رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أكثر المشاهد السورية مأساة وخطرا

قد تتناسى الثكلى وتتجاوز حدادها، وقد يتجاوز المكلوم فقدان المحب، وقد يجد العاطل عملا، وقد يشفى المريض ويبرأ الجريح، وقد يجد اللاجئ مأوى، وقد يجد الأعزب عروسا، وقد يجد العروسان شقة تؤويهما يوما، ولكن ماذا عمن فقد الأمل؟ جيل سوري كامل من ملايين الأطفال بلا مدارس أو تعليم، جيل قادم بلا أمل. من يزر مخيمات اللاجئين السوريين ويشاهد هؤلاء الأطفال، يشعر بقشعريرة على مستقبل هؤلاء الأطفال، أو بالأحرى يشعر بانعدام مستقبلهم، يشاهد الزائر لهذه المخيمات مشاريع انتحار المستقبل، كل طفل يمثل موتا مبكرا للأمل لأنهم أطفال محرومون من أبسط وسائل العيش الكريم، ولكن الأخطر أنهم محرومون من الأمل.  يراد لمأساة الشعب السوري الاستمرار، ومطلوب بقاء الطغيان والفوضى هناك أطول مدة ممكنة، فمعظم الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة لا ترى مصلحة لها بوضع حد لمأساة شعب ودولة تشهد تدميرا عشوائيا بلا هوادة. مئات الآلاف من القتلى والجرحى وملايين المشردين وتدمير لمظاهر الحياة والخدمات الأساسية، والأخطر قتل الأمل بحرمان جيل كامل من التعليم.  رغم مأساة الشعب الفلسطيني وما تعرض له من ظلم وتشرد، إلا أنه شعب أصر على التعليم، وخلق فرصا مستحيلة لأطفال اللجوء جميعا، وسجل الشعب الفلسطيني رغم المأساة التي يعيشها أعلى معدلات لمحو الأمية، وحرص الفلسطيني دوما على التعليم قبل الخبز، بينما حرص غيره على المظهر قبل العلم والخبز، فكان أن عاش الفلسطينيون رغم الفقر والعوز بكرامة وعزة في الديار التي لجأوا إليها أو حتى داخل فلسطين المحتلة نفسها. قبل الغزو العراقي للكويت عام 1990، عاش أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني عرف عنهم تقديسهم لطلب العلم والتعليم، حيث يكدح الأب الفلسطيني ليل نهار لتعليم أولاده، فذاك يدرس بالأردن وتلك تدرس بالقاهرة، وآخر بأمريكا وهكذا. ولم يعرف عن المجتمع الفلسطيني الذي عاش بالكويت الجريمة والرذيلة والانحراف، بل على العكس من ذلك، عرف عنه الصرامة والشدة والتضحية من أجل العلم والتعليم، فكان العلم بمثابة حصانة حمته وصانته من الفجائع التي توالت على الشعب الفلسطيني. وقد تميز الفلسطينيون حيث تواجدهم بالدأب والجد، وتميزت مجتمعاتهم بشكل عام بالفضيلة والجهد وندرة الجريمة وقلة الرذيلة. فالجريمة والمخدرات وممارسات الرذيلة بشتى أنواعها تنتشر غالبا في أوساط الفقر والجهل وانعدام الأمل بانعدام فرص التعليم، وهو ما حرص الفلسطينيون على تلافيه دوما بخلق فرص التعليم من العدم.  "ليان" حملة شبابية خليجية تجمع التبرعات لمساعدة اللاجئين السوريين بلبنان وغيرها، تستهدف تعليم الأطفال بالدرجة الأولى، تجمع التبرعات لدفع رسوم الدراسة والمواصلات والزي المدرسي والوجبات بمبالغ زهيدة نسبيا، يعملون بإخلاص وبلا أجندات، هدفهم إنساني بحت يركز على مساعدة الطفل السوري المنكوب بشكل أساسي. التسمية نسبة إلى "ليان" السورية التي ماتت بالمخيمات بلبنان وعمرها شهور بسبب نقص الدواء لمرض أصابها، فأصبحت رمزا للأمل، وارتبط اسمها بنافذة على المستقبل ونداء للتعليم.  مطلوب مبادرة شعبية خليجية على مستوى عالمي تدرك مأساة وخطر مستقبل الجيل السوري الذي تفوته فرص التعليم، والدفع بمبادرات مثل "ليان" التي تبتعد عن أجندات السياسة وسوق نخاسة المتاجرة بمأساة الشعب السوري، وما أروجها هذه الأيام.  نحن جميعا مطالبون بفتق هوة صغيرة في جدار اليأس، وإشعال شمعة مضيئة في دامس ظلام النكبة، خلقا للأمل لجيل بلا أمل.

590

| 18 نوفمبر 2013

جولة أمير قطر والأبعاد الوحدوية

يستهل أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني جولة خليجية تبدأ اليوم الاثنين في أول زيارة رسمية له خارج الدولة منذ توليه مقاليد الحكم بعد تنازل فريد بالتاريخ العربي من قبل والده الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في يونيو الماضي. وكان الشيخ تميم قد زار المملكة العربية السعودية برمضان الماضي بهدف أداء مناسك العمرة، والتقى أثناء الزيارة بالملك عبد الله بن عبد العزيز وعدد من القيادات السعودية. سيبدأ الشيخ تميم الجولة الخليجية بزيارة دولة الكويت، وكان أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أول مهنئيه بتسلم مقاليد الحكم على رأس وفد رسمي رفيع. ولعل باستهلال الشيخ تميم جولته خارج قطر بدول الخليج رسائل واضحة لا تخفى على المراقب والمتابع للساحة الخليجية والإقليمية، فأمير قطر يدرك أن هناك تباينا بين دول الخليج حول قضايا إقليمية ودولية مختلفة، من بينها: التباين الخليجي في كيفية مساعدة الشعب السوري بوقف معاناته وما جره عليه نظامه من ويلات وهلاك، أقول بتباين حول "كيفية" مساعدة الشعب السوري وليس خلافا بين دول الخليج من موقف مساعدة الشعب السوري ومحاولة إنقاذه، فتلك أرضية تقف عليها دول مجلس التعاون الخليجي بثبات. كما تتباين دول الخليج في كيفية دعم مصر والظروف المواتية لهذا الدعم، قطر وباقي الدول ترى مسألة استقرار مصر وأمنها وقوتها عنصرا إستراتيجيا هاما لاستقرار وأمن دول الخليج جميعا، وبغض النظر عمن يحكم في مصر فإن مسألة دعمها والوقوف إلى جانبها مسألة لا يختلف عليها قادة دول مجلس التعاون الخليجي، بل إن الشيخ تميم نفسه أكد لكاتب هذا المقال في لقاء مع مجموعة من الكتاب والإعلاميين على هامش المؤتمر السنوي لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بديسمبر الماضي بالدوحة أن قطر تقف مع مصر بغض النظر عمن يحكمها، لأن مسألة حكم مصر مسألة تعود للشعب المصري وحده. كما تتباين دول الخليج حول السياسة الإيرانية وأهدافها للهيمنة والتدخل بالشؤون العربية والخليجية، وهو تباين قد يصب بالنهاية في صالح دول المجلس إذا ما أحسن استخدامه في عالم الدبلوماسية، لكن الموقف الخليجي من القضايا الرئيسية تجاه إيران كاحتلال الجزر الإماراتية وضرورة احترام حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الخليجية موقف ثابت وقوي إلى حد كبير. الفهم الطبيعي لجولة أمير قطر الخليجية هو أنها تأكيد لما هو مؤكد: بعدنا خليجي، وندرك مخاطر المرحلة، والتنسيق الخليجي على كافة الأصعدة مطلوب لتقريب المواقف ووجهات النظر الخليجية حول مختلف القضايا، ومهما تباينت رؤانا في دول الخليج، فإن التباينات لن ترقى لدرجة الخلاف، وإذا ما حدثت تطورات خطيرة بالمنطقة، فإننا سنقف معا في خندق واحد مثلما جرى عام 1990، فحين غزا العراق الكويت لم تكن العلاقات الخليجية في أحسن أحوالها، ولكن الحدث الجلل وحّد الصفوف، وألقى بالخلافات جانبا، ووحد الأهداف وأزال غبش الصراعات المختلقة في معظم الأحيان لأسباب واهية وسطحية أحيانا. التباين الخليجي حول قضايا مختلفة يعد مسألة طبيعية في ظل الظروف الطبيعية، ولكن المرحلة حساسة ودقيقة –كعادتها منذ أن وعت أعيننا على هذه الدنيا- وتتطلب أعلى مراحل التنسيق الخليجي، والمؤكد أن الجولة الخليجية لأمير قطر الشيخ تميم تصب في صالح أهداف التنسيق ووحدة المواقف الخليجية.

498

| 28 أكتوبر 2013

تفاهمات "إيرانية - أمريكية" فما العمل؟

أثارت التطورات والغزل السياسي "الخفيف" بين إيران والولايات المتحدة على مدى الأيام الماضية ثائرتنا بمنطقة الخليج العربي، وراح منظرونا ومحللونا واختصاصيو المؤامرات لدينا يغوصون في عمق هذا التطور الجديد بالعلاقات، وتدور ردود أفعالنا حول أن هذا التفاهم سيكون على حسابنا وعلى حساب جزرنا الإماراتية وعلى حساب استقرار البحرين وإطلاق يد إيران ببلداننا واعترافا بها كقوة عسكرية مستقرة نسبيا بمعايير المنطقة المهترئة حروبا ودمارا. ومن ثم فإنها ستلعب دورا مهيمنا كشرطي لمنطقة الخليج يمكن أن يحفظ الاستقرار وبالتالي المصالح الأمريكية، ناهيك عن أن إيران سوق تجاري كبير مقارنة بالأسواق الخليجية، وإذا ما سارت الأمور تجاه رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، فإن ذلك يسيل لعاب الشركات الغربية التي ستسارع تجاه الأسواق الإيرانية. ويأتي هذا التوجس الخليجي العربي من هذا التطور المفاجئ بالعلاقات بين أمريكا وإيران متزامنا مع معطيات عدة: يتزامن هذا التطور مع ضعف لإدارة أوباما بسياسته الخارجية وتردد في كيفية التعاطي مع الملف السوري، والتهديد بضرب نظام بشار ثم التراجع بشكل أظهر الولايات المتحدة الأمريكية على أنها ليست دولة عظمى يمكن الاعتماد عليها لمساعدة حلفائها وقت الأزمات. وتذكر التقارير أن اتفاق جنيف بين موسكو وواشنطن لم يكن اتفاق أسلحة كيماوية وحسب، بل هو اتفاق شامل لنقل السلطة وتخفيف-وليس إنهاء- الاقتتال بسوريا وترتيبات ما بعد مرحلة الأسد منتصف العام المقبل. فليس صدفة أن الانتهاء من التخلص من الأسلحة الكيماوية هو منتصف العام القادم وهي نفس الفترة التي تنتهي فيها ولاية الأسد الرئاسية. تشير التقارير إلى أن التقارب الإيراني-الأمريكي –لو كتب له التطور- سيضمن ترتيب الوضع السوري العام القادم بتفاهم إيران-أمريكي-روسي، فإيران لا تريد أن تخرج خالية الوفاض بعد كل ما قدمته لبقاء النظام السوري، وأمريكا لا يمكنها ترتيب الوضع السوري واللبناني –بل وحتى العراقي المتفجر- بعد رحيل الأسد دون مساعدة إيران، فلهما في ذلك سجل تعاون سابق ناجح بأفغانستان وأثناء حرب إسقاط صدام. كما يتزامن هذا الهاجس مع فشل إسرائيلي دبلوماسي يقوده بامتياز رئيس الوزراء بنجامين نتنياهو الذي بدا كالأهوج المفلس الذي ليس لديه ما يقوله للعالم بنيويورك سوى أن "روحاني ذئب بجلد حمل"، فلا سلام مع الفلسطينيين، ولا وقف للمستوطنات وتهويد القدس وانتهاكات حقوق الشعب الفلسطيني، ولم يلق نتنياهو النجومية التي لقيها أثناء زيارته السابقة التي استقبله فيها الكونجرس الذي ألقى فيه خطابا تحذيريا من قنبلة إيران النووية القادمة وسط مقاطعات تصفيق حادة بلغت تسعا وعشرين مرة. هذه المرة، لم يستقبل الكونجرس نتنياهو، ولم يكن نجم نيويورك بجماعاتها اليهودية المؤيدة لإسرائيل، فقد كان الرئيس الإيراني حسن روحاني نجم الأمم المتحدة دون منازع، فقد مهد للزيارة بتهنئة اليهود بعيدهم، وبإدانة الهولوكست الذي كان ينكره سلفه أحمدي نجاد، وبتقارير إيجابية ولقاءات إعلامية أمريكية ليست معه وحسب- بل حتى مع العضو اليهودي الوحيد بالبرلمان الإيراني الذي يشيد بوضع اليهود في إيران وبالديمقراطية الإيرانية. الفشل الإسرائيلي والفتور بين أوباما ونتنياهو يعني أن إسرائيل لم تعد قادرة على كبح التقارب الإيراني-الأمريكي كما في السابق. كما يفرض التقارب الإيراني-الأمريكي نفسه وسط غياب أي دور عربي بالمنطقة، فمصر مشغولة بترتيب أوضاعها بعد ثورتها، والعراق تمزقه حروبه الطائفية وفشل إدارته في استقرار البلاد، وسوريا تتفتت إنسانا وبلدا، من جانب آخر، صار الأتراك كبالع الموس في حيرة من الحليف الأطلسي الأمريكي، وفي توترات داخلية وتخبطات في السياسة الخارجية. تزامن الخوف الخليجي من أن يكون التقارب الإيراني-الأمريكي على حسابنا مع نشر صحيفة نيويورك تايمز لخريطة تعيد تقسيم المنطقة لدول جديدة على أسس طائفية وعرقية، وهو ما تسعى له إسرائيل ويقوم بتنفيذ هذه الخريطة أدواتها من أحزاب سياسية تقوم على أساس الدين أو الطائفة. لكن ما العمل؟ لم نتفاجأ بعالم السياسة من تقارب إيراني-أمريكي، بل فنتهيأ لتقارب إيراني-إسرائيلي ففي عالم السياسة كل شيء ممكن، وعلينا أن نبارك من حيث المبدأ أي تقارب بين إيران والعالم الخارجي بما يزيل التوتر بالمنطقة ويبعد عنها شبح الحروب ويحفظ سلامة شعوبها العربية والإيرانية، لكن الاكتفاء بذلك يعد نوعا من الرومانسية التي لا تعرفها السياسة. فالواقع أننا لا نستطيع أن نفرض التباعد الأمريكي عن إيران، ولا أن نصيغ أجندة "التفاهمات" بينهما –سواء على حسابنا أو على حساب غيرنا، لكن ما نستطيع أن نعمل عليه -وبسرعة قبل فوات الأوان- هو خلق "تفاهمات" بيننا، وأن نسارع إلى ترجمة الكونفيدرالية الخليجية التي تعزز من موقفنا تجاه أي تفاهمات على حسابنا، فمن العبط السياسي مطالبة أمريكا أن تغير من نهجها المصلحي، ولا أن نطالب إيران بأن تتوقف عن براجماتيتها المصلحية بعيدا عن الأخلاق والجيرة "الإسلامية"، وبدلا من الاكتفاء بالتفرج، علينا بالفعل، وهو فعل ممكن لو صحت النوايا وصدقت الإرادة. الرد المطلوب على أي تفاهمات إيرانية-أمريكية هو بتفاهمات خليجية-خليجية، بدلا من اللطم ومطاردة السراب السياسي بأن يقدم الآخرون مصالحنا قبل مصالحهم. فهل تفوتنا الفرصة، ويمر القطار ونحن بالانتظار!!؟

544

| 07 أكتوبر 2013

الديمقراطية والأحزاب الدينية

منذ بدايات تشكل الدولة المدنية الحديثة بالقرن السابع عشر وهي تقوم على ثلاثة أسس رئيسية: حدود جغرافيا سياسية تحدد كيانها، ومواطنون من سكانها البشر، وقوانين يتساوى أمامها مواطنو الدولة البشر بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو عرقهم أو دينهم أو لغتهم. هذه أسس الدولة المدنية الحديثة وفق مبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتتطلب إدارة الدولة انتخاب من يديرها كفريق حزبي يتشكل وفق تلك الأسس الثلاثة، أي أن أي فريق حزبي ينوي الترشح لإدارة الدولة وحكمها عليه أن يتأسس وفق المواطنة وليس وفق الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة أو اللون وخلافه، وأي حزب يتشكل لخوض الانتخابات وإدارة الدولة وهو قائم على العرق، مثل الحزب النازي الألماني أو الحزب القومي الديمقراطي أو عصبة الدفاع الإنجليزية أو "القوة البيضاء" الأمريكية أو الطريق الثالث بفرنسا وغيرها من الأحزاب العنصرية بالديمقراطيات العريقة يمنع من خوض الانتخابات لإدارة البلاد، لأنه يقوض الدولة المدنية بفكره ويفجر تعايش فئاتها المختلفة.  هذه المبادئ لم توضع في وجه الأحزاب الدينية الإسلامية فقط، ولم يتم اختراعها وتفصيلها للحيلولة دون وصول الأحزاب الإسلامية للحكم، فقد وضعت قبل ظهور أي من أحزاب الإسلام السياسي التي نراها اليوم، وهي ليست موجهة ضد دين أو قومية أو عرق بعينه، ولكنها قواعد عامة للعملية السياسية الديمقراطية في أي بلد ينشد الديمقراطية.  هذه المبادئ تتناقض مع حكم "حزب جمهوري إسلامي" الذي وصل السلطة بطهران بالانتخاب ثم مسح الآخرين مسحا من الساحة السياسية، وهي ضد وصول حزب الدعوة العراقي، لأنه حزب يقوم على مبادئ طائفية بحتة وتفاسير دينية للسياسة تتناقض تناقضا تاما مع مبادئ الديمقراطية، والمشهد العراقي الدامي خير دليل على ذلك، وتتعارض هذه المبادئ مع فلسفة "حزب الله" السياسية بلبنان وديمقراطية الثلث المعطل! وهي ترفض أن تحكم حماس الشعب الفلسطيني بكل قواه السياسية ومسيحية، مثلما فعلت بغزة ثم ألغت الآخرين، وترفض أيضا أن يقفز حزب الإخوان المسلمين باسم الجبهة القومية الإسلامية السودانية على السلطة عام 1989 ثم تلغي الآخر بالتحالف مع العسكر الذين أقصوهم بعد ذلك.  باختصار، ترفض المبادئ الديمقراطية أن يكون هناك أي حزب يقوم على الدين وحده، لأن ذلك يعني أنه لطائفة واحدة من أهل هذا الدين حسب تفسيرهم له وبالتالي فهو طائفي بالتبعية، ويستثني أهل الأديان والطوائف الأخرى ويفسر الحياة الدنيوية بناء على تفاسير دينية خاصة به يحددها دعاة ومشايخ ذلك الحزب.  إن القول بأن في ذلك إلغاء للدين ولأهله مجاف للحقيقة، فالمبادئ الديمقراطية تضمن بقاء الدين وحريته- كل الأديان وحرية كل العبادة، وترفض استفراد دين واحد بتفسير الحياة الدنيوية وفق تفسيراته الخاصة للدين ومحاولة ترجمتها على الواقع وحياة الناس، وهو الأمر الذي تكرر فشله في أكثر من بلد. بل إنها تقبل استمرار الدعوة لأي دين في أي بلد وتشكيل قوى ضغط انتخابية ولوبيات سياسية تدافع عن حقوق أهل الأديان مهما صغر عددهم.  غالبا ما يضرب دعاة الأحزاب الدينية الإسلامية في عالمنا العربي المثل بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي ليدللوا على مرونة أحزابهم بالتكيف مع المبادئ الديمقراطية، وهو ادعاء غير دقيق، ناهيك عن أنه يتيم، فحزب العدالة والتنمية وصل للسلطة عبر قنوات الديمقراطية الليبرالية العَلمانية التي كانت قائمة ولم يساهم هو بخلقها، أي أنه لم يصل بثورة مثلما جرى بالربيع العربي، بل وصل عن طريق قواعد اللعبة الديمقراطية، وكان – ولا يزال- يكرر علمانيته وتمسكه بتلك القواعد في كل مناسبة، بل حين حاول النكوص عنها يوم كان اسمه حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان ألغي الحزب، بعدما انشق عنه عبد الله جول ورجب طيب أردوغان وشكلا مع آخرين حزب العدالة والتنمية العلماني الحاكم الحالي.  وعسى أن تسير تونس بطريق ديمقراطي مختلف، فرغم الاغتيالات السياسية المخزية لرموز مدنية كبالعيد والبراهمي، فقد توافق التونسيون بشكل عام – بما في ذلك الإخوان المسلمون (النهضة)- على مسودة دستور عسى أن يكون بداية لتجربة مدنية ديمقراطية حقيقية تقدم نموذجا لإسلام سياسي مختلف قادر على التكيف حقا مع المبادئ الديمقراطية.  للعملية السياسية وفق الليبرالية الديمقراطية قواعد أساسية، وأهمها تنزيه الدين عن السياسة، والسمو بالدين فوق السياسة المتقلبة التي لا تعرف حلالا ولا حراما ولكنها تعرف مصالح متغيرة، بينما بالدين تعاليم إيمانية ثابتة غير قابلة للتغيير والتبديل ولا تعترف بالمصالح الدنيوية البراجماتية على حساب تلك المبادئ العقائدية، والقول بأن عزل الدين عن السياسة أساسها غربي بسبب تسلط الكنيسة التي لا يقابلها تسلط المسجد السياسي عندها، مردود عليه لمغالطته الحقائق، ولا يفسر كيف تشكلت أكبر الديمقراطيات بالهند وواحدة من أنجحها باليابان ونموذج ماليزي محترم وآخر إندونيسي رغم تعثره، فلا تاريخ للكنيسة المتسلطة عند هذه الدول!  تقوم الديمقراطية على آليات ومبادئ، وعلى من يريد الدخول باللعبة السياسية وفقا للمبادئ الديمقراطية أن يلتزم بها، لا أن يستخدم آلياتها للوصول إلى السلطة دون الإيمان بمبادئها ثم الانقلاب عليها وإقصاء الآخرين مثلما فعل الإخوان المسلمون بعد وصولهم للسلطة بمصر عبر آليات الديمقراطية الانتخابية، فالديمقراطية ليست أحزابا وبرلمانا ودستورا وانتخابات وحسب، بل مبادئ للتوافق وللحرية والتعددية وضمان حقوق المعارضة والأقليات والأديان والقوميات الأخرى. وللديمقراطية السياسية عملية لها قواعد محددة، وعلى من يقبل المشاركة بها أن يلتزم بقواعدها وإلا فهو حل منها، أما أن تتذاكى الأحزاب الدينية بالوصول للسلطة عبر الآليات الديمقراطية دون الإيمان بمبادئها، فذاك أشبه بمن يمارس طقوس العبادة الدينية وهو ملحد، ويشبه من يقبل اللعب بمباراة كرة قدم ويصر على تسجيل الأهداف بيده لا بقدمه، فعندها سيطرده الحكم، وهو ما جرى بمصر حين طرد الحكم - أي الشعب المصري - الدكتور محمد مرسي بعد تدميره الممنهج لقواعد اللعبة.

1483

| 01 أكتوبر 2013

المثقف والخلافات الخليجية

منطقتنا مقبلة على الدخول في نفق الحروب الطائفية والتمزقات السياسية التي ستحولها إلى دويلات طوائف فاشلة مقسمة ومتناحرة، وستعمل قوى خارجية على ديمومة تلك الحالة واستمرارها. هذه قراءة معظم المتابعين والمهتمين بالشأن العربي، وتتجسد حروب الطوائف بأبشع صورها وأكثرها دموية بالعراق وسوريا اليوم، حيث التفجيرات العشوائية للمساجد والحسينيات وكنائس وأماكن عبادة أخرى، والتي لا يمكن أن تكون بفعل فاعل طائفي إرهابي وحسب، فالمؤكد أن وراء بعضها أجهزة استخباراتية دولية يهمها دخول هذه الدول في دوامة دامية لا تبقي ولا تذر، ولعب النظام السوري الدور "الرائد" في تفجير الوضع طائفيا إخافة للطوائف والأقليات من إرهاب الجماعات الدينية المتطرفة ليوصل ما مفاده: إرهابي أو الإرهاب الديني وهما أمران داميان بامتياز وأحلاهما مر.  وسط هذه الرياح العاتية، تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي برفاه واستقرار وأمن نسبي، وهي صورة لها أسباب عديدة لا يسمح مجال هذا المقال بتوضيحها كاملة، ولكن وسط هذا الهدوء والاستقرار النسبي، توجد خلافات بين دول المجلس، بعضها كامن وبعضها معلن بلا غطاء: فليس سرا أن مواقف دول المجلس تختلف من العلاقة مع إيران أو تركيا أو موقفها من ثورة يونيو بمصر أو الثورة السورية أوالموقف من حكومة المالكي بالعراق، أو حتى الموقف من الوضع السياسي الفلسطيني، حيث حماس تحكم غزة والسلطة الوطنية الفلسطينية تحكم الضفة الغربية. هذا بالنسبة للخلافات حول القضايا الإقليمية، ناهيك عن الخلافات البينية بين دول المجلس نفسه، والتي لن يحلها الزمن بشكل تلقائي بتجاهلها ولا مناص من ظهورها للعلن ومناقشتها وحلها تحت ميزان محكمة عدل خليجية تحل الخلافات بين الدول الخليجية كلما طرأت.  وسط هذه الخلافات الخليجية، تبرز ظاهرة الانحياز الإعلامي وانحياز بعض المثقفين لهذا الطرف أو ذاك، والدفاع عن مواقف البعض والهجوم والسخرية من مواقف الطرف الآخر، وهي ظاهرة تستشري على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام المرئي والمسموع والرقمي الحديث والإعلام الفردي والتواصل الاجتماعي، يشاركون جميعا بشكل أو بآخر بتأجيج الخلافات الخليجية، ويعمقون أحيانا مشاكل بسيطة لا تستحق الالتفات إليها، ويضخمون أحيانا أخرى حدثا صغيرا أو تصريحا تافها لمسئول تافه –وما أكثرهم بيننا. ويشكل هذه الظاهرة ثلاثة أنواع من المثقفين والإعلاميين والكتاب وناشطي شبكات التواصل الاجتماعي: مرتزقة يبحثون عن لقمة العيش من مداد القلم، وكتبة يقال لهم اكتبوا فيكتبون ويمكن تسميتهم بفداوية القلم، وفريق ثالث مخلص يعبر عن رأيه بهذه الخلافات ظنا منه أنه يساعد بذلك في حلها، ولا يدري أنه يشارك في تعميقها ومن ثم في تمزيق المنطقة وتباعد مواقف دولها.  لا أعتقد بأن الخلافات الخليجية مستعصية على الحل، ولا أظن أن تباين المواقف حول القضايا الإقليمية مضر بالضرورة، فقد حدثني قبل أيام مسئول خليجي رفيع المستوى بأن الخلافات أحيانا حول بعض القضايا تعطي دول الخليج نافذة على الموقف حيث لا يجب غلق النوافذ في التعامل مع الأزمات السياسية، وشدد المسئول على أن التفاوت الخليجي من أزمات المنطقة لصالح الخليج وتوزيع الأدوار مهم رغم أنه غير مخطط له، لكن يمكن اللجوء لدولة صاحبة موقف أقرب لأزمة ما لمساعدة الدول الأخرى بحال وصولها لطريق مسدود بتعاملها مع الأزمة.  خلافاتنا بدول الخليج بعضها شخصي لأن هذا "الشيخ" ما يحب ذاك أو "ما يشتهيه"، أو لأن بطانة ذاك المسئول لها مصالح تتعارض مع مصالح مسئول خليجي آخر، فتنشب حرب تكسير عظام صامتة بين المسئولَين اللذين يظهران على شاشة التلفزيون يقبلان بعضهما، وحربهما مستمرة بحيث يفتكان ببعضهما عبر وسائل الإعلام تلميحا أو تصريحا.  ليس من مصلحة الخليج تعميق خلافاته، فخلافات اليوم يتم تناسيها حال الخطر الداهم مثلما جرى بأزمة الكويت عام 1990، حيث وضع الجميع خلافاتهم جانبا وتنادوا لنصرة الحق الكويتي، لكن هل علينا انتظار أزمة شبيهة - لا قدر الله- للعمل على تلافي خلافاتنا؟ يبدو أن هذا ما سيجري، ولكن على كل خليجي مخلص- كل من موقعه- ألا يعمل على تأجيج الخلافات وتكبيرها فقديما قيل: "هوّنها وتهون، وكبّرها تكبر".  

1718

| 23 سبتمبر 2013

خطوط أوباما

في الوقت الذي كان فيه وزيرا خارجية روسيا والولايات المتحدة- لافروف وكيري- يعقدان مؤتمرا صحفيا بجنيف يعلنان فيه التوصل لاتفاق حول إزالة أسلحة النظام السوري الكيماوية، كان طيران النظام الحربي يقصف الغوطة شرق دمشق. نظام بشار فهم الرسالة وعرف ماهية الخطوط الحمراء التي خطها الرئيس الأمريكي باراك أوباما: افعل ما تشاء، ولكن استخدام الأسلحة الكيماوية خط أحمر! حذر ناشطو الثورة السورية ومؤيدوهم من التهديد بقصف النظام ثم التراجع عنه، وهو ما تم. لم يكن أحد يتطلع "بسادية" نحو قصف أمريكي لسوريا ونظامها، ولكن التهديد بقصف النظام الذي أربك حسابات وأعاد حسابات ثم عدم التنفيذ أسوأ من القصف نفسه، فلقد أعطى ذلك للنظام طوقا جديدا للنجاة والمماطلة والتسويف، ورخصة جديدة بالقتل والإبادة شريطة عدم استخدام الأسلحة الكيماوية.  الرفض الروسي والمعارضة البرلمانية البريطانية وتردد الكونغرس وعدم التعويل على فرنسا كحليف بالضربة، والوضع الاقتصادي الأمريكي ونتائج حربي العراق وأفغانستان، كلها عوامل جعلت من الضربة الأمريكية "التأديبية" لنظام بشار صعبة أو حتى مستحيلة بحسابات السياسة والحرب، ولكن ثمة عوامل أخرى. هناك فيتو إسرائيلي بعدم الإطاحة ببشار لسبب يسهل استيعابه: لماذا الاستعجال بالدخول بالمجهول ووقف تدمير سوريا وإبادة شعبها وتشريدهم؟ ومن بديل الأسد؟ فالأفضل لإسرائيل ألا يأتي بديل قوي يمكن أن يشكل خطرا عليها، ولذا فليستمر الدمار وتتحول سوريا لدولة فاشلة يمكننا التعامل مع بعض إرهابييها لو تجرأوا على مهاجمتنا. الهم الإسرائيلي الآن هو بكيفية ضبط الأسلحة الكيماوية كي لا تقع "بالأيدي الخطأ"، وهو مصطلح يعني كي لا تقع بيد من لا نضمن أنه لن يستعملها ضدنا، وهو ما توافق عليه لافروف وكيري ووافق عليه بشار قبل توافقهما بإعلانه الانضمام لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة الكيماوية.  أما جبهة النصرة وما يسمى بدولة العراق وسوريا الإسلامية فهم صنيعة المخابرات السورية بالدرجة الأولى الذين استخدمتهم بالأمس القريب لتفجير مساجد سنة العراق وحسينيات شيعتها بشهادة المالكي نفسه الذي اشتكى النظام السوري لدى الأمم المتحدة بعد تفجيرات ما سمي "الأربعاء الأسود" عام 2009. وهم الوجه الآخر لجيش إيران في سوريا –حزب الله- ويشكلون جميعا المكونات الأساسية لطبخة حروب الطوائف التي تعمل إسرائيل على إشعالها بالمنطقة.  في العام 2008، وقبل انتخاب أوباما أول مرة كرئيس للولايات المتحدة، شاركت بمناظرة من مناظرات الدوحة DOHA DEBATES الذي تنظمه قناة البي بي السي الانجليزية التلفزيونية بإدارة الصحفي الشهير تيم سباستيان، وكانت حول مَن مِن المرشحين –أوباما أو ماكين- أفضل لمنطقتنا، وكان رأيي أن أوباما لا يمتلك برنامج سياسة خارجية سوى الانكفاء والتراجع داخل بلاده، ولا يمتلك رؤية حول الملفات الثلاث الأهم بمنطقتنا: فلسطين والعراق وإيران. فتجمدت مطالب الحق الفلسطيني، وزادت المستوطنات والتهام حقوق الفلسطينيين، وهرب من العراق متخليا عن مسؤولية بلاده باحتلالها والفوضى التي يعيشها، ويراوح بلا هدف تجاه ملف إيران النووي.  وللأمانة فإن من حق رئيس أي بلد أن يفكر بمصلحة بلاده أولا وقبل كل شيء، وهو ما يعتقد أوباما أنه ينتهجه، فهو رئيس لا يريد الحروب، ويريد أن يدخل التاريخ كحائز على نوبل للسلام، ويفكر بأن يكون داعية له بعد انتهاء مدة رئاسته بعد سنتين تقريبا، ولكن خطوطه الحمراء وتلويحه بمعاقبة النظام السوري ونجدة الشعب السوري المنكوب ثم التراجع عنه أضرت بقضية السوريين بالخلاص من نظام بشار، وعززت فرص النظام بالبقاء مدة أطول، وهذه خطيئة يصعب على أي منصف تجاهلها.  يرتبط مصطلح الخط الأحمر بالدم، والسلاح الكيماوي يقتل بلا دم أحمر، وخطوط الرئيس الأسود سيد البيت الأبيض الحمراء غدت عديمة اللون تماما كقتل الكيماوي، فكانت خطبه وتهديداته بالسوري الشعبي "حكي بلا طعمه".

535

| 16 سبتمبر 2013

المساعدات الخليجية لمصر!

قبل شهور، أجرى معي التلفزيون القطري لقاء حول الثورات العربية وتطوراتها، وكان مما قلت الحث على تقديم المساعدات لمصر والوقوف إلى جانبها لتجاوز محنتها التي تمر بها بغض النظر عمن يحكمها، في ذلك الوقت كان الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر قبل عزله. والموقف من مساعدة مصر لايزال نفس الموقف: مساعدة مصر واجبة بلا منة بغض النظر عمن يحكمها، فقوة مصر قوة للعرب جميعا، وخصوصا لنا نحن بدول الخليج العربي حيث تشكل مصر عمقنا الاستراتيجي وبعدنا القومي العروبي الذي لا أمن للمنطقة بدونه. وقيام بعض دول مجلس التعاون الخليجي بتقديم مساعدات مليارية لمصر بعد ثورتها الثانية يندرج ضمن هذا الواجب والموقف، فلا غبار ولا اعتراض على تقديم المساعدات من حيث المبدأ، لكن طريقة وإخراج هذه المساعدات أوصلت عدة رسائل خاطئة: عززت ادعاءات الإخوان المسلمين أن ما جرى عليهم هو مؤامرة داخلية خليجية كونية شارك بها كل من بكوكب الأرض مدفوعا بالبترودولار للانقلاب العسكري عليهم ونزع "الشرعية الدستورية" عن رئيسهم محمد مرسي، بينما الحقيقة أن ما جرى هو ثورة تصحيحية قام بها الشعب الذي منح مرسي الشرعية الدستورية وسحبها منه حين قرر الانفراد بالسلطة وإقصاء الآخرين.  والأدهى أن هذه المساعدات الواجبة، وبسبب طريقة إعلانها وتوقيت تقديمها، قد تكون مادة للمزايدة الانتخابية القادمة من قبل قوى مصرية أخرى غير الإخوان، ومن يدري؟ فحليف اليوم بالسياسة قد يكون غريم الغد، وغريم اليوم قد يكون حليف الغد! هكذا هي السياسة "قاتلها الله". إن طريقة تقديم المساعدات أوحت بانعدام التنسيق الخليجي وخصوصا في مسائل هامة لأنها تمت على شكل مبادرات فردية من بعض دول المجلس، كما أنها أثبتت أن دول المجلس أبعد ما تكون عن الاتحاد الخليجي الاقتصادي من أي فترة مضت، ناهيك عن بعدها عن حلم الوحدة الخليجية التي تم إعلانها، وذلك على الرغم من قرارات القمم ولقاءات وزراء التجارة والاقتصاد والمالية والبيانات الختامية الجميلة، لكن الطريقة التي تمت بها المساعدات فرادى تثبت لأي مراقب أنه لا وحدة خليجية ولا تنسيق ولا هم يحزنون. كان يفترض أن يتم إخراج المساعدات الخليجية بطريقة أكثر حصافة وأعمق دبلوماسية، كأن يجتمع المجلس الوزاري أو وزراء المالية بدول المجلس بمقر الأمانة العامة اجتماعا طارئا، ويصدرون بيانا يؤكدون فيه على واجبهم بمساعدة مصر بغض النظر عن التطورات الداخلية فيها التي هي شأن الشعب المصري وحده، وأنهم وإدراكا لمسئوليتهم وواجبهم تجاه مصر الحبيبة وفي ضوء الإعلانات المالية المرعبة للميزانية المصرية، فقد قرروا تقديم مساعدة قدرها كذا وكذا، وأن يكون هناك إشراف على صرف مثل هذه المساعدات أو تسمية لمشاريع شعبية تنموية ليدرك الشعب المصري الشقيق أنها موجهة فعلا لمساعدته لا لأهداف أخرى.  المساعدات الخليجية لمصر واجب وليست منة، ولكن طريقة إخراجها أخرجتها من مضامينها وأهدافها النبيلة!    

622

| 22 يوليو 2013

لماذا جنّ جنون الإخوان بالخليج؟

كانت أكثر ردود الأفعال ضد الثورة المصرية الثانية التي أدت لتدخل الجيش وإزاحة الرئيس محمد مرسي من منطقة الخليج وبالكويت تحديدا. والسبب في ذلك طبيعة العلاقة العضوية بين ما يجري بمصر وانعكاساته على المنطقة العربية وعلى منطقة الخليج أكثر من غيرها. انتشرت حركة الإخوان المسلمين بمنطقة الخليج انطلاقا من الكويت منذ خمسينيات القرن الماضي، وأدى طرد عبدالناصر وملاحقته لهم للجوئهم للخليج وتغلغلهم في مؤسسات دوله المختلفة وبالذات التعليمية والدينية منها، وظن كثيرون أن وقوفهم مع صدام أثناء احتلال الكويت عام 1990، سيحجم الحركة ويؤدي لضعفها وتلاشيها، لكنهم تمكنوا من تجاوز تلك الخطيئة السياسية، واستطاعوا العودة لسابق قوتهم قبل الاحتلال بالتنكر لمواقفهم وخداعهم ودجلهم السياسي. جن جنون الإخوان المسلمين بالخليج بعد الثورة المصرية الثانية، وخرجوا عن طورهم، وأصابهم الهلع لما جرى بإزاحتهم من حكم أهم دولة عربية بعد انتظار دام ثمانين عاما خلال سنة، وهاجموا خصومهم بعبارات ولغة حاقدة تعكس الطبيعة الفاشية للتنظيم منذ نشأته. ولعل خروج شخصية عرفت بهدوئها مثل الدكتور عجيل النشمي- رئيس رابطة علماء الشريعة بالخليج- يعكس حقيقة الهلع الذي أصابهم بعد فقدانهم لحكم مصر بفعل خروج الملايين من الشعب المصري ضدهم. فقد حث الدكتور عجيل النشمي عبر حسابه على تويتر "الإسلاميين" على التغلغل بالمؤسسات العسكرية وسلك القضاء حماية لوصولهم للحكم مستقبلا – دون تحديد دولة من الدول. ويمكن فهم مناشدة النشمي بالتغلغل بالمؤسسة العسكرية للوصول للسلطة، ولكن حثه على التغلغل بسلك القضاء – وهو أستاذ شريعة - مسألة تحتاج لما هو أكثر من مقالة! فالقضاء أساسه العدل والحياد، وخضوعه للتحزب والتحزيب، يؤدي للانحياز والظلم، ولا أظن أحدا يعتقد بأن ذلك من الشريعة في شيء. في التواصل الاجتماعي، جن جنون الإخوان بمنطقة الخليج، وأعلنوا حالة استنفار، وراحوا يرشقون كل من لم يقف مع مرسي بأنه معاد للديمقراطية والحرية، بل شنوا حملة منظمة سلاحها لغة يعف القلم عن خطها، وتناثرت حسابات جديدة وبأسماء وهمية هدفها ممارسة "الإرهاب الالكتروني"، وانكشفت أقنعة ما كان لها أن تنكشف لأسباب وظيفية ومصلحية لولا أن حالة "النفير الالكتروني" قد أعلنت، فتلاشت التقية السياسية، وراحوا يبدأون تصاريحهم دفاعا عن الإخوان بديباجة مكررة: "لست مع الإخوان ولكن.."، وأخرى مثل: "لا أتفق مع الإخوان ولكن.." وهكذا. ثم راحوا يتباكون على الديمقراطية ويصبون جام غضب الحروف على الآخر: علمانيون يساريون ليبراليون والأخطر: معادون للإسلام. حتى من لم يقف مع تدخل الجيش لتحقيق مطالب الملايين المصرية  التي خرجت ضد مرسي، مارسوا ضده إرهابا الكترونيا مختصره: أنت إما مع مرسي أو أنك معاد للديمقراطية والحرية واختيار الشعوب وبالتالي حلت عليك شتيمة النفير الالكتروني! راح الإخوان بالخليج يلطمون على مرسي بحجة "الشرعية الدستورية"، وينعون الديمقراطية، وتحولوا بين عشية وضحايا لدعاة للديمقراطية يجعلون من مونتيسكيو وفولتير تلامذة أمام ادعاءاتهم الكاذبة، وهم بالأمس القريب شعارهم: الشريعة مطلبنا والدين دستورنا والديمقراطية بدعة غربية والانتخابات حرام! وأقاموا سرادق العزاء بالخليج بأشكال مختلفة حزنا على رئيسهم المعزول محمد مرسي، الذي كشفت إزاحته "زيف مدعي الحرية والديمقراطية من العرب الآخرين" المختلفين معهم بمن في ذلك كافة القوى المصرية القومية واليسارية والمدنية والليبرالية بل وحتى السلفية التي اصطفت مع مصر ضدهم. الحمى التي أصابت الإخوان بالخليج ليست حسرة على سقوط الإخوان بمصر وحسب، ولكن لأنهم يعرفون أن زوال القاعدة حيث نشأة التنظيم، وانكشاف مخططاتهم أمام الشعب المصري، سوف تصل ارتداداته حتما للمنطقة، ويصدق عليهم قصة جحا الذي سأله من رآه يطرح رجلا أرضا ويصيح ويطالب الاستغاثة وهو المنتصر: قال شيصيح بك يا جحا وأنت الأعلى؟ قال: ذالٍ (خايف) من الانقلابة"!

890

| 15 يوليو 2013

صبر مصر

من الخصال الحميدة العديدة لشعب مصر العريق خصلة الصبر".الصبر طيب" و"الصبر جميل" عبارتان تترددان دوما على شفاه المصريين، وتجدهما على شكل ملصق في كل مكان: بسيارات الأجرة والمطاعم والمحلات والدكاكين وغيرها. بعد الثورة المصرية الثانية التي جرت الأسبوع الماضي والتي أدت - مع الأسف - لتدخل الجيش وإزاحة الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، ساق مؤيدو الإخوان المسلمين عدة ذرائع تدحض حسب اعتقادهم القول إن الشعب المصري خرج ثائرا ضدهم، ويفسرون ما جرى على أنه مؤامرة ضد الديمقراطية- بل هو مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين. ولعل أكثر تلك الذرائع شيوعا التساؤل التالي: لماذا صبر المصريون على حسني مبارك ثلاثين عاما ولم يصبروا على محمد مرسي سوى سنة واحدة؟ يطرح الإخوان ومؤيدوهم هذا التساؤل للتدليل على أن المسألة مؤامرة "فلولية" ومساندة لها خارجية.  ورغم تحفظي على أن المصريين صبروا ثلاثين عاما على مبارك دون مقاومة للشمولية والدكتاتورية والفساد، إلا أنني أظن التساؤل مشروعا! فعلى شباب الإخوان وكوادرهم طرح التساؤل وإضافة التساؤلات التالية: ما الذي دفع بالمصريين المعروفين بالصبر وطول البال للخروج في مظاهرات كانت أكبر بكثير من مظاهرات الخروج على حسني مبارك؟ لماذا خرج المصريون في أكبر مظاهرات يسجلها التاريخ ضد رئيس انتخبوه قبل عام ولم يتحملوه حتى نهاية مدته أو على الأقل نصفها؟ لماذا تخلت عنا كافة القوى السياسية التي وقفت معنا قبل عام وصوتت لمرشحنا الدكتور محمد مرسي لنهزم بأصواتهم مرشح "الفلول" أحمد شفيق؟ ما الذي ارتكبته قيادتنا من أخطاء أدت إلى أن يكون الحزب في مواجهة الجيش؟ ولماذا تعثرت بشكل متكرر علاقة رئيسنا بالسلطة القضائية؟ لماذا انهارت علاقتنا بالمؤسسة العسكرية التي أزاحت حسني مبارك وحمت الشعب وسلمتنا السلطة بعد انتخاب مرشحنا محمد مرسي؟ لماذا وقف الأزهر والكنيسة في مواجهة رئيسنا وأسهموا مع الجيش بإزاحته؟ بل لماذا تخلى السلفيون عنا وأسهموا بخلع رئيسنا؟ باختصار: ما الذي فعلته قيادات الإخوان-وبالتبعية الرئيس محمد مرسي- كي تعزل التنظيم وحيدا في مواجهة الشعب المصري؟ هذه تساؤلات لا تطرح على خصوم الإخوان، فخصومهم لم يعودوا معنيون بها بعد إزاحة مرسي، ولكن على كوادر الإخوان المسلمين طرحها على أنفسهم. لابد لكوادر الحزب الشباب من مراجعة تفسر لهم أسباب تفريطهم بثقة الشعب المصري خلال عام، فليس من المعقول أن يفسر لهم حرس الحزب القديم أن ما جرى "مؤامرة" شارك فيها الفلول واليسار والعلمانيون والنصارى والصهاينة والصليبيون! ولو سلموا جدلا "بتآمر" هؤلاء جميعا ضدهم، فكيف يفسرون مناهضة الأزهر والسلفيين لحزب الإخوان المسلمين؟  تساؤلات مشروعة على شباب الإخوان أن يطرحونها على المرشد، وعلى القيادات التقليدية، وأن يراجعوا الفكر الأيديولوجي الذي قادهم إلى الإفلاس المبكر من قيادة مصر، أما التنطع بفكر المؤامرة لتبرير الفشل الذريع، فلن يقود شباب الإخوان سوى لمزيد من الإحباط والعزلة، وهو حتما ما لا ينشدونه إن كانوا يريدون حقا مراجعة أخطائهم والتخطيط للعودة ضمن الخارطة السياسية مستقبلا، ومن يدري! فالشعب الذي ثار على مرسي، سيثور حتما على من لن يحقق مطالبه بالحرية والعيش الكريم، وعندها سيبحثون عن البدائل بأشكال أخرى، ولن يكون من ضمن تلك البدائل حزب الإخوان المسلمين دون مراجعة شاملة وصريحة لأسباب فشلهم، وبالتالي تصحيح منابعهم الفكرية الشمولية التي أدت إلى أن يصرخ الشعب المصري الصبور في وجههم: للصبر حدود!  

613

| 08 يوليو 2013

لماذا اصطدم الإخوان بالشعب المصري؟

كتبت قبل أكثر من سنة أتوقع أن يصطدم الإخوان المسلمون بالشعب المصري وأن تقوم ثورة ثانية تزيحهم، وكان رأيي أن الإخوان بعد وصولهم يقفون على مفترق طرق: إما أن يتحولوا لحزب سياسي مدني يحتوي الجميع ويقبل التعددية ويحترم الحريات العامة، وإما أن يمسك بكل زمام السلطة ويغير قواعد اللعبة ليمسك بتلابيبها منفردا ضمانا للاستمرار على عرش أكبر وأهم دولة عربية، وكنت أتوقع أن يتبنى الإخوان الخيار الثاني فيثور الشعب ضدهم ثانية- وهو ما جرى.  لكن- والحق يقال- لم أكن أتوقع أن يكون نهمهم للسلطة بهذه الدرجة، وكنت أظنهم أكثر حصافة وقدرة على تمديد فترة حكمهم قبل أن يكتشف الشعب المصري حقيقتهم ويثور عليهم بهذه السرعة.  لم يدرك الإخوان المسلمون وهم بنشوة انتصار انتخاب الشعب المصري لهم الحالة الثورية المستمرة التي لم تنطفئ جذوتها بانتخاب أول رئيس مصري في التاريخ، وعملوا بما كانوا يؤمنون به وهو باختصار: الديمقراطية وصندوق الانتخابات هو تفويض من الشعب لنا بسلطة مطلقة، وهو إيمان كافة القوى الدينية السياسية بإيران وعراق المالكي بل وحتى بتركيا التي حاول أردوغان "عثمنتها" فتراجع أمام ضغط جماهير "تقسيم".  فأزاح الإخوان أول من أزاحوا الطنطاوي الذي سلمهم السلطة، وأقالوا النائب العام، واصطدموا بمجلس الشعب حتى حله القضاء، ودخلوا في صراع مع القضاء، وحاولوا الانقضاض على مؤسسة الأزهر، ولاحقوا الإعلام المخالف لهم، واصطفوا مع المتطرفين، وأصدروا "فرمانات" الإعلان الدستوري الشمولي، وصاغوا دستورهم بانفراد إلغائي، وخوفوا المسيحيين، وتوعدوا القوميين واليسار والعلمانيين الذين نجحوا بأصواتهم ضد شفيق بنسبة بسيطة، وتجاهلوا مطالب الشباب، واستخدموا لغة وشعارات دينية تكفر من لا يتفق معهم. وتخلى عنهم الجميع، بمن في ذلك حلفاوهم السلفيون الذين تخلوا عنهم بطريقة براجماتية في الساعات الأخيرة حين أدركوا أنهم غارقون لا محالة. باختصار، فقد استعدى الإخوان المسلمون كافة قطاعات الشعب ليخرج جميعا يوم 30 يونيو، وليجد الإخوان أنفسهم في مواجهة مصر بأكملها.  ورغم استعدائهم لكافة قطاعات الشعب المصري بنهجهم المحموم لأخونة الدولة، فهم لم يطرحوا رؤية اقتصادية لبلد يعاني من الفقر والبطالة وعلى حافة الانهيار الاقتصادي.  ظن الإخوان خطأ أن صندوق الانتخاب وحده يكفي لمنحهم صلاحية مطلقة وبأن الصندوق أهم من جماهير الشعب المصري التي خرجت بمسيرات لم يشهد لها التاريخ البشري حجما-حسب بعض المراقبين، وهذا بحد ذاته يعكس سذاجة وسطحية سياسية في فهم التحولات الديمقراطية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، فما الصندوق سوى واحد من قنوات الشرعية التي كان أهمها التوافق على دستور مدني ديمقراطي للبلاد، وبناء المؤسسات واحترام سلطة القضاء وتعزيز استقلاليته.  المشهد على مدى الأيام الماضية كان باختصار: الإخوان في مواجهة مصر، وهو ما لم يستوعبه الدكتور محمد مرسي، ولم تكن تريد أن تصدقه قيادات الإخوان التقليدية، فلم يستمعوا لنصائح الناصحين، وتجاهلوا تحذيرات الجيش التي استمرت على مدى أيام، مددت لثمان وأربعين ساعة ثم لساعات، وراحوا يرددون ببلادة: الشرعية الدستورية ولا شيء غيرها.  بل راحوا يصفون كل من يقف ضد مرسي بأنه ضد الشرعية وفلول النظام السابق وتدخلات خارجية- والأشد والأنكى- مؤامرة على الإسلام والمسلمين رغم وقوف واشنطن المساند لبقاء الإخوان حتى اللحظة الأخيرة. وصل الاحتقان مداه، وبدأ الدم يسيل، وشلت المظاهرات الحالة العامة للبلاد، ودخلت البلاد في نفق غير معروف النتائج، الشعب في مواجهة الإخوان، فتدخل الجيش بضغط من الشعب الثائر- تماما مثلما تدخل بإزاحة الرئيس السابق حسني مبارك قبل عامين ونصف العام ثم تسليم السلطة بعد ذلك بسنة ونصف للإخوان، وأعلن بيانا أضفى عليه شرعية ذكية من السلف والأزهر ووزارة الداخلية والكنيسة والقوى المدنية والشبابية بنقل السلطة لحاكم مدني قضائي يهيئ خارطة طريق يشارك بها الجميع لانتخابات جديدة.  لم أكن أتمنى أن تتم إزاحة الدكتور محمد مرسي بتدخل الجيش، ولكن الوضع وصل إلى طريق مسدود: رئيس يتمسك بشرعية صندوق لم يعد أحد يؤمن بها سوى حزبه، وشعب يريد خلع رئيس أوصله، فأضاع البوصلة. فكان بيانا هادئا يفتح الطريق لعهد جديد على أمل ألا يضطر المصريون لثورة ثالثة.  لا يمكن لمتابع واع أن يظن أن مشاكل مصر قد انتهت بإزاحة الدكتور مرسي، فهي أعقد من ذلك بكثير، ولا أظن أن "الدين السياسي" وحده هو سبب مشاكل مصر، ولكن الأكيد أن الاستفراد بالسلطة والثروة والقرار كانت العلة الرئيسية التي عانت منها مصر طيلة عقود وحاول الإخوان تمديدها بحجة الصندوق وبشعارات الإسلام. فبداية الطريق نحو بناء مصر جديدة تكون بإشراك الجميع في قرار ومستقبل وحياة مصر - بما في ذلك الإخوان المسلمين.  على مصر القادمة ألا تستثني أحدا أبدا، وأن لا تستهدف القوى الدينية السياسية، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون الذين يعدون رقما هاما في المشهد الحزبي السياسي المصري رغم إزاحتهم بثورة شعبية، وألا يقبلوا أية انتهاكات ضدهم أو تضييق عليهم للتعبير عن آرائهم والمشاركة في صناعة مصير مصر المستقبل. وعلى القوى المدنية المصرية أن ترقب أية انتهاكات يقوم بها العسكر، وألا يقبلوا بمماطلة تطيل من بقائهم في المشهد السياسي تحت أية ذريعة، وإلا فكأنك يابوزيد ما غزيت، وعندها قد نشهد ثورة مصر الثالثة.

490

| 05 يوليو 2013

البقاء بالقمة رغم التنازل عنها

أتحاشى الكتابة مديحا للمسؤولين في أي مكان قدر الإمكان، ورغم شرف معرفتي بسمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني التي تمتد لسنين، إلا أنني لم أكتب عن سموه يوما، ففي زمن اختلطت فيه إشادة المواقف بالنفاق والتكسب والاسترزاق، يتحرج القلم عن الكتابة عن المسؤولين سدا لباب الشبهات. لكن الشيخ حمد بن خليفة فرض على العالم كله أن يتوقف أمام ظاهرة غير مسبوقة في تاريخنا السياسي العربي والإسلامي الطويل، وألزم المراقبين والمحللين أن يحكوا رؤوسهم ويتمعنوا وينظّروا ويكتبوا لقمة تتنازل عن القمة وتبقى رغم ذلك فوق القمة. فالتنازل عن موقع إشرافي إداري في وزارة أو هيئة حكومية في عالمنا هي ضرب من المستحيل، ناهيك عن التنازل عن قمة السلطة في وقت تتمتع فيه قطر بالاستقرار والازدهار والأمن. فقد شهد التاريخ خلفاء السلطة الذين ترجموا الخلافة على أنها ثوب سربلهم الله به، وأن نزع ذلك الثوب حرام وغير جائز، بل إنه أم الكبائر السياسية في نظر قادة البطش العربي اليوم، حيث نشهد طغاة أتوا إلى السلطة بالدبابات وتربعوا عليها وسط برك من الدماء وحمامات، فذاك على استعداد أن يقتل كل شيء، ويحرق كل شيء، ويدمر كل شيء من أجل البقاء في قمة هرم السلطة، وهذا قتل ولا يزال مئات الآلاف من شعبه، وتنازل عن نصف أرض بلاده ثمنا "بخسا" لبقائه في السلطة التي تولاها منذ عقود وعض عليها بالنواجذ والقواطع، وطاغية الشام حرق بلاده وشعبه ولايزال، وعلى استعداد أن يفني كل الشعب السوري على أن يتنازل ويرحل غير مأسوف عليه.  بكل تلقائية وثقة وهدوء، تنازل سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن إمارة دولة قطر لولي عهدها سمو الشيخ تميم بن حمد، ومن يعرف الشيخ حمد يعرف أن لا أحد سواه يمكن أن يقوم بهذه الخطوة التاريخية، فلم يكن متسلطا أثناء تاريخ حكمه، ولم يعرف عنه عنجهية الحكم، ولم تغره القوة والإمارة، بل العكس تماما: معروف ببساطته وشعبيته وسلوكياته الإنسانية التلقائية، فهو يوما مع عائلته الكريمة بسوق واقف، وآخر يحضر لعبة رياضة، وثالث يمشي في بهو فندق ليتناول الغداء مع كاتب أو مفكر أو أكاديمي وهكذا.  لقد رأينا طغاة يحضرون مباريات كرة قدم جمهورها المخابرات، وشاهدنا دكتاتوريين يمثلون دور البساطة بمكان عام في حي أو ربما قرية أفرغت من ساكنيها من أجل تمثيل المشهد، لكن التلقائية والبساطة الطبيعية كانت رفيق الشيخ حمد في حياته الطبيعية اليومية.  لقد وضع الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بلاده في مصاف الدول المتقدمة، فنهضت بكافة مجالات البناء والتعليم والصحة والإعلام (الأخير قصة أخرى). وصار للبلاد دستور وقوانين محترمة، وأصبح مواطنوها الأعلى دخلا، وتبوأت المكانة الأولى عربيا في محاربة الفساد، وأصبحت رقما سياسيا كبيرا في عالم السياسة الإقليمية والعربية بل والدولية، أي أن سمو الشيخ حمد كان مخلصا في عمله طيلة فترة حكمه، والإخلاص قيمة نفتقدها في كثير من مسؤولينا بالمنطقة العربية، وحين قرر الترجل عن صهوة قيادة بلاده، ترجل وهي في أبهى صورها، واطمأن بأنه قد وضعها على سكة المستقبل، وبأن العودة للوراء مستحيلة.  تنازل الشيخ حمد بن خليفة عن قمة السلطة، لكنه تبوأ قمما أخرى لا توصل السلطة وحدها لها، فقد تربع على قمم قلوب شعبه وقمم التاريخ. تنازل طوعا استثمارا بالمستقبل عن قمة السلطة، ليتبوأ قمم جديدة يستحيل إزاحته عنها، بل هي قمم لا يمكن التنازل عنها حتى لو أراد الشيخ حمد ذلك.

1365

| 30 يونيو 2013

الكويت والعراق: نهاية أم بداية مرحلة؟

قام رئيس الوزراء الكويتي الشيخ جابر المبارك الصباح بزيارة خاطفة لبغداد الأسبوع الماضي استغرقت ساعات، الزيارة أعقبها إعلان الطرفين اتفاقهما على إغلاق كافة الملفات العالقة بينهما منذ غزو العراق للكويت عام 1990، وبالتالي خروج العراق من حالة "الانتداب" الدولي من الفصل السابع حسب ميثاق الأمم المتحدة. هكذا أعلن الطرفان انتهاء ملفات عمرها أكثر من عقدين بساعتين، وهو أمر مفرح لمن يتمنى الخير لشعبي البلدين رغم ما يسجله البعض من تساؤلات مشروعة حول شفافية الاتفاق وتوقيته.  تشير المصادر أن الطرفين اتفقا على إحالة مسألة المفقودين الكويتيين وعددهم يقارب 280 وكذلك الأرشيف الكويتي الذي نهب أثناء الاحتلال للجنة مشتركة تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وبتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). أما عن باقي التعويضات وقيمتها 11 مليار دولار فسيستمر العراق بدفعها وفق برنامج الدفعات المتفق عليه سلفا عبر الأمم المتحدة.  ولكن المسألة التي بقيت حساسة خاصة بالنسبة للكويتيين هي مسألة تحديد العلامات الحدودية البرية حسب قرار مجلس الأمن رقم 833 الذي رسّم الحدود بينهما والذي أقره الطرفان منذ صدام وما بعد سقوطه. فلقد شهد هذا الملف شد وجذب بين الطرفين، ومزايدات وحروب إعلامية وبرلمانية بينهما، بل وصل الأمر إلى تعدي مجموعات عراقية على بعثة الأمم المتحدة وعلى الجانب الكويتي بحجة وجود مزارع عراقية داخل الأراضي الكويتية، وهي مزارع - تقول الحكومتان إنه تمت تسوية أمرها الأسبوع الماضي، وبقيت مسألة بعض البيوت داخل أم قصر الكويتية، ويقول الطرفان إنهما اتفقا على حلها أيضا بالتواصل والحوار، الأمر الذي ترتب عليه أن تكتب الكويت للأمين العام للأمم المتحدة أن العراق أوفى بكافة التزاماته تجاه الكويت وبالتالي سيرفع الأمر لمجلس الأمن الدولي لإقرار ذلك.  المخاوف الشعبية الكويتية من بقاء ملف العلامات الحدودية كمسمار جحا، مخاوف مرتهنة بتطورات الوضع الداخلي العراقي، فكلما عاش العراق أزمة داخلية بين قواه السياسية، صار موضوع هذه العلامات أمرا للمزايدة والحرب الكلامية بل وحتى التهديد من قبل جماعات مارقة على القانون العراقي ومرتبطة ارتباطا مباشرا بإيران ومتواجدة بالجنوب المحاذي للكويت مثل حزب الله العراق وعصائب الحق. فهذه التنظيمات مرتبطة بإستراتيجية الجارة إيران التي يهمها أن يبقى محيطها متوترا ومشاكله معلقة: هذا موقفها من جزر الإمارات ومن ترسيم الجرف القاري البحري مع الكويت والمملكة العربية السعودية، بل وحتى مع العراق- وليس احتلالها لبئر الفكة العراقي الحدودي ببعيد.  توقيت زيارة رئيس الوزراء الكويتي لبغداد رأى فيه معارضوه بالكويت وخصوم المالكي بالعراق تنازلا كويتيا لحكومة المالكي التي تبحث عن طوق نجاة إعلامي واقتصادي وهي تعيش أزمة مع فرقاء الداخل، ومقبلة على انتخابات العام القادم، سيكون أهم خطابها: أخرجت العراق من الفصل السابع. المعارضون الكويتيون يرون في الزيارة الكويتية تنازلا يضاف لتنازلها عن مراحل 3و4 بميناء مبارك، وتنازلها عن أكثر من 700 مليون دولار لصالح الخطوط الجوية العراقية، ومبادراتها الاقتصادية والتعاونية مع العراق التي تعلنها بين حين وآخر.  هناك بالكويت أيضا من يرى أن الكويت أرادت أن تغلق هذا الملف إلى الأبد ما دام هناك حكومة عراقية- مهما كانت مهلهلة- قبل أن تتدهور الأمور بالعراق- لا سمح الله- ويصبح بلا حكومة يمكن التفاهم معها وإغلاق هذه الملفات معها.  وبغض النظر عما لهذه الزيارة وما عليها، فالتاريخ سيكتب: ذهب الكويتيون لبغداد ليخرجوا العراق من الفصل السابع، ووقعوا اتفاقا أخرج العراق من الانتداب الدولي ببغداد، كانت بادرة حسن نوايا كويتية عسى أن تكون بداية مرحلة لا نهاية مرحلة وحسب.

1259

| 17 يونيو 2013

ضاعوا عيالنا
ضاعوا عيالنا

(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس...

43506

| 14 سبتمبر 2026

المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة

في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...

7128

| 15 سبتمبر 2026

غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها
غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها

لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...

5382

| 13 سبتمبر 2026

استئذان لا وداع
استئذان لا وداع

■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...

3030

| 14 سبتمبر 2026

حين ندفع المعلم إلى الانسحاب
حين ندفع المعلم إلى الانسحاب

بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...

3021

| 16 سبتمبر 2026

لم نعد نمر بالأحساء
لم نعد نمر بالأحساء

لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...

1815

| 16 سبتمبر 2026

سطوة الهاتف المحمول
سطوة الهاتف المحمول

نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...

1209

| 17 سبتمبر 2026

الشراكة التعليمية في أجمل صورها
الشراكة التعليمية في أجمل صورها

استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...

1047

| 11 سبتمبر 2026

العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر
العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر

عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...

996

| 15 سبتمبر 2026

طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط
طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط

على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...

729

| 11 سبتمبر 2026

الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين
الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين

هذا هو المقال الأول من سلسلة «قراءة في...

675

| 14 سبتمبر 2026

من طارق بن زياد إلى ترامب: الأسماء تكتب تاريخ المضائق
من طارق بن زياد إلى ترامب: الأسماء تكتب تاريخ المضائق

هل يمكن لرجل واحد أن يترك اسمه على...

588

| 13 سبتمبر 2026

أخبار محلية