رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التصريح الوحيد ربما الجرئ لغوتيريش، أمين عام ما يسمى بالأمم المتحدة، في تعقيبه على الوحشية الصهيونية في غزة، قد يكون أوضح إجابة على تساؤلات الغرب وبعض الشرق عن سبب ما جرى يوم السابع من أكتوبر المجيد الفائت. قال:» هجوم حماس على ( إسرائيل ) لم يأت من فراغ، لكن لا يبرر لإسرائيل القتل الجماعي الذي تشهده غزة «. بالطبع مثل هذا الفهم لدى أمين عام الأمم المتحدة، وإن جاء متأخراً، ليس هو ما نحن عليه أو غالبية المسلمين، إلا من به صمم وعمى بصيرة. أغلبنا وبحكم ما نحن عليه من فهم ديني وسياسي يرى أن الصهيونية مشروع غربي قامت عليه بريطانيا الاستعمارية أولاً، ثم واصلت المسيرة من بعدها الولايات المتحدة لأجل استمرار الاستعمار الغربي للمنطقة لقرن من الزمان قادم، وهو ما يفسر لك الدعم اللامحدود الحالي من الدولتين أكثر من غيرهما من دول العالم. أتحدث هنا عن الجانب الرسمي بالطبع، لأن الجانب الشعبي في كلتا الدولتين وعموم الغرب، متفاوت ونسبي ومتأرجح بحسب طبيعة كل فترة زمنية وبحسب الأحداث، ومتأثر كذلك بالإعلام الموجّه. الصهيونية صناعة غربية فهم حقيقة الدولة الصهيونية يساعد كثيراً على تفسير أحداث غزة. أقول هذا للجيل الشاب الذي ربما نشأ وهو يحمل فكرة مختزلة ومشوهة عن الحاصل على أرض الواقع في فلسطين، وعلى اعتبار أن جيل السبعينات وما قبله، تصوراتهم أكثر وضوحاً عن جيل الثمانينات وما بعده.. الكيان الصهيوني صناعة غربية كما أسلفنا، ومشروع استعماري خبيث مغلف بطابع ديني كاذب، مزروع في محيط عربي مسلم يجعلنا كأمة عربية مسلمة، أحرص من غيرنا على استمرار مدافعته وعدم استقراره على أرض فلسطين أو أي أرض عربية ومسلمة، وذلكم الفعل يمكن التعبير عنه بمصطلح المقاومة، وهو مصطلح مشروع دينياً وقانونياً وأخلاقياً. مصطلح تم تغييبه عمداً وبشكل متدرج عبر الإعلام الموجّه، وغسيل ثقافي فكري للأدمغة، سواء للشعوب العربية أم الغربية وبقية شعوب الأرض، فليس هناك منطق بشري منذ بدء الخليقة يمنع الدفاع عن الأرض والعِرض والمال بكل ما أوتي الإنسان من قوة. هذا ما تعرفه كل الشعوب التي تحررت من الظلم والاستعمار، وهذا ما أرادت الصهيونية بمعاونة داعميها والقائمين على أمرها إلى اليوم، تغييره وتشويهه وزرعه بالأذهان، وأن المقاومة ما هي سوى إرهاب يجب محاربته ! هكذا استيقظ العالم يوم السابع من أكتوبر المجيد، ليبدأ بالتنديد والاستنكار كالعادة، اعتماداً على ما تم زرعه وصناعته بالأذهان، لكن التدبير الإلهي سرعان ما جعل الأمر يتباطأ تدريجياً هذه المرة، مع حجم وضخامة تهويلات الرواية الصهيونية وعدم توافقها مع المنطق والحس السليم، لتبدأ شعوب الأرض، لاسيما الغربي وتحديداً الأمريكي، بالتفاكر في تلكم الرواية ومقارنتها بروايات أهل الأرض المضطهدين، بل لم تكتف الشعوب بتلك المقارنات، وإنما بدأت رحلة البحث عن الجذور، والعودة بالزمن للوراء، فما ذكره غوتيريش أن أحداث السابع من أكتوبر لم تأت من فراغ، لابد وأن هناك ما دفعه لذلك القول، وأنه لابد من وجود مساحات زمنية سابقة مليئة بالأحداث، تكون ربما هي السبب فيما جرى ويجري إلى يوم الناس هذا. زخم عالمي نادر صار ملحوظاً من بعد تطورات الأحداث في غزة، وخلال شهرين من انكشاف الصهاينة على حقيقتهم البشعة، أن هناك زخماً عالمياً بدأ مناهضاً ورافضاً للفكرة الصهيونية من أساسها، سواء تلك التي يُراد لها أن تترسخ عبر مشروع الدولة الصهيونية بمزاعم دينية على أرض فلسطين، أو تلك التي بدأ العالم يتحدث عنها، والمتمثلة في تغلغل الصهاينة البطيء في مفاصل وأجهزة الدول المؤثرة بالعالم من أجل التحكم في سياساتها وتوجهاتها. هذا التوجه العالمي الذي بدأ الشباب يحركه، ربما فرصة تاريخية نادرة الحدوث، وقد لا تتكرر إن لم يتم استثمارها بالشكل الأمثل، وهذا بالتالي يدعو كل مناصري قضية فلسطين، ابتداء من العالم العربي وصولاً إلى آخرين مؤيدين، إلى نشر وتعزيز الرواية الفلسطينية عن أحداث أكتوبر أولاً، ومن ثم العمل باحترافية على استحضار مشاهد من التاريخ منذ بدء المشروع الصهيوني الخبيث، وبيان زيفه ومآلات بقائه في هذا العالم، بالإضافة دعم التوجهات الشعبية الغربية ولاسيما الأمريكية الحالية في مناهضتها للفكرة الصهيونية، مع ضرورة محاصرة الفكر الصهيوني الذي بدأ ينتشر في العالم العربي عبر أذنابه في أقطار عدة ومجالات مختلفة، ومقاومة كل مظاهر التطبيع أو الدعوة إليه مع الكيان الصهيوني، الذي يعيش حالة من التخبط المرجو دوامها حتى زواله من هذا العالم. ذلك أن تلك المحاصرة وتنظيف الساحات العربية من المحيط إلى الخليج من الملوثات الصهيونية، أمر دافع ومعزز للتحركات الغربية الشعبية وبعض الرسمية، فليس من المنطق أن تنشط الشعوب الغربية في محاربة الصهاينة، ويحدث العكس في الساحات العربية، وهي المعنية أو المتضررة أكثر من غيرها من أفعال وخبائث الصهاينة ومعاونيهم. غزة نقطة تحول غزة اليوم تقدم تضحيات بالدم، لكنها لن تذهب سدى هذه المرة بإذن الله، وستكون بمثابة نقطة تحول مؤثرة على العالم كله، وربما نتائج الأحداث فيها تغير الكثير الكثير في العالم، والذي لا بد من التغيير. أحداث غزة هي فرصة أو حدث تاريخي لا يجب أن يمر مرور الكرام. انسحاب الصهاينة من غزة ليس هو الهدف، إنما هو هدف واحد ضمن عديد الأهداف الكبيرة، التي لابد من العمل على تحقيقها، بغض النظر عن الوقت، فالهدف الأسمى هو تحرير كافة فلسطين من هذا المشروع الصهيوصليبي، وتنظيف ساحاتها من كل ملوثات وقذارات آل صهيون، المادية والبشرية، وفرصة للخلاص من عصابات ومجرمي الحرب الصهاينة ورموز الخذلان من العربان والغربان. ولا شك بأن نهاياتهم ستكون أليمة بإذن الله، من بعد أن تدور الدوائر عليهم عاجلاً أم آجلا، وما ذلك على الله بعزيز (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا).
1017
| 14 ديسمبر 2023
منذ بداية العدوان الصهيوني على غزة، أصبح واضحاً للعالم كله، أن الهدف الرئيسي للصهاينة هو القيام بقتل أكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين، كإحدى وسائل تطبيق استراتيجية الأرض المحروقة، مصحوبة بدعم سياسي وعسكري أمريكي غير عاقل ولا محدود، من أجل تحقيق الهدف الأسمى للصهاينة الكامن في تهجير قسري لفلسطينيي غزة، ثم يتبعهم في المستقبل القريب، فلسطينيو الضفة الغربية، دون إيلاء أي اهتمام للرأي العام العالمي أو ما يسمى بالقانون الدولي. هناك خطة فعلية تم الإعلان عنها مؤخراً في وسائل الإعلام، وجار العمل على تنفيذها وتجسيدها على أرض الواقع، أرض غزة الأبية، كما لو أنها إعادة قصة ومحنة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، لكن هذه المرة في فلسطين! إن عمليات القتل الجماعي الممنهجة وتدمير المنازل والكيانات المدنية الأخرى والبنية التحتية في غزة، كلها دلائل واضحات على ذلكم المخطط الصهيوصليبي الخبيث. ستون يوماً من العدوان الصهيوني المستمر على غزة، لا شك أنه ليس نوعاً من الانتقام لأولئك الذين لقوا حتفهم في السابع من أكتوبر المجيد، وإلا لكان هذا العدوان قد توقف بعد مقتل نفس العدد من الفلسطينيين. لكن التدمير الهائل للمستشفيات والمنازل والمدارس والمساجد والبنية التحتية، دليل واضح على أنها رغبة صهيونية تقاطعت مع أخرى صليبية وإقليمية، من أجل تهجير سكان غزة، وبدعم أمريكي غربي، وهندي كذلك، بالإضافة إلى الاشتباه في تورط بعض أنظمة عربية من تلك التي تشعر بخطر بقاء حماس في حكم غزة على وجودها ! بمعنى آخر، يبدو أن غزة ووجود حماس تحكمها، بمثابة حجر عثرة أمام كل أولئكم القوم الذين لا يمكن الشك لحظة في أنهم طحنوا وعجنوا أموراً بليل بهيم، وينتظرون نهاراً يقومون فيه بعملية التخبيز – إن صح التعبير – لكن غزة وحماس صارت عقبة صلبة في سبيل إكمال ما تم تدبيره، وبالتالي لابد من إزالة العقبة بكل وسيلة ممكنة، جائزة شرعاً وعرفاً وقانوناً، أم غير جائزة.. العقلية الصهيونية لا تتغير العقلية الصهيونية بشكل عام لا تزال هي نفسها. لم تتغير ولن تتغير حتى بعد قرن من الزمان. إنها باختصار، عقلية وحشية مجرمة، لئيمة وعنصرية مستعلية، تحتقر الآخرين وتزدريهم. بل يمكن اعتبار الصهاينة وخاصة بعد المشاهد التي نشاهدها يومياً في غزة، حفنة كائنات من خارج النظام البشري (سمّاعـون للكذب، أكّالون للسحت). جرائمهم الأخيرة هي واحدة من أوضح الأدلة التي لا ينبغي أن تمر هكذا مرور الكرام، لا يلتفت إليها أحد مثل كل المرات السابقة.. بل المطلوب من كل أحد صاحب ضمير وإنسانية ودين، وبكل الوسائل الممكنة والمتاحة، تسجيل جميع جرائم الحرب المرتكبة في غزة، وإن قال بعضكم: ما فائدة ذلك، وكلنا يدري أنه لا توجد جهة دولية يمكنها محاسبة هذه الحفنة القذرة من الكائنات. لكن مع ذلك أقول: لابد من اتخاذ الأسباب، فلا يمكن أن يستمر هذا الظلم، ولن يدوم هذا التجاهل والخور العالمي، بل (لا تدري لعل اللَّه يُحْدثُ بعد ذلك أمرا). إذن المطلوب إعداد قائمة بأسماء جميع المتورطين في جرائم الحرب، سواء قامت بها حكومات عربية أو مسلمة، أم منظمات حقوقية ومؤسسات مدنية أخرى، من أجل محاكمة كل متورط في جرائم الحرب، وبالطبع سيكون النتن ياهو على رأس القائمة، إلى جانب قادة الجيش الصهيوني، وبعض السياسيين الغربيين، الذين أيدوا علنا إبادة غزة. كمية الإجرام الصهيوني على غزة قد تدفع بنا أحياناً للشعور باليأس، وعدم التفاؤل بما هو قادم، بل ربما يصل بنا اليأس مبلغاً يظن أحدنا أن الغلبة ستكون دون شك للصهاينة المجرمين. لكن على رغم التفاوت الهائل بين القوتين، فإنه على المسلم الحقيقي أن يتذكر أمثلة كثيرة من تاريخنا القديم إلى الحديث، حيث النصر يتحقق لمن يؤمن بقضيته، يقاتل ويدافع عنها ابتغاء مرضاة الله، بغض النظر عن قلة العدد والعتاد. هذا اليقين وهذا الإيمان، سببان كافيان لبقاء جذوة مصارعة الباطل متقدة بالنفوس، ولنا في معركة بدر، أبرز الأمثلة التاريخية القديمة، ومثال أفغانستان من التاريخ الحديث، وكيف أن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. وظني أن غزة العزة، ستكون مثالاً جديداً ستتحدث عنه الأجيال القادمة إن شاء الله. لن ينتصر الصهاينة. هذه حقيقة لا يجب أن نشكك فيها وحولها، وسيهزمهم المسلمون مثلما هزموا المغول وغيرهم ممن هاجموا حواضرنا المتنوعة في أزمنة مختلفة. إنها مسألة وقت ليست أكثر. وستبقى فلسطين لشعبها الأصيل، وهذه حقيقة تاريخية يجب على كل من يعيش في كيان الاحتلال أن يفهمها قبل فوات الأوان. تقوية الصلة بالسماء ربما أهل غزة من الكرب الذي هم فيه الآن، قد وصلوا للمرحلة الشبيهة بتلك التي وصل إليها كرام البشر، صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فترة مظلمة كئيبة، حين استنصر خباب بن الأرت الرسول الكريم، بدافع من ضغط التعذيب ووحشية كفار قريش ضدهم، قائلاً له ( ألا تستنصرُ لنا ) فيأتيه رد نبوي فوري واضح المعالم:» كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضَع على رأسِه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عَظْم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». خباب - رضي الله عنه - سأل الرسول الكريم الدعاء بالفرج وطلب النصرة من الله من شدة العذاب والأذى الذي يتعرضون له من كفار قريش. لكنه - صلى الله عليه وسلم - أرشدهم إلى الصبر والصمود وعدم استعجال النصر، فإنها فترة ابتلاء قصيرة ستنجلي، ويتحقق لهم وعد الله، وقد كان. إن أهل غزة الآن في شدة وأذى مشابهين لما كان عليه الصحابة الكرام، لكن الفارق أن أهل غزة يعانون الظلم والعدوان على مرأى ومسمع من العالم كله. لكن صبرهم وصمودهم العجيبين على خذلان القريب، قبل عدوان البعيد وصمتهم المريب، هما مفاتيح جلب وعد الله، وتحقيق الغلبة المنشودة، ويومئذ سيفرح المؤمنون بنصر الله. خلاصة ما يمكن بها ختم هذه الكلمات، أنه كلما تعمقت صلتنا بالسماء، لا سيما أهل غزة الممتحنون الآن، وقطع كل رجاء من الأرض وما عليها، كلما قرب اليوم الموعود بإذن الله. فكما أغرق الله فرعون في اليم ذليلاً خاسئاً، وأُلقي أبوجهل وبن خلف وغيرهما من رؤوس الكفر في القليب جثثاً عفنة، فكذلك ستكون نهايات رؤوس الكفر، بايدن، بلينكن، نتن ياهو، بن غفير وبقية مجرمي الحرب ورموز الخذلان من العربان والغربان. وستكون نهاياتهم أليمة بإذن الله، بعد أن تدور الدوائر عليهم عاجلاً أم آجلا، وما ذلك على الله بعزيز.. (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا).
879
| 07 ديسمبر 2023
جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير وآخرين في تفسيرهم لقوله تعالى (فأرسلنا عليهم الطوفان) أنه لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوباً، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما عالج منهم بالآيات الأربع: العصا، اليد، السنين ونقص الثمار، إلا أنهم أبوا أن يؤمنوا. فدعا عليهم قائلاً:» يا رب، إن عبدك فرعون، علا في الأرض وبغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك. رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء. أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. رغم كل الآيات التسع التي جاء بها موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه، إلا أنهم استمروا على ضلالتهم وعنادهم وغيهم، حتى أغرقهم الله في اليم، وأراح الله العباد والبلاد منهم. وانتهى الفراعنة وخرجوا من التاريخ بتلك الطريقة المخزية. حدث كل ذلك ونبي الله موسى مع قومه بني إسرائيل. فكانت نهاية الفراعنة درساً لهم وعظة. لكن هل اتعظت قلوبهم من بعد كل تلك الآيات، وآخرها هلاك الفرعون أمام أعينهم؟ لا، لم يحدث ذلك الاتعاظ الذي كان يرجوه موسى وهارون عليهما السلام. ومنذ ذلك التاريخ وإلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله أن يكون، وبنو إسرائيل على ما هم عليه من تخبط ومن محنة إلى أخرى. طوفان الأقصى موسى دعا على عدوهم المشترك بالطوفان، فاستجاب الله له. لكن هذه المرة، وأكاد أجزم بأن هناك من دعا الله بطوفان كطوفان آل فرعون، يقض مضاجع الصهاينة ومن والاهم وسايرهم، ولا شك عندي أن الله استجاب لدعاء من دعا، وبالتالي يبدو لي أن معاناة الصهاينة التي بدأت منذ أكثر من شهر وستستمر بإذن الله بسبب هذا الطوفان، أكثر وأعمق مما عانى منه آل فرعون في ذلك الزمان. طوفان الأقصى مثلما أنه أدخل آل صهيون في معاناة وآلام لن تنتهي قريباً، أزاح في الوقت نفسه الكثير عن قوم مجرمين، الذين نزلوا بساحة شعب مسالم على حين غفلة من أهلها، بدعم بريطاني ماكر خبيث، ثم يرث هذا الدور من بعد ذلك، الأمريكان. بعد أكثر من أربعين يوماً من عدوان صهيوني همجي غاشم، بدعم أمريكي ألماني بريطاني فرنسي وهندي، تكشفت أمور واتضحت للعالم الكثير من الحقائق الخفية، وأزال عن عين العالم غشاوة سميكة كي يرى حقيقة وواقع حفنة من عصابات صهيونية مجرمة، تم جلبها واستزراعها في فلسطين لأغراض استعمارية بحتة، لا علاقة للدين بها البتة. طوفان المعلومات طوفان الأقصى صاحبه طوفان من الحقائق والمعلومات التي انتشرت حول العالم بفضل الله ثم وسائل التواصل المتنوعة، والتي على إثرها بدأ الملايين بمراجعة ملف هذه القضية والبحث عنها، من بعد أن تراجعت ضمن قائمة اهتمامات وسائل الإعلام إلى درجة متأخرة، رغم وضوح الفرق بين الحق والباطل. لكن هكذا الإعلام الباحث عن الإثارة والسخونة والجدة. لكن ملايين البشر هذه المرة لم تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية المسيسة والمنحازة، التي اعتقدت أنها لا زالت في حقبة الثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، لترسل ما تشاء من رسائل إعلامية من طرف واحد، ليستقبلها جمهور اعتاد أن يتقبل تلك الرسائل دون كثير تمحيص وتدقيق وتحقق. تغير الوضع العالمي، وتغير الجمهور المستقبل الذي نشأ وتربى على التفاعل مع ما يصله من رسائل إعلامية. وكان من نتائج هذا التغير الحاصل على ثقافة الجمهور المستقبل، أن انكشفت معظم وسائل الإعلام الغربية أمام جماهيرها، وتبين مدى وضاعتها وحقارتها بانحيازها للرواية الصهيونية بشكل فاجر ومقزز، بل والعمل بشكل متعمد على تضليل الجماهير قدر المستطاع، فإذا بهذا الجمهور، صاحب التقنيات والوسائل المتنوعة للحصول على المعلومة، يتفاجأ بالكم الهائل من المغالطات التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية تحديداً وبعض تابعيها في الهند، ليبدأ هذا الجمهور بنفسه بتصحيح المغالطات ونشر الحقائق على أوسع نطاق، حتى غرقت الصهيونية وداعميها بطوفان من الحقائق والمعلومات، التي صار يوفرها جمهور شاب لم يعتد على التلقي والتلقين، حتى اضطرت دول ومؤسسات أمام هذا الجمهور، إلى تعديل وترقيع ما يمكن ترقيعه. انكشاف الدعايات الصهيونية طوفان آخر من مستخدمي وسائل التواصل أغرق كل الدعايات الصهيونية والغربية المضللة بمعلومات حقيقية، والتي على إثر ذلكم الطوفان المعلوماتي، خرجت الملايين إلى الشوارع، بل ما زالت إلى يوم الناس هذا، تطالب بوقف العدوان وكشف الحقائق، وخاصة جماهير دول غربية، طالما صدّعت حكوماتها، رؤوس العالمين بقيم الأمانة والشفافية والحريات وحقوق الإنسان، وهم بعد طوفان الأقصى، أبعد ما يكونون عن تلك القيم والمبادئ ! هذه الصحوة العالمية وهذا الزخم الجماهيري العالمي المتعطش لمزيد حقائق عن قصة الظلم الصهيو صليي على فلسطين، مطلوب استثماره من كل الأطراف الصادقة ذات الصلة بقضية الأقصى، وعلى الشكل الذي يدفع نحو مزيد من التعاطف المؤدي لأفعال ومنجزات متجسدة على أرض الواقع، للمساهمة في دحر الظلم الصهيوني ومن يؤيده، والمسارعة في مشروع إنهاء الاحتلال البغيض بعد توفيق الله ورعايته. إنها دعوة لكل من يحمل هم هذه القضية أن يشارك بالصوت والصورة والكلمة، وبكل الوسائل المتاحة والممكنة، ذلك أننا نعيش مرحلة تغيير تاريخية، تدعو كل صاحب ضمير وإيمان أن يضع بصمته ضمن هذا التغيير، من بعد التوكل على الله عز وجل، فهو نعم المولى ونعم النصير، وهو دوماً وأبداً، حسبنا ونعم الوكيل.
1131
| 30 نوفمبر 2023
جيء بالهرمزان أسيراً عند أمير المؤمنين عمر الفاروق - رضي الله عنه وأرضاه - وقد كان نائماً. فحدث أن صار لغطٌ وارتفعت الأصوات بالمسجد حوله، حتى قام عمر من نومه، ثم نظر إليه فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله وتأمل ما عليه، وكان يلبس ديباجاً وذهباً مكللاً بالياقوت واللآلئ. فقال: الحمد لله الذي أذل هذا وأشياعه. يا معشر المسلمين، تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غدارة. ثم توجه للهرمزان قائلاً: كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، كنا وإياكم في الجاهلية. كان الله قد خلّى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ثم أتبع ذلك عمر بقولته المشهورة: « نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله «. إنها الحقيقة، وقد أثبتتها الأيام بالتجارب والوقائع. فما من مرة ابتعد المسلمون عن دينهم واشتغلوا بالعاجلة أكثر من الآخرة، إلا ضرب الله عليهم الذلة، وأصابهم من البلاء والوباء الشيء الكثير. والحديث الصحيح واضح لا يحتاج لكثير من الشروحات والتفصيلات: توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعـن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت. من مشاهد العـزة ربما كثيرون منا يذكر الحوار الذي دار بين الصحابي ربعي بن عامر وقائد جيوش الفرس في القادسية رستم الذي سأل ربعي عن سبب قدومهم إلى بلاده، فشرح له الأسباب حتى طلب رستم مهلة ليتفاكر مع قادته. فأمهله ربعي يومين، لكن رستم طلب أكثر ليخاطب رؤساءه في المدائن. فقال له ربعي: إن رسول الله قد سنَّ لنا ألا نمكّن آذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فإني أعطيك ثلاثة أيام بعدها؛ اختر الإسلام ونرجع عنك أو الجزية. وإن كنت لنصرنا محتاجاً نصرناك، وإن كنت عن نصرنا غنياً رجعنا عنك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك عن قومي ألا نبدأك بالقتال إلا في اليوم الرابع، إلا إذا بدأتنا. قال له رستم: أسيدهم أنت؟ قال: بل رجل من الجيش، لكن أدنانا يجير على أعلانا - يعني إذا أحدنا أعطى وعداً فلا بد وأن ينفذه أعلانا - ثم عاد رستم يكلم قادته مستغرباً من منطق ربعي وقوته وثقته بنفسه، وهو محارب في جيش المسلمين وليس قائداً فيه. يتحدث رستم إلى قادته آملاً أن يقتنعوا بالصلح وتجنب الحرب. لكنهم رفضوا وعاندوا، فكانت القادسية الخالدة، ثم تبعها بعد حين من الدهر قليل، زوال دولة كسرى. من مشاهد الذلة بعد مشهد ربعي مع رستم حيث عزة المسلم وهيبته حين يلتزم بدينه، نجد مشهداً معاكساً وغاية في الذل والهوان. مشهد الإذلال الذي عاشه الخليفة العباسي المستعصم بالله، وهو من صنع ذلك بيده، بعد أن أضاع الأمانة وترك أمر الدولة في يد خائن من غير الملة، ابن العلقمي ومن معه، والذي اتفق مع المغولي المتوحش هولاكو لتصفية حاضرة من حواضر عزة الإسلام المتمثلة في الخلافة العباسية ببغداد. حيث أذعن الخليفة لشروط هولاكو خائفاً مرتعباً ذليلاً، بعد أن أقنعه ابن العلقمي بالصلح وتسليم المدينة من أجل صالح البلاد والعباد، كما ينادي بذلك صهاينة العرب اليوم ويطالبون حماس بتسليم أسلحتهم وطلب الصلح من الصهاينة ! وهكذا سلم الخليفة رقبته ورقاب حاشيته وقادته وعلماء الدولة، بل الدولة كلها لمتوحش لئيم مثل هولاكو، الذي لا يختلف عنه زعماء الصهاينة اليوم، فتسبب في هلاك حرث المسلمين ونسلهم، وتسقط الخلافة لأول مرة بعد قرون عدة. العـرب والعـودة للجاهلية واقعنا اليوم ومنذ أن انطلقت دعوات القومية من هنا وهناك، والاعتزاز بها بعيداً عن الدين، يشير كما لو أننا قبل الإسلام، وهو ما نجح فيه الاستعمار أو الاستخراب منذ أكثر من قرن من الزمان. عدنا قبائل متفرقة متناحرة، لا يجمعنا دين ولا تهمنا قضايا الأمة، وأوضح شاهد ودليل على الوضع غير السار هذا، ما يحدث لقضية الأقصى كأبرز الأمثلة على ما نقول، والتي بدأت وهي في قلب المسلمين جميعاً منذ استيلاء الصهاينة على المسجد، حتى إذا ما تحمس العرب ورفعوا شعارات القومية وعروبة الأقصى، وجدت المسلمين من غير العرب، قد رفعوا أيديهم عنها تدريجياً.. من هنا، ووفق ذلك المفهوم والشعار، لا تجد اليوم تلك الحماسة أو الغيرة المطلوبة تجاه الأقصى من الباكستاني أو الماليزي أو التركي أو الأفريقي أو غيرهم من المسلمين غير العرب. وهكذا مع الأيام وتعميق فكرة فصل القضية عن الدين، ضاقت الدائرة عليها حتى وصل الأمر إلى اعتبار الأقصى قضية فلسطينية بحتة، لتجد كثيرين من العرب وقد انسحبوا بعيداً عن الأقصى، لينتشر تبعاً لذلك مصطلح « القضية الفلسطينية « في وسائل الإعلام، ويقصد بها احتلال فلسطين ومشاريع تهويد الأقصى، وبالتالي على الفلسطينيين أنفسهم الدفاع عن القضية، لتأتي تبعاً لذلك المتردية والنطيحة من الداخل الفلسطيني المصنوعة أمريكياً وصهيونياً، لترفع شعارات الدفاع عن الأقصى، وهم أول من باعوا القضية وتعاونوا أمنياً مع المحتل الصهيوني على تصفية ما تبقى من قضية، وتصفية من بقي للدفاع عنها. وهكذا ضاقت الدائرة لتجد اليوم أن القائم الحقيقي الباقي لحماية الأقصى والإبقاء على جذوة الجهاد والدفاع عنها متقدة، هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل مقاومة أخرى ثانوية، ذات توجه إسلامي. ومن هنا تجد اليوم، بعد أن انكشف الكثير من المستور وخاصة في عدوان الصهاينة الجاري على غزة منذ شهر من الآن، أن تجمّع الغرب المنافق مع الصهيونية النازية وعرب مطبعين وآخرين مخذّلين في معسكر كافر لئيم واحد، ضد معسكر الإيمان وحفظة القرآن في غزة. أمة لا تموت أمة الإسلام، وحتى لا يضيع حبل الموضوع منا، ما ظهرت لتموت، بل لتبقى إلى يوم الدين. قد تضعف وتنتكس مرات ومرات، لكنها تعود ولا تموت. إذ مع الوباء المغولي الذي سيطر على عالم المسلمين حيناً، كانت في وقت انتشار ذلك الوباء والبلاء، نبتة تزهر وتنمو وتمتد جذورها إلى الأعماق، ويقوى جذعها وتتماسك أغصانها شيئاً فشيئا، هي تلك القبيلة البدوية من أتراك الأوغوز بقيادة سليمان شاه، ومن بعده ابنه الغازي أرطغرل، حتى أقامت خلافة إسلامية ودولة مرهوبة الجانب تحكم نصف العالم تقريباً، بل وينال أحد خلفائها وهو محمد الفاتح، شرف فتح القسطنطينية وتحقيق البشارة النبوية، في تأكيد جديد لحقيقة لا تتغير، هي أن نيل العزة والمهابة إنما بالدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره، أذلنا الله كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه. غزة العـزة اليوم تعيش الأمة في مشهد مماثل أثناء انتشار وباء المغول والتفرقة التي كان عليها المسلمون. مشهدٌ أثار إعجاب وتعاطف وتأييد جُل العالم، في سابقة تاريخية. مشهد عدوان صهيوني نازي على ثلة مؤمنة صابرة محتسبة في غزة العزة لأكثر من شهر ونصف الشهر، وانكشاف نفاق الغرب والشرق، وظهور خفايا دولة الاحتلال، وخفايا ما حولها من دول ومؤسسات وأفراد. غزة اليوم هي ومضة من ومضات تاريخية ظهرت وما زالت تظهر هنا وهناك في العالم الإسلامي، تعلم الأمة الصامتة أو المقيدة، معنى الاعتزاز بالدين وعدم الخشية من كيانات وماديات، طالما القلوب معلقة بيد القوي العزيز. وقد ظهرت نتائج ذلك التعلق القلبي بالله في ميدان العزة بغزة، بصورة أثارت انتباه وإعجاب العالم غير المسلم قبل المسلم، حتى رضخ العدو بعد معارك حاسمة مستمرة، لهدنة إنسانية وفق شروط المقاومين الكرام، لتتأكد حقيقة تاريخية متكررة بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن هذا العدو لا يفهم لغة غيرها في التعامل. الشاهد من الحديث أن مشاهد غزة المتنوعة، وصمود كتائب القسام ومن معهم، إنما هي بذرة طيبة لشجرة العزة والعلو، والتي لا شك أنها ستظهر شيئاً فشيئا، وتستوي على سوقها، وسيعجب بها كثيرون، فتكون بإذن الله، إشارة بدء نهضة جديدة، تُنهي وباء الصهيونية الظالمة مع الرأسمالية المتوحشة، وبقية قوى الشر والطغيان المتناثرة هنا وهناك على شكل دول ومؤسسات وهيئات، والتي ما زادت العالمين غير تخسير.. ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ).
2673
| 23 نوفمبر 2023
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. هكذا يبدو الجو العام في غالبية العالم. لا يمكنك التطرق لموضوعات حياتية أخرى إلا وموضوعات أحداث غزة العزة تقف أمامك، فلا يمكنك أن تتحدث عن غيرها، وإن لم يجبرك أحد. فلا شيء يمكنه دفع قضايا غزة عن الواجهة. لا يمكن لكاتب أن يتطرق أو يكتب عن قضية يراها الآن أهم من قضية المعركة الدائرة في غزة بين الحق والباطل. الحق الغزاوي الإسلامي، والباطل الإسرائيلي الصهيوني. هذا المقال سيكون على شكل محطات قصيرة، لكن روحها واحدة تربط المحطات ببعضها البعض. إنها الروح الغزاوية لا غيرها. المحطة الأولى الغرب ظهر في هذه الأحداث بوجهه الحقيقي البشع. الوجه الذي كان عليه في العصور الوسطى. لا عهد ولا ذمة ولا أخلاق. إنما الوحشية الفوضوية الهمجية الحاقدة، مغلفة بروح صليبية متعصبة عمياء. هذا الغرب الذي قال للعالم عملياً منذ السابع من أكتوبر بأن القوانين الدولية التي هو من وضعها وصدّع رؤوسنا بها لسنوات طوال بحثاً عن مصالحه، ليست قابلة للتطبيق عليه وعلى حلفائه، بل إن صح التعبير، قال بوضوح أكثر: لا قوانين نافذة مؤثرة اليوم وإن كانت دولية أممية، طالما كنت تملك ساعداً قوياً وسلاحاً أقوى! إنها شريعة الغاب التي كنا نقرأ ونسمع عنها في الكتب. المحطة الثانية العرب في المقابل، ومعهم بقية مسلمي العالم، وأقصد الرسميين لا الشعوب، أثبتوا عملياً أنهم ليسوا سوى أدوات وظيفية بيد الغرب. جزء منهم يسير في الفلك الأمريكي، وآخر مع الفرنسي، وثالث مع الروسي وهكذا هم. متناثرون بين معسكرات العالم المختلفة إلا المعسكر العربي المسلم ! فلا قوة عربية قائدة موجهة، ولا بالمثل قوة إسلامية مؤثرة ملهمة. إنما الجميع، إلا ما رحم ربي وقليل ما هم، تجده يردد: نفسي نفسي. انتظر العالم طويلاً، موقفاً عربياً أو إسلامياً مما يجري في غزة الأبية، حتى يكون معياراً يتحرك الآخرون على أساسه. فكانت القمة الهزيلة بالرياض بعد شهر من العدوان، والتي ما زادت صورة العرب والمسلمين الرسميين إلا هشاشة وخزياً متجددا. المحطة الثالثة المرجفون في المدينة، والمثبطون والمنافقون ومن اصطلح على تسميتهم بصهاينة العرب، ظهرت خفاياهم ودواخلهم في هذه الأحداث أكثر مما مضى. وبدت بواطنهم سوداء حالكة وخبيثة، بل وجدنا كثيراً من نفوس نصرانية وحتى يهودية، أرقى منهم وأكثر إنسانية وأقل سواداً وخبثاً. الإنسانية التي انعدمت تماماً في نفوس صهاينة العرب، وأعادوا أيام ابن سلول في المدينة إلى الواجهة تارة أخرى. يسرحون ويمرحون دون أدنى خجل أو ذرة حياء. المحطة الرابعة المقاطعة الاقتصادية فرضت نفسها على الواقع الشعبي، بعد أن وجدت الملايين من هذه الأمة، عرباً وعجما، أن القوة العسكرية ليست متاحة لأي أحد، وليس بالتالي من المنطق أن يتم اتخاذ ذلك مبرراً للقعود والتخلف عن المساهمة في دفع الظلم عن أهل غزة، فظهرت المقاطعة إلى الواجهة، حتى بدأت الشركات الداعمة للصهيونية والعدوان على غزة التي افتخرت بداية الأمر بدعمها، ترفع أصواتها بالاعتذار هنا وهناك، وأن مواقفها قد أُسيء فهمها ! وهذا ما يدعو للاستمرار وبكل فعالية، بل أرى أن تكون المقاطعة من الآن وصاعداً، ثقافة مجتمعية، لا رد فعل مؤقتاً على حدث وتتوقف. لابد أن نتوقف ونتفكر في كل دولار واحد يتم ضخه في عجلة اقتصاد دول معينة، تفاخرت وجاهرت بدعم العدوان، وعلى رأسها الولايات المتحدة ثم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والهند، كأبرز دول تفاخرت وهرولت سريعاً نحو عالم الصهاينة. المحطة الخامسة أهل غزة أعادوا لهذه الأمة أملاً كاد أن يختفي ويضمحل، متمثل في صبرهم على البلايا وعظائم الأحداث، واحتساب الأجر عند الله، وعدم انتظار القريب أو البعيد في تصريف شؤون حياتهم، على رغم شدة وقسوة ما يواجهونه، حتى صارت عبارات «الحمد لله، ونرجو الله الشهادة، وتوكلنا على الله، وصامدون» وغيرها من عبارات وكلمات، شعارات واقعية عملية. قول وفعل. الأمر الذي أغاظ أعداء الله من الصهاينة ومن معهم وساندهم. المحطة السادسة كتائب عز الدين القسام أعادت للواجهة سيرة الصحابة الفدائيين الأبطال. سيرة سعد وخالد والزبير والمقداد وغيرهم، بعد أن أغرقت وسائل التواصل، الشباب قبل الكبار، الرجال والنساء، ودخلت الجموع الهائلة في منافسات للتفاهة والتفاخر بسفاسف الأمور. فإذا مشاهد بطولية فدائية لمجاهدي القسام تلهب النفوس، فصارت تنتظرها بفارغ الصبر، حتى تحولت بيانات أبي عبيدة الموجزة القصيرة إلى أنغام يستمتع السامع بكل كلمة، وأصبح قدوة للأطفال والشباب في مظهره وكلماته وأسلوب إلقائه، وصارت صورهم وصواريخهم محلية الصنع، أيقونات وشعارات يفتخر بها الكثيرون، بل بدأ آخرون من خارج الملة يبحثون عن السر الذي يجعل الغزاوي والغزاوية، الصغير قبل الكبير، يصمد ويبتسم في وجه الأهوال. اكتشف هؤلاء سريعاً أن الدين هو سر هذا الصمود، لا غيره. المحطة السابعة إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون. هكذا تلخص الآية الواقع الحالي في غزة، التي صارت شرفاً لهذه الأمة، وآخر قلاعها المرتبطة بالسماء. هذه القلعة التي إن لم نحافظ عليها ونعض عليها بالنواجذ، فلن تقوم لهذه الأمة قائمة إلى قرن قادم من الزمان. وهلاك هذه العصبة المؤمنة – لا قدر الله – قد يكون بداية عهد جديد استعماري بغيض تحت الراية الصهيوصليبة، حيث الكثير الكثير من المذلة والهوان، أضعاف ما الأمة عليها اليوم. لكن أملنا بالله كبير وفي نصرته لهذه الثلة المؤمنة المجاهدة - ونحسبهم كذلك - والتي ربطت نفسها بالسماء مبكراً، فلا قوانين ولا زعامات ولا قامات أرضية تنفعهم، فقد تبين لهم ذلك نهاراً جهارا، وهذا الارتباط الوثيق بالسماء هو أجمل ما في المشهد الغزاوي. والله سبحانه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
891
| 16 نوفمبر 2023
■ ربما كثيرون سمعوا بمصطلح الكاميكازي الياباني أو « الهجمات الانتحارية « التي استخدمها اليابانيون في صراعهم مع الأمريكان وقوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد أن أصبح وضعهم في الحرب ميؤوساً منه، فكانت طائراتهم تصطدم بالسفن الأمريكية كما لو أنها صواريخ موجهة. فكرتهم كانت في إيقاع أكبر كمية ممكنة من الخسائر في العدو، لكنهم في الوقت ذاته وضعوا نصب أعينهم أنهم ميتون لا محالة. فلم تكن طائراتهم حينذاك مجهزة بالكراسي القاذفة، وإنما كان الطيار جزءاً من طائرته.. لكن مشهد خروج أحد مجاهدي القسام قبل أيام مضت بعبوة ناسفة، والذهاب بها نحو « الميركافا « وهي أحد أفضل الدبابات في العالم، ليضع العبوة عليها ويرجع لموقعه، ثم من مسافة قريبة يقذفها بالياسين 105 وهي نسخة مطورة عن قذيفة التاندوم الروسية، لتنفجر الدبابة بمن فيها.. فهو مشهد غير مألوف وغير طبيعي في الحروب البرية، إلا من أشخاص يائسين ينتظرون حتفهم بعد ساعات قليلة، كما كان حال طياري الكاميكازي. لكن مجاهدي القسام أمرهم يختلف. أحدهم يقوم بمثل ذلك العمل بفدائية وجرأة نادرة، إنما هدفه ليس الانتحار، إنما مقاتلة عدو متترس وصاحب عتاد قوي محكم، ليلحق به الرعب المعنوي قبل الخسارة المادية. ذلك المشهد القسامي يعيد سيرة بعض الصحابة الفدائيين في معارك كثيرة ضد ملة الكفر. وتلك الشجاعة كانت واحدة من أسلحة الرعب المعنوية حينذاك ضد العدو، الذي كان ولا يزال يقاتل من أجل أن يحافظ على حياته ورفاهيته، إلا الفدائي المسلم الذي يقاتل وقد باع نفسه لله، ابتغاء مرضاته أولاً وأخيراً، بغض النظر إن تحققت نتائج مظفرة بعد ذلك أم لم تتحقق. ذلك أن المطلوب منه هو العمل والسعي وبذل الجهد وفق تخطيط محكم، لا يسأل ولا يُسأل عن النتائج، لأنها في علم الغيب. لكن يقينه رغم ذلك، أن من ينصر الله ينصره. وبهذا اليقين فتح الله على يد الصحابة الفتوحات العظيمة، وبهذا اليقين، سيفتح الله على من يأتي بعدهم بإذن الله. ■ طوفان الأقصى كانت بمثابة انفجار بركان ضخم أذهل العالم كله، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني. لم يكن يدر بخلد أحد من القريب أو البعيد. الصديق أو العدو، أن حماس تملك مبادرة البدء، على عكس كل المرات. فقد كان العدو يهاجم، ثم يكون الدفاع من كتائب القسام وبقية فصائل المقاومة. لكن هذه المرة، امتلكت حماس القدرة على فرض قرارها على العدو. هي من تختار الوقت والمكان لبدء الهجوم، وما على الطرف الآخر إلا الاستجابة، وهذا ما دفع بكثير من الإسرائيليين للقول بأن محمد ضيف أو السنوار هما من يتحكمان بملايين الإسرائيليين، متى الدخول إلى الملاجئ ومتى الخروج منها، في تطور لافت ومشهود، بل مطلوب استمراره دوماً. من المشاهد الملحوظة في الأحداث الجارية الآن في غزة، أن الحرب الإعلامية بدأت نتائجها تظهر سريعاً حتى ضاق الأمر بالعدو، وبدأ يستنهض كل من معه ويستغل أوراقه للوقوف أمام مد إعلامي ليس عربياً فحسب، بل عالميا غير معهود، يستنكر ويستقبح أفعال جيش الاحتلال، حتى تكونت سريعاً صورة ذهنية جديدة غاية في البشاعة لدولة الاحتلال، بعد أن قضى سنوات طوال في صناعة صورة ذهنية له. لكن بفضل الله، ثم حماقة العدو ومن يدافع عنه من صهاينة العالم، ومنهم صهاينة عرب، أن نشأت صورة ذهنية أخرى له سيحتاج سنوات وسنوات لمحوها من أذهان العالم، وستكون هذه الدولة حينها قد تلاشت بإذن الله. ■ صاحبت معركة طوفان الأقصى بضعة مشاهد انكشاف حقيقي، ما كانت لتتحقق لولا ما جرى في السابع من أكتوبر الفائت. فقد انكشف الزيف الغربي في قيمه وأخلاقه ومبادئه وإعلامه. وانكشف الزيف العربي الرسمي أكثر فأكثر عبر خنوعه وصمته المريب، بل تواطؤه الخفي المشين، عبر اتفاق ضمني غير معلن لتصفية آخر معاقل أهل السنة في المنطقة، واستغلال هذه الأحداث لتحقيق ذلك عبر الصهاينة والأمريكان. كما انكشفت الدناءة أو اللؤم الهندوسي عبر دعم كامل صريح ومعلن للعدو الصهيوني وبصورة غير مسبوقة، أملاً في دعم أمريكي عبر الكيان الصهيوني، يدفع بمشروع السيادة الهندوسية على المسلمين في الهند، نحو واقع أعمق وأرسخ ! انكشف بعض الإعلام العربي أيضاً عبر ذلكم التشويه المتعمد الحاصل الآن من أقلام وأفواه عربية على الفضائيات ووسائل التواصل الأخرى، وتحميل حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين مسؤولية ما يصيب غزة، والتشكيك في جدوى المقاومة العسكرية، بل وحتى المقاومة أو المقاطعة الاقتصادية للجهات الداعمة للحرب أو الكيان الصهيوني ومشاريعه. ولا شك أن ذلكم التشويه المتعمد مؤثر على المزاج الشعبي العام بعض الشيء، ولا ننكر أثره على خلط كثير من المفاهيم والتشويش عند العامة، وهم السند الحقيقي للمقاومة بعد الله سبحانه. ■ تلك الانكشافات ربما توحي وكأنما الله سبحانه هو من أراد أن يدير هذه المعركة بنفسه، كما أدارها سبحانه في معركة بدر الفاصلة، وذلك لأجل أن يكشف حقيقة العدو، ويكشف من معه من متواطئين، سواء من الملل الكافرة أم من منافقي الداخل والخارج. ها هم أولاء وقد انكشفوا جميعاً. عدو متغطرس لا يفقه قوانين وسنن الكون، ومنافقون منتفعون لا يتعلمون دروس التاريخ، ومجاهدون عرفوا المعنى العميق للتوكل على الله، والجهاد في سبيله لا غيره. وفي الأجواء حولهم غربان تنعق، وأصوات باطلة تنهق، تدعوهم ليل نهار (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل). نعم، قالها أهل غزة: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإن وقف العالم كله ضدنا، فالله أكبر وأعظم، ولن يخذلنا أبداً. ونحن كذلك على اليقين ذاته من أن الله لن يخذل قوماً يصبرون ويصابرون لأجل إعلاء كلمة الله، والحفاظ على مقدسات دينهم، والحفاظ على أرضهم وعرضهم. فاللهم نسألك في ختام هذه الكلمة، أن تثبت أقدام المجاهدين وتربط على قلوبهم، وتزلزل الأرض من تحت أقدام الصهاينة الغاصبين، ومن معهم من حاقدين ومنافقين، عرباً وعجما. إنك سميع عليم مجيب الدعوات.
1671
| 09 نوفمبر 2023
ربما قرأت كتباً في التاريخ متنوعة، وعايشت أحداثاً تاريخية، سواء من تاريخنا العريق أو غيرنا، ووددت لو كنت حاضراً في أحد تلك المشاهد التاريخية. وربما تساءلت أحياناً عن بعض تلكم الحوادث والتفصيلات، وحاولت تخيلها حتى شعرت بأن كتبة التاريخ مبالغون، أو شيء من هذا القبيل.. فهكذا حال من يقرأ التاريخ بفهم وعمق. لكن كيف هو حال من يعيش التاريخ أو هو أحد صانعيه أو من يساهمون في صناعته؟ أحسبُ أننا نعيش الآن تاريخاً سيقرأه كثيرون بعد قرون عدة. تاريخٌ لن يكون بمقدور أحد تزييفه أو التدليس فيه، باعتبار تنوع وتعدد تقنيات كتابته ومناهجه، والتنوع الهائل الكبير للمصادر على عكس ما كان قديماً. مقدمة تمهيدية لأحداث نعيشها، في مشهد عربي مسلم يتكرر بين الحين والآخر. ليس هو بالجديد حتى نفاجأ به، بل مشهد عاشه مسلمون مرات ومرات عبر تاريخنا، بل يمكن القول إن ما يقع اليوم في غزة العزة، شبيه بتلك التي كتب عنها ابن الأثير، وهي حادثة دخول التتار إلى العالم الإسلامي، واشتغال آلات تدمير الحرث والنسل التترية في حواضرها، فقال وهو يهم بكتابة أحداث تلك الفترة:» لقد بقيت عدة سنين مُعرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسياً. إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن، لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها. من عظائم الأحداث يواصل ابن الأثير حديثه قائلاً:» ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب لبيت المقدس، وما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعينُ من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف بيت المقدس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قُتلوا، فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل. ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتُفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج. وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويُهلك من خالفه، وهؤلاء - يقصد التتار - لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب، استدبرته الريح «. انتهى ابن الأثير يصف جرائم التتار وهو لم يشهد الفاجعة الكبرى في بغداد عام 656 هجرية. ولا أدري كيف كان سيصف أحداث أربعين يوماً وليلة تترية مجرمة، تم خلالها إهلاك حرث ونسل المسلمين في بغداد، ولم يخرجوا عنها إلا اضطراراً، بعد أن بدأت الأوبئة والأمراض بالتفشي.. من التتار حتى الصهاينة ما يقوم به الصهاينة الجبناء اليوم في غزة لا يختلف عن وحشية التتر قديماً. فما قاله ابن الأثير عن التتر أنهم لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، إنما هو ذاته الذي يقوم به الصهاينة الجبناء، ولكن من خلف طائرات ودبابات. إن ما قام به التتر كتب عنه من شهد تلك الحوادث من المسلمين، لكن ما يقوم به الصهاينة الجبناء اليوم، لن يكتب عنه المسلمون فقط أو يكون الأمر حكراً عليهم فحسب، بل العالم أجمع وبالصوت والصورة والكلمة وبأدق التفاصيل. من ضمن ما يمكن استحضارها من مشاهد في تلكم الفترة، حين كانت حواضر المسلمين تحترق واحدة بعد الأخرى على يد التتر، انشغال المسلمين عن بعضهم البعض، هذا إن لم يكونوا أساساً في حروب وسجالات بين بعضهم البعض أيضاً. فما يصيب بغداد يصيب بغداد، ودمشق دمشق، وهكذا بقية الحواضر المسلمة. لا أحد استنجد بأخيه المسلم في تلك الفترة وتحقق له مراده، إلا ما رحم ربي وقليل ما كانوا هم، وكأنما المشهد ذاته يتكرر اليوم. فما يصيب غزة، يجب على أهل غزة تحمل العواقب والنتائج، مهما ترتفع وتبح أصواتهم يستنجدون إخوانهم هنا وهناك، فلا مجيب ولا معين، هذا إن لم نقل بأن كثيرين منهم ربما متلطخة أياديهم بدماء مسلمي غزة، وإن بدا ظاهرياً غير ذلك، فيما غير المعلن وليس هو بالسر الخفي، يفيد أنهم ضمن التحالف الصهيوصليبي في القضاء على آخر معاقل المقاومة السنية في العالم الإسلامي. لابد أن تدرك أيها القارئ الكريم أننا نعيش لحظات صناعة تاريخ سيتكلم عنه ويدرسه كثيرون من بعدنا، وليس هذا هو المهم بقدر أهمية ما نريد أن يقرأه القادمون في المستقبل عنا. فهل نريد أن يقرأ عنا القادمون مستقبلاً بأننا كنا ضمن صفوف المتخاذلين أم المرجفين أم المنافقين أم الصامتين، أم قوائم صهاينة العرب، أم ضمن مواقع الشرف ولو بأضعف الإيمان. بمعنى آخر، أين الموقع الذي نريد تسطير أسماءنا فيه؟ وهذا الأمر بالطبع تحدده أنت يا من تقرأ الآن هذه الكلمات. أنت من يحدد موقعه. وبالتالي اختر واصنع لنفسك موقعاً وموقفاً يذكرك به القادمون بعد قرون بكل جميل، أو العكس من ذلك. فما من كاتب إلا سيفنى، ويبقي الدهر ما كتبت يداه. فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه. الأمر ليس مقتصراً على الكتابة بأنواعها، كما قال الشاعر، بل يتسع ويشمل كل مساهمة منك في فضح هذا الإجرام الصهيوني الصليبي، وفضح كل تخاذل وصهينة عربية وغير عربية، سواء بالكلمة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية أو أي عمل يؤدي للهدف، وبحسب المتوفر والمستطاع. عمل سيحفظه لك الدهر بعد أن تفنى، ويذكرك الناس به بكل خير. والأهم من كل ذلك، أنك ستقابل ربك يوم الحساب، وعند الإجابة على سؤال لابد أنك ملاقيه: ماذا قدمت لإخوانك في غزة يوم أن تحالف الغرب والشرق عليهم في أكتوبر 2023؟ الإجابة أنت من سيكتبها ويصنعها. ابدأ من الآن وقبل فوات الأوان.
1422
| 02 نوفمبر 2023
معركة طوفان الأقصى التي شهدها العالم أجمع بالصوت والصورة، من المعارك النوعية المميزة في عصرنا الحديث، ولا تنتهي قصصها وأحداثها والفوائد والعظات والعبر منها. كانت من المعارك النادرة مع سرّاق الأراضي والأموال. تميزها وندرتها جاءت من قوة الصدمة على الصهاينة، الإسرائيليين منهم والغربيين، ومعهم في نفس الحاوية بعض العرب. كانت بعض تفاصيل المعركة خارج التوقعات والحسابات والتخيلات، جعلت العدو الصهيوني يصاب بصدمة لم يفق منها إلى اليوم، بل يحتاج لسنوات عديدة.. ولي حولها بعض خواطر وأفكار، أحببت أن أشارككم بها اليوم. نعلم جميعاً أن الداعم الحقيقي للعدو الصهيوني، الذي ظهر أمام الملأ بشكل مستفز ووقح هو الغرب، بمؤسساته المختلفة، السياسية منها والاقتصادية والإعلامية وغيرها. هذا الغرب نعلم أنه يتحرك بمنطق القوي في العالم، ولن نجادل في هذا الأمر. فمن يملك القوة، بغض النظر إن كان يملك معها أخلاقيات وقيما، يكون قادراً على التصرف في مساحات جغرافية واسعة من العالم وفق ما يشاء ووقت ما يشاء. هذا المنطق هو الذي دفع الغرب للتحرك وفق مقتضيات محددة عنده، لا يهمه أنها تتوافق مع غيره، حتى لو كان العالم كله على سبيل الافتراض يعمل معاً ضمن منظومة ما يسمى بالأمم المتحدة، فالواقع العملي يختلف تماماً عن النظري أو الافتراضي. الغرب يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة آخرين. قوته منذ أكثر من عشرة عقود، تسمح له باتخاذ أي قرار، بل وتنفيذه باقتدار، وإن خالف به كل قيمه ونظرياته حول الحريات وحقوق الإنسان. المرجفون في الأرض أكثر ما شدني للكتابة عن بعض ما جرى وما زال يجري، هو جرأة منافقي العرب، من إعلاميين ومفكرين ومشاهير، وإصرارهم العجيب المريب في دعوتهم لجنود القسام التوقف عن مقارعة ومنازلة الصهاينة، على اعتبار قوتهم العسكرية الهائلة، وأن المعارك عبثية، تتضاعف بسببها مآسي ومحن أهل غزة ! قد تبدو للوهلة الأولى أن تلك الفئة المثبطة والمخذّلة، تنطق حقاً، وأنها نتاج حكمة ودراية حياتية. لكن مع تدقيق النظر والتمعن في أقوالهم وأفعالهم، ستجد أن دوافعهم ليست سوى صناعة نوع من الوهن والتثبيط في نفوس العامة، والتركيز بشكل خاص على فل عزائم المؤمنين الصادقين عن مواصلة جهادهم ضد عدو الله وعدوهم. وهذا سيناريو ليس بالجديد، بل هو يتكرر منذ بعثة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ليس بالغريب إذن ما يحدث الآن من تخذيل وبث الوهن في النفوس على أصعدة كثيرة، لاسيما بعد معارك طوفان الأقصى المستمرة بصور متنوعة مع العدو. ولنا في السيرة العطرة لنبي الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم – القدوة والعبرة. منها أحداث غزوة أحد وما بعدها. غادرت قريش بزعمائها وفرسانها أرض المعركة، بعد الجولة الثانية والانتصار على المسلمين، على غير عادة العرب حينذاك. فقد كانت العادات الحربية تقتضي بقاء المنتصر في ميدان المعركة لأيام، يحتفل خلالها كنوع من تبليغ رسالة ترهيب لكل من وضع أو سيضع في حسبانه وحساباته الاعتداء على المنتصر. لكن القرشيين بعد السير مسافة معينة، قالوا لبعضهم البعض: لم تفعلوا شيئاً، وما أردفتم الأبكار، ولا قضيتم على محمد وأصحابه، فما صنعتم شيئاً.. قرروا إثر ذلك الرجوع إلى المدينة، من أجل أن يستأصلوا المسلمين. أو هكذا زين لهم الشيطان أعمالهم. الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن بالذي تغيب عنه هذه التكتيكات الحربية. إذ لم تغب شمس ذلك اليوم واستراح المسلمون ليلتها بعض الشيء، حتى نادى بالغد في كل من كان معه، أن يهيئ نفسه لمتابعة قريش وقتالهم من جديد، وردعهم من التفكير في غزو المدينة. وضرب لذلك موعداً يلتقي فيه مع قريش في موقع يقال له حمراء الأسد. وصل الخبر بصورة ما إلى أبي سفيان، قائد المشركين يومها، فدخله الخوف والروع من احتمالية خسارة النصر الظاهري الذي تحقق لهم دون تعزيزه، فما كان منه إلا أن لجأ إلى أسلوب الإشاعات والحرب النفسية لأجل التوهين من عزائم المسلمين، الذين لم تبرأ جراحهم أو تبرد أجسامهم بعد، وذلك لأجل إحداث نوع من التردد عن الخروج مع الرسول عليه الصلاة والسلام. واستخدم لذلك الغرض أناساً همهم المال، والمال فقط، كعادة المنافقين والمرجفين اليوم، ممن يتم استخدامهم لذات الأغراض، مقابل تأجير أقلامهم أو عقولهم للغير ! حسبنا الله ونعم الوكيل مرت قافلة بجيش قريش، فقال لهم أبوسفيان: أين تريدون؟ قالوا: المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلَّغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه إنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمرت القافلة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل. هكذا كان جوابهم على من أراد الفت في عضدهم، وصناعة فتنة في صفوف المسلمين. قالوا جميعاً ما قاله من ذي قبل، خليل الرحمن وإخوانه من الأنبياء الكرام في الأزمات والملمات العظيمة، ويصف القرآن هذه الحادثة بقوله تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعـوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (. نعم، لن يخيب من يلجأ إلى الله في أزماته ومشكلاته ومصائبه. حيث لم يهتم المسلمون بخبر إعداد قريش العدة لاستئصالهم هذه المرة، بل رغم ما بهم من جراحات وآلام، لم يدعوا الشيطان يفت في عضدهم ويوهن من إيمانهم وعزيمتهم، وقالوا جميعاً بصوت واحد، حسبنا الله ونعم الوكيل. إنه الشيطان - كما قال صاحب الظلال في تفسيره - الذي « يضخّم من شأن أوليائه، ويلبسهم لباس القوة والقدرة، ويوقع في القلوب أنهم ذوو حول وطول، وأنهم يملكون النفع والضر.. ذلك ليقضي بهم لباناته وأغراضه، وليحقق بهم الشر في الأرض والفساد، وليخضع لهم الرقاب ويطوع لهم القلوب، فلا يرتفع في وجوههم صوت بالإنكار ولا يفكر أحد في الانتقاض عليهم، ودفعهم عن الشر والفساد. والشيطان صاحب مصلحة في أن ينتفش الباطل، وأن يتضخم الشر، وأن يتبدى قوياً قادراً قاهراً بطاشاً جباراً، لا تقف في وجهه معارضة، ولا يصمد له مدافع، ولا يغلبه من المعارضين غالب». المعركة بيننا والعدو لم تقف بعد إن القوة الوحيدة التي يراها المؤمنون الصادقون والتي أحق بأن تُخشى هي القوة التي تملك النفع والضر، وهي بلا شك قوة الله، لا قوة الشيطان ولا قوة أوليائه. وإن ما يقوم به المرجفون والمثبطون والمنافقون على كافة صورهم الآن، هو التشكيك في جدوى المقاومة، والنيل من قادتها ومحاولات شق الصفوف وبث الإشاعات، بالإضافة إلى تضخيم قوة العدو وتصويرها على أنها لا تُقهر، في الوقت الذي تجد نقيض ذلك في إعلام ومجتمع العدو نفسه من يشيد بقوة المقاومة وتقهقر جيشهم الذي لا يُقهر، أمام ثلة قليلة العدد والعدة والخبرة العسكرية. التشويه المتعمد الحاصل الآن للحقائق، من قبل أقلام وأفواه ومنصات عربية، على الفضائيات ووسائل التواصل الأخرى، وتحميل حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين مسؤولية ما يصيب غزة، لا شك أنه تشويه مؤثر على المزاج الشعبي العام، يدخل ضمن الحروب النفسية التي يجيدها العدو ومن معه، ولا ننكر أثر حملات التشويه تلك في خلط المفاهيم والتشويش على العامة، وهم السند الحقيقي أو الحضنة الشعبية للمقاومة، بعد الله سبحانه. لكن هل نستسلم لذلك؟ بالطبع لا خلاصة الحديث أن المعركة بيننا وعدو الأمة لم تنته بعد، ولن تنتهي قريباً. فإن توقفت عسكرياً بعد حين من الوقت، فإنها ستستمر إعلامياً وسياسياً واقتصاديا، بل يجب أن تستمر كل تلك المعارك، لاسيما المعركة الإعلامية أو معركة الوعي، التي تتطلب صبراً وحكمة في التعامل مع المعطيات المختلفة، حتى تؤتي أكلها. ولذلك مطلوب من كل من لديه ذرة إيمان ألا يقف موقف المتفرج أو المشكك في جدوى المقاومة، فتاريخنا مليء بالنماذج لعرضها وأخذ العظة والعبرة منها. إن صمود المماليك في مصر أمام جحافل المغول والتصدي لهم، رغم التفاوت الكبير في العدد والعدة، درس في أهمية الثبات والوعي بنفسية وطريقة تفكير العدو. فالعدو الصهيوني ليس بأشرس من المغول، والمقاومة الإسلامية ليست بأضعف همة وإيماناً من همة وإيمان قطز وجنوده، رحمهم الله. التذكير بتلك الوقائع والنماذج، وسط هذا الركام البشع من الأراجيف والإشاعات العربية قبل الغربية عن المقاومة وجدواها، لا شك أنه باعث على الصمود واليقين بنصر من الله قادم. أضف إلى ذلك أنه سبحانه دوماً وأبداً بكل جميل كفيل، فهو بذلك حسبنا ونعم الوكيل.
2277
| 19 أكتوبر 2023
لا أظن مسلماً مؤمناً لم يبتهج لانتصارات كتائب القسام فجر السبت الفائت.. فإن أضعف الإيمان في مثل هذه المواقف من زمن عربي مسلم متهالك ومتخاذل، هو أن يفرح المسلم لأي إنجاز يكسر شوكة وكبرياء وغطرسة ملة الكفر، التي توحدت وتوحشت، وهذا ما تم قبل أيام ولله الحمد. طوفان الأقصى، اسم سيخلده التاريخ العربي المسلم، وسيكون اسماً بارزاً خالداً لواحدة من معارك المسلمين ضد غطرسة بني صهيون، الذين ما تعملقوا وتوحشت قلوبهم إلا بما كسبت أيدينا، أو بما اقترفناه في حقوق البلاد والعباد من مظالم بين بعضنا البعض، إضافة إلى بُعدٍ أو ابتعاد متدرج بدأ بطيئاً حتى تسارع مؤخراً، عن منهج الله والصراط المستقيم. وبالتالي صارت وحشية بني صهيون والهندوس وبعض عباد الوثن والحجر، كأنما عقوبة إلهية أولية لأمة المسلمين على ما فرطت في دينها ومنهجها الإيماني. لقد تابع الجميع وشاهد كيف صار النفاق واضحاً في أمة المسلمين، وإلى أي مدى من الهوان والذلة وصلتها. وبعد أن كانت أحداث فلسطين تحرك الشارع المسلم من جاكرتا حتى طنجة، انحسرت تدريجياً حتى صارت من صنعاء إلى طنجة.. وعلى هذا المنوال طوال خمسة عقود، حتى تدهور الوضع العربي المسلم فصارت أحداث الأقصى لا تحرك سوى جموع قليلة متناثرة هنا وهناك، وهذا ما لاحظناه في أحداث طوفان الأقصى المستمرة حتى يوم الناس هذا، على عكس ما يحدث مع دولة الاحتلال الصهيوني، والدعم اللامنقطع لها من الغرب وبعض الشرق، دولاً ومؤسسات وأفراد ! الهدف ليس فلسطين لن نخوض في تفاصيل الأحداث، فهي ما زالت جارية ويتابعها العالم ليلاً ونهارا، ولا تتوقف سيل الأفلام والصور والأخبار والتحليلات حولها، لكن الذي لا يمكن تجاوزه هو ذاك النفاق الغربي، السياسي منه والإعلامي، الذي كثيراً ما كان يتستر تحت أغطية وواجهات حقوق الإنسان والحريات والديمقراطيات في الترويج لنفسه كراع للتقدم والتحضر، فإذا هو أساس البلاء المستمر على أهلنا في فلسطين عامة، وغزة بشكل خاص. ذلكم جانب أول في الأحداث. أما الجانب الثاني، فقد تأكد للقاصي والداني، كم هي أمة العرب تحديداً تخسر بارتمائها في أحضان الغرب والشرق، والاستمرار في ظلم نفسها بابتعادها عن دينها ومنهج حياتها. فلا الارتماء في أحضان المعسكرات الغربية أفادتها، ولن يكون كذلك التطبيع مع عدو يعترف بعداوته لك، يفيدها. كما أنه لن يكون إظهار التحضر للعالم، عبر الانسلاخ من الدين وقيمه وحضارته، طريقاً للقبول في أنديتهم ومعسكراتهم. أثبتت أحداث طوفان الأقصى أن الهدف ليس الفلسطينيين فحسب، بل المسلمين أو أمة الإسلام ككيان، والذي طالما أزعج الغرب ظهوره قبل ألف وخمسمائة عام، وصموده رغم كل مؤامرات ومكائد الغرب والشرق المشرك على حد سواء، ورغم كل حروب الإبادة وحملات التهجير والشيطنة.. مخلب قط متوحش الصهيونية تثبت للعالم كل حين أنها تركيبة متوحشة، أو مخلب قط متوحش يستخدمه الغرب في إدارة مصالحه بالمنطقة، وتحديداً الولايات المتحدة، من بعد أن أنشأتها ورعتها وحافظت عليها حيناً من الدهر، زعيمة الاستعمار في عهد مضى، بريطانيا، أساس كثير من الأزمات في عالم اليوم. معارك طوفان الأقصى أنعشت الروح الإسلامية، ورفعت بعض الهمة، وأن هذه الأمة رغم كل الدسائس، قادرة على أن تصمد وتستمر وتقاوم ولو بالقليل القليل. ولقد شاهد العالم بذهول كيفية انهيار الصورة الذهنية للجيش الصهيوني في ساعات قليلة أمام ثلة قليلة مؤمنة، بأسلحة خفيفة لا يمكن مقارنتها بما لدى العدو. لكن الفارق هو امتلاك رجال القسام الإيمان، وهو السلاح الأقوى أو السلاح الغائب المغيّب عن مواجهات أمة الإسلام مع الأعداء، وإن تبدلت أشكالهم وصورهم. طوفان الأقصى لحظة تاريخية تحتاج إلى حُسن استثمار، قبل أن يعبث في فكرتها ومضامينها، الذئاب المنتشرة هنا وهناك، بمعية نخب من صهاينة العرب، التي ساءتها بعض الفرحة التي ألقتها معارك السبت الفائت في نفوس المسلمين حول العالم. إذ لم تقف رسائل التشكيك في أهداف عمليات القسام، وزادت من رسائل التثبيط والإرجاف من أجل التأثير بالنفوس المسلمة، وأمست تشعل نيران كراهية جهاد الصهاينة في النفوس، وتأجيجها على رجال القسام عبر اتهامات زائفة مزيفة، ونشر أخبار مضللة كاذبة، لمزيد تأثير على مصداقية حماس ورجالها. إننا اليوم أمام مشاهد كما لو أننا في أيام معركة الخندق الخالدة. يوم أن تجمع الآلاف من المشركين ويهود الجزيرة لضرب الإسلام والمسلمين، بمعية جيش من المنافقين المرجفين. اليوم تتكرر كل تلك المشاهد. حيث التكاتف الصليبي الصهيوني الهندوسي وغيرهم من مشركي العالم. الدور الشعبي المطلوب دورنا كشعوب في هذه اللحظات التاريخية الحرجة، دعم المقاومة بكل ما أوتينا من قدرات ومهارات وقوة. فمن عنده ملكة الخطابة يخطب في الناس، يشرح لهم الوضع بفهم دقيق لما يجري. ومن يملك مهارات الكتابة والتغريد فالأمر بالمثل، والأمر يشمل كل صاحب مهارة في صناعة محتوى إعلامي هادف حول القضية وبكل اللغات الممكنة. كذلك الجانب التقني له أهميته من خلال الحروب الإلكترونية ضد مؤسسات العدو ومسانديه، بالإضافة إلى الخروج في مسيرات سلمية في كل بقعة ممكنة بالعالم، مع أهمية الدعم المالي بصوره المتنوعة. إن تجمع الأحزاب هذا يجعلنا نستذكر ما قاله الصحابة الكرام يوم الخندق كما جاء في القرآن ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليما ). نعم إن هذا التجمع الصليبي الصهيوني المشرك ربما بشارة لفرج قريب بإذن الله، لكن بشرط الثبات، كي يرد الله ( الذين كفروا بغيظهم ) ولا ينالون خيراً مما يحدث، مع أمل في الله كبير، أن يلحق بطوفان الأقصى، ما هو أشد على ملة الكفر، كطوفان نوح - عليه السلام - يمسح الأرض ويزيل عنها أهل الشر والفتن. نعم إن أهل غزة في ابتلاء شديد، وهم دون شك تزلزلوا زلزالاً شديداً كما الصحابة يوم الأحزاب. لكن الأشد من الزلزال الصهيوني العسكري المتوحش، فتن المنافقين والمرجفين من حولهم وهم كُثُر، بل يتكاثرون كل ساعة، خاصة في أوقات الشدة، سواء في غزة ذاتها أو خارجها في فلسطين وما جاورها من جغرافيات. خلاصة ما يمكن القول في هذا السياق، أننا نحسب غالبية أهل غزة ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) خرجوا لإحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة. فلا أقل إذن، وهذا حال مجاهدي غزة، أن نتكاتف معهم بالدعاء، ودحض إرجافات وتثبيطات المنافقين، وبيان الحقائق للعالم وكشفها، سياسياً وإعلامياً، فالتحدي الراهن أو المعركة الحالية ليست عسكرية فحسب، بل توسعت لتكون سياسية إعلامية شعبية وبشكل غير مسبوق. فلنكن إذن على قدر التحدي. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1374
| 12 أكتوبر 2023
الإنسان منا ما إن يبدأ يتنفس أكسجين الهواء لحظة ولادته حتى لحظة وفاته، وهو يعيش خطوات ومراحل من المشقة والتعب، بسبب طبيعة الحياة الدنيا، التي قد يدرك أحدنا مغزى وجوده فيها، وربما آخر لا يدركه. الأول بإدراكه المغزى، استثمر حياته كما ينبغي، فيما الآخر لا إدراك ولا استثمار، فيخرج من عاجلته إلى آخرته بالقليل من متطلبات السعادة الأخروية، ليعيش حيناً آخر من التعب والنصب والمشقة، لا يعلم مداها إلا الله. إن ما بين قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وقوله ( يا ليتني قدمت لحياتي ) حياة قد تكون قصيرة أو طويلة، لكنها مليئة بمفاهيم وحقائق كثيرة، والغرابة أن يظل الإنسان يبتعد عن محاولات فهم تلك الحقائق واستيعابها، ربما بشكل يثير كثير تساؤلات، كما لو أنه يتعمد عدم الفهم. التهافت والتقاتل والصراع على الدنيا، والحاصل الآن في كل بقاع العالم، بل منذ أن خلق الله آدم - عليه السلام - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مثال واضح على عدم رغبة هذا الإنسان فهم حقائق الدنيا العاجلة. لكن على رغم إدراكه أن صراعه مع الآخرين إنما هو على توافه وهوامش - مقارنة بما في الآخرة – إلا أنه مستمر فيه بجد واجتهاد عجيبين. إنه أمر يدعو لكثيرمن الدهشة والاستغراب. فكيف يحرص أحدنا على شيء زائل لا محالة، وإن امتلكه طويلا وليت الأمر يقف عند الزوال، لقلنا إن الأمر ربما يستحق ذلكم الجد والاجتهاد. لكن مع ذلك الزوال الحتمي لكل متعلقات هذه الدنيا، هناك محاسبة أخروية دقيقة على الزوائل تلك، لاسيما إن كانت ستورث حسرة وندما. يا ليتني قدمتُ لحياتي الآية الكريمة من سورة الفجر، يخبرنا الله تعالى - كما جاء في تفسير الطبري - عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصالحات من الأعمال في دنياه، التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له في آخرته. يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي الحقيقية هذه، التي لا موت بعدها. هكذا لسان الحال والمقال يوم القيامة. وصول الإنسان إلى لحظة الحسرة والتمني على ما فات وضاع بالدنيا، أمر حتمي لا ريب فيه. كلنا سيدرك تلكم اللحظة، بغض النظر عن صلاح أي منا أو فساده. فالإنسان يومئذ - كما جاء في تفسير ابن كثير - يندم على ما كان سلف منه من المعاصي، إن كان عاصياً. ويود لو كان ازداد من الطاعات، إن كان طائعاً. وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - قال: لو أن عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يردّ إلى الدنيا كي يزداد من الأجر والثواب. الصالح يندم على أنه لم يبذل جهداً أكبر وصرف وقتاً أطول في عبادة الله، والإكثار من الخير. فيما الفاجر والفاسق والكافر ومن على شاكلتهم، يندم أحدهم على إضاعة الأوقات والجهود والأموال على ما لا فائدة تُرجى منه في مثل هذا اليوم. يندم ويعض على يديه أنه لم يمهد ما ينفعه اليوم، حيث حساب ولا عمل. يومئذ يتذكر الإنسان سيتذكر الإنسان بالقيامة مشاهد عديدة من حياته الدنيا الفانية. سيتذكر ساعات طوال عاشها في غفلة عن حكم الابتلاءات المتعددة التي مرت به، سواء في ابتلاءات المنع أم العطاء - كما يقول سيد قطب في ظلاله عن هذا الإنسان « الذي أكل التراث أكلاً لمّاً، وأحب المال حباً جما، والذي لم يُكرم اليتيم ولم يحضُّ على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى. يومئذ يتذكر.. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن فات الأوان ( وأنّى له الذكرى ). لقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً. وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا «. مسألة تدعونا إلى ضرورة إدارة حياتنا بحكمة، واستثمارها بأفضل ما يمكن، كي لا يتكرر الكَبَد والعناء مرة أخرى في حياة أخرى حقيقية قادمة لا ريب فيها. فمن ذا الذي يرضى العيش في عناء ومكابدة مرتين متتاليتين من بعد أن أدرك وضوح الأمور والأشياء؟ من ذا الذي يريد تكرار قسوة وعناء الحياة الدنيا، ليجدها تارة أخرى في حياته الأخروية؟ لا أشك حكيماً، بل من به بعض عقل، يرضى لنفسه الشقاء مرتين. شقاء العاجلة وشقاء الآخرة، وإن كان الشقاء الآخر، أشد وأنكى. خلاصة الحديث أن « الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد الموتِ، والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على الله الأمانيّ «. هكذا وصية نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، واضحة جلية. فالكيّس الفطن هو من يغتنم الفرص الدنيوية الكثيرة لتنمية ودائعه في بنوك الآخرة. ومن فاته ما فات من عمره الذي مضى، فلا زال هناك بعض وقت، لأن العبرة بالخواتيم. فاللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك وخير أعمالنا خواتيمها.
1332
| 05 أكتوبر 2023
حين نتحدث عن الظلم وأسماء الظالمين قديماً وحديثاً، فإنك تسمع عن فرعون، جنكيز خان، هتلر، موسوليني، ستالين، أو حتى أسماء من تاريخنا القديم والحديث، رغم أن ديننا من أشد الأديان توجيهاً وتحذيراً من الظلم، ومع ذلك اشتهر في تاريخنا شخص مثل الحجاج بن يوسف الثقفي بالظلم وليس أي ظلم، بل كان مثالاً للطغيان والاستبداد، على رغم أنه كان في الوقت ذاته سبباً في نشر الإسلام عبر فتوحات بني أمية، وصلت للهند والصين ! رغم بعض مآثر الحجاج، إلا أنه في حكمه وإدارته، كان ظالماً جباراً ومستبداً، لم يتورع عن ظلم الناس، بل وأن يتجرأ بالتعرض للصالحين من العلماء والأئمة والتابعين أمثال عبدالله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما، إلى أن أصابه مرض ضيّقت عليه الأرض بما رحبت، وصار حينها يتمنى الموت على أن يعيش آلامه البدنية قبل النفسية، حتى شكا حاله ومعاناته للحسن البصري. فقال له الحسن: قد كنتُ نهيتُك ألا تتعرّض إلى الصالحين فلججت. فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي، لكن تسأله أن يُعجّل قبض روحي ولا يطيل عذابي ! وقد كان الحسن البصري يدعو عليه بالموت كي تموت سنَّته. فلما مات الحجاج، فرح وسجد شكراً لله، باعتبار أن الظالم حين يموت فهو مُستراح منه، كما في البخاري، أنه مرّت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة فقال: مُستريحٌ ومُستراح منه. قالوا يا رسول الله: مَن المستريح ومَن المُستراحُ منه؟ قال: المستريح هو العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والمُستراح منه العبد الفاجر، يستريح منه العباد والدواب والشجر. الظالم القبيح فرعون موسى من أقبح النماذج الظالمة في تاريخ البشرية. فهو إلى جانب الظلم، كان جباراً عنيداً فاسداً. فقد ظلم نفسه قبل غيره حين ادعى الربوبية، إذ لم يقم أحد من قبله بهذا الفعل الظالم غير الواعي. ثم استمر في ارتكاب المظالم واحداً بعد آخر. من ذلك، تعذيب الناس في مملكته، لا سيما بني إسرائيل، الذي قام بتسخير رجالهم للعمل في أدنى وأحقر الأعمال، وإرهاقهم وتعذيبهم وامتهان كرامتهم. ومن ذلك أيضاً، أمره بقتل أطفال بني إسرائيل الذكور، ليسحق بذلك سعادة الأهالي بأي وليد ذكر. ومن أفعاله الظالمة، استحياء الإسرائيليات عبر تسخيرهن لخدمته في قصوره وقصور آله ومن يدور في فلكه. ثم يزداد في الظلم بتفريق بني إسرائيل إلى جماعات وشيع وفرق، وبذر الشقاق والخلاف والعداوات بينهم، تجسيداً لمبدأ فرّق تسد. طالت وتمددت قائمة الظلم عند فرعون، لتشمل تهديد أي أحد يستمع لموسى وأخيه هارون، ومنع مجرد التفكير في عقيدة أو دين غير الذي يراه هو فقط. فازدحمت تبعاً لذلك سجونه بآلاف المعتقلين الأبرياء، من المعارضين لفكره وغطرسته وظلمه، خاصة بعد انتشار دعوة موسى – عليه السلام – شيئاً فشيئا، حتى قام يهدد موسى نفسه (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ). هكذا فرعون، لا يريد أن يخرج أحد عن رأيه ورؤيته. واستمر يعيث في الأرض فساداً وظلماً كبيراً لم يسلم منه حتى أهله وأقاربه. هذه زوجته المؤمنة آسية بنت مزاحم تتألم من ظلم فرعون حتى (قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) ومثلها مؤمن آل فرعون وكان يكتم إيمانه خشية ظلم فرعون، وأمثالهما ربما كثير كثير.. لم يسلم منه كذلك كبار السحرة الذين كانوا من كبار موظفي القصر ومن المقربين، الذين أباح لهم فعل ما يشاؤون من السحر في سبيل تسخير الناس له. لكن حين انقلب السحر على الساحر، ورأى انقلاب السحرة على فكره ورؤيته، لم يتردد في تغيير معايير دعاياته الإعلامية، فقد خشي تأثر الناس بالسحرة وهم يشهدون لموسى بالرسالة، وبالله رباً لا شريك له، فقام بتغيير الدساتير والقوانين والمعايير بجرة قلم، فعاقبهم أشد أنواع العقوبة. تغيير بيئة الظلم نخلص مما سبق أن مهمة النبي الكريم موسى - عليه السلام - كما أسلفنا في المقالين السابقين عن أنبياء الله الكرام شعيب ولوط - عليهما السلام - بأنه ما أتى رسول من الرسل إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. فقد كانت مهمة أي رسول تدور حول معالجة مرض ما بالمجتمع وإزالة مسبباته، اتقاءً لعواقبه غير الحميدة وغير المرغوبة، لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم. كانت مهمة موسى - عليه السلام - إلى فرعون وقومه، معالجة اضطراب فكري وخلل عقائدي غير مسبوق ساد في المجتمع الفرعوني، حيث تأثر كثيرون به، رغبة أم رهبة، من بعد أن سلّط وسائله الإعلامية والسياسية وغيرها في تغيير قناعات وثقافة المجتمع، وتوجيههم نحو فكر معين أو عقيدة بذاتها تدور أساساً حول مسألة الربوبية، بعد أن هاله مشهد النيل بتفرعاته واعتقاده أن قدرته على منح أو منع أي جهة من جهات البلاد الأربع من مياه النيل، دليل على قدرته وبالتالي ابتع الشيطان الذي زين له فكرة الإعلان عن ربوبيته، في سابقة غير معهودة في تاريخ البشر. ذلكم الفكر الفرعوني الذي ساد المجتمع يومها، كان يحتاج إلى إصلاحيين أقوياء صالحين من أجل تغييره. يملكون البيان والحجة والجرأة في تغيير القناعات والثقافات السائدة حينذاك. فكانت مهمة موسى وهارون - عليهما السلام – البدء بالطبقة الشعبية الكبيرة، وصولاً إلى رأس الهرم أو قمة ذلك الفكر الفاسد، فرعون وهامان وقارون وبقية الملأ من حولهم. الظلم أسرع المعاصي عقاباً السبب الرئيسي لفساد وظلم فرعون، ليس لأنه كان على رأس الهرم الرئاسي، بل لأن البيئة يومئذ فاسدة وظالمة من قبل أن يأتي فرعون، فالنتيجة الطبيعية لانتشار ذلك الظلم بين الناس بعضهم بعضا، هي وصول ظالم وفاسد إلى سدة الحكم، يقود الناس بنفس الكيفية التي يتعاملون بين بعضهم البعض، وليس من تفسير لذلك سوى أنها عقوبة ابتدائية إلهية متدرجة وتحذيرية أيضاً، قبل أن يرسل إليهم رسولاً يخرجهم مما هم فيه، وبناء مجتمع جديد يوحّد الله ولا يشرك به أحداً. كانت قصة موسى مع فرعون - عليهما السلام - مثالاً لكيفية التعامل مع الظلم والظالمين، في مشاهد عديدة متنوعة حتى هلاكه، ومشاهد أخرى عديدة مصاحبة مع بني إسرائيل، ومعاناة موسى وهارون معهم في تغيير قناعات وفكر كثيرين، استمرت أربعين عاماً. وقد أشار القرآن لتلك المشاهد موجزاً حيناً، ومفصلاً في أحيان أخرى كثيرة، وكانت النتيجة النهائية التي يمكن تلخيصها من كل تلك المشاهد، أن من يظلم لا بد أن يُظلم، والظالم إن لم يجد من يقلّم أظافره استبد وتوحّش، وأن من أعان ظالماً، سُلّط عليه. خلاصة القول أو العبرة والعظة من هذه القصص القرآنية حول الظلم والظالمين، أن الله يُمهل ولا يُهمل، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته، كما في الحديث الصحيح (إن الله ليُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ) أي لن يتركه الله حتى يستوفي عقابه.. أعاذنا الله وإياكم أن نضل أو نُضل، أو نظلم أو نُظلم.
1776
| 28 سبتمبر 2023
في مقال سابق ذكرنا بأنه ما أتى رسول من الرسل إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. فقد كانت مهمة أي رسول تدور حول معالجة المرض، باعتبار عواقبه غير الحميدة، وغير المرغوبة لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم. فكانت مهمة أحد الأنبياء الكرام وهو لوط - عليه السلام - معالجة قضايا لا أخلاقية انتشرت وتعمقت في قرى سدوم وعمورية وقرى أخرى قريبة منهما، فكانت مهمته الأساسية كبقية الأنبياء والرسل الكرام، نشر وعي مجتمعي يُخرج شعوب تلك القرى أو البلدان، من رداءة في الأخلاق والمعاملة اشتهروا بها، مع انتكاسة غير مسبوقة للفطرة السوية في عالم البشر. اشتهرت سدوم وعمورية وما جاورهما من قرى من بين الأمم السابقة، بفساد غير مسبوق تمثل كما هو معلوم للجميع، في فاحشة الشذوذ وبشكل علني واضح فاضح، دون أي وازع من ضمير أو أخلاق، إضافة إلى فسادهم في تعاملات متعلقة بالقوافل التجارية العابرة لبلدانهم، ونهبها وإجبار العابرين على دخول أجوائهم الفاسدة!. كانت مهمة لوط - عليه السلام - بيان فساد ما هم عليه وخطورة سلوكياتهم الشاذة، ومحاولة إعادتهم إلى جادة الحق والصواب والصراط المستقيم. فهل استمعوا له؟ بالطبع لا، شأنه شأن بقية الأنبياء والمرسلين الكرام. فقد وقع تصادم بينه وبينهم منذ البداية، ثم جولات من النقاشات غير فاعلة، حتى وجدوا كخلاصة لتلك الجولات النقاشية، أن لوطاً عليه السلام، صار حجر عثرة أمام استمرار أسلوب حياتهم بالطريقة المتدنية التي كانوا عليها. منظومة الانحلال ذلكم الانحلال الذي انتشر في تلك المجتمعات، فإنما لأن منظومة متكاملة كانت تقوم عليه وترعاه، من رموز مجتمعية داعمة، ومنظمات ومؤسسات مالية، وأخرى إعلامية وغيرها من أطراف لها المصلحة بصورة وأخرى في شيوع ذلكم الانحلال الأخلاقي. كانت منظومة الانحلال ترى في لوط أنه عقبة أو حجر عثرة أمامها، وليس من بد سوى التخلص منه بصورة وأخرى، حتى ارتفعت أصوات عديدة من تلك المنظومة، جهاراً نهاراً تطالب المجتمع التخلص منه وأهل بيته، رافعين شعاراً يتكرر في كل زمان ومكان أمام أي داعية مصلح يريد الخير لمجتمعه (إنهم أناسٌ يتطهرون). بمعنى آخر: إنهم أناس رجعيون. عقولهم مغلقة لا تستوعب التطور والحداثة التي عليها الناس، وما يقوم به لوط هو تدخل سافر في حريات الناس، الذين لهم الحق في عمل ما يشاؤون في أجسادهم، والاستمتاع بها بالطريقة التي يرغبون فيها، فما شأن لوط بكل هذا؟! إن أراد لوط ومن معه عدم اتباع أسلوب حياتهم، فلهم ذلك، لكن لا يتدخل في شؤون الآخرين. ثم من يكون لوط حتى يعترض على طريقة عيشنا وأسلوب حياتنا؟ هكذا كان لسان حالهم ومقالهم مع دعوات لوط وحواراته معهم. وأمام تلك الدعوات الإعلامية المعادية، تمنى لوط - عليه السلام - أن لو كانت معه قوة مادية بشرية يركن إليها من أجل تطهير المجتمع من تلك الأمراض الأخلاقية المنتشرة فيه. معركة مع الإصلاح إذن تم رفع شعار (أخرجوهم من قريتكم إنهم أُناسٌ يتطهَّرون)، تمهيداً لمعركة أو حرب قادمة حاسمة. إنهم أصحاب فكر مختلف، بل إنهم عوامل مؤثرة على تقدم واستمرار ما عليه مجتمعنا وزماننا من أسلوب وطريقة حياة. هكذا كان لسان حال تلك المنظومات تعبر عن الواقع، وهكذا تدريجياً تبلغ الجرأة بعد حين من الوقت عند تلك المنظومات أو الباطل بشكل عام، ليعتبر المكان مكانه، والقرية قريته، والزمان زمانه. ومن يختلف معه في النهج والفكر والرؤية، يكون مصيره الطرد والنفي من قريته أو قمعه واعتقاله، وفي أوقات أخرى، تصفيته. منظومات الباطل على اختلاف صورها ومناهجها، قد تختلف مع بعضها البعض في آليات ووسائل التنفيذ، لكنها تتفق جميعاً بصورة راسخة على ضرورة محاربة أي فكر إصلاحي في المجتمع، أو أي جهود إصلاحية يمكن أن تتسبب في تعطيلها أو تغيير مسارها وإلحاق خسائر بها وبمصالحها المتنوعة. شراسة الباطل الباطل حين تنتفخ أوداجه في معاركه مع الحق، يتوحش في تعامله ومعاركه مع أهل الحق ورموزه. لكن ذلك لا يجب أن يبعث على الإحباط واليأس، لأن نهاية معارك الحق مع الباطل محسومة بوعد إلهي حازم واضح (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). الباطل ذاهب لا يستمر»وقد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق - كما جاء في تفسير السعدي للآية - لكن عند مجيء الحق، يضمحل الباطل ولا يبقى له حراك. ولهذا لا يروج الباطل إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته». انتهت محاولات لوط - عليه السلام - مع تلك القرى الفاسدة المفسدة، والمنتكسة فطرتها، الرافضة لكل أشكال الإصلاح والتقويم، بنتيجة طبيعية تمثلت في استمرار الباطل على عناده وغيه وفساده، تماماً كما سبقتهم في ذلك الأقوام البائدة، حتى كانت نهاية هؤلاء أيضاً، ومن بعد محاولات عديدة لإصلاحهم وتوعيتهم وإعادتهم إلى الصراط السوي المستقيم، أن جعل الله عاليهم سافلهم، وأمطر عليهم حجارة ملتهبة من السماء، أحرقتهم وأبادتهم جميعاً (كأن لم يغْـنوا فيها). وهكذا عاقبة أي منظومة فاسدة مفسدة تتصادم مع الحق وأهله. لكن الأمر عند البشر، رغم ذلك يتكرر، ولا تجد من يرتدع ويتعظ! فإن كانت قرى الفساد في زمن لوط سبعة، كما يقول المؤرخون، فقد ظهرت مئات بل آلاف منها اليوم، في مشهد يتكرر وبصورة ربما أسوأ وأعمق مما كان بالأمس، في إشارة إلى أن المعارك بين الحق والباطل مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
1008
| 21 سبتمبر 2023
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
4458
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
726
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
681
| 20 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
627
| 21 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
618
| 18 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
564
| 22 يناير 2026
إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...
510
| 18 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...
489
| 20 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
450
| 22 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
444
| 21 يناير 2026
أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...
441
| 19 يناير 2026
عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...
432
| 19 يناير 2026
مساحة إعلانية