رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ما المزعج في حياة الماعز !؟

ليس حديثنا اليوم عن حيوان الماعز – أعزكم الله – ولا لي دراية بحياتها وكيف تعيش حتى أتحدث عنها. لكن بالطبع أزعجني وربما الكثير منكم، ذلكم الضجيج المثار حول الفيلم الهندي السينمائي «حياة الماعـز» الذي تم إنتاجه بناء على رواية صدرت قبل سنوات عدة لم ينتبه لها كثيرون إلا بعد أن تحولت إلى فيلم درامي سينمائي، وخصوصاً بعد أن تم عرض نسخة مترجمة منه على منصة « نتفليكس « فجذب الاهتمام والأنظار، بل زاد من شعبيته!. الفيلم، وإن حكى قصة حقيقية وقعت بالسعودية قبل سنوات مضت لا تخلو أرقى المجتمعات منها، لم أجد أنه يحتاج لكل هذا التفاعل من الجانب العربي المسلم، سوى ما كان بالشكل الذي يتم عبره توضيح حقائق وخفايا أمور، لكن دون رفض محتوى الفيلم جملة وتفصيلاً في الوقت نفسه، باعتبار أن الجانب الإنساني في الفيلم والمتعلق بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، قضية أزلية مستمرة منذ قصة قابيل وهابيل، وبالتالي لابد من الوقوف ضد الظلم في كل زمان ومكان. هذه نقطة أولى. نقطة ثانية مهمة في هذه المقدمة وهي أن الفيلم، وإن أظهر الجوانب الإنسانية في مشاهد العامل وهو بالصحراء، تناسى عن عمد وقصد، جوانب إنسانية لدى أهالي حفر الباطن، حيث جرت أحداث القصة بجزء بعيد في عمق صحرائها، الذين تكاتفوا وسعوا إلى جمع مبلغ 170 ألف ريال دية المقتول، وهو ها هنا الظالم، أو الكفيل كما سماه الفيلم، وذلك بعد أن تم اعتقال العامل وسجنه لخمس سنوات بسبب القتل الخطأ. ولم يتطرق الفيلم كذلك إلى إنسانية أبناء الظالم، وتنازلهم عن الدية، بل ومنحها للعامل كاملة مع عشرين ألفا أخرى، كنوع من التعويض على سنوات عشر أمضاها العامل في السعودية بدون أجر. إضافة إلى ما سبق، لم يتم التطرق في الفيلم عن قصد أيضاً، إلى العامل غير المسلم وهو يرى إنسانية الأهالي، ومن ضمنهم أبناء ظالمه الجاهل، وتأثره بتلك الأخلاقيات الإسلامية، ما دفعه إلى إعلان إسلامه بعد أن رأى وعاين بنفسه سماحة هذا الدين التي ظهرت في سلوكيات الأهالي، والذين أظهرهم الفيلم على أنهم عديمو رحمة وقساة غلاظ في أحد مشاهد العامل وهو داخل المدينة، مع خلفية لصوت مؤذن ينادي الله أكبر، مع لقطة خاطفة لمئذنة مسجد، من أجل ترسيخ وربط فكرة القسوة والغلظة بالإسلام في ذهنية المشاهد!. لو نظرنا كنقطة ثالثة مهمة في هذه المقدمة، وبشكل أوسع إلى مسألة الظلم كما يريد الفيلم أن يظهرها، ودققنا النظر في الواقع نحو ما يجري في الهند نفسها من اعتداءات الهندوس الممنهجة والمستمرة على المسلمين، فربما احتجنا مئات الأفلام وآلاف الروايات للحديث عنها، هذا بفرضية رغبتنا الدخول في سباق مع الآخر وبيان ما عنده من مساوئ ومظالم وشرور أيضاً. لكن ما هكذا تورد الإبل - كما تقول العرب - لأن المسألة تحتاج منهجية وعملا واضحا منظما لا يعتمد على ردود أفعال، وهذا هو محور حديثنا اليوم. لكن قبل أن نتعمق أكثر، هناك نقطة أخرى أخيرة مهمة في هذه المقدمة الطويلة، ومن باب تأكيد المؤكد ليس أكثر، هي أنه لا يوجد مجتمع ملائكي الصفات بين البشر، والظلم بأنواعه موجود في أرقى المجتمعات والأمم، وليس عند العرب فقط كما يريد أن يقول هذا الفيلم، كواحدة من رسائله غير المباشرة. ثم إن الفيلم لن يكون آخر الأفلام في سلسلة الإنتاجات الفنية الموجهة والمغرضة، سواء الهندية أو غيرها من تلك التي تسير على درب هوليوود، والتي فعلت بنا أكثر من بوليوود ونظيراتها آلاف المرات. صناعة السينما ليس المهم ها هنا الحديث عن الفيلم بقدر أهمية تأمل السؤال الذي يفرض نفسه دوماً في مثل هذه المناسبات والأحوال: أين السينما العربية؟ وأين الإنتاج الفني الإعلامي العربي المسلم الذي يكشف الحقائق دون مبالغات أو إساءات؟ ستجد أنه لا أثر أو إجابة مقنعة، وإن وجدت بعض أعمال فنية هنا وهناك، فهي غالباً لا تجد ذلكم الدعم الذي يوصلها للعالمية أو إلى الساحات التي يمكن عبرها توصيل رسالتنا للعالم، وهو الأمر الذي يدعونا للتساؤل المستمر أو المتكرر في كل حين: لماذا لا تنشط المؤسسات الفنية والإعلامية في إنتاج دراما فنية هادفة تخدم قضايا الأمة، ولماذا لا تنشط في الوثائقيات وتكشف المستور في تلك المجتمعات التي تتفنن منذ عقود طويلة في الإساءة لنا كعرب ومسلمين، كالمجتمع الأمريكي أو الغربي بشكل عام، ومعهم الآن المجتمع الهندوسي والصهيوني وغيرها من مجتمعات معادية؟ الفن السينمائي أو إن صح التعبير، صناعة السينما، تحتاج إلى كثير رعاية واهتمام في عالمنا الإسلامي. لا أقصد بالسينما الترفيهية العبثية، إنما تلك التي تحمل رسالة واضحة، وتسير وفق رؤى ومنهجية محددة ضمن عمل إعلامي واسع. هذا الفن الإعلامي ما زال مدار بحث ونقاش طويل مفصل يتجدد بين الحين والحين في أوساط علماء الشرع، منذ أن عرف العالم الإسلامي فن التمثيل وإنتاج المسلسلات والأفلام. وما خرجنا من نقاش تلك المسألة بإجماع أو على أقل تقدير، برأي يتفق عليه عدد لا بأس به من العلماء، يكون موجهاً أو معياراً لهذا العمل المهم في زمن الإعلام والمعلومات. التخلف السينمائي غير مقبول نعود للموضوع مدار البحث، ونحن نعيش عصراً متسارعاً في أفكاره وعلومه وتقنياته، والفن السينمائي واحد من المجالات التي اختلفنا عليه فتأخرنا، لنؤكد أن التخلف في هذا المجال أمر غير مقبول البتة - ونحن كما أسلفنا - نعيش زمن الإعلام والمعلومات ومنها السينما، فيما غيرنا مستمر في إبداعاته وإتقانه في هذا المجال حتى ساروا بعيداً بعيدا. وصار هذا الفن سلاحاً فاعلاً بأيديهم لا يقل فعالية وكفاءة وأثراً عن الأسلحة العسكرية والاقتصادية وغيرها. هذا الفن أو هذه الصناعة، إيجابياتها تفوق سلبياتها. وليس لأن البعض يستخدمها في الشر فهي بالتالي شر كلها، فنترك جلها. لا، الأمر أوسع من هذا بكثير. إن الكاميرات السينمائية التي تصور الأفلام الهابطة، هي نفسها التي تصور أفلام الاستقامة. إنها آلات صماء تأتمر بأمرك، وأنت من يحركها ويديرها كما تريد وليس العكس. إنها هي نفسها الكاميرات التي قام المخرج السينمائي مصطفى العقاد - رحمه الله - باستخدامها لتصوير فيلمي الرسالة وعمر المختار، واستخدمها تلفزيون قطر لإنتاج أروع المسلسلات التاريخية مثل مسلسل عمر الفاروق والإمام ابن حنبل وغيرهما الكثير النافع. السينما سلاح مؤثر ختام القول إنه لا شيء يمنع في استخدام فن السينما في تحقيق المقاصد الطيبة والأهداف الإنسانية النبيلة، وأن نقدم أنفسنا للعالمين بالصورة التي أرادها الله وأرادها رسوله الكريم محمد ﷺ. هذا فن وصناعة، ونحن من يسيطر ويحدد الأطر والضوابط لها، أو هكذا المفترض أن يكون. إن إنتاجاً فنياً على غرار مسلسل عمر، أو فيلم الرسالة وعمر المختار ومحمد الفاتح كأبرز نماذج سينمائية مسلمة، يمكنها فعل الكثير من التأثير في الآخرين. ومطلوب بالتالي على غرارها، أن يستمر الإنتاج السينمائي أو صناعة السينما بذلكم المستوى وأفضل، وفق رؤى واضحة وأهداف محددة. وبها كذلك يمكننا أن نواجه المخالف الراغب في التشويه والإساءة بنفس السلاح الذي يستخدمه، ليس بالتشويه طبعاً، لكن عبر إنتاج أعمال راقية بديعة تكون قادرة على كشف رداءة بضاعة المهاجم حين يأتي وقت المقارنة. بمثل هذا التفكير وهذه المنهجية نخدم ديننا، دون أن نشتت ونهدر مواردنا وجهودنا على شكل ردود أفعال قد تصيب، أو تخيب غالب الأحيان. والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

2136

| 29 أغسطس 2024

شروق الشرق وغروب الغرب

هذا المقال من وحي حلقة بودكاست رائعة في عالم الجغرافيا السياسية مع الدكتور محمد الشنقيطي حول موقع العالم الإسلامي من النظام العالمي، والذي أنصح مشاهدته أو الاستماع إليه لأجل فهم أفضل وأعمق لما يحدث بالعالم الآن من بعد طوفان الأقصى. الطوفان الذي كشف الكثير الكثير من الألاعيب والمؤامرات والخدع التي تعيش أمتنا تحت تأثيراتها إلى يوم الناس هذا. الأمة لا أحد يشكك في أنها تعيش حالة تململ من بعد سبات عميق. تريد أن تنهض وتدرك وضعها الحالي لتبدأ من حيث توقفت أو نامت أو تم تنويمها، رغبة أو رهبة. هناك رغبة مشتركة بين بعض قادة الفكر والسياسة وخلفهم جمع أكبر من شعوب مسلمة ما بين مشرق ومغرب الأمة. شعوب يؤلمها استمرار حال الأمة على ما هي عليه من تشتت وتفرق، وعبث غربي مستمر بها ومقدراتها وشعوبها منذ قرن من الزمان. لكن لله الفضل فيما يحدث الآن من صحوة، وإن بدت أنها بطيئة في زمن سريع متسارع، لكنها البداية. وعادة بدايات أي مشروع نهضوي تكون بطيئة، وخطواتها محسوبة ثقيلة، إلى أن تستوي وتنضج وتقف على أساسات صلبة مُحكمة. فلسطين بلاءٌ على المعتدي لا شك أنه بفضل الله سبحانه، صار لطوفان الأقصى أو فلسطين بشكل عام، الدور المهم في هذه الصحوة أو بدايات النهوض الذي نتحدث عنه ونتأمله. ذلك أن هذه القطعة التي بارك الله حولها، هي أساس كل الاصطدامات والتدافعات التي وقعت بين أمتنا والغرب منذ قرون عدة، والتي تبدو أننا على موعد قادم آخر قريب مع تصادم جديد مع هذا الغرب وعبثه واستغلاله. نعم ستكون فلسطين، كما كانت قديماً، في قلب هذا التدافع والتصادم. الدكتور الشنقيطي كتب من ذي قبل دراسة موجزة محكمة نشرها بالعنوان الذي استخدمناه اليوم لهذا المقال، شروق الشرق وغروب الغرب، يستشرف فيها مستقبل الأمة في هذا التدافع والصراع الحضاري، ويضع وصفة استراتيجية لهذا النهوض المأمول. الجميل أنه بدأ دراسته بالحديث عن العنوان، وأنه من ابداعات الكاتب المصري أحمد حسن الزيات « الذي استخدم التعبير ضمن مقال له عام 1938 دفاعاً عن فلسطين، ختمه مهدداً المستعمر الإنجليزي المتواطئ مع الاحتلال اليهودي لفلسطين:» وفلسطين كانت منذ أنشأها الله بلاء على المعتدي، وشؤماً على الظالم. وقد التقى عندها الغرب والشرق، مرةً في عهد عمر بن الخطاب، ومرة في عهد صلاح الدين، فكانت العاقبة في كلتا المرتين غروب الغرب وشروق الشرق «. مشاهد ماضية تتكرر على رغم الخسائر المادية والبشرية في غزة، إلا أن ما نتج عن طوفان الأقصى حتى يوم الناس هذا، هو دون شك إعادة للمشاهد الماضية في عهد الفاروق ومن بعده صلاح الدين، أو كما عبّر عنها الزيات بالتقاء الشرق والغرب من أجل أن يشرق الشرق ويغرب الغرب. وبالطبع ليس الشرق هو العالم الإسلامي فحسب، بل المقصود أيضاً القوى الآسيوية الصاعدة مثل الصين وروسيا. لكن العالم الإسلامي الذي يقع جزء كبير منه في هذا الشرق، سيكون عند حدوث هذا الشروق في بؤرة الأحداث والاهتمام، بل والتأثير بإذن الله. ما يحدث في غزة رغم الخسائر المادية الهائلة على الجانب الغزاوي كما أسلفنا، إلا أن ذلك كله لا ينظر إليه الاستراتيجيون كما عامة الناس. إنهم يستشرفون عبر هذه الأحداث مستقبل العالم. فلو لم تكن فلسطين نقطة التقاء الشرق والغرب أو نقطة الصراع من أجل الهيمنة، ما رأيت أساطيل الأمريكان وخلفها وحولها إمكانات الغرب العسكرية والتقنية، من انجليزية وفرنسية وألمانية وإيطالية، تزحف نحو هذه النقطة الملتهبة. طوفان الأقصى سرّع هذا الزحف وهذا الالتقاء سنوات عديدة. لولا هذا الطوفان، ما كان ليحدث ما يحدث الآن من صحوة عالمية تتساءل ليس عن أهمية وقف العدوان فحسب، بل الأهم من ذلك تعاظم تساؤلاتها حول الفائدة المرجوة من وجود كيان استفزازي دخيل مثل الكيان الصهيوني على العالم. ولولا هذا الطوفان الذي خرج عن السيطرة، ما رأيت تهافت الأمريكان على وجه التحديد ومن ورائهم قوى غربية أخرى من أجل تهدئة الأحداث، ليس لشيء سوى رغبة في التقاط الأنفاس أولاً، ومن ثم كسب بعض الوقت لإعادة ترتيب وتنسيق المواقف السياسية والعسكرية والاستراتيجية، قبل أن تنزلق الأمور ويحدث ما لا يرغب فيه الغرب أن يحدث الآن. الغرب يشعر أن هذا الكيان ورطة تاريخية. لقد أرادوا التخلص منه وحذفه خارج أوروبا بعيداً عنهم، ليقوم بمهام قذرة نيابة عن الاستدمار الأوروبي إن صح التعبير، إلى حين من الدهر طويل. لكن مع الطوفان، تبين مدى هشاشة هذا الكيان، الذي فقد ما بقي عنده من عقل، واضطربت بوصلته حتى راح يهدم ويهلك الحرث والنسل يميناً وشمالا، وهو لا يدرك أنه بهذا يقترب أكثر فأكثر من نهاية حتمية له أولاً بإذن الله، ومن ثم يكون سبباً رئيسياً في خلخلة نظام العالم بأكمله، وهو ما يراه الاستراتيجيون ومن يستشرفون مستقبل العالم أنه المشهد ذاته، الذي بعده سيشرق الشرق ويغرب الغرب بإذن الله (ويقولون متى هو. قل عسى أن يكون قريبا).

1482

| 22 أغسطس 2024

ثبات غزة حالة أسطورية

في لقاء طويل رائع مع المفكر الجزائري عبد الرزاق مقري حول طوفان الأقصى - أنصح الاستماع إليه لمن أراد صورة واضحة لما يجري الآن في غزة - قال عبارة، ربما هي سر التحول الهائل الحاصل بالعالم تجاه القضية الفلسطينية، وهو عنوان هذا المقال.. ثبات غزة، حالة أسطورية. وهذه حالة نادرة تستوجب منا التوقف قليلاً وتأملها طويلا. ثبات غزة، بمجاهديها ورجالها ونسائها وأطفالها، رغم الشدائد والأهوال والآلام، لابد وأنه يدفعك لاستحضار مشاهد مؤلمة ماضية من تاريخنا مثل سقوط الحواضر الإسلامية أمام المغول الهمج، ثم الأندلس وقصص محاكم التفتيش والحروب الصليبية، وصولاً إلى بدايات القرن العشرين ومآسي المسلمين على يد الاستدمار الغربي، الذي وإن خرج من عالمنا العربي والمسلم، إلا أنه أبقى كلابه المسعورة المتوحشة من الصهاينة، يهوداً كانوا أم غيرهم من العرب والفرس والترك والهندوس وغيرهم من أهل الوثن والحجر والشجر. لكن الأمر الملحوظ ورغم كل تلكم الأهوال والشدائد التي نزلت على الأمة عبر تاريخها الطويل، إلا أنها كانت تنهض بصورة وأخرى، ولم تهلك أو تفنى وتندثر كبقية الأمم والحضارات الغابرة. فما كنا نقرأ في كتب التاريخ والسير عن أولئك المتوحشين ضد المسلمين، على اختلاف معتقداتهم وأهدافهم، صرنا اليوم نعايشها لحظة بلحظة في غزة الأبية. صفقة القرن ما كنا نستغرب منه إذن ونحن نقرأ في تضحيات الأولين، صار يتكرر الآن، بل أصبح متجسداً واقعاً أمام أعيننا وأمام كاميرات وشاشات وكافة وسائل التواصل والإعلام حول العالم. ثبات غزة، ثبات أسطوري أفشل كل مخططات الغرب والصهاينة ومعهم كل المطبعين العرب، بعد أن كانت القضية الفلسطينية تسير بشكل متسارع نحو تصفية نهائية، وكانت ستنتهي وتتحقق أحلام من خططوا طويلاً لما يسمى بصفقة القرن، كي تقر أعين الصهاينة أولاً، وتتحقق نسبة كبيرة من أحلامهم ومشاريعهم التوسعية، ومن ثم تقر أعين المطبعين بعد ذلك وتنتهي القصة المزعجة لهم منذ أكثر من سبعة عقود، وليحمل بعدها الأمريكان أمتعتهم مغادرين المنطقة - إلى غير رجعة - لاعتقادهم بأن وجودهم صار غير ذي جدوى، بعد أن تكون المنطقة قد هدأت بتصفية القضية، وتولي بيادق صهيونية الصنع إدارتها، لتتفرغ هي للعملاق القادم، أو هكذا التصور الأمريكي الغربي، ويُقصد به الصين، أو التحالف الصيني الروسي. إذن ثبات أهل غزة بشكل عام، واستمرارهم في التصدي لجحافل الجيش «الأكثر أخلاقية في العالم» بل والمبادرة بالهجوم أحياناً كثيرة، أفشل مخططات ومشروعات كلفت خزائن بعض الدول، مليارات الدولارات وسنوات من العمل والتخطيط أو التآمر إن صح التعبير. حالة سُننية لم يدر بخلد أي أحد من أولئك المتآمرين أن تكون للمقاومة بقية قدرة وطاقة للصمود والبقاء، بعد اعتداءات الصهاينة المتكررة منذ انسحابهم من غزة في 2005 وأهمها في العصف المأكول 2014 ثم حارس الأسوار في 2021 لتهدأ بعدها غزة لعامين تقريباً، حتى ظن المتآمرون أن الإنهاك قد أصاب المقاومة، وبالتالي هي فرصة لتسريع إجراءات التصفية، لكن تتدخل الإرادة الإلهية دوماً، بعد أن يكون عباده المخلصين قد اتخذوا كافة الأسباب لكنها لا تكفي لإحداث الفرق أو نتيجة مؤثرة. فكان السابع من أكتوبر 2023 ليكون هذا اليوم بداية حالة كما أسماها الدكتور مقري «حالة سُننية « في معرض تحليله للأحداث، حيث تبدأ بعد ذلك تتكشف الكثير الكثير من الأمور، هي التي نعيشها الآن منذ ذلك التاريخ المجيد. إن ما يحدث اليوم في العالم بأسره من فضح وكشف للرواية الصهيونية التي جعلت العالم يصدقها طويلاً، هو أمر لو أنفقنا نحن المسلمين ملايين الدولارات في الدعايات والإعلام المضاد لكشفها وإقناع الآخرين برواياتنا الحقيقية، ما نجحنا ولا استطعنا تحقيق بعض الذي تحقق بعد طوفان الأقصى. لماذا؟ لأن الثمن لم يكن مليارات الدولارات أو اليوروات أو غيرها من العملات الصعبة، بل كان هو الدم، والروح، والثبات. وهي كلها عوامل أعطت صدقية للرواية الفلسطينية الإسلامية، وكشفت زيف الرواية الصهيونية الخبيثة. انكشاف الصهيونية والنفاق الغربي ما يحدث منذ السابع من أكتوبر الفائت، أزاح الستار عن ظلم الصهيونية وزيف ادعاءات المظلومية، وانكشف وجه الغرب الحقيقي القبيح، الذي كان مغطاة بوابل من قيم ومبادئ خادعة عبر مؤسسات ووسائل إعلام وغيرها، وهذا ما دفع بمئات الألوف من غير المسلمين إلى الشوارع، وفي عقر دار العالم الغربي، احتجاجاً أولاً على رضوخ حكوماتهم ومؤسساتهم الطويل للفكر الصهيوني، الذي أدى إلى الأحداث البشعة بحق مدنيين من أطفال ونساء في غزة كإحدى نتائج ذلك الرضوخ، ثم انتشار واسع ممتد مستمر للظلم حول العالم كنتيجة أخرى، إلى غير ذلك من نتائج ستنكشف مع الأيام. النقطة المهمة المطلوب التركيز عليها الآن بعد أحداث عشرة أشهر أسطورية، هي أهمية استيعاب المسلمين جميعاً لما يحدث في غزة، وضرورة استثمار الحدث للانطلاق بهمة وعزيمة وإيمان في أي مساهمة أو مشروع حول العالم يعمل على تفكيك النظام العالمي الحالي، الذي هو نظام غربي استعماري تم وضعه لخدمة مصالح الغرب أولاً وأخيراً عبر مؤسسات غير فاعلة، إلا إن أراد هذا الغرب تفعيلها خدمة لمصالحهم فقط ! النقطة الأخرى المهمة، هي المساهمة في تعزيز ثبات غزة، ودعم المقاومة بكل ما يستطيع الفرد منا القيام به. كل فرد منا، من بعد نية خالصة، وإيمان راسخ، ويقين لا يتزعزع بقرب نصر الله، يمكنه المساهمة بحسب قدراته وإمكانياته وظروفه المحيطة به في عملية التعزيز هذه، سواء بالمال، أو بالكلمة، أو بالصورة، أو غيرها عبر مؤسسات إعلامية، أو تشريعية، أو خيرية، أو غيرها من مؤسسات ومكونات مجتمعية عديدة. غزة.. إيمان أو نفاق أقول كخلاصة لهذا الحديث: لا يجب أن يتزعزع ثبات أهل غزة، مجاهدين أو حواضن شعبية، ولا يتم ذلك إلا عبر استمرار الدعم بكل الطرق والوسائل، لأن الاستمرارية تلك هي عامل حاسم في المرحلة الأخيرة من حرب التحرير التي انتظرناها طويلا. كما لا يجب أن ندع المجال للمشككين والمرجفين لنشر الأراجيف والأكاذيب. هؤلاء الذين (كره الله انبعاثهم) لا بد أن نكره نحن انبعاثهم أيضاً، لأن دخولهم في الأحداث، عامل مساهم إضافي يدعم الظلم الصهيوني المدعوم غربياً قبل كل شيء، باعتبار أنه مشروع غربي أولاً وأخيراً، يتطلب دعماً مستمراً لا يتوقف. وبالتالي، والحال كذلك، لابد من كشفهم وفضحهم أمام الملأ دون أدنى مجاملة، فالوقت لا يتسع للمجاملات والمهادنات. إنه وقت دعم الحق وإزهاق الباطل، والطرق باتت واضحة جليّة. من أراد الحق، فليلحق بأهله، ومن أراد الباطل فله ما أراد. إن الوقوف مع غزة أو ضدها، صار اليوم معياراً للتفريق بين الإيمان والنفاق، فلينظر كل منا تبعاً لذلك المعيار، إلى أي معسكر تقوده قدماه..

1014

| 15 أغسطس 2024

في بنغلاديش.. كان للشباب كلمته

أثبت طلاب بنغلاديش للعالم أن الشباب هم العامل الحاسم في أي تغيير أو مناهضة لظلم واستبداد في أي مجتمع. أثبتوا الحقيقة التي نؤمن بها، خاصة في عالمنا المسلم، باعتبار أن هناك ما يؤصل لهذه الحقيقة ويؤكدها. نجد ذلك واضحاً جلياً في قوله تعالى « إنهم كانوا فتية « في معرض الحديث عن قصة أصحاب الكهف ودورهم في تغيير مجتمعهم ولو كان بعد حين. لاحظ أن جل الثورات في العالم، قديماً وحديثاً، الشباب هم عمادها، وبهم تنجح ثورة ما أو تخفق، إن لم يتم توجيه طاقاتهم وضبطها والسير بها نحو هدف واضح محدد. هم العامل الحاسم في التغيير، وهم العامل الفاعل في مناهضة ومقاومة أي ظلم واستبداد، وهم الركيزة الأساسية في بناء وتنمية أي مجتمع. خرج مئات الألوف من طلاب جامعات بنغلاديش، أفقر دول العالم ذات الكثافة السكانية العالية. أخرجهم قانون بدا ظاهره حب الوطن وتقدير السواعد السمر التي نهضت بالبلاد، فيما باطنه كان يعشش الفساد. قانون ما يسمى بتخصيص نسبة من الوظائف العامة لأبناء الجنود، الذين ضحوا بأرواحهم فيما يُعرف بالاستقلال عن باكستان، لكن تم توظيف القانون لخدمة الشيخة حسينة وحزبها والموالين لها، ما أثار الشعب البنغلاديشي، الذي يعاني فقراً واضحاً وارتفاعاً كبيراً في نسبة بطالة الشباب بينه.. هذا واقع بنغلاديش. الخداع التاريخي تاريخياً، ليت الاستقلال عن باكستان لم يكن، لكان حال هذه الدولة أفضل نسبياً، وما كان ليتم تمرير مخطط الاستدمار البريطاني الخبيث في تشتيت مسلمي شبه القارة الهندية، ما بين باكستان الحالية أو الغربية، وصناعة أخرى تسمى باكستان الشرقية وفيما بعد بنغلاديش، وبينهما كيان ضخم هائل هو الهند الهندوسية، التي لعبت دوراً حاسماً في انشاء بنغلاديش لتكون تابعة لها وأداة من أدوات استفزاز وخلخة استقرار باكستان. إنه تاريخ مضى، لكن الخدعة البريطانية لعبت دورها في تشتيت مسلمي شبه القارة، بعد أن خلقت وصنعت مشكلات لا تزال ساخنة تتأجج إلى يوم الناس هذا، من بعد أن تم وما زال يتم دعمها وتعزيزها بواسطة مجموعة متنفذة، تبدو عليها ملامح إسلامية، فيما هي عن الإسلام ببعيد، والشيخة حسينة إحدى رموز تلك المجموعة، التي تعمل بكل الوسائل على مسح الهوية الاسلامية عن هذا البلد، بالسر والعلن، وترمي في الوقت نفسه بكل ثقلها في أحضان الهند. معركة الشباب الحاسمة خاض الشباب البنغالي معركته الحاسمة هذه المرة التي اختلفت عن المرات السابقة، حيث بدأ في التصعيد التدريجي إلى أن وصل الأمر بالاضراب المدني وتعطيل شبه تام للحياة في بنغلاديش، وزاد عدد المتظاهرين ضد تعسف واستبداد حزب عوامي وحكومة حسينة، مما اضطرت الى استدعاء قوات خاصة من حليفها الهند للتدخل وضبط الشارع، بعد أن رفض الكثير من ضباط الجيش البنغالي النزول إلى الشوارع لقمع المتظاهرين، فيما الشرطة استمرت في تنفيذ الأوامر وبوحشية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 500 شاب، وتم قطع الانترنت عن البلاد لساعات عدة، رغبة في التحكم بمجريات الأمور، لكن فشلت الحكومة في هذا الأمر واضطرت لإعادة الخدمة، فالسيل الشبابي هذه المرة قوي وهادر، إلى درجة أن وصلت حشود شبابية لمقر إقامة حسينة التي كانت أعدت عدتها للفرار وتنتظر الوقت الحاسم، وكان لها ما أرادت قبل أن تقع في أيدي الثوار، وإلا كانت اليوم في قبضة الشباب والعدالة التي بدأت ملامحها تتشكل. الشباب لعب دوره الحاسم إذن في إزاحة هم وغم وظلم كبير جثم على صدور الشعب البنغالي عقوداً عدة، وبهذا العمل الجاد المستمر تخلصت بنغلاديش أخيراً من حكومة تابعة للهند، لا حول لها ولا قوة، وارتفعت فوراً أصوات عديدة تنادي بالخلاص من أوامر الخارج، لاسيما الهند والكيان الصهيوني الذي أساءه ما حدث لحسينة، شأنه شأن الهندوس الذين أغرقت أدواتهم وسائل الإعلام بتقارير وأخبار مزيفة كاذبة عن الأوضاع في بنغلاديش، وهدفها إحداث فوضى وارباك المشهد البنغالي لبعض الوقت، أملاً في أن يتم لملمة الأوراق والتنسيق بين الهند والكيان الصهيوني وحسينة ومن يقف معها ووراءها لجولة جديدة، فلعل وعسى تتمكن من العودة كما المرات السابقة، والتي لا أظن هذه المرة كسابقاتها، فقد طفح الكيل بالشعب البنغالي، ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى احتمالية أن ينخدع الشعب بالوعود الجميلة الكاذبة مرة أخرى. النموذج القدوة ما حدث في بنغلاديش المسلمة، يمكن اعتباره نموذجاً قابلاً للاقتداء من قبل الشعوب المضطهدة، لاسيما المسلمة التي تعاني الأمر نفسه، ومنها بعض الشعوب العربية المكتوية بنار حكومات مستبدة فاسدة، والتي لا تختلف أحوالها عن أحوال الشعب البنغالي. الحدث البنغالي نموذج قابل للإقتداء من قبل الشعوب التي لا تزال تحت نير الأنظمة الديكتاتورية العسكرية. لابد أن تدرس النموذج البنغالي، وتقتدي به في تغيير الواقع، الذي يحتاج ويتطلب القليل من التضحيات في سبيل الكثير من الايجابيات والمنافع واستعادة الحقوق المنهوبة، وما أكثرها. والمطالب عادة كما هي سنن الحياة، لا تُنال بالتمني كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي، ولكن تُؤخذ الدنيا غلابا. أي بالقوة والمنازعة. فما بالك لو كانت تلك المطالب جملة حقوق إنسان أساسية ضرورية، مع مطالب أخرى مثل نشر العدالة والمساواة بين الناس؟ لابد أن الوضع يحتاج لبعض الجهد والوقت والتضحيات والتخطيط والتنسيق، ومن ثم التوكل على الله بعد عقد النية والعزم، فهو سبحانه كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

1035

| 08 أغسطس 2024

هنيئاً لهنية

لن يكون أبو العبد، إسماعيل هنية، آخر شهداء هذه الأمة - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً - بل نعتبره أحدث من انضم لركب الشهداء الذي لن يتوقف حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. إن خبر اغتيال هنية بالأمس، مثلما أحزن ملايين المسلمين حول العالم، فإنه يثبت لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن الطريق الذي سار عليه ومن قبله إخوانه في المقاومة الفلسطينية، هو الطريق الصحيح الذي ينبغي البقاء عليه وعدم الانحراف عنه. طريق الأنبياء والمرسلين. طريق الشهداء والصديقين، وحَسُن أولئك رفيقا. كثيراً ما قرأ الشهيد هنية في صلواته، وكذلك في خطبه عن قوافل الشهداء ( ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يُرزقون) بصوت دافئ يستشعـر السامع له عمق معانيها، وباعثاً في الوقت ذاته الأمان في نفوس أهالي الشهداء، وأن أحبابهم أحياء عند الله يُرزقون بإذنه، إلى أن جاء اليوم الذي صرنا نحن من يقرأ تلك الآية العظيمة، ويقرأها ملايين من المسلمين بعد انتشار خبر استشهاده، لنسأل الله له أن يكون من الشهداء، حياً عند ربه. وما أجمل وأزكى حياة تكون عند الله. سيفرح الصهاينة والمشركون ومن معهم من منافقي هذه الأمة بخبر اغتيال هنية، ظناً منهم أن اختفاء قائد ومجاهد من المشهد، سوف يوهن من معنويات المجاهدين، غير مدركين أن استشهاد مجاهد بحجم هنية، ما هو إلا عملية إنتاج طاقة جديدة تثبّت النفوس وتقويها، وتدفعها للمزيد من التضحيات في سبيل الله، بل ويتحول الشهيد إلى قدوة مؤثرة لكثيرين ممن لم يبدأ السير على هذا الطريق المبارك بعد. منذ أن شرع الله دفع الظلم وقتال الظالمين، وركب الشهداء ماض في طريقه لم يتوقف. كان عبيدة بن الحارث، ابن عم النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أول شهداء الإسلام في بدر الكبرى، ثم تبعه كثيرون. حمزة، سيد الشهداء، مصعب بن عمير، زيد بن حارثة مع ابن رواحة وجعفر الطيار، ثم غيرهم كثير كثير، وصولاً إلى واقعنا المعاصر، حيث الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي والشقاقي ويحيى عياش، لينضم إليهم إسماعيل هنية، فيما آخرون ينتظرون، مصداقاً لقوله تعالى ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ). يستشهد إسماعيل هنية، ليخرج ألف إسماعيل، هكذا المسألة واضحة وضوح الشمس، الجهاد ماض إلى يوم الدين، طالما ظهر كفر وظلم في أرض ما، فالجهاد بالمقابل وبالمرصاد. يظهر ظالم واحد في بقعة ما، فيخرج له مائة مجاهد، وإن مَلَكَ ذاك الظالم قوى العالم كله وقتلهم جميعاً، فالمجاهد يدفع الظلم وهو على يقين تام أن هناك نتيجتين لعمله أو دفعه للظلم لا ثالث لهما. إما النصر أو الشهادة، وكلاهما يسعى إليهما المجاهد. إن انتصر وأنقذ العباد والبلاد من ظلم وظالمين، فنعم العمل هو. وإن لم يستطع واستشهد، فالشهادة أسمى أمانيه. سنفتقد إمامتك لنا في صلوات الجمعة بجامع مصعب بن عمير بالدوحة يا أبا العبد. سنفتقد صوتك الدافئ وأنت تتلو آيات القرآن في ركعتي الجمعة بمسجد الحي الذي كان أبو العبد يقطنه، وكان لنا نحن أهل الحي شرف جواره. فقد رزقنا الله أن نستمع وننصت، بل ونرى شهيداً يصلي بنا بل ويمشي بجانبنا وفي حينا.. فهنيئاً لك أخي الكريم الشهادة - ونحسبك كذلك ولا نزكيك على الله – ولكن لفراقك يا إسماعيل لمحزونون.

1236

| 01 أغسطس 2024

ربنا باعـد بين أسفارنا

لا شيء يدوم على حاله، فكل شيء فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، حقيقة حياتية لا ريب فيها، وكل شيء يتغير، بل لابد أن يتغير، لكن وفق قوانين ومعادلات كونية معروفة، وحكمة الله في أي تغيير تبقى فوق كل تلك القوانين والسنن. لكن هناك تغييرات تحصل حولنا يكون للإنسان دوره المهم فيها. منها زوال النعمة، وأكثرنا غير مبصر لها وغير مدرك لأهميتها. ذلك أن النفس الإنسانية تلعب دورها في تغيير واقع أصحابها وما حولهم من مظاهر معيشية متنوعة. فنعم الله علينا التي لا تُحصى، قد تتبدل وتتغير وتنقص أو تزول، بتغير ما بنفوسنا من مشاعر ونيات (ذلك بأن الله لم يكُ مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). إنها سنّة من سنن الله في كونه، والآية تتحدث عن كيفية وقوع أمر التغيير في مسألة نعم الله على الإنسان. معنى الآية لمزيد شرح - كما جاء في تفسير الرازي - أنه تعالى أنعم على البشر بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل، والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فلا جَرَمَ استحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن. وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدئ أحداً بالعذاب والمضرة، والذي يفعله لا يكون إلا جزاء على معاص سلفت. نعم الله على خلقه كثيرة متنوعة تستحق شكراً بالمقابل كي تزيد وتستمر بحسب الوعد الإلهي ( ولئن شكرتم لأزيدنكم ). وذلكم الوعد سنّة إلهية أخرى من سننه سبحانه، أو لنقل إنها معادلة رياضية واضحة لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات، والله سبحانه لا يزيل نعمه عن خلقه دون سبب. قد تكون الأرزاق والنعم من الابتلاءات التي تصيب الإنسان، هل يشكر أم يكفر؟ لكن المعادلة التي ذكرناها قبل قليل واضحة. إن شكر الإنسان نعمة أنعمها الله عليه، فالزيادة والبركة حاصلة بحسب الوعـد الإلهي. أما إن جحد وكفر، فالنقصان أو زوال البركة، واقعان لا شك في ذلك، بصورة أو أخرى. نموذج الكفر بالنعمة أبرز الأمثلة القرآنية على موضوع الكفر بالنعمة وعدم تقديرها، قوم سبأ في اليمن، الذين سخّر الله لهم نعم الأرض وخيراتها، ورزقهم الأمن والأمان، حتى أن مسافرهم لم يكن يجد أو يشعر بمشقة السفر المعروفة بين القرى البعيدة، أو كما هو المعتاد للمسافرين بشكل عام. ذلك أن القرى أو المدن من اليمن حتى الشام كانت مرتبطة ببعض، فكان المسافر السبئي لا يشعـر أنه خرج من دياره. هكذا كانت صور بعض نعم الله عليهم. أمن وأمان، وسهولة انتقال. فهل شكروا الواهب والمنعم؟ حدث العكس بعد حين من الدهـر. حيث بدأ القوم يشعرون بشيء من السأم أو الملل من سهولة أسفارهم، وعدم استشعارهم بالشوق لديارهم وجناتهم وهم خارج البلاد، فأرادوا استشعار بعض الجهد والعناء، ومشاعر الاغتراب، في مشهد لا أدري حقيقة ماذا كانت دوافعهم لذلك، أو كيف كانت نفسياتهم حينذاك حتى يسألوا الله العناء والمشقة ؟! هل حياة الرفاهية والأمن والأمان هي الدافع؟ وهل يمكن أن تؤدي تلكم الرفاهية بالمرء أن يطالب بتغييرها بصورة وأخرى؟ مسألة غير مفهومة في السلوك الإنساني، بل ربما تحتاج دراسات نفسية واجتماعية. قالوا إذن - كما يقول الإمام الطبري - ربنا باعد بين أسفارنا، فاجعل بيننا وبين الشام فَلوات ومفاوز، لنركب فيها الرواحل، ونتزوّد معنا فيها الأزواد، وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، وجهلهم بمقدار العافية. ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلين ( إن كان هذا هو الحق من عندك فأَمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذابٍ أليم ) فقد أعطاهم ما رغبوا فيه وطلبوا من المسألة . حدثت قصة انهيار سد مأرب أو سيل العرم، وتفاصيلها المرعبة التي حولت تلك الحضارة العظيمة إلى أحجار مكومة، ماتت جموع غفيرة، وتفرقت بقية الأحياء منهم في أنحاء الجزيرة العربية وما بعدها، وما بقيت من تلك الحضارة، سوى جنتين ( ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور). بالشكر تدوم النعم النعم ثلاث، أو هكذا قال الإمام ابن قيم الجوزية: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها، فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرّفه نعمته الحاضرة وأعطاه من شكره قيداً يقيدها به، حتى لا تشرد، فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصَّره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها ووفقه لاجتنابها، وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه. من هنا يمكن إيجاز القول بأن شُكر المنعم والواهب سبحانه ليس بالقول فحسب، بل بالعمل الصالح والاستمرار عليه، وهو سبب أساسي لبقاء النعم والمحافظة عليها من الزوال. أما الكفر بها كما كفر بنو إسرائيل بنعم الله عليهم، أو كفر مجرمي قريش بنعمة بعثة الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – أو نعمة الإسلام، فإنما سبب لسخط الله وزوال نعمته. وهل هناك ما هو أشد إيلاماً من سخطه سبحانه وزوال نعمته؟ فاللهم إنّا نعوذ بك من زوال نعمتك وفُجاءة نقمتك وتحوّل عافيتك وجميع سخطك

1008

| 25 يوليو 2024

الهجرة فكرة لاتموت

بداية وقبل الخوض في بعض تفصيلات الهجرة النبوية الشريفة التي تمت على مراحل عدة، لم تكن في شهر الله المحرم كما يعتقد كثيرون. الهجرة كفكرة ومشروع، بدأ التجهيز والاستعداد لها في محرم، لكن تمت واكتملت فعلياً بهجرة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام مع الصديق أبي بكر، في الثاني عشر من ربيع الأول، كما تقول أغلب روايات المؤرخين. شهر الله المحرم تم اختياره في زمن الفاروق عمر رضي الله عنه حين كان الصحابة الكرام في نقاش حول أهمية وضع تأريخ خاص بالمسلمين، كما عند الرومان والفرس وغيرهم. فتم اختيار محرم لبداية السنة الهجرية، لأن فيه تم تداول فكرة الهجرة واتخاذ القرار، باعتبار الهجرة من أعظم الحوادث في التاريخ الإسلامي، ونموذجا للتفريق بين الحق والباطل. مسألة الهجرة لم تكن عملاً عشوائياً أو وليد اللحظة. إنما كانت أحد التكتيكات أو الوسائل التي اتخذها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - ضمن خطة إستراتيجية بعيدة المدى، إن صح وجاز لنا التعبير، حيث كانت الهجرة ضمن خطة عشرية رسمها خلال وجوده بمكة، نفذ منها مجموعة عمليات مهدت للهجرة، فكانت آخرها رحلته - صلى الله عليه وسلم – أو لجوئه السياسي إلى يثرب. اللجوء والاندماج إن هجرة شعب إلى ديار شعب آخر، ليست بالأمر الهيّن. قد يتم الترحيب بك كلاجئ سياسي حيناً من الدهر. لكن إن طال هذا الدهر، فإن احتمالات كبيرة أن تكون النتائج ارتدادية سلبية عليك كلاجئ. إنك حين تهاجر كلاجئ سياسي تطاردك حكومتك مثلاً بكل مؤسساتها وقواها، وربما معك مئات أو آلاف مثلك لسبب أو آخر، فلا شك أنه عبء كبير على الجهة المستضيفة، حكومة وشعباً، بل لابد أن يقوم بعض من آفاقهم وصدورهم ضيقة في بلد اللجوء، بالتحرش والتحريض ضدك وآخرين من اللاجئين أو المهاجرين بصورة وأخرى، تحقيقاً لأهداف أو أجندات خارجية، أو بسبب أمراض نفوس نعوذ بالله منها. ولكم في المشهد التركي مع اللاجئين أو المهاجرين السوريين مثالاً حياً مستمراً، ومواقف بعض العنصريين الأتراك من وجودهم بتركيا، رغم محاولات الحكومة ضبط الأمر، وبقية تفصيلات معروفة للجميع. نعود لمشهد الهجرة المباركة، لنجد أن الجهة المستقبلة والمرحبة باللاجئين أو المهاجرين من مكة، لم تكن بقوة قريش العسكرية والاقتصادية والسياسية بالجزيرة العربية. فقد كانت مدينة متواضعة اقتصادياً. شعبها يعيش على الزراعة، وبينهم خلافات وتصدعات لا تهدأ، كانت تصل أحياناً لحد الاقتتال وسفك الدماء. وقد استفاد من ذلكم الوضع، شر البرية، يهود يثرب، على رغم أنهم هم كانوا قبائل متناحرة أيضاً، لكنها كانت تتفق وتتحد ضد الأوس والخزرج، وكانت تتسبب في أزمات مستمرة لهم. أي أن الوضع السياسي للمدينة أو يثرب، كان مضطرباً غير مستقر، وإثارته في أي وقت لم تكن بتلك الصعوبة، خاصة مع انضمام فئة جديدة هي المنافقون إلى يهود يثرب أو المدينة فيما بعد. الأنصار نموذج للنصرة حاول أن تتأمل وضع يثرب في تلك الفترة. ثم كيف ينقلب ذلكم الوضع بمجيء أفواج مهاجرة متتالية معارضة للنظام السياسي والقبلي والاجتماعي، من دولة ذات شأن وبأس. ثم تأمل كيف كان أغلب اللاجئين الذين خرجوا من ديارهم، لا يحملون سوى زاد الطريق، بعد أن تركوا ما عندهم من مال وممتلكات في بلدهم الأم، وبالتالي سيهاجرون وهم والفقراء في مرتبة واحدة أولاً، ومن ثم سيكونون ثانياً، عالة على أهل يثرب بسبب عدم درايتهم بمهنة أهلها الأساسية وهي الزراعة. فهل ذلك الأمر خفي على مهندس الهجرة صلى الله عليه وسلم؟ بالطبع لا. فقد ذكرنا منذ البداية أن مشروع الهجرة تم التخطيط له منذ سنوات وبدقة عالية، وبالتالي مسألة اقتصاد البلد وكيفية المساهمة فيه، كانت من ضمن المسائل التي بحثها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ووضع الآليات المناسبة لدعم البلد وأهله، بل وعدم إطالة فترة الاعتماد على الغير في تدبير أمور المعيشة اليومية وما بعدها. أهل يثرب من الأنصار، بايعوا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قبل الهجرة، على أن يكونوا حماة له وللدين الجديد في المنشط والمكره، والسراء والضراء. أما وقد اكتظت يثرب بالمهاجرين، وأصبح الوضع الاقتصادي أصعب من ذي قبل، فإنه يعني أن وقت الضراء حل سريعاً. لكن الأنصار على دراية تامة بالتطورات، ووعدهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائم وراسخ بالنفوس لا يمكن أن يتزعزع، على رغم أنه سيدخل في ذلك المشهد بعد قليل يهود يثرب لتشويهه وخلط الحابل بالنابل، ومعهم من سيُطلق القرآن عليهم لفظ المنافقين، ليعمل الفريقان عملهما في إثارة النزعات العنصرية وبث الكراهية في نفوس ضعاف الأنصار ضد هؤلاء اللاجئين. منها: أنهم ما جاءوا إلا ليتقاسموا لقمة عيشهم مع أهل يثرب. ومنها أيضاً، أنهم ربما جاءوا للسيطرة عليها بعد حين، وغيرها من أكاذيب اليهود والمنافقين في كل زمان ومكان، كما هو الحاصل في بلدان تحتضن لاجئين من نفس الملة ! هجرة الأفكار والمشاعـر الشاهد من قصص وحوادث مشروع الهجرة، أن الفكرة هي نفسها في كل زمان ومكان. لا تموت، بل ترتقي وتتطور، ويتم تعديلها وتحديثها بحسب ظروف الزمان والمكان. إن الهجرة ليست انتقالا ماديا لأشخاص من موقع لآخر فحسب، بل هي انتقال لأفكار ومفاهيم ومشاعر وأحاسيس من زمن وموقع ما إلى زمن وموقع جديدين آخرين، وخاصة إن كانت ريادية إصلاحية، حيث يتم تفعيلها من أصحابها أو من يحملونها في نفوسهم وصدورهم وألبابهم، من أجل التأثير على من عنده الاستعداد لاحتضانها والتأثر بها. هكذا كان الأنصار الكرام. استعداد تام لاستقبال الأفكار والمشاعر والأحاسيس، بل والتفاعل معها بصدق وإيمان، رغبة في الوصول إلى تجانس تام معها ومن يحملونها، وتكوين جسم واحد متكامل بين المهاجر والداعم، أو كما نعرفهم في تراثنا بالأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم. هكذا هي ذكرى الهجرة. دروس وعبر لا تنتهي في كل مرة نتذاكرها ونتدارسها. وكيف تنتهي وقد كانت رحلة هادينا، وقد حمل الإسلام لنا دينا، فسلامُ الله على الهادي والكونُ يردد آمينا.

1581

| 18 يوليو 2024

أبو عبيدة وصناعة القدوات والمشاهير

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشار المعلومة وسرعتها، ظهرت موجة مصاحبة لها هي ما تسمى بالمشاهير، بغض النظر عن المحتوى المقدم من لدنهم، وإن كان غالبه غث لا يسمن ولا يغني من جوع، بل يزيد المتابع أو المقتدي بهم، تشتتاً فكرياً وخواء روحياً وغيرها من سلبيات لا أظنها خافية عليك أيها القارئ. أقول: في مثل هذا الزمن، حيث غلبة مشاهير الخواء الفكري والروحي والثقافي على الساحة الإعلامية ومنصات التواصل، صارت الحاجة تزداد أكثر فأكثر إلى التوعية أولاً ومن ثم صناعة مشاهير بنفس الوسائل وعلى نفس المنصات والساحات، مع تنويع الطرق والأساليب، لإنتاج محتوى يليق بالإنسان ويثري فكره وثقافته. أي إنسان منا غالباً في حاجة إلى قدوة أو معيار على شكل إنسان في مرحلة من مراحل حياته، كي يكون بمثابة منارة للاهتداء به والسير على دربه. وأحسبُ أن أي أحد منا، لابد وأن في أعماق نفسه شخصا ما يضعه كقدوة أو معيار، به يقوّم ويصحح تصرفاته وسلوكه وأفعاله وأقواله.. اليوم بفعل تأثير وسائل الإعلام المتنوعة، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، صار مفهوم القدوة أو النموذج ليس كما عهدناه قبل جيل من الآن، بل تجد اليوم بفعل تلكم الوسائل والمنصات، وقد تحول لاعبو الكرة إلى قدوات، ومثلهم المطربون والمطربات، والممثلون والممثلات، وعارضو الأزياء والعارضات، وغيرهم كثيرون وكثيرات. لكن اللافت في المسألة أن هناك جهات عديدة على شكل مؤسسات وشركات بل حتى دول، هي من تقف وراء انتشار ظاهرة المشاهير بصورة وأخرى، ودفعها بكل قوة من أجل تحويل أولئكم المشاهير إلى قدوات لأطفالنا وشبابنا، الذين دخلوا هذا العالم المفتوح، المتسارعة أحداثه وابتكاراته، دون زاد كاف من المعرفة الفكرية والثقافة الدينية، أو إن صح التعبير، دون وعي كاف يحفظهم من سلبيات ومؤثرات اتباع أفكار ملوثة مشوشة تنتقل عبر الانغماس في عالم المشاهير غير البريء. أمة النماذج والقدوات نحن أمة حباها الله بآلاف القدوات منذ أن ظهرت على هذه الأرض حتى يوم الناس هذا، والصالحة للاقتداء الفوري. إن تاريخنا مليء بالقدوات المختلفة، من قادة وفرسان، وعلماء ودعاة، وغيرهم من الصالحين والصالحات، الهادين المهديين. نحن لا نفتقر إلى قدوات حتى يتهافت أبناؤنا على غثاء مشاهير اليوم، ولك أن تبحث وتقرأ في تاريخنا وتراثنا العظيم لتجد الآلاف المؤلفة من القدوات، بدءاً من القدوة الحسنة، نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، مروراً بصحابته الكرام، فالتابعون وتابع التابعين، ثم نماذج فذة ظهرت في عصور متتالية وصولاً إلى أيامنا هذه، التي لا تفتقر كذلك إلى القدوات الحسنة القابلة للاقتداء. من يعرف من شباب اليوم مثلاً أبي عبيدة الجراح أمين هذه الأمة، وسعد بن أبي وقاص، أو سعد بن معاذ وخبيب بن عدي، أو الحسن البصري والشافعي، أو ابن تيمية وابن قيم الجوزية، أو غيرهم من السلف والخلف كثير لا يتحمل المقام المحدود ها هنا لحصرهم فضلاً عن ذكرهم؟ لن تجد سوى القليل من جيل اليوم من يعرف تلك القامات والقدوات. أبو عبيدة الإعلامي حين ترى تلهف الكثيرين مثلاً لخطابات أبي عبيدة، الناطق الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين، وتأثرهم بكلماته المنتقاة بدقة، وتقليد الأطفال له في طريقة حديثه وزيه العسكري، فإنما هو مؤشر إلى أن التأثير في الجيل الحالي من الأطفال والشباب، أمر ليس بالصعوبة التي يعتقد بها كثيرون منا، سواء عبر استحضار نماذج من ماضينا، أو صناعة نماذج جديدة من حاضرنا. ها هو الرجل لا يفعل شيئاً غريباً أو مثيراً أكثر من التحدث إلينا بكلمات منتقاة كما أسلفنا، مع حركات قليلة جداً ليده اليمنى، لكنه مع ذلك استطاع لفت الأنظار، وحجز مكان له في ملايين القلوب. رجل ملثم بملابس عسكرية دون رتب أو نياشين مزيفة، يستحوذ على ألباب الملايين قبل أبصارهم حين يخرج متحدثاً عن آخر مستجدات عدوان الجيش الأكثر نذالة وخسة في العالم، وعن صمود وجرأة المقاومة في التصدي وإيلام العدو في الوقت نفسه. أبو عبيدة، هو نموذج واحد ضمن عشرات النماذج المرغوبة في صناعة المشاهير، إن صح وجاز لنا التعبير، الذين يستحقون المتابعة بكل الطرق والوسائل. مشاهير تحمل رسائل وقيما وطموحات راقية، لا مشاهير الزيف والدجل، ناشرو الغثاء دون أدنى حياء أو خجل. صناعة المشاهير ماذا لو استثمرنا مثلاً هذا الحب والاعجاب بهذا الملثم من قبل جماهير هذه الأمة المتلهفة لأي انجاز يفتخر به، وربطنا بينه وبين أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح بصورة من الصور أو من نواحي أدب الحديث ورباطة الجأش وبث الأمل في النفوس، كما كان أمين الأمة يفعل؟ على شاكلة تلك المقارنة مثلاً، يتم استحضار نماذج أخرى وتعريف شباب الأمة بها ضمن برنامج توعوي منهجي، يتم استخدام أدوات العصر في ابراز النماذج، وتحويلهم لمشاهير تستحق الاقتداء، وبالتالي يمكن التصدي لحملات تشويه الذوق والمزاج والفكر الشبابي المسلم عبر مشاهير فارغة مدعومة من مؤسسات وجهات لأهداف متنوعة، ليس من بينها ما يصلح للأمة ولا شبابها. المسألة إذن، كخلاصة للحديث، تحتاج جهداً منظماً وفق منهج تربوي يستهدف الشباب قبل الكبار، يتم خلاله استخدام الأدوات نفسها التي عند المعسكر الآخر، الذي لا يهدأ ليلاً ونهاراً في تنفيذ ومتابعة برامج التأثير والاستحواذ على قلوب وألباب الشباب. إنها معركة إعلامية فكرية لا تقل أهمية عن المعارك الأخرى، العسكرية منها والسياسية والاقتصادية.. والله بكل جميل كفيل، وهو دوماً حسبنا ونعم الوكيل.

1008

| 11 يوليو 2024

وما أدراك ما الحاقة ؟

سؤال لا يمكن للعقل البشري أن يجد إجابة عليه. هكذا يسأل الله قارئ القرآن وكل من يسمع بدايات سورة الحاقة.. يعرض سبحانه في المرة الأولى كلمة الحاقة، وهي من أسماء يوم القيامة، يسأل عنها. ثم في المرة الثانية يؤكد سبحانه على عظم ومكانة هذا اليوم بقوله وما أدراك ما الحاقة. العادة أن تجد الإجابة من السائل بعد قليل من الوقت إن رأى عجزك عن معرفتها. لكن لم يوضح القرآن ماهية هذه الحاقة، لتستمر الآيات تأخذك إلى أجواء، لم تدرك كنهها العقول البشرية في أي زمان، بل لن تدركها كذلك مهما بلغت من الذكاء والقدرات التي عليها اليوم، وفي المستقبل. لهذا وحتى يبدأ عقلك البشري في فهم مغزى الآيات الأولى من السورة، تجد القرآن يسرد لك على الفور قصص جبارين متكبرين. قوم عاد وثمود ثم فرعون موسى وقرى قوم لوط، فعودة سريعة إلى قوم نوح، عليه وعلى نبينا وإخوانه الأنبياء، أفضل الصلاة وأزكى السلام. حتى تفهم طبيعة هذه الحاقة، يسرد لك القرآن قصص أقوام جبارة ما ظهر مثلها في التاريخ. قوم عاد وثمود، الذين كذبوا بالقارعة، وهو اسم جديد للقيامة، لكنك لن تقدر على فهم طبيعة هذه القارعة أيضاً كما الحاقة، ولكن من السياق ستدرك أن تلك الأسماء تدلك على أنها أسماء يوم قادم رهيب لا ريب فيه، ليس كأيام البشر مطلقاً، بل لا يمكن للعقل البشري أن يتخيله، إلا من فطرته سليمة. لا أقول يمكنه تخيل عظمة ذلك اليوم، لكن بفطرته السليمة يمكنه الإيمان به وبحقيقته. إنه الحاقة إذن، وهو القارعة. إنه اليوم المشهود المرتقب الذي لا ريب فيه عند المؤمنين. ويكفيك أن تسمع الاسمين حتى يرتجف القلب وأنت تحاول تخيّل ماهية هذا اليوم أو بعض ما فيه، والذي بتكذيب أقوام جبارة قوية في بنيانها المادي وأجسادها البشرية لحقيقته، جاءهم من الله ما جاءهم. الطاغية والريح العاتية قوم أهلكهم الله في ثوان معدودة وهم قوم ثمود، أهلكهم بالطاغية التي فسرها القرآن في موضع آخر بالصيحة، التي لا يُعرف طبيعتها أو ماهية تلك القوة المادية التي أهلكت شعباً كاملاً في ثوان معدودات، جزاء تكذيبهم وعدم اعترافهم بحقيقة يوم القيامة، أو يوم البعث والنشور، والحساب والجزاء. قوم آخر امتد وقت تطهير الأرض من ظلمهم لأنفسهم وغيرهم، سبع ليال وثمانية أيام حسوما. عاشوها تحت وطأة ريح صرصر عاتية. قيل ريح باردة مستمرة، شديدة الهبوب، تقطع الجسم البشري إن تعرض لها. وهم، أي قوم عاد، رغم قوتهم البدنية وضخامة ومتانة بنيانهم التي كانوا يعيشون فيها، لم ينفعهم الاستتار بها ولا الخروج إلى الجبال والاختباء في الكهوف، وكأنما تلك الريح هبت وهي تعرف اتجاهها نحو كل متكبر جبار، تبحث عنهم ولو كانوا في أعماق الجبال أو بيوتهم الشاهقة، لتنسف أجسادهم نسفا. ثم تتوقف تلك الريح بعد المدة المقررة، ليظهر مشهد الناس وهم صرعى كأعجاز نخل خاوية لا شيء فيها - كما يقول الرازي في تفسيره - ووصف النخل بالخواء، يُحتمل أن يكون وصفاً للقوم، فإن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف. ثم يواصل القرآن سرد قصص قرى المؤتفكات وهم قوم لوط – عليه السلام – وفرعون موسى وجنده ونهاياتهم الأليمة، ليعود مرة أخرى بالزمن للوراء ليتحدث عن هلاك قوم نوح، ودعـوته سبحانه للبشرية لشكر الله على أن أبقى أصولهم عبر من كانوا على متن سفينة نوح - عليه السلام - من أجل أن تبدأ البشرية مسيرة جديدة بحسب فطرتها التي فطر الله الناس عليها. توحد الله ولا تشرك به شيئاً، وتؤمن باليوم الآخر، لا تشكك فيه أو تكذبه. القيامة.. قمة العدالة كل تلك المقدمات من القصص وبشكل بياني قصير معجز، إنما الهدف من سردها هو تهيئة النفس القارئة للقرآن والمستمع إلى آياته، مسلماً كان أم غيره، للإيمان الجازم والقاطع بأن القيامة حق، وأن البعث والنشور والحساب والجزاء، حقائق لا يجوز أبداً التشكيك فيها أو تكذيبها. وما لقى أولئك القوم مصارعهم الأليمة، إلا جزاء تكذيبهم أو حتى تشكيكهم بتلك الحقائق. ما خلق الله البشر ليعيش أحدهم حيناً من الدهر يستمتع بحياته، يصول ويجول فيها، سواء عدل فيها أم ظلم هذا وذاك وتلك، ثم ينتهي بموته وفنائه ولا شيء بعد ذلك. لا، لا يمكن أن يحدث مثل هذا، بل هذا معاكس للمنطق السليم، وخاصة إن تأملنا علاقات البشر بعضهم ببعض وهي متداخلة متشابكة، فيها حق وباطل، وظلم وعدل، وغيرها من المتناقضات، فهل يعقل أن تنتهي كل تلك المتناقضات دون مراجعات ومحاسبات؟ لابد إذن أن يتبع كل تلكم الأمور الدنيوية حساب وجزاء أخروي. المحسن يجازى على إحسانه، والمسيء على إساءته، وهذا بالطبع لا يكون إلا في يوم محدد علمه عند ربي، يجتمع فيه البشر جميعا لذلك الغرض. وتلكم هي العدالة الإلهية. ما الذي يجعل المظلوم يصبر على ظالمه في دنياه؟ وما الذي يجعل الظالم يتجبر ويستمر في ظلمه ويزداد عدد ضحاياه؟ لا شك أن الأول وهو المظلوم، يؤمن ويدرك بفطرته السليمة أن هناك يوما قادما لا محالة، يقتص فيه من ظالمه، وهذا ما يجعله لا يرد الظلم بالظلم، بل يصبر ويحتسب. أما الثاني وهو الظالم، إن كان غير مؤمن بدين محمد - صلى الله عليه وسلم - فلأن فطرته فسدت بفساد ابتغائه غير الإسلام ديناً، تجده لا يؤمن بيوم حساب وجزاء، وبالتالي يترتب على ذلك استمراره في ظلم الناس وأكل أموالهم وحقوقهم بالباطل، والإفساد في الأرض. أما إن كان مسلماً ويظلم الناس في الوقت ذاته، فلأن السبب إيمانه الهش الضعيف المتهالك بالآخرة، وبالحساب والجزاء، مع سوء فهم لطبيعة وهدف هذه العاجلة وحياته فيها، وفهم أسوأ لطبيعة الآخرة، أعاذنا الله وإياكم من تلك النوعية الفاسدة السيئة من فهم الدنيا والآخرة. خلاصة الحديث ما أروم إليه من كل ما ذكرناه آنفاً، بيان أهمية ممارسة فعل التفكر والتأمل في الآيات المسطورة بالقرآن، والآيات المنظورة في الكون والحياة. ومن تلكم الآيات المسطورة: كثرة ذكر القرآن لمصارع الأقوام المتجبرة المتكبرة، وتكرارها بصور ومشاهد متنوعة، وأن سبب ذلك لنعلم وندرك أن تلك القصص ليست للتسلية والمتعة، بل للعظة والعبرة، وأهمية الاستعداد لذلك اليوم بكل الطرق والوسائل، والذي ذهبت ضحية تكذيب حقيقته، ألوف مؤلفة من البشر من لدن قابيل حتى يوم الناس هذا، على شكل ظالمين، وضحاياهم من المظلومين. جعلنا الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

609

| 04 يوليو 2024

الهوية الضائعة

قصة الصحابي الكريم ربعي بن عامر التميمي مع قائد قوات جيش الفرس بالقادسية، قصة ملهمة تستحق كثير تأمل ودراسة. حيث تطوّع أن يقوم بمهمة التفاوض مع الفرس بنفسه، على عكس ما اقترحه سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – ارسال وفد لرستم، فقد رأى التميمي أن ارسال وفد قد يوحي للفرس أن المسلمين في خشية وقلق منهم، لكن ارسال فرد واحد فقط من شأنه إحداث تأثير سلبي في نفوسهم، وزرع الوهن فيهم كنوع من حرب نفسية قبل التلاقي في أرض المعركة. وقد كان ما أراد ربعي، الذي كان أحد سادات قومه. يذهب ربعي بن عامر ويدخل على خيمة رستم المزينة بالذهب والفرش والتيجان على عادة ملوك الفرس في إظهار هيبتهم وعظمتهم بتلك الماديات والمظهريات، والتي لم يلق ربعي لها بالاً، بل دخل بكامل سلاحه بعد أن أوقفه الحرس ومنعوه من الدخول بسلاحه، فقال لهم: أنتم دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، وكان له ما أراد أيضاً. دخل ربعي بثياب متواضعة وسيف وترس ووقف أمام رستم الذي قال له: ما جاء بكم؟ فقال بثقة المؤمن صاحب الرؤية الواضحة والمعتز بدينه وهويته: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال: نعم، كم أحب إليكم؟ أيوم أو يومان؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، يجير أدناهم على أعلاهم – أي إذا أعطى أدناهم وعداً لأحد، فلابد أن يوفي بذلك أعلاهم. وانتهى اللقاء على ذلك. فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فشعروا بميل رستم لكلام ربعي والخشية أن يدع ناره ويدخل الإسلام، فقالوا: أما ترى إلى ثيابه؟ فقال لهم رستم: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب. عزة المسلم الشاهد من القصة أن ربعياً، وهو في حضرة قائد جيوش الفرس المهاب، دخل عليه بشخصية المسلم المعتز بدينه، وليس بصفته سيداً عربياً تميمياً، صاحب حسب ونسب، بل ودخل بثياب متواضعة وتحدث كما تعلم من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يدعو غيره إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وبنفسية ترقى للسماء، وعزة مستمدة من الخضوع لله لا لغيره من آلهة أو معبودات مادية أو حسية. دخل ربعي معتزاً بهويته كمسلم. عزة اكتسبها من فهم دقيق وصحيح لدينه، مفاده أن لا أحد يستحق العبادة والخضوع له في هذه الحياة إلا الله الواحد الأحد. لا يخضع لصنم ولا نار ولا كاهن ولا جن ولا ملائكة ولا غيرها. بهذه النفسية العزيزة والهوية الواضحة الراقية، واجه رستم المزعزع داخلياً، الخاضع لنار لا تضر ولا تنفع، وبالتالي صار لا يستحق تقديراً أو ما يستدعي الخشية والرهبة منه. إنه عبد لوثن أو هوى أو غير ذلك. لا هوية ولا عقيدة. وما قام به ربعي هو أقل ما يمكن التعامل به مع أمثال رستم وغيره من عبّاد الأوثان، نيراناً كانت أم أحجارا وأشجارا. وما انتهت تلك الأمم والحضارات إلا لأنها صنعت أوثاناً تعبدها وتتقرب إليها من دون الله، فاستحقت بذلك الذلة قبل الهزيمة والاندثار. الوثنية وهي تنتشر الوثنية ليست في أدغال الأمازون أو جبال التبت وغابات أفريقيا فحسب، بل الوثنية قد تكون في أرقى القصور وأفخم المكاتب وأغنى الدول وبين أكثر البشر علماً ودراية.. قد نجد الوثنية في نفوس أتباع اليهودية والمسيحية والبوذية وغيرهم من الملل والنحل، بل قد نجدها في المسلمين أيضاً، حيث لا يمنع مانع من ذلك، بل وجدنا ما هو أكثر من ذلك من حيث ندري أو لا ندري! انظر حولك الآن وتأمل قليلاً واسترجع بالذاكرة أو حتى ملاحظة حاضرك.. ستجد كماً من الأوثان حولك، بل ربما في أعماقك أو اللاوعي الخاص بك وأنت لا تدري، في الوقت الذي قد تعتبر نفسك تقياً نقياً مؤمناً ! نحن اليوم صنعنا أوثاناً من حولنا نقدسها، وإن لم نكن نعبدها.. أوثانٌ على شكل أفكار أو مذاهب أو رجال أو كتب أو جمادات أو مفاهيم أو شعارات أو غيرها من مفردات وتركيبات الحياة.. قبل الإسلام، الأوثان كانت كثيرة.. هذا خضع لصنم، وآخر لشجر، وثالث لكوكب، ورابع لملك، وهكذا حتى جاء الإسلام وحرر البشر، فرأيت ربعياً في حضرة أقوى رجالات ذلك الزمان، لا يأبه به ولا يعطيه أدنى اهتمام. لماذا؟ لأنه اعتز بدينه، أو هويته المسلمة، فدخل عزيزاً مرهوب الجانب. إنها الهوية التي لعب الاستعمار أو الاستدمار الخبيث، دوراً في محوها من حياة المسلمين وحياة هذه الأمة شيئاً فشيئا. فبدأ بالضرب في الخلافة، رغم ضعفها الشديد قبل قرن من الزمان، لكنها كانت نقطة تلاقي أبناء هذه الأمة، فخرجت من قاموس المسلمين. ثم تم الترويج لوثن الهوية القومية حتى اعتز العرب بقوميتهم ومثلهم الترك والفرس والهند والزنج وغيرهم من المسلمين، ليتعمق تمزيق المسلمين من بعد تشرذمهم وانفلات أمرهم بإلغاء الخلافة، وتقوقعهم في قومياتهم، ليظهر بعد قليل وثن الهوية الوطنية، ليعتز كل قوم بحدودهم الجغرافية المصطنعة، فهذا باكستاني، وذاك تركي، وذلكم جزائري وآخر سعودي، وخامس ماليزي وعاشر سنغالي ! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر الحال أكثر فأكثر في التردي، ليتعمق التقسيم في الجغرافية الواحدة لترى قبيلة تتفاخر على قبيلة، وفخيذة على أخرى، كما لو أننا رجعنا القهقرى إلى ما قبل البعثة النبوية الكريمة ! غزة العزة أترى بعد كل هذا الغرق في الوثنيات، يظهر من يحترم المسلم اليوم؟ لقد كنا قاب قوسين أو أدنى من الاستقرار في أدنى ركب الأمم، حيث لا يأبه بحالك أحد، لولا الله ثم ما جرى ولا يزال يجري في غزة. نعم، غزة العزة، هي من أوقفت هذا الهبوط وهذا الغرق، وأجبر العالم كله لا لينظر إلى حالنا، بل إلى ما يجري في هذا العالم الفوضوي، ويرى مصدر الفوضى والإجرام، ويتساءل في الوقت نفسه عن سر صمود وشجاعة أهل غزة، مقاتلين وحواضن شعبية، وسر هبوطنا المذل، وقد خرج فينا من ذي قبل، شخص مثل ربعي بن عامر، يفتخر بهويته الإسلامية، ويجبر أبرز رجالات الأمم في ذلك الزمان على قبول إملاءاته، ثم لينهزم بعدها بأيام وتنهار مملكته إلى غير رجعة. رأى العالم أن العلة فينا كشعوب وأفراد مسلوبة الإرادة وليس ديننا. نحن من صنعنا وخلقنا أوثاناً من دون الله نخضع لها ونتبعها ونسجد لها ونهواها، فكان جزاؤنا هو حالنا قبل طوفان الأقصى، الذي سيكون نقطة انطلاق أو نهوض جديد بإذن الله، ما لم تتوحش الوثنيات فينا هنا وهناك أكثر فأكثر، وبمعية ما بقي لدى الغرب المتوحش المنهار في أساسه، من قوى ومؤثرات. إنها خواطر صيفية سريعة جالت بنفسي أثناء مطالعة وتأمل مشهد ربعي مع رستم، فتحولت إلى كلمات هي التي تقرأها الآن، راجياً من الله في الوقت ذاته، أن يبدأ كل أحد منا بالتخلص من أوثانه أولاً، قبل أوثان غيره وعشرات الأوثان المجتمعية والوطنية والقومية والأممية وغيرها، فإن تحطيم تلك الأوثان، خطوة أولى نحو نهوض جديد بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز.

561

| 27 يونيو 2024

الدول وهي تنهار

من يقرأ في التاريخ بعناية وتأمل، سيجد دولاً وممالك وسلاطين كانت تظهر في فترة ما وتستمر إلى حين من الدهر، يطول عند البعض ويقصر عند البعض الآخر، ثم تبدأ رحلة الانهيار التدريجي. منها ما تكون نهايتها سريعة وأخرى تتهاوى ببطء، لكن العبرة أنها تتهاوى وتختفي، لتظهر أخرى في صورة جديدة، وهكذا الأيام دول. لكن ما يثير الانتباه هو تكرار سبب أو أسباب انهيارات الدول والممالك والسلاطين. ولا أتحدث ها هنا عن تاريخنا الإسلامي فحسب، بل تاريخ الأمم الأخرى أيضاً، باعتبار بشرية التجارب والأحداث، وما يحدث في الشرق لا يختلف عنه في الغرب أو الشمال والجنوب. لقد أثبتت التجارب البشرية في الحكم وإدارة الدول والممالك والسلاطين، أن تهاوي أو انهيار الدول والممالك إنما السبب الرئيسي يعود إلى فصول متعددة من الصراع، الذي ينشأ في مرحلة معينة بين الخير والشر في الدولة، والذي يكون عادة على صور متعددة من الخيانات والمؤامرات والدسائس التي تجري في الأوساط الحاكمة ومن يدور في فلكهم، بغض النظر عن حجم ومستوى كل جهة حاكمة ومستوى من تحكمهم. أي لا فرق بين ما يحدث في قبائل وتجمعات بدوية في صحراء ما مثلاً، وبين ممالك ودول في مدن متحضرة راقية، وصولاً إلى الإمبراطوريات الكبيرة. الفرق قد يكون في شكل وحجم الصراعات، ونوعية الخيانات والمؤامرات. لكن الخيانة تبقى هي نفسها، والمؤامرة كذلك، فلا فرق بينها في قبيلة أو دولة أو حتى إمبراطورية مترامية الأطراف، فإن سوء وخبث بعض النفوس البشرية يتكرر في كل زمان وكل مكان، وبسببه يستمر صراع الحق والباطل، وتدافع الخير والشر. صراعات بني آدم لا تتوقف الصراعات منذ ابني آدم، قابيل وهابيل، ما زالت إلى اليوم، بل وإلى الغد. تتطور وتتفاقم وتشتد حيناً بعد آخر في أي تجمع بشري، من أبسط التجمعات والتكوينات إلى أعقدها. وحين البحث عن أسبابها ودوافعها ستجد أنها غالباً تدور حول محور واحد لا ثاني له هو المال بجميع أشكاله، وما ينتج عن السيطرة على المال من حصول صلاحيات ونفوذ وتبعات، وما يعني ذلك في عالم البشر، أو عالم الإدارة والقيادة. ما انتشرت الحروب والصراعات بين البشر، سواء على شكل أفراد أو جماعات وأحزاب، وصولاً إلى الدول والممالك، إلا نتيجة مرض الطمع فيما عند الغير، أو حب تملك الآخرين، أو أنانية عميقة لا تحب الخير للغير. ولأن البشر ما زال كثير منهم ينشأ على مثل تلك الأمراض، لا تتعظ ولا تعتبر من تجارب الأولين والسابقين، تجد الأزمات والمشكلات والحروب والصراعات مستمرة إلى ما شاء الله لها أن تستمر. الترف سبب آخر مهلك أبرز ما ينتج عن الحصول على المال بوفرة بعد صراعات وحروب، هو الانغماس التدريجي لأصحاب القرار والسيطرة في عالم من الترف لا مثيل له، ثم يتبعهم بعد قليل من الدهر في ذلك النهج، غالبية من يسير في فلكهم، ثم بالضرورة بعد ذلك ستظهر طبقة مترفين في المجتمع، وستكون الثغرة أو الشرخ الذي سيبدأ مفعوله في كيان الدولة، أو المملكة، أو السلطنة، أو غيرها من كيانات سياسية. المترفون في كل أمة - كما جاء في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله - هم «طبقة الكبراء الناعمين الذين يجدون المال ويجدون الخدم ويجدون الراحة، فينعمون بالدعة وبالراحة وبالسيادة، حتى تترهل نفوسهم وتأسن، وترتع في الفسق والمجانة، وتستهتر بالقيم والمقدسات والكرامات، وتلغو في الأعراض والحرمات». الترف يؤدي إلى الإسراف، وهو مرض مؤذ قاتل، بل هو عامل أساسي في دخول البلاد أجواء الفقر، الذي إن استوطن بلداً طارت عنه القيم، وحلت الفواحش، ما ظهر منها وما بطن. المترفون فئة تتولى إهلاك الدولة - دون قصد بالطبع - لكن سلوكياتهم وأفعالهم هي السبب. الظلم قرين الترف إن ظهر ترفٌ وإسرافٌ في أجهزة كيان ما، فهذا يعني استئثار فئة قليلة بغالبية الامتيازات على حساب فئات عديدة أخرى في المجتمع. هذا الاستئثار دافع أكيد إلى نشوء مرض آخر في ذلك الكيان هو الحقد أو الكراهية في نفوس فئات محرومة تجد أن لها الحق في بعض ما عليه الفئة المترفة المسيطرة، والمستأثرة بالخيرات وما شابه. ومن هنا يبدأ الصراع بشكل وآخر، ويعني هذا أن الشرخ يبدأ في الاتساع رويداً رويداً، ويظهر التجاذب والتدافع بين المترفين وطبقات المحرومين أو الطامعين، ليتخذ المترفون، بحكم الأمر الواقع، وضعية الدفاع عن وضعهم المترف بالظلم، الذي يكون عادة مصاحباً أو قريناً للترف. فأينما وجدت مترفين، وجدت ظلماً يصدر عنهم بصورة وأخرى. ظهور وانتشار الظلم ينذر بانهيار سريع للكيان، مهما بدا للناظر قوة وصلابة هذا الكيان. إن انتشار الفساد والظلم والعدوان في أي كيان بشري قائم، يدفع بعد حين من الدهر، طال أم قصر، إلى أن تصل فئة المترفين - باعتبار الترابط الوثيق بين المال والمناصب - إلى مراكز القرار والتحكم في شؤون البلاد والعباد، لتتولى تلك الفئة بعد ذلك وهم في (سكرتهم يعمهون) السير في المشهد الأخير للبلاد، مشهد الهلاك، والانهيار والزوال، كي تجري بالتالي عليهم السنة الإلهية في هلاك أو زوال الأمم. في القرآن تجد الكثير من القصص عن الأمم والكيانات التي أزالها الله بسبب دخولها مع الغير في صراعات باطلة لأجل النفوذ والسيطرة وحب المال والامتلاك، ومن ثم انغماسها في ترف عميق استدعى بحكم النزعة البشرية، ارتكابها للكثير من الظلم في سبيل الحفاظ على مكتسباتها. وما تلك القصص التي أوردها القرآن إلا للعبرة والعظة، ولكن كم هم الذين يعتبرون ويتعظون؟ ولأنه لا يتعظ الكثيرون من ذلك، تجد مسلسل ظهور الدول والممالك ثم انهيارها مستمراً، والأسباب هي هي لا تتغير ولا تتبدل، كما هي سنن الله في الأرض لا تتغير ولا تتبدل. العدل يحفظ الكيان السياسي، والظلم ينهيه ويدفعه للانهيار. وقد قيل بأن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

591

| 20 يونيو 2024

ما أغنى عنه ماله وما كسب

إنه النموذج الأبرز للشخص الذي ما أغنى عنه ماله وما كسب.. النموذج الذي سيظل يتأمله المؤمنون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. ولكن قبل أن يصل هذا النموذج إلى تلك المرحلة التي لا تغني عنه ماله وما كسب، كان من أكثر المحبين لأخيه عبدالله الذبيح، والد نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا ما رزقه الله بولد وحيد هو نبينا الكريم ويتوفى بعدها، يقوم أبولهب مجسداً محبته لابن أخيه بعتق جاريته التي زفت إليه خبر الولادة. يؤكد أبولهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، عم النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يؤكد محبته لابن أخيه أكثر فأكثر، حتى يقوم بعد سنوات ويختار اثنتين من بنات ابن أخيه - صلى الله عليه وسلم - لأولاده، عتبة وعتيبة.. اختار رقية - رضي الله عنها - لعتبة، وأم كلثوم - رضي الله عنها - لعتيبة، رغم أنهما كانا على الشرك، فيما كانت رقية وأم كلثوم مسلمتين، حيث لم تكن آية تحريم تزويج المسلمات للمشركين قد نزلت بعد. يتغير الوضع فجأة، ويضيع كل ذلك الحب الأبوي، وتنقلب الأمور رأساً على عقب بشكل دراماتيكي. فما إن انتشر خبر الدعوة والرسالة، حتى انقلبت قريش على الصادق الأمين، وكذَّبَت دعوته فوراً، وقامت بالتصدي لهذه الدعوة الجديدة في مكة، وكان من ضمن المنقلبين، أبولهب الهاشمي، في خطوة غير مفهومة ولا مقبولة عند العرب حينذاك. إذ المفترض أن العصبية القبلية تتصدر المشهد عند أبي لهب يومذاك على عادة العرب، ولكن لم يحدث ذلك أبداً ! خالف أبولهب كل تلك التقاليد العربية المتوارثة، فكان بدلاً من ذلك، من أوائل من جاهـر بالعداوة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم – وهو لم يكن – كما يبدو للوهلة الأولى - ليحتاج إلى كل تلك العداوة مع أحد أقرب المقربين إليه، بل لم تكن هناك حاجة تستدعي أن يتنافس هو مع آخرين من صناديد وعتاة القبائل القرشية الأخرى في معاداة أحد رجالات بني قومه، بني هاشم. لكن هذا ما حدث. الانقلاب المذموم انقلب إذن هذا العم، المحب لابن أخيه للدرجة التي أعتق جارية له فرحة بمولده - صلى الله عليه وسلم - وقد كان معروفاً عندهم أن العربي لا يعتق رقاب عبيده وجواريه إلا لأمور عظيمة. إلا أن هذا العم خالف أبناء عبد المطلب وتقاليد بني هاشم وقريش وجل العرب بشكل عام. وقد كان المتوقع منه، وهو الهاشمي الأصيل، أن يكون كبقية إخوانه مع ابن أخيهم، يدافعون عنه حين بدأت قريش تؤذيه، ولو من باب العصبية القبلية، كعادة العرب في الجاهلية كما أسلفنا. خالف أبولهب توجهات بني هاشم واصطف مع كبار مجرمي قريش، أمثال أبي جهل وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف والنضر بن الحارث وغيرهم، وظهر وتبين أن سبب عداوته السريعة تلك، كما في الروايات التاريخية، هو حسد من عند نفسه على ما تفضل الله به على نبيه بالرسالة دون سائر بني هاشم، ليتطور ذلك الحسد إلى حقد أعمى ثم عداوة تتفاقم يوماً بعد يوم، حتى التهبت نفسه، وصارت ناراً تأكله هو وزوجته أم جميل، واسمها أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان، والتي اشتهرت بحمالة الحطب بعد نزول سورة المسد فيهما. لكن مع ذلك لم تردعهما السورة التي نزلت وفيها وعيد شديد لهما، إلى أن هلكا وختم كل منهما حياته بشقاء أبدي في نار ذات لهب. لم ينتفع أبو لهب بعلاقة القرابة مع خير البشر كما إخوته: سيد الشهداء حمزة، وجعفر الطيار، والعباس وعقيل وغيرهم. فلا هو أغدق خيراته على ابن أخيه ودينه مثل أولئكم العظماء، ولا كفّ شره وناصره كأضعف الإيمان، مثل أخيه أبي طالب. لكنه أبى إلا أن يكون عقرباً لئيماً عنيداً حسوداً حقوداً، أنهى حياته بنهاية لن تسره لا في قبره ولا آخرته. ما أغنى عني ماليه كل ذلك المال والجاه الذي اشتهر أبولهب به، لم تسعفه ولم تغن عنه يوم حاجته، وتحديداً يوم أن خرجت قريش لملاقاة المسلمين في بدر. فقد نفرت قريش وقام كل مقتدر على القتال بتجهيز نفسه، ومن لم يرد الخروج لسبب وآخر، قام بتجهيز الجيش أو يدفع مالاً لآخر ليقوم مقامه في المعركة، فكان أبولهب من أولئكم المتخلفين أو الباحثين عن أي عذر لعدم الخروج. حيث دفع مالاً لمن يقاتل نيابة عنه، خشية أن يُقتل في بدر، وهو يعلم أن أذاه للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – في مكة، لن يمر مرور الكرام، ولابد أن دعوة منه، عليه الصلاة والسلام، ستصيبه عاجلاً أم آجلا، وهذا ما كان فعلاً. انتهت المعركة بمقتل صناديد قريش وكبار المجرمين الذين آذوا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبه أيما إيذاء، وانتشر الخبر المحزن في مكة، وكأنما أبولهب وهو يسمع خبر المعركة، تنفس بعض الصعداء إذ لم يكن معهم، فيموت مثلهم. لكن كما في الروايات التاريخية، وتأكيداً لما عرفه الجميع من القرآن أن هذا الرجل وزوجته هالكان لا محالة، ولن تغني عنهما أموالهما الكثيرة بأي صورة من الصور، فقد أصاب أبا لهب مرض معد انتشر في جسمه، جعل الناس تتجنبه، حتى أهله والمقربين منه، إلى أن هلك. وخاف أهله الاقتراب منه لدفنه خشية أن يصيبهم ما أصابه، فتركوه أياماً حتى تعفنت جثته، فما كان منهم إلا أن حفروا حفرة قذفوه فيها بواسطة عصي، ثم رموه بالحجارة من بعيد بدلاً من التراب، في نهاية بائسة مذلة لم يقدر أقرب المقربين إليه إكرامه وقت دفنه، كما هو المعتاد مع أي ميت، تأكيداً لما قرره القرآن منذ سنوات، بأنه لن يغني عنه ماله ولا أولاده في تغيير نهايته الدنيوية، لينتقل بعد ذلك إلى عالم البرزخ، ينتظر بصورة وأخرى، نهاية ستكون أكثر بشاعة بالآخرة، جزاء ما اقترفته يداه. خلاصة قصة أبي لهب خلاصة قصة أبي لهب كما في سورة المسد، أن كل ذلك المال والجاه والصيت لم تنفعه، ولم يكن لذلك كله أي تأثير في دفع البلاء عنه - كما يقول فخر الرازي في مفاتيح الغيب - مفسراً آية (ما أغنى عنه ماله وما كسب) فإنه لا أحد أكثر مالاً من قارون، فهل دفع الموت عنه؟ ولا أعظم ملكاً من سليمان، فهل دفع الموت عنه؟ وعلى هذا يمكن القول بأن في الآية إخبارا بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك. درس مختصر بليغ خلاصته أن من يعادي الحق ويصطف مع الباطل، رغبة أو رهبة، ولا يستثمر عمره وماله وقوته فيما ينفع آخرته، فلا معنى لحياته. إذ لا قوتك ولا مالك ولا جاهك ولا منصبك ولا سلطانك ولا جيشك ولا حشمك وخدمك ولا أهلك أو قبيلتك تنفعك في آخرتك، إن كنت تؤمن بآخرة وبجنة ونار - أعاذنا الله وإياكم منها - ورزقنا رؤية الحق حقاً فنتبعه، ورؤية الباطل باطلاً فنجتنبه. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.

702

| 13 يونيو 2024

alsharq
العرب يتألقون في إفريقيا

في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...

1329

| 08 يناير 2026

alsharq
أهمية الدعم الخليجي لاستقرار اليمن

بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...

1278

| 14 يناير 2026

alsharq
توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...

792

| 13 يناير 2026

alsharq
لومومبا.. التمثال الحي الذي سحر العالم

اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...

780

| 11 يناير 2026

alsharq
مشاريع القطريات بين مطرقة التجارة وسندان البلدية

سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...

618

| 08 يناير 2026

alsharq
معول الهدم

لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...

579

| 12 يناير 2026

alsharq
السلام كسياسة.. الوساطة هي جوهر الدبلوماسية الحديثة

الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...

570

| 09 يناير 2026

alsharq
بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...

552

| 14 يناير 2026

alsharq
هدر الكفاءات الوطنية

تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...

552

| 12 يناير 2026

alsharq
الوطن.. حنين لا يرحل

الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...

534

| 09 يناير 2026

alsharq
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟

تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...

474

| 14 يناير 2026

alsharq
السياسة الخارجية التركية عام 2025

شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...

426

| 12 يناير 2026

أخبار محلية