رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تعال أحكي لك نكتة!

منذ عقود بعيدة ظهر ما يسمى «النكتة السياسية» أو»الأدب السياسي الساخر» أو «المعارضة السلبية». وربما تعود بدايات ذلك إلى فترة ظهور الصحف وخاصة في الأستانة مع استفحال مؤامرة خلع السلطان عبدالحميد (أشرت لذلك سابقا). الآن يكاد تأثير كل ذلك يتلاشى فيما يمكن تسميته «عصر ما بعد العولمة». في عام 1945، وفي مقالة بعنوان «مضحكة ولكن ليست مبتذلة» بلور الكاتب البريطاني الراحل جورج أورويل قاعدة سياسية اجتماعية مهمة مفادها أن «النكتة (السياسية) هي ثورة صغيرة». وشرحها قائلا: «كل ما يهدم كرامة الأقوياء ويُسقطهم عن مناصبهم، بطريق السخرية فهو مُضحك. وكلما كان السقوط أكبر، كانت النكتة أكبر». وقد تناول هذا المعنى كُتاب كُثر على مدى العقود منذئذ، ومنهم الأكاديمي التشيكوسلوفاكي جان كالينا في الستينيات، فترة الحكم الشيوعي. وعندما توسع فيها تم سجنه ثم نفيه إلى ألمانيا الغربية. كما تناول موضوع النكتة السياسية كتاب عرب كثيرون، بينهم اللبناني هشام جابر، والعراقي خالد القشطيني والمصري عادل حمودة، ومواطنه الساخر الراحل محمود السعدني الذي وضع هذا المعنى في صورة أكثر وضوحا بقوله إن «النكتة سلاح»، ولعلي أضيف إلى تعبيره كلمة «ناعم». فالنكتة بحسب هؤلاء جميعا يمكنها تغيير نظم ومجتمعات وجعلها تنفجر من الداخل. ورأى السعدني أن كثيرا من النكات التي هتكت النسيج الاجتماعي في مصر مثلا في فترة الستينيات من القرن الماضي كان مصدرها عدوا خارجيا، قاصدا أمريكا وإسرائيل. هذا الأمر ذكره صراحة أيضا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما طالب المصريين في إحدى خطبه بالتوقف عن تبادل تلك النكات. وقدم هشام جابر في كتابه «النكتة السياسية عند العرب بين السخرية البريئة والحرب النفسية» شهادة مهمة على أن الإدارة الأمريكية كانت تستخدم «سلاح النكات» ضد نظام عبد الناصر ولكنها كانت تفعل العكس مع نظام السادات، «باعتباره حليفا». ولم تفلت الولايات المتحدة ذاتها من تفاعلات النكتة السياسية. وقد فعلت النكتة فعلها هناك ضد سياسيين وشخصيات أخرى كثيرة. وكان من أشهر البرامج الساخرة الأمريكية التي قدمت مواد السخرية السياسية برنامج «مباشر ليلة السبت» (SNL) الذي بدأ في أعقاب فضيحة ووترجيت الشهيرة ومازال يقدم حتى الآن، وبرنامج «العرض المتأخر»، من تقديم ستيفن كولبرت، وبرنامج «العرض اليومي» لمقدمه الشهير جون ستيوارت، الذي قلده المصري باسم يوسف، وأحدث تأثيرا «ثورياً» في الرأي العام المصري. قبل أيام استقالت الرئيسة التنفيذية لشبكة سي بي اس،CBS ويندي ماكماهون، نتيجة ضغوط ولأنها لم تتوقف عن السخرية ضمن حملة «فلنشكل جيشًا من الكوميديا». هنا يوضح د. هنري بيتر ستيفز، أستاذ الفلسفة في جامعة دي بول، أن النكتة السياسية الساخرة يمكنها أن تستخدم لزيادة الغضب أو تنفيسه. ويتفق مع آخرين في أن النكتة السياسية لم يعد استخدامها قاصرا على «المعارضة» أيا كان شكلها، إذ باتت الأنظمة في بعض الدول تستخدمها لفرض سيطرتها.

963

| 25 مايو 2025

الصراع على سوريا.. ليس بعد؟

منذ فجر التاريخ، وللآن، كان من يسعى للسيطرة على الشرق الأوسط لا بد له من السيطرة على الشام أو سوريا، بموقعها المفصلي. واستقر علماء الجغرافيا السياسية على معادلة مفادها أنه «إِنْ سيطر حاكم العراق، وما وراءه، أي القادم من الشرق، على سوريا ملك الشرق الأوسط.. وإن سيطر حاكم مصر أو القادم من الغرب على سوريا ملك الشرق الأوسط». وتتحقق المعادلة عندما تكون سوريا ضعيفة ومفتتة حيث تخاض على أرضها الحروب المباشرة أو بالوكالة، كما هو الحال الآن. ويذكر التاريخ أن هذه المعادلة كانت قائمة عند الفراعنة منذ تُحتمس الثالث ورمسيس الثاني، حيث حكموا كل ما بين العراق وسوريا وقبرص إلى قلب أفريقيا مرورا بمصر. وكذلك فعل اليونانيون والرومان، وآثارهم في مصر وسوريا شاهدة على ذلك. كذلك كانت سيرة الدولة الإسلامية منذ بداياتها مرورا بصلاح الدين الأيوبي وصولا إلى العثمانيين ومحمد علي. وكذلك كانت الحال مع قوى الاستخراب العالمي التي ورثت أراضي الخلافة الإسلامية بعدما هدمتها. وقد بلور الفكرة سياسيا وأكاديميا كُتاب كثر، أشهرهم البريطاني باتريك سيل بكتب عدة أهمها، «الصراع على سوريا.. 1945- 1958»، الصادر عام 1965. ويؤكد سيل في كتابه المرجعي مفهوم أن سوريا هي مفتاح السيطرة على الشرق الأوسط. لكنه كان ينظر إلى القضية نظرة المنتمي للعالم الاستعماري، ما جعله يردد ادعاء ذلك العالم بأن «العرب أتيحت لهم، بعد الحرب الثانية، ممارسة سياسة مستقلة عن المستعمر»، وهي فكرة منافية للواقع، لأن ذلك الاستقلال كان «سرابيا»، على أحسن تقدير، ولأن المستعمر ظل محتفظا بهيمنته، مديرا للصراع من بعيد. كما أنه اعتمد في جمع كتابه على مفكرين وسياسيين عرب وأجانب؛ وهؤلاء ليس مضمونا صدقهم في كل ما قدموا من معلومات. ويكفي أن نعرف أن من بين من راجعوا كتابه، قبل طبعه، برنارد لويس العدو اللدود للعرب والمسلمين. كما أن سيل، وهو الذي عاش طفولته في سوريا وتلقى فيها تعليمه الأولي ثم عاش جزءا كبيرا من حياته مستشارا لرئيسها الأسد الأب، لا تُضمن أيضا نزاهته في كل ما كتب وقد يكون حاول ترسيخ مفاهيم معينة ونفي أخرى لمصلحة دولته الأم بريطانيا أو لغيرها، وهذا أمر معروف ومتداول في أجواء تلك الحقبة من التاريخ، ولا يزال. ولا عجب أنه هو ذاته يعترف في الكتاب بأنه لم يستطع أن يكون موضوعياً 100 %. على أن هذه لم تكن مشكلة سيل وحده فكثير ممن كتبوا عن سوريا، ومنهم، الباحث الكندي كمال ديب وكتابه «تاريخ سوريا المعاصر..»، وقعوا في فخ السردية الاستعمارية، التي أوهمت دول العالم الثالث بأنها نالت استقلالها، بالحديث عن «الدولة الوطنية المستقلة». * من زاوية تكاد تكون عكسية، يؤكد د. جمال حمدان، «فيلسوف الجغرافيا السياسية»، أهمية الشام الإستراتيجية لأمن مصر بقولته الشهيرة: «لم تخض مصر حرباً خارجية إلّا ربحتها، ولم تخض حرباً على أرضها إلّا خسرتها». كما يؤكد ذلك المؤرخ المرموق المستشار طارق البشري حيث أصّل لفكرة أن اتحاد مصر والشام كفيل بتأمين السيطرة على المنطقة، لكنه أضاف إليهما الحجاز، فجعل نطاق القوة مثلثًا أو محورا يضم المناطق الثلاثة. وأوضح البشري ذلك المفهوم في مناسبات عدة منها لقاء مهم مع برنامج «بلا حدود»، عام 2002. وفي كتابه «العرب في مواجهة العدوان»، في العام ذاته، ويشدد فيه على فكرة المحور السوري المصري السعودي من منطلق الأمن القومي العربي. ويدعم فكرته بأن الغرب عندما قرر ضرب تجربة محمد علي لم يهاجمه في مصر بل في الشام. كما يورد أن النحاس باشا كان أول سياسي مصري ينتبه، في العصر الحديث، لأهمية سلامة أرض فلسطين، التي هي جزء من الشام، لضمان أمن مصر. وهنا نستخلص فكرة مفادها أننا لو وضعنا سيل وأمثاله، ومنهم د. نيكلاوس فان دام وكتابه (الصراع من أجل السلطة في سوريا، 2011) والصهيوني إيتمار رابينوفيتش (له مقال حديث يدعم فيه أفكار سيل) في جانب، ووضعنا حمدان والبشري في جانب لتبين أنهما ينظران إلى نفس الفكرة ولكن الأول من منطلق رصد الثغرات والثاني من منطلق سدها. ومع الصراع المستعر كانت هناك محاولات متكررة لتحقيق وحدة كان الشام القاسم المشترك فيها. لكن للأسف كان يتم دائما فشل أو»إفشال» تلك المحاولات. فمثلا: انهارت تجربة الوحدة المصرية السورية، 1958- 1961، بانقلاب عبد الكريم النحلاوي في دمشق.... وفي أوائل 1963 فشلت محاولة أخرى لاتحاد بين العراق ومصر وسوريا، ولم تدم سوى 3 أشهر. كما فشلت محاولة اتحاد بين سوريا والعراق في بدايات 1979، بوصول صدام حسين للسلطة في يوليو ذلك العام. * ومع اعتبار البعض أن سوريا كانت الجائزة الكبرى التي حصل عليها ترامب من جولته الأخيرة.. قد يبدو أن الصراع على سوريا في هذه المرحلة قد حسم لمصلحة واشنطن! ولكن... التطورات لا تتوقف والصراع لا ينتهي!

780

| 19 مايو 2025

عصر النضوج.. هل فات أوان العرب؟

تحدثت سابقا عن «عصور» تاريخية وفكرية وصناعية عدة، وصولا إلى ما سميته «عصر البين بين». كان ذلك على المستوى العالمي، من منطلق تخصصي في العلاقات الدولية والعولمة. لكن أجد الآن حاجة للحديث عنا نحن العرب تحديدا، ونحن على أعتاب مرحلة تاريخية خطيرة. وبما أننا آخر الأجيال التي عايشت ما أعتبره «عصر النضوج» في تاريخنا العربي الذي صاغه بدرجة كبيرة تاريخ مصر، «أم الدنيا»، فأحسب أن علينا أن نفعل شيئا حتى لا تضيع ملامح هذا العصر، ويفوت أوانه بالكلية، بعد أن فقد زخمه وعنفوانه ووعوده. وقبل أن نسترسل مع ما يمكن فعله، نتحدث قليلا عن عصر النضوج ذاك، الذي ما كاد يصل ذروته بالتضامن العربي التاريخي في حرب أكتوبر 1973، حتى بدأ انهياره وتراجعه التاريخي أيضا والمأساوي بعدها بسنوات قليلة. أحسب أن مصر والعرب جميعا، وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتسارُع «حركات التحرر»، دون الدخول في محاكمتها سياسيا ولا تاريخيا، كانوا قد بدأوا واحدا من أبهى عصورهم، في تاريخهم الحديث والمعاصر على كل المستويات. حيث تحضرت دولهم، ونضج فكرهم نضوجا تمثل بداية في تبلور أفكار المفكرين والسياسيين العظام الذين جاءوا في أول القرن بعدما تمت غربلة أفكارهم وتمحيصها بالقدر الذي جعل عرب الخمسينيات والستينيات نموذجا يسعد قلب كل من يحلم بمستقبل رائع لوطن، تبلورت صورته أدبا وشعرا وموسيقى في أوبريت «وطني الأكبر». وعندما أقول السياسيين والمفكرين لا أقصد فقط أمثال مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، ولا عمر المختار وعبد القادر الجزائري وأمين الحسيني والقسّام. ولا أقصد فقط محمد عبده ومحمد رشيد رضا، ولا المنفلوطي، والرافعي، ولطفي السيد ومحمد حسين هيكل والعقاد والحكيم وطه حسين، ومالك بن نبي، ولا حتى من تبعهم بإحسان من أجيال الفكر الديني والأدبي والسياسي، ولكن أقصد أيضا أعلام الشعر من أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والبارودي، وجبران ومطران، و... وأقصد أيضا أعلام الصحافة بداية من عبدالله النديم والأخوين تقلا، مرورا بالتابعي والحمامصي وعلي أمين ومصطفى أمين وهيكل. وأقصد أيضا وبصفة خاصة الشعراء الكبار لمرحلة الخمسينيات والستينيات الذين شكلوا فعلا وقولا وجدان المصريين ومعهم معظم الشعوب العربية، من أمثال أحمد رامي وإبراهيم ناجي وأحمد عبد المعطي حجازي وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين ونزار قباني والجواهري والسياب وأحمد مطر والشابي وأمل دنقل والبردوني... ومع كل هؤلاء أقصد أيضا أجيال المطربين الكبار أمثال سيد درويش وعبدالوهاب وأم كلثوم وفيروز والصافي وعبد الحليم والملحنين العظام أمثال السنباطي والقصبجي والموجي والطويل وبليغ والأخوين رحباني، وغيرهم الكثير. ولا أنسى هنا الحس الإيماني وعمالقة التلاوة من أمثال محمد رفعت ومصطفى إسماعيل وعبد الباسط وشعيشع والبنا والمنشاوي، وعملاق التواشيح سيد النقشبندي. أقصد كل هؤلاء الذين صنعوا وجدان النضوج المصري العربي الذي تألق تألقا لمسه الجميع أفكارا فلسفية، وعلما وفنا، واصل إبداعَها وإنتاجَها مَنْ تسلموا الشعلة من جيل المفكرين والمبدعين الأوائل فوجدنا، الغزالي والشعراوي ومحمد عمارة، ووجدنا زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا والأنصاري والجابري... ووجدنا علماء أجلاء بداية من مصطفى مشرفة وحتى أحمد زويل، ووجدنا أدباً راقيا وعالميا مع نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف السباعي، والماغوط ومنيف والطيب صالح، يغترف من عمق وأصالة التاريخ العربي والمجتمع الشرقي، الذي انعكس حتى في تصميم الشوارع والمباني ولم تطغ عليه الحداثة، وخاصة في دولنا الخليجية التي أعطت للمسجد مكان الصدارة في تصميم مدنها، حتى ذلك الوقت. ولن أتحدث عن الأخلاق التي كانت ما تزال محتفظة بأطرها الإنسانية العربية الإسلامية المتعارف عليها عبر القرون، وانفلت أو «انفتح» عقالها مع ما سُمي سياسة الانفتاح والتطبيع التي ليس هنا أيضا مجال محاكمتها سياسيا ولا تاريخيا. ومع الإقرار بتداخل الفترات الزمنية بين كل هؤلاء العمالقة فيمكن القول إنهم جميعا، مصريون وعرب، ساهموا في إحداث نهضة ونضوج في كل مناحي حياتنا العربية، فنا وسينما وتلفزيونا وإعلاما وصحافة ورياضة. وهنا أقصد رياضة كرة القدم التي كان لها ولمشجعيها رونق آخر في ذاك العصر؛ عصر النضوج الذي كان عليه أن يتلاشى نهاية السبعينات، مع بدء التطبيع مع العدو الصهيوني. تلك الفترة التي بدأت فيها عملية تراجع تدريجية، على كل المستويات، سُرق خلالها منا ذاك النضوج. وهنا نلاحظ أن الشيء الوحيد الذي لم يصل إليه عصر النضوج العربي كان هو الصناعة الثقيلة، التي ظهرت في سماء مصر لفترة وجيزة ثم اختفت كالشهب في السماء. السؤال الآن، هل يمكن الإمساك بما تبقى من ملامح ذلك العصر ناهيك عن استرجاعه وتثبيته وتعميمه؟. هل بالإمكان، وقف الإنزلاق التاريخي، والإمساك بتلابيب عصر النضوج أم أنه فات أوانه وانتهى معه أوان العرب، الذين يستدرجهم التطبيع، ومَن وراءه، تدريجيا للذوبان في ثقافة وحضارة لا تمت بصلة لأي شيء عرفه العرب من قبل؟. ثقافة الاستهلاك والإلحاد والدين الإبراهيمي والتحلل بكل مستوياته من شذوذ، وخلاعة وانفلات أخلاقي، حيث تسود «ثقافة الجهل»، ويحل محل السياسيين أذناب للمحتل، ومحل المفكرين منافقون، ومحل الأدباء أفاقون ومحل الشعراء كذابون ومحل المشتغلين بالإعلام رويبضة مطبلون، وينهار كل ما كان جميلا في زمن النضوج ويذبل ويندمل، ويُختزل «وطني الأكبر» في أوبريت آخر هو «الحلم العربي» الذي كان يأسا وكابوسا أكثر منه حُلما!.... فماذا نحن فاعلون؟!

774

| 12 مايو 2025

مات "ابن الإله".. فتأهبوا!

.. وفي ليلة قارسة البرد مات «ابن الإله»، تاركا وراءه قصة تمتد تفاصيلها من وسط الغرب الأمريكي، حيث ولد أواسط الأربعينيات، إلى أقصى الشرق الكندي، وتحديدا «نيوفوندلاند» حيث سافر هناك للتدريس في السبعينيات، إلى تورنتو عاصمة المال الكندية، حيث أكمل حياته المديدة التي طالت 80 عاما. جول (Joel) أو جويل أوجستين، كان من عائلة أمريكية متدينة بالمعنى العام، ومن الطبقة الميسورة، حيث كان أبوه صحفيا ورساما وأشياء أخرى، وكانت أمه تعمل سكرتيرة لمسؤول كبير في الحكومة الأمريكية. و»جول» تعني في الثقافة المسيحية الغربية «النبي الصغير» أو «الناطق باسم الإله». لكن جول كان يتذكر بنوع من التأثر أن والديه قالا له إن معنى اسمه عندهم هو «ابن الإله» ما جعله يشعر بالفخر ويهتم بالدين ودراسته منذ الصغر وطول حياته. جول، وعندما كبر ودرس وتعلم، كفر بالكثير مما كانوا يعلمونه عن الدين في الصغر.. لكنه، ومثل كثيرين في الغرب، لم يكفر بالعلم. لكن، أيضا، وعلى عكس كثيرين لم يقُده العلم إلى مزيد من الكفر بل إلى مزيد من الإيمان. فهو رفض معظم ما يقوله الغرب دينيا وحتى علميا. كيف.؟ لم يخاصم جول العلم، ولكنه أبحر في اقتصاده، وسياسته، وفلسفته، وتكنولوجيته، وحصل على درجة الماجستير في كل ذلك، كل على حدة. ولم يشأ الحصول على الدكتوراه رفضا للفكرة في حد ذاتها لعدم اعترافه بما يسمى جامعات الغرب وزيف الكثير من أبحاثها وأهدافها. وكلما غاص في بحور ذلك العلم كان جول يتيقن من حجم الفساد «في هذا العالم الذي تقوده النخب نحو الهلاك». قرأ جول التاريخ وفهم حجم المؤامرة التي حيكت وتنفذ ضد البشرية وخاصة المسلمين، ودرس علوم الكمبيوتر ولاحظ أن ما يسمى الذكاء الصناعي، سيجلب على البشر أخطارا جمة، وقرأ في السياسة وفهم أن من يقودون العالم ينفذون بالفعل ما يسمى خطة «المليون الذهبي». وخلال فترة ما سمي «وباء كورونا» كان جول يراقب السماء دائما ويشير بيده إلى طائرات تنفث في الجو مواد مثل الكيمتريل والبروميوم والألومنيوم والسترونتيوم التي لا ترى بالعين المجردة، ويؤكد أن هدفها نشر الأمراض وإضعاف مناعة البشر. ولذلك فقد رفض الاستسلام لتلقي مصل الكوفيد مؤكدا أن الفيروس وأمصاله جميعا جزء من الخطة. وكنا شهود عيان على رذاذ لزج يتساقط علينا وعلى نوافذ سياراتنا، بعد كل مرة تظهر فيها تلك الطائرات في السماء. كان جول دائم التأهب والمتابعة لما تحيكه النُخب. كان يتابع الأخبار ويفهم أن النخب ممثلة في أشخاص مثل كلاوس شواب الذي استقال حديثا من منصب رئيس منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، يجهزون لكارثة عالمية أكبر كثيرا من كارثة كورونا تتمثل في الادعاء بأن الأرض ستتعرض لما سيسمونه عاصفة شمسية، لن تكون في حقيقتها سوى هجمات سيبرانية، وأن تلك العاصفة ستعطل خدمة الإنترنت في العالم كله أو معظمه. وبالتالي ستتوقف خدمات البنوك والاتصالات والمشافي وغالبا المواصلات والأخطر خدمات الشرطة والأمن، الذي سيختفي من مناطق كثيرة ولن يعود إلا بخروج المنقذ الذي سيكون إما الدجال أو من ينوب عنه. وقد ذكرني انقطاع الكهرباء في إسبانيا والبرتغال وأجزاء من فرنسا بالأمس القريب بجول وتحذيراته من خطط النخب. ولو عاش لقال إن ذلك لم يكن إلا تجربة أو بروفة لما يتم تدبيره بليل، وظل يراقب قُدومه طويلا. كان جول واحدا من مثقفين حقيقيين في الغرب فهموا ما لم يفهمه كثير من مثقفي العرب وحكامهم، إذ لامني مثقف عربي لأنني لا أزال أثق في المقاومة وعندي أمل في أن تنتصر. وجول هو أيضا الصورة العكسية لكثير من «مثقفي» العرب الذين إذا ذهبوا للغرب رجعوا أكثر تغربا من الغربيين، على وزن ملكيين أكثر من الملك. فعلى العكس كان جول عربيا أكثر من كثير من العرب. فكان يتابع مآسي المسلمين في الهند والصين وبورما ويبدي دهشته وحزنه لتقاعس العرب والمسلمين إزاءها. وعندما بدأت الإبادة الجماعية في غزة كان أكثر حزنا وتأثرا من كثير من المتأسلمين من العرب. كان جول يفهم أن إسرائيل كيان صهيوني وليس يهوديا، وأن المقاومة وحدها هي الكفيلة بوقف خطرها. كان جول بفهمه السياسي العميق يمثل جسرا بين الغرب والشرق. كما كان بإنسانيته الراقية يمثل جسرا آخر بين وحشية حكومات الغرب ورحمة الشعوب المغلوبة على أمرها. فهو لم يهتم بجمع المال، وعاش حياته مدافعا عن الفقراء إذ تبنى ثلاثة من الأطفال الـ «أبوريجينال»، أي من أبناء السكان الأصليين، المعاقين نفسيا. ولكن قتلته «المؤامرة» التي عاش يرصدها ويحذر منها فكان أحد ضحاياها. فقد اضطره الفقر «المصنوع»، إلى أن يواصل العمل وهو في عمر الثمانين، عملا لا يتناسب مع علمه ومؤهلاته العديدة. وسببُ ذلك أن الشركة الكبيرة التي كان يعمل بها كانت تسرق جانبا مهما من راتبه. واضطره ذلك للعيش في بيته بلا تدفئة فقتله البرد في ليلة من ليالي الشتاء المبكر المفاجئة. وكان في أواخر أيامه يحادثني حديثا مخلصا عن احترامه للإسلام. وقال كلاما جعلني أحسب أنه مات عليه، وجعلني أيضا استشعر ضرورة التأهب مثله لما هو آت، وبدأت تظهر علاماته... فتأهبوا.

1920

| 04 مايو 2025

كلهم خذلوك يا مقاومة!

من نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في مخيمات لبنان، تعللا بتفادي حروب جديدة، إلى حظر نشاط جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، إلى اعتقال قيادات جهادية فلسطينية في دمشق، بعد ساعات من زيارة أبومازن، إلى التجدد المستعر لحملة العداء ضد كل ما هو مقاومة، في وسائل إعلام «دول التطبيع»، تتبلور معانٍ ودلالات تؤكد أن خطط القضاء على المقاومة الحقيقية للخطر الصهيوني في العالم العربي والإسلامي تتصاعد إلى مستويات جديدة، يريد منها العدو فيما يبدو إنجاز مرحلة أعلى في إطار أحلامه المريضة بإتمام السيطرة على الشرق الأوسط وتحقيق وهم إسرائيل الكبرى. وبرغم أهمية كل تلك الإجراءات وخطورتها بما فيها اعتداءات محمود عباس اللفظية الخارجة ضد المقاومة فإن الأكثر إدهاشا فيها هو الإجراء السوري الذي يفسر بدرجة كبيرة ما تم تسريبه بشأن الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع أو «أبو محمد الجولاني»، وماضيه في العراق وإدلب وعلاقاته المحتملة بجهات لا تتسق ولا تتفق مع الصورة التي رسمت له حتى الآن كمجاهد إسلامي. عندما نشرت مقالي (سوريا.. هرب «الأسد» فلنحذر «الذئاب»!) بتاريخ 25 ديسمبر 2024- نبهت فيه إلى أن سهولة وسرعة سقوط دمشق، كانت مثيرة للشكوك والتساؤلات أكثر منها للابتهاج و»التفاؤلات»- كانت المخاوف على تجربة الشرع أكثر من الشكوك فيها. وكان القلق كبيرا على نظامه الجديد من أن يتعرض لما تعرضت له تجارب مشابهة. وحدث بالفعل أن تعرض نظام الجولاني لمحاولات، لا يمكن الجزم بمدى جديتها أو خطورتها، لإزالته وإبعاده عن السلطة في دمشق. لكن في النهاية لم تفلح كل تلك المحاولات. ومثلما كُتب الكثير في محاولة فهم السهولة التي سقطت بها دمشق دون تقديم إجابات حقيقية تكشف الترتيبات التي حدثت يقينا بين مخابرات الدول المعنية شرقا وغربا وجنوبا، لم تفلح التحليلات في سبر غور محاولات الإطاحة بالجولاني ونظامه الوليد. لكن المشاهدات الأخيرة تطرح تساؤلات قد تقرب الصورة، ربما لتؤكد شكوكا سقناها سابقا بأن الجولاني على أقل تقدير كان مرضيا عنه أمريكيا وصهيونيا، وحتى من روسيا التي استدعت الأسد في الساعات الأخيرة من نوفمبر 2024، أي قبل أيام قليلة من فراره الأخير، لتبلغه بالعودة لدمشق فقط لحزم حقائبه. وإلا فلماذا تسير السياسة المعتادة في وأد كل احتمالات المقاومة (نزع سلاح فلسطيني جنوب لبنان) وقتل كل الحركات السياسية المناوئة لإسرائيل (حظر إخوان الأردن)، ويبقى هو، أي الجولاني، مثل «التيفال السياسي» الذي لا تؤثر فيه الاتهامات ولا الاعتداءات، لا بل وينفذ هو بنفسه إجراءات ضد المقاومين والمجاهدين، وهو ما اعتبره مراقبون للشأن الفلسطيني بينهم سعيد زياد «انضماما لصف الخيانة العربية الطويل». ويأتي هذا متزامنا مع اتهامات للجولاني، ظهرت في وسائل إعلام عربية وأجنبية بأنه، مثلا، وعندما كان في العراق، باع المقاومين الحقيقيين من شركائه فى الكفاح لأنهم رفضوا تفاهماته مع الأمريكان، حيث سلمهم لمخابرات إقليمية قامت بدورها بتسليمهم للتحالف الدولى. وتحدثت مصادر أخرى بأنه، وهو في إدلب لم يكن يحظى بإجماع شعبي، وبأنه تخلص من عدد من أقرب خلصائه بعد زيارة سرية لأوروبا. كما كشف الدبلوماسي البريطاني كريج موري أن تلك الزيارة كانت لبريطانيا وتعهد خلالها بتلبية طلبات أمريكا والاعتراف بالكيان قبل نهاية 2026. وكانت مواقع عدة بينها «The cradle» كشفت في وقت مبكر عن تعاون قديم بين الموساد الإسرائيلي وجبهة «النصرة»، الفرع السوري للقاعدة سابقا، قبل أن تتحول إلى هيئة تحرير الشام التي كان يتزعمها. وقال الموقع إنه في العام 2014 تعاونت «النصرة» مع إسرائيل ضد حزب الله والجيش السوري. وأضاف أن مقاتلي «النصرة» في القنيطرة خاضوا معارك بتوجيه إسرائيلي مباشر. وتم توثيق نقل جرحى الجبهة لتلقي العلاج في مستشفيات إسرائيلية. كل ذلك قد لا يكفي لتصديق الاتهامات المعلنة، ويمكن تأويله على وجوه عدة. لكن تحركات الشرع حتى الآن تظهر أنه ينفذ بالفعل مطالب صهيوأمريكية قيل إنها من ثماني نقاط، بحسب مصادر إعلامية بينها «وول ستريت جورنال»، أحدها، «حظر النشاط السياسي والعسكري للفصائل الفلسطينية كافة داخل سوريا». وقد لا نستطيع نحن ولا غيرنا كشف الاتفاقات السرية التي أدت إلى التضحية بنظام الأسد وتسليم سوريا إلى الجولاني لكن يمكننا طرح بعض التساؤلات التي يمكنها أن تضيف رتوشا لصورة تلك الاتفاقات. لماذا رضيت واشنطن وبالتالي إسرائيل عن الجولاني حتى أنها ألغت مكافأة العشرة ملايين دولار التي كانت رصدتها لرأسه؟... ولماذا يسكت هو عن احتلال إسرائيل لأراض سورية جديدة؟. ولماذا يشيد بترامب ويعتبره داعية سلام؟. والأهم من ذلك كله لماذا يعتقل المجاهدين وينفذ مطالب لم يقبل بها حتى الأسد؟ ولماذا تشيد به باربرا ليف، مسؤولة الشرق الأوسط السابقة في إدارة بايدن، وتعلن «أنه أتى مستعداً لسماع ما تقوله الولايات المتحدة، وتنفيذه؟. ولماذا تتولى القوات البريطانية الخاصة وجهاز إم آي 6، بحسب موري، حمايته حتى من انقلاب قواته عليه؟ وستظل كلمة السر الكبرى التي أغلقت الأبواب في وجه الأسد وفتحتها للجولاني هي تعهده بأنه يريد تغيير نظام الأسد «دون المساس بمصالح أي أطراف أخرى»، حتى ولو كانت تلك المصالح هي قتل كل ما تبقى من مقاومة حقيقية للاحتلال.

909

| 28 أبريل 2025

«غزوة» ابتهال أبو السعد.. القتل ليس فقط بالحديد والنار!

ليست ابتهال أبو السعد هي الأولى التي تحتج أو تفضح تواطؤ وتآمر شركات التكنولوجيا، (ومنها مثالا لا حصرا، غوغل وأمازون ومايكروسوفت) مع إسرائيل في حرب الإبادة في غزة. والأغلب أنها لن تكون الأخيرة. فقد سبقها كثيرون، لكنها الأشهر والأكثر لفتا للانتباه، حتى أن ما فعلته يمثل وَحْده «غزوة» في الحرب الممتدة ضد الكيان الغاصب وأعوانه. وما يهم في «غزوة ابتهال» أنها أعادت تسليط الضوء على حرب عالمية غير مسبوقة في كل مواصفاتها وتفاصيلها من حيث فداحة صغر حجم الهدف وفداحة ضخامة المهاجمين وشمولية وسائل هجومهم. وهنا نتحدث عن سلاح التكنولوجيا، أو الجانب المخفي من تلك الحرب؛ جانب يقتل ويشرد ليس بالحديد والنار ولكن بالكاميرا والسونار. ولعلنا نعيد تأكيد أن العالم كله تقريبا متحالف ضد غزة ومقاومتها الباسلة في حرب لم تشهد البشرية مثلها. فمن لم يشارك بالمال والسلاح والتكنولوجيا فهو مشارك بجريمة الصمت. بحيث باتت غزة تبدو حقا البقعة الوحيدة الطاهرة الآن وسط عالم ظهر فيه الفساد في البر والبحر، لتنطبق على أهلها آية «أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون». فحرب غزة تُقدم أوضح نموذج للحرب العالمية المتكاملة الأركان على البشر. فهذه جيوش العالم كله تقريبا تكالبت عليها على الأقل من خلال المرتزقة القادمين من كل صوب شرقا وغربا من الهند وتايلاند إلى أمريكا اللاتينية ناهيك عن أوروبا وتحديدا فرنسا وإيطاليا. ويضاف إلى ذلك كله جميع شركات التكنولوجيا والتصنيع العسكري الكبرى ووسائل الإعلام والجامعات ومراكز البحث. وكنت قد نبهت من قبل في مقال بعنوان «عندما يخطط الشيطان للمستقبل» إلى سيطرة أعداء الإنسانية على كل ما يمس مستقبل البشر من زراعة وتصنيع وتطبيب وتعليم وغيره، وأكدت أنهم يستخدمون العلم لتدمير البشر وليس لمنفعتهم.. وها هم لم يُكذبوا الخبر وباتوا يسخرون التكنولوجيا الحديثة لقتل أهل غزة، في تحد صارخ لاتفاقية روما الدولية وكل الأطر القانونية والأخلاقية. هنا يجب التأكيد على أن العلاقة بين إسرائيل وشركات التكنولوجيا ليست علاقة تعاون بل علاقة الكيان الواحد فمعظم تلك الشركات إن لم تكن جميعها يملكها ويديرها الصهيوماسون الذين لا يخفون انتماءاتهم تلك. وكنا تحدثنا عن محاولات أعداء الإنسانية الوصول إلى المزج أو الدمج الكامل بين البشر والألات أو الروبوتات فيما يسمونه «سايبورج» من خلال تسخير التكنولوجيا الحديثة. لكن فكرهم الشيطاني تجاوز ذلك أيضا إلى استخدام تلك التكنولوجيا وآلاتها في قتل البشر أيضا. وهنا يختلط الواقع بالخيال واللعب بالجد والقتل في ألعاب التسلية بالقتل على الحقيقة. فتصبح ألعاب الحرب الإلكترونية مثل «كوول أوف ديوتي»، وسيلة حقيقية لقتل البشر الأبرياء في غزة. كانت «غزوة ابتهال» هي قمة جبل ثلج بدأ تكونه قبل السابع من أكتوبر بمشاريع صهيونية تكنولوجية. فقد وفرت شركات التكنولوجيا لإسرائيل عدة أنظمة تعمل بالذكاء الصناعي لتحقيق أكبر قدرة على قتل الفلسطينيين من أهمها: غوسبل (The Gospel)، أو «الحبسورة»(«Habsora، ولاڨندر (Lavender)، و»أين أبي؟» (Where’s Daddy?)؛ علاوة على تطبيقات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ومثيلاتها، و»أزور Azure» و»عمود النار» (Pillar of Fire)، ويستخدمه قادة العمليات العسكرية. ويقود كل ذلك الذكاء الصناعي OpenAI، بحيث تتولى هذه النظم والتطبيقات تحديد الأهداف وتتبعها بطريقة لا تتوفر للعنصر البشري. فيقوم نظام «غوسبل» بتحديد المباني التي يُعتقد أنها تُستخدم من قِبل الخصم. ويقوم نظام «لاڨندر»، بتحديد وترشيح وتتبع الأهداف البشرية. بينما يقوم نظام «أين أبي؟» بتتبع هؤلاء المستهدفين داخل منازلهم ثم يتم قصفهم. وبالطبع يأتي مع كل ذلك شركات مثل «NSO Group» الإسرائيلية التي تزود الاحتلال بتقنيات مراقبة مثل برنامج «بيغاسوس»، الذي يختراق أجهزة الهواتف. وإجمالا ارتفع استخدام الكيان لمنتجات الذكاء الصناعي 200 مرة عما قبل بداية الحرب. ومما يؤكد أن «غزوة ابتهال» لم تكشف إلا قمة جبل جليد الانتهاكات التكنولوجية من جانب أعداء الإنسانية نشير إلى أن الكيان كان يعمل على تسخير التكنولوجيا للقتل منذ زمن. ويدل على ذلك كتاب أصدره قائد وحدة الاستخبارات الإسرائيلية (8200)، في 2021، بعنوان «فريق الإنسان والآلة: كيفية خلق تكامل بين الذكاء البشري والصناعي...»، ويتحدث فيه عن آلة ثورية قادرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة كبيرة، لتوليد الألاف من الأهداف «المُحتملة» التي يمكن توجيه ضربات عسكرية لها بسرعة ودقة كبيرة للغاية، متجاوزة بذلك التحديات المفروضة على العنصر البشري. وقد أسفر ذلك مشروعات منها مشروع «نيمبوس» الذي يستخدم لتحديد الأهداف العسكرية عبر الذكاء الصناعي وتبلغ قيمته 1.2 مليار دولار، والذي مُنح لشركتي غوغل وأمازون لتوفير بنية تحتية للحوسبة السحابية للحكومة الإسرائيلية في العام2021. وقد وصف خبراء ومصادر عدة ذلك بأنه التكنولوجيا «الأكثر وحشية» بحسب موقع «القناة السادسة» الإسبانية. وكما أن القتل لم يعد فقط بالحديد والنار فإن المقاومة لم تعد أيضا فقط بالحديد والنار وفي غزوة ابتهال خير دليل. ودليل آخر جاء بمداخلات عدة في الأيام الأخيرة من نشطاء وخبراء بينهم، هايدي خلاف، خبيرة الذكاء الصناعي التي انتقدت الكيان وحذرت، من «تطبيع القتل الجماعي للمدنيين وإلقاء اللوم على الخوارزميات».

825

| 21 أبريل 2025

جمارك ترامب ونهاية «دولة الرفاه»

في بعض أدبيات العلوم السياسية يقولون إن كل رئيس عظيم (أمريكي طبعا) يجب أن تكون له حرب. أي أنه لكي يكون الرئيس عظيما يجب أن يقود بلاده في حرب. وحديثا، لم يعد مهما نوع الحرب، إذ لا يجب بالضرورة أن تكون عسكرية. قد تكون بيولوجية مثل «كورونا» أو اقتصادية مثل «الجمارك». وبالطبع تفسر هذه المقولة، العقلية التي تحكم المناخ السياسي الأمريكي، القائم أساسا على تقديم التصنيع العسكري والحشد المسلح بلا توقف. أسوق هذه المقدمة لأن كثيرين لا ينتبهون إلى أن جمارك ترامب هي حرب شاملة على البشر بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم، وأنها لا تختلف كثيرا عن حرب الإبادة في غزة، وأن هذه وتلك مجرد معارك في حرب أشمل لا تتوقف رحاها يوما واحدا لإحكام السيطرة على العالم. وكنت تناولت هذا المعنى في مقالين أولهما بعنوان «الحرب العالمية الأبدية» بتاريخ 30 يناير 2024، والثاني بعنوان «حرب البعض ضد الكل، لا تستثني منكم أحدا» بتاريخ 17 سبتمبر 2024. وسواء كانت الإبادة بالقتل والتدمير في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وغيرها، أو بالإفقار والتجويع والتشريد المنظم في كل مكان آخر تقريبا، فالهدف واحد وهو إنهاء عولمة التعاون الدولي وتحويلها إلى عولمة الهيمنة التامة والسيطرة الكاملة على مقدرات الشعوب. ونبقى مع معركة جمارك ترامب لنلاحظ أن الرواية السائدة الآن في معظم الدول منذ بدأ سياسته تلك تلعب على نغمة واحدة هي خفض وتقليص دولة الرفاه الكينزية، (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينيز- وهو اقترح في ثلاثينيات القرن الماضي، خلال فترة الكساد الكبير، تدخل الدولة لمساعدة شرائح المجتمع الفقيرة بمساعدات منتظمة مالية وعينية لتنشيط الاقتصاد، ثم سادت تلك الفكرة عقب الحرب العالمية الثانية). ويعني زوال دولة الرفاه تلك زيادة الضرائب وتقليص المعاشات وخفض المساعدات الإنسانية والاجتماعية للمعاقين ومحدودي الدخل، وعودة مجتمع الأسياد والرعاع. وفي الوقت نفسه يرتفع شعار واحد هو تعزيز الدفاع والاستعداد للحرب (العسكرية). وقد أصبح العالم فعليا فوق سطح صفيح ساخن، منذ أطلق الرئيس الأمريكي حربه تلك غير المدروسة وغير المنظمة جيدا. والدليل أن الجميع يرفضها حتى أن مجلس الشيوخ صوت تصويتا تاريخيا لتجاوز صلاحيات الرئيس وأوقف جماركه بشأن كندا، وسط معارضة متصاعدة لسياسة ترامب في الكونجرس. وبدليل آخر هو خروج الشعب الأمريكي في تظاهرات غير مسبوقة في كل الولايات الخمسين رفضا لها. وبات الكل في حالة تأهب لحرب تجارية أو ربما حتى عسكرية. ففي جميع أنحاء أوروبا تقريباً تتصاعد الدعوات لزيادة الإنفاق العسكري وإعادة التسلح. واقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، «خطة إعادة تسليح لأوروبا» تهدف إلى جمع ما يصل إلى 800 مليار يورو أو نحو ترليون دولار. والخطورة الحقيقية بالنسبة لنا نحن الشعوب هي أن هؤلاء السياسيين الأمريكيين أو نظراءهم في أوروبا وغيرها، يريدون تمويل تلك الحروب من جيوب الشعوب. فهذه برونوين مادوكس، مديرة مركز «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث، تزعم في مقال بالفاينانشيال تايمز في فبراير الماضي وعقب مؤتمر ميونيخ الأمني، أن الإنفاق على الدفاع هو «أعظم منفعة عامة على الإطلاق»، لأنه ضروري لحماية «الديمقراطية». وتدعو المسؤولين السياسيين، بلا حياء ولا شفقة، لتمويل ذلك عبر خفض إعانات المرض، والمعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، وإقناع الناخبين بالتنازل عن بعض حقوقهم الاجتماعية، أي الهدم الكامل لدولة الرفاه. من جانبه يقول مارتن وولف، الخبير الاقتصادي، وفي الصحيفة ذاتها، أنه لتمويل الإنفاق الدفاعي فلا بد من رفع الضرائب، التي تعني مزيدا من الأعباء على المواطن في كل مكان. وكان من نتائج ذلك التحريض أن أعلنت وزيرة المالية البريطانية راشيل ريفز، استقطاعات كبيرة من ميزانية المساعدات الاجتماعية، وخفض الإنفاق على إعانات الأطفال ومخصصات الشتاء لكبار السن وإعانات الإعاقة، لتوجيه الفائض للاستثمار في قطاع الدفاع. وفي كندا لا يتوقف الحديث منذ سنوات عن ضرورة خفض الإنفاق الاجتماعي، وخصوصا ميزانية المساعدات الاجتماعية، حتى بعيدا عن أحاديث الحرب. أما في الولايات المتحدة فحدث ولا حرج. فقد عمدت إدارة ترامب فعليا إلى تسريح آلاف من موظفي وكالة المساعدات الاجتماعية قاصدة تقليص حجم الخدمات المقدمة لمحدودي الدخل والمعاقين، وسط حالة من الغضب والاستياء العام. غير أن هذه السياسات المثيرة للشك والريبة في نوايا أولئك المسؤولين تدعو للتساؤل عن المستفيد من هذه الحروب المفتعلة. وبلا عناء سنجد أنه يأتي في صدارة المستفيدين، جميع الشركات الكبرى التي ستستفيد بالقطع من زيادة الأسعار التي ستتسبب فيها الجمارك. ومن ذلك قطاعات الصناعات التحويلية، ومنها المصانع المحلية الكبيرة والمجموعات الصناعية التي طالبت بإجراءات حمائية. وبحسب موقع مراقبة السوق (Market Watch) أعلنت شركات تعدين عدة منها «U.S. Steel» و»Nucor Corporation» عن زيادة أرباحها بعد تطبيق الرسوم الجديدة. *القصة وما فيها أن عقيدة أصحاب رأس المال هي أن كل المال في العالم هو من حقهم وحدهم وأنه حان الوقت لجمعه ووقف صرفه عن كل من يرون أنه لا يستحق. وهذه بحد ذاتها ترينا كيف يمكن أن يكون شكل الحياة تحت حكومة عالمية يتزعمها هؤلاء؛ لا شك أن «عالم أورويل» سيكون جنة مقارنة بها.

720

| 12 أبريل 2025

«اللا نظام» العالمي الجديد!

يبدو أننا سنضطر للعودة بين الحين والآخر إلى روايات الخيال العلمي والسياسي وأفلام هوليوود لمحاولة فهم ما يجري في العالم الآن وفي المستقبل. هذه المرة سنتوقف مجددا مع رواية جورج أورويل «1984»، الصادرة عام 1949، وتنبأ فيها، بعالم يشبه العالم الذي نعيش فيه الآن، بدرجة كبيرة. عالم التحكم الكامل في البشر والرقابة الشاملة لكل تحركاتهم وأفكارهم! فيما يسمى النظام العالمي الجديد، مع أن الأدق أن نقول «اللا نظام العالمي الجديد»؛ لماذا؟. يقول جون سوير رئيس الاستخبارات السرية البريطانية «إم أي 6» بين عامي 2009 و2014، إن «التوجه الأمريكي الجديد بقيادة ترامب هو أكبر تغيير عالمي منذ أواخر الأربعينيات؛ عندما تعاونت أوروبا وأمريكا لبناء النظام العالمي في صورته الحالية، ويعمل ترامب، الآن، لهدمه، وتدشين عالم بلا ضوابط». ويضيف: «يبدو أن ترامب يفضل عالما للقوى العظمى، تتمتع فيه كل قوة عظمى بمجال نفوذ. وهذا هو عالم رواية «1984»، الذي تتنازعه 3 كتل استبدادية، اقتسمت الأرض بعد حرب عالمية، وتدور الأحداث في واحدة منها وهي أوشينيا (أمريكا وتوابعها)، حيث تتم السيطرة على البشر وعقولهم على طريقة أورويل». * ويبدو أن هذا العالم، ثلاثي الأقطاب، يتشكل بالفعل مع تضخيم ترامب أهمية روسيا على حساب أوروبا، ومع إعجاب النخب الأمريكية بالنموذج الصيني الذي ستتاح له الفرصة للتطور فيما يبدو. وقد جاءت قرارات ترمب التنفيذية بإلغاء وزارة التعليم، وبرامج ثقافية عدة، منها قناة «الحرة»، لتضيف رتوشا جديدة في صورة العالم الاستبدادي الذي بشر به أورويل. ويرسخ صورة ذلك العالم أيضا التصرفات الاستبدادية للسلطات الأمريكية ليس فقط بحق أمثال الفلسلطيني محمود خليل، بل بحق مواطنين ألمان وكنديين وغيرهم، تتم إهانتهم وإيذاؤهم في المطارات الأمريكية. وهو عالم تتراجع فيه كل القوى المجتمعية وتنزوي أمام رأس المال المسعور، ولا تقف أمامه مظاهرات أو احتجاجات، ولا ثورات، ولا حتى إضرابات عمالية بعدما كانت تطيح بحكومات راسخة مثل حكومة إدوارد هيث في بريطانيا عام 1974. فقد انتهت إضرابات في كندا أواخر العام الماضي بلا نجاح يذكر، حيث أُجبر المضربون في قطاعي البريد والمشروبات مثلا على العودة للعمل دون تحقيق مكاسب حقيقية. وقبلها لم تُجدِ المظاهرات والاحتجاجات، سواء في أوروبا أو غيرها في وقف أي من مشاهد الظلم، التي تملأ العالم وأقساها حرب الإبادة المتواصلة في غزة. *وهذا يؤكد فحوى مقالنا السابق عن «العالم المنفلت»، أو عالم «اللا نظام» الذي نعيش فيه. وهو أمر توضحه الصحفية البريطانية آش سركار في كتابها «حكم الأقلية»(2025)، وتقول فيه إن عالم اليوم يفقد كل الضوابط التي كانت موجودة قبل عقود قليلة. فمثلا: هذه الأيام، يبدو مفهوم الطبقة العاملة تقريبًا كشيء من الماضي. انخفضت عضوية النقابات العمالية بشكل حاد. كما اختفت مظاهر التضامن الجماعي. لكن لم يختفِ السخط، بل يتجلى الآن في شكل جرائم صغيرة وأعمال شغب عرقية». وهذه الفوضى حالة تريدها النُخب وأصحاب رأس المال، لزيادة الفرقة بين فئات الشعوب وتسهيل السيطرة عليها. وهذا المعنى تؤكده الصحفية الأمريكية تيسا لينا في أحدث مقالاتها بقولها: «عندما يتبادل الناس الأذى يكونون داعمين غير مباشرين للدولة العميقة». وهنا تتحقق فكرة مشابهة كثيرا لما سماه فريدريك إنجلز «الوعي الزائف» حيث يدفع تقاتل الطبقات الدنيا فيما بينها إلى ترسيخ حكم الأقلية الرأسمالية. * هنا يلاحظ تراجع منسوب الحرية والديمقراطية المستمر والمنتظم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ صدور رواية أورويل، وكأنهم بدؤوا تطبيقها حرفيا منذئذ. فمثلا، بعدما كان المسؤولون في الغرب يستقيلون لارتكابهم أبسط الأخطاء، بات هؤلاء أكثر تبجحا وتمسكا بمناصبهم حتى مع ارتكابهم جرائم حقيقية وليس مجرد أخطاء بسيطة، والأمثلة على ذلك كثيرة، من مرتكبي جريمة غزو أفغانستان والعراق، وحتى اليوم. وقد تعزز ذلك التوجه خصوصا نتيجة «الرعب المصنوع» منذ أحداث 11 سبتمبر، والذي بلغ مستويات خطيرة خلال ما سمي جائحة كورونا. وكان أبرز أضرار تلك الفترة اندثار شعار «الزبون دائما على حق»، وانتحار مفاهيم حرية الرأي وحرية التعبير واحترام كرامة الإنسان. إنه عالم يهدم كل القواعد والبروتوكولات التي كان مرعية من قبل. وهو عالم يبنيه ترامب بخطابه الشعبوي وتشكيكه في المؤسسات المحلية والدولية، وبتعزيزه القبضة الأمنية على الجميع. عالم يفتت كل إرث «نظام ويستفاليا»، وأهمه كيان الدولة المستقلة، ويدشن نظاما جديدا يسوده «اللا نظام». عالم ترتفع فيه الرسوم والأسعار بلا منطق، حد التعجيز، ويعيش فيه الناس في مدن مغلقة يسمونها «مدن الـ15 دقيقة»، ويقدم لهم طعام رديء بحصص محددة مثل السجون، تماما وفق نبوءات «1984». * اللافت هنا أنه بينما يقترب أعداء الإنسانية من إكمال أركان هذا العالم أو «القرية الصغيرة» التي يحكمونها بالحديد والنار، فإن سكان هذه القرية، بلا استثناء، ما يزالون يظنون أنهم أحرار في أحيائهم (دولهم) «المستقلة»، غافلين عما ينتظرهم. وبحسب نظرية «الارتداد الاستعماري» فإن المستعمر الظالم يرد ظلمه وطغيانه على شعبه عاجلا أو آجلا! ومن الجمل المأثورة في «1984»، قوله: «إن من الخطورة أن تبوح بأفكارك وأنت في مكان عام أو ضمن مدى شاشة الرصد». أنا سمعت هذا الكلام يتردد في زمننا الحالي في أمريكا وكندا، فمن منكم سمعه كذلك؟.

738

| 29 مارس 2025

لو كنت رئيساً...!

بعد المهانة الكبيرة التي تعرض لها الرئيس الأوكراني زيلينيسكي على يد الرئيس الأمريكي ترامب، أحسب أن رؤساء دول نامية كثيرة باتوا يضربون أخماسا بأسداس في محاولة إيجاد تكتيكات لمواجهة عاصفة الانفلات من أي قواعد أو بروتوكولات تعارف عليها المجتمع الدبلوماسي على مدى القرون الأخيرة. فما نشهده الآن هو التطبيق الحرفي فعليا ولكن بشراسة كبيرة لنظرية «البقاء للأقوى» ولكن على مستوى الدول، وبدون حروب. ففي ساحة السياسة الدولية، التي باتت بالغة التعقيد، يأتي ترامب، الذي «تم اختياره بعناية» لهذه المرحلة، ليطبق النظرية. * فقد قدمت رئاستا ترامب-1 وترامب-2، اللتان تتميزان بتكتيكاته المفاجئة والعدوانية، تحديات غير مسبوقة للقادة حول العالم، وخاصة رؤساء الدول النامية. وبالنسبة لرئيس دولة، وخاصة نامية، فإن اجتياز هذا المشهد يتطلب مزيجًا من الدبلوماسية الإستراتيجية، والمرونة الاقتصادية، والقيادة المبتكرة، لضمان حفظ سيادة وطنه ووجوده، خاصة بعدما ألمح ترامب إلى احتمال اختفاء دول من الوجود. وهذا يتطلب فهم تكتيكات ترامب، التي تتلخص في أنها خارجة عن العرف الدبلوماسي وأقرب إلى أيديولوجيا غير دبلوماسية وفق ما أشارت تقارير عدة في الفترة الأخيرة. ومن ذلك اتباعه سياسة خارجية متقلبة وغير متوقعة لإرباك ضحاياه، والمطالبة بأمور خارجة عن الحسبان والمنطق وحتى عن التنفيذ، ثم تصعيد الضغوط باستخدام التهديدات الاقتصادية، كالعقوبات والتعريفات الجمركية، لإجبار الدول على الامتثال. بعد ذلك يلجأ للدبلوماسية العامة، أي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات العامة لزيادة الضغط وتشكيل المواقف والتنصل منها بعيدا عن الشكل المعروف لسياسات الدول. وتاليا يلجأ إلى المفاوضات الثنائية والصفقات الفردية بدلا من الاتفاقيات متعددة الأطراف إعمالا لمبدأ فرق تسد. * وعلى مستوى الكلام الأكاديمي يمكن القول إن هذه تكتيكات لا يمكن التصدي لها في ظل موازين القوى الحالية إلا بتعزيز التحالفات الإقليمية القوية. فمن خلال التعاون مع الدول المجاورة والتكتلات الإقليمية، يمكن لرئيس دولة نامية ماهر تشكيل جبهة موحدة. فعاصفة ترامب لا يكفيها رئيس واحد ماهر، بل هي تحتاج إلى تكاتف دول عدة ووقوفها وقفة واحدة. ومن ثم يمكن لقوة التفاوض الجماعية أن تخفف من تأثير العقوبات الاقتصادية والتعريفات الجمركية «الترامبية». وانطلاقا من نموذج كندا التي وضعت معظم بيضها (صادراتها) في سلة أمريكا يتضح أن الاعتماد المفرط على شريك اقتصادي واحد يكون دائما محفوفًا بالمخاطر. *وفي مواجهة محاولات ترامب المتكررة لتجاوز المؤسسات الدولية، يجب التمسك بهذه المنصات لأنها توفر للدول النامية الملاذ الأخير للحصول على الدعم والتأييد، حتى برغم سيطرة الولايات المتحدة على نسبة كبيرة من مقدرات صناعة القرار في تلك المؤسسات. ولو كنت رئيسا لتحصنت بكل ما يتوفر من مرونة دبلوماسية لمواجهة مفاجآت ترامب. فالرئيس الماهر هو من يستطيع قراءة المواقف، وتوقع الخطوات، والرد بسرعة. وهذا لا يتحقق إلا ببناء جهاز دبلوماسي نشط والانخراط في مفاوضات سرية لإدارة الأزمة وإيجاد أرضية مشتركة. * وهنا يجب الاهتمام بتسليط الضوء على الآثار اللاأخلاقية للتكتيكات العدوانية الترامبية. ففي عصر المعلومات، يصبح التحكم في عرض المواقف والآراء أمرا بالغ الأهمية، وهذا ما يفعله ترامب شخصيا من خلال تويتر (X) ومن خلال منصته الشبيهة. لذلك لو كنت رئيس دولة نامية لبادرت إلى استخدام وسائل التواصل الإستراتيجي لمواجهة الصور السلبية والمعلومات المضللة التي يروجها ترامب وقبيله. ويمكن لوسائل التواصل، والصحافة الحرة، ومبادرات الدبلوماسية العامة أن تساعد في تشكيل صورة عالمية إيجابية لكسب الدعم الدولي في مواجهة حملات التشويه والترهيب «الترامبية». * أما على مستوى دبلوماسية القوة والرأس بالرأس، فهناك نماذج عدة يمكن تطبيقها. فلو كنت رئيسا لفعلت مثلما فعلت كندا الجارة الضعيفة عسكريا نسبيا، إذ هددت بإغراق أمريكا في الظلام بوقف تزويد عدد من ولاياتها بالكهرباء. وبدأت خطوات لتعزيز تعاملاتها مع اقتصادات بديلة، مثل الصين والهند، لتوفير أسواق بديلة. أو كما فعلت اليابان التي فرضت رسوما جمركية بمقدار 700 % على الأرز الأمريكي. كما أن في نموذج كوبا مثالا كافيا على كيفية تعامل دول نامية مع تحديات العقوبات الأمريكية طويلة المدى. ولو كنت رئيسا لأخذت بنصيحة «الإيكونوميست» التي دعت رؤساء الدول الحليفة لأمريكا إلى «الاسترجال» في مواجهة ترامب، أي التصدي بقوة وجرأة لتهديداته. * ربما تبدو سياسة ترامب تحديا كبيرا، إلا أن التصدي لها ليس مستحيلا. لكن أساليب المواجهة تلك لن تجدي من دون فهم الأساس العقائدي والخط التنظيري الذي يعمل وفقه ترامب وفريقه وهو خط أشرت إليه سابقا بحديثي عن نظريات «أنبياء العولمة» ومنهم أنتوني جيدينز، والذي يوصف، في الغرب طبعا، بأنه أهم عالم اجتماع خلال العقود الخمسة الماضية. وقد بشرنا بأننا نعيش في «عالم منفلت» في كتاب بنفس العنوان عام 2000. ففي ضوء تلك النظرية يصبح من الطبيعي أن يقود العالم المنفلت رئيس أو زعيم منفلت أيضا، ولو كنت رئيسا لتعاملت معه بقدر مناسب من الانفلات. وأحسب أن من يديرون المشهد من خلف ستار ترامب إما مبتدئون تعوزهم الخبرة أو أشرار منفلتون مثله يريدون إحداث أكبر قدر من الفوضى، وربما الحروب، في العالم لأسباب لا شك ستكشفها الأيام.

783

| 23 مارس 2025

لهذه الأسباب يرفض العالم جمارك ترمب!

منذ عودته إلى البيت الأبيض رئيسا، والعالم يبدو في حالة حرب أو مقبل عليها. ومظاهر ذلك كثيرة، تمثل بعضها في انسحاباته المتتالية من منظمات واتفاقيات دولية، وتخليه عن مساندة أوكرانيا في حربها مع روسيا، وقراراته الانفرادية بفرض رسوم جمركية مبالغ فيها حتى على أقرب أصدقاء أمريكا وليس على منافسيها فقط. ومع هذه الأخيرة نتوقف لنقول إن سياسات جمارك الرئيس ترمب تمثل نهجًا مضللًا في التجارة، كونها تعطي الأولوية للمكاسب السياسية قصيرة الأجل على حساب الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل. فمن خلال رفع الأسعار، وإشعال الحروب التجارية، وتعطيل سلاسل التوريد، وتخريب العلاقات الدولية سيلحق الضرر بالمستهلكين والشركات والاقتصاد العالمي ككل. في الفترة الأخيرة، أصبح مصطلح "جمارك ترمب" مرادفًا لسياسة تجارية حمائية تفضل الرسوم الجمركية والحواجز التجارية على حساب التجارة الحرة والعادلة عالميًا. ورغم أن الهدف من هذه السياسات قد يكون حماية الصناعات المحلية والوظائف، كما يقول ترمب ومساعدوه، فإن الواقع يشير إلى أنها غالبًا ما تسبب أضرارًا تفوق فوائدها. والأغلب أنه ستكون لهذه السياسات عواقب بعيدة المدى، ليس فقط على الولايات المتحدة، ولكن أيضًا على الاقتصاد العالمي بأسره. وإليكم الأسباب. - الرسوم الجمركية تضر بالشركات وبالمستهلكين: من المؤكد أن أول التأثيرات المباشرة لجمارك ترمب سيكون ارتفاع الأسعار على المستهلكين. وقد شهدنا تداعيات ذلك خبرا عن أن الأمريكيين العائدين من كندا يهربون معهم عبوات البيض بسبب ارتفاع أسعاره في أمريكا! وبالإضافة إلى تسبب هذه السياسات في عمليات تسريح للعمال وتقليل الاستثمارات في الابتكار فالرسوم الجمركية على واردات مثل الفولاذ والألمنيوم والإلكترونيات تعني زيادة الضرائب على المستهلكين الأمريكيين. فعندما ترتفع تكلفة المواد الخام، تقوم الشركات بفرض الزيادة على المستهلكين، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بلا توقف. وهذا يؤثر بشكل غير منطقي على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي تنفق مزيدا من دخلها على الضروريات. - ردود الفعل الانتقامية من الشركاء التجاريين: الطبيعي أن تؤدي جمارك ترمب إلى إجراءات انتقامية من قبل الدول الأخرى، مما يخلق حربًا تجارية تضر بالنمو الاقتصادي العالمي. فعلى سبيل المثال، عندما فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية على السلع الصينية، ردت الصين بفرض رسوم على المنتجات الزراعية الأمريكية مثل فول الصويا واللحوم، مما تسبب في خسائر فادحة للمزارعين الأمريكيين الذين فقدوا أحد أكبر أسواق التصدير لديهم. وبالمثل، فرض الاتحاد الأوروبي وكندا رسومًا جمركية انتقامية على السلع الأمريكية، مما زاد من عزلة الشركات الأمريكية عن الأسواق الرئيسية. - الإضرار بالعلاقات الدولية: ومن نافلة القول، إذن، أن ذلك يؤدي إلى تقويض استقرار النظام التجاري العالمي وإضعاف الثقة بين الدول. فالتجارة ليست مجرد مسألة اقتصادية؛ بل تتعلق أيضًا بالدبلوماسية. وبفرض تعريفات جمركية أحادية الجانب وتجاهل الاتفاقيات التجارية الدولية، تتسبب الولايات المتحدة في عزل حلفائها الرئيسيين وإضعاف موقعها على الساحة العالمية. وهذا النهج يقوض النظام الدولي القائم على القواعد والأسس المعمول بها منذ الحرب العالمية الثانية. وهذه العزلة ستقوض قدرة الولايات المتحدة على القيادة والتعاون بشأن القضايا الدولية المهمة، مثل المناخ والأوبئة والسلام العالمي. - تقويض سلاسل التوريد العالمية: وفي عالم اليوم شديد الترابط، تعتمد سلاسل التوريد على مكونات ومواد من دول متعددة لإنتاج السلع بكفاءة وبتكلفة معقولة. لكن جمارك ترمب ستعمل على تعطيل هذه السلاسل من خلال خلق حالة من عدم اليقين وزيادة التكاليف. مثلا: أجبرت الرسوم الجمركية على الإلكترونيات الصينية الشركات على إعادة التفكير في سلاسل التوريد الخاصة بها، وغالبًا ما يكون ذلك بتكاليف باهظة. وهذا التعطيل لا يضر بالشركات فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تأخير تسليم المنتجات إلى المستهلكين. - عدم فعالية الرسوم الجمركية في معالجة اختلال التوازن التجاري: يتذرع مؤيدو جمارك ترمب بأن الرسوم الجمركية ضرورية لمعالجة اختلال التوازن التجاري وحماية الوظائف الأمريكية. ومع ذلك، تشير الأدلة إلى عكس ذلك. فالعجز التجاري ليس بالضرورة أمرًا ضارًا، بل غالبًا ما يعكس اقتصادًا محليًا قويًا يتمتع بطلب استهلاكي مرتفع. علاوة على ذلك، فإن الرسوم الجمركية لا تعالج الأسباب الجذرية لاختلال التوازن التجاري، مثل الفروقات في تكاليف العمالة والإنتاجية. - مكاسب سياسية قريبة وأضرار اقتصادية طويلة الأجل: على الرغم من أن الرسوم الجمركية قد تفيد ترمب سياسيا على المدى القريب كونها توفر فوائد قصيرة الأجل لبعض الصناعات، إلا أنها ستكون على حساب النمو الاقتصادي العالمي طويل الأجل. فالسياسات الحمائية تعيق الابتكار والكفاءة من خلال حماية الصناعات المحلية من المنافسة. وعلى المدى الطويل، يؤدي ذلك إلى الركود وفقدان القدرة التنافسية في السوق العالمية. فحالة عدم اليقين الناتجة عن مفاجآت ترمب تضعف الرغبة في الاستثمار، على المستويين المحلي والدولي. فالمستثمرون الخائفون أقل ميلًا للاستثمار في مشاريع جديدة أو توسيع عملياتهم. والخلاصة أن المتضرر الحقيقي من كل ذلك هو المستهلك المحلي في كل مكان، وخاصة في أمريكا حيث يزعم ترمب أنه يعمل لمصلحته. وبدلًا من الرسوم الجمركية الجزافية تلك، فإن النهج الأكثر فاعلية هو الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والابتكار لجعل الصناعات الأمريكية أكثر قدرة على المنافسة عالميًا. فسياسات ترمب ليست سوى حل مؤقت لن يحل المشكلات الأساسية. ولننتظر وسنرى.

723

| 11 مارس 2025

"المرشحون المنشوريون" يحكمون العالم!

"المرشح المنشوري"، مصطلح يعني "العميل المندس"، سواء كان رئيسا، أو مرشحا رئاسيا، أو أقل من ذلك. وقد دخل عالم السياسة الأمريكية من باب الأدب والسينما، كما جرت العادة منذ عقود بعيدة، منذ أصبحت هوليود هي "صانعة المستقبل" الأمريكية. وتعود قصة ظهوره إلى رواية مثيرة بهذا العنوان أصدرها ريتشارد كوندون في عام 1959. تحكي الرواية قصة جندي أمريكي يتم أسره في منشوريا، أثناء الحرب الكورية وتغسل دماغه من قبل عملاء صينيين وسوفييت. وعند عودته لبلده، يستخدمه الشيوعيون لاغتيال مرشح رئاسي أمريكي حتى يفوز منافسه بأغلبية ساحقة وفق خطة لإحلال دكتاتورية شيوعية صينية في الولايات المتحدة. ورغم النقد الحاد الذي تعرضت له الرواية وترشيحها لقائمة "أفضل أسوأ الروايات"، فقد تحولت إلى فيلم مرتين كان الأول في أوائل الستينيات من إخراج جون فرانكنهايمر وبطولة فرانك سيناترا. ونظرا لحساسية الموضوع وقتها تدخل الرئيس الراحل جون كينيدي، وكان صديقا لسيناترا، للتصريح بتصويره. وفي عام 2004، أنتج فيلم جديد لنفس القصة، من بطولة دينزل واشنطن وإخراج جوناثان ديمي، ليقدم شخصية العميل في دور ممثل أمريكي يترشح لمنصب نائب الرئيس ويتم التحكم في عقله باستخدام تقنية النانو. وهنا بدأ مصطلح "المرشح المنشوري" في الانتشار، وأصبح إطلاقه يعني اتهام سياسي في منصب أو مرشح لمنصب بأنه مغسول الدماغ من قبل جهة أجنبية. وقد اتُهم مسؤولون أمريكيون عدة قبل ذلك بأنهم "مرشحون منشوريون"، ومنهم كيسنجر وبوش الابن، واتهمت صحف ومجلات منها "ذي أتلانتيك" و"هافينغتون بوست" و"فانيتي فير"، الرئيس ترامب بأنه مرشح منشوري. والحقيقة أن تراجع دور الرئيس وتسفيهه يعود إلى سبب رئيسي بسيط رغم خطورته، ألا وهو أن الرئيس مجرد واجهة لقوى خفية، كما ذكر كارل ماركس في المانيفيستو الشيوعي، حيث صدق وهو كذوب. ولما كان الصهاينة هم المكون الرئيسي لتلك القوى الخفية سنجد أن دعم اليهود وإسرائيل هو الهاجس الأكبر لهم ولكل عملائهم و"دُماهم" التي يأتون بها لتمثيل دور الرئيس بدلا عنهم، مؤقتا، وحتى حين. ولا يهم كثيرا ما يفعله الرئيس "الدمية" أو كيف يبدو للعالم، فهو في النهاية ينفذ ما يُملى عليه من تلك القوى. ولم يشبه تنحي نيكسون المخزي في التاريخ الأمريكي، مع الاختلاف، إلا حدثان مماثلان مع الرئيسين السابقين أندرو جونسون، 1865 الى 1869، حيث كان نائبا لأبراهام لينكون وخلفه بعد اغتياله، وبيل كلينتون، 1992 إلى 2000، وفي الحالتين أدانهما مجلس النواب وبرأهما مجلس الشيوخ ولم تكتمل عملية الإقالة. لذلك كانت استقالة نيكسون الأولى من نوعها وكسرت هيبة الرئاسة والرئيس. ولم يسلم رئيس بعد ذلك من التقزيم والتقليل من شأنه مهما بلغ من القدرة وتحقيق الإنجارات. فقد قيل عن جيرالد فورد الذي كان نائبا لنيكسون وخلفه رئيسا لبقية ولايته الثانية أنه كان ضعيفا ولم تتم إعادة انتخابه. وفي انتخابات عام 1977 خسر فورد أمام جيمي كارتر الذي وصف بدوره بأنه كان رئيسا ضعيفا. والحق أن السبب وراء إظهار كارتر بتلك الصورة كان عدم رضا القوى الخفية عن دوره في معاهدة السلام لعام 1978، وهو الذي استمر في مواقفه الناقدة للصهيونية حتى وفاته أخيرا. بعد ذلك بدأ السيرك الحقيقي للرؤساء، ليس في الولايات المتحدة فقط ولكن في أماكن أخرى مثل الاتحاد السوفيتي السابق وروسيا. فقد شاهدنا في فترات متقاربة كلا من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان والرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف وفي روسيا الرئيس الأسبق بوريس يلتسين. الأول ممثل سابق بدا للكثيرين طول الوقت وكأنه يمثل أحد أدواره السينمائية. والثاني رئيس فقد هيبته بما وصف بأنه كان تمثيلية لخطفه ثم إطلاق سراحه في لعبة كبيرة انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي كله. والثالث "يلتسين"، سكير اشتهر برقصه كدب فاقد للوعي أمام العامة. وبالطبع لم يقف الأمر عند الدول الكبيرة، فرؤساء دول أخرى نالوا حظهم من الإهانة والتقزيم، فصاروا ينعتون في وسائل إعلام الغرب، المسيطر عليها صهيونيا، بأوصاف لا تليق بحكام دول. وصار بعضهم يطارد ويعتقل، وبعضهم يدان بالإرهاب وهكذا. وما دام سيرك الرؤساء المنشوريين منصوبا فيسهل تمرير كل شيء في غفلة الجماهير، من زيادة أسعار إلى نشر أوبئة، إلى افتعال حروب، وكل ما يمكنهم في إطار صناعة الكفر.

1374

| 26 فبراير 2025

«الرئيس» إيلون ماسك.. انقلاب مدروس في البيت الأبيض!

بداية، من يعتقد أن ترمب مجنون، أو منفلت، أو يتصرف من عند نفسه، فعليه هو أن يختبر قواه العقلية. ومن يظن أن العرب كيان واحد يمكن مخاطبته ودعوته للاستيقاظ والتصدي لترمب فحالته، بلا شك، أسوأ من الأول. ومن يبتلع كذبة أن ترمب يحارب الدولة العميقة، فوضعه بالتأكيد أسوأ من سابقيه. أما من ينتظر معجزة إلهية فهذا ميئوس من حالته. القصة باختصار أن «ترمب-2»، قادم لاستكمال خطة سياسية واقتصادية، ليست خطته وإنما هو مجرد مكمل لها كما ذكرت في المقال السابق. لذلك، فمن يظن أن هناك أي فارق بين ترمب وبايدن مثلا، فلا يقربن مجلسنا هذا. الكل يسير وفق تلك الخطة وينفذ فيها مراحل وأجزاء تباعا، بحسب تغير المعطيات والظروف. منذ عقود والحديث يدور بأن «الحاكم الأمريكي» أو من يمثله، يضع في كثير من الدول لجان توجيه أو «حكومات ظل» توجه أجهزتها التنفيذية وفق ما يريده ذلك الحاكم وليس وفق مصلحة تلك الدول. الآن جاء دور أمريكا ذاتها لتنال نصيبها من ذلك، وتقام فيها حكومة ظل مماثلة، تتمثل في الكيان الرقابي الذي شكله ترمب ويختصر مسماه بحروف ((DOGE أو «د و ج إ»، ولنسميه (دوجي) ويتولى رئاسته إيلون ماسك، وما أدراك ما إيلون ماسك! في تقرير حديث تقول الكاتبة الأمريكية كاثرين أوستن فيتس، إن ترمب يسابق الزمن لتأسيس شبكة تَحَكُّمٍ رقمية عالمية، (الحكومة العالمية) من خلال عدة خطوات أهمها تعميم العملات الرقمية ونقل السيطرة المالية إلى مسؤولي المصارف المركزية. وتوضح أن استيلاء «دوجي» على أنظمة الدفع في وزارة الخزانة، تزامنت مع عملية «تفنيشات» بالآلاف في أجهزة الخدمة المدنية، بهدف إنهاء سيطرة الكونجرس على السياسات والتدفقات المالية. وهذا يمنح بنك الاحتياطي الفيدرالي، ووكلاءه، السيطرة الكاملة على الجانب المالي، أو «روح الحياة». وبهذا، عمليًا، يحل ماسك وفريقه- بالإضافة إلى أي شركات خاصة وجهات أجنبية تتبعه- محل الجهاز التنفيذي والكونجرس، الذي ألغاه ترمب فعليا بـ»الأوامر التنفيذية» التي تجعله، ظاهريا، الحاكم بأمره. دفع ذلك مراقبين وصحفا عدة بينها «ناشيونال انترست» للتساؤل عمن يحكم أمريكا حقا، أو عما إذا كانت الرئاسة مشتركة! وخاصة في ضوء تلاسن حاد بين أصدقاء ترمب ومنهم ستيف بانون، وبين ماسك وطاقم وادي السيليكون، والتلميح بأن وضعه الآن كرئيس «دوجي»، وانفراده بإصدار قرارات، بعيدا عن الدستور والقانون، يجعل من الأدق تسميته «الرئيس ماسك». وأيد موقع «إنترسيبت» ذلك قائلا إن ما يحدث ليس تحسينا لأداء الحكومة ولكن «استيلاء على الحكومة». وترى فيتس أن ما يجري هو الخطوات النهائية نحو تنفيذ عملية انقلاب مدروس على سلطة الشعب الأمريكي من خلال سيطرة «الرئيس» ماسك ووادي السيليكون على كل قواعد بيانات جميع الأجهزة والمؤسسات الحكومية والحساسة في الولايات المتحدة، بما فيها الاستخبارات ووزارة الدفاع. هذه الفوضى جعلت الكاتب السويدي مالكوم كايون يشبهها بأجواء ما قبل الثورة الفرنسية، «حيث لا يشعر الناس بأن الامبراطورية تعمل من أجلهم». فوسط الفوضى التي افتعلها ترمب في الفترة الماضية، داخليا وخارجيا، يمكن تمرير كل الأفكار والأوضاع المستحيل مرورها في الظروف الطبيعية. وعن ذلك تقول زاني مينتون بيدوز رئيسة تحرير الإيكونوميست «إن ترمب وفي ظرف ثلاثة أسابيع فقط من حكمه أطاح بكل قواعد الجغرافيا السياسية» في العالم. والقادم أسوأ. وهنا تؤكد فيتس ما ذكرتُه آنفا بقولها: «على الرغم من الفوضى الظاهرة، فإن الخطة التي يتم تنفيذها استراتيجية للغاية وقد كانت «محل تخطيط لفترة طويلة». وخلف الضباب الذي يحيط بـ»حرب ستأكل الأخضر واليابس»، هناك عملية بناء شبكة تحكم عالمية بسرعة عالية، لتحقيق «الانقلاب». وهذا وسط تحذيرات متواصلة من كايون وغيره بأن أمريكا ومعها الغرب يتجهون نحو انهيار كارثي. ومن بنود تلك الخطة تعميم تطبيق نظام الهوية الرقمية ويسمونها «الهوية الحقيقية»، والجمع بينها وبين البيانات البيومترية (البيولوجية). وتعميم مبادرة «ستارغيت»، الترمبية للذكاء الصناعي، لبناء مراكز بيانات كافية لدعم شبكة تحكم كاملة ونظام نقدي رقمي بالكامل. وتكثيف برنامج حقن «ستارغيت إم ار إن إيه» بما يكفي لتنفيذ خطة «إنترنت الأجساد» واستمرار خفض متوسط أعمار البشر، من خلال اللقاحات. وبتنفيذ خطة «إنترنت الأجساد» تكون الساحة جاهزة لتنفيذ نموذج يحاكي «نظام الائتمان الاجتماعي» الصيني، الذي يعاقب فيه المواطن أو يثاب بحسب سلوكه وفق جدول نقاط يشبه النقاط العقابية في نظام المخالفات المرورية. وباستيلاء «دوجي» على قواعد البيانات يتأسس «نظام ائتمان اجتماعي أمريكي» يراد له أن يكون «عالميا»، تتحكم به «دوجي» في كل أفكارك مثلما تتحكم فيسبوك في آرائك وتحجبها تدريجيا، وصولا إلى إغلاق حسابك مهما كانت قوته. وهنا ستكون اتهامات «جرائم الكراهية»، و»هذا الكلام لا يتفق مع قيم مجتمعنا»، جاهزة لحرمانك من كل حقوقك وطردك من النظام أو من «الحياة». ولا تنسى فيتس أن تشير إلى أن «حكومة الظل العالمية» تحتاج إلى غزة وتعتبرها عقبة «جغرافية» أمام بناء جزء من شبكة التحكم. والحقيقة هي أن غزة عقبة أمامهم بالفعل، لكنها عقبة عقائدية تمثل حاجز الرفض الأكبر لخططهم التي يؤكدها المفكر الأمريكي باتريك وود في سلسلة أعماله حول «النظام العالمي الجديد»، الذي يسميه نظام «ما بعد الإنسان». وبالطبع، أي بقعة مسلمة حقيقة الإيمان ستكون عقبة أمام مثل تلك المشاريع الشيطانية، فالأمر لا يحتاج إلى معجزة ولكن إلى إيمان قوي وصمود وتضحيات، غزة نموذجها الوحيد.

942

| 20 فبراير 2025

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1626

| 23 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1122

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1104

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

741

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

732

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

714

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

657

| 20 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

582

| 23 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

579

| 26 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

576

| 22 مايو 2026

alsharq
معرض الكتاب.. الاستثنائي

كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...

561

| 23 مايو 2026

alsharq
وللّه على الناس حج البيت

الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب،...

531

| 24 مايو 2026

أخبار محلية