولو كان في سن أصغر منك، وطلبت أن تتعلم منه بصورة وأخرى، ووافق برحابة صدر على ذلك، فهذا إنجاز لابد أن تتواضع وتصبر وتحرص عليه وتستمر فيه. حاول إذن أن تتعلم من أي أحد، أي شيء مفيد. ولا تمنعك مشاعر المكانة الاجتماعية أو المادية أو حتى السن أن تتعالى وتتكبر، لأن الخاسر هاهنا هو أنت لا أحد غيرك. حتى تتعلم أو تكسب علماً، لابد أن تصفي نفسك من كل موانع عدم التعلم، وأهمها روح الكبرياء، كما أسلفنا، أو التعالي لأي سبب كان. لا يمكن أن تتعلم وأنت لا تحترم وتوقر من يعلمك، بغض النظر عمن يكون هذا المعلم. ولن ترتقي بما تعلمته إذا اعتقدت لحظة واحدة أنك اكتفيت من العلم. وكلما تواضعت تعلمت أكثر فأكثر.. وهذا لب حديث اليوم. abdulla.emadi@gmail.com
13955
| 03 فبراير 2022
سُنّة طيبة بدأ بها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ومن بعده، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.. وتمثلت في فعل طلب الصفح والعفو من الناس قبل أن ينتقل أحدهم إلى الرفيق الأعلى، وهم في سدة الحكم. وفي ذلك إشارة إلى أنه لا أحد من البشر معصوم من الخطأ. وعلى رغم أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وقد عصمه الله من الخطأ، إلا أنه حرص على تطبيق شرع الله على نفسه قبل غيره، ليبين لمن بعده من أمته، أنه لا أحد فوق شرع الله. وقد سار على نهجه وسنّته، الخلفاء الراشدون من بعده. في حديث شبه طويل عن الفضل بن العباس قال: جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرجت إليه فوجدته موعوكاً قد عصب رأسه. قال: خذ بيدي يا فضل. فأخذت بيده حتى انتهى إلى المنبر، فجلس عليه وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا أيها الناس، إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم؛ فمن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه. ألا ومن كنتُ قد شتمتُ له عرضاً، فهذا عرضي فليستقد منه. ومن كنتُ أخذتُ له مالاً فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله. ألا وإن الشحناء ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليّ من أخذ حقاً إن كان له، أو حللني، فلقيت الله وأنا طيب النفس، ألا وإني لا أرى ذلك مُغنياً عني حتى أقوم فيكم مراراً ". الناس سواسية أمام القانون حقيقة يعرفها القاصي والداني، لكن مع تلك المعرفة، لا يقع فعلُ التساوي بين الناس أمام هذا القانون في كثير من أقطار العالم، سواء كان قانوناً إلهياً متمثلاً في أحكام الشريعة الإسلامية، أم قانوناً وضعياً من صنع البشر أنفسهم، حيث تجد الاستثناءات في كل مكان. فما يمكن أن يتعرض له شخص أخطأ في أمر ما من عقوبة، قد لا يكون بالمثل مع شخص آخر ارتكب الخطأ ذاته، إما لوجاهته، أو مكانته، أو ماله، أو غير ذلك من أسباب. القصة المشهورة في التاريخ لآخر ملوك الغساسنة، جبلة بن الأيهم، ومن بعد أن أسلم، كتب إلى الخليفة عمر يستأذنه في القدوم عليه، فرحب به وأدنى مجلسه. ثم خرج في موسم الحج مع عمر. فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطأ على إزاره رجل فقير من بني فزارة، فالتفت إليه جبلة غاضباً فلطمه وهشم أنفه. فغضب الفزاري واشتكاه إلى عمر، فبعث اليه وسأله: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك في الطواف فهشمت أنفه؟ قال جبلة: لستُ ممن ينكر، أو يكتم شيئاً. أنا أدَّبتُ الفتى. أدركتُ حقي بيدي. قال عمر: أيُّ حقّ يا ابن أيهم؟ يريد أن يقول عمر لجبلة بأن مثل هذه المفاهيم لا محل لها عنده، بل هي عند غيره، حيث يُقهر المستضعف ويُظلم.. أما عندي فلا. هي جاهلية وأزحناها من حياتنا يا جبلة، والكل سواسية أمام شرع الله أو القانون الإلهي. ويبدو أن حديث الفاروق لم يعجب جبلة، بل طلب منه الفاروق أن يدع الرجل الضعيف أو المعتدى عليه، أن يقتص منه حسب قانون العين بالعين والسن بالسن. قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقة وأنا صاحب تاج. إنني عندك أقوى وأعز. أنا مرتد إذا أكرهتني. قال عمر: "عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعـز الناس بالعبد بالصعلوك، تساوى". لم يستوعب جبلة ما كان يعنيه عمر. لم يفهم أن الإسلام ساوى بين الناس، وأنه لا فرق بينهم إلا بالتقوى، ولم يفهم أن الارتداد عن الدين يستوجب حداً شرعياً.. فطلب جبلة من عمر أن يمهله إلى الغد، حتى إذا انتصف الليل، هرب نحو القسطنطينية حيث هرقل الروم، مرتداً عن دينه. حتى إذا أصبح الناس وطلب الفاروق جبلة، علم أنه فر، لكنه لم يهتم به، حتى وإن كان ملكاً من ملوك العرب، وبارتداده قد يرتد ألوف معه. الدولة العادلة والدولة الظالمة لم يقم الفاروق عمر لمثل تلك الاعتبارات التي ذكرها الملك الغساني أي وزن، فارتداد رجل عن الإسلام أهونُ عنده بكثير من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم من مبادئه، وهو المساواة بين الناس، وإقامة العدل بينهم. خسارة فرد لا يمكن أن تُقاس بخسارة مبدأ. وعدلٌ قائم خير من عطاء دائم. إنه بمقاييس اليوم والمفاهيم المدنية الديمقراطية، سيعتبر البعض فعل الفاروق، عملاً سياسياً قصير النظر، إذ كان بالإمكان لملمة الأمر وتطييب خاطر فرد ضعيف لا وزن له في الأمة، مقابل مصالح كثيرة متوقعة من وجود شخص عظيم وملك من ملوك العرب ضمن الأمة المسلمة. لكن ثبات عمر على موقفه وعلى سنّة حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام، وشدته في الاقتصاص للمظلوم من ظالمه، رسّخ معنى أن يعيش الناس أحراراً آمنين مطمئنين، لا يَظلمون ولا يُظلمون. مما جاء أيضاً في هذا السياق، ما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية في إحدى فتاواه: "الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض، فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة". وفي السياق ذاته، ذكر ابن كثير في حوادث سنة 615 هجرية، أن المعظّم، حاكم دمشق أيام الخلافة العباسية، أعاد القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش والمنكرات التي كان أبوه العادل قد أبطلها، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل ملء كف خمر إلى دمشق إلا بالحيلة الخفية، فجزى الله العادل خيراً ولا جزى المعظم خيراً على ما فعل. واعتذر المعظم في ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال على الجند واحتياجهم إلى النفقات في قتال الفرنج". ثم علق ابن كثير على ذلك فقال: "وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور؛ فإن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم، ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال، فيولون بسببه الأدبار، وهذا مما يدمر ويخرب الديار ويديل الدول، كما في الأثر: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني". مما سبق كله، يتبين لنا أن الرسول الكريم ومن بعده خلفائه الكرام، أثبتوا أنه لا ذات مصونة أمام القضاء أو الشرع. فلا ذات مصونة إلا الذات الإلهية. وغير ذلك، فالكل أمام الشرع سواء. لا يوجد أي سبب يدعو للتفاضل بين الناس في مسألة العدالة. لا منصب، ولا مال، ولا جاه، ولا حسب أو نسب. وتلكم هي خلاصة القصة. abdulla.emadi@gmail.com
16700
| 27 يناير 2022
أنؤمن كما آمن السفهاء؟ روحٌ متعالية متكبرة، وبسبب هذا التعالي وهذا التكبر، انحرف كثيرون وضلوا عن الصراط المستقيم، قد قالها أولون لأنبيائهم، وتكرر الأمر ممن جاء بعدهم من المصلحين والمجددين، وما زال الأمر يتكرر اليوم وغداً وإلى ما شاء الله أن تدوم هذه الحياة. أنؤمن كما آمن السفهاء؟ أتريدنا يا محمد - هكذا قال المنافقون في المدينة - أن نكون مثل أتباعك الفقراء والمساكين ونحن من نحن؟ وقد قيلت له - صلى الله عليه وسلم - العبارة بذات المعنى في مكة، من صناديد وزعماء قريش. السفاهة صفة لصيقة بالنفاق والمنافقين، إذ إن من صفتهم - كما يقول سيد قطب في ظلاله - التطاول والتعالي على عامة الناس، ليكسبوا لأنفسهم مقاماً زائفاً في أعين الناس (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون). وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء، إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة، وأسلموا وجوههم لله، وفتحوا صدورهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين. ويواصل صاحب الظلال قائلاً: «هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم. وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويرونه خاصاً بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام! ومن ثم قالوا قولتهم هذه (أنؤمن كما آمن السفهاء) ومن ثم جاءهم الرد الحاسم، والتقرير الجازم (ألا إنهم هم السفهاء، ولكن لا يعلمون) ومتى علم السفيه أنه سفيه؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم؟. ما هي السفاهة؟ يمكن القول بأن السفاهة هي عدم استخدام العقل بحكمة، وعدم استثمار المعرفة في موضعها، واستبداد في الرأي حين يكون المطلوب عدالة ومساواة في موقف ما، مع مطاوعة الشيطان في كثير من الأمور وضعف في الدين ملحوظ، وهو ما يدعو السفيه إلى مخالفة الحق أينما كان. تلكم بعض علامات السفاهة، التي إن رأيت منها واحدة في شخص ما فلا تتردد في نعته بالسفيه، أما الذي تراه وقد اجتمعت فيه كلها، فهذا يكون قد بلغ قمة السفاهة. المشركون عبّاد الأوثان من الحجر والشجر والدواب وغيرهم، كانت تلك طريقتهم في التعامل مع أصحاب وأتباع الأنبياء والمرسلين، دعتهم قدراتهم المالية ومكانتهم الاجتماعية، مع غلبة الاستبداد والطغيان واتباع الشيطان، إلى نعت أولئك الأتباع بالأراذل والسفهاء، وما كان السفهاء حينذاك إلا هم أنفسهم وما كانوا يشعرون. مثلما السفهاء على مر الزمان اعتادوا على مضايقة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ونعتهم بأقبح الأوصاف، واستهزائهم المتنوع بدعواتهم، فإن قطار السفهاء ما زال يسير في سكة الضلال والإضلال، ويركبه كثيرون، يواصلون عمليات أسلافهم من الاستهزاء وإطلاق الأوصاف على المصلحين والمجددين، يبثون الشكوك في النفوس تجاه الدين وتعاليمه، والتهوين من شأنها وإظهارها بصورة مشوهة، يريدون القول إنها من أسباب التخلف عن المواكب الحضارية!. قد لا يكون هؤلاء السفهاء المستهزئون بالقيم والدين والأخلاق، من خارج الملة كما كان سفهاء الماضي، حين كان هناك فريق الحق وفريق الباطل. اليوم ربما تجدهم من الملة نفسها، وهو ما يزيد في أمر تشكيك الناس في شؤون دينهم وصالح أعمالهم، يستخدمون كل الوسائل الممكنة لعمليات التشكيك والاستهزاء - أو إن صح وجاز لنا التعبير- استمرار سفاهتهم وكشفها على الملأ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!. من هو السفيه؟ من يعطل عقله ويعمل بهواه، سفيه. ومن كلما اشتهى اشترى، سفيه. ومن يبذر ويسرف ولا يخرج حق الله في أمواله، سفيه. ومن يفتي بغير علم، سفيه. ومن يتطاول على الآخرين بماله وجاهه ومنصبه، سفيه. ومن يقود الناس على غير هدى ورؤى، سفيه. ومن يبيع دينه بدنيا غيره، سفيه. ومن يتبع سفهاء وسائل التواصل الاجتماعي، سفيه. ومن يكثر كلامه فتكثر سقطاته وزلاته، سفيه. والرويبضة الذي يتكلم في أمور العامة، سفيه. ومن يجادل بغير علم ويتعمق في المراء، سفيه. قائمة السفهاء حولنا تطول وتطول.. وربما بعد ذكر تلكم القائمة، تتساءل وتقول: ما العمل أو كيف يمكن التعامل معهم؟ التعامل مع السفهاء دون كثير مقدمات، أجد أهمية العمل على ألا يتصدر السفهاء أمور العامة بشكل مباشر على شكل وظائف ومسؤوليات عامة، أو بشكل غير مباشر عبر قيادة الناس عبر وسائل التواصل أو غيرها من وسائل الإعلام. ففي الحديث الصحيح: سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة. من ذلك أيضاً التحذير من إمارة السفهاء، كما قال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة عندما قال له: (أعاذك الله من إمارة السفهاء) قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: (أمراء يكونون من بعدي، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون عليَّ حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون عليَّ حوضي.. ). من طرق التعامل مع السفهاء أيضاً، ألا تدخل في جدال عقيم معهم، مثلما ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، حين قال: يخاطبُني السفيهُ بكل قُبح فأكرهُ أن أكون له مُجيبا يزيد سفاهة وأزيدُ حـلماً كعود زاده الإحراق طيبا وأخيراً وليس آخرا.. الأخذ بالوصية القرآنية في قوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين). ليكن خُلُق العفو والصفح من أعمالك اليومية. لا ترد على جهالة وشر السفهاء بالمثل، لأن عدم الرد بالمثل، ربما فيه دعوة للسفيه أن يتنبه لحاله، وفي الوقت ذاته يكون لك أجر كظم الغيظ والإعراض عن الجاهلين.. والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. abdulla.emadi@gmail.com
34861
| 20 يناير 2022
اشتهر الحجاج بن يوسف الثقفي بالظلم، وكان مثالاً للطغيان والاستبداد، على رغم أنه كان سبباً في فتوحات وصلت للهند والصين ونشر الإسلام في تلك البقاع، وكان يجهز الحملة تلو الأخرى ويهتم بها، وامتاز بتكليف القادة الشجعان المبدعين أو الموهوبين لقيادة حملات الفتوح، فاختار قتيبة بن مسلم الباهلي لفتح بلاد آسيا الوسطى، وأرسل محمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند والهند، على رغم صغر سنه، ويمكن القول إن وصول الإسلام إلى بلاد الصين والهند وباكستان اليوم، كان الفضل لله ثم للحجاج. لكن رغم كل تلك المآثر، كان مستبداً لا يتورع عن ظلم الآخرين والتعرض للصالحين، فقد قتل الأئمة والتابعين أمثال عبدالله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما، حتى أصابه مرض، ضيّقت عليه الأرض بما رحبت، وتمنى الموت على أن يستمر في آلامه، فشكا من حاله وما يعاني من شدة الألم إلى الحسن البصري، فقال له الحسن: قد كنتُ نهيتُك ألا تتعرّض إلى الصالحين فلججت. فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي، ولكني أسألك أن تسأله أن يُعجِّل قبض روحي ولا يطيل عذابي. لما قبض الله روح الحجاج وانتشر خبر هلاكه، فرح الناس وخرجوا للشوارع مستبشرين، وقيل إن الإمام طاووس بن كيسان، أحد كبار فقهاء التابعين تلا عند موت الحجاج (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)، فيما الحسن البصري كان يدعو عليه بالموت حتى تموت سُنّتُه، فلما مات فرح وسجد. في حديث صحيح رواه البخاري، أنه مرّت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة فقال: مستريح ومستراح منه. قالوا يا رسول الله: مَن المستريح ومَن المستراح منه؟ قال: المستريح هو العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والمُستراح منه العبد الفاجر، يستريح منه العباد والدواب والشجر. ويُذهب غيظ قلوبهم فرح المؤمنون بهلاك رؤوس الكفر من صناديد قريش يوم بدر، وفرح الإمام أحمد بن حنبل بهلاك المأمون، وفرح أهل مصر بهلاك الولاة العبيدين وانتهاء الحكم الفاطمي في مصر، وقبل ذلك بكثير سجد أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - حين سمع بمقتل مسيلمة الكذاب، والقصص في هذا الجانب أكثر من أن نحصيها. إن قصص المستراح منهم عبر التاريخ كثيرة، ولا بأس إن قام أحد بتذكير الناس بها بين الحين والحين، خاصة عند هلاك ظالم ما، والذي ليس شرطاً أن يكون هذا الظالم رئيساً أو زعيماً، بل يمكن أن ينتشر الظلم عبر آخرين أقل درجة ومرتبة، وظلمهم ربما يصل لمستوى ظلم الولاة والحكام وأمثالهم، فقد يكون الظالم على شكل وزير، مدير، مفكر، كاتب، مثقف، إعلامي، سياسي، رجل أعمال، وغيرهم كثير، لكن تختلف درجة الظلم من شخص إلى آخر، والذي نتحدث عنه ها هنا أكثر من غيره هو ذاك الظالم الذي ينتشر ظلمه ويتسع، وقد تبقى سنّته الظالمة حتى بعد هلاكه، وهنا مكمن الخطر، بل هو ما يدفع إلى ضرورة التنبيه إليه والتحذير منه، وبالطبع قبل ذلك، إظهار الفرح بهلاكه. إن هلاك ظالم ما، فيه سعادة بالغة لا يشعر بها سوى من اكتوى بنار ظلمه من قريب أو بعيد، سعادة لا يمكن وصفها والتعبير عنها إلا من ذاق الويلات والعذاب في حياة ذاك الظالم، بصورة مباشرة أم غير مباشرة، وليس في هذا أي غرابة، لأنها فطرة في الإنسان السوي، الذي يتألم للمظلوم، ويسعد بهلاك الظالم، (ويشف صدور قوم مؤمنين، ويُذهب غيظ قلوبهم). هلاك الظالم بين الشماتة والفرح قد يخلط البعض في مسألة هلاك الظالم، بين إظهار الفرح والشماتة، والحقيقة أنه لا شماتة في الموت،. لكن هناك خيطا رفيعا بين الشماتة والفرح في هذه المسألة، وأشير إلى نقطتين ها هنا. الأولى، أنه لا شيء في أن يفرح الناس بهلاك ظالم، لأن فرحهم يقوم على أساس أن هلاك الظالم هو انقطاع لشره وظلمه وسنّته، وليس لأن الله كتب عليه الموت، ذلك أن الموت يصيب كل شيء حي، ولا توجد استثناءات في هذه الحقيقة، والفرح بمَهلك أعداء الإسلام وأهل البدع المغلظة وأهل المُجاهرة بالفجور، أمر مشروع - كما يقول الشيخ محمد صالح المنجد - وهو مِن نِعم الله على عباده وعلى الشجر والدواب، بل إن أهل السنَّة ليفرحون بمرض أولئك وسجنهم وما يحل بهم من مصائب. لا شيء إذن أن تُظهر فرحتك بهلاك ونفوق فاسق داعر يجاهر بنشر فسوقه، أو مجرم آثم كذاب لا يتورع عن نشر أكاذيبه، وزرع الفتن بين الناس عبر الوسائل المختلفة، لا شيء في أن تفرح بهلاك زعيم متجبر، أو ديكتاتور ظالم زرع الآلام والأذى بين الناس لمجرد اختلافهم معه في الرؤى والتوجهات. إن من يفرح لهلاك أولئك الظلمة، ليس لأن الموت خطفهم. لا، إنما لأن الموت وضع حداً لجرائمهم وظلمهم وفسوقهم وإفسادهم حياة البلاد والعباد، وربما الشجر والدواب، والحديث الذي يستشهد به بعض أصحاب الورع البارد (اذكروا محاسن موتاكم) ليس بحديث، بل اعتبره الإمام البخاري أنه منكر الحديث. النقطة الثانية في هذه المسألة، أنه حين هلاك ظالم فاسق فاجر، الأصل ألا يفرح الناس بذلك فحسب، بل أكثر من ذلك وهو الاستمرار في التذكير بمساوئه وظلمه، كي تظل عالقة بالأذهان، يحذر الناس الاقتداء بها مستقبلاً، أما محاولة تبييض صورته لسبب أو آخر، فليس من سنّة السلف الصالح في التعامل مع مسألة هلاك الظلمة والمجرمين. إنه بالقدر الذي نبذل الجهد في تذكير الناس بمحاسن ومآثر الصالحين والأئمة العادلين بعد وفاتهم، والدعوة إلى الاقتداء بهم والسير على صراطهم المستقيم، فإنه بالمثل، يلزم كشف مساوئ الظلمة والمجرمين على اختلاف وظائفهم وأدوارهم في الحياة الدنيا، مع ضرورة فضح إجرامهم وألاعيبهم، والتحذير منها على الدوام، وتلكم خلاصة ما يمكن القول في موضوع اليوم. abdulla.emadi@gmail.com
17881
| 13 يناير 2022
كان محمد بن عبد الله –عليه الصلاة والسلام– قبل البعثة، رجلاً محبوباً في مكة، وكان موضع تقدير واحترام من الجميع، الأطفال والنساء، والسادة، والعبيد، وغيرهم. واشتهر بالصادق الأمين.. وفجأة تغيرت النظرة إليه بعد انتشار خبر الرسالة، فتغيرت النظرة إليه سريعاً، وتغيرت كل الألقاب والأوصاف التي أطلقها القرشيون أنفسهم عليه، فصار هو الكاذب، الساحر، المبتدع، المفرّق بين الأب وابنه، والزوج وزوجه، وهكذا، لماذا؟ لأنه أحدث انقلاباً عظيماً في أم القرى وما حولها. انقلاباً في المفاهيم، والمعتقدات، والأخلاقيات، والسلوكيات، وغيرها كثير كثير، فكان من الطبيعي أن تتغير النظرة القرشية إليه –صلى الله عليه وسلم. ما إن علمت السيدة خديجة بخبر الرسالة، حتى أسرعت إلى ورقة بن نوفل، أحد الخمسة الذين بقوا على الملة الحنيفية، أو دين إبراهيم، بعد أن درس وتمكن من الإنجيل والتوراة، فأخبرته بحدث غار حراء ونزول جبريل على زوجها، فاستبشر ورقة وقال: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، إن كنتِ أصدقتِني يا خديجة، فلقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت. ثم رجعت السيدة خديجة –رضي الله عنها- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بقول ورقة. خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم– بعد تلك الحادثة بقليل ليطوف بالبيت، فلقيه ورقة فقال: يا ابن أخي: أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال ورقة: «والذي نفسُ ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، ولتكذّبنّه، ولتؤذَينّه، ولتُخْرجنّه ولتُقاتلنّه، ولئن أدركت ذلك اليوم، لأنصرن الله نصراً يعلمه». ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه. يذكر رواة السير عبارة (ثم لم ينشب ورقة أن توفي قبل أن يظهر الإسلام ). أي لم يلبث طويلاً، وكأنما الله سبحانه، أبقى ورقة طوال هذه السنوات ليقول تلك الكلمات القليلة لرسول الله، وينتهي دوره عند ذلك. التكذيب الإعلامي تكاد تكون السيرة النبوية محصورة بين كلمات أربع، هي التي ذكرها ورقة بن نوفل للنبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– حين قال له:».. ولتكذّبنّه، ولتؤذَينّه، ولتُخْرجنّه ولتُقاتلنّه..». التكذيب، الإيذاء، الطرد، القتال. هذا تماماً ما جرى للحبيب وصحبه. على رغم أن الدعوة بدأت سرية وعلى نطاق ضيق جداً، على عادة الدعوات الإصلاحية في أي مجتمع وثني أو فاسد، إلا أن التوتر كان قد بدأ يسود بيوت مكة، لاسيما زعماءها وسادتها. فلما بدأت الدعوة الجهرية، دخل النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم– مجال الكلمة الأولى وهي التكذيب. إذ بدأت الوسائل الإعلامية لقريش، كما هو حاصل اليوم في كثير من الأقطار، بتكذيب ما يصدر عن النبي وصحبه، على رغم قناعاتهم الداخلية أنه يقول الحق، لكنهم وجدوه عاملاً مهدداً لمصالحهم القريبة والبعيدة، فلابد إذن أن تعمل قريش لتكذيب النبي والتشويش على الآخرين، وتولى كبيرهم النضر بن الحارث مسألة نشر التكذيب بعد كل جلسة دعوة للنبي الكريم مع الناس، فكانت مهمة النضر أن يدعو نفس الأشخاص إليه، يحدثهم بالأساطير وقصص الأولين، ظناً منه أن أحاديث المصطفى –صلى الله عليه وسلم– والآيات القرآنية التي كان يتلوها، ليست سوى أساطير الأولين، وأنه بالمثل يحفظ منها الكثير الكثير. الإيذاء النفسي والبدني لم تجد محاولات التكذيب القرشية للرسالة المحمدية نفعاً، فتحولت قريش إلى المرحلة الثانية كما قال ورقة، مرحلة الإيذاء النفسي والبدني للرسول الكريم وأصحابه الكرام. تفنن القرشيون في ابتكار وسائل التعذيب، لاسيما مع ضعفاء وفقراء المسلمين، وامتلأت زنازين الطغاة بالمصلحين من أصحاب رسول الله، واشتد التعذيب بصورة لم يجد الرسول الكريم من بد، سوى التفكير بالخروج من مكة تدريجياً والحفاظ على الثلة المؤمنة، فكانت المرحلة الثالثة، وهي الطرد أو الإخراج أو النفي من البلد، على رغم أن مكة هي وطن الجميع، ليس لأحد الحق أن يطرد مواطن من بلده، لمجرد الاختلاف معه في عقيدة أو فكر أو رأي. وهذا الذي حصل. اللجوء السياسي ترك المسلمون أموالهم وبيوتهم وما يملكونه في مكة، هجرة إلى الله وحفاظاً على دينهم، وتحولوا إلى شعب يطلب اللجوء السياسي، وضيوفاً على شعب آخر هم شعب يثرب التي صارت المدينة المنورة بعد ذلك، والتي لم تكن بالثراء والسعة التي يمكنها استقبال شعب كامل لاجئ، خاصة أن النسيج المجتمعي في المدينة لم يكن بذاك النسيج المتحد المتعاضد، بل قبائل متناحرة وعلى رأسها الأوس والخزرج، وقبائل يهودية أخرى في المدينة وما حولها.. ولكن أبدى الأنصار مع ذلك، موقفاً مشرفاً مع المهاجرين، حفظه لهم التاريخ إلى يوم الدين. لم يكن الأمر بالسهولة التي نكتب عنها. فأن تهاجر إلى بلد آخر وأنت مطارد خائف لا تملك شيئاً، ثم تحل ضيفاً على أهلها، لا تدري كم مدة مكثِك وبقائِك معهم، هو أمر يمكن تصور حدوثه لبعض الوقت، لكن ليس كل الوقت، ولن ندخل في كثير من التفاصيل. لكن من فضل الله أن ألّف بين قلوب المهاجرين والأنصار، على رغم محاولات اليهود والمنافقين، خلخلة ذاك التكاتف وتلك المؤاخاة غير المسبوقة في التاريخ. الإيذاء عابر الحدود لم يكتف القرشيون بطرد المسلمين من وطنهم، والحجز على ممتلكاتهم ومصادرتها أو الاستيلاء عليها، بل بدأوا في وضع خطط إرسال الأذى إليهم خارج الحدود، ومحاولة إعادتهم إلى ديارهم، ليقينهم أن طرد المسلمين من وطنهم، وفيهم الأب والابن والزوج والزوجة، كان عملاً متهوراً غير مدروس منذ البداية، إنما كان مسايرة لأهواء وأمزجة بعض الزعماء السفهاء بينهم، الذين فجروا في خصومتهم، فأيقنوا أن طردهم كان بمثابة مكافأة لهم، ووجودهم خارج مكة هو الخطر ذاته. في يقين القرشيين، أنه كان من الممكن التحكم والسيطرة على أهاليهم من المسلمين بصورة وأخرى وهم داخل الوطن، لكن مع خروجهم جميعاً، وحصولهم على داعم خارجي وحضانة شعبية من بلد آخر، سيعمل على تقوية شوكتهم، وستكون المسائل بعد ذلك غاية في التعقيد، وهذا ما حصل تماماً. كان من نتائج إرسال الأذى للمسلمين حتى وهم خارج مكة، أن بدأت مرحلة القتال، بدر وأُحد والخندق، وما بينهما من تحرشات عسكرية بين الحين والحين، حتى تمكن المسلمون من السيطرة على الأوضاع، خاصة بعد هزيمة الأحزاب التي قال بعدها النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم -: «الآن نغـزوهم ولا يغزونا «. إشارة إلى القوة والتمكن التي سيكون عليها المسلمون بعد حين من الدهر قصير، تكون لهم المبادرة في إظهار القوة والسيطرة وهذا ما تترجم عملياً في النهاية بفتح مكة. السيرة النبوية الشريفة تكرار لسير الأنبياء والمرسلين. ستجد أن كلمات ورقة بن نوفل الأربع للنبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– هي نفسها تتكرر.. التكذيب، والإيذاء، والتهجير، والقتال بصور مختلفة. وهذا شأن الطغاة والفراعنة مع المصلحين في كل زمان ومكان، الذين لا يرون بأساً أبداً في التعايش مع الصالحين، ولكن ليس المصلحين، والبون بينهما شاسع. abdulla.emadi@gmail.com
15011
| 06 يناير 2022
لستُ بالخُبِّ، ولا الخُبُّ يخدعني. مقولة منسوبة للفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– هي في ذاتها حكمة إدارية تقتضي من الباحث عن الحكمة، الأخذ بها وتأملها، خاصة في عالم مليء ببشر ذوي أمزجة، وأهواء، وأفكار، وعقليات. عالم فيه الصادق والكاذب، والأمين والمخادع، والحكيم واللئيم، إلى آخر قائمة البشر ذوي الطباع والأمزجة المتنوعة. الخبُّ في اللغة هو المراوغ أو الماكر المخادع. وفي ديننا، المؤمن ليس بالذي يخدع الآخرين، ما لم يكن في حرب مع عدو. لكن في الوقت ذاته، لا يجب أن يكون شخصاً سهلاً أو ساذجاً يخدعه المخادعون الماكرون. ومقولة الفاروق -رضي الله عنه– تبين أنه لم يكن بالذي يخدع، لكنه في الوقت نفسه لم يكن بالذي يمكن خداعه، كما قال عنه ابن قيم الجوزية:» كان عمر أعقل من أن يُخدَع، وأورع من أن يَخْدَع «. الأصل في علاقاتنا الإنسانية أن تكون الثقة حاضرة في تعاملاتنا البينية. وأي علاقة تقوم على الثقة، فالنجاح والتوفيق تكون محصلتها بإذن الله؛ لكن علاقة تقوم على الغش والخداع وفقدان الثقة، فلا أجد حاجة لشرح نتائجها ومآلاتها. الإنسان منا يبني في مشروع الثقة بشخص ما أو بآخرين حوله سنوات عديدات، لكن قد يتهدم بنيان الثقة هذا في ثوانٍ معدودات وبشكل درامي محزن، إما لخلاف بسبب سوء فهم يؤدي لسوء تفاهم، أو حدوث ما هو غير متوقع من الشخص الذي وثقت به سنوات طوال. انظر إلى صعوبة الأمر.. الثقة التي تحتاج منك إلى سنوات عديدة لتبنيها وتعززها، يمكن أن تتهدم في ثوانٍ قليلة، ولا أقول أياماً معدودة.. هذا الأمر يدعونا دوماً للحرص على عدم فقد ثقة الآخرين فينا بأي طريقة ووسيلة ممكنة، على اعتبار أن الثقة عملية بناء تراكمي، فإن تهدمت فلا يصلح معها إعادة بناء، لأنه وإن تمت الإعادة على سبيل الافتراض، إلا أن شرخاً دائماً سيكون في ذاك البناء ولو لم يظهر للعيان، باعتبار أن شروخات القلوب عظيمة. أقلني يا رسول الله عودة لموضوع الخداع ومقولة سيدنا عمر الفاروق -رضي الله عنه– يتضح جلياً أهمية أن يكون المؤمن كيّساً فطناً، يدرك ما يدور حوله من أحداث ووقائع، لا يستخف بها من جهة، ولا يدع من يدير تلك الأحداث والوقائع أن يستخف به من جهة أخرى. الشاعر أبوعزة الجمحي، كان من بين أسرى قريش يوم بدر، فتوسل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- واستعطفه لفقره وعياله، فأفرج عنه النبي الكريم دون فدية، على أن يتعهد ألا يرجع لقتال المسلمين كرّة أخرى؛ لكن ذاك المشرك المتذاكي على النبي الكريم، ما اتعظ ولا اعتبر ولا التزم بوعده وعهده، بل دخل في حرب جديدة ضد المسلمين يوم أحد، ظناً منه أن خدع المسلمين يوم أن أظهر الخضوع وطلب الشفقة. فما كان من حظه السيء إلا أن وقع أسيراً مرة أخرى في يد المسلمين، فجاؤوا به إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم– وأراد أن يعيد مشهد الخداع مرة ثانية، فقال: يا رسول الله أقلني –أي سامحني واعفُ عني- فرد عليه صلى الله عليه وسلم قائلاً: «لا والله، لا تمسح عارضيك بمكة- يقصد لحيته على جانبي الوجه- وتقول: خدعتُ محمداً مرتين.. اضرب عنقه يا زبير»، فلقي جزاءه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يومها: «لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». فصار الحديث مثلاً. العطف والرأفة واللطف والعفو، أخلاق فرسان راقية وعظيمة، كلنا يحتاجها ويسعى إلى التخلق بها في تعامله مع الآخرين. لكن هذا لا يعني أن تكون لطيفاً أو طيباً بشكل مطلق إلى حد السذاجة، فإن لكل شيء حداً لا يجب تجاوزه. قد تجد من الناس حولك من يعتقد أو يظن طيبة الآخرين معه في التعامل بالأخلاق العالية الراقية، غباءً أو سذاجة، فيدفع به إلى التمادي وربما التفحش في التعامل، حتى تراه يكرر الخطأ مرة وأخرى عن عمد، باعتبار أن من يتعامل معه، شخص طيب ودود أو ساذج -إن صح التعبير- وتلكم النظرة، لا شك أنها استغلالية، وقمة في الدناءة. درس في الكياسة والفطنة من هنا، نجد قدوتنا -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا درساً بليغاً في هذا المجال، كيلا يتم استغلال طيبة وأخلاقيات المسلم الراقية الرفيعة من قبل انتهازيين واستغلاليين. فالمؤمن كيّس فطن، أي حذر في تعاملاته مع الغير. ذاك الشاعر كان من عناصر الفتنة وتهييج الناس على الإسلام والمسلمين قبل بدر، وحين وقع أسيراً في المعركة، طلب العفو واستغل فقره وكثرة عياله في الحصول على العفو النبوي، فتعامل معه النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- بأخلاقه العالية وعفا عنه. لكنه حين استمر وأخلف وعده ورجع لما كان عليه من العداوة للمسلمين، لم يكن ليستحق التعامل معه بنفس الأخلاق السابقة، حين وقع أسيراً للمرة الثانية في معركة أحد، فكان جزاؤه بالشكل الذي يستحق، لأنه كان سيعود لما اعتاد عليه، لو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أطلق سراحه ثانية، باعتبار أن بعض النفوس البشرية لئيمة دنيئة، لا تستحق إلا نوعية معينة من التعامل في فترة من الفترات، كنموذج الشاعر أو الإعلامي بلغتنا المعاصرة، وما أكثر هذه النوعية في زماننا هذا، وما أكثر ما نُلدغ من نفس الجحر، ليس مرتين بل مرات ومرات. السماحة مطلوبة في التعامل، مع حُسن الظن بالآخر، خاصة إن كان ظاهره العدالة ولا يوجد ما يشير إلى فساد أخلاق، لكن الحذر يكون واجباً حين يكون ظاهره فسق وفجور ويشير إلى فساد أخلاق، ويكون أوجب حين يقع الخطأ أو الخداع أو الغش من ذاك الشخص أو تلك المؤسسة أو الشركة، وغيرها من كيانات. وعالم اليوم مليء بأنواع وأشكال وفنون الخداع، على المستوى السياسي والإعلامي والثقافي والتجاري وحتى الديني، وغيرها كثير، الأمر الذي يستوجب السير بحذر وتأنٍ وتريث، وسط كل تلكم الأكاذيب وصور الخداع هنا وهناك.. حفظنا الله وإياكم من شر الخدع والمخادعين، من القريب قبل البعيد. إنه سميع عليم مجيب الدعوات. abdulla.emadi@gmail.com
25356
| 30 ديسمبر 2021
المغول رغم وحشية أساليبهم مع الدول التي كانوا يغزونها، وهمجيتهم بعد كل انتصار، لم يكن ليحصل لهم ذلك لولا عامل مهم رئيسي في غالب حملاتهم الهمجية المتوحشة، هو التجسس عبر زرع عملاء من بني جنسهم، أو كسب ود خونة من أبناء الدول التي كانوا يخططون لاجتياحها ونهبها وإهلاك الحرث والنسل فيها. قال فيهم الإمام السيوطي: "تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم. وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم، لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ولا عسكر حتى يخالطوه..". لا يهمنا كثيراً التوقف عند تاريخ المغول الوحشي، ولا ظهورهم الذي لم يضف إلى الحضارة الإنسانية شيئاً، سوى تخليد مشاهد البؤس والقهر وإهلاك الحرث والنسل والاستمرار في زرع الخونة هنا وهناك، لكن ما يهمنا هاهنا هو الوقوف قليلاً عند ظاهرة الجواسيس أو الخونة، وتأملها وما يدعو إلى ظهور تلك الدمامل في جسد الأمة. لكن بادئ ذي بدء، لابد من القول إنه ليس هناك ما يمنع من تطبيق فكرة التجسس على العدو، لا من الناحية الشرعية ولا القيمية، بدليل قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). ومن تلك القوة، ما نسميه اليوم جهاز الاستخبارات، الذي يكون من صلب مهامه وعمله، حماية أمن ومصالح البلاد ومن فيها. الجاسوسية اليوم صارت عملاً احترافياً يتطلب من القائم بهذا النوع من العمل، دقة ومهارة، وكياسة وفطنة، مع سرعة بديهة، لاسيما إن كان هذا "العميل" يعيش وسط بيئة معادية لبلده ودينه. العمل جد دقيق ويتطلب حذراً فوق المعتاد والمطلوب، وعدم مخالفة التعليمات. حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه– طلب منه الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– في إحدى الليالي الباردة لمعركة الخندق أو الأحزاب، أن يجمع قواه ويدخل خلف خطوط العدو، وطلب منه مهمة معينة لا يتجاوزها ولا يبادر بأي عمل من تلقاء نفسه، حتى لو وجده سهلاً وفي صالح المسلمين. ونجح في دخول معسكر المشركين، بل ووصل إلى القائد الأعلى لهم وكان يومها أبوسفيان، حيث يقول حذيفة عن مشهد اقترابه منه: "رأيت أبا سفيان يُصلي ظهره بالنار– من شدة البرد- فوضعت سهماً في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تُذعرهم عليّ، ولو رميته لأصبته". المهم في القصة أنه نفذ المهمة وعرف معلومات غاية في الأهمية عن الحالة المعنوية لجيش المشركين، وعاد سالماً دون أن يكتشف أمره أحد، بعد معاناة من برودة ورهبة تلك الليلة، فأخبر الرسول الكريم ما رآه وسمعه، فكانت مكافأته كما يقول حذيفة: "فألبسني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت. فلما أصبحتُ قال: قم يا نومان". العلقمي نموذج للخيانة إذا عدنا إلى المغول تارة أخرى، فإنك لا تجد من يتحدث عنهم ودورهم في تخريب وتشتيت المسلمين، إلا ويذكر الوزير ابن العلقمي، كأبرز نماذج الخيانة في تاريخنا، والذي حاز على ثقة الخليفة العباسي المستعصم إلى الدرجة التي ترك له الحبل على الغارب يفعل في الدولة ما يشاء، وكان ذاك ما أراده وسعى إليه العلقمي، خاصة أنه كان يحمل ضغائن للخليفة العباسي بسبب اختلاف العقائد، وطمعه مما في يد المغول، فاستغل غفلة وثقة الخليفة فيه، وبدأ بالتواصل مع التتار في سرية تامة، من بعد أن بدأ في ترتيب ما يلزم لتهيئة عاصمة الخلافة لدخول جيش التتار بقيادة هولاكو واجتياحها، على أمل أن يكون له وضعه بعد ذلك في الدولة. قال عنه ابن كثير: "ثم كاتَبَ التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقةَ الحال، وكشف لهم ضعف الرجال. وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه، والمثول بين يديه لتقع المصالحة، على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة إليه في سبعمئة راكب من القضاة، والفقهاء، والأمراء، والأعيان.. فتم بهذه الحيلة قتلُ الخليفة ومن معهُ من قواد الأمة وطلائعها بدون أي جهد من التتار". ليس كل جاسوس خائناً لا يمكن بالطبع القول إن كل جاسوس خائن. ذلك أن أمن الوطن يستدعي وضع العيون على شكل جهاز أمني مستتر، يقوم عمله أساساً تجاه أهل الريب والشبهات في مجالات السرقة والجرائم اللاأخلاقية وما شابه من جرائم تؤثر على الأمن الداخلي للبلد، وأهمية تتبعهم وملاحظتهم للحيلولة دون وقوع ضرر منهم على المجتمع ومن يعيش فيه. وإن كان هذا الأمر بالطبع يحتاج لتقنين، فالأمر ليس بهذه السعة التي يمكن تصورها حتى يتم إطلاق يد الأجهزة الأمنية بلا حدود وضوابط. لكن الأهم من هؤلاء المؤثرين على الأمن الداخلي وسلامة المجتمع، أولئك الذين يقومون بأعمال التجسس لغير صالح بلدانهم وأمتهم ودينهم، فهذا ليس فيه أدنى شك أنه خيانة لله والرسول والأمة. وبالمثل يمكن أن يقال عن الذي يعمل داخل وطنه لكن على أهله، خدمة لزعيم فاشي أو ديكتاتور ظالم أو نظام سياسي أو لصالح جهاز مالي أو منفعة لمجموعة تجارية أو كتلة رياضية أو ما شابه من كيانات أو حتى لصالح أفراد.. ذلك عمل تجسسي بحت، وهو خيانة دون أدنى ريب. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هاهنا: لماذا الخيانة؟ أن تكون عيناً للعدو في بلدك وبيئتك، أو عامل تسريب وتمرير معلومات وأسرار عن وطنك وشعبك للآخر المتربص، فهذا أمر غير مقبول –كما أسلفنا– وهو في العرف القانوني جريمة، وتسمى في بعض الأقطار بالخيانة العظمى الموجبة لأقصى العقوبات. وهو في العرف النفسي والاجتماعي نوع من أنواع الانحراف.. انحراف في التربية، والأخلاق والدين. لكن السؤال بعبارة أخرى: لماذا يتجه الإنسان إلى خيانة بلده وأمته ودينه؟ هل السبب هو بحث عن مكاسب مادية، أم لعلل نفسية تسيطر على الخائن، أم لخلل في النشأة والتربية الدينية والوطنية؟ أم هناك أسباب أخرى؟ الإجابة ليست بسهولة طرح التساؤلات، لكن من المهم جداً استقراء أحداث ووقائع من التاريخ كان للجواسيس والعملاء دورهم في خراب أوطانهم وهزيمتها، وبالتالي ضرورة دراسة المسببات والدوافع التي جعلتهم يرتمون في أحضان العدو، ثم لا يلبث أحدهم أن يختفي في ظروف غامضة! لا شك أن الجانب التربوي والديني مهم جداً في هذه المسألة، فإن أي خلل في تلك الجوانب أو ضعف أو ضبابية في التعليمات والإرشادات، من شأنها أن تحدث نوعاً من التوهان عند الشخص، لا يدري أين الصواب من الخطأ، وبالتالي يكون عرضة وصيداً سهلاً لضمه إلى عالم الخيانة في صورها المتنوعة. أضف إلى ذلك، الجانب النفسي، حيث يكون الخائن عادة يشعـر بعقدة نقص منذ طفولته، بسبب تجاهل وعدم اهتمام به في كثير من نواحي حياته، وبالتالي مع نشأته وإدراكه للواقع، ربما يجد في الخيانة وتقدير من يعمل لهم، فرصة لسد ذاك النقص وإشعاره بأهميته، وقد يؤدي به بعد ذلك للانتقام ممن كانوا سبباً في تعاسته، أو ربما هكذا التفكير عنده. الشاهد من هذا الحديث كله، أن التربية الإيمانية الصحيحة، عامل رئيسي أول، بل الأهم في ضبط وربط الإنسان ومنعه من الدخول في هذا التيه، وهذا العالم المنحرف غير السوي. ثم زرع الإيمان في أعماق القلوب، والمداومة على التذكير بأساسيات هذا الإيمان، عامل آخر مهم. مع أهمية استحضار مشاهد الخيانات في التاريخ القديم والحديث، ومآلاتها وعواقبها، كنماذج للدراسة، يتلقاها الفرد في مراحل التربية والتكوين المختلفة. ويأتي أخيراً، عامل رابع مهم متمثل في منع الظلم أن يقع على الأفراد، وأهمية سيادة العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع. هي كلها عوامل تساند وتدعم بناء الشخصية الوطنية الملتزمة بدينها وحبها لوطنها، التي لن ترى في حب الوطن، بعد كل تلك العوامل، سوى أنه من الإيمان الموجب لرضا الله ورسوله الكريم. والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. abdulla.emadi@gmail.com
16826
| 23 ديسمبر 2021
حوادث ووقائع تسمع بها أو تقرأ عنها، تجعلك تتساءل فجأة: كيف؟ فلا تجد إجابة بالطريقة التي ربما تريدها، وقد تترك البحث عن الموضوع أو تعيد الأمر إلى الزاوية الآمنة لك، التي إن لجأت إليها اطمأن قلبك، وسرت آمناً مطمئناً في حياتك، وكانت تلك الطمأنينة بمثابة طاقة شحن نووية لا تنفد، تعيش بها إلى ما شاء الله لك أن تعيش. فما القصة؟ •يخرج نبي الله يونس - عليه السلام - من قريته، بعد أن مكث فيهم حيناً من الدهر يدعوهم إلى الله ولكن دون نتيجة، حيث كذبوه وتمردوا عليه حتى خرج من القرية، وبقية القصة المعروفة وأهم مشاهدها، ساعة أن التقمه الحوت، فيدخل جوفه، لتتعطل فوراً قوانين الهضم عند هذا الحيوان الضخم، كيلا يتأثر نبي الله يونس بن متّى، لحكمة أرادها سبحانه. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. • يخرج نبي الله عُزير - عليه السلام - ذات يوم مع حماره، فيمر على قرية مهجورة خاوية على عروشها، فيتساءل بينه وبين نفسه ( أنّى يحي الله هذه بعد موتها ) فيموت من فوره بعد هذا التساؤل. ثم أحياه الله بعد مائة عام، فقام وقد شعر أنه نام أكثر من اللازم، حتى تبين له ما حدث وأدرك أن الله على كل شيء قدير. إنه فعلياً مشهد من مشاهد القيامة، لكن بقدرة الله يحدث هذا المشهد في هذه الحياة الدنيا. إن من يموت في الدنيا لا يعود ثانية إلا يوم القيامة، لكن أن يموت في الحياة الدنيا، ثم يعود من موته في نفس الحياة، فهذا مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. •يجتمع الناس بالآلاف لرؤية نبي الله إبراهيم الخليل - عليه السلام – يلقى جزاء ما فعل بأصنامهم، حيث تقرر حرقه في نار كبيرة، فيؤتى به – عليه السلام – وقد وثقت يداه بالحبال، وألقي بالنار، فيخرج بعد قليل ولم يحترق منه شيء سوى الحبال المقيدة بها يديه، في مشهد أذهل كل من كان حاضراً حينها، وأذهل من سمع بها لاحقاً إلى يوم الناس هذا.. كيف يتعطل قانون الحرق الخاص بالنار، فلا تُحرق سوى الحبال؟ مشهد لا شك أنه مذهل، بل مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. •نبقى مع خليل الرحمن وهو يمسك بيد ابنه إسماعيل – عليهما السلام - من بعد أن بلغ معه السعي، أي وصل الى السن الذي سيبدأ الأب يعتمد عليه في أموره ويكون عوناً له، فإذا وحيٌ من الله يأمره بذبح الابن ! ولك أن تتخيل شعور الأب، الشيخ الكبير وهو سائر لذبح ولده الوحيد الذي جاءه من بعد أن بلغ من الكبر عتيا. حتى إذا حانت ساعة الذبح، يتوقف قانون القطع في السكين، فلم تقطع رقبة إسماعيل – عليه السلام – بعد محاولات عدة، إلى بقية القصة المعروفة. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. •مريم العذراء تحمل جنيناً مباركاً في رحمها دون أن يمسسها بشر، ويعرف الناس بولادتها فتدور علامات الاستفهام حولها، فتدع الوليد يتكلم الوليد، ويكون كلامه جواباً أخرس كل الألسنة، وأذهل كل من كان حاضراً يسمع، ومن سيسمع بعد ذلك إلى يوم القيامة.. إن حمل المرأة يتم وفق قانون معروف، لكن أن يحدث حمل يناقض هذا القانون، كحال مريم العذراء، فهذا أمر لم ولن يتكرر. مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. •يقوم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – من فراشه ليلاً ليرافق سيد الملائكة جبريل - عليه السلام - على دابة البراق، لتسري بهما من مكة إلى الأقصى في لمح البصر، ثم تعرج بهما إلى السماوات العلا، ويتوقف جبريل عند مقام معين، ليواصل النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – العروج إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى حتى يصل إلى مقام لم يصله مخلوق قط، فيرى من آيات ربه الكبرى. ثم يعود بعد ذلك إلى فراشه في بيته بمكة، والذي كان لا يزال دافئاً ! فأي عقل وأي منطق يمكن أن يستوعب هذا المشهد؟ فإن تسافر في ذلك الزمان من مكة إلى المسجد الأقصى وعلى ظهور الإبل، كان في العادة يستغرق شهراً ذهاباً وبالمثل إيابا، فكيف يسافر النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبحسب وصف الرحلة، ثم يعود إلى مكانه، في أجزاء من الثانية، أو في اللا زمن؟ كيف يرتفع إلى السماوات وما يعني ذلك الخروج من المجموعة الشمسية فالمجرة، ثم تليها مجرات ومجرات حتى يصل إلى حافة الكون وأبعد، في رحلة تستغرق ملايين السنين لبلوغها، على افتراض وجود مركبات تسير بسرعة الضوء؟ كيف يقوم بها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في دقيقة أو أقل وفق الحسابات البشرية؟ لا شك أنه مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. •مثال أخير نختم به سرد المشاهد الخارقة للنواميس والقوانين الكونية، هو مشهد فتية الكهف، الذين فروا بدينهم من ملك ظالم طاردهم ليس لشيء، سوى أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. فدخلوا كهفاً بعيداً عن المدينة، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم. وما إن استقروا في الكهف حتى نزلت عليهم السكينة، فناموا، ليس يوماً أو بعض يوم، بل ثلاثمائة وتسع سنوات ! وجه الغرابة والدهشة أن أجسامهم لم تتغير وتبلى، على عكس القانون المعروف الخاص بالأجسام البشرية التي تبلى وتتحلل بعد حين من الدهر قصير، بحيث لا يبق منها سوى عجب الذنب. أما أصحاب الكهف، فقد توقفت القوانين والنواميس مع أجسامهم مدة ثلاثة قرون وازدادوا تسعا. إنه مشهدٌ لا تفسير له في عالم القوانين والنواميس. زبدة الكلام الله سبحانه وتعالى حين يخرق قوانين وسنن الكون على شكل معجزات ليشاهدها الناس، أو أحياناً دون أن يشاهدها أحد سوى المعنيين بالحدث فقط، فإنما لحكم معينة. واحدة منها أن المعجزة أو الحدث غير المعهود للبشر، عبارة عن رسالة إلهية مؤيدة للرسول، بمعنى أنه مرسل من الله، وأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى. ومنها، وهي الأهم من سابقتها، أن الله يفعل ما يشاء، وقتما يشاء، وأينما يشاء وكيفما يشاء. إن من وضع القانون هو القادر على أن يخرقه. وإن خرق القوانين والسنن ليس بأكبر من خلق موجودات هذا الكون، الذي لا زال يتمدد ويتوسع، بل إن كل تلك المخلوقات ليست بأكبر من مشهد خلق الكون نفسه من لا شيء، أو مشهد الفتق العظيم أو ما نسميه بالانفجار العظيم.. والله سبحانه أكبر وأجل وأعظم. نحن مطالبون بالإيمان والتسليم التام أن الله حق، وأن ما يفعله حق، وإن لم تستوعب عقولنا المحدودة وقلوبنا، الحكمة من وراء بعض الحوادث الخارقة للسنن والقوانين الكونية المعروفة. وإن الثبات على هذا الإيمان التام واليقين الراسخ، هو التحدي الأكبر عند الإنسان. فليس شرطاً أن تؤمن بالذي يتوافق وعقلك وفهمك دوماً، وذلك لسبب وجيز هو أن عقل الإنسان - كما أسلفنا - مهما بلغ، فسيظل قاصراً ناقصاً محدودا، وإن الاعتماد عليه في مسائل الإيمان، قد لا يأتي بنتائج تسر صاحبه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. أبوبكر الصدّيق – رضي الله عنه – لم يرفض معجزة الإسراء والمعراج الخارقة لكل قوانين السرعة والجاذبية والضغط وغيرها، بل صدّقها من فوره، فصار صديقاً، في الوقت الذي ارتد عدد من الذين أسلموا في تلك الفترة، وهم يسمعون القصة من فم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الفرق بين الإيمان الراسخ العميق، والإيمان السطحي غير المستقر.. فاللهم إيماناً راسخاً لا يتزحزح ولا يتزعزع، واللهم ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعـد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ). abdulla.emadi@gmail.com
13916
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
8841
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...
2670
| 26 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...
1938
| 30 مارس 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1560
| 31 مارس 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1305
| 31 مارس 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
945
| 30 مارس 2026
يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...
888
| 31 مارس 2026
«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع...
804
| 29 مارس 2026
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...
783
| 01 أبريل 2026
لا يمكن الحديث عن إستراتيجيات العمل لدى هيئة...
711
| 30 مارس 2026
ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ...
657
| 27 مارس 2026
«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...
639
| 02 أبريل 2026
مساحة إعلانية