رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس غريباً أن يتحدث القرآن عن اليهود مطولاً في سورة البقرة، التي نزلت معظم آياتها بالمدينة المنورة، والحديث عنهم بتفاصيل وحوادث ووقائع وقصص بعد عشر سنوات من بدء نزول القرآن، وكشف طبائعهم وأساليب تعاملهم مع أنبيائهم بل مع الله تعالى، إنما لسبب وجيه هو محور حديثنا اليوم. المسلمون لم يكن يهمهم وهم مستضعفون في مكة، سوى كيفية الثبات على دينهم الجديد، ولذلك تلاحظ أن معظم الآيات المكية كانت تصب في هذه الناحية. تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان بالله والصبر على الأذى، مع ما لذلك من جزاء طيب بالآخرة. هكذا كان وضعهم طيلة عقد من الزمان. حتى إذا ما هاجر جُلّهم إلى المدينة هرباً من بطش وقسوة ووحشية النظام الحاكم في مكة، بعد أن تركوا خلفهم كل ما يملكون، وصاروا بعد ذلك في حكم ما نسميهم اليوم بطالبي اللجوء السياسي، وما استدعى ذلك إلى مشاركة شعب آخر في معاشه وحياته ونظامه، بدأت الآيات المدنية تتنزل وفيها تفاصيل كثيرة تنظم شؤون حياتهم، كان المهاجرون بحاجة ماسة إليها أكثر من الأنصار الكرام. أهم ما نريد تأملها ونحن في شهر التأمل والتدبر، هي تلك التفاصيل التي تحدث عنها القرآن في سورة البقرة والمتعلقة بالبيئة الجديدة للمهاجرين، وتعريفهم بشعب تلك البيئة، حيث التنوع البشري والعقدي والفكري الذي كان قائماً آنذاك بالمدينة المنورة، وكيفية التعامل معها، والدولة المسلمة تسير خطواتها الأولى، ولم يشتد عودها بعد. بيئة المسلمين الجديدة لاحظ معي أن سورة البقرة منذ بدايتها وهي تتحدث عن ثلاثة مكونات أساسية في بيئة المدينة المنورة. المؤمنون، وهم الفئة الأولى التي لم يتحدث القرآن عنها إلا قليلا، ثم يتوسع في الحديث عن فئة جديدة ظهرت بالمدينة مع استقرار المقام للمهاجرين أو اللاجئين السياسيين، وهي فئة المنافقين التي لم تستدع الظروف المكية أن تظهر، حيث لم تكن للإسلام دولة تستدعي منافقتها، لكن اختلف الوضع بالمدينة فظهرت فئة المنافقين التي أعلنت إسلامها في العلن، وأخفت ما في قلبها من بغض وكراهية شديدة للمسلمين. ثم أفاض القرآن كثيراً في الحديث عن الفئة الخطرة آنذاك، بل ستكون هي الفئة الأخطر للمكون المسلم في كل زمان ومكان، وبالتالي استدعى الأمر بيان الكثير من التفاصيل لذلك الجيل وبقية الأجيال المسلمة القادمة إلى آخر الدهر. بنو قريظة والنضير وقينقاع وخيبر، قبائل يهودية استوطنت المدينة، وتفوقت على العرب الأميين في علوم كانوا يتفاخرون بها على العرب، منها علمهم بخبر نبي آخر الزمان، وقد كانوا يأملون، أو بعضهم كان يتوقع أن يكون هذا النبي منهم، حتى إذا كان عربياً قرشياً من بني هاشم، أعلنت تلك القبائل عن وجهها القبيح سريعاً وبدأت بالعداوة، الظاهرة منها والباطنة، وكفرت بما أنزل الله على نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - فكانوا أول كافر به، رغم علمهم بمجيئه. القرآن يكشف حقيقة اليهود بدأت سورة البقرة في ذكر قصص بني إسرائيل، وكأنما تخاطب يهود المدينة وتذكرهم بما كان عليه أسلافهم مع نبي الله موسى وغيره من الأنبياء، وتذكرهم بقصصهم المتنوعة في الخباثة والتحايل والخداع، واستمرارهم في نقض العهود والمواثيق مرة بعد أخرى، رغم كثرة الابتلاءات والمصائب التي حلت بهم بما كسبت أيديهم، فما كانوا يقومون من عثرة حتى يقعوا في حفرة، وهكذا لم تكن تنفعهم كل تلك الكوارث وتكون رادعاً وسبباً في تغيير طبائعهم جيلاً بعد جيل. العداء الذي أظهره اليهود للجماعة المسلمة منذ تلك الأيام حتى يوم الناس هذا، يختلف عن عداوات كل الأمم الأخرى للإسلام والمسلمين. حيث تجد الحقد والحسد والكراهية متأصلة ومتجذرة فيهم، بل يبدو أنه تم توارثها جيلاً بعد جيل حتى اليوم. فما يجري في غزة مثلاً، لا يختلف عما حاكه يهود بني النضير ضد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أو خيانة بني قريظة للمسلمين ومن قبلهم قينقاع حتى خيبر. يهود الأمس هم يهود اليوم وقد ظهروا في صورة عصرية وقد ازدادوا بعداً عن شريعة موسى، بل كل شرائع السماء، كما كان أسلافهم بالمدينة أو قبل ذلك بقرون عدة، فصاروا صهاينة، لا لهم في الأديان ولا الأخلاق ولا القيم، بل ازدادت عداوتهم ووحشيتهم وإجرامهم ضد الجماعة المسلمة في غزة، وفي خططهم النيل من كل مسلم أينما كان، إن استطاعوا. لذلك تجد أن كثرة الحديث عن بني إسرائيل في القرآن، ما هو إلا لتتنبه الجماعة المسلمة في كل عصر إلى خطورة هذه الفئة الحقودة من البشر مهما تغيرت صورهم وأفكارهم، فهم مع هذه الأمة من سيئ إلى أسوأ. وإن من الحماقة والسذاجة أن يأمنهم أحد من هذه الأمة، فإن كان نبيهم العظيم موسى عليه السلام لم يسلم منهم ومن خبثهم وطبيعتهم غير السوية، فهل مع غيره أفضل حالاً؟. بنو النضير من جديد ما يجري في غزة هو طبق الأصل مما خطط له زعماء بني النضير ومن بعدهم بني قريظة ضد الجماعة المسلمة في المدينة. إنهم على الدرب نفسه والفكر ذاته. هدفهم استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. إنهم اليوم مستمرون في مشروع الإبادة الجماعية ضد غزة، التي تعتبر أوضح وأشرس مقاومة سنية ضد مشاريعهم، وذلك بمسح عمرانها والتخطيط لإعادة احتلالها بمعية أمريكية غربية وبعض منافقي العرب. إنهم يقتلون ويأسرون وينهبون باسم التوراة المحرفة. لا فرق عندهم بين الأطفال والنساء وكبار السن. الكل سواء في الذبح والتصفية. ولذلك يمكن القول بأن هذا الاحتلال المجرم، هو إعادة لسيناريو قصص بني النضير وقريظة مع المسلمين من جديد. أمثال هؤلاء، وطبيعتهم قد كشفها الله للأمة منذ بداية قيامها، لا يجب أن يتم التعامل معهم بلين أو سياسة، وإضاعة الوقت في مفاوضات عبثية لاهثة ومستنزفة للجهود والأوقات، في رحلات مكوكية بين عواصم عربية وغربية، فيما جيشهم الجبان المدعوم أمريكيا وغربياً، يدمر الأحياء بمن فيها من بشر وشجر، ومن ثم يقوم برصف الطرقات المؤدية للمخطط الأمريكي الخبيث المتمثل في بناء ميناء في غزة تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وهي في الحقيقة ليست سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتهجير من بقي حياً في غزة نحو الخارج، تمهيداً لاحتلال الجزء المقابل للميناء، أو شمال القطاع الذي سيكون ضمن مشروع أكبر هو الاستيلاء على منابع غاز غزة، التي سالت لها لعاب شركات دولية عديدة. لقد ظهرت تقارير كثيرة تفيد بأن دولة الاحتلال المجرمة كانت تخطط لوضع يدها على خيرات المسلمين تلك، فانكشفت أمور كانت خافية مستترة بسبب طوفان الأقصى، الذي فضح كل تلك المخططات وكشف عن وجوه المجرمين الدوليين، من أعراب وأعاجم، ورومان وهندوس وغيرهم من المتعاونين مع يهود بني قريظة والنضير، نتنياهو وبن غفير وغيرهم، الذين لم يظهر لهم من يعاملهم المعاملة المستحقة، كما لقي سلفهم بالأمس، حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما، وهي المعاملة المفقودة اليوم للأسف. إن إيماننا ويقيننا بالله، رغم كل هذه الصور القاتمة الحالية، أنه سبحانه لن يضيع أجر المجاهدين، وأن المكر السيئ، كما قرر سبحانه، لا يحيق إلا بأهله، وما أكثر الماكرين واللئام حولنا! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
1713
| 14 مارس 2024
أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – ظهرت لتعيش وتستمر، ولا تموت إلا حين لن تكون لمن على الأرض يومها قيمة واعتبار لأن تبقى الحياة مستمرة لهم، وعليهم ستقوم القيامة حينها. لكن الحقيقة المهمة الواجب تذكرها دوماً، أن هذه الأمة لن تموت، مهما أصابتها من مصائب وكوارث ونوازل، وشواهد التاريخ أكثر مما يمكن حصرها ها هنا في هذه المساحة المحدودة. الأمة كانت تحت قيادة واحدة منذ قيام دولة الإسلام بالمدينة المنورة وقائدها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام حتى سقوط دولة بني أمية العظيمة عام 132 للهجرة. إذ بعد ذلك وعلى رغم قيام دولة بني العباس، أكبر الإمبراطوريات التي كانت في تلك الفترة، ظهرت بجانبها دول وممالك إسلامية لها شخصيتها الاعتبارية، وكانت تدير شؤونها بنفسها، وإن كانت اسمياً توالي الخليفة العباسي، حفاظاً على الرابطة التي تربط الأمة ببعضها البعض، رغم خلافات ونزاعات بين تلك الممالك بعضها البعض، وأحياناً مع الخليفة نفسه، لكن الرابط كان باقياً، وكان ذلك ربما كلمة السر في بقاء هذه الأمة وصمودها أمام النوازل المتنوعة على مدار تاريخها القديم. الحروب الصليبية المتتالية، ثم وباء المغول، وصولاً إلى الاستعمار الغربي.. كل تلك الأوبئة أصابت الأمة وشتت كلمتها ومزقت شملها وفرقت بين أبنائها، لكنها لم تقض عليها بشكل تام ولم تندثر بفضل الله. نعم، أصابت الأمة الكثير الكثير من تلك الأوبئة البشرية، لكنها صمدت بالنهاية حتى يوم الناس هذا، والتي لم يكتف أعداؤها من الاستمرار في الكيد لها، على رغم كل ضعفها وهوانها بين الأمم الحاضرة. تفكيك الأمة لن نرجع إلى التاريخ القديم لنضرب أمثلة، لكن يكفينا الرجوع فقط إلى قرن من الزمان ليس أكثر، لنجد كيف مزق الاستعمار الغربي الذي هو امتداد للحروب الصليبية التي لم تقف ولم تنته كما قال اللنبي يوم أن دخل القدس ووقف على قبر صلاح الدين قائلاً» اليوم انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين ! لكن الواقع أنها لم تنته، فالاستعمار أو الاستدمار الغربي قطّع أوصال هذه الأمة، وضرب أمة العرب تحديداً، باعتبارها القاطرة التي تقود الأمة، فالإسلام قوي بقوة العرب، ويضعف بضعفهم. ولعل هذا هو سبب إصرار الاستعمار الغربي على تقطيع أمة العرب إلى ممالك ودويلات متناحرة مختلفة، لتسهل عليه السيطرة بعد ذلك، وهو ما يحدث الآن تماماً. لم يكتف الاستدمار الغربي بذلك، بل قطع ما بين أمة العرب وأمم المسلمين من علاقات وأواصر. مسلمو الترك في جهة، والفرس في جهة أخرى، ومثلهما مسلمو السند والهند والصين وبقية مسلمي العالم. لا شيء يجمع بين مسلمي العالم اليوم سوى بعض شرائع دينية، لكن مع ذلك، تفرقهم واختلافهم أسهل ما يمكن حدوثه، فإن الجغرافيا والقومية لعبت دوراً في تأخير مكانة وقيمة الدين في سلم أولويات كل شعب مسلم أينما كان ! المسلم في موقع جغرافي ما قد يرى مشاكل ومآسي ومصائب مسلمي دولة ما في بقعة بعيدة ويستشعر بها، لكن تفاعله معها غالباً في حدود معينة، إذ تقف القومية، والحدود المصطنعة، والاعتبارات السياسية وغيرها، حواجز لا يمكن عبورها بالسهولة المتصورة. دروس الأفغان والبوسنة ما جرى لمسلمي بلاد الأفغان من كوارث ومجازر وفواجع لعشر سنوات منذ عام 80 على يد أكبر امبراطورية ملحدة في التاريخ يومذاك، الاتحاد السوفيتي، حتى انسحابها مهزومة مدحورة أواخر 89، ومن ثم تعرضها لاحتلال أمريكي غربي غاشم مجرم مرة أخرى في 2001 والكوارث التي حلت بمسلمي أفغانستان على يد الأمريكان حتى خروجهم مدحورين مهزومين في قائظ 2021، أمر يدعو للتأمل. إن شعباً مسلماً فقيراً قاوم وصمد أمام أعتى قوتين ظهرتا في التاريخ، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وقدم مئات الألوف من الشهداء، إنما دليل على حقيقة ما نقول، هي أن هذه الأمة لن تموت، مهما بلغت قوة ووحشية معسكرات الكفر والضلال ضدها. خرجت أفغانستان من تلك المحن، أقوى وأصلب وأثبت على عقيدتها ودينها مما كانت قبل ذلك، وها هي اليوم تخطو خطواتها الجادة في التنمية والبناء، لتؤكد إلى جانب الحقيقة الأولى التي ذكرناها آنفاً، أن ما يؤخذ بالقوة لا يمكن أن يُسترد إلا بالقوة. فالعدو المتسلح بالحديد والنار، لا ولن يفهم لغة الدبلوماسية والسياسة واللين، وإن زعم وادّعى ذلك في دعاياته، فالوقائع تثبت العكس من ذلك. وهذا ما فهمه الأفغان منذ البداية، فكان لهم ما أرادوا بفضل من الله وتوفيق وسداد. وهو درس يحتاج لكثير تأمل وتدبّر. ما جرى أيضاً من كوارث ومآسٍ ضد مسلمي البوسنة والهرسك بداية التسعينات على أيد الصرب الأرثوذكس، لتقشعر منه الأبدان، على رغم حداثة معرفتهم بالإسلام بعد عقود من حكم شيوعي ملحد. فما إن حدثت تطورات في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 92 وخروج دول أوروبا الشرقية عن الفلك السوفيتي، كان للمسلمين ذلك التطلع والحق أيضاً، لكن الغرب الصليبي لم يقبل ظهور دولة مسلمة في عمق أوروبا، ووقع ما وقع من مذابح ومآس لا زالت في أذهان من هم في سن الخمسين اليوم. لكن مع ذلك كله، شاء الله أن تقوم دولة البوسنة والهرسك بفضل الله ثم صمود أهلها ومقاومتهم بكل ما أوتوا من قوة، ثم يشاء الله بعد ذلك أن يختلف الضالون بين بعضهم البعض، لتقوم الولايات المتحدة بدور حاسم في وقف الإجرام الصربي المدعوم روسيا حينذاك، لتقوم للمسلمين قائمة في عمق أوروبا المسيحية، ولم تنطفئ تلك الجذوة المؤمنة رغم سنوات القمع الشيوعي، ولم يستطع الضالون تصفية مسلمي هذه البلاد. هذا درس ثان يحتاج لكثير تأمل وتدبر أيضاً. فلسطين لن تضيع من بلاد الأفغان والبوسنة والهرسك، ننتقل إلى المنطقة الملتهبة حالياً، والتي لا زالت محاولات المغضوب عليهم منذ عام 48 في فلسطين ضد مسلمي هذه الديار مستمرة لتصفية ومحو الإسلام والمسلمين، ولا زالت قوى الغرب وبعض الشرق مستمرة في دعم الإجرام الصهيوني وبكل وحشية. إن استرداد الحقوق لا يمكن تحقيقه بالمفاوضات العبثية، والمؤتمرات الدولية الفارغة، والوعود الكاذبة، وإن بضمانات دولية، وما طوفان الأقصى المبارك، إلا نتيجة هضم جيد للمقاومة الفلسطينية في غزة لتلك التجارب السابقة في بلاد الأفغان والبوسنة مع الأعداء، ومن قبلهم دروس متنوعة من تاريخ هذه الأمة. المعسكر الكافر لا يفهم إلا لغة القوة. وما دعوة القرآن لأهله بإعداد القوة قدر المستطاع، إلا لأجل ترهيب دائم مستمر لمعسكر الكفر، كيلا يتجرأ ويحقق مراده. ما ضاعت فلسطين قطعة قطعة إلا حين تم افساح المجال للعبث المتمثل في مفاوضات ولقاءات علنية وسرية، ومعاهدات سلام كاذبة خادعة، وخيانات لا أول لها ولا آخر، استفاد منها من استفاد، حتى ضاعت جل فلسطين وما بقيت غير غزة، شوكة حادة في حلق المغضوب عليهم ومن معهم من الغرب والشرق. هذه الشوكة، أراد المعسكر الكافر مع معسكرات الوثن والصليب ومنافقي العرب، كسرها ومحوها من الوجود، لأنها سبب بقاء فلسطين عربية مسلمة، ولولا فضل الله ثم فئة مؤمنة لا تهتم بمن خالفها وخانها، لما كان هناك أرض تسمى فلسطين اليوم. وهذا ما يفسر كثرة التضحيات المادية والبشرية التي تقدمها غزة، وهذا ما يدعو في الوقت نفسه إلى عدم التهويل من أرقام الشهداء وبقية التضحيات. إن مثل هذه المعارك المفصلية التاريخية، لابد وأن تكون الأثمان باهظة، لتكون النتائج باهرة بعد حين من الدهر، طال أم قصر بإذن الله. فهكذا هي قوانين أو سنن التدافع. ولقد أثبتت الأيام كذب وخداع كل العمليات والمفاوضات الوهمية لأجل سلام زائف غير عادل وغير دائم، بين معسكر كافر محتل لا يرضى بغير فلسطين خالية من المسلمين، وآخر مؤمن يرى أنه مؤتمن على مقدسات للمسلمين كافة، حتى وإن لم يتدافع ويتحرك المسلمون جميعاً أو متفرقين للحفاظ عليها وحمايتها، وبالتالي يرى المعسكر المؤمن أن واجبه المقدس هو الدفاع عنها بالروح والدم، فليس هناك ما هو أغلى منهما، وبهما تستقيم الأمور والحياة. وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، كما جاء عن الصديق رضي الله عنه.
1194
| 07 مارس 2024
الله ناصر عباده ولو كره الكارهون، وأن هذا الدين «يبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. التدبيرات الإلهية لأمور وقعت أو ما زالت تقع أمامنا، يقلب الله بها الموازين المادية والقوانين الوضعية في حياة الناس، كثيرة ومتنوعة في التاريخ البشري، وليس شرطاً أن يستوعبها منطقنا البشري القاصر، وإن كان لا يمنع من اعتبارها فرصة للتأمل والتدبر، وما قصص معركة بدر، وموسى مع فرعون، ويوسف وإخوته، وقطز مع المغول، إلا غيضاً من فيض. ما القصة؟ بالطبع لا حدث يعلو على أحداث غزة، ولا يمكنك الحديث عن قضية إلا وجدت نفسك تربطها بغزة بصورة وأخرى. فالأمر لم يعد عادياً يمكنك المرور عليه مرور الكرام كما السنوات السابقة. التضحيات الكثيرة المبذولة في تلك البقعة الضيقة، والمشاهد غير المتوقعة، تدفع بمن في قلبه مثقال ذرة من حس وشعور بالمسؤولية وقبل ذلك إيمان بالله، إلى التوقف برهة أمام ما يجري في غزة. الأمر صار يستحق كثير تأمل ودراسة، ولا أشك لحظة في أن أعداء هذه الأمة قد انهمكوا قبلنا سريعاً في دراسة ما يجري منذ طوفان الأقصى. هذه المرة ليست ككل المرات السابقة كما أسلفنا، حين كانت تأتي القوات الصهيونية وتقصف غزة أياماً، وتهدم بيوتاً وتقتل بشراً، لتتعالى بعد ذلك أصوات هنا وهناك بالتنديد والاستنكار، ثم تهدأ الأمور فتقف عمليات إطلاق النار، ويعود الناس إلى حياتهم.. هذا السيناريو هو الذي توقعه كثيرون منذ بدايات أكتوبر الفائت، وذهب البعض إلى أن أسبوعين إلى شهر، هي مدة متوقعة ولن تزيد الحرب أو إن صح التعبير، العدوان الصهيوني على غزة أكثر من شهر.. لكن يمضي أكتوبر ليحل محله نوفمبر ثم ديسمبر، وهكذا المشهد حي مستمر ونحن على أبواب شهر مارس أو السادس للمواجهة، والتي تعتبر أطول مواجهة عسكرية بين محتلين مجرمين وأصحاب حق مؤمنين. إن هذه المدة غير المتوقعة لهذه المواجهة العسكرية، وهذا الصمود المبهر لحركة المقاومة الإسلامية في غزة، وسقوط آلاف القتلى والجرحى والمعاقين من الطرف المحتل المجرم، وتغير دراماتيكي للمزاج العالمي تجاه الدولة الصهيونية المحتلة لأول مرة منذ سرقة فلسطين في أربعينيات القرن الفائت، واستمرار حركة التظاهر ضد المحتلين حول العالم، بل وزيادة معدلات البحث عن جذور المشكلة، وانكشاف أمر الصهاينة المجرمين لملايين البشر، لا سيما الشباب منهم، كلها مؤشرات ودلائل على أمر لا يجب أن يمر مرور الكرام علينا نحن المسلمين، بل هذا ما يجب التفكر فيه ملياً.. غزة.. حسابات سماوية لن أخشى أو أتردد في القول بأن ما يحدث إلى يوم الناس هذا في غزة، ليس تدبيراً بشرياً، وليست من حسابات البشر، وإن بدا لنا أنها من صنعهم، لكن في رأيي الشخصي، الأمر تعمق أكثر. نعم، الأحداث بدأ بها البشر، لكن وفق تدبير إلهي، أو حسابات سماوية خارج نطاق البشر، ولن تظهر بالطبع أمرها لمن يفسرون الأمور بشكل مادي بحت، لكن من يتأمل مجريات الأحداث، سيجد أنها قد خرجت عن نطاقات حسابات البشر المادية، بل لا يمكن أن يخرج المتأمل المؤمن لهذه الأحداث بنتيجة غير هذا.. أي أن للسماء كلمتها فيما يجري.. فماذا يعني هذا؟ أمثلة من الأحداث المفصلية في التاريخ البشري وقعت بتدبير إلهي، وإن ظن الناس لسنوات طوال أنها من صنع البشر، ولا علاقة للسماء بها. خذ مثال ذلك ما كان في مصر أيام الفراعنة، وظلمهم لبني إسرائيل سنوات طوال، حتى جاء وقت تغيير هذا الظلم وزواله، ليبدأ التدبير الإلهي لخلاص بني إسرائيل من العذاب الذي كانوا عليه، لتكون قصة موسى والنهر وتربية آل فرعون له منذ الصغر، وبقية أحداث تنتهي عند البحر، حين شعر بنو إسرائيل أن نهايتهم قد دنت. فالبحر أمامهم والعدو من خلفهم، فيحدث انشطار البحر وتصفية فرعون وجنوده في لحظات، ليتغير وجه التاريخ، ويأتي من يحكم مصر غير الفراعنة. مثال آخر نعزز به القصة الأولى، لنتأمل التدبير الإلهي المحكم الذي أدى نهاية الأمر إلى معركة بدر الكبرى، ليفرق الله بها بين الحق والباطل، بين فئة مؤمنة مستضعفة لاقت صنوفاً من العذاب، وخسرت المال والأرض والكثير من الأرواح، وفئة ظالمة متجبرة، لم تكتف بظلمها في مكة، بل أرادت تصديره للخارج، والوصول إلى حيث الفئة المؤمنة في المدينة المنورة، من أجل مسحها من الوجود، فكان الترتيب أو التدبير الإلهي لمعركة لم يخرج لها المسلمون أساساً، لكن الله أرادها معركة حقيقية، كي يخرج صناديد قريش وأكابر مجرميها، ليحدث ما حدث وتهتز بعدها القبيلة المهابة في الجزيرة، تمهيداً لتغير واقع سيبدأ من يوم انتصار المسلمين على الكافرين في بدر. طوفان الأقصى تغيير للواقع هكذا الآن نشعر بأن الأمور تسير في غزة. طوفان الأقصى وما ترتب أو ما زال يترتب عليه، ليس سوى تهيئة الأرضية المناسبة لتحول سياسي دولي لم يكن في حسبان أو مخططات العدو، ولا من يسانده من الغرب أو الشرق. بدأ جل العالم يشعر بضرورة وضع حد لهذا الظلم الصهيوني المدعوم غربياً، ولابد أن ينتهي أو يتم كبح جماحه لكيلا يتواصل ويتمدد وينتشر، حتى إذا ما تم كبحه ووقفه عند الحد الذي بلغه، يبدأ هذا الظلم بالانحسار شيئاً فشيئا حتى يعود صاغراً من حيث أتى. منطقياً وبحساباتنا البشرية، لا يمكن تفسير ما يحدث من صمود وقدرة المقاومة الإسلامية في غزة على البقاء فاعلاً مؤثراً، ميدانياً وسياسياً إلى يوم الناس هذا، على رغم قوة العدو والفارق الهائل بين الطرفين في العدد والعتاد، والدعم الغربي اللامحدود وخاصة في الأشهر الأولى، إلا التسليم والإيمان بأن هناك أمراً ما يثبت هذه القلة، بل ويدفعها لمقارعة العدو وإلحاق الأذى به. لابد أن أمراً ما في الطريق لأن يحدث ويقع. لن تكون كل هذه التضحيات بلا مشهد قادم يسر المؤمنين، ويكون حسرة على الكافرين ومن معهم من منافقين ومخذلين ومرجفين. إنك حين ترى تحرك قوى رسمية وشعبية، على شكل دول ومؤسسات ومنظمات وجماهير من خارج الملة والإقليم تناصر الحق الفلسطيني، على رغم أن ما يجري قد جرى عشرات المرات، لابد وأن تتساءل عن السر في هذا، ولماذا لم يهدأ العالم؟ الجواب بكل اختصار، أن تدبيراً إلهياً للأحداث هو من يدير هذه الحراكات والحشود ولا يريد لها أن تقف، وفي الوقت نفسه يدبر أمور المقاومين، ويخلخل صفوف الأعداء والمساندين له، ليقضي الله أمراً كان مفعولا، ولا يعلم جنود ربك إلا هو. هكذا ننظر للأحداث، وهكذا نريد كل مؤمن بالله ورسوله أن ينظر إليها، ويثق بأن الله لن يخذل عباده المؤمنين المرابطين المجاهدين في غزة، ولن يجعل للكافرين عليهم سبيلا بعد الآن. وثقتنا في الله كبيرة في أن الكثير الكثير من الأمور ستتغير بعد توقف الأحداث، بل لابد أن تتغير، لأن « الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته « كما في الحديث الصحيح، وهذا هو ما ننتظره عما قريب بإذن الله. سيقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.
1185
| 29 فبراير 2024
دعوة إلهية لعباده المؤمنين الصادقين ألا يستسلموا للوهن والحزن الذي نزل بهم في معركة أحد، والاسترسال في ذلك، باعتبارهما أمرين لا يليقان بالمؤمن الصادق، الواثق من ربه. فالحياة مواقف واختبارات، نصيب في بعضها، ونخطئ في بعضها الآخر. إن دعوته سبحانه تتضمن بشرى طيبة للمؤمن، إذا تماسك ولم يضعف أو ينهار أمام مصائب الدنيا المتنوعة، ولم يدع مجالاً للوهن والحزن الدخول إلى نفسه. تلكم البشرى جاءت في قوله تعالى (وأنتم الأعلون) من العلو والغلبة بإذنه على شرور النفس وشرور الأعداء. لكن متى يحدث ذلك العلو؟ تورد الآية الكريمة الإجابة الفورية في قوله تعالى (إن كنتم مؤمنين). نعم إن كنتم مؤمنين حقاً - كما في تفسير الوسيط للطنطاوي – ولذلك لا تهنوا ولا تحزنوا، بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء، فإن الإيمان يوجب قوة القلب، وصدق العزيمة، والصمود في وجه الأعداء، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هي العليا. والتعليق بالشرط في قوله (إن كنتم مؤمنين) المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى، إذ قد علم الله تعالى أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم في أُحد، صاروا بمنزلة من ضَعُفَ يقينه، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا، فاتركوا الوهن والحزن، وجدّوا في قتال أعدائكم، فإن سنة الله في خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تُصابوا منهم، إلا أن العاقبة ستكون لكم. هكذا هي تربية القرآن لعباد الله الصادقين الواثقين به سبحانه، الموقنين بنصره ولو بعد حين. إنكم أيها المؤمنون في كل زمان ومكان تواجهون الباطل، وهو غالباً يكون أقوى وأكثر عدداً وعدة، وربما بسبب ذلك التوافق المادي يصيبكم منه أذى وآلام كثيرة، وهو أمر طبيعي منطقي في معارك الحق والباطل، فأنتم أيها المؤمنون الواثقون بالله (إن كنتم تألمون، فإنهم يألمون) لكن الفرق بين فريق الحق وفريق الباطل (وترجون من الله ما لا يرجون). لعل هذا يفسر لم دوماً نفسيات ومعنويات المؤمنين في فرق الحق تعانق قمم الجبال، وتكون هادئة مطمئنة، رغم كل الأهوال والمصائب التي من الممكن أن تنزل بهم، إذ أن العبرة عندهم دوماً بالخواتيم، التي هي حاضرة وواضحة في أذهانه والمتمثلة في نصر من الله وفتح قريب. من وحي غزوة أحد كان المسلمون قاب قوسين أو أدنى من نصر ثان مدو على جيش المشركين في غزوة أحد، لكن بعض أخطاء تكتيكية ناتجة عن لوثات حب الدنيا التي أصابت، ساعتها، نفوسا قليلة من الجيش المؤمن، تسببت في تأخير ذلك الانتصار الثاني الحاسم، فانقلبت الأمور وحدث ما حدث، وأصاب الجيش المؤمن نتيجة ذلك بعض الهم والحزن، فثبتهم الله بالآيات التي ذكرناها في بداية هذا الحديث. تمت لملمة الصفوف سريعاً ولم تبرد أجسام الصحابة الكرام بعد، حيث واصل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - المسير نحو جيش قريش، الذي لم يتبع عادات العرب في الحروب، وهي البقاء في أرض المعركة ثلاثة أيام ، للدلالة على النصر ونشر الهيبة بين القبائل، لكن يبدو أن قادة المشركين يومها كانوا يبحثون عن أي مشهد يبدو لهم فيه بعض النصر، ليذهبوا به إلى ديارهم للتباهي وإعلان الانتصار، فخرجوا من بعد تشتت صفوف المسلمين، وسقوط العشرات منهم شهداء، وظنوا أن المسلمين انهزموا، فأرعبهم خبر مواصلة جيش المسلمين في أثرهم، فما كان منهم سوى مواصلة الطريق نحو مكة، وعدم مواجهة جيش تبدو روحه عالية، رغم جراحاته التي لم تبرأ بعد.. فآثر قادة المشركين العودة والوصول إلى مكة بانتصار جزئي، فهو خير لهم من مواجهة المسلمين تارة أخرى، إذ لا شيء يضمن لهم نصراً جديداً، بل خشيتهم من هزيمة جديدة على غرار بدر كانت تسيطر عليهم، فكان قرار الفرار والعودة وعدم لقاء المسلمين في حمراء الأسد، ومن هنا ذهب كثير من رواة السير أن المسلمين لم ينهزموا في أحد بشكل عام، بل خسارتهم كانت في مشهد واحد من ثلاثة مشاهد، فكأنما ظفروا بمشهدين مقابل مشهد واحد لقريش، وبالتالي معركة أحد هي من المعارك التي ظفر المسلمون بها أيضاً، وعادوا إلى المدينة مرفوعي الرأس أعزة، لم يتركوا مجالاً للمنافقين ويهود المدينة للشماتة. البحث عن أي انتصار الهدف من ذكر قصة غزوة أحد في مثل هذه الظروف التي تمر بها الأمة، أن نذكر الإخوة المجاهدين في غزة - ولا أظن أنهم بحاجة لكثير تذكير - لكن من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين. نقول إن ما حدث في مشهد هروب قريش بلقطة فيها بعض النصر على المسلمين، يحاول تقليده الآن العدو الصهيوني عبر الحصول على مثلها، والخروج من مستنقع غزة الذي يكاد أن يغرق فيه تماماً دون الخروج بمشهد واحد يعود به إلى مواقعه، ليقول للناس ها هو النصر الذي وعدناكم به منذ أكثر من ثلاثة أشهر! تراهم اليوم يبحثون عن أي شيء يخرجون به يشبه نصراً. مرة يتباهون بعثورهم على حذاء السنوار - أعزكم الله - ومرة على مشاهد له من كاميرات مراقبة في نفق من الأنفاق، وهكذا هم في حرص شديد وبحث متواصل عن نصر، أي نصر، كما هم حريصون على حياة، أي حياة. معركة طوفان الأقصى تكاد تتشابه مع أحد في مشاهد كثيرة. فريقان أحدهما على الحق والآخر على باطل يتقاتلان، والكل يلقي بأسه على الآخر. لكن العبرة دوماً كما يقال بالخواتيم. ومن هنا نقول للإخوة المجاهدين كما قال الله تعالى للصحابة الكرام في أحد من بعد أن حزنوا على مشهد الانكسار واستشهاد العديد من الصحابة، الذي آلمهم كثيراً (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين). نعم أيها الإخوة الكرام في القسام وبقية الفصائل المجاهدة، لا تهنوا ولا تحزنوا ولا تتألموا طويلاً. نعم، أنتم بشر لكم مشاعركم ولكم ما يعز عليكم فراقه وخسارته، ولستم بحاجة لنصائح القاعدين أمثالنا، وما أحاديثنا هذه إلا لنذكر أنفسنا أولاً وعموم المسلمين بأنكم اليوم تعيدون أمامنا مشاهد صحابة رسول الله الكرام، إذ باتت الأمة عطشى تبحث عما يروي عطشها عبر مشاهد عملية أمامها، لترى أن ما كانت تقرأه في كتب السير، لم تكن قصصاً خيالية، بل واقعية لا تختلف عما يجري في غزة اليوم.. نسأل الله ختاماً لكم الثبات، وأن يلهمكم صبراً كي نرى على أيديكم مشهداً من مشاهد العلو على الكفر والكافرين، ومن معهم وساندهم.. يقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.
2532
| 22 فبراير 2024
سنّة الله في أرضه التدافع، أو صراع الخير والشر، ووجوب الحراك المستمر لمعسكر الحق لردع معسكر الظلم أن يتغول ويتطاول وينتشر، وإلا فالأرض تفسد بفساد فريق الظلم.. هكذا الأمور واضحات بينات في القرآن الكريم. آية التدافع أو مقاتلة أهل الشرك والظلم والطغيان واضحة بينة، وأنه لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات - كما قال القرطبي في تفسيره - ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. من هنا نفهم أن الجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أُذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوّى هذا الأمر في القتال بقوله ( وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس) أي: لولا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل على أهل الحق في كل أمة. فالآية الكريمة تفيد بأن الله تعالى قد شرع القتال لإعلاء الحق وإزهاق الباطل، ولولا ذلك لاختل هذا العالم، وانتشر فيه الفساد. إن حقيقة التدافع، وضرورتها في الحياة الدنيا من أجل تحقيق العدالة في الأرض، تحتاج يقيناً راسخاً لا يتزعزع. بمثل ذلكم اليقين، انتصرت الفئة المحتسبة القليلة الصابرة، التي كانت مع طالوت. وما جاء النصر إلا ليقين ترسخ عندهم، وأهمية قيامهم بمجاهدة أهل الشرك والظلم والبغي الذي كان يمثله جالوت وجنوده حينذاك. ولولا مجاهدتهم، لربما عاث جالوت وجنوده في الأرض فساداً. ولهذا وجبت مجاهدتهم ودفعهم إلى أضيق الزوايا، كي لا تتاح لهم حرية التحرك لإهلاك الحرث والنسل والإفساد في الأرض. دفع البغي الصهيوني قصص القرآن المتناثرة في سورها المباركة حول البغي والعدوان والظلم، وضرورة دفع كل تلك السلوكيات والأفعال غير الإنسانية وغير المقبولة، إنما لتذكير قارئ القرآن بشكل دائم على أهمية هذا الأمر، وأن هذا التدافع وهذا الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، لا يقف ولا يهدأ، وإن تغيرت صوره وأشكاله، لكن الفكرة واحدة، والمفهوم هو نفسه. الباطل يسعى لسحق الحق وأهله، ومعه وسائله المتنوعة المتعددة. والحق بالتالي وأهله، ليس لهم سوى التصدي لهذا الباطل، ودفعه بكل الوسائل الممكنة. قصة طالوت وجالوت كما ذكرناها سابقاً، تذكير لنا أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – على وجه الخصوص، بأهمية دفع الباطل المتربص بنا، الذي لا يهدأ له بال منذ ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ها نحن أولاء نقف ونرى البغي والعدوان الصهيوني المتوحش على قطعة أرض مسلمة في غزة الأبية، وعلى نفوس أهلها الصابرين، يتجرعون عذابات العدوان الغاشم من ثلة بغيضة مكروهة عالمياً منذ القدم، إضافة إلى ما يتجرعونه من أشكال خذلان ذوي القربى والجوار والانتماء، العربي منهم والإسلامي. اليوم يمثل البغي والظلم الصهيوني معسكر جالوت، بينما معسكر طالوت به نفس تلك الثلة القليلة الصابرة التي لم تشرب من الماء الذي منعهم طالوت منه إلا بقدر ما يقيم صلبهم. ثلة قليلة محتسبة صابرة، لكنها قادرة بحول الله تعالى منذ أشهر عدة، على أن تذيق العدو مرارة الحروب النفسية والمادية، من قتل وأسر وتوتر وقلق وفقدان أمن، على رغم الفارق في العدد والعدة بين المعسكرين، كما كان قديماً وسيكون مستقبلاَ أيضاً. معسكر طالوت الغزاوي إن طوفان الأقصى لا يزال له زخمه وتأثيراته حتى يوم الناس هذا. إن ذلكم الطوفان هو جزء من معركة التدافع بين الحق والباطل. لقد ظهر معسكر طالوت الغزاوي أمام هذا الباطل، أو معسكر جالوت الصهيوني المحتل المتجبر، من بعد أن اعتدى الأخير وتطاول وبغى في الأرض، وتجاوز كل محظور، فكان لابد أن يتصدى له متصد، ولابد أن يقف أمامه ويوقف تجاوزاته وظلمه وعدوانه أحد يحمل راية الحق، فلم يظهر أحد، كما هي العادة في معارك الحق والباطل، سوى ثلة قليلة تمثلت في مجاهدي عز الدين القسام وإخوة آخرين لهم في غزة، يمثلون معسكر الإيمان أو معسكر طالوت المؤمن، وقد حملوا راية الجهاد ضد هذا الباغي المحتل المجرم. ما يحدث من إجرام وسفك للدماء الزكية في غزة أمام العالم وبمباركة من أهم دوله، ليس بالغريب في معارك الحق وصراعه مع الباطل. التضحيات في المعارك الفاصلة والحاسمة تكون عادة كبيرة وغالية، والذين تسيل دماؤهم ليسوا أي أحد، بل هم المصطفون الأخيار، الذين يختارهم الله عز وجل لمثل هذا الشرف. فلقد خرج الآلاف مع طالوت يريدون ملاقاة جالوت، لكن مع أول اختبار انفض كثيرون عنه، بل حتى الثلة القليلة الباقية، أصابت بعض أفرادها لوثة خوف من بقايا حب الدنيا حين قالوا " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده" لكن جاءهم الرد من فئة أخرى تركت الدنيا واشتاقت للآخرة " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين ". حسبنا الله ونعم الوكيل الفئة الطالوتية قليلة العدد عظيمة الأثر، تتكرر في كل زمان ومكان، ومن قدر الله عليها أن تواجه بيقين وإيمان راسخ، تحديات التفوق العددي وتفوق العدو في العتاد والسلاح، وفي الوقت ذاته تتلقى سهام التخذيل والتخوين والإرجاف من القريبين قبل الأبعدين، وتزداد آلام هذه الفئة حين ترد إلى أسماعها أقوال التخويف والإرجاف كما جاء في القرآن " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم " فتجدهم وقد رزقهم الله رداً حازماً حاسماً هو نتاج إيمانهم ويقينهم الراسخ، فيقولون بثقة المؤمن المحتسب " حسبنا الله ونعم الوكيل ". نعم، بهذا التحسب، يستعين المؤمن بربه ويسأله المدد والقوة، وهي أساسيات النصر وتفريج الكربات، كما جاء في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.
1080
| 15 فبراير 2024
السؤال التاريخي المعتاد من أي فئة مؤمنة مستضعفة في كل مكان وكل زمان.. يسألون رسولهم: متى نصر الله؟ يسألونه من بعد أن يبلغ بهم البلاء درجة نفاد الصبر، أو الوصول إلى النقطة الأخيرة من منحنى الصبر، أو ذروته، ليبدأ بعدها المنحنى بالنزول، في إشارة إلى بداية نهاية البلاء والعذاب والشقاء، والاقتراب من النصر الموعود كما في الآية (متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب). أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم،مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب. هكذا الآية الكريمة، وهكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى - كما في ظلال القرآن - وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين، الذين يكل إليهم رايته، وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته. إن هذا السؤال من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله. إن سؤالهم متى نصر الله، ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب،فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: متى نصر الله؟ وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله،ويجيء النصر من الله (ألا إن نصر الله قريب). نصر قريب، لكنه ليس لأي أحد، بل للذين ثبتوا حتى النهاية. صبروا على الفقر والجوع والمرض وأنواع البلايا، من التهديد بالقتل والنفي والسجن وأخذ الأموال وانتهاك الأعراض وغيرها. نعم إن هذا النصر يحتاج صبراً عظيماً لا يمكن وصفه. ربنا أفرغ علينا صبرا مع تساؤلات الفئة المؤمنة عن موعد نصر الله لهم متى يكون أو يحين، تجدهم قبل ذلك مبتهلين إلى الله يسألون صبراً غير صبر عامة الناس. صبراً يشبه ذاك الذي طلبته ورددته الفئة المؤمنة الصابرة التي صمدت مع طالوت، وهم في طريقهم لمواجهة طاغية عصره، جالوت وجنوده، وكانوا يفوقونهم عدداً وعدة. لكنهم دعوا الله أن يفرغ عليهم صبراً، في صورة بلاغية جميلة توحي لك كما لو أن الصبر سائل يتم تفريغه في إناء حتى يفيض ذاك الإناء. بعد أن سألوا الله ذاك الصبر أن يفرغه عليهم، واجهوا مشهداً حقيقياً في ميدان معركة، ستكون حاسمة بين الحق والباطل. وسيكون للصبر المفروغ عليهم بإذن الله، دوره المؤثر في الصمود والثبات. معركة وقعت في زمن النبي داوود عليه السلام قبل أن يوحى إليه ويكون نبياً من أنبياء الله إلى بني إسرائيل. ترى ها هنا مشهداً حقيقياً لا بلاغياً.. فئة مؤمنة قليلة محتسبة، تتوجه إلى ربها، تسأله أن يفيض عليهم صبراً ويغمرهم به حتى ينسكب سكينة وطمأنينة على قلوبهم. حتى إذا ما وقعت تلك السكينة والطمأنينة في القلوب، كانت نتيجتها بإذن الله تثبيت الأقدام في أرض المعركة، في مواجهة أعداء الله. الثلة الصابرة في غزة تلك الدعوة إذن كانت الشحنة الإيمانية – كما يقول الشعراوي في تفسيره - الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه، فهو ينادي قائلاً: ربنا. إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: ربنا؛ لأن الرب هو الذي يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب (الله) هو العبودية والتكاليف؛ لذلك ينادي المؤمن ربه في الموقف الصعب « يا ربنا « أي يا من خلقتنا وتتولانا وتمدنا بالأسباب. قال المؤمنون مع طالوت: (ربنا أَفرغ علينا صبراً). غمرهم الصبر، فهدأت نفوسهم، وثبتت أقدامهم، فكان النصر حليفهم، وقتل داود جالوت، فكان يوماً من أيام الله المشهودة، ظهر الحق وزهق الباطل. المشهد نفسه هو الحاصل في غزة الآن. الأهالي يواجهون عدواً مستأسداً، تقف قوى الباطل معه بالمال والسلاح، ويستخدم كل أسلحة الدمار في إهلاك الحرث والنسل، دون أن يواجه المقاتلين الحقيقيين على أرض المعركة، بل يعتدي على أهاليهم وبيوتهم وحتى حيواناتهم، أعزكم الله. لكن غالبية الأهالي ومعهم المقاتلون، اتخذوا صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وأتباع الأنبياء والرسل، قدوة ونبراسا. أظهروا صبراً وثباتاً أدهش العالم. وما ذلكم الصبر والتصابر، والصمود والثبات إلا نتائج سنوات وسنوات من تربية إيمانية قرآنية، واستعداداً نفسياً وروحياً لمثل هذه الأيام العصيبة، أو المعركة الفاصلة الحاسمة بإذن الله، كما كان مع طالوت وهو يواجه مجرم عصره جالوت، وليس مع طالوت سوى ثلة قليلة مؤمنة صابرة، وبهم نصره الله وأعز جنده، وهو ما سيكون بإذن الله في غزة. إن الثلة المجاهدة الصابرة القليلة، مقارنة بالعدو، وبالوضع الذي تعيشه تلك الفئة الصابرة من ظلم ذوي القربى، وتخاذل الأقربين قبل الأبعدين، وتآزر العالم الغربي القوي الرسمي مع الإجرام الصهيوني.. مع كل أولئكم، فإن الله لن يترك هذه الثلة المجاهدة دون مكافأة دنيوية وأخروية. نصر منه سبحانه كجزاء أو مكافأة دنيوية، وأخرى في الآخرة، جنة عرضها السماوات والأرض. إنه وعد إلهي للصابرين، وهو أكرم الأكرمين.
3075
| 08 فبراير 2024
أحدنا قد يقرأ آية من القرآن مرات ومرات. يفهم الآية في المرة الأولى بمعنى معين، ثم يأتي أخرى ليجد الفهم عنده إما تغير أو تعمق أكثر. وهكذا الحال مع قارئ القرآن ومتدبر آياته الكريمة. ذلك أن الفهم الصحيح - كما يقول المفسرون - واستشعار معنى الآية، لا يكون إلا إن عاش المرء منا جو الآية كما عاشها الصحابة، أو الأحداث التي كانت سبباً في نزول آية أو عدة آيات. هذه إحدى خلاصات هذا المقال. لكن لا يمنع المتابعة لنستخلص أخريات. لا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم – كما يقول صاحب ظلال القرآن: « إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة. هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة. وهنا تتحول النصوص من كلمات وسطور إلى قوة وطاقات، وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها. تنتفض خلائق حية، موحية، دافعة، دافقة، تعمل في واقع الحياة، وتدفع بها إلى حركة حقيقية في عالم الواقع وعالم الضمير.. فالقرآن ليس كتاباً للتلاوة ولا للثقافة وكفى، إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة، ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب..». سورة الأحزاب نموذجا سورة الأحزاب هي من أفضل النماذج التي يمكن الحديث عنها الآن والاستشهاد بها، ونحن نعيش الأجواء التي نزلت خلالها بعض آياتها. لقد فهم وتفاعل الذي عاش الظروف في المدينة المنورة وهي محاصرة بقوى الوثنية واليهودية والصليبية، بعد أن كانت تتنزل الآيات غضة طرية، توضح الأمور وتكشف الحقائق وخفايا الأمور والنفوس، وبالتالي كان التفاعل ايجابياً، وفهم الآيات أسهل وأيسر. نرى اليوم أحداث غزة وكأنها مشاهد مكررة لحصار الأحزاب للمدينة. فالقوى ذاتها، الوثنية والصهيونية والصليبية، التي جاءت قديماً لاستئصال الإسلام في عقر داره، هي نفسها اليوم تريد تحقيق الهدف ذاته، عبر استئصال المقاومة المسلمة في غزة. وحين نبدأ نتأمل الآيات الكريمة في سورة الأحزاب، ترانا نفهمها بشكل أكثر وضوحاً وواقعية عما كنا عليه قبل فترة من الزمن ماضية.. لنتأمل بعض آيات السورة التي تتحدث عن معركة الخندق أو الأحزاب، وندرس المشاهد الدرامية التي وقعت، مثل وقوف قوى الشر المعادية للإسلام متحدين، على رغم اختلافاتهم العقدية ومصالحهم المتنوعة، لكن جهودهم توحدت في هدف واحد هو القضاء على الإسلام، وهو نفس الهدف الذي تراه اليوم في غزة - كما أسلفنا - وقد اجتمعت قوى الشرق والغرب المعادية للإسلام الصحيح، تنشد القضاء عليه في غزة الأبية. المشاهد وهي تتكرر كنا نقرأ آيات السورة ونندهش ونتساءل عن بعض المشاهد ونستغربها، مثل مشاهد الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم بالانصراف إلى أهاليهم لأنهم بلا حماية ! فنتساءل: وماذا عن بقية عائلات الصحابة أو المرابطين؟ لماذا هؤلاء فقط يريدون الخروج من الرباط بقصد حماية أهاليهم وبيوتهم، كما يقول عن ذلك القرآن ( ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة ) فتنزل الآية واضحة صريحة لتكشف كذبهم ( وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا ). حماية البيوت كانت عذراً للهروب والفرار، كما يفعل البعض اليوم مع غزة. لا يريدون التورط في مشاكل مع الصهاينة - أو هكذا الزعم والفهم - فرفعوا بذلك أيديهم عن نصرتها، لأن بلدانهم ( بيوتهم ) بحاجة لحماية من إمكانية اعتداء الصهاينة عليها، تماماً كما سأل أولئك القوم رسول الله، لا فرق بين الفريقين. موقف آخر للمنافقين الذين انكشف نفاقهم تماماً في تلك الأحداث، بعد أن جاء الأحزاب من كل الأطراف، وتجمعت قوى الشر في مشهد غير مألوف عند العرب، فأصابهم الهلع والقلق والجزع، فلم يكتفوا بإظهار الجزع وكفى، بل قاموا بدور أخبث من النفاق، وهو التخذيل وبث اليأس في النفوس ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) كما يفعل منافقو اليوم، سواء في داخل غزة أو خارجها، وترديد عبارات التخذيل والتخوين، وأنه لو لم تقم حماس بمهاجمة الصهاينة، ما كان قد حدث الذي يحدث، وغيرها من تفاهات وترهات. إنهم هم أنفسهم عبر الزمان والمكان لا يختلفون. ذات العقلية وذات النفسية المريضة. مطلوب فهم أحداث غزة لكي نفهم بعض أحداث وتفاصيل ما يجري الآن في غزة منذ أكثر من مائة وعشرة أيام، إنما نحتاج لإعادة قراءة سورة الأحزاب من جديد، واسقاط بعض آياتها على المشاهد المتنوعة التي نراها في غزة يوميا. فالسورة التي نزلت آياتها على الصحابة الكرام وهم في ظروف لا تختلف عن ظروف غزة، إنما صالحة لكل زمان ومكان تتكرر فيها الأحداث نفسها. حصار، وتكاتف قوى الشر، وخيانات بني قريظة، وتخذيل المنافقين وغيرها من مشاهد. فهم الصحابة الكرام يومها الآيات فور نزولها لأنهم عايشوها. واليوم يمكننا كذلك أن نفهم تلك الآيات لأننا نعيش ونرى ونسمع ما يجري في غزة على الهواء مباشرة، ولحظة بلحظة، كما لو كنا أيام حصار المدينة المنورة. فاليوم نرى المنافقين مثلاً هنا وهناك يقومون بما كان يقوم به أسلافهم في المدينة. ونرى كذلك معنى الخوف والجوع وفقدان الأمن في غزة، كما كان في المدينة. ونرى أيضاً في الوقت نفسه قلق العدو واختلاف أحزابه مع بعضهم البعض، كما اختلفت قريش مع غطفان ويهود وبقية الوثنيين. ونرى أخيراً المعنى الحقيقي للصمود والرباط والإيمان العميق بالله وحُسن التوكل عليه والأخذ بالأسباب، كما كان الصحابة الكرام يوم الخندق. الآن يمكننا تدبر سورة الأحزاب من جديد، ونقرأ آياتها كما لو أننا وقت نزولها. اليوم، وعلى رغم أننا بعيدون عن أجواء غزة مادياً، إلا أننا نعيش هم أهلها وشعورهم وظروفهم كما لو أننا واقعياً معهم، وهذا ما يجعلنا ونحن نقرأ السورة الكريمة مرة أخرى، نتفاءل بأن سير الأحداث تجري كما يوم الأحزاب. المشاهد هي نفسها تتكرر بصورة وأخرى، الواحد بعد الآخر، ليبقى المشهد الأخير المنتظر، مشهد هبوب الريح، ونزول السند السماوي لتفرق كلمة الأحزاب وتشتت شملهم، وينصر الله غزة نصراً عزيزاً مؤزراً مبينا. وما ذلك على الله بعزيز ( ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا ).
4656
| 01 فبراير 2024
بإصدار حركة المقاومة الإسلامية حماس وثيقتها الجديدة ورؤيتها للأمور، تكون قد أعلنت للعالم أجمع أنها حركة مقاومة ضد احتلال غاشم قائم، وليست ضد أي أحد من بني البشر، ولا ضد دين أو فكر أو ثقافة أو عرق. الناس سواسية عندها كما هو واضح بيّن في ديننا الحنيف، الذي هو دين حماس، فلا دين لها غير الإسلام الحنيف كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. أدعو بادئ ذي بدء من لم يطّلع على وثيقة حماس، وقبل الخوض في بعض النقاط حولها، إلى قراءة صفحاتها القليلة ذات الفقرات والعبارات المنضبطة ديناً وقانوناً وصياغة. ذلك أن الوثيقة هي الرؤية أو الرواية الفلسطينية الصحيحة، أو إن صح التعبير، هي الرواية التي كان من المفترض أن تكون منذ زمن، لا الرواية التي خاض فيها من خاض، حتى لم تعد لها نكهة ولا قيمة ولا هوية. في وثيقة حماس القصيرة، تأكيد على أنها حركة مقاومة ضد احتلال، لا إرهابية كما تزعم بعض أنظمة حكم غربية وعربية. ذلك أن أي حركة مقاومة ضد محتل، جائزة في الشرائع السماوية، وجائزة قانونياً بحسب ما يسمى بالقانون الدولي - هذا إن كان العالم إلى الآن يعترف بمثل هذا القانون - وبالتالي لا فرد ولا مؤسسة ولا دولة قادرة على أن تقول عن حركة حماس بعد هذه الوثيقة، إنها حركة تعمل بعيداً عن هدفها الرئيسي المشروع، وهو مقاومة احتلال بغيض دام أكثر من سبعين عقداً من الزمن. لا أحد يقدر قانوناً أن يصف الحركة بغير ذلك، أو أن يضعها في قوائمه المُعدّة وفق أهواء وأمزجة ومصالح. ذلك أن معظم الدول التي أصدرت قوائم ما تسمى بالإرهاب، بلا معايير واضحة، وإنما مجموعة أهداف تتوافق مع أهواء وأمزجة تلك الدول، لتستخدمها لأغراض إعلامية وسياسية ليس أكثر من ذلك.. تساؤلات مشروعة إن الدول التي وضعت حركة المقاومة الإسلامية حماس في قوائم الإرهاب التي صنعتها، بلا أسس واضحة، بل هي نفسها تُدار بأنظمة حكم تقوم بأفعال وإجراءات هي الإرهاب ذاته، بل كثير منها مخالفة لكل القوانين والأعراف الإنسانية قبل الشرائع السماوية. • أليس نظام الحكم الجاثم على أنفاس شعب فلسطين، هو رمز الإرهاب والتوحش في هذا الزمن؟ • أليس النظام الأمريكي هو أكثر الأنظمة في العالم ارتكاباً للمجازر المصاحبة لحروب ظالمة مصطنعة؟ • أليس بعض ما تقوم به أنظمة أوروبية أخرى في دول أفريقيا، خارجاً عن القوانين والأنظمة الدولية؟ • أليس بعض أنظمة حكم عربية كذلك، والتي يعاني الإنسان في وصف تعاملاتها الإجرامية غير الإنسانية مع شعوبها، أجدر بأن توصف بالإرهاب؟ ترتيب ذهنية العالم طوفان الأقصى أعاد ترتيب ذهنية العالم من جديد، بعد أن عاثت الرواية الصهيونية فيه سنيناً طويلة. كان هذا العالم لا يرى ولا يسمع إلا ما تريده آلة الدعاية الصهيونية المنتشرة حول العالم. حيث وجد هذا العالم أن كل ما يخالف توجهات هذا النظام المحتل، إنما هو الإرهاب ذاته!. طوفان الأقصى أزال غشاوة غليظة كانت ملتصقة على عيني هذا العالم، فرأى فجور وتدليس وكذب الرواية الصهيونية، ورأى كل ذلك لأول مرة وعلى الهواء مباشرة مشاهد تقشعر لها الأبدان، واستمر يشاهدها خلال أيام مائة ماضية، فعرف أنها جرائم حرب وإبادة جماعية متعمدة تُرتكب منذ بداية القرن الفائت، وبمعية ومساندة قوى الاستكبار والاستدمار الغربي. مرة كانت بقيادة بريطانيا الاستدمارية، ثم أكمل المهمة بعد ذلك الاستدمار الأمريكي، الأكثر من فاجر ووقح مبين. هذا الطوفان أعطى زخماً للمقاومة الفلسطينية التي كادت أن تُنسى تماماً مع الانبطاح العربي ومن قبله الفلسطيني الفتحاوي. حيث رأى العالم أن ما تقوم به حماس وبعض فصائل المقاومة الأخرى في غزة، إنما هو الحق المبين، بل هو الواجب على أي شعب يرضخ تحت نير الاحتلال. كتابة الرواية الفلسطينية هذا التحول الهائل في التفكير العالمي، لاسيما الشعبي منه، هو الذي أعطى لحماس المجال من جديد لأن تعيد كتابة روايتها أو وثيقتها أو رؤيتها للأحداث على الأرض، وبما يتناسب وتفكير العالم اليوم. ملايين الناس تتعاطف اليوم مع أحداث غزة ضد الإجرام الذي يقوم به النظام الصهيوني أو الفاشي والنازي الجديد. ملايين من البشر ما زالت تخرج إلى شوارع مدنها وضواحيها، وتقوم بأعمال ضغط هائلة على حكوماتها لتغيير سياساتها ورؤيتها للمقاومة الفلسطينية، وتوقف دعمها للنظام الفاشي المحتل في فلسطين. هذا الحاصل بالعالم الآن ربما هو أحد أهداف طوفان الأقصى، فإن المعية العالمية، المعنوية منها والإعلامية والقانونية، نتائج مهمة للاستمرار على طريق التحرير، والتخلص من ظلم عاش أكثر مما ينبغي له. وبالطبع هذه المعية البشرية تأتي بعد التوكل على الحق سبحانه، وسلوك طريقه. إن طلب النصرة والمعية السماوية التي لا يمكن تحقيق خطوة انتصار بغيرها، كما في عقيدة حماس، بل عقيدة كل مؤمن لم تتلوث بعدُ بعقائد الغرب أو الشرق، هو الخطوة الأولى لتحقيق نصر منشود مأمول. ذلك أن النصر بإذن الله متحقق لا ريب فيه، طالما الحركة على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، غير صراط المغضوب عليهم أو الضالين. وإنها لنصر أو استشهاد.
1071
| 25 يناير 2024
إن مسلسل الإحراجات لهذه الأمة، بعربها وعجمها، مستمر منذ أحداث غزة التي بدأت بطوفان الأقصى المبارك في السابع من أكتوبر العام الفائت. فمنذ ذلك التاريخ والأمة المسلمة تواجه مشاهد من الإحراج كثيرة، بل لا أظن أن هذا المسلسل له نهاية قريبة. المشهد الأول أو أولى المشاهد المحرجة هو صمت القبور الذي ساد أجواء الرسميات الإسلامية ومنها العربية، القريبة من غزة والبعيدة، والذي أصاب الذهول كثيراً من دول العالم التي كانت تنتظر موقفاً إسلامياً أو عربياً على وجه التحديد من أحداث غزة، قبل أن تبدي آراءها ومواقفها. فلما لم تجد موقفاً جلياً واضحاً، بدأت كل دولة ترى الأنسب لمصالحها، سواء مع النظام الفاشي الصهيوني أو الغرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فكانت اليابان الرسمية أوضح الأمثلة على ذلك. المشهد الثاني من مشاهد الإحراج ما شاهده العالم وتابعه الخميس الفائت، حين ترافعت جمهورية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بدعوى ضد النظام الفاشي الصهيوني، واتهامه بارتكاب جرائم حرب متنوعة، بالإضافة إلى النية الواضحة والعزم على القيام بإبادة جماعية ضد أهالي غزة. وكانت مرافعات فريق جنوب أفريقيا القانوني مصدر إعجاب ملايين حول العالم، وفي الوقت نفسه مصدر إحراج كبير لكل الدول العربية والمسلمة، باعتبار أن مثل هذه المرافعة كان الأجدر أن تقوم بها منظمة التعاون الإسلامي أو أي دولة من دولها الكبيرة ذات التأثير على المستوى العالمي. لم نجد أحداً من الدول الكبيرة تلك في العالم الإسلامي والعربي. الكل ظل يراقب المشهد الغزاوي ثم بدأ يندد ويشجب ويستنكر، وصار البعض يتنافس مع غيره بالكلمات والتصريحات، دونما أفعال واضحات ملموسات على أرض الواقع أو ذات تأثير على سير الأحداث. حتى تواترت الأنباء عن عزم دولة غير عربية أو مسلمة في أقصى أفريقيا لرفع دعوى ضد النازية الجديدة المحتلة لفلسطين، بعد أن تخطت كل قواعد الحروب، ودخلت عالم الإبادة وجرائم الحرب، فكان لابد من محاسبتها والتشهير بها أمام أعلى سلطة قضائية دولية. حملت تلك الراية جنوب أفريقيا، ذات التاريخ النضالي ضد النظام العنصري الذي كان جاثماً على صدرها سنوات طوالا عجافا، وليست مكبلة بقيود غربية أو شرقية كالتي عليها غالبية دول العالم الإسلامي وللأسف.. وبالتالي لجنوب أفريقيا شرعية ومصداقية في القيام بهذا الإجراء، إذ لا يرضيها أن ترى ماضيها يتكرر الآن، لا في فلسطين أو غيرها من بقع جغرافية ما زالت تعاني من أنظمة عنصرية أو استعمارية، فكان موقفها من أنبل وأشرف المواقف على مستوى العالم، وبه أحرجت العرب قبل غيرهم من أمم الأرض. المشهد الثالث قيام جمهورية ناميبيا الأفريقية أيضاً بالسير على خطى نظيرتها الجنوب أفريقية، لتعلن رفضها وتنديدها واستنكارها قيام ألمانيا بالدخول كطرف ثالث داعم للنازية الصهيونية ضد اتهامات جنوب أفريقيا، وتطالبها بالعدول عن ذلك بل وتقوم بتذكيرها والعالم بماضيها الاستعماري المتوحش حين قامت بارتكاب وتنفيذ إبادة جماعية ضد الشعب الناميبي أوائل القرن الفائت، لتقول لها اليوم بشكل غير مباشر بأن ما تفعلينه يا ألمانيا ودعمك غير المبرر للصهيونية وجرائمها في فلسطين، وصمة عار في جبينك. لا يعني قيام النازيين بحرق اليهود، أن تظل ألمانيا تشعر بعقدة ذنب إلى ما لا نهاية، وتتودد للصهاينة إلى أجل غير معروف.. أما نقطة الإحراج ها هنا للعرب والمسلمين تكمن في عدم قيام أي دولة عربية أو مسلمة بعمل مماثل لناميبيا، ولو من باب أضعف الإيمان ورفع بعض الحرج عنها، وذلك بإصدار بيان رسمي عبر منظمة التعاون الإسلامي تعلنه أمام العالم برفض موقف ألمانيا السيئ وغير المبرر، والوقوف مع أعداء الإنسانية والحياة.. لكن حتى هذا الإجراء لم يتم ! المشهد الرابع يدور حول عزم خمسين محامياً من جنوب أفريقيا مرة أخرى للقيام بموقف مشرف ونبيل ورافض للظلم، عبر مقاضاة الإدارة الأمريكية والبريطانية بسبب التواطؤ بالجرائم التي ترتكبها الصهيونية في فلسطين. وتهدف مبادرة المحامين الجنوب أفريقيين إلى محاكمة المتواطئين مع الصهاينة في جرائمهم أمام محكمة الجنايات الدولية المتخصصة في محاكمة مجرمي الحرب من الأفراد. والمثير أو الغريب أن المحامين يقومون بمبادرتهم تلك بالتعاون مع محامين أمريكان وبريطانيين، وكأنما الأمر لا يعني العرب والمسلمين البتة، في مشهد محرج رابع وكأنما لسان حال الأفارقة يقول بأنه لا فائدة تُرجى منكم يا أمة العرب والمسلمين في مثل هذه الأحداث الدامية المهولة. هكذا تمضي الأيام والأحداث.. فبعد أكثر من مائة يوم على صمود المجاهدين في غزة أمام إجرام ووحشية ونذالة الصهاينة ومن معهم، وبعد تكرار مشاهد الإحراج، ما زالت الكثير من الرسميات العربية والمسلمة في سباتها، لم يصدر عنها عمل يثير الانتباه، أو يوجع الصهاينة ومن معهم، فلا تجد تفسيراً منطقياً لهذا الخنوع وهذا الخذلان والتهاون من أكثر من خمسين دولة عربية ومسلمة، سوى أن قيوداً غليظة قد تم تكبيلهم بها من لدن أطراف عالمية نافذة، لاسيما الولايات المتحدة، وأن مصالح أنظمة تلك الدول مرتبطة بمدى توافقها مع رؤى وسياسات الولايات المتحدة أو عموم الغرب، وشخصياً لم أجد أي تفسير مقنع آخر لهذا الخذلان، الذي لن تكون تبعاته سارة وحميدة، وشواهد من التاريخ عديدة تؤكد هذا المعنى، وإن دروس خذلان دويلات الأندلس لبعضهم البعض، ما زالت ماثلة أمامنا وقابلة للتكرار، وظروفنا الحالية مهيأة لذلك المشهد أيما تهيئة. فاللهم سلم سلم.. abdulla.emadi@gmail.com -
639
| 18 يناير 2024
بالطبع لا حكمة ولا ذرة عقل أو ضمير عند الصهاينة، لكن مع ذلك لا يمنع أن نستفيد منهم في بعض ما يقومون به، من باب الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها أخذ بها. فما هي تلك الحكمة أو الحكم التي يمكن الاستفادة من بني صهيون؟ لكن قبل البدء لابد من التوقف لحظة لتقديم كل تحية تقدير لجنوب أفريقيا على موقفها الشريف من أحداث غزة. الموقف الذي لم تقم به أي دولة عربية ومسلمة. حيث قدمت دعوى ضد دولة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية، التي ستبدأ أولى جلساتها اليوم الخميس، وهي إذ تفعل ذلك، تتذكر ماضيها البائس مع نظام فصل عنصري لا يختلف النظام الصهيوني الحالي عنه. هذه الدعوى الجنوب أفريقية كان من المفترض أن تقوم بها أي دولة عربية أو مسلمة من باب أضعف الإيمان، لكن للأسف جاءت من خارج المنظومة العربية الإسلامية المتخبطة حتى نخاعها. حتى لا يضيع منا خيط الموضوع، نعود إلى حكمة الصهاينة لنواصل القول بأن ما يجري منذ بدء طوفان الأقصى وما بعده على الساحة العربية تجاه غزة ومجاهديها، هو أمر مشين ومخز، سواء كان من كثير من الحكومات والرسميين، أو من آخرين على صورة مفكرين وكتّاب وفقاعات التواصل الاجتماعي وأمثالهم، وأن ما صدر ولازال يصدر عنهم من مواقف وأقوال، لا يمكن وصفها إلا بالخذلان وربما أكثر من ذلك وأعمق، وهذا ما جعل كثيرين يطلقون لقب «صهاينة العرب» على هؤلاء، على اعتبار أن ما يقومون به من أفعال لا يختلف عن الصهاينة الحقيقيين في دولة الاحتلال. إرهاب الصهاينة ألم تلاحظ أيها القارئ كيف قامت المنظمات واللوبيات الصهيونية في أرجاء العالم، بتحريك بيادقها السياسية والفكرية والثقافية والإعلامية، لتتبع كل مخالف لتوجهاتهم ورواياتهم، وخاصة فيما يتعلق بأحداث غزة؟ ألم يتم استجواب رؤساء أبرز الجامعات الأمريكية العريقة بسبب سماحها لمسيرات مناهضة للعدوان الصهيوني على غزة، حتى تم دفع رئيسة جامعة هارفارد الأمريكية للاستقالة، بل وانهاء تاريخها العلمي بمزاعم سرقات أدبية قامت بها ! ألم تلاحظ كذلك أن تلك المنظمات واللوبيات بدأت تلاحق فنانين وممثلين ومفكرين ومؤلفين ورياضيين وغيرهم لمجرد أن يغرد أحدهم تغريدة واحدة تنتقد دولة الاحتلال، أو تدافع عن مأساة الفلسطينيين في غزة؟ ألم تلاحظ كيف انبرى صحفيون وإعلاميون في الدفاع عن الرواية الصهيونية بشراسة بالغة، وحاولوا تصوير الصهاينة على أنهم ضحايا وأبرياء، وشيطنة الطرف المظلوم الحقيقي؟ ذلكم التتبع أو الإرهاب الصهيوني لكل ناقد ومخالف لروايتهم صار له أثر يُذكر، بدليل إحجام كثيرين عن التعبير وابداء الرأي في العدوان، سياسيين كانوا أم غيرهم في كثير من المجالات، وإن كان ذلك الاحجام لا يعني استمراره، لان هناك تململاً واضحاً في مناطق واسعة من العالم تجاه الغطرسة والعنجهية الصهيونية، لا سيما العالم الغربي، الذي بدأت عنده صحوة وتنبّه لقضية بدأ هو يتساءل عنها، بل لم كل هذه السنوات الطوال غائب عنها ! هذه صحوة لابد من استثمارها، كما طالبنا في مواضع كثيرة. الصهينة العربية لكن من جانب آخر أخذت تتصاعد موجة الصهينة في عالمنا العربي تحديداً. حيث بدأت رموز متصهينة كانت الى تجنب الظهور الكاشف أقرب وإلى زمن قريب. لكن مع تصاعد العدوان الأخير على غزة، وبدلاً من أن يتخافت ويختفي صوت المتصهينين العرب، وجدناهم في جرأة بالغة يثرثرون هنا وهناك، وصاروا إلى تأييد العدوان أقرب. هذا الامر يخشى منه أن يتحول لظاهرة مجتمعية يمكن أن يُفهم خطأ أنها نوع من حرية التعبير، وهي في الواقع نوع من هدم للقيم والمعاني والمفاهيم، في وقت تتكالب الأمم علينا، وتتخلل مجتمعاتنا أفكار العلمنة والصهينة وغيرها من أفكار الإلحاد والضياع، ما يدعو إلى ضرورة وقف الصهينة في مجتمعاتنا عند حدها، الآن وقبل فوات الأوان. الحملات الشرسة المجنونة من تلك المنظمات واللوبيات الصهيونية من أجل كتم وقمع الأصوات المخالفة لروايتها ورؤاها، لابد أن تواجه بحملات مماثلة من جانبنا العربي الإسلامي تجاه كل متصهين ومتخاذل، سواء من أبناء جلدتنا أم غيرنا. ردع الصهينة حكمة الصهاينة الحقيقيين - إن صح وجاز لنا وصف أعمالهم بالحكمة – هدفها الأسمى تبني روايتهم وردع كل من توسوس له نفسه أن يحيد عن النهج الذي مضوا عقوداً في رسمه والتخطيط له. تلك الحكمة مطلوب أن نتبناها في مجتمعاتنا كذلك، والبدء ببناء وصناعة أوراق من الضغط كثيرة ضد كل متصهين أو من يتوسم فيه التصهين، بحيث تكون تلكم الأوراق رادعة له أن يبث الأراجيف والشائعات ضد قيم الأمة وأهدافها الكبرى، أو المساهمة بقول أو فعل من أفعال التخاذل والتخوين والإرجاف، وملاحقتهم بكل الوسائل وكشفهم للعلن. لم يعد الوقت يسمح بأكثر من هذا الهدوء في التعامل مع ثلة المتصهينين، فالأمة تجرعت بما فيه الكفاية من الآلام وأصابتها من المصائب الكثير الكثير، وكان المرجفون والمتخاذلون والمدلسون من أبرز الأسباب، ثم بعد ذلك عدم الأخذ على أيديهم وردعهم من جانب الأمة عبر مؤسساتها المتنوعة، الشعبية قبل الرسمية، الأمر الذي دعا أمثال هؤلاء المرجفين إلى التعمق في أراجيفهم وأكاذيبهم دون أدنى حياء أو اعتبار لدين أو قيم أو عُرف. صدق من وصف غزة بأنها كاشفة وفاضحة المتصهينين المزيفين قبل الحقيقيين، بل وكشفت أعداء الأمة من الداخل قبل الخارج، وعرفنا الصادق من الكاذب المخادع. ولعمري إنها إحدى ثمرات هذا الحراك الحاصل في الأمة بفضل الله ثم الإخوة المجاهدين في غزة وحاضنتهم الشعبية الأبية، التي نسأل الله لهم صبراً وجبراً وقوة، وينصرهم على عدو الله وعدوهم، ويشف صدور قوم مؤمنين. آمين يا رب العالمين.
2793
| 11 يناير 2024
مزاعم وادعاءات وأكاذيب الصهاينة لم ولن تقف عند حد معين، ولا يستطيع امرؤ حصرها في هذه المساحة المحدودة بسبب كثرتها، بل واستمرار آلة المزاعم والأكاذيب الصهيونية في إنتاجها منذ أكثر من سبعة عقود مضت.. لكن يمكن ابراز واحدة من تلك المزاعم التي بدأت تتردد على المسامع مع ظهور مؤشرات هزيمتهم في غزة بإذن الله، تفيد بأن حماس تريد تدمير «إسرائيل» وإقامة دولة من النهر إلى البحر.. هذا تضليل للعالم أو محاولة جديدة من الكيان الغاصب هذا، اظهار نفسه في صورة ضحية مغلوب على أمرها، وتتعرض للاضطهاد من شعب غير متحضر يعيش بجانبه ولا يريد له أن يعيش بسلام ! هكذا يصور الكيان الغاصب الشعب الفلسطيني، الذي هو من يتعرض للقتل والتنكيل والتهجير والتدمير منذ أكثر من سبعة عقود، فيما العالم يسمع ويرى دون أن يحرك ساكنا. يريد الكيان الصهيوني هذا أن يقلب الآية ويعكس الأمور، ليقنع بذلك العالم أنه هو الأصل وأن الشعب الفلسطيني هو الطارئ أو الدخيل على الأرض، ولا شك أنه نجح طوال هذه السنوات العجاف في اقناع كثيرين حول العالم بذلك، حتى أنه فعل وما زال يفعل ما يريد دون أن يعير أحداً أي اهتمام، لكن طوفان الأقصى أوقف هذه العنجهية، وكشف زيف الرواية أو السردية الصهيونية، حتى بدأ كثيرون حول العالم يقفون لحظات لإعادة التفكر فيما جرى ويجري، ولماذا وقع طوفان الأقصى أساساً.. بدأت الرواية الفلسطينية بعد أحداث غزة المستمرة تأخذ وضعها الحقيقي، وتزايد عدد الراغبين في الانصات إليها وفهم ماهيتها وحقيقتها، ليجد كثيرون أن الآلة الإعلامية الصهيونية خدعتهم سنوات طوال، فما شاهدوا سوى ما أرادت وما زالت تريد الصهيونية أن يشاهده الآخرون، ولا يسمع أحد سوى ما تريده الصهيونية، وهكذا كانت الأمور حتى السابع من أكتوبر المجيد الفائت. • ما يقوم به المجاهدون الفلسطينيون من أفعال في غزة، إنما بلغة القانون ولغة العصر، فعل مقاومة. أي أنهم يقاومون محتلا، وفعلهم هو مقاومة احتلال، وهو مقبول ومدعوم من كل القوانين الدولية، ومن قبلها الأعراف ومعها المنطق السليم. إذ طالما هناك احتلال، فلابد أن تظهر مقاومة، وهذه بديهيات معروفة في تاريخ ثورات الأمم والشعوب، وهي تماماً الحاصل الآن في غزة، وليس كما تزعم وتفتري الآلة الصهيونية الإعلامية، ومحاولاتها الحثيثة لقلب الحقائق والأمور. • حماس ما دعت إلى تدمير وافناء اليهود أو ما يسمون أنفسهم «بالإسرائيليين» وإنما دعت لتحرير الأرض الفلسطينية المغتصبة بكل الطرق والوسائل المشروعة. على عكس الكيان الصهيوني الغاصب الذي دعا وما زال يدعو علانية إلى إبادة الشعب الفلسطيني أينما كان وظهر، والقيام بأفعال التطهير العرقي، والدعوة إلى محو غزة من الوجود، بل إن أحد المسؤولين منهم دعا إلى تحقيق ذلك الإفناء أو التدمير عبر قنبلة نووية ! فمن الذي يدعو إلى تدمير الآخر؟ • هذا الاحتلال البغيض لا يعترف أساساً بوجود دولة تسمى فلسطين أو شعب فلسطيني متجذرة أصوله في هذه الأرض، قبل أن تزحف عصابات الصهاينة إليها منذ بدايات القرن الفائت. فكيف يريد الصهاينة أن يعترف الفلسطينيون بوجودهم وهم أساساً لا يقومون بالفعل نفسه؟ أي منطق هذا الذي يسيرون على هداه؟ • كيف يريد الصهاينة من الفلسطينيين منحهم شرعية لوجودهم، وهم يحتلون أرضهم ويقومون بكل أفعال جرائم الحرب؟ كيف يريد الجاني المجرم من الضحية أن تعطيه الشرعية وتقبل به، وهو لا يتوانى لحظة في ذبحها والتنكيل بها واضطهادها وتهجيرها بكل ما أوتي من قوة ووسائل؟ لابد أمام كل حقائق المنطق السليم تلكم، أن يتعرف العالم من جديد على جوهر هذه القضية المزمنة، وأن هذا الكيان المسمى زوراً وبهتاناً باسم نبي من أنبياء الله « إسرائيل عليه السلام « كيان استعماري عنصري، لا يقبل أن يعيش معه شعب آخر، على رغم أنه هو من يحتل أرضه ويقوم بأفعال القتل والتهجير ضده. إنه كيان توسعي استيطاني لا يعترف بحدود، إلى الدرجة أنه لا يرضى رسم حدود ما احتله واغتصبه من أراضي أصحابها الحقيقيين التاريخيين. الكيان الصهيوني منذ أن اغتصب فلسطين وهو في سياساته ومشروعاته مستمر، متبعاً سياسة التدرج وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح ودعم لا محدود من واشنطن وبعض مختلي العقل من اليمين المتطرف في الغرب. لكن بفضل الله، طوفان الأقصى كشف كل هذا الأمر وكل تلكم الحقائق التي كانت مغيّبة عن كثيرين في العالم، الذين أزال هذا الطوفان غشاوة غليظة عن عيونهم، فهالتهم بشاعة ووحشية المشاهد. المطلوب في ختام هذا الحديث، تكثيف الجهود عبر كل الوسائل الممكنة في نشر الحقائق وكشف زيف هذا الكيان، وبيان الدعم اللامحدود من الغرب له، فإن ما كان يرسم له الكيان طوال السبعين سنة الفائتة، يريد أن يكملها عبر احتلال غزة من جديد، ومن ثم يبتلع ما تبقى من الضفة، ليحتل كل أرض فلسطين، ليبدأ ينطلق في مشروعه التوسعي نحو الجوار المصري والأردني والسوري، وصولاً إلى تحقيق رؤيتهم « حدودك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات «. ولن يقف هذا الكيان ولن يرتدع ما لم يظهر له طوفان أقصى ثان وثالث وعاشر، يرهبه ويعيده إلى حجمه الحقيقي، وما أُخذ بالقوة، لا يُسترد إلا بالقوة. هكذا المنطق وهكذا يفهم هذا العدو وهذا المحتل الغريب.
744
| 04 يناير 2024
بقي ابن الأثير سنوات وهو متردد في تأريخ جرائم المغول وما اقترفته أيديهم في حواضر الإسلام المختلفة، آخرها وأبشعها كانت جرائمهم الوحشية في بغداد، والتي تفوقت على وحشية وجنون نيرون وهو يحرق روما.. وأحسبُ أن ابن الأثير لو جاء اليوم لتأريخ زمننا الأغبر هذا، لهاله الأمر وربما اعتبر وحشية ودموية المغول لا شيء مقارنة بإجرام ووحشية الصهاينة في فلسطين. ما كنا نقرأ عنه قديماً عن بدايات دخول العصابات الصهيونية إلى فلسطين، والمذابح التي ارتكبتها أيديهم ضد الأهالي في فلسطين وبدعم من الاستدمار أو الاستخراب البريطاني حينذاك، لا أظنها ترقى لمستوى الجرائم الحالية المرتكبة من قبل العصابات الصهيونية المتحكمة في المحيط العربي والغربي، وبدعم أمريكي علني لا محدود. مهما يحاول المرء وصف ما يجري في غزة على مدار أكثر من سبعين يوماً، فسيكون وصفه ناقصاً لا يفي بحق المشاهد الإجرامية التي صار العالم يتابعها لحظة بلحظة وبالصوت والصورة، وإن كانت المتابعة دون كثير وسريع تأثير. نعم، هناك تفاعل وتحرك هنا وهناك، لكن السمة الغالبة على كل تلك التحركات والتفاعلات هي البطء الشديد، وعدم فاعليتها الفورية في التقليل من الجرائم الصهيونية، وإن كنت أجزم بأن فاعليتها ستظهر بعد حين بإذن الله، فهي عمليات بدأت كما لو أن القائمين عليها لم يسمعوا بمأساة شعب صار عمرها أكثر من سبعين عاما ! لكن مع ذلك، هي بحول الله وتوفيقه، عمليات تحتاج إلى أن تنضج على نار هادئة. الصورة الكبيرة لمشهد غزة تبدو للمتابع أنها دموية مجرمة، ووحشية غير مسبوقة، وهي كذلك دون كثير نقاش، لكن مع ذلك لا يجب أن تأخذنا الصورة الكبيرة عما يجري في غزة العزة من تفاصيل دقيقة متناثرة في أجزاء وزوايا كثيرة داخل الصورة الكبيرة. إنها التفاصيل التي جعلت العدو الصهيوني لا يهنأ ويسعد بأي إنجاز يقوم به - على افتراض أنه ينجز - لأن جل ما يقوم به هو تدمير وتهجير وإبادة، وهي أفعال لا يمكن أبداً أن توصف بالإنجاز، إلا إن كان الفاعل به خلل وصمم وعمى، وهي كلها توفرت في العدو الصهيوني، وبسببها يعتبر تلك الأفعال إنجازاً !! مفاجآت القسام الشاهد من الحديث، أن الصورة الكبيرة المرئية الآن للعالم كله، لا يجب أن تبعث على اليأس والإحباط، لأنه كما أسلفنا، هناك الكثير الكثير من المشاهد في ثنايا وأرجاء هذه الصورة الكبيرة، وهي التي ستكون قاصمة الظهر للعدو، بل هي التي ستنطلق منها أهازيج النصر بإذن الله. ما يقوم به شباب القسام على أرض غزة العزة، عمل بطولي غير معتاد في الحروب، بشهادة أهل الخبرة والمجال. ولو لم تكن مقاومة شباب القسام بطولة وفدائية عجيبة وسببت لهم الكثير من الآلام، ما كان العدو يضطر أن يتكلم عنها بصورة وأخرى، وينشر خسائره تحت وطأة ضربات الياسين وصواريخ القسام المتنوعة. مفاجآت القسام المتصاعدة والمتنوعة أصابت العدو بذهول ودهشة، صار على إثرها لا يستطيع أن يفيق من واحدة حتى تأتيه أخرى وثالثة وعاشرة، بل ظني أن هناك الكثير الكثير بالطريق، كلما حمي الوطيس. وما كثرة الجثث في التوابيت ومئات أخرى محترقة في أكياس القمامة، مع آلاف الجرحى والإعاقات الجسدية والنفسية في جنود جيش العدو الجبان، إلا دليل على كثرة وتنوع مفاجآت القسام، واستدراجهم للعدو من حيث لا يعلمون. لابد للقيود أن تنكسر مع استبشارنا وسعادتنا بأن كثرة المفاجآت القسامية دليل على أن الأمور تسير وفق ما خطط له شباب القسام بفضل من الله ورعايته، وأن المسألة مسألة وقت ليست أكثر، على رغم أرقام الضحايا المتزايدة يومياً، إلا أن مع هذا الاستبشار وهذه السعادة التي يشعر بها كل مؤمن، يسوؤنا في الوقت نفسه خذلان عربي مسلم، وهوان عميق يلف المسلمين – الرسميين بصورة أكبر – على اعتبار أن الغالبية الشعبية العربية المسلمة مع الحق وأهله، لكنها أغلبية شبه عاجزة ومقيدة، لكنه في اعتقادي، قيد مؤقت لن يدوم، بل لابد لهذا القيد أن ينكسر. أقول بأن القيود تلك مؤقتة، ولابد أن تنكسر بشكل وآخر، اليوم أو غداً، لأن الوضع هذه المرة ربما يختلف عن كل المرات السابقة، خاصة أنه أثار انتباه العالم أجمع، بدليل التفاعل العالمي المستمر والمتصاعد، وإن كان بطيئاً بالنسبة لنا كمتحفزين ومتسرعين ومتلهفين لرؤية نصر مؤزر مبين على أعداء الله وأعدائنا. الجموع العربية المسلمة المقيدة ربما هي بانتظار شرارة تفجر وتكسر قيودها لتنطلق، وإن مؤشرات كثيرة ظهرت ووضحت هنا هناك إلى الدرجة التي بدأت وسائل إعلام غربية تستشعر بذلك، وتنذر بإمكانية حدوث تحولات دراماتيكية في الوطن العربي بسبب أحداث غـزة، خاصة لو انتهت الأحداث بنصر حمساوي مؤزر مبين بإذن الله. إنهم يستشرفون مستقبلنا ذهبت تلك الوسائل الإعلامية الغربية تستشرف مستقبلاً قريباً للمنطقة، فوجدت ما لا يسرها ويسعدها، فبدأت من فورها عبر تقارير وتحليلات تنذر الغربان قبل العربان بأن المتوقع من نتائج هذه الأحداث، موجة ثانية من ربيع عربي ينتظر شرارة كشرارة البوعزيزي، لينطلق من أي نقطة عربية، بل والأخطر - بحسب المراقبين الغربيين – أن الربيع العربي الثاني لو انطلق هذه المرة، فسيكون بروح إسلامية تغلي، بل متلهفة وبالغة الحماس، ستطيح بكل مشروعات الغرب في المنطقة، الإعلامية منها والتربوية، والأخلاقية، والسياسية وغيرها، وستكون الولايات المتحدة المسؤول الأول عن انهيار كل تلك المشروعات، بسبب دعمها الأحمق والمفضوح وغير المبرر لاحتلال صهيوني زائل لا محالة. هكذا ينظرون هم إلى مستقبل منطقتنا، فيما كثير منا في خضم الأحداث الجارية منشغلين بتفاصيلها اليومية، لا نعبأ كثيراً بالغد القريب كما يفعل هذا الغريب. لكن مع ذلك نعود ونكرر بأن أحداث غزة قد غيرت فينا بفضل الله، الكثير من المفاهيم، والكثير من طرائق التفكير والنظر إلى الأمور، ولابد أن نتائج ذلكم التغيير سيكون لصالحنا بإذن الله على هيئة (نصر من الله وفتح قريب). (وسيقولون متى هو قل عسى أن يكون ذلك قريبا).
528
| 21 ديسمبر 2023
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
4458
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
726
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
681
| 20 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
627
| 21 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
618
| 18 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
564
| 22 يناير 2026
إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...
510
| 18 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...
489
| 20 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
444
| 21 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
444
| 22 يناير 2026
أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...
441
| 19 يناير 2026
عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...
432
| 19 يناير 2026
مساحة إعلانية