رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلن رئيس البرلمان التركي إسماعيل قهرمان أن الدستور التركي الجديد الذي يعد له يجب ألا يتضمن إشارة إلى العلمانية وأن تؤخذ في الاعتبار فيه الهوية الإسلامية لتركيا.وقد أثار هذا التصريح -الموقف ضجة كبيرة كما لدى التيارات العلمانية كذلك لدى أوساط حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه قهرمان.ولا شك أن النقاش كما السجال حول العلاقة بين الدين والعلمانية في تركيا ليس جديدا. ورغم أن الدولة العثمانية دولة دينية في المبدأ فإن مسار التحديث والتغريب في تركيا ترافق مع إصلاحات جعلت من إصلاحات العام 1856 محطة فاصلة بين مرحلتين حيث تمت المساواة في الحقوق والواجبات إلى حد كبير بين المسلمين والمسيحيين واليهود حتى داخل الجيش العثماني. وقد استمر هذا الوضع إلى نهاية الدولة العثمانية في العام 1918.وكانت مرحلة إعلان الجمهورية في العام 1923 ذروة مرحلة التغريب والإصلاح على النمط الغربي. حيث اعتمدت لاحقا العلمانية في الدستور. لتكون تركيا بذلك البلد المسلم الأول الذي يدخل هذه التجربة رغم تجربة سابقة في ألبانيا لم يكتب لها النجاح.اندفاع تركيا في مسيرة التغريب ترافق مع تحول في خياراتها السياسية. إذ إن اعتماد الديمقراطية التعددية في العام 1945 كان جزءا من شروط الغرب لجعل تركيا جزءا من المعسكر الغربي لمواجهة الشيوعية والاتحاد السوفيتي. ومن تلك الشروط أيضا لاحقا الانضمام إلى حلف الناتو والاعتراف بإسرائيل.العلمنة كانت من شروط تعاون الغرب مع تركيا في العام 1923 لترسيم حدودها وفقا لما كان يريده مصطفى كمال أتاتورك.ومنذ ذلك التاريخ والعلاقة بين الهوية الإسلامية والعلمانية مثار صراع وصدام وليست مثار نقاش وتطوير. لأن التيار العلماني على امتداد العقود اللاحقة كان يمارس سياسة علمانية لا تنسجم مع علمانية الغرب وتلحق الضرر بالاستقرار الاجتماعي في تركيا. أي أن تركيا كانت على موعد مع علمانية على الطريقة التركية. فلم تقف الدولة على مسافة من كل الطوائف الدينية ولا المذاهب حتى داخل الدين الإسلامي. ووقفت موقفا استفزازيا من الحريات الفردية حيث منعت الطالبات المحجبات من دخول الجامعات ما لم يخلعن الحجاب. كما تم التضييق على فرصة انتساب الطلاب الإسلاميين إلى مؤسسات معينة في الدولة، والأمثلة كثيرة.وبلغت ذروة هذا الصراع مع الإطاحة بحكومة نجم الدين أربكان في العام 1997 عندما أغلقت المدارس الدينية ولوحق الإسلاميون وزعماؤهم وحظرت أحزابهم وتوعد العسكر الإسلاميين بحرب ألف عام.عندما جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 كانت رغبة فئات واسعة من المجتمع تخفيف حدة الصراع الداخلي بما يضمن حريات دينية أكثر، في أساس تأييدها لحزب العدالة والتنمية. واستمر هذا التأييد وبزخم أكبر بعدما لمست رغبة الحزب في تعزيز الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.غير أن الصراع بين العلمانيين والإسلاميين عادت حدته لترتفع في السنوات الأخيرة مع ازدياد جرعة التدين في تركيا ما اعتبره العلمانيون خطرا على الطبيعة العلمانية للنظام ومن ذلك إعطاء حريات كبيرة للدخول إلى المدارس الدينية التي ارتفع عدد الطلاب المنتسبين إليها أضعافا مضاعفة. فيما وافق العلمانيون على دخول المحجبات الجامعات انطلاقا من مبدأ أنها مسألة تتعلق بالحريات الفردية وليس كفريضة دينية.ومع أن أردوغان أعطى إشارات إلى أن تركيا علمانية وستبقى علمانية غير أن العديد من مسؤولي حزب العدالة والتنمية كانوا يلمحون بل يعربون علنا عن رغبتهم في تعديل الدستور والقوانين بما يعكس الهوية الإسلامية لتركيا.اليوم يعتبر تصريح رئيس البرلمان التركي إسماعيل قهرمان عن ضرورة عدم تضمين الدستور الجديد أي إشارة إلى العلمانية الإشارة الأكثر وضوحا ومباشرة في هذا الاتجاه. ولقد أحدث هذا التصريح اعتراضا شديدا من قبل العلمانيين كافة. ولكنه لم يقابل في الوقت نفسه بتأييد كامل لدى حزب العدالة والتنمية الذي انقسم مسؤولوه بين مؤيد ومعارض وبين من يرى ذلك حرية في التعبير الديمقراطي عن المواقف.ولا يشك أحد أن المرحلة المقبلة من تاريخ تركيا ستشهد المزيد من التجاذبات والصراعات بين التيارين العلماني والإسلامي في بلد تعتبر العوامل الخارجية، ولاسيَّما الموقف الغربي - الأوروبي، مؤثرا كبيرا في تقرير بل حسم الصراع بين التيارين.
1354
| 30 أبريل 2016
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنه ليكن معلوما لدى أوروبا أنها بحاجة إلى تركيا أكثر من حاجة تركيا إليها.كلام أردوغان جاء بعد تصريحات متعددة لمسؤولين في الاتحاد الأوروبي حول إعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي.رئيس لجنة الاتحاد الأوروبي جان كلود جونكر يقول إنه لكي يتم إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول يتطلب أن تفي تركيا بكل التزاماتها وهي 72 شرطا.الأتراك لا يتهربون من هذه الالتزامات وهم يقولون إنهم أتموا تعديلات في 44 شرطا وبقي 28 شرطا.التوقعات السابقة أن الإعفاء من تأشيرة الدخول سيكون ناجزا مع شهر يونيو أي أن الوقت المتبقي لهذا الوعد هي شهر ونيف لا أكثر، لكن هل هذا الوقت كاف لتلبية باقي الشروط؟ الشكوك كبيرة جدا، وجونكير يقول إن الاتحاد الأوروبي لن يكون متساهلا في هذا المجال.الكرة دائما كانت من حيث الشكل في ملعب تركيا، لكن الأمور ليست هكذا بدقة، فمسألة إعفاء الأتراك من الفيزا ليست بالسهولة التي يظنها الأتراك، وهي ليست مسألة تقنية أو تتعلق بتعديلات قانونية هنا أو هناك.بل هي جزء من العلاقات السياسية والاقتصادية والحضارية والأمنية بين تركيا وهذا الاتحاد، وهذه العلاقات مرت منذ العام 1963 بمد وجزر محصلتها المعروفة أن تركيا رغم مرور أكثر من نصف قرن لم تتقدم خطوة واحدة لتكون عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي بينما نجحت دول كانت عدوة للاتحاد بل شيوعية في أن تكون عضوا خلال أقل من عشر سنوات على بدء المحادثات معها مثل بولونيا وبلغاريا ورومانيا وتشيكيا وسلوفانيا وهلم جرا.الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي قبل أسابيع قليلة كان حول اللاجئين ولاسيَّما السوريين حيث تم الاتفاق على إعادة اللاجئين من اليونان إلى تركيا على أن ترسل تركيا مقابل كل لاجئ تستقبله لاجئا إلى أوروبا ومساعدات بقيمة 6 مليارات يورو والسماح للأتراك بالعبور إلى أوروبا من دون فيزا بدءا من يونيو.اليوم وحبر الاتفاق لم يجف لا تجد تركيا من يقف بحماس إلى جانبها سوى ألمانيا التي تبقى المقصد الأول للاجئين، وانجيلا ميركيل لا تريد أن تتجدد أزمة اللاجئين وتدفقهم من جديد إلى ألمانيا خصوصا أن إقفال الباب بوجههم يحرج ألمانيا ويظهرها مخالفة للاتفاقات الدولية بشأن سياسة الباب المفتوح للحالات الإنسانية والهاربين من الحروب.دول الاتحاد الأوروبي لا تريد أن تفتح أبوابها بلا حدود وضوابط أمام اللاجئين، هم سيشكلون عبئا على هذه البلاد بل سيثيرون مشكلات اجتماعية وأمنية ليست هجمات باريس وبروكسل سوى أحد نتائجها.المشكلات الأمنية والاجتماعية التي يثيرها اللاجئون ستكون من أكبر العقبات أمام قبول دول الاتحاد الأوروبي بإعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول، فليس من يضمن أن يكون بين المواطنين الأتراك من هو غير تركي بهويات مزورة، علما أن كثيرا من الجماعات الإرهابية الموجودين في الدول الأوروبية هم من أبناء هذه الدول ويحملون جوازات أصلية، وهو ما تبين من هجمات باريس وبروكسل الأخيرة.لكن في الوقت نفسه فإن من أكبر العقبات أمام إعفاء الأتراك من الفيزا هو أن اليمين الأوروبي يشن حملة إعلامية سلبية ضد تدفق اللاجئين، ويشهد هذا التيار نموا كبيرا في الآونة الأخيرة، والحكومات الموجودة الآن في السلطة ليست في وارد التضحية بسلطتها من أجل عيون لاجئين من سوريا وأفغانستان وبنغلاديش والعراق وليبيا.أيضا فإن أوروبا تتخوف من أن يهاجر عدد كبير من أكراد تركيا إلى أوروبا بسبب الاشتباكات بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، وهو ما سيخلق توترات أمنية بين المهاجرين الأتراك من أصل تركي وكردي.مع ذلك تبقى برأينا العقبة الأساسية هي البعد الحضاري من العلاقة بين أوروبا وتركيا ورغبة الأوروبيين في أن يبقوا بمنأى عن التأثيرات الحضارية الإسلامية في المجتمعات الأوروبية وهي تأثيرات تنظر إليها أوروبا على أنها سلبية. من هنا يأتي تهديد أردوغان من أنه إذا لم يف الاتحاد الأوروبي بالتزاماته فإن تركيا لن توقف تدفق اللاجئين إليه.
272
| 23 أبريل 2016
كان الأتراك في التسعينيات يعدون المشكلات التي توجد في محيطهم الإقليمي من البلقان إلى القوقاز إلى الشرق الأوسط. وكانوا يقولون إن أكثر من 60 - 70 في المائة من مشكلات العالم موجودة في محيط تركيا.هذا صحيح إلى حد كبير. ويذكر أيضا بما كان قاله الإستراتيجي الشهير والمستشار السابق للأمن القومي الأمريكي زبيجنيو بريجنسكي من أن قلب العالم في التسعينيات هي منطقة أوراسيا وهي التي تتحكم بشكل العالم.كان ذلك بعد تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال الجمهوريات عن الاتحاد السوفيتي ومعظمها في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى. وهما منطقتان تقعان ضمن المجال الحيوي لتركيا خصوصا أن العديد بل غالبية هذه الجمهوريات من أصول تركية.لكن لو أن بريجنسكي أزاح قوس قلب العالم إلى الجنوب قليلا لكان شمل منطقة الشرق الأوسط التي تشتعل منذ العام 2011 بأكثر مشكلات العالم سخونة ودموية ولكان أصاب أكثر. ذلك أنه لو لم تكن المنطقة التي عرفت ما يسمى بالربيع العربي هي المنطقة الأكثر حساسية وتأثيرا في التوازنات الإقليمية والدولية لما استمرت أبواب الدم فيها مفتوحة منذ خمس سنين وهي تدخل عامها السادس "واثقة الخطوة".لم تبق دولة وقوة في العالم من الغرب والشرق إلا وكان لها إصبع في سوريا والعراق واليمن وليبيا وما إلى ذلك.تقاطعت وتداخلت المصالح الكبرى والصغرى. كل يريد حصة له في كعكة الدم والنفط والممرات الإستراتيجية. وأدوات هذه المشاريع التنوع العرقي والديني والمذهبي والخلافات السياسية.من هذه الزاوية يمكن النظر إلى مشكلة ناغورنو قره باغ والصراع بين أرمينيا وأذربيجان الذي تجدد وإن بشكل محدود قبل أيام.فجأة ومن دون مقدمات كانت الحرب تنفجر بين البلدين ويسقط قتلى بالعشرات وتستخدم منذ اللحظة الأولى أسلحة ثقيلة ومتطورة كما لو أن الطرفين كانا ينتظران هذه اللحظة ويستعدان لها.أذربيجان وأرمينيا ضحية اللعبة السوفيتية منذ تأسيس الاتحاد السوفيتي. كان الحكام السوفيات يمعنون في تغيير الخرائط الداخلية. هذه المنطقة تلحق بتلك الجمهورية وهؤلاء القوم ينقلون من هنا إلى هناك كما لو أنهم مجرد كراسي ينقلونها من غرفة إلى غرفة داخل المنزل الواحد.النظرية الماركسية التي زعمت أنها حلت مشكلة القوميات بالاعتراف بها وبلغاتها، وهذا كان أمرا حقيقيا، لم تنجح في رسم الخطوط الجغرافية لمشكلة الأقليات. ومن هذه الأخطاء مثلا، بعد تأسيس الجمهورية الأرمينية وجمهورية أذربيجان، إلحاق إقليم ناغورنو قره باغ الأرميني بجمهورية أذربيجان. وما أدراك ما العلاقة بين الأذريين المسلمين الأتراك وبين الأرمن المسيحيين.هذه الحلول لمشكلة الأقليات أو للعلاقة بين القوميات لم تكن لتؤدي إلا إلى خلافات لا بد أن تنفجر متى توافرت الظروف لذلك. بطبيعة الحال لا يمكن أن تعطى دولة مستقلة لكل قومية. لكن أيضا لا يمكن أن يكون الحل بإلحاق قسري لقومية بدولة أخرى.الأمر شبيه جدا بالمسألة الكردية في الشرق الأوسط في العراق وإيران وتركيا وسوريا. في ظل غياب مقومات الدولة الحديثة التي تساوي بين مكوناتها كان لا بد للمشكلة الكردية أن تنفجر ولو على مراحل تارة في هذا البلد وتارة بذاك.الأقليات دائما كانت وقود القوى الكبرى الإقليمية والقوى العظمى دوليا. وحيثما توجد مسببات وبذور نزاع كانت تستخدم كتتمة للمشكلات المنفجرة في أماكن أخرى. وناغورنو قره باغ هي منطقة في قلب خط التماس التاريخي والجغرافي والسياسي بين القوى المتصارعة في أوكرانيا وفي سوريا والعراق والشرق الأوسط ككل.يمكن توجيه الإصبع إلى هذا الطرف أو ذاك بأنه يوظف الخلاف الأذري – الأرمني. ويمكن أن يكون لهذا النصيب الأكبر وغيره النصيب الأصغر. لكن قلب المشكلة يبقى في الاستخدام القاسي من قبل القوى الكبرى للقوى الصغرى التي تذهب دائما ضحية صراعات المصالح التي لا ترحم.
523
| 09 أبريل 2016
أخطر ما يحيط بالأمة العربية في هذه المرحلة هو هشاشة مناعتها تجاه التحديات الخارجية. ومنذ انهيار السلطنة العثمانية في العام 1918 واستبدالها بالاحتلال الإنجليزي والفرنسي في بلاد الشام وشمال إفريقيا ومنطقة الخليج العربي، كان هناك هدف واحد أمام الشعوب العربية وهو التحرر من الاحتلالات والانتدابات الجديدة. أي كان هناك هدف مركزي تسعى الأمة إليه. ولقد تحقق ذلك على مراحل وإن طال لعقود طويلة.من الاستعمار المباشر إلى التحرر وبكلفة تستحقها الحياة الكريمة، اندفعت الشعوب العربية إلى مرحلة أبعد عندما سعت إلى التوحد بينها هنا وهناك. كانت الوحدة الأشهر بين مصر وسوريا وكانت وحدة الإمارات الخليجية فيما عرف باسم الإمارات العربية المتحدة. وجرت محاولات توحيد أخرى لم تدم أو لم تنجح.ومن ثم انقلبت الأمور رأسا على عقب. وبدأ مسار انحداري من اتفاقيات السلام مع إسرائيل من جانب مصر والأردن أخرجت البلدين من الصراع العربي- الإسرائيلي، إلى اتفاق كان أسوأ ما يكون عليه اتفاق بين عدوين وهو اتفاق أوسلو الذي لم يحرر الفلسطينيين بل أزاح عبء تحمل إسرائيل مسؤولياتها كبلد محتل للضفة الغربية وقطاع غزة وحوّلت الشرطة الفلسطينية إلى شرطة لا تقدم شيئا لعملية الاستقلال. وكان الابتعاد عن النضال المسلح فرصة للاحتلال الإسرائيلي لكي يواصل قضم الضفة الغربية بقطعان المستوطنين الذين يزدادون يوما بعد يوم فيغيّرون من الوقائع على الأرض لتصبح عملية التحرير في حال انطلقت أكثر صعوبة.لكن الأزمات والحروب والاضطرابات التي تشهدها المنطقة العربية منذ أكثر من خمس سنوات كانت القشة التي قصمت ظهر بعير كل الآمال في عملية انتقال نحو مستقبل أكثر حرية وديمقراطية واستقلالا وتقدما.مرحلة الربيع العربي انقلبت وبالا على الأمة. ومن آمال عريضة على فتح كوة بل نوافذ في جدار التخلف إذا بالفوضى الدموية هي التي تحل محلها.تقاتل العرب فيما بينهم ودخلت قوى إقليمية ودولية على الخط تتصرف كما لو أن المنطقة العربية مستملكة لها تدير وتوجه وتسلح هذا ضد ذاك وترسم الخرائط كما لو أنها مجرد قالب حلوى تنغرز فيه السكين بسهولة غير متوقعة إلى هذا الحد.سواء في سوريا أو في ليبيا أو العراق أو حتى مصر كما في اليمن، رفع الأخ السلاح ضد أخيه والعشيرة ضد جارتها في الأرض والكلأ. وارتفعت نخوات الأعراق والإثنيات والقبائل. وشحذت سكاكين المذاهب والأديان. وبات الواحد يقاتل أخاه في الحي والقرية. وليس أبلغ على هذا المشهد مما حدث ويحدث في سوريا وفي العراق وفي ليبيا. في ليبيا لا يعرف من هي السلطة ومن هي المعارضة. كلهم سلطة وكلهم معارضة. وحيث يوجد نظام مركزي لم تكتف المعارضة برفع الصوت والسلاح بل توزعت حتى يكاد يبلغ عدد الفصائل المعارضة العشرات بل أكثر. بل هي لا تتفق على محاربة جهة محددة هي النظام افتراضا بل دخلت في صراعات بينية أطاحت بالهدف الأساسي من وجودها.هذه الهشاشة القاتلة في الاستسلام لنزعات التقسيم والشرذمة سواء الجغرافية أو الاجتماعية وبالطبع السياسية أظهر أن هذه الشعوب لم تتعلم من تجربة سايكس بيكو ومن ضعف وخواء الأنظمة التي ورثت الاستعمار.لقد أظهر العرب أنهم لم يقرأوا التاريخ وإن قرأوه فبعين حولاء. لم يستطيعوا أن يتجاوزوا غرائزهم البدائية ليؤسسوا دولة الحداثة والمعاصرة. لم تعد العصبيات القبلية والمذهبية والمناطقية معيارا صالحا لإنشاء الكيانات السياسية. لم يتعلموا من درس الاتحاد الأوروبي الذي بالكاد خرج من الحرب العالمية الثانية وبخمسين مليون قتيل ليبني اتحادا يتجاوز العصبيات والأحقاد والنعرات الدينية والمذهبية، وهي كثيرة في أوروبا.لقد أثبتت نماذج الحلول القائمة على المحاصصات الطائفية أو العرقية كما في لبنان أو العراق بعد الاحتلال، أنها ليست الحلول البناءة والمستدامة بل هي حاملة للمزيد من المشكلات وتعميق الأزمات والخلافات. وحدها العدالة والمساواة التي أساسها الانتماء والولاء للوطن وضمن عدالة تحفظ حرية الجميع في التعبير عن هويتهم وثقافتهم ومعتقداتهم في إطار الهوية الوطنية الجامعة، وحدها قادرة على طي صفحة التخلف وبدء مرحلة الأمل والاستقرار والرفاهية. لكن السؤال: كيف؟
450
| 02 أبريل 2016
يمر الشرق الأوسط بكل مكوناته في مرحلة هي الأصعب ربما منذ تقسيمات سايكس بيكو.لا شك أن إقامة الكيان العبري عام 1948 على أرض فلسطين كان الكارثة الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، ومنه بدأت مشكلات وأخطار على الأمن القومي العربي لم يسبق لها مثيل، لا يزال التهديد الإسرائيلي لأمتنا هو الأكبر والأول.مع ذلك يتوجب بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية وبعض جوارها الإسلامي أن يقف العرب والمسلمون وقفة مع النفس يراودونها عن أشجان كامنة ومسؤوليات لا يمكن إخفاؤها.الأحداث في سوريا والعراق وليبيا واليمن وفي مناطق أخرى عكست حجم المشكلات التي تنخر المجتمعات العربية والإسلامية.تبين أن هذه المجتمعات غير محصنة أمام الشائعات وأمام أول امتحان يتصل بالسيادة وبالهوية والوحدة الوطنية واحترام الآخر والتسامح معه.أما امتحان الديمقراطية وتمثيل الأفضل وفق الاختيار الحر وأما امتحان تقبل النقد واعتباره ضرورة للتقدم وأما احترام التعبير الثقافي، على الأقل عن الهوية، فهي من باب شروط المدينة الفاضلة التي لم توجد يوما على وجه الأرض.حتى مطلقها أفلاطون لم يكن يرى في البشر سوى طبقات التمييز بينها من الطبيعة البشرية ولذلك كان التمييز بين اليوناني وغير اليوناني، فاليوناني حر ولو كان في السجن وغير اليوناني عبد ولو كان حاكما.لم يستطع العراقيون أن يتوصلوا إلى دولة موحدة ومجتمع موحد، التعددية العرقية والدينية والمذهبية لا تعني بالضرورة خيار التقسيم أو الفيدرالية أو حتى الحكم الذاتي، صحيح أن الخارج عمل حثيثا على بث التفرقة وكانت عنده المقدرة على إنجاح خططه، لكن لو أننا كنا على وعي كاف بمخاطر التقسيم والتفرقة لما كنا أوصلنا أنفسنا إلى مرحلة لا يجد الخارج، الغربي خصوصا، نفسه قادرا على التغلغل بسهولة إلى داخلنا.لو لم يكن العراق محتلا من داخله في عهد صدام حسين لما كانت الولايات المتحدة نجحت في دفع العراقيين لكي يتخلوا عن نظامهم، ولو لم يكن التسلط سمة معظم الأنظمة العربية لما حصلت كل هذه الاضطرابات.هذه الشعوب والأقوام والمجتمعات التي عاشت على مدى قرون جنبا إلى جنب بل الواحد متداخل مع الآخر هل يعقل ألا تستطيع العيش معا في عصر العولمة وتحول العالم إلى قرية صغيرة؟ هل يمكن أن تعيش هذه الشعوب معا في زمن السلام والقوة ولا تعيش معا في زمن التحديات والتهديدات؟ السؤال ينسحب على سوريا، النظام والمعارضة اتفقتا للمرة الأولى على قضية واحدة وهي معارضة الفيدرالية الكردية، لكن هل حقا أن الأكراد لا يستطيعون العيش مع المكونات الأخرى في سوريا؟ وهل تلك المكونات الأخرى غير قادرة على استيعاب وتفهم مطالب الأكراد وعددهم قليل حتى تبدأ المبارزة؟ أليس خطأ أن يستبعد أكراد سوريا بفصيلهم الرئيسي حزب الاتحاد الديمقراطي عن مفاوضات جنيف؟ أليس هذا هو ما يدفع الأكراد إلى إعلان رغبتهم بالفيدرالية وربما الانفصال لاحقا؟ أليسوا مكونا سوريا أساسيا؟أيضا هذا انسحب على الوضع في ليبيا حيث تتناهش البلاد حكومتان وبرلمانان وعاصمتان وجيشان بل جيوش في عودة إلى عصر الولايات الثلاث التي كانت سائدة في عهد الاستعمار.أوليس السودان نموذجا على التفريط بوحدة البلاد إلى درجة الاستقلال الكامل لجنوبه عن شماله؟تكثر الأسئلة ويسأل الجميع عن الحل لكل هذه المشكلات التي باتت مشكلات وجودية تتعلق بالهياكل البنيوية للمجتمعات وليس فقط بمظاهر السيادة.لقد كتب الكثير عن السبب الذي جعل الغرب يتقدم والعرب والمسلمون يتخلفون ويتقسمون ويتناحرون.ومنذ هذا التساؤل قبل قرن ونصف القرن لم يهتد العرب والمسلمون حتى الآن على جواب حاسم وقاطع وإذا اعتقدوا أنهم عثروا على الجواب فإنهم لم يحسنوا ترجمته إلى واقع وحقيقة فاستغرقوا في أنانياتهم ومشكلاتهم ولم ينجحوا سوى في محاولة إقصاء الآخر من داخلهم.لقد طرحت الكثير من النظريات والأفكار للبحث عن إجابات ووسائل لسؤال الوحدة والتقسيم، لكن المطلوب إعلان حالة طوارئ فكرية لاجتراح حلول ناجحة وعملية قبل أن يفوت الأوان الذي ربما قد فات.
503
| 26 مارس 2016
فاجأت الخطوة الروسية بالانسحاب الجزئي من سوريا جميع المراقبين والمعنيين. وكما كان التدخل الروسي في نهاية سبتمبر 2015 مفاجأة مدوية كذلك كانت خطوة الانسحاب.على الأقل هذا ما يبدو في الظاهر والمعلن من التطورات. وبذلك كان يشبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الساحر الذي يخرج من أكمام قميصه أرانب الواحد تلو الآخر بشكل يدهش المشاهدين.غير أن ردود الفعل التي تلت الإعلان الروسي لا يبدو أنها كانت تحمل الكثير من المفاجأة للجميع.المعارضة السورية على سبيل المثال والموجودة في جنيف أملت أن تكون الخطوة مساعدة على تسهيل الوصول إلى حل للمشكلة السورية. أي أنها لم تقابلها بالتشكيك أو على الأقل بتشكيك كبير كما لو أنها كانت تتوقع مثل هذه الخطوة أو كانت تتمنى أن تحدث مثل هذه الخطوة.الرئاسة السورية أيضا سارعت فور إعلان الخطوة الروسية إلى إصدار بيان يشير إلى أن الخطوة تمت بالاتفاق المسبق مع النظام وهي لا تعكس أي خلاف بين الطرفين على ما شاع.أيضا كان ملفتا موقف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي رأى أن الخطوة توفر أفقا جديدا للوصول إلى حل في مفاوضات جنيف.وفي المقلب الأمريكي كان الترحيب سيد الموقف وأتبع بالإعلان عن زيارة سيقوم بها وزير الخارجية جون كيري إلى موسكو للقاء نظيره الروسي سيرجي لافروف.وبذلك بدا كما لو أن الجميع تقريبا كانوا في مناخ الخطوة الروسية. لا شك أن وقف الغارات الروسية والمشاركة الروسية في الحرب السورية ضد المعارضة كان مطلبا للمعارضة لإثبات حسن النية للتوصل إلى حل. وإذ تحقق ذلك فإن الآمال معلقة الآن على أن يكون للخطوة الروسية مفعول إيجابي يساهم في بدء مسار حل دائم ينهي النزيف السوري بكل مآسيه.ومن خلال العديد من التطورات فإن الخطوة الروسية تبدو كما لو أنها جزء من التفاهم حتى لا نقول الاتفاق الأمريكي الروسي لحل الأزمة السورية والذي بدأ بإعلان روسي- أمريكي بوقف النار في سوريا. ووقف النار لم يكن خطوة سهلة على الإطلاق نظرا لتعدد القوى والمجموعات المحاربة على الأرض. وقد صمد وقف النار بنسبة كبيرة رغم بعض الخروقات أو حتى المعارك بين الجيش السوري وتنظيم داعش أو حتى بين جبهة النصرة ومجموعات مسلحة في المعارضة.صمود وقف النار كان مؤشرا قويا على وجود تفاهمات كبيرة بين واشنطن وموسكو.وبالتالي يجب الآن الانتظار كيف يمكن أن تترجم الخطوة الروسية في مفاوضات جنيف. ومع أنه لا يجب توقع حدوث خرق جذري سريع غير أن المتوقع هو حدوث صعود بياني ولو بطيئا في المفاوضات.هل يعني هذا أنه إذا اتفق الكبار فليس أمام الآخرين سوى الانصياع أو الانخراط في التسوية المفترضة؟ربما لا يكون الأمر بهذه الطريقة، لكن يمكن للاعبين من الصف الثاني والثالث أن يمارسوا ضغوطا حتى لا تأتي التسوية على حساب بعضهم وفي مقدمة هؤلاء تركيا التي نجحت حتى الآن بتحقيق مطلب واحد وهو استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي عن المشاركة في المفاوضات. لكن هذا المكسب لا يعني شيئا في حال مضت الأطراف إلى تسوية تتطلب موافقة كل مجموعاتها وفي مقدمتهم الفصيل الرئيسي لأكراد سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي المؤيد لحزب العمال الكردستاني في تركيا.في المحصلة فإن الأزمة السورية منذ بدايتها كانت مرآة للعبة أمم كبيرة شارك فيها ثلاثة أرباع العالم وتداخلت فيها كل المصالح والمطامع والغايات. ولقد تركت هذه الحرب آثارها السلبية البالغة على الجميع ليس آخرها انفجار أزمة اللاجئين في أوروبا. ولا يعتقد أحد أنه سيكون رابحا من أي تسوية مستقبلية على حساب غيره. في هذه الحرب سيخرج الجميع خاسرين. وحدها إسرائيل هي الرابحة الوحيدة.
573
| 19 مارس 2016
أجلت القمة التركية - الأوروبية التي انعقدت في بروكسل أعمالها إلى الأسبوع المقبل لمتابعة البحث في ملف اللاجئين السوريين خصوصا.لكن القمة لا يقتصر البحث في جدول أعمالها على هذه القضية بل يطال مسائل ذات أهمية بالغة وحساسة ومزمنة بين الطرفين التركي والأوروبي.شكلت مشكلة اللاجئين أزمة لدول الاتحاد الأوروبي. فالاتحاد الذي يفرض إجراءات قانونية صارمة لدخول أراضيه فيما يعرف بمنطقة شينجين، تعرض لما يشبه الاجتياح من جانب اللاجئين السوريين وغير السوريين. وقد بدأت المشكلة منذ بداية الخريف الماضي تقريبا عندما بدأت فجأة قوافل اللاجئين القادمين من تركيا برا وبحرا بالتدفق على اليونان ومنها إلى بلغاريا ومقدونيا وسائر دول الاتحاد.لم يكن بالإمكان وقف هذا التدفق بالطرق الأمنية حيث إن ذلك كان سيشكل إدانة لمعايير الاتحاد في احتضان الهاربين من الحروب.لكن استمرار هذا التدفق خصوصا أن غالبية، إن لم يكن كل اللاجئين، هم من المسلمين شكلت إحراجا لدول الاتحاد وقادتها الذين سيُسألون من قبل الناخبين لاحقا عن تفريطهم بالتوازنات الديموجرافية داخل الاتحاد. لذا ارتفعت صرخة بعض دول الاتحاد للحد من هذا التدفق بل أغلق بعضها الحدود بسواتر حديدية.قمة بروكسل بين دول الاتحاد وتركيا حاولت أن تضع حدا لهذه المشكلة. تركيا طرف رئيس في المشكلة فمنها يخرج اللاجئون برا وبحرا. ووقف تدفقهم يتطلب معالجة من المصدر. من هنا بدأت المساومات بين الطرفين الأوروبي والتركي.في تركيا أكثر من ثلاثة ملايين لاجيء سوري ليس منهم سوى 250 ألفا في المخيمات. وحوالي مليونين ونصف المليون في لبنان وحده. وحوالي مليونين في الأردن. لكن وجود تركيا على حدود الاتحاد الأوروبي أتاح انفتاح المشكلة على أوروبا.قبل أسابيع قرر الاتحاد منح تركيا 3 مليارات يورو لتركيا مقابل إبقاء اللاجئين في أراضيها. لكن هذا الحل لم يكن جذريا إذ استمر تدفق اللاجئين. وهنا بدأت المساومات بين الطرفين. استشعرت أنقرة أن المشكلة يمكن أن تشكل مدخلا لتحقيق مكاسب في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. فطرحت عناوين لا علاقة لها بمشكلة اللاجئين. من ذلك استئناف مفاوضات العضوية مع تركيا بعدما مر على تجميدها أكثر من ست سنوات بسبب رفض تركيا التعامل مع الموانيء والمطارات القبرصية اليونانية.ومن مقترحات تركيا، إلغاء تأشيرات الدخول إلى منطقة شنجين لمواطني تركيا بحيث يمكن لهم الدخول والتنقل بحرية في دول شنجين.وهذان المطلبان ليسا بهذه السهولة التي تظنها تركيا ويترتب عليهما الكثير من النتائج في الاتحاد الأوروبي. ومن ذلك تخوف أوروبا من تدفق كبير هذه المرة من جانب المواطنين الأتراك لا اللاجئين السوريين إلى دول الاتحاد وتكون النتيجة هي نفسها: آلاف بل عشرات بل مئات الآلاف من المسلمين يدخلون الاتحاد بطريقة شرعية لكنهم يبقون هناك بطرق غير شرعية أملا بالحصول على عمل وعلى الجنسية لإحدى دول الاتحاد. وهذا يكون حلا لجزء من مشكلة البطالة في تركيا نفسها لا في أوروبا.ردود الفعل الأوروبية على المقترحات التركية كانت متباينة. وفي مسائل أساسية يتطلب اتخاذ أي قرار إجماعا ليواجه خطر السقوط. حتى مطلب إدخال لاجئين سوريين جدد محدودي العدد قابله رئيس وزراء المجر مثلا بالقول "إذا وافقت على ذلك فسوف يشنقونني لدى عودتي في ساحة بودابست".أما مطلب استئناف المفاوضات فيواجه بمعارضة من فرنسا وآخرين. كذلك فإن إلغاء تأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك دونه شروط كثيرة أحصاها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بـ 72 شرطا! لا يعارض الأوروبيون زيادة المساعدات لتركيا ولو كانت 3 مليارات يورو إضافية بشرط حصر وجود اللاجئين في تركيا وإعادة الموجودين الآن في اليونان إلى تركيا مع استضافة قسم محدود منهم. لكن الأمور لا تبدو مقبولة على هذا النحو من تركيا. قضية معقدة وتداخلت فيها عوامل كثيرة بل إن حلها لا يتعلق فقط بالطرفين التركي والأوروبي بل بكل العالم المطلوب منه إيجاد حل جذري لمشكلة اللاجئين وهو وقف الحرب وإيجاد حل سياسي للأزمة السورية. وخلا ذلك فإن ملف اللاجئين سيبقى مفتوحا بين تركيا والاتحاد الأوروبي ولو توصلوا غدا إلى اتفاق شامل.
327
| 12 مارس 2016
تركت الحرب في سوريا أثرها على جميع الدول المحيطة بسوريا وتلك البعيدة عنها. فكل دول المنطقة خصوصا المسلمة والعربية منها ذات بنية متشابهة من التنوع العرقي والديني والمذهبي. ولكن من بين الدول التي تأثرت كثيرا بالأزمة في سوريا كانت تركيا. وتركيا ليست دولة صغيرة في المنطقة فلها مصالحها ولها تطلعاتها. الحرب في سوريا أسفرت عن ثلاث نتائج جوهرية (يمكن تعداد أكثر من ثلاث) تمس عميقا عناوين السياسة الخارجية لتركيا بل أمنها القومي في بعض جوانبه.ليس من أحد كان يتوقع المسار الذي سلكته الأزمة السورية ولكن التقدير الاستراتيجي السليم كان يمكن له على الأقل أن يخفف من التطورات المفاجئة غير المتوقعة وبالتالي من تأثيراتها.أولا نشوء حالة كيانية كردية في شمال سوريا تشبه الحالة الكيانية الكردية في شمال العراق. وهذا يفسر جانبا من الغضب التركي الأخير تجاه ما يجري في سوريا وتقدم قوات الحماية الكردية في أكثر من منطقة.الحالة الكردية في سوريا تشكل تهديدا لتركيا وفقا لزاوية القراءة التركية وليس بالضرورة ذلك وفقا لقراءات أخرى. التمدد الكردي في شمال سوريا يجعل تركيا أمام جار "جديد" نوعيا هو الأكراد، ويقطع صلتها بالعالم العربي إلى حد كبير بعدما قطعت الصلة مع العرب في شمال العراق بنشوء الكيان الكردي.والبعد الثاني من الحالة الكردية في سوريا أن أكراد سوريا وقياداتهم السياسية على صلة مباشرة بأكراد الداخل التركي مما يضفي علاقة جدلية بين الواقع الكردي على جانبي الحدود لتكون تركيا أمام تحد كردي يتجاوز حدودها إلى الجنوب.ثانيا خسرت تركيا من جراء الحرب في سوريا روسيا الاتحادية التي كانت إلى بضعة أشهر خلت شريكا استراتيجيا لتركيا على جميع الأصعدة. التدخل الروسي العسكري في سوريا قلب التوازنات رأسا على عقب. وكان إسقاط تركيا لطائرة قاذفة روسية في نوفمبر عام 2015 نقطة التحول في اتجاه قطع هذه الشراكة كلية ومن أكبر نتائجها إغلاق المجال السوري كلية أمام حركة الطائرات الحربية التركية وتقييد حركتها حتى على الجانب التركي من الحدود. وكانت خسائر تركيا على الصعيد الاقتصادي هي الأكبر بحيث تأثر القطاع الزراعي والسياحي سلبا أمام العقوبات الروسية كما التفجيرات في الداخل التركي. لقد "كسبت" تركيا روسيا عدوا جديدا من الشمال ومن الجنوب وهذا وضع لم يسبق لتركيا أن واجهته حتى في ذروة الحرب الباردة.ثالثا لم تكن تركيا تتصور يوما أنها ستكون على نقيض حليفها الاستراتيجي الولايات المتحدة في بعض العناوين الأساسية. ومن ذلك الموقف من أكراد سوريا حيث سعت تركيا حثيثا في الأيام الأخيرة لتفرض على واشنطن رأيها بأن حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في سوريا تنظيما إرهابيا. بينما كانت الإدارة الأمريكية بكل مسؤوليها ومواقعها تكرر يوميا أن الحزب المذكور ليس إرهابيا. لقد بنت أنقرة أغلب سياستها السورية في الأشهر الأخيرة على قاعدة أن حزب الاتحاد الديموقراطي منظمة إرهابية، وهذا يعني، لو وافقت واشنطن على هذا التوصيف، سحب ورقة الأكراد من تحت أقدام أمريكا. في حين أن واشنطن تعمل على الإمساك بالورقة الكردية في سوريا كما أمسكتها في العراق تمهيدا لإمساكها في دول أخرى وهي ورقة أساسية في سياسة أمريكا السورية وفي المنطقة.هذه التحديات الثلاثة التي تواجهها تركيا اليوم هي من نتاج الأزمة في سوريا. والاقتناع السائد في تركيا نفسها والذي يضغط على سلطة حزب العدالة والتنمية أن تركيا كان يمكن لها ألا تصل إلى هذه النتائج لو أنها اتبعت تجاه سوريا والمنطقة ككل، سياسات واقعية بعيدا عن الشعارات الإيديولوجية التي تثير من الخصومات أكثر مما تكسب أصدقاء.
516
| 27 فبراير 2016
تسارعت التطورات في سوريا منذ أن نجحت القوات السورية وحلفاؤها وبتغطية جوية فاعلة من الطائرات الروسية بكسر الحصار على قريتي نبل والزهراء وبالتالي قطع الطريق من أعزاز والحدود التركية إلى مدينة حلب.استكمال قوات الحماية الكردية السيطرة على مدينة تل رفعت جنوب أعزاز أكمل نهائيا قطع طريق الإمداد إلى المعارضة في حلب في الشمال ولم يبق للمسلحين هناك سوى طريق إمداد من إدلب وريفها المؤدي إلى الحدود التركية غربا.عند هذا التطور تفاعلت الأحداث وكانت تركيا هي المعنية الأولى بهذا الأمر.ذلك أن تركيا كانت رفعت خطوطا حمرا متعددة قبل هذا التاريخ ومنها منع قوات الحماية الكردية بفصيلها الرئيسي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم من أن يخرجوا من عفرين شرقا في اتجاه أعزاز وتل رفعت ومنغ ومطارها ومن تجاوز نهر الفرات غربا إلى جرابلس التي تسيطر عليها داعش.تركيا تريد من وراء رفع هذه الخطوط أن تمنع عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من السيطرة على المنطقة الممتدة من جرابلس إلى عفرين.لو استطاع الأكراد السيطرة على هذه المنطقة يعني استكمال السيطرة على كامل الحدود السورية مع تركيا خلا تلك المحاذية مع لواء الإسكندرون في ريف اللاذقية وريف إدلب وجسر الشغور.كما تريد تركيا من منع الأكراد التقدم إلى تلك المنطقة منع تدفق موجات جديدة من اللاجئين السوريين إلى الداخل التركي وحصرهم بالتالي في تلك المنطقة.في المحصلة الميدانية إن طريق تركيا إلى حلب قد انقطعت من جهة معبر باب السلامة حتى لو لم يسيطر أحد على أعزاز التي تعتبرها تركيا خطا أحمر.لم يعد لأعزاز قيمة ميدانية مادام الطريق منها إلى حلب غير مفتوح أمامها.وهذا الجيب الحدودي مع أعزاز بالكاد يتعدى عرضه 10-15 كلم، لكن أكثر من 90 في المائة من الشريط الممتد من جرابلس إلى أعزاز أي ما يقارب الـ80 كيلومترا والمحاذي للحدود التركية هو بيد تنظيم "داعش".إذا اعتبرنا أن تنظيم داعش هو من وجهة النظر التركية تنظيم إرهابي فإن تركيا لا تستطيع أن تستخدم هذه المنطقة كمعبر إلى حلب. ويبقى لتركيا فقط كطريق إمداد إلى حلب طريق جسر الشغور – إدلب. وهذه الطريق ليست سهلة الاستخدام نظرا لطبيعتها الجغرافية الصعبة بخلاف منطقة أعزاز وصولا إلى جرابلس السهلية.من هنا نجد أن تركيا تلقت ضربة موجعة في الميدان السوري في منطقة حلب، بل أكثر من ذلك فإن التحدي الذي واجهته تركيا ولا تزال في تلك المنطقة كان قاسيا على تركيا التي يمكن القول إنها خسرته، إذ إنه رغم التحذيرات التركية ورغم القصف المدفعي الذي قامت به على أعزاز ومحيطها فإن حزب الاتحاد الديمقراطي رفض التحذيرات التركية بالانسحاب من مطار وبلدة منغ ورفض عدم التقدم إلى تل رفعت بل استولى عليها كما تقدم وسيطر على بلدة مارع.كل ذلك بتغطية من الروس، أي إن الأكراد لم يكتفوا برفض التهديدات التركية بل كسروا الخطوط الحمر التي رفعتها أنقرة بوجههم.
405
| 20 فبراير 2016
تتفاقم الأزمات الضاغطة على تركيا في شأن الأزمة في سوريا وأحد أبعادها الأساسية العلاقة أو الموقف من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، فضلا عن حزب العمال الكردستاني في الداخل التركي.لا أحد يحسد تركيا على وضعها الداخلي الذي يواجه تحديات اجتماعية وأمنية كبيرة غير مسبوقة.فتدفق اللاجئين المستمر منذ أكثر من أربع سنوات يكاد يغير هوية بعض المناطق الديموغرافية في تركيا. والمشكلات الناشئة عنهم متعددة سواء بالمخاطر الأمنية أو منافسة العمالة التركية داخل بلادها.أما الوضع الأمني فهو يمر في أسوا مراحله بل يفوق ما كان سائدا في التسعينيات وهي الفترة الموصوفة في تركيا بأنها الأكثر دموية في تاريخها.فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر والمعارك تدور في أكثر من مدينة تركية بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني في حرب شوارع ومدن فعلية حيث المتاريس والخنادق والحواجز ويلحق الدمار بالأبنية في مشاهد تذكر ببعض المدن السورية. ومن نتائج الحرب الداخلية بين الدولة والأكراد تهجير عشرات الآلاف من السكان من منازلهم ومدنهم.وبمعزل عما إذا كانت الحرب الكردية - التركية متصلة بالحرب في سوريا أم لا فإنها غير مسبوقة ومرشحة لمزيد من التصعيد. وها هو أحد قادة حزب العمال الكردستاني دوران قلقان يقول قبل أيام: "للمرة الأولى منذ 43 سنة نحقق التفوق في المدن وخلال فصل الشتاء" معلنا أن الأسابيع والأشهر المقبلة سوف تشهد اتساعا في نطاق العمليات العسكرية التي ينفذها حزب العمال الكردستاني وسوف" نلقن الحكومة التركية درسا ثقيلا".ولا تكاد الحكومة التركية تنام على مشكلة حتى تستفيق على أخرى في سلسلة لا تنتهي من المخاطر والتحديات.ومع أن الموقف الأمريكي ليس جديدا هذه المرة فإنه يأتي في لحظة أمنية وسياسية حساسة لتركيا. ففي الداخل السوري تشهد المعارضة المدعومة من تركيا تراجعا ميدانيا كبيرا خصوصا في منطقة ريف اللاذقية وحلب وهو ما أدى إلى قطع طرق الإمداد الرئيسية من تركيا إلى مسلحي حلب. لكن موجة هجرة جديدة قد بدأت بتدفق أكثر من خمسين ألف شخص حتى الآن ومرشحين للتصاعد في الأسابيع المقبلة في اتجاه حدود تركيا هي التي يوجد فيها أكثر من مليونين ونصف المليون لاجيء. وهو ما دفع حتى بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للمجيء إلى تركيا لمنع استمرار تدفق اللاجئين إلى أوروبا.هذه المخاطر الأمنية والسياسية واللاجئين دفعت الرئيس التركي مثل رئيس الحكومة التركية إلى الدعوة لتدخل عسكري في سوريا لوقف العمليات الروسية.لكن الدعوة لم تجد صدى من قبل أحد. فلا الأمم المتحدة تحركت ولا الاتحاد الأوروبي يريد ذلك ولا العرب في وضع يستطيعون معه فرض إرادتهم. وتبقى الولايات المتحدة التي يبدو أنها منشغلة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية أو أنها لا تريد أن تدخل في صدام مع روسيا لتكون النتيجة تقدما للمحور الذي يقف خلف النظام من جهة ولقوات الحماية الكردية من جهة أخرى. وهو ما يثير قلق تركيا وغضبها. إذ إن تركيا تنظر إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، الفصيل الرئيسي في قوات الحماية الكردية في سوريا، على أنه منظمة إرهابية مثله مثل حزب العمال الكردستاني. لكن الصدمة لتركيا أن الناطق باسم الخارجية الأمريكي جون كيربي صرح يوم الثلاثاء الماضي إن الولايات المتحدة ترى في حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية لكنها لا ترى في حزب الاتحاد الديمقراطي منظمة إرهابية. تركيا ترى ذلك على أنه تشجيع لقوات الحماية على التوسع في سوريا في لحظة فائقة الأهمية والخطورة على تركيا. وهو ما دفع الخارجية التركية إلى استدعاء السفير الأمريكي في أنقرة لإبلاغه احتجاج تركيا على تصريحات كيربي. وقبل ذلك كان أردوغان يدعو واشنطن إلى الاختيار حرفيا بين أن تكون "شريكة لتركيا أو للإرهابيين الأكراد في كوباني".تدرك أنقرة أنها لا تستطيع التدخل بمفردها عسكريا في سوريا فهي في النهاية دولة أطلسية. كما أنها تريد أن تشارك في الحرب السورية ضمن تحالف تقوده واشنطن. ومن دون الموافقة الأمريكية التي لا يبدو أنها ستأتي في المستقبل المنظور ستبقى تركيا تواجه تحديات ومخاطر لن يستطيع أحد أن يدرك نوعها وشكلها وحجمها وتأثيراتها.
390
| 13 فبراير 2016
انعقد مؤتمر جنيف 3.. لم ينعقد. المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أعلن بعد اجتماعه الأول مع وفد المعارضة المعروف باسم هيئة الرياض، أن مؤتمر جنيف قد انطلق رسميا.لكنه بعد اجتماعه مع وفد الحكومة السورية برئاسة بشار الجعفري أطلق دي ميستورا تصريحات متشائمة، فالوفد السوري قال إن المؤتمر لم يبدأ بل لا يزال في طور التحضير.من اللافت فعلا أن الاستعداد لمؤتمر جنيف 3 شهد حركة ناشطة خلال الأسابيع الماضية وتحركت الدول الإقليمية والكبرى كلها، كانت الأجواء تشير إلى إمكانية أن يكون المؤتمر محطة فاصلة في الأزمة السورية وأن يكون ما بعده غير ما قبله.إحدى أهم المشكلات في المؤتمر أن المعارضة ليست موحدة وليست كلها ممثلة، فهناك معارضة تؤيدها السعودية ومعارضة تدعمها موسكو ومعارضة غير ممثلة أبدا.ربما تجد مشكلات المعارضتين الأوليين حلا لها، لكن تغييب معارضة مثل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عن المؤتمر ليس بالتفصيل بل لعله سيكون عقدة الحل في حال تم الاقتراب من صيغة للحل.ولا شك أن أكراد سوريا ممثلين بأشخاص ذوي انتماء كردي سواء بوفد الحكومة أو بوفد المعارضة الأول، لكن هؤلاء الأشخاص بالكاد يمثلون أنفسهم حيث إن التمثيل الكردي الأبرز والأقوى هو للاتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه صالح مسلم.والحزب معروف بولائه لزعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجالان، لكن هذا لا يعني أنهما حزب واحد بل هما حزبان منفصلان تنظيميا وإداريا وتتباين أولوياتهما، حزب العمال الكردستاني مسرح عمله تركيا فيما الثاني سوريا، أي يشبهان تنظيمات الأحزاب الشيوعية السابقة، تجمعهم إيديولوجيا واحدة لكن ظروف عمل كل منها يختلف تبعا للبلد الذي يتواجد فيه.لذا فإن رغبة تركيا أن تسحب على حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الصفات نفسها التي تطلقها على حزب العمال الكردستاني ليس في محله، فالحزب السوري لم يرفع السلاح بوجه القوى الوطنية السورية بل بوجه تنظيمات إرهابية مثل داعش المصنفة لدى تركيا إرهابية.غياب أكراد سوريا عن المؤتمر ليس أمرا هامشيا.يلفت النظر أنه في الثلاثين من يناير زار مدينة عين العرب/ كوباني الكردية في شمال سوريا بريت ماغ غيرك المبعوث الخاص لباراك أوباما والمنسق لمكافحة داعش والتقى بمسؤولي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي هناك.في الساعات نفسها كان مساعد وزير الخارجية الأمريكي طوني بلينكين يلتقي في جنيف برئيس الحزب الكردي صالح مسلم.ليس من حاجة إلى عرّافين لمعرفة محتوى وأهداف المحادثات الأمريكية بالجملة مع المسؤولين الأكراد السوريين.أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تركيا قبل أسبوعين كان التباين قائما بين أنقرة وواشنطن حول الموقف من حزب الاتحاد الديمقراطي. أنقرة أصرت على موقفها السابق بأنه منظمة إرهابية بينما بايدن لم ينظر هكذا. والدليل الأكبر على الموقف الأمريكي هو اجتماعهم مع ممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي وإلا لكانت اجتماعاتهم هي مع عناصر إرهابية وهذا غير منطقي.ما يبرز هنا أن جنيف 3 لن تكون له أي نتيجة قبل أن يشارك فيه ممثلون عن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، هذا أمر محسوم، فهذا الحزب يمثل الغالبية العظمى من أكراد سوريا وهو يحارب التنظيمات الإرهابية كما أنه يسيطر على أكثر من 15 في المائة من أراضي سوريا. هذه العناوين الثلاثة مجتمعة، وبمفردها لا تشكل أي قيمة وحيثية، هي التي تفرض مشاركة الحزب في مؤتمر جنيف.المشكلة في القوى المشاركة في جنيف أنها لا تريد أن تصدق أن العالم يتقاسمه طرفان هما أمريكا وروسيا، أمريكا ساعدت أكراد سوريا في كوباني وتل أبيض ورأس العين فيما روسيا لا تخفي دعمها الكامل لأكراد سوريا. وليس من طرف، لا أمريكا ولا روسيا، يريد خسارة الطرف الكردي الأفعل والأقوى وبالتالي تغييبه عن جنيف، خسارة روسيا أو أمريكا لأكراد سوريا هو خسارة إستراتيجية، لذا فإن استبعاده حتى الآن عن المؤتمر ليس سوى خطوة تكتيكية من جانب روسيا وأمريكا ليس إرضاء لتركيا بل استيعاب لها في انتظار لحظة المشاركة لقوة تنسجم مع منطق أن التاريخ لا يصنعه سوى الأقوياء.
442
| 06 فبراير 2016
بدأت محادثات جنيف -3 السورية بثلاثة وفود. واحد للنظام وثان للمعارضة التي اجتمعت في الرياض، وثالث لمكونات معارضة أخرى. لن تكون جنيف- 3 نهاية الطريق ولا الأخيرة كما لم تكن الأولى. وإذا كان الخلاف على من يشارك في المفاوضات أخذ كل هذا اللغط والمشاورات والمساومات، فهذا مؤشر على أن المفاوضات ستكون طويلة ومعقدة يتخللها حتما استمرار العمليات العسكرية على الأرض والتهجير والدمار في البيوت. وقد مرت الحرب السورية بأطوار متعددة تشبه تعاقب الفصول الأربعة وسنوات العجاف وسنوات المطر. وكانت الحرب كرا وفرا. بدأت بطرفين وانتهت إلى أطراف تحتاج إلى مجتهد في الحساب ليعرف عدد الأطراف المتورطة فيها سواء داخلية أو إقليمية أو دولية. يختصر المحللون الوضع في سوريا على أنه حرب كونية في سوريا وعلى سوريا ومن خلال سوريا. في سوريا أكبر القوى تشارك، من الولايات المتحدة إلى روسيا إلى دول أوروبية ومن تركيا إلى إيران ودول عربية كثيرة. أما المقاتلون فمن معظم دول العالم. يذهب السوريون وممثلوهم ومن ورائهم دول مؤثرة إلى جنيف أملا في بدء مسار يفضي إلى حل. التطورات الميدانية معقدة جدا والخلافات السياسية كثيرة جدا والأهداف تتباين حتى ضمن التيار الواحد. التفاؤل بنتيجة لهذه المفاوضات ليس في محله. مؤشر واحد فقط ربما يعطي بعض الأمل وهو أن خطة الحل قد تتضمنها للمرة الأولى قرار دولي، هو القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. هو ليس مقرر أو بيان عن اجتماعات جنيف الأولى أو الثانية أو موسكو أو فيينا، بل هو أول قرار رسمي يصدر عن الأمم المتحدة يتعلق بالأزمة السورية وبالتالي يمكن أن يكون بل يفترض أن يشكل المرجعية الرئيسية لحل الأزمة السورية. هذا يعطي بعض التفاؤل. لكن حدة التناقضات وحجم الخلافات يقلل من جرعة التفاؤل. طالت الأزمة في سوريا كثيرا. والمآسي الناتجة عنها لم يشهدها بلد آخر في المنطقة وفي العالم منذ الحرب العالمية الثانية. والمسؤولية لا يمكن أن يتحملها طرف بعينه بل هي مسؤولية مشتركة وجماعية. في مقارنة مع الوضع في المنطقة قبل مائة عام يفترض أن تأخذ الشعوب ومسؤولوها عبرا ودروسا مما حصل حينها. في مثل هذا العام بالضبط، أي العام 1916، كان اتفاق سايكس- بيكو الذي رسم خريطة المنطقة القائمة حاليا مع بعض التعديلات. بعد مائة عام كانت شعوب سايكس- بيكو تترحم على تلك الاتفاقية وباتت تدعو أن يحفظ الله المنطقة كما رسمها الثنائي الفرنسي والإنجليزي. فسيول الدم التي تدفقت قسّمت المقسّم وأدخلت الإثنيات والأديان والمذاهب والعشائر بعضها في بعض بكل المنطقة وليس في سوريا فقط. من سوريا إلى العراق ومن اليمن إلى ليبيا ومن الجزائر إلى تونس وصولا إلى مصر. لكن ما يمكن أن يلفت النظر في الشق السوري من بقايا هذه الاتفاقية ما يتعلق بالبعد الكردي منها. سايكس- بيكو انتهت في مطلع العشرينيات إلى تقسيم كردستان الجغرافية على أربع دول: إيران وسوريا والعراق وتركيا. الشق الأكبر في الخلاف كان في العراق وفي تركيا. أتاتورك أعطى الأكراد في تركيا حكما ذاتيا في اجتماع للبرلمان التركي في العام 1922. لكن اتفاقية لوزان عام 1923 طوت الحكم الذاتي الذي عاد أتاتورك لينكره. واستمر الإنكار حتى يومنا هذا. أما في العراق فإن الجرح الكردي بقي مفتوحا وإن كان بحدة أقل ليشكل منذ الستينيات وصولا إلى العام 2003، تاريخ غزو العراق، واحدة من أكثر المراحل دموية في العراق. لكنه انتهى إلى فيدرالية أقرب إلى دولة مستقلة. بينما بقي الجرح حتى الآن ومنذ عام 1923 ينزف وبشدة ولم يعرف قرارا ولا استقرارا بل زادت حدته منذ عدة أسابيع. إذا كان من مستجد ميداني لافت للنظر في سوريا فهو نمو الحالة الكردية. ما هو مستغرب أن يدعو المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا الأطراف كلها الكبير منها والصغير إلى طاولة جنيف- 3. لكنه امتنع عن دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي يسيطر على 80 في المائة من الشريط الجغرافي السوري مع تركيا. وهو تنظيم تتهمه تركيا بالإرهاب فيما تعتبره واشنطن محاربا من أجل الحرية والركيزة الأساسية في محاربة"داعش". أكبر ضرر على مسار المفاوضات أن يكون التنظيم الكردي الأساسي في سوريا خارجها. وأكبر خطأ أن تتكرر مأساة سايكس- بيكو وأن يعتبر أكراد سوريا أنفسهم من جديد ضحية تآمر جديد متعدد الطرف.
489
| 30 يناير 2016
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6570
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
987
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
846
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
807
| 16 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
624
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
615
| 20 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
489
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
474
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
468
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
435
| 20 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...
417
| 15 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
405
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية