رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاشينستات الدوائر الحكومية !

كثر الحديث عن ظاهرة ما اصطلح على تسميتهم «فاشينستات وبلوغرز» وتعني بعد الترجمة، مصممي أزياء ومدونين، من بعد أن أصبحوا ظاهرة ملفتة في كثير من المجتمعات ذات الاستخدام الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة. الظهور السريع لهؤلاء الذين لا يتطلب من أحدهم تلك المعايير الواضحة والصارمة أحياناً للإعلامي، هو ما لفت الانتباه، ومحاولة كثير من باحثي علوم الاجتماع وحتى علوم النفس الإنسانية، دراسة هذه الظاهرة المجتمعية، والمرتبطة بالتقنية بشكل أساسي، وكيف صارت تتعاظم في المجتمعات، ومدى تأثيرهم على الآخرين، لاسيما الجيل الشاب، خاصة أن جل محتوياتهم بلا هدف واضح يخدم المتابعين، سوى هدف واحد وحيد يخدمهم هم لا غيرهم، وهو تحقيق مزيد شهرة ومكاسب مادية متنوعة، وإن على حساب المحتوى، سواء كان هؤلاء على قناعة بما يقدمونه من محتوى أم لا! ظاهرة «الفاشينستات والبلوغرز» كغيرها من ظواهر مجتمعية، تظهر في زمن ما ومكان ما لأسباب مختلفة، وتبقى صلاحيتها بصلاحية وقوة أسباب نشوئها، خاصة إن كان قيامها على أسس واهية غير صلبة، حيث تبدأ بالانكماش التدريجي، وصولاً إلى اختفاء شبه تام، أو أحياناً يكون الاختفاء تاماً كاملاً. معنى هذا أن هذه الظاهرة، ولأن أساس قيامها هو التقنية وبرمجيات التواصل التي تتغير وتبدل سريعاً، قد تتأثر بما يقع في عالم التقنية والبرمجيات هذا من تغييرات متنوعة تكون جذرية أحياناً، وبالتالي ليس هناك ما يمنع من اختفائها إن اختفت تلك البرمجيات وظهرت أخريات.. ولا أطيل الحديث في مناقشة موضوعنا مدار الحديث كظاهرة مجتمعية، فإن لهذا الأمر مختصين وباحثين في علوم الاجتماع، وهم أدرى في كيفية دراسة وتحليل الظواهر المجتمعية. ما يهمني كمتابع للظواهر المجتمعية الطارئة الأشبه بالفقاعات الهوائية، هو ضرورة التنبه إلى خطورة هذه الظاهرة وخاصة حين تقدم كل أنواع التفاهات، ويتم ترك المساحات أمامها للتمدد والتوسع والانتشار دون ضوابط وقوانين رسمية أو عُرفية مجتمعية. الأخطر من هذا، وهو غاية هذا المقال، أن يتم توسيع المساحات أو فتحها برعاية رسمية من جهات حكومية، ولعل تمادي كثير من مؤسسات ووزارات الحكومة في هذا الأمر، هو السبب الذي دفع بكثيرين، وما زالوا، للحديث عن هذا الموضوع. إن تقديم «الفاشينستات والبلوغرز» على المهنيين من الإعلاميين في كثير من الفعاليات الرسمية، هو نوع من لا مبالاة بالمهنية والتخصصية وبرعاية رسمية تصحبها في غالب الأحيان تكاليف مادية أيضاً! فما الذي يدعو جهة حكومية مثلاً إلى استدعاء هؤلاء لأي فعالية رسمية وبتكلفة مادية متفق عليها بصورة وأخرى؟ لا أجد هناك أي مبرر أو حاجة لذلك. في الوقت المتعارف عليه أن مثل هذه الفعاليات تتم تغطيتها من طرف جهات إعلامية مهنية تعرف أصول وقواعد النشر الإعلامي وفنونه، أول تلك الجهات هي إدارات الاتصال وأقسام الإعلام والعلاقات العامة بكل وزارة حكومية، ثم تأتي بقية وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية المنتشرة في البلاد. إصرار الجهات الحكومية على تجاهل قواعد التغطيات الإعلامية أو العمل الإعلامي، يعني أنه لا داعي أو لا حاجة لما يسمى بإدارات الاتصال وأقسام الإعلام والعلاقات العامة فيها، وهذا أمر لابد من محاسبة المسؤولين عليها أو مناقشتهم فيها لمعرفة وجهات نظرهم. فإن كانت قناعاتهم بجدوى وفعالية «الفاشينستات والبلوغرز» في تغطية فعالياتهم الرسمية أكثر من أقسام الإعلام لديهم أو وسائل الإعلام المحلية، فالأجدر إذن إلغاء تلك الأقسام وتحويل موظفيها واستثمارهم في إدارات وأقسام أخرى بالوزارة، ومن ثم لا داعي بعد ذلك للجامعات أن تتعمق في أقسام الصحافة وبقية الوسائل الإعلامية، لأن هناك قناعات عند مسؤولين حكوميين تتجاوز أهمية وفعالية خريجي الإعلام من الجامعات، أو هكذا يبدو الحال! ليست عندي أي مشكلات مع «الفاشينستات والبلوغرز»، الذين ربما وجدوا طريقاً لهم نحو شهرة مؤقتة ومنافع مادية سريعة ومتعاظمة، لكن الإشكالية حين تتم مزاحمة المهنيين من قبل هؤلاء وبدعم حكومي، فتكون لهم الأسبقية والأولوية في كل حدث أو فعالية! ها هنا أجد في الأمر إشكالية، والتي ربما تؤدي بآخرين في مقتبل حياتهم إلى خوض هذا المجال، وترك الأصول والقواعد التي تتمثل في الدراسات الجامعية والتخصصات العلمية والتدريبات المهنية. فتجد تبعاً لذلك شبابنا وقد تحولوا إلى «فاشينستات وبلوغرز» يتسابقون في عالم التفاهة – وهو ما عليه الغالبية العظمى من هؤلاء – إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم. هذه الظاهرة، كخاتمة لهذا الحديث، لابد من ضبطها في إطار محدد معروف، وتقنين عمل من يخوض عالم «الفاشينستات والبلوغرز» بحيث تكون مجالات وقطاعات تحركهم معروفة وبعيدة عن الجهات الحكومية، مع أهمية إعادة الثقة بإدارات الاتصال والعلاقات العامة بالوزارات الحكومية، وتعزيز أدوارها ودعمها بالخبرات الإعلامية المتنوعة. هذا ما لزم التنويه إليه في هذه العجالة. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

1221

| 06 يونيو 2024

غـزة منتصرة بعد أن يبلغ الألم مداه!

غزة منتصرة دون أدنى شك. ومن يقاوم العدو هنالك يدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك، وإلا ما وجدته مستمراً في المقاومة حتى اليوم، وكأنما هو أول يوم. يقين المقاوم الغزاوي أنه منصور بإذن الله، وفهمه العميق الواسع لمعنى النصر هو سر بقاء المقاومة إلى يوم الناس هذا، بل هو السر الذي لم يستوعبه بعدُ كل من هو خارج غزة يراقب، لاسيما المخذلين والمثبطين والمرجفين وبقية من شلل النفاق ومرتزقة الصهينة هنا وهناك. المقاوم الغزاوي الذي تربى على القرآن وسنة حبيب الرحمن، محمد عليه الصلاة وأزكى السلام، يدرك أن النصر في معركة وجودية مع عدو خبيث متخابث ماكر، ومستأسد بعضلات غيره وهو الجبان في الوقت نفسه، يدرك هذا المقاوم أن النصر الذي ينشده ليس في ساحة الحرب العسكرية فحسب، بل ساحات عديدة لا تقل أهمية النصر فيها عن النصر العسكري.. وفي هذا بعض التفاصيل. من ذا الذي تخيل أن تقفز قضية فلسطين وتتربع على عرش الأخبار في العالم كله خلال أسبوع واحد، بل تتعزز مكانة الخبر الفلسطيني في كل وسائل الإعلام المختلفة حتى يوم الناس هذا، لا ينافسه خبر آخر؟ من تخيل أن ينتفض العالم غير العربي وغير المسلم بشكل غير معهود تجاه قضية، عملت الصهيونية وأذرعها السياسية والمالية والإعلامية والثقافية سنوات طوال، وصرفت مليارات الدولارات من أجل رسم صورة ذهنية معينة في أذهان العالم، تعينهم على استمرارية مشروعاتهم الاستعمارية والاستيطانية في المنطقة، فيتم نسف كل تلك الجهود والأموال في أيام معدودات، وتتغير الرواية الصهيونية وتتناثر هنا وهناك سريعاً، لتحل محلها بشكل قوي مؤثر، رواية فلسطينية صادقة واضحة؟ من تخيل أن تبلغ الجرأة عند الناس في الولايات المتحدة، وفي عقر دار صهاينة اليهود والمسيحيين، لتوجيه النقد اللاذع الصريح لهذا السرطان الدولي؟ من كان يتخيل أن تنطلق شرارات الاحتجاج والاعتراض على سياسات الحكومة الأمريكية المتصهينة ودعمها اللامحدود لصهاينة دولة الاحتلال، من أرقى الجامعات في العالم، بل ومن أكثر طلاب الجامعات الأمريكية استقراراً اجتماعياً ومالياً؟ من تخيل أن تتصدر دولة كاثوليكية مثل إسبانيا في مواجهة آخر نظام احتلالي متوحش في العالم، بل وتبادر في حث آخرين من دول الاتحاد الأوروبي لمواجهة هذا السرطان، والاعتراف بالحق الفلسطيني، واعتبار ما يقوم به الصهاينة في غزة، إبادة جماعية وكارثة إنسانية مطلوب وقفها ومواجهة المعتدين وداعميهم ومحاسبتهم؟ من كان يتصور دولة مثل جنوب أفريقيا، رغم مشاكلها وأزماتها الداخلية، تواجه قوى الاستبداد المتمثلة في الولايات المتحدة وربيبتها دولة الاحتلال، فتسحب الصهاينة لمحاكم دولية، وإن كانت تلك المؤسسات القضائية بلا أنياب ومخالب، إلا أن سحب الصهاينة للوقوف أمامها، فيما العالم كله يشاهد ويستمع، هو أمر ليس بالهين، في الوقت الذي لم تتجرأ دولة عربية أو مسلمة أو حتى أوروبية للقيام بمثل تلك الخطوة، على رغم عواقبها السلبية المتوقعة على جنوب أفريقيا. والحديث يشمل كذلك كولومبيا وأخريات فقيرات في أمريكا الجنوبية، غامرت بالوقوف في وجه الإمبريالية الأمريكية والصهيونية المجرمة. أن ينتفض الغرب والشرق غير العربي والإسلامي في وجه الصهيونية ودعاياتها المضللة، وتقوم دول ومؤسسات وأحزاب من أقصى العالم بدور الدعم السياسي وتقوم بوظيفة المساندة المعنوية والإعلامية المؤثرة، فهذا أمر لم يكن ليحلم به أعظم المتفائلين منا. بل جلنا ظن بعد السابع من أكتوبر أن المسألة روتينية بين محتل متغطرس، ومقاومة تحاول الدفاع عن نفسها وعرضها ومالها، وسرعان ما تنتهي خلال أيام معدودات، لتعود الأمور إلى الروتين المعتاد بين الطرفين. لكن يمر أسبوع بعده آخر وثالث وخامس وعاشر وعشرين، لتقترب الأحداث الجارية من شهرها التاسع، في سابقة غير معهودة في مواجهات الطرفين منذ أن بدأ هذا السرطان الصهيوني انتشاره بالمنطقة. هذا الامتداد أو التوسع الزمني المستمر، مؤشر على أن الأمر هذه المرة ليس ككل المرات، بل لابد أن تكون النتيجة النهائية حاسمة حازمة. أي مسلم مؤمن موقن بمعية الله سيدرك أن غزة حركت المياه الراكدة في العالم، وغيّرت، بل إن صح التعبير، ستغير كثير أمور، أبرزها: انكشاف أمر السرطان الصهيوني للشعوب الغربية تحديداً، وعمق تحكمه وتغلغله في مفاصل دولهم ومجتمعاتهم. سقوط روايات بني صهيون المضللة التي عاشوا عليها سنوات طوال، يستنزفون بها العالم الغربي تحديداً. زرع الثقة من جديد في النفوس المؤمنة، وأن الكثرة ليست دوماً منتصرة، بل إن قلة مؤمنة محتسبة، يمكنها عمل الكثير الكثير. والمقاومة في غزة خير نموذج يمكن أن يدرس في المدارس والمعاهد والجامعات لسنوات عديدات قادمات. خلاصة ما أروم إليه ها هنا، أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والمقاومة الغزاوية أدركت هذه الحقيقة وعملت على تجسيدها على أرض الواقع، وتربت على منهج المدرسة المحمدية التي تخرج منها سابقاً، الفاروق عمر وابن الوليد وأبي عبيدة والزبير وغيرهم، فكانت النتيجة كما رأيناهم ورآهم العالم كله، أن يتسابق ويتنافس مجاهدو القسام في مواجهة العدو والنيل منه، أو الاستشهاد في سبيل الله، وهم في زي متواضع، وعتاد خفيف ناجع، مدركين أنهم مطالبون بعمل مخلص صحيح، وليس تحقيق النتائج التي تكفل الله بها، طالما هم على منهجه سبحانه. وما نراه حتى اليوم، رغم التضحيات البشرية والمادية من الجانب الغزاوي، هو نصر إلهي دون أدنى ريب، وقد بدأ يتحقق تدريجياً لمن يتأمل الأحداث بروية، وهو ما كان منتظراً مأمولاً من عباده المؤمنين، المجاهدين منهم والقاعدين. والنصر الذي نتحدث عنه ليس على شكل انسحاب العدو من غزة، بل ذاك النصر الذي يكون على شكل اندحار تام للعدو وطرده من كامل تراب فلسطين المبارك، وتفكك قوى داعميه من الشرق والغرب، مع تغيير ما يلزم من الأحجار الشطرنجية الساكنة بالعالم العربي والمسلم. ذاك هو النصر المتدرج الذي بدأ في غزة منذ السابع من أكتوبر المجيد، وقد جاء متدرجاً ليكون بمثابة شحن إيماني متدرج أيضاً حتى يصل بجند الله إلى الفرح التام بنصر الله عما قريب، وفي المقابل يكون ألماً رهيباً متدرجاً يصيب مفاصل وأعماق العدو ومن معه، حتى يبلغ ذاك الألم مداه، فينهار تمام الانهيار بعد حين من الدهر لن يطول بإذن الله (ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).

906

| 30 مايو 2024

العالم ليس هو الغرب فقط

الغرب أو الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية، اتفقوا على ألا تقوم حرب عالمية عسكرية ثالثة مرة أخرى، ولا حرب مماثلة بين دول الغرب نفسه، كأحد أبرز أولويات وأهداف المنتصرين، ولأجل ذلك قام الغرب المنتصر بتفصيل نظام دولي وفق رؤيته كمنتصر، لأجل التحكم في مفاصل العالم، وبحيث يبقى هذا النظام بيده لأطول فترة زمنية ممكنة، فوضع نتيجة ذلك أدوات التحكم والسيطرة على الآخرين تكون تحت إشرافه بشكل مباشر، ثم صنع وسائل وأدوات أخرى أقل تأثيراً، وتكون مشاعاً بين الجميع، يستطيع كل من سينتمي لهذا النظام بعد قليل، استخدامها حتى لو لم تؤثر بشكل إيجابي. من ضمن تلك الوسائل والأدوات، هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها ولجانها العديدة المتفرعة عنها. لكن لاحظ أن الأداة الجبارة مثل مجلس الأمن بيد خمس دول بحكم انتصارها في الحرب. هم الآن منذ ظهور النظام الدولي، من يديرون ويستفيدون من قوة المجلس، على رغم أن الوقت طال أكثر من اللازم لإعادة تقييم معايير اختيار الدول دائمة العضوية، وجدوى بقاء امتياز حق النقض أو الفيتو بيدها إلى يوم الناس هذا، وقد خارت قوى بعض أولئك الخمس، وظهرت قوى دولية أخرى في العالم تستحق مثل هذا الامتياز، إن افترضنا جدلاً جدوى الإبقاء عليه. إن العالم أكبر من خمس كما قال وما زال يردد العبارة، السيد رجب طيب أردوغان، الذي طالب في محافل دولية مختلفة بتغيير هذا النظام، لأن العالم تغير ويحتاج إلى نظام دولي جديد يتوافق مع المتغيرات الدولية. فقد أصبح العالم اليوم أكبر وأقوى وأوعى عما كان عليه قبل عقود عدة مضت. إنَّ العالم الذي اتفق على إنشاء هيئة أمم متحدة وفق قوانين ومبادئ معينة، وتحت ضغط الحروب والمآسي التي شهدتها مساحات كبيرة من العالم ضمن جنون الحرب العالمية الثانية، وافق جل هذا العالم نفسه، رغبة أو رهبة، على قرار الأقوياء في تلك الفترة الذين أنشأوا الهيئة الدولية هذه وكياناتها المتنوعة، وهم: الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي (وورثتها روسيا بعد سقوطها) الصين، فرنسا وبريطانيا. أولئك الخمس اتفقوا فيما بينهم على قرار غير عادل ولا منطقي، لا قديماً ولا حديثاً. قرار منح أنفسهم ميزة حق النقض أو الفيتو، ضد أي قرار أممي يتعارض مع مصالحهم جميعاً أو فرادى!. ربما كان مقبولاً منح امتياز الفيتو لتلك الدول الخمس لدى نسبة لا بأس بها من الدول في تلك الفترة وما بعدها بسنوات، ولكن مع سقوط الإمبراطورية الشيوعية المتمثلة حينذاك في الاتحاد السوفييتي، وانحسار الشمس سريعاً عن بريطانيا العظمى وجارتها فرنسا، وصعود قوى جديدة لها تأثيرها القوي على الأحداث العالمية، أثار الانتباه مجدداً إلى هذا الامتياز غير المنطقي الممنوح لأولئك الخمس. الرئيس التركي أثار هذه المسألة عدة مرات، كما أسلفنا، حتى صار شعاراً يرفعه وينطق به ويدعو إليه في كل محفل دولي. نعم، العالم اليوم صار أكبر من تلك الخمس، أو على أقل تقدير أكبر من بريطانيا وفرنسا وروسيا، باعتبار أن ما كان يميز هذه الدول الثلاث، صارت أخريات اليوم تتميز بها وربما أكبر وأقوى، سواء كانت على مستوى القوة الاقتصادية أم العسكرية أم العلمية والتقنية وغيرها من قوى. هناك دول تستحق أن تدخل منظومة الفيتو، في حال الإبقاء عليها، بحيث لا تكون ميزة الفيتو حكراً على تلك الخمس، بل تدخل خمس قوى أخرى، أو منح التكتلات الكبيرة مثل هذا الحق، وإن كان المنطق السليم العادل، ألا يكون لهذا الامتياز وجود بين الأمم، وإنما تكون علاقات الدول مبنية على مواثيق وعهود واتفاقيات ليست أكثر، فيكون الكل سواسية في مناقشة أي أمر واتخاذ القرار بشأنه، دون أن تضيع الجهود والأوقات والأموال سدى كما الحاصل الآن في أي جهد دولي ينتهي بفيتو أمريكي أو بريطاني أو غيرهما. إن هذا الامتياز غير السوي، أضاع حقوقاً لدول وبشر، وأعان ظلمة ومجرمي حروب وآكلي لحوم بشر، وصار من الأسباب الرئيسية لظلم حاصل في العالم وفساد منتشر. وإن مثل دعوة أردوغان لابد وأن تلقى تأييداً وترويجاً في العالم كله، تتبناه الحكومات المتضررة ومنظمات حقوق البشر، وكافة الهيئات المعنية بمصلحة الإنسان. ما الذي يدعو نظاماً مارقاً محتلاً مثل الكيان الصهيوني إلى الاستخفاف بكل قرارات العالم؟ إنه لا شك هذا النظام الغربي الذي هو من صنع هذا الكيان المسخ ويحميه من كل مساءلة. إن أدوات الأمم المتحدة مثل محكمة العدل أو محكمة الجنايات وغيرهما من كيانات أممية، هي أدوات غير مؤثرة في الواقع العملي، نظراً لافتقارها إلى قوة منفذة تساعد على تجسيد أي قرار على الأرض. القوة الوحيدة الفاعلة الآن هي مجلس الأمن حين يتفق الخمس على أمر ما. ولكن حتى مع فاعلية مجلس الأمن، يمكن أن تأتي أي دولة من القوة والتأثير، وتتجاوز هذه الأداة الأممية، كما تفعل الولايات المتحدة بشكل مستمر، كأبرز دولة تتجاهل كل أنظمة البشر ! وهذا هو بيت القصيد، وهذا ما يدعو دول العالم إلى ضرورة تكثيف جهودها بكل الطرق اللازمة لتغيير هذا النظام الغربي المفروض على مليارات البشر. نظام غير عادل، وإن حاول صانعوه تزيينه وزخرفته، لأن وقائع وأحداثاً كثيرة أثبتت عدم فاعلية هذا النظام، ووجوب تغييره بنظام آخر جديد، يُبنى على أساسات من العدل والمساواة بين الجميع. وهذا أمر قد يبدو بعيد المنال، لكن مع انكشاف النظام الدولي أو الغربي - إن صح التعبير- في كل مأساة وكارثة تحل على البشر، لابد وأن يتجدد الأمل في نظام جديد عادل أو يسعى إلى العدالة قدر الإمكان، على اعتبار أن دوام الحال من المحال، وليس هناك أعدل من نظام الإسلام، نظام رب العالمين (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ).

534

| 23 مايو 2024

الحاجة إلى صناعة رعب!

قد يبدو غريباً العنوان أعلاه. لكن ما من شيء في حياتنا الدنيا إلا وله صناعة، أو حاجة تدعو إلى تصنيعه بصورة وأخرى، سواء كان هذا الشيء مادياً أم معنوياً. وفي التاريخ البشري الكثير من الصناعات، منها صناعة الرعب التي أرى الأمة باتت بحاجة ماسة إليها أكثر من أي وقت مضى. قصص تصفية الرموز الخطرة والمثيرة للعداوات والفتن كثيرة في التاريخ البشري، منها مثلاً قصص تصفية كعب بن الأشرف وأبي رافع سلام بن أبي الحقيق وغيرهم من مجرمي ومثيري الفتن من اليهود، وهي نماذج لصناعة رعب كان الظرف الزمني حينها يقتضي من المسلمين، دولة وأفراداً، القيام بها واتقانها وفق ضوابط مقننة وليست مطلقة، رغم الظروف الخطرة المحيطة بالمسلمين حينذاك. فهؤلاء المجرمون اشتهروا بعـداوتهم لشخص الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أولاً ومن ثم الإسلام والمسلمين، ولعبوا دوراً في الكثير من المؤامرات لتفتيت كيان الدولة المسلمة الوليدة، وإثارة الفرقة والعداوة بين المسلمين بعضهم البعض، ومع غيرهم من الملل والنحل وفي أحلك الظروف التي كانت تمر على المسلمين يومها. أما الأول، وهو كعب بن الأشرف، فقد كان يجاهر بالعداوة للمسلمين رغم وثيقة المدينة التي من بينها بنود خاصة بيهود المدينة تطلب منهم الوقوف مع المسلمين في حال الحرب، وعدم القيام بما يسيء للعلاقات البينية. إلا أن ابن الأشرف هذا بالغ في العداوة بعد معركة بدر، وازداد في عداوته للإسلام والمسلمين بعد اجلاء بين قينقاع من المدينة إثر انتهاكهم لوثيقة المدينة - على عادة يهود في نقض المواثيق والعهود - وازداد سفاهة وجرماً حين بدأ يهجو نساء المسلمين وصولاً إلى أمهات المؤمنين، ووصفهم بأبشع الأوصاف وأكثرها فحشاً، حتى صار يدفع المال بسخاء لمن ينشر شعـره البذيء بين القبائل العربية. ابن الأشرف في حرب إعلامية مارس ابن الأشرف عملياً ما نسميه اليوم بالحرب الإعلامية التشهيرية للنيل من معنويات المسلمين، وهم في فترة تكوين وترسيخ جذور، حيث الحاجة لكثير تركيز واجتهاد، مع بعد عن مشتتات أو ملهيات، إلى أن بلغ الأذى بالرسول الكريم - وهو المبعوث رحمة للعالمين - أن يطلب من أصحابه الكرام قائلاً: من لي بابن الأشرف، فقد آذاني؟ يقوم محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - وهو من قبيلة الأوس يقول: أنا به يا رسول الله. ثم يخرج مع عدد من الصحابة الذين كانت تربطهم علاقة مودة مع يهود المدينة، ومنهم ابن الأشرف هذا، لتقوم تلك الصحبة الفدائية بمهمة محددة دقيقة، هي تصفية ذاك البذيء المسيء للإسلام والمسلمين، والذي قام على رعاية وصناعة الكثير من الأذى النفسي والمعنوي للمسلمين، فكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون الرد عليه ولكن بصناعة أخرى دقيقة ومحبكة، تُلقي نتيجتها رهبة ورعباً شديدين في قلوب أتباع ابن الأشرف ومن على شاكلتهم من يهود المدينة، وقد كان. حيث هدأت الحروب الإعلامية اليهودية المعادية للمسلمين بعد تصفية ابن الأشرف، وسكن الرعب قلوبهم، ولم يجرؤ أحد من اليهود القيام بأي فعل معاد للمسلمين بعدها، بل لم يجرؤ أحد قادتهم الخروج لوحده بعد ذلك ! بعد أن نال الأوس شرف القضاء على أحد مثيري الكراهية والعداوة في صفوف المسلمين بالمدينة، تحرك الخزرج للقيام بعمل يوازي عمل الأوس، بعد ما عُرف عن القبيلتين تنافسهما الشديد في تقديم الغالي والنفيس في سبيل الدعوة، ونيل رضا الله ورسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقالت الخزرج بعد تصفية ابن الأشرف: والله لا تذهبون بها فضلاً علينا أبداً؛ فتذاكروا مَن رجلٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا أبي رافع سلام بن أبي الحقيق، وكان من زعماء يهود خيبر الذين دأبوا على معاداة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وحبك المؤامرات والمكائد. فاستأذنوا الرسول الكريم في تصفيته، فكان لهم ما أرادوا. اليد الطولى للمسلمين خرج إليه خمسة من فدائيي الخزرج، بعد أن وضع عليهم أميراً هو الصحابي عبدالله بن عتيك رضي الله عنه، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة. فخرج الخمسة بعد تنسيق وتخطيط محكم دقيق، كلٌ في مهمته، فكانت مهمة عبدالله دخول حصن خيبر المنيع لوحده وتنفيذ خطة التصفية، رغم خطورة تنفيذ هذا العمل وهو وسط كثافة يهودية مسلحة. فقام بتصفية عدو الله أبي رافع وهو في فراشه وبين أهله، في مغامرة وعملية فدائية لا يقوم بها سوى القليل القليل من المؤمنين. لكنه ما خرج سريعاً بل انتظر بالحصن حتى الصباح ليتأكد من نفوق عدو الله ابن أبي حقيق. ولما سمع بخبر اغتياله من إعلام العدو، خرج دون أن ينتبه إليه أحد، وينضم إلى بقية الفدائيين متجهين إلى المدينة يبشرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بنجاح مهمتهم وتصفية أحد أعداء الله وأعداء رسوله. خبر تصفية ابن الأشرف ومن بعده ابن أبي الحقيق في فترة زمنية قصيرة، أرعب يهود المدينة جميعاً، ومنهم خيبر المنيعة، وعلموا أن يد المسلمين يمكنها أن تطولهم وإن كانوا في مضاجعهم وفي حصونهم. فكانت تلك العمليات المقننة سلاحاً معنوياً أمر باستخدامها القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة المسلمين يومها، وهو رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، كي تكون وسيلة ناجعة لبث الرعب في قلوب العدو، ورسالة حازمة له تجعله لا يتحرك وفق مزاجه وهواه، ويتآمر مع هذا وذاك وغيرهم على حرب الإسلام والمسلمين. غزة ورعـب العـدو ما يجري للعدو الصهيوني المحتل الآن في غزة من بعد السابع من أكتوبر، هو نوع من صناعة الرعب، التي أجادت المقاومة فيها، فإن ما قامت به المقاومة في غزة حتى اليوم، أثبتت فاعلية وأهمية هذه الصناعة، وتأثيرها المعنوي والنفسي الكبير على العدو، حكومة وجيشاً وقطعان مستوطنين، ومن معهم من داعمين دوليين ذئاب لئام. فالصواريخ والمسيرات وحقول الألغام ورشاشات الغول، وحصد الآلاف منهم ما بين قتلى وجرحى ومعاقين، كلها وسائل رعب لم يكن يتوقعها هذا العدو بهذه الكثافة والنوعية والنتيجة، فجعلته يراجع كل حساباته ومعه الذئاب والكلاب والضباع الغربية وبعض العربية، فقد بلغ الرعب بالعدو ومن معه مبلغاً، لم يسبق لهم جميعاً أن رأوه وعايشوه من ذي قبل. تبقى بعد ذلك نماذج تصفية ابن الأشرف وغيره في حسابات المقاومة كإحدى الوسائل الرادعة، ضمن استراتيجية صناعة الرعب الموجهة ضد العدو، وإن كنت لا أعتقد أنها خافية أو منسية. وكما أن دولاً كثيرة اليوم، كخلاصة وخاتمة لهذا الموضوع، تتفنن عبر أجهزة المخابرات لديها في صناعة الرعب الموجهة نحو منافسيها وأعدائها على حد سواء بصورة سرية، ويقوم هذا العدو بالأمر نفسه لكنه يجاهر ويتفاخر بخطط تصفية رجال ورموز المقاومة، فإن المقاومة الفلسطينية مطالبة القيام بالمثل، بحسب الإمكانات، والإعلان عن خطط تصفية رموز الكفر والإجرام في كيان العدو السياسي منه والعسكري، بل والاجتهاد على تنفيذها كما العدو يفعل. إنها حرب مفتوحة بين حق وباطل.. وواحدة بواحدة، والبادئ أظلم.

1005

| 16 مايو 2024

افهم عقلية عدوك تهزمه

من تعلم لغة قوم أمن مكرهم. وعلى رغم أن العبارة تعارف الناس عليها أنها حديث نبوي، إلا أنها غير ذلك، ولا أصل لها في كتب الحديث، لكن معناها صحيح لا غبار عليه. فمن يتعلم لغة قوم، أو يدرس فكرهم وثقافتهم وأساليب حياتهم، فلا شك أنه سيتعرف عليهم بشكل دقيق، وبالتالي يختار الطريقة المناسبة في التعامل معهم، والأهم من ذلك، أنه يأمن بذلك العلم جانبهم ومكرهم. وهذا تماماً ما يحدث في غزة، رغم التضحيات الكبيرة التي تقدمها، لكن هكذا هي طبيعة التحولات التاريخية العظيمة. وحتى لا أطيل في المقدمة، دعني أدخل في الموضوع مباشرة. حماس هي أكثر جماعة تفهم العقلية الصهيونية، وأكثر جماعة تعاملت مع الفكر الصهيوني في السلم والحرب، على رغم حداثة عمرها مقارنة بفصائل فلسطينية أخرى، وبالتالي لا أظن أن موافقتها على بنود اتفاقية وقف إطلاق النار قبل أيام كان نتيجة ضغوط، بقدر ما كان عن دراسة وفهم عميق لعقلية العدو. ظني أن حماس أرادت أن تحشر العدو في زاوية صعبة، وتكشفه للعالم أجمع بأنه طرف مخادع لئيم خبيث، لا يهمه قانون أو ميثاق، ولا يحترم عهداً أو ذمة، وأنه لا يدخل أي مفاوضات سوى لممارسة فعل التفاوض ليس أكثر. لا ينتظر منها نتيجة، أو بالأصح، لا يرغب في نتيجة سوى التي يراها صالحة له هو فقط، وليس غيره. حماس استثمرت التعاطف العالمي المتزايد معها، لاسيما حركة الاحتجاج الطلابية بالجامعات الأمريكية، والمتوقع نموها واتساع رقعة انتشارها، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل العالم كله بإذن الله، والذي يتطلب فعلياً الإسراع باستثمارها على كل صعيد ممكن. ولعل موافقة حماس على الاتفاقية جاءت من هذا الباب وليس من باب الضغوط. هذه نقطة أولى في كيفية إدارة أزماتك، عبر فهم عميق لفكر أو عقلية عدو متعجرف ومتكبر. لغة القوة أما النقطة الأخرى في مسألة فهم عقلية العدو، أن قادة حماس السياسيين والعسكريين على حد سواء صاروا على دراية كافية به وبكيفية تفكيره، خلاصتها أن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا العدو أكثر من لغته العبرية أو الإنجليزية أو حتى لغات الحاسب والإشارة. هذا الفهم العميق عند قادة حماس لهذا الأمر وهم يتعاملون مع جنس بشري صاحب فطرة خبيثة، ليس وليد اليوم، وإنما بفعل خبرات متراكمة عبر سنوات الصراع معه، بالإضافة إلى أن هذا الفهم للعدو جاء من سيرة قدوتهم الرفيعة وقدوة كل مسلم، سيد البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - حين تعامل مع يهود المدينة باللغة التي يفهمونها. لغة القوة، من بعد أن وصل أذاهم للإسلام والمسلمين درجة لم تنفع معها أساليب ولغات التسامح والتعايش وما شابهها. ما يجري اليوم في غزة، رغم التفاوت المادي في العدد والعتاد بين حماس والعدو الصهيوني، إنما هو جزء من صراع مفهوم ومستمر، أو إن صح التعبير، صراع بين الحق والباطل، الذي لن ينتهي بانتهاء مسألة أو أزمة، بل يظهر من جديد بصورة مختلفة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. المسألة واضحة لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات. هناك احتلال قائم في جهة، مدعوم من قوى عالمية تعتبره رأس حربة لها في وجوده بالمنطقة، ومن جهة أخرى، شعب يقاوم. هذه هي القصة باختصار شديد دون كثير مساحيق مادية أو إعلامية، ودون تزوير في حقائق التاريخ أو الجغرافيا. حماس ولأنها فهمت وهضمت الفكر الصهيوني وكيفية تعامله مع الوقائع على الأرض، صمدت أمام قوة هذا العدو الباغي المعتدي، والمدعوم بشكل لا نظير له. صمود حماس السياسي والعسكري كان بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الاحتجاجات في العالم ضد عدوان صهيوني همجي على شعب يقاتل من أجل أرضه وعرضه وماله. غزة.. أمل الأمة الباقي من هنا يمكن القول بأن حماس هي الجذوة المتقدة الوحيدة الباقية في هذه الأمة، التي يمكن أن تنير وتشعل محركات الدفع والقوة في الأمة. ومن غزة ربما تنهض الأمة من جديد وتسود. ولعل هذا يفسر لك سر تكاتف الشرق والغرب على اطفاء هذه الجذوة أو الشعلة، مهما كان حجمها. فقد ارتعب الغرب تحديداً من ثورات الربيع العربي التي أجهضت بتكاتف عربي رسمي وغربي صهيوني، وما يحدث الآن في غزة منذ أشهر سبعة، يبعث على خوف وقلق شديد جديد من أن تكون أحداث غزة، شرارة ربيع عربي أو مسلم جديد، كما كانت من تونس البوعزيزي في الموجة الثورية العربية الأولى قبل أعوام أربعة عشرة مضت. ما يحدث في غزة إذن، على رغم سعادة الغرب في بدايات العدوان، ورغبته في التخلص من آخر قوة مسلحة سنية بالمنطقة، صار الوضع مخيفاً لهذا الغرب، لأنها ربما تمهد الأرضية المناسبة لعودة أو نهوض أمة العرب والمسلمين مرة أخرى. إنها عودة أو نهضة لا شك ستكون مقلقة جداً للشرق القريب قبل الغرب البعيد. ولهذا يحدث ما يحدث لغزة الآن من محاولات حثيثة لجعلها تركع وتستسلم بكل الطرق. ولكن لأن غزة، بسياسييها وعسكرييها، وفهمهم العميق لعقلية العدو، قادرة بإذن الله أن تجعل العدو هو من يركع ويستسلم بطريقة وأخرى. والأمر يبدو أنه يتجه إلى هذا بإذن الله (ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).

1599

| 09 مايو 2024

الإرهاب المطلوب!

هل تجد اليوم من يتجرأ مثلاً ويتحرش بالولايات المتحدة أو الصين أو روسيا؟ بالطبع لن تجد أحداً، يحسب خطواته وسياساته ويدير دولته بحكمة ووعي، يتحرش بتلك القوى وما شابهها من قوى أخرى في هذا العالم. لماذا؟ لأنها دول متمكنة وصلبة في قوتها العسكرية والاقتصادية والعلمية وغيرها من قوى ومجالات عديدة، وصارت تعززها بشكل مستمر بالجديد والمتطور، كي تكون لها كلمتها على الصعيد الدولي، أو إن شئت القول: لتفعل ما تشاء دون كثير اعتبار لرأي ما يسمى بالمجتمع الدولي، أو القوانين الدولية، كما الحاصل الآن وأبرزها العدوان الهمجي الصهيوني المستمر، والمدعوم أمريكياً وغربياً على أهلنا في غزة. أليس هذا هو الواقع الذي نعيشه؟ لن أبالغ إن قلت بأن الآخرين من غير ملتنا، كأنما درسوا واستوعبوا آية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) أكثر منا نحن أمة محمد، بل وتعمقوا في فهم معانيها ومقاصدها، حتى صارت دولهم مرهوبة الجانب، لها مكانتها وتقديرها في العالم. بينما وسوس شياطينهم لنا بأن الاقتداء بهم في المسلك نفسه هو دعم وتخطيط لإرهاب، بالمعنى والصورة الخبيثة التي رسمها بوش ومن بعده، حتى صار كثيرون منا كالببغاء يردد الكلمة بالفهم الأمريكي، فيما المعنى القرآني لكلمة (ترهبون) أوضح من أن نشرحه ويعني (أن تعد العدة والقوة لترهب أعداءك من التطاول أو الاعتداء عليك). هكذا بكل وضوح. فأين نحن من هذا الفهم؟ ولماذا استوعبه الغرب ولم نستوعبه نحن أصحاب سورة الأنفال؟! الغرب اليوم، بعد أن صدّع رؤوسنا بقيمه ومبادئه طوال عقود عديدة، وجدناه في أول اختبار حقيقي مهدد لمصالحه، أو مصالح رموزه ومؤسساته الاقتصادية المنتفعة الانتهازية - إن أردت دقة المعلومة والوصف - يضع كل تلكم القيم والمبادئ جانباً، بل ويكشّر عن أنيابه في صورة فاضحة بشعة. هذا الغرب منذ أن تمكّن من بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً، وعلى رأسه الولايات المتحدة، صار يتحرك بمنطق القوي ذي البأس في هذا العالم، الذي هو من وضع نظامه وفرضه على الجميع، سواء أكان مقبولاً أم مرفوضاً من الغالبية البشرية. الغرب ومنطق الاستبداد منطق الغرب هذا دفعه مبكراً للتحرك وفق ما تقتضي مصالحه، لا يهمه إن كانت تحركاته تتوافق أو تتعارض مع غيره، حتى وإن بدا ظاهرياً أنه يسير وفق أو ضمن منظومة واحدة هي الأمم المتحدة، والتي هو نفسه من وضع أسسها ونظمها وقوانينها لتخدمه أولاً قبل غيره، قبل أن تنهض الأمم الأخرى في قادم السنوات ! ولعل أبرز أمثلة تسلط الغرب على الأمم المتحدة، أو إن شئت القول: التسلط على العالم غير الغربي، هو حق النقض أو الفيتو، الذي يملك الغرب ثلاثة أصوات من أصل خمسة ! وبهذا الحق، قام ولا يزال يقوم، بإجهاض وتضييع حقوق العباد والبلاد. الغرب إذن يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة آخرين - وليس في ذلك ما يعيب من الناحية النظرية – فإن قوته في غالب المجالات الحياتية تسمح له باتخاذ القرار المطلوب لتحقيق مصالحه، بل وتنفيذه باقتدار أيضاً، ولا عيب في ذلك، ما لم يكن استبدادياً. فنحن كأمة مسلمة، كنا في زمن سابق، حين كانت لنا دولة واحدة مرهوبة الجانب، نتحرك ونحمي ديننا ومصالح المسلمين أينما كانت، ولكن وفق ضوابط من الدين والأخلاق والقيم، دون استبداد، إلا ما ندر وصدر عن البعض القليل.. فليس عيباً أن تحمي مصالحك بكل ما أوتيت من قوة، دون استبداد وظلم. إنّ العيب الذي أقصده في مسألة التحرك بقوتك لحماية مصالحك، أن يكون التحرك دون ضوابط أو أخلاقيات، وهذا هو الحاصل قولاً وفعلاً عند الغرب منذ أن تمكن إلى يوم الناس هذا، رغم حرصه إظهار نفسه للعالم أنه صاحب مبادئ وقوانين وقيم.. لكن مع تزايد الأحداث في العالم، انكشفت كل البواطن أو المساوئ التي حرص هذا الغرب على ألا تظهر علانية. ولعل طوفان الأقصى كشف ما تبقى من سوءاتهم للعالم كله. إذن لا عيب أن تتحرك وفق مصالحك، وتعد القوة اللازمة لذلك إن كان على أساس من العدل واحترام حقوق الآخرين في العيش بسلام وأمان، وألا تكون حماية مصالحك على حساب مصالح الآخرين، وهذا هو تحديداً ما يفتقده الغرب منذ أن بدأ يصعد ويعلو على الساحة الدولية بقوة ساعده وسلاحه وعلمه، ذلك أن جل التحركات وحماية المصالح، كانت وما زالت بعيدة عن المبادئ والأخلاقيات والقيم الدينية والإنسانية وغيرها. غزة وإعداد القوة مفهوم إعداد القوة، وإن غاب عند غالبية جغرافياتنا المسلمة كما أسلفنا، إلا أنه اتضح كثيراً عند الأتراك في العقود الثلاثة الأخيرة، حتى رأيت قواهم تتنوع وتتسع وتزداد، وصارت تركيا اليوم مرهوبة الجانب بنسبة معقولة مطمئنة. تركيا اليوم تعامل الغرب بنفس منطقه، خاصة بعد امتلاكها الكثير من المؤهلات اللازمة للتعامل مع الأقوياء بنفس منطقهم، منطق القوة، وإن كان الفرق بينها وبينهم أن منطق تعاملها وفق مبادئها وقيمها المستمدة من عقيدتها الإسلامية. هي اليوم ربما قاب قوسين أو أدنى أن تصل إلى النقطة الآمنة، التي ستكون بعدها صاحبة قرار مستقل لا يعتمد على قرارات آخرين، إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها بالدرجة الأولى. ولعل هذا سر امتعاض الغرب منها، وكثرة تحرشاتهم بها، ومحاولة عرقلة سيرها الجاد نحو التمكين. غزة مثال بارز آخر بعد الأتراك في مسألة إعداد القوة لإرهاب العدو. فما رأيناه حتى ساعة الناس هذه منذ بدء طوفان الأقصى المبارك، يدل على أن رجال المقاومة هناك اتخذوا مبكراً الآية الكريمة شعاراً لهم في استراتيجية التحرير ودحر العدو، والواقع الميداني يشهد على ذلك، فالأخبار والتقارير والمشاهد اليومية عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، تشرح لك ذلك بكل وضوح. إنك أيها المسلم في ختام هذا الحديث، حين تصنع سلاحك ودواءك وتنتج غذاءك، تكون ملكت قرارك واقتربت من نقطة التمكين، من بعد التوكل على الله وطلب العون منه سبحانه. أما أن تفتقد إلى كل تلك العوامل وتدعو بسذاجة واضحة للتعايش مع الأقوياء، وترفع شعارات التسامح وما شابهها من شعارات جوفاء، فكل ذلك يعني باختصار شديد أنك تدعو للتعايش مع أقوياء أو ذئاب العالم وفق منطقهم وشروطهم ورؤاهم هم، وكذلك وفق مصالحهم هم. خلاصة ما أريد الوصول إليه، إنه لا شيء معيباً أن تكون قوياً مرهوب الجانب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. تحمي بقوتك مصالحك المختلفة، وترهب بها أعداءك المتربصين، ليس من الاعتداء عليك فحسب، بل من مجرد التفكير بمباشرة الاعتداء. وأن يكون استخدام تلك القوة وفق عدالة السماء، وأخلاقيات الأنبياء، كي تعيش مرهوب الجانب بين الأقوياء. وما تكاتف العالم الغربي بقواه المتنوعة ضد غزة، ووقوفه المشين مع شذاذ الآفاق، إلا لشعور عميق بقوة المقاومة وخشيته من احتمالات تفوقها على ربيبته الخبيثة، وتحول المقاومة إلى ورقة صعبة الهضم. وهذا هو تمام هدف الآية الكريمة من دعوة إعداد القوة. أن يعيش المسلم معتزاً بدينه، مرهوب الجانب، مرفوع الهامة. ومن ينصر الله ينصره، ويثبت أقدامه.

822

| 02 مايو 2024

وعيٌ عالمي يتشكّل.. كيف نستثمره؟

الكيان الصهيوني المزروع في قلب الأمة، لم يكن يحتاج لأكثر من أيام معدودة أو أحياناً بضع ساعات لحسم معاركه مع دول عربية منفردة أو مجتمعة. لكنه الآن تائه ويغرق في مستنقع غزة، بعد مضي أكثر من مئتي يوم على بدء عدوانه وإجرامه، وهذا مؤشر مهم لابد من التنبه إليه وتأمله جيداً، باعتبار ذلك بإذن الله بداية النهاية لهذا الكيان المسخ، وبداية النهاية لفكر غربي استعماري مجرم انتشر وعاش على مبدأ تفرقة وتشتيت وبعثرة هذه الأمة.. وما ذلك على الله بعزيز. منذ بداية العدوان الصهيوني على غزة، أصبح واضحاً للعالم كله أن الهدف الرئيسي للصهاينة هو إبادة أكبر عدد ممكن من المدنيين، كإحدى وسائل تطبيق استراتيجية الأرض المحروقة، عبر دعم سياسي وعسكري أمريكي غير عاقل ولا راشد، لتحقيق حلم الاحتلال الصهيوني في تهجير قسري لفلسطينيي غزة أولاً، ثم يتبعهم في مستقبل قريب، بفلسطينيي الضفة الغربية والبقية الباقية هنا وهناك على أرض فلسطين، حتى تخلو لهم هذه الأرض المباركة، دون أي اكتراث وأي اهتمام لرأي عام عالمي وما يسمى بالقوانين الدولية ! الصناعة اللئيمة الكيان الصهيوني كما يعرفه كثيرون، وإن غابت هذه المعرفة عن ملايين الجيل الشاب حول العالم، هو صناعة غربية، ومشروع استعماري خبيث مغلف بطابع ديني كاذب، مزروع في محيط عربي مسلم، هدفه تقسيم الأمة عبر صناعة وثنيات وأصنام على شكل مفاهيم منزوعة عنها الدين، كالوطنية والقومية وغيرهما، وتكريس تلك المفاهيم بشتى الطرق ليتفرق أبناء الأمة الواحدة، فلا يهتم بعدها شعب عربي مسلم في الغرب بما يحدث لشعب عربي مسلم بالشرق، أو العكس.. وقد زاد الأمر سوءا حين تم تفريق أبناء الأمة المسلمة عن بعضهم البعض بفعل مفاهيم القومية العفنة المنتنة، حتى وجدت المسلم الأفريقي، لا علاقة له بالمسلم الآسيوي، والعكس صحيح. وكل ذلك من أجل تثبيت وغرز الخلية السرطانية الصهيونية في فلسطين، وهو ما حدث فعلاً. وما الظلم الواقع على غزة وعدم نصرتها من قبل مسلمي العالم، عربهم وعجمهم خشية غضب البيت الأبيض الصليبي المتصهين، إلا نموذج لما نتحدث عنه. العقلية الصهيونية لا تتغير العقلية الصهيونية هي نفسها لم تتغير، ولن تتغير حتى بعد قرن من الزمان. إنها باختصار، عقلية وحشية مجرمة، ولئيمة عنصرية مستعلية، تحتقر الآخرين وتزدريهم. بل يمكن اعتبار الصهاينة وخاصة بعد المشاهد التي نشاهدها يومياً في غزة، حفنة كائنات من خارج النظام البشري (سمّاعـون للكذب، أكّالون للسحت). جرائمهم المستمرة من قديم، خاصة بعد طوفان الأقصى المبارك، من أوضح الأدلة التي لا ينبغي أن تمر هكذا مرور الكرام، لا يلتفت إليها أحد مثل كل المرات السابقة، بل المطلوب من كل أحد صاحب ضمير وإنسانية ودين، وبكل الوسائل الممكنة والمتاحة، توثيق جميع جرائم الحرب المرتكبة في غزة لزمن قريب قادم حافل بالكثير من الأحداث، حتى وإن قال بعضكم: وما فائدة ذلك، وكلنا يدري أنه لا توجد جهة دولية يمكنها محاسبة هذه الحفنة القذرة من الكائنات.. نعم، هذا صحيح، ولكن مع ذلك، لابد من اتخاذ الأسباب والإجراءات المتاحة والممكنة لتوثيق تلك الجرائم، فلا يمكن أن يستمر هذا الظلم، ولا هذا التجاهل والخَوَر العالمي، بل (لا تدري لعل اللَّه يُحْدثُ بعد ذلك أمرا). نعم، لا تدري، فلعل الله يحدث بعد هذا الإجرام الصهيوني اليومي، أمراً لن يتوقعه أو ينتظره أحد. بل لم لا نقول إن الحراك القائم الآن والحاصل في كل أرجاء العالم من بعد ستة أشهر فقط من بدء العدوان، رغم عقود من التخطيط والتمويل والتشويه والتضليل الغربي لإظهار المحتل الصهيوني في صورة الضحية البريئة وسط وحوش بشرية، هو هذا الأمر الذي أراده الله وأحدثه؟ اليوم بفضل الله أولاً، ثم سواعد وألباب مجاهدي غزة، نرى ثمرة من ثمرات طوفان الأقصى المبارك، وهي تنضج رويداً رويداً على هيئة وعي عالمي يتشكّل في صورة جديدة، وستكون إحدى نتائج هذا الوعي، ذهاب مليارات الغرب سدى، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، والتي صُرفت لزرع خلية سرطانية خبيثة في قلب الأمة، كي تكون رأس حربة في حروب ومشاريع الهيمنة الغربية على المنطقة بكافة أشكالها، العسكرية والاقتصادية والفكرية والإعلامية وغيرها، من أجل استمرار الاستعمار لعقود قادمة. رب محنة داخلها منحة على رغم أن الولايات المتحدة، ومن ذي قبل بريطانيا، كانا وما زالا ركنين أساسيين في صناعة الخلية السرطانية الصهيونية في فلسطين، إلا أن ما يحدث الآن فيهما من حراك شبابي نشط، ما هو إلا وعي جديد يتشكل تدريجياً، يخالف السردية الصهيونية التي أنفق الغرب مليارات على نشرها وتثبيتها وتعزيزها. فقد بدأ ملايين الأمريكان والبريطانيين ومعهم ملايين من عمق الغرب نفسه، يرى الأمر بشكل مختلف الآن، وصار يقترب من الحق الفلسطيني والرؤية الفلسطينية أكثر مما كان قبل طوفان الأقصى المبارك، وأن الضحية الحقيقية ليست الشتات اليهودي المتصهين، كما صورها الغرب وإنما الشعب الفلسطيني. اعتصام طلاب الجامعات الأمريكية احتجاجاً على سياسات حكومتهم غير الرشيدة والظالمة تجاه الحق الفلسطيني، وانسحاب المتأهلين من الأدباء والكتّاب من جوائز أدبية بالولايات المتحدة للسبب نفسه، وقيام موقع أمريكي بالدعوة لكشف الصهيونية وعدم احترامها، وتعزيز الضغط الدولي لتحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وارتفاع صوت مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي وتصريحه بأن العدوان الصهيوني على غزة ألحق دماراً بمدن القطاع يفوق ما تعرضت له مدن ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ومحكمة بريطانية تنظر في طعن يتعلق بتصدير الأسلحة للخلية السرطانية، واستمرار الاحتجاجات والمسيرات بمدن غربية كبرى.. كلها دلائل على ذلك الوعي الذي نتحدث عنه ويتشكّل، والذي سيكون له نتائجه بعد حين من الدهر لن يطول بإذن الله. لكن السؤال المهم يقول: ما المطلوب منا؟ إن الصورة الذهنية التي رسمتها وزرعتها سياسات الغرب وإعلامه عن دولة الاحتلال وشعبه «المظلوم» في أذهان العالم، وقد بدأت تتضح معالمها الخفية وعناصرها الخبيثة، وبدأ يرتفع معها الصوت المندد بهذا الكيان السرطاني المتوحش، وظهور جيل شاب واع صار يقرأ ويبحث بنفسه عن أصل المسألة، أمرٌ يدعونا كأصحاب قضية، إلى استثمار هذا الحراك العالمي لنصرة الحق الفلسطيني، بأن نساعد الباحثين والسائلين عن جذور القضية بكل الوسائل المتاحة، الثقافية والفكرية والإعلامية، مع أهمية تكاتف الجهود في شرح ما خفي من حقائق عن الاحتلال الصهيوني البغيض لفلسطين، وكيف بدأ وأسبابه، ومن وقف ولا يزال يقف وراءه من دول ومؤسسات وأفراد وجماعات. كتائب المجاهدين في غزة قاموا بواجباتهم العسكرية تجاه تغيير واقع ظالم بائس يُراد له الاستمرار لعقود عديدة، وتثبيت أركان واقع جديد يقوم على تأسيسه أهل الأرض والحق، والمتمثل في إزالة الاحتلال كلياً من أرض فلسطين المباركة. ليبقى الآن الدور السياسي والإعلامي والتنويري على أيدي المخلصين من أبناء الأمة جميعاً، عربهم وعجمهم، أسودهم وأبيضهم، رجالاً ونساء، بحيث يقوم كل فرد منا بما يملك من قدرات ومهارات، وكلٌ في مجاله ونطاق نشاطه، بدعم وتعزيز ما بدأ به المجاهدون في غزة. ولعل أولى الخطوات هو الانخراط مع هذا الوعي العالمي الذي يتشكل الآن، ودعمه وتهذيبه، وتقويمه وتوجيهه نحو الهدف المطلوب، ومنع المتسللين إليه بغرض تشويهه أو توجيهه إلى وجهة أخرى. ربما الآن نقترب من وقت قطف إحدى ثمرات طوفان الأقصى، وبالتالي أجد أهمية الحذر وتكثيف الجهود لمنع منافقي الأمة وأعوانهم من التسلل وقطف الثمار، أو محاولة إفساد ما ضحى في سبيله آلاف الشهداء بأنفسهم، وعشرات الآلاف من أهليهم على شكل جرحى أو بلا مأوى. إنها معركة وعي ونحن داخلون للمساهمة في صناعة وعي عالمي آخر يتشكّل هنا وهناك. صناعةٌ تتطلب فهماً وعلماً وحذراً ودقة في الوقت نفسه، مع إخلاص نيات وأعمال صالحة صحيحات، موقنين بأن الله كفيل بكل جميل، وهو دوماً، حسبنا ونعم الوكيل.

651

| 25 أبريل 2024

كلمات الله

ما هي كلمات الله التي لا تتبدل؟ إنها سنن الله في كونه. كلمات الله هي شرائعه وقوانينه وسننه. كلمات الله هي وعوده سبحانه لعباده الصالحين المجاهدين، بالدعم والتأييد ثم انتهاء بالنصر. هكذا هي الأمور والسنن تجري. هكذا يخاطب الله تعالى نبيه الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، وأن ما أصابه من التكذيب والإيذاء، قد أصاب إخوانه الأنبياء والرسل الذين سبقوه على طريق الدعوة، فيطلب منه ألا يبتئس ولا يحزن، فالنصر حليفه آخر المطاف (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين). إنها تسلية للنبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – كما جاء في تفسير ابن كثير - وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وفي الوقت ذاته أمرٌ له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعدٌ إلهي له بالنصر كما نُصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم وأذى بليغ لا يوصف، ثم جاءهم نهاية الأمر والمطاف، النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال سبحانه (ولا مبدل لكلمات الله ) أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون). إنما يستجيب الذين يسمعـون بكلمات الله اطمأنت قلوب الأنبياء والمرسلين، ولابد أن تطمئن من بعدهم قلوب المصلحين في كل زمان ومكان، وأنهم منصورون لا محالة - بحسب كلمات الله - التي لا تتبدل ولا تتغير بتغير الزمان والمكان. المكذبون والمعترضون والتافهون الذين يقفون أمام أصحاب الدعوات العظيمة، هدفهم تعطيل تلك الدعوات والتشويش عليها لحين من الزمن لا يطول، ولذلك نجد في القرآن آيات كثيرة يُطَمْئنُ الله من خلالها رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – بألا يحزن ولا يغتم لتكذيب كثيرين من الكفار له، أو لأنهم لا ينصتون ولا يسمعون لدعوته وهديه. لا تحزن يا محمد، فإن كلامي وهديي لا يستجيب له إلا الذين لهم قلوب تتأمل وتتفكر وتتمعن. إنهم من يسمعونك ويستجيبون لك، على عكس الكفار، الذين هم والموتى سواء. لا يسمعون ولا يستجيبون. لا يكبُرنّ عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك يا محمد - كما جاء في تفسير الطبري - وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربّهم والإقرار بنبوّتك، فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهَّل لهم اتباع الرُّشد، دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها، فهم كما وصفهم به الله تعالى ذكره (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ). ويتابع الطبري بقوله (والموتى يبعثهم الله) يقول: والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى، فجعلهم الله تعالى في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتاً، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولاً إذ كانوا لا يتدبرون حُجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون فينـزجرون عما هم عليه من تكذيب رُسل الله وخلافهم. إنّا لنراك في سفاهة ما أسفه قوم يتهمون أحكمهم وأعقلهم وأكثرهم حباً وسعياً لعمل الخير وابتغاء الصلاح لهم.. ها هم أولاء قوم عاد، ما أتعسهم حين لم يجدوا ما يواجهون به نبي الله هود، عليه السلام، إلا أن يتهمونه بالسفاهة وقلة العلم والعقل. يدعوهم إلى الرشاد والصلاح لا يبتغي مصلحة مادية دنيوية، ويناديهم بما نادى به الأنبياء قبله (إنّي لكُم رسولٌ أَمينٌ فاتقوا اللَّه وأَطيعُون وما أَسأَلُكُم علَيه من أجر إِنْ أَجري إِلا على رب العَالمين).. لكن رغم ذلك، ولأن البصيرة قد عميت عند علية القوم على وجه التحديد، قابلوا الإحسان وحب الخير، بالإساءة إلى خير الناس عندهم يومئذ. فاتهموه بالسفاهة وخفة العقل، شأن أي متكبر جبار لا يسمع غير نفسه، ولا يرى أحداً سواه. (قال الملَأُ الذينَ كَفروا من قوْمه إِنَّا لَنراكَ في سفاهةٍ وإِنَّا لَنَظُنّك من الكاذبينَ).. هكذا دون حياء ودون خجل. يتهمونه بالكذب والسفاهة، وقد كانوا هم أنفسهم رموزاً للسفاهة والكذب والحمق، تمشي على الأرض. هل هناك أسفه وأحمق من شخص يعطل عقله ويتقرب إلى وثن من حجر وشجر وغيرها من أوثان متنوعة؟ وهل هناك أكذب وأشر من لسان لا ينطق حقاً ولا كلمة هدى أو صلاح؟ فهكذا كانوا قديماً وما أكثرهم، وهكذا هم يزدادون إلى يوم الناس هذا، ولا أحسبُ أن هذا النوع المجحف والجاحد سينقرض قريباً. سترى حولك أمثال الأنبياء، في دعواتهم للخير والصلاح. وسترى بالمقابل من يتربص بهم ويتعقبهم ويتهمهم بكل أنواع التهم، بل ربما يتجاوز الأمر إلى ما هو أشر وأنكى.. فهكذا الصراع بين الخير والباطل، مستمر إلى ساعة فناء وانتهاء هذا الحياة. فمن عمل مثقال ذرة من خير أو شر، فسيرى نتائجها غير منقوصة في الدار الآخرة، ولا يظلم ربك أحدا. يمكن في ختام هذا الحديث الموجز أن نجمل القول في أن كلمات الله التي لا تتبدل ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، هي بمثابة شحنات إيجابية دافعة للعمل، يعزز بها المصلحون والدعاة مهامهم، وتدفعهم للاستمرار على دروب الأنبياء والمرسلين، فإنهم منصورون لا محالة، كما انتصر الله لأنبيائه ورسله الكرام. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

723

| 18 أبريل 2024

أخذته العـزة بالإثم

بعض النفوس ما إن تجلس إليها حتى تعجب بجمالها وروعتها، ومقياس حكمك عليها هو الظاهر. لكن لا تدري ما باطنها، والتي ما إن تضعها في محكات أو مواقف حياتية معينة، إلا ورأيت ما يذهلك. والقرآن لم يترك لنا تلك النفوس تسرح وتمرح وتخدع، وكشفها لنا كي نكون على بينة وعلم بها (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا..). لو أنك قلت لأحدهم ناصحاً أميناً في موقف ما: اتق الله، كما في آية (وإذا قيل له اتق الله)، فماذا تتوقع رد فعله؟ العادة، إن كنت صاحب سريرة ونية طيبة، تعتبر من يقول لك ذلك ناصحاً أميناً محباً. وإن قام بنصحك وأهمية مخافة الله في الأمر الذي دعاه لقول ذلك، فإنه من المؤكد لا يعيب عليك أو يريد إغاظتك.. لكن الصنف الآخر مدار حديثنا اليوم، والذي يكشفه القرآن لنا ويبين بواطنه، يختلف الأمر معهم. مثل هذا يقول عنه القرآن في مواقف النصيحة والموعظة (أخذته العزةُ بالإثم). وليته كره نصيحتك ومضى في حال سبيله، لكنه يزيد الأمر سوءاً. إنك ما قلت له ذلك إلا «تذكيراً له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه - كما جاء في ظلال القرآن – حيث أنكر أن يُقال له هذا القول؛ واستكبر أن يوجّه إلى التقوى؛ وتعاظمَ أن يُؤخذ عليه خطأ، وأن يُوجّه إلى صواب، وأخذته العزةُ لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير، ولكن بالإثم، فاستعـز بالإجرام والذنب والخطيئة، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يُذكّر به، وأمام الله بلا حياء منه؛ وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه؛ ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء». نفوس خبيثة قميئة في باطنها، وإن بدا عليها الجمال والحُسن وحب الخير في ظاهرها. نفوسٌ تستوجب منك حذراً متواصلا. الناصح الحذر اليوم ترى كثيرين من هذا الصنف حولك في بيئة العمل أو خارجه أو حتى بيئتك الاجتماعية القريبة كالبيئة العائلية، حتى صار المرء منا دقيقاً حذراً في مسألة إسداء النصح، أو إن شئت أكثر وضوحاً، في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. صار أحدنا إن أقدم اليوم على النصيحة، حذراً جداً ومحتاطاً للمسألة، ودقيقاً في ألفاظه ومصطلحاته لئلا تُفهم في اتجاه آخر أو بصورة غير مرغوبة ولا مقصودة بالأساس، وعلى وجه أخص عبارات أو جمل أو كلمات توحي لمن تُوجّه إليه تلك الكلمات أنها تقليل من شأنه، ومحاولة إحراجه أو نوع من الشماتة به، كقولك له (اتق الله) أو تقول له (خاف الله)! الفهم الناقص يعتقد كثير من المنصوحين أن من يستخدم تلك العبارات آنفة الذكر، إنما يريد إظهارهم أمام الآخرين بقلة العلم الشرعي، أو ضعف الإيمان أو غيرها من توهمات وتصورات لا أساس لها. والأمر على الأغلب ليس كذلك كما أسلفنا. ذلك أن المفترض في مثل تلكم الأحوال والمواقف، أن يستزيد من تُقال له تلك العبارات شرحاً وتوضيحاً من قائلها، وما الذي استدعاه ليقول ذلك. فربما يكشف له الناصح أمراً يحتاج إلى تصويب، أو تبصرة حول أمر خافت غامض يحتاج إلقاء مزيد من الضوء عليه. إنه مثلما نطالب الناصح دوماً مراعاة اختيار الألفاظ والمصطلحات والتوقيت المناسب للنصح، أو الأمر بمعروف أو النهي عن منكر وأمر سوء، فإنه كذلك مطلوب من المنصوح عدم إساءة الفهم فور تلقيه نصيحة ما، وعدم الارتياب من الموقف، أو إساءة الظن في الناصح، بل عليه ضبط النفس قدر المستطاع أولاً، ومن ثم محاولة الاستزادة في توضيح ما يمكن أن يكون قد اختلط عليه، أو استشكل عليه، قبل أن يرتاب أو يسيء الفهم، ويزيد المسألة تعقيداً، وهي في الأساس سهلة يسيرة، وما حدثت ووقعت إلا لمنفعته ومصلحته هو قبل غيره. بذلك الفهم والوعي، يكون الناصح والمنصوح حققا مرادهما. الأول يحقق هدفه من إسداء الخير عبر نصيحته للمنصوح، والثاني وعبر سعة الصدر، يتقبل النصح بعد فهمه، فيزداد تقرباً وترابطاً مع الناصح، وخاصة إن استحضر المنصوح حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم –: «الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم». وأن ما جرى معه يأتي ضمن هذا التوجيه النبوي الشريف. إهداء العـيوب ليكن شعارك دوماً كما كان الفاروق عمر يردده: «رحم الله امرأً أهدى إليَ عيوبي. أدري أن أحدكم سيقول: وأين نحن من الفاروق عمر؟ تساؤل معقول، لكن مع ذلك، الأمر بالطبع يحتاج همة وعزيمة وإرادة، ونية الاقتداء بأولئك العظام من البشر». إن شخصاً في مقام أمير المؤمنين يسأل أصحابه عن عيوبه، هو أمر نادر الحدوث قديماً وحديثاً. لاحظ تواضع عمر الفاروق، وهو رئيس الدولة حينها، وأحد العشر المبشرين بالجنة، والوزير الثاني لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك كان دائم البحث عمن ينصحه ويبين له عيوبه إن كانت له أو ظهرت منه دون أن يدركها، حتى سأل ودعا بالرحمة لمن يقوم بنصحه، واستخدم كلمة لطيفة عميقة هي (أهدى) كما لو أنه يريد القول إن من ينصحه فكأنما يقدم له هدية. لاحظ كيف شعورك حين يقدم لك أحد هدية ما، لا شك أنك تكون في غاية السعادة والرضا من هذا الشخص. وهكذا أدعو نفسي وإياكم أن نحاول جهدنا الاقتداء برسولنا الحبيب عليه الصلاة والسلام أولاً، ومن ثم سلفنا الصالح الراشد ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. رضي الله عنهم وأرضاهم.

831

| 04 أبريل 2024

دعوة لتحطيم الأوثان

القلب ما سمي قلباً إلا لأنه متقلب من حال إلى حال، لا يثبت على حال واحدة، كما في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده: « إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً لبطن». وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يكثر من دعاء: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، حتى قالت له أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله، إنك تدعو بهذا الدعاء. قال: يا عائشة، أو ما علمتِ أن القلوب، أو قال: قلبُ بني آدم بين إصبعي الله، إذا شاء أن يقلبه إلى هُدى قَلَبه، وإذا شاء أن يقلبه إلى ضلالة قلَبَه؟ الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وفي الوقت ذاته تتعقد وتتشابك بسببها الرؤى والمفاهيم والقناعات حتى يقع كثيرون في حالة من الالتباس شديدة، فقد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلا، وإن اختلفت النسب والدرجات، بحسب البيئة التي يكون أحدنا فيها والمؤثرات من حوله. فما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً ويبدأ تلقائيا يردد دعاء تثبيت القلب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة الآن من حولنا صادمة شديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيرانا. الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين، فالتنظير فيه أو الحديث حوله، كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً عن فعل البقاء والثبات على الحق والتمسك به. وربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به وخصوصاً أن الأمور واضحة لا تدعو للخشية من التحول عنه، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه ويتغير كما نقول في الرياضيات 180 درجة؟. مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات، وتنوع المواقف أو الفتن تجاهها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك سبب ذاك التعظيم أو تكرار الحديث عن الحق وضرورة الثبات عليه. فما إن تضطرب الأمور حولك وتختلف، وتنفتح أبواب الفتن من كل جهة، ستبدأ تعي الأمور تدريجياً ويتضح لك ما يجري حولك. لكن وباختصار شديد، وقبل أن نتعمق أكثر في التفاصيل، أو تتحول أنت عن تكملة بقية المقال لأي سبب، أدعوك ونفسي أولاً وآخراً، إلى وجوب عدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها ها هنا. فمن تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، ومع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة. لكن بفعل ظروف حياتية معينة وقعت لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً حتى الكفر بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسرا. الأمر ليس بدعة، وليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. • ما العمل إذن؟ كما بدأنا الحديث وقلنا بأن القلب ما نسميه قلباً إلا لأنه يتقلب ولا يستقيم على حال، فإنه لم يكن به من شحنات وكميات كافية من اليقينيات والمثبتات، فإن رحلة انقلابه تمر سريعاً سريعاً، وستتغير تبعاً لذلك مواقف صاحبه بالمثل سريعاً. لكن هل يعني أن كل انقلاب للقلب سيئ. بالطبع لا، لأن القلب إذا وجدته ينقلب أو ينتفض على أمور حياتية سلبية سيئة، فسيكون انقلابه جميلاً محموداً، بل ومرغوبا. لكن الإشكالية لو أن انقلابه كان على أمر في الدين على وجه التحديد، فها هنا يصبح القلب وانقلابه في خانة خطرة. من هنا، أجد أهمية الانتباه والتثبت وقت صناعة مواقف حياتية معينة لك، بناء على مواقف وآراء الأحياء من البشر، علماء أم مفكرين أم مؤثرين أم غيرهم. لماذا الانتباه والتثبت؟ لأن أحدهم لا يؤمن عليه من الفتنة أو انقلاب القلب عنده، فتجد نفسك في حال فتنتهم وانقلابهم في حيرة بسبب ذاك التغيير الذي حصل لهم، وبالتالي تجد نفسك - إن كنت من المقتنعين بأولئك المنقلبين - مضطراً إلى هدم ما صنعته من مواقف، أو أنك تساير المنقلبين، سواء كانوا على حق أم باطل. هذا الأمر لابد أن يدفعك - إن شئت طبعاً في بناء وصناعة موقف شخصي لك - أن تختار مستقبلاً، المواقف السليمة الصحيحة تجاه أمر من الأمور وفق قناعات تستنتجها أو تستلهمها من مواقف أناس هم عند ربهم الآن.. فمن المؤكد أن مواقفهم لن تتغير أبداً. هذه دعوة خالصة لعدم التشبث بأصنام أو أوثان على شكل بشر أو مفاهيم أو نظريات وأيديولوجيات أو غيرها، بل الأصل هو التشبث بالحق أينما كان وعلى أي صورة يظهر. وليحرص كل منا على أن يظل قلبه حياً واعياً حذراً من الميل والزيغ، مرة إلى هنا ومرة إلى هناك. وإن كثرة الدعاء والابتهال إلى مقلب القلوب، من أسباب الثبات على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

750

| 28 مارس 2024

حقائق حياتية

لم يخلق الله عز وجل دنيانا هذه ليخلد البشر فيها، بل لتكون قنطرة لحياة أخروية ستكون هي الخالدة، وكل من فيها خالدون. خلود سعيد دعانا ربنا لنتنافس عليه، ونهانا أو حذرنا من الخلود الشقي، ولا أجد من داع لشرح الخلودين. القنطرة التي نعيش عليها ونمضي في الوقت نفسه عليها، مليئة بمحن وابتلاءات. ومصائب الدنيا أكثر مما نحصيها ونحصرها، وهذا أمر طبيعي، لأننا كما أسلفنا في دار امتحان وابتلاء، وهذه من حقائق الحياة الأزلية التي لابد أن نعيها ونتفهمها جيداً كيلا نعيش في قلق وتوتر دائمين. الحوادث الحياتية والمحن المتنوعة من كوارث ومآسٍ وأحزان وغيرها إن جاء وقتها، فإنها لا تفرّق بين أحد. الناس كلهم سواسية أمامها، لا تعرف فقيراً أم غنياً، قوياً أم ضعيفاً، مسلماً أم غير مسلم. لكن ليس هذا هو المهم بقدر أهمية الكيفية التي يتعامل الناس معها. وحول هذا الأمر لنا وقفات مختصرة حول حقيقتين من حقائق هذه الحياة. الحقيقة الأولى يخبر الله تعالى أنه لا يُغني حذرٌ عن قدر - كما يقول السعدي في تفسيره - وأن القاعد لا يدفع عنه قعوده شيئاً (أينما تكونوا يدرككم الموتُ) أي: في أي زمان وأي مكان (ولو كنتم في بروج مُشيدة) أي: قصور منيعة ومنازل رفيعة، وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودُهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها. الموت إذن لا علاقة له بحرب أو سلام، باعتبار أن الموت دون شك يتربص بمن يدخل أي حرب أو مواجهات مسلحة، كالتي في غزة العزة، كأبرز مثال حي يشاهده العالم لحظة بلحظة. لكن لا يعني ذلك أن السلام لا يمنع الموت. فكم أناس جاهدوا في عشرات المعارك، لكن لم يمت أحدهم إلا على فراشه، والعكس مع آخرين عاشوا السلم كله، حتى إذا حان الأجل، جاء ملك الموت ونزع الروح بأمر ربه. هكذا الأمور تسير حتى تموت كل الخلائق، ولا يبقى إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام. إن مشهد فقد الأحباب محزن وموجع لا يمكن وصفه، سواء في حرب أو كارثة أو في سلم وأمن وأمان. لكن ما يخفف الأمر - وأتحدث هاهنا عن المسلمين - أن المسلم بفطرته السليمة، مؤمن بقضاء الله وقدره، وأن الموت ما هو إلا نقلة للإنسان من حياة إلى أخرى لا نعرف كنهها وطبيعتها، وإن كنا نرجو الله أن يكون الميت في تلك الحياة في ضيافته سبحانه، في عالم نسميه البرزخ، حتى يحين موعد اللقاء بهم في جنة عرضها السموات والأرض، حيث لا أوجاع ولا أحزان. تحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. هكذا هي الفطرة السليمة للمسلم. الحقيقة الثانية حقيقة أخرى من حقائق الحياة الدنيا والتي تحتاج لكثير تأمل وتدبر في مثل هذا الشهر الفضيل، شهر التأمل والتدبر، هي أن من تصيبه حسنة فذلك من الله، ومن تصيبه سيئة، فمن المؤكد الذي لا جدال حوله، أن السبب هو الإنسان نفسه. (ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك). الله عز وجل قد سن منهجاً، وشرع طريقاً، ودل على الخير، وحذر من الشر- كما يقول سيد قطب في ظلال القرآن - فحين يتبع الإنسان هذا المنهج، ويسير في هذا الطريق، ويحاول الخير، ويحذر الشر، فإن الله يعينه على الهدى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ويظفر الإنسان بالحسنة، ولا يهم أن تكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسباً، إنما هي الحسنة فعلاً في ميزان الله تعالى وتكون من عند الله، لأن الله هو الذي سن المنهج وشرع الطريق ودل على الخير وحذر من الشر. وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنّه، ولا يسلك طريقه الذي شرعه، ولا يحاول الخير الذي دله عليه، ولا يحذر الشر الذي حذره منه.. حينئذ تصيبه السيئة. سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.. ويكون هذا من عند نفسه، لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه. إن ما يصيب الإنسان من الخيرات والنعم ويفرح بها، فلأنه يتبع منهج الله وصراطه المستقيم، الواضح المبين. ومن يخالف ذلك ويتبع خطوات الشيطان، أو لا يقدّر العواقب ولا يخطط عن علم، أو يتبع هواه، فلا شك أنه يجلب لنفسه الشر والسوء وما يحزنه، كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير «. وتلكم حقيقة ثانية ضمن حقائق عديدة من حقائق هذه الحياة الدنيا، التي نرجو الله أن نحياها كما أمرنا ربنا، مخلصين له الدين حنفاء، سائلين الله أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.

2439

| 21 مارس 2024

بنو قريظة العصر

ليس غريباً أن يتحدث القرآن عن اليهود مطولاً في سورة البقرة، التي نزلت معظم آياتها بالمدينة المنورة، والحديث عنهم بتفاصيل وحوادث ووقائع وقصص بعد عشر سنوات من بدء نزول القرآن، وكشف طبائعهم وأساليب تعاملهم مع أنبيائهم بل مع الله تعالى، إنما لسبب وجيه هو محور حديثنا اليوم. المسلمون لم يكن يهمهم وهم مستضعفون في مكة، سوى كيفية الثبات على دينهم الجديد، ولذلك تلاحظ أن معظم الآيات المكية كانت تصب في هذه الناحية. تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان بالله والصبر على الأذى، مع ما لذلك من جزاء طيب بالآخرة. هكذا كان وضعهم طيلة عقد من الزمان. حتى إذا ما هاجر جُلّهم إلى المدينة هرباً من بطش وقسوة ووحشية النظام الحاكم في مكة، بعد أن تركوا خلفهم كل ما يملكون، وصاروا بعد ذلك في حكم ما نسميهم اليوم بطالبي اللجوء السياسي، وما استدعى ذلك إلى مشاركة شعب آخر في معاشه وحياته ونظامه، بدأت الآيات المدنية تتنزل وفيها تفاصيل كثيرة تنظم شؤون حياتهم، كان المهاجرون بحاجة ماسة إليها أكثر من الأنصار الكرام. أهم ما نريد تأملها ونحن في شهر التأمل والتدبر، هي تلك التفاصيل التي تحدث عنها القرآن في سورة البقرة والمتعلقة بالبيئة الجديدة للمهاجرين، وتعريفهم بشعب تلك البيئة، حيث التنوع البشري والعقدي والفكري الذي كان قائماً آنذاك بالمدينة المنورة، وكيفية التعامل معها، والدولة المسلمة تسير خطواتها الأولى، ولم يشتد عودها بعد. بيئة المسلمين الجديدة لاحظ معي أن سورة البقرة منذ بدايتها وهي تتحدث عن ثلاثة مكونات أساسية في بيئة المدينة المنورة. المؤمنون، وهم الفئة الأولى التي لم يتحدث القرآن عنها إلا قليلا، ثم يتوسع في الحديث عن فئة جديدة ظهرت بالمدينة مع استقرار المقام للمهاجرين أو اللاجئين السياسيين، وهي فئة المنافقين التي لم تستدع الظروف المكية أن تظهر، حيث لم تكن للإسلام دولة تستدعي منافقتها، لكن اختلف الوضع بالمدينة فظهرت فئة المنافقين التي أعلنت إسلامها في العلن، وأخفت ما في قلبها من بغض وكراهية شديدة للمسلمين. ثم أفاض القرآن كثيراً في الحديث عن الفئة الخطرة آنذاك، بل ستكون هي الفئة الأخطر للمكون المسلم في كل زمان ومكان، وبالتالي استدعى الأمر بيان الكثير من التفاصيل لذلك الجيل وبقية الأجيال المسلمة القادمة إلى آخر الدهر. بنو قريظة والنضير وقينقاع وخيبر، قبائل يهودية استوطنت المدينة، وتفوقت على العرب الأميين في علوم كانوا يتفاخرون بها على العرب، منها علمهم بخبر نبي آخر الزمان، وقد كانوا يأملون، أو بعضهم كان يتوقع أن يكون هذا النبي منهم، حتى إذا كان عربياً قرشياً من بني هاشم، أعلنت تلك القبائل عن وجهها القبيح سريعاً وبدأت بالعداوة، الظاهرة منها والباطنة، وكفرت بما أنزل الله على نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - فكانوا أول كافر به، رغم علمهم بمجيئه. القرآن يكشف حقيقة اليهود بدأت سورة البقرة في ذكر قصص بني إسرائيل، وكأنما تخاطب يهود المدينة وتذكرهم بما كان عليه أسلافهم مع نبي الله موسى وغيره من الأنبياء، وتذكرهم بقصصهم المتنوعة في الخباثة والتحايل والخداع، واستمرارهم في نقض العهود والمواثيق مرة بعد أخرى، رغم كثرة الابتلاءات والمصائب التي حلت بهم بما كسبت أيديهم، فما كانوا يقومون من عثرة حتى يقعوا في حفرة، وهكذا لم تكن تنفعهم كل تلك الكوارث وتكون رادعاً وسبباً في تغيير طبائعهم جيلاً بعد جيل. العداء الذي أظهره اليهود للجماعة المسلمة منذ تلك الأيام حتى يوم الناس هذا، يختلف عن عداوات كل الأمم الأخرى للإسلام والمسلمين. حيث تجد الحقد والحسد والكراهية متأصلة ومتجذرة فيهم، بل يبدو أنه تم توارثها جيلاً بعد جيل حتى اليوم. فما يجري في غزة مثلاً، لا يختلف عما حاكه يهود بني النضير ضد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أو خيانة بني قريظة للمسلمين ومن قبلهم قينقاع حتى خيبر. يهود الأمس هم يهود اليوم وقد ظهروا في صورة عصرية وقد ازدادوا بعداً عن شريعة موسى، بل كل شرائع السماء، كما كان أسلافهم بالمدينة أو قبل ذلك بقرون عدة، فصاروا صهاينة، لا لهم في الأديان ولا الأخلاق ولا القيم، بل ازدادت عداوتهم ووحشيتهم وإجرامهم ضد الجماعة المسلمة في غزة، وفي خططهم النيل من كل مسلم أينما كان، إن استطاعوا. لذلك تجد أن كثرة الحديث عن بني إسرائيل في القرآن، ما هو إلا لتتنبه الجماعة المسلمة في كل عصر إلى خطورة هذه الفئة الحقودة من البشر مهما تغيرت صورهم وأفكارهم، فهم مع هذه الأمة من سيئ إلى أسوأ. وإن من الحماقة والسذاجة أن يأمنهم أحد من هذه الأمة، فإن كان نبيهم العظيم موسى عليه السلام لم يسلم منهم ومن خبثهم وطبيعتهم غير السوية، فهل مع غيره أفضل حالاً؟. بنو النضير من جديد ما يجري في غزة هو طبق الأصل مما خطط له زعماء بني النضير ومن بعدهم بني قريظة ضد الجماعة المسلمة في المدينة. إنهم على الدرب نفسه والفكر ذاته. هدفهم استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. إنهم اليوم مستمرون في مشروع الإبادة الجماعية ضد غزة، التي تعتبر أوضح وأشرس مقاومة سنية ضد مشاريعهم، وذلك بمسح عمرانها والتخطيط لإعادة احتلالها بمعية أمريكية غربية وبعض منافقي العرب. إنهم يقتلون ويأسرون وينهبون باسم التوراة المحرفة. لا فرق عندهم بين الأطفال والنساء وكبار السن. الكل سواء في الذبح والتصفية. ولذلك يمكن القول بأن هذا الاحتلال المجرم، هو إعادة لسيناريو قصص بني النضير وقريظة مع المسلمين من جديد. أمثال هؤلاء، وطبيعتهم قد كشفها الله للأمة منذ بداية قيامها، لا يجب أن يتم التعامل معهم بلين أو سياسة، وإضاعة الوقت في مفاوضات عبثية لاهثة ومستنزفة للجهود والأوقات، في رحلات مكوكية بين عواصم عربية وغربية، فيما جيشهم الجبان المدعوم أمريكيا وغربياً، يدمر الأحياء بمن فيها من بشر وشجر، ومن ثم يقوم برصف الطرقات المؤدية للمخطط الأمريكي الخبيث المتمثل في بناء ميناء في غزة تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وهي في الحقيقة ليست سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتهجير من بقي حياً في غزة نحو الخارج، تمهيداً لاحتلال الجزء المقابل للميناء، أو شمال القطاع الذي سيكون ضمن مشروع أكبر هو الاستيلاء على منابع غاز غزة، التي سالت لها لعاب شركات دولية عديدة. لقد ظهرت تقارير كثيرة تفيد بأن دولة الاحتلال المجرمة كانت تخطط لوضع يدها على خيرات المسلمين تلك، فانكشفت أمور كانت خافية مستترة بسبب طوفان الأقصى، الذي فضح كل تلك المخططات وكشف عن وجوه المجرمين الدوليين، من أعراب وأعاجم، ورومان وهندوس وغيرهم من المتعاونين مع يهود بني قريظة والنضير، نتنياهو وبن غفير وغيرهم، الذين لم يظهر لهم من يعاملهم المعاملة المستحقة، كما لقي سلفهم بالأمس، حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما، وهي المعاملة المفقودة اليوم للأسف. إن إيماننا ويقيننا بالله، رغم كل هذه الصور القاتمة الحالية، أنه سبحانه لن يضيع أجر المجاهدين، وأن المكر السيئ، كما قرر سبحانه، لا يحيق إلا بأهله، وما أكثر الماكرين واللئام حولنا! وحسبنا الله ونعم الوكيل.

1713

| 14 مارس 2024

alsharq
إبراهيم دياز قتل طموحنا

في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...

2073

| 20 يناير 2026

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1758

| 14 يناير 2026

alsharq
ضحكة تتلألأ ودمعة تختبئ

بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...

1446

| 16 يناير 2026

alsharq
رسالة عميقة عن قطر!

في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...

750

| 15 يناير 2026

alsharq
هل الدوحة الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟

لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...

705

| 16 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

699

| 14 يناير 2026

alsharq
وانتهت الفُرص

ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...

660

| 15 يناير 2026

alsharq
مرحلة جديدة في قانون الموارد البشرية

التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...

639

| 20 يناير 2026

alsharq
سر نجاح أنظمة التعويضات في المؤسسات

في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...

585

| 15 يناير 2026

alsharq
فلسطين ليست قضيتي

في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...

579

| 20 يناير 2026

alsharq
إطلالة على مركز قطر للمال بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسه

احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...

567

| 18 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

564

| 14 يناير 2026

أخبار محلية