رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

النفاق الأمريكي الغربي في حرب "داعش" بالعراق

فجأة انتفضت الولايات المتحدة ومعها الغرب لإعلان الحرب على "تنظيم الدولة الإسلامية " أو ما يسمى "داعش" سابقا.. إعلان يكتنفه الكثير من الريبة والنفاق في توقتيه ومغزاه، لسببين، الأول أن سياسات وممارسات الولايات المتحدة وحلفائها في هذه الحرب بمن فيهم إيران وسوريا وحكومة المالكي سابقا هم المسؤولون عن تضخم دور هذا التنظيم والانتصارات التي حققها ولا يزال، والآخر أن هذا التحرك لم يحدث في سوريا قبل ذلك، رغم انتصارات وتمدد هذا التنظيم في مناطق واسعة في سوريا، والجرائم التي اقترفها ـ ولايزال ـ ليس ضد الأقليات فقط، بل ضد الأغلبية السنية أيضا، والناشطين الثوريين وعناصر الجيش الحرّ. ومع أنني أمقتُ هذا التنظيم وفكره وممارساته ومع كل جهد يؤدي إلى الحد من جرائمه وكبح جماح تمدده السرطاني في سوريا والعراق وغيرهما، لكن هذا لا يمنع من التأكيد على نفاق الإدارة الأمريكية وحلفائها في هذه الحرب التي تدعيها وتنفذها، وكيلهم بمليون مكيال، حتى في التعامل مع ما يتصل بهذا التنظيم، وإلا كان ينبغي عليهم التحرك منذ زمن بعيد ضده وخصوصا في سوريا. في غضون أيام قليلة أعلن أوباما عن وضع إستراتيجية "بعيدة الأمد" لمكافحة التنظيم فيما تشن الطائرات الأمريكية، منذ أكثر من عشرة أيام، غارات على مواقع يسيطر عليها في شمال العراق، وقبلها نسقت إدارته لصدور قرار في مجلس الأمن سريعا وبإجماع الأعضاء يهدف إلى قطع التمويل عنه، ومنع المسلحين الأجانب من الانضمام إليه، وينص على أن كل جهة تموّل هذه التنظيمات أو تمدّها بالسلاح ستكون عرضة لعقوبات أممية، وقد اتخذ القرار بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي يعني أنهّ يمكن أن يطبق باستخدام القوة العسكرية. وللتدليل على هذا النفاق الأمريكي يكفي أن أشير إلى أنه طوال شهور ماضية من عمر الثورة السورية ورغم إدراك الولايات المتحدة للتحديات التي تواجه الجيش الحرّ من قبل جيش النظام وتنظيم داعش، لم تقدِّم الولايات المتحدة سلاحا نوعيا للمعارضة السورية، وتركتها فريسة مواجهة عدوين فتّاكين بآن واحد. وبناء على ما سبق لم يكن مستغربا البتة أن يطالب رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض، هادي البحرة، الولايات المتحدة بمعاملة المعارضة السورية كما تعامل الأكراد في العراق لجهة تسليحهم وتقديم العون العسكري لهم بمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ونظام الرئيس بشار الأسد، منوهاً بأن مدينتي (حلب ودير الزور) قد وقعتا بين فكي التنظيم والجيش السوري. وأوضح البحرة أن المسببات في سوريا وكردستان واحدة، والعدو واحد، ولا يجوز "الكيل بمكيالين".قبل أن تسيطر "داعش" على الموصل وتصل إلى تخوم كردستان وتواجه جيش "البيشمركة" كانت ـ ومازالت ـ تسيطر على مساحات سورية واسعة وخاصة في الشمال الشرقي من سوريا المحاذية للعراق، وتبسط هيمنتها على آبار بترول هناك، كما تسيطر على مناطق أخرى في حلب وإدلب.. ومع هذا لم تتحرك الولايات المتحدة ولم تضع خطة طويلة أو قصيرة المدى لمحاربتها ولم تستصدر أو تسعى لاستصدار قرار ضدها، ولعل الأسباب كثيرة، منها ما يخص الولايات المتحدة وحدها، ومنها ما يخص التوافقات الإقليمية والدولية ومدى رضا الحلفاء المفترضين، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ترك الفرصة لتسمين التنظيم حتى تظل المنطقة ذريعة للتدخل مستقبلا بسبب ما يسمى مكافحة الإرهاب، واستثمار ذلك من أجل مخططات تقسيم المنطقة الذي كثر الحديث عنها، وخاصة في الآونة الأخيرة ، وربما لإتاحة الفرصة لنظامي طهران ودمشق من أجل إثبات نظريتهما في مكافحة التطرف والمتطرفين إقليميا نيابة عن العالم، خصوصا أن النظام السوري قد استفاد من التنظيم، فضلا عن ذلك في مواجهة الجيش الحرّ نيابة عنه، أو لاستغلاله من أجل إفناء قوى الجيش الحر وفصائل الثورة في مواجهتهما لداعش، وربما لأن التحرك في الأرض السورية سيلقى معارضة من النظام، لأنه يعرف أنه قد يكون مقدمة لضربه بعد ضرب داعش، كما أنه يلقى معارضة كل من حليفيه الرئيسيين: روسيا وإيران، المستفيدين من بقاء الأسد. أما الجانب الثاني لنفاق الإدارة الأمريكية والأنظمة والحكومات والجهات المتحالفة معها، فلأنهم المسؤولون بصورة أو أخرى، عن تضخم دور هذا التنظيم والانتصارات التي حققها ولا يزال، ومن ذلك التواطؤ مع أنظمة عربية لشيطنة الجماعات والتنظيمات الإسلامية المعتدلة في المنطقة كالإخوان المسلمين، ومنع وصولهم للحكم عبر العملية الديمقراطية، كما حدث في مصر، والاستجابة لضغوط دول بالمنطقة لوصم الإخوان بالتطرف والإرهاب من خلال بريطانيا، أو بسبب ممارسات طائفية واستبدادية لحكومات صمتت عن جرائمها أو دعمتها الحكومة الأمريكية حتى آخر رمق، كحكومة نوري المالكي في العراق والمتمثلة في تهميش وإقصاء العرب السنّة، وبالتالي دفع أبناء السنّة لحمل السلاح والتحالف مع تنظيم داعش بسبب تراكم مظالم المالكي لسنوات عديدة، ونفس الشيء يقال عن الصمت الأمريكي وغضّ الطرف على ممارسات الأسد وعدم القيام بأي واجب إنساني أو أخلاقي لإنقاذ الشعب السوري من جرائمه، رغم الوعود الأمريكية والخطوط الحمر التي تحدثت عنها أوباما وغيره. ولعل محصلة كلّ ذلك تصبّ في خانة التطرف والغلو، ودعم أي توجه لمواجهة الظلم والاستبداد الذي يلبس أكثر من لبوس، لأنّ الغريق قد يتعلق بقشّة وهو يتلمس سبل النجاة.

971

| 20 أغسطس 2014

فوز بحجم الأمة

لم يكن فوز رجب طيب أردوغان بمنصب رئاسة تركيا مجرد حدث داخلي يخص الأتراك وحدهم بل حدث بحجم الأمة التي تفاعلت مع الحملة الانتخابية منذ انطلاقتها إلى أن أعلنت نتائجها متوّجة هذه الشخصية التي حظيت باحترام واسع في أوساط الشعوب العربية والإسلامية هي والحزب الذي تترأسه.هذا الاهتمام نوه إليه أردوغان في خطاب فوزه وذلك بتوجيه شكره لكل من دعا له بالتوفيق في تركيا وسوريا والبوسنة وفلسطين وغيرها، معتبراً أن فوزه لمن وقف مع الحق ضد الباطل، ومع المظلوم ضد الظالم، وعدّد المدن السورية والعراقية والأفغانية والفلسطينية والبوسنية واللبنانية معتبراً أنها فازت جميعاً.قد يكون جزء كبير من هذا الاهتمام من الشعوب العربية والاسلامية بأردوغان والدعاء له بالفوز نابعا من إحساسها بوقوفه معها، ونصرته للقضايا العربية والإسلامية العادلة والتي تمثلت في أمور عدة: أبرزها الانحياز لثورات الربيع العربي ضد الأنظمة المستبدة في كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا والعراق، وحق هذه الشعوب في العيش بحرية وكرامة، واختيار من يمثلها ويحكمها بعيداً عن الإكراه والاستغلال والإجبار، ثم استنكار الانقلابات المضادة للثورات التي أعادت العسكر كما في مصر، ونصرة المظلومين خصوصا السوريون من اللاجئين، وتذليل كل العقبات التي تقف في وجههم في مجالات الإقامة بأمن وأمان، وتوفير سبل التعليم والصحة والعمل في بلاده، فيما تضيّق دول عربية مجاورة لهم الخناق عليهم، أو تمنن وتستكثر لاحتوائهم، ومثل ذلك حدث أيضاً في دعمه للقضية الفلسطينية ضد العدوان الأخير والمتواصل على غزة، وإعلانه عن تطبيب الجرحى والمصابين الغزاويين في مشافي بلاده.لكن هذا الاهتمام بالفوز يتعدى هذا الجانب في ظني إلى قضايا أخرى كما تابعت ذلك من خلال كثير من التعليقات التي وردت عن ألسنة ناشطين وشرائح شبابية في مواقع التواصل الاجتماعي وأهم هذه الجوانب ما يلي: ـ التطلع لتجسيد النموذج الديمقراطي التعددي والاختيار الشعبي لممثليهم على مستوى البرلمان والرئاسة، وإرساء دعائم التداول السلمي على السلطة بطريقة حضارية بعيداً عن العنف والاستبداد، والقبول بهذه العملية الشفافة بسلاسة وانسيابية، رغم حرارة التنافس الانتخابي، كما في تركيا.. هذا الحلم والرغبة في التغيير تتطلع إليه الشعوب العربية التوّاقة للحرية والعدل، وهي ترى أوطانها لا تزال ترزح تحت نير الاستبداد والقوى المضادة لثورات الربيع العربي. وإلى أردوغان وحزبه تعود كثيرا من الإصلاحات الديمقراطية وآخرها جعل الانتخابات الرئاسية من خلال الاقتراع الشعبي المباشر لأول مرة.ـ التطلع لنموذج تنموي يضع الدول العربية والإسلامية في مصاف الدول المتقدمة في اقتصادها واكتفائها الذاتي، ويخلّصها من الفساد المالي والإداري بعيداً عن نهب ثروات الأوطان لصالح الحكام المستبدين وشراء الولاءات.. وليس بخاف أن تركيا قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق التنمية والتقدم الاقتصادي والرفاهة الاجتماعية، وهي تواصل بثبات وثقة هذا الازدهار والتطوير والتحديث، وهو ما ينعكس بصورة ملحوظة على حياة الأتراك.وإذا كان مهاتير محمد مهندس نهضة ماليزيا الحديثة فإن أردوغان وحزبه هما مهندسا نهضة تركيا الراهنة، ولهما دور بارز فيما وصلت إليه هذه البلاد اليوم.والدروس التي قدمها نموذج أردوغان وحزب العدالة والتنمية هي أن التوجهات الإسلامية للحزب لا تحول دون تقدم الدول ونهضتها وازدهارها كما يحاول بعض العلمانيين العرب تصويره، أو كما لا تريد بعض الأحزاب الإسلامية خاصة المتشددة منها فهمه وإعطاءه الأولوية.وما من شك أن تواصل تصويت الأتراك لأردوغان وحزب العدالة لدورات متعددة، إنما هو تصويت للاستقرار في البلاد، ورغبة في مواصلة التطوير والازدهار فيها، ولذا لا غرابة أن نجد كثيراً ممن صوّت لأردوغان هم من العلمانيين والقوميين إقراراً منهم بفضله وعطائه في خدمة المواطن التركي وتحسين أوضاعه المعيشية وتوفير فرص العمل والعيش الكريم له، بعيداً عن التخندق الحزبي الضيق، وهي علامة وعي على تقديم مصالح الوطن ومواطنيه على هذا الجانب.- التطلع لنموذج تعايش بين كافة أطياف المجتمع بكل توجهاته السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وقومياته وطوائفه ونسيجه الاجتماعي.وقد كتب صديقي المحلل السياسي التركي (ذو الأصول السورية) على صفحته في الفيسبوك أنه صوّت لأردوغان وبعض جيرانه الآخرين من الإسلاميين، فيما صوت غيرهم لأكمل الدين إحسان أوغلو، ومجاميع أخرى من جيرانه الأكراد صوتوا لصلاح الدين دميرطاش.. ثم أردف قائلاً: بعد التصويت تقابلنا، وتبادلنا السلام والتحيات وتمنينا لبعضنا البعض أن تكون نتيجة الانتخابات خيراً على مستقبل تركيا والشعب التركي، دون أن يخطر ببال أحد منا أن يحسم الأمر بالعنف أو القوة أو القتل أو السجن أو السحل، منوهاً بأن كثيراً من العرب في الضفة الأخرى لا يزالون يظنون أنه كلما سفكت دماء أكثر كلما قرب الخلاص.. فضّلوا وأضلّوا، وأحلو قومهم دار الخراب واللجوء والتشريد والدماء. وبدوره حرص أردوغان في خطاب فوزه على شكر الجميع على نجاح الانتخابات من انتخبه ومن لم ينتخبه، مؤكداً على أنه سيكون رئيساً للجميع دون استثناء. وبحكم وجودي أثناء الانتخابات في تركيا كان ملحوظاً مرور يوم الانتخابات بسلام وأمان، وأن الأتراك عادوا لأعمالهم في اليوم التالي دون أي شغب أو نصب. لهذه الأسباب وغيرها لم يحتفل رجب طيب أردوغان وحزبه ومؤيدوه الأتراك لوحدهم فقط بل احتفلت معهم مجامع كبيرة من الأمتين العربية والإسلامية ممن يرونه نموذجاً مشرّفاً يحتذى به، ويتطلعون إلى تجسيد نماذج مشابهة له في بلدانهم بعد خلاصهم من نير الاستبداد والانعتاق من ربقة التخلف والتبعية والفساد.

646

| 13 أغسطس 2014

لكي نستشعر الفرحة الحقيقية للعيد

للعيد في أبعاده الدينية والاجتماعية والإنسانية عناوين كثيرة، منها السلام والفرح والتكافل، وصلة الأرحام والتسامح والتزاور، وتجديد أواصر الحبّ ودواعي القرب، والإحساس بمعاناة الفقراء وأصحاب الحاجة. مقارنة بالعام الماضي.. يحلّ العيد هذا العام بالأمة والجرح النازف من جسد الأمة يتسع والوجع الممضّ يتعاظم.. فقد انضمّ للألم السوري الراعف منذ نحو أربع سنوات تقريبا، ألمان آخران في غزة بفلسطين والعراق. وبناء على ذلك فإن كثيرا من المعاني المرتبطة بالعيد، لن يكون بمقدورنا كبشرٍ أن نحس بها، أو نطيق استشعارها، شئنا أم أبينا، فكيف لمن يدفن جثث الشهداء في غزة أن يشعر بالفرح، وكيف للطفل المذعور من القصف، أو الذي أضحى يتيماً بسبب فقد والده أن يبتسم أو يلهو بمراجيح العيد وألعابه، وكيف لنا أن نتذوق السلام في أجواء انعدام الأمن والأمان، وكراهية وحوش المحتلين والمستبدين، وهم يسومون الآمنين من المدنيين العزل سوء القصف والتدمير. العيد لدى كثير من أهل غزة والشام والعراق هو قهوة سادة وتمر، أي ما يقدم في بيوت عزاء الشهداء، أو دموع امرأة ثكلى لفقد ولدها أو زوجها، أو حزن مكتوم وذهول وصدمة لتدمير مأوى يلم شعث الأسر، والانتقال منه إلى تيه التشرد والنزوح.. وبالتالي قد يكون العيد في هذه الحالة مناسبة لاستحضار الذكريات المؤلمة لأحبةٍ فقدناهم أو أقارب ودّعناهم، أو مشاهد غابت عنا بسبب الظروف التي نعيش بها، بل ربما لا يحتاج الموضوع للذكريات، مع تواصل أصوات قذائف المدافع وأزيز الطائرات وبراميلها المتفجرة، وتجدد مشاهد الموت والدمار والصور الصادمة التي لا تكفّ عن التوقف، كأننا في فيلم تراجيدي يتواصل عرضه مرة تلو أخرى. طوفوا في رحاب الشام وما حولها، وغزة وحزامها، وبغداد والموصل وما يحيط بهما.. ستجدون للحزن والألم مليون عنوان، ومليون قصة معاناة ، تنطق بها المآقي قبل الألسن.. ولعلّ لغة الأرقام هي ما سيكشف عن مرارة هذه القصص، إحصائيات النازحين واللاجئين، إحصائيات الشهداء والمعتقلين، إحصائيات الجرحى والمعوقين، إحصاءات الأيتام وعمالة الأطفال والمتسربين من المدارس، وغيرها كثير.لكن رغم كل ذلك فإن على أبناء الأمة خصوصا مَن عافاهم الله واجباً كبيرا، لكي يحققوا الكثير من معاني العيد في أوساط من حرموا منها بسبب ظروف الحرب وانعدام الأمن والظروف الاستثنائية، وهذا الواجب يندرج في إطار مسؤولية التكافل والتوادّ والتراحم بين المسلمين، باعتبارهم جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كما يندرج في إطار شكر الله على النعم التي حباهم بها، وجنّبهم الكثير مما ابتلى به إخوانهم. ثمة أفكار كثيرة يمكن القيام بها خلال أيام العيد وما بعدها، وحثّ أسرنا وأبنائنا ومن حولنا على القيام بها لعل أهمها:- التواصل مع المنكوبين ومعايدتهم ومواساتهم والاطمئنان عليهم وعلى أوضاعهم وتقوية عزائمهم، وحسنا فعلت شركة الاتصال "أوريدو" بقطر منذ بدء العدوان على غزة، حينما جعلت الاتصال بغزة مجانيا، حتى نهاية هذا الشهر الحالي ( يوليو)، وهو ما من شأنه الإسهام في تجسيد هذه الفكرة وتسهيل القيام بها. قال لي صديق إن زوجته تواصلت مع سيدة بغزة فقالت إنها أجهشت بالبكاء لأن هناك من سأل عنها من قطر. ـ توفير كسوة وألعاب العيد للأطفال.. فالأطفال الصغار ينبغي أن يشعروا بفرحة العيد رغم غصص الألم، وينبغي علينا وعلى أسرهم توفير هذه الأجواء بقدر المستطاع، ولعلّ من أجلّ الأعمال الصالحة إدخال السرور على قلوب المسلمين والموحدين، كما ورد في الأحاديث النبوية. ـ التفكير بمواضيع أكثر استدامة وتأثيرا، منها كفالة الأيتام وطلبة العلم الفقراء والتكفل بعلاج المرضى والجرحى، وإعادة تدمير البيوت المهدَّمة، فمعلوم أن الحروب تترك آثارا بشعة على السكان، سواء المقيمين أو النازحين أو اللاجئين، وكثيرون يحول ضيق ذات يدهم على إمكانية العيش بكرامة، أو يحول بينهم وبين تدريس أبنائهم أو علاج أبنائهم وأهليهم، أو يدفع بهم إلى تشغيل أبنائهم في سن مبكرة وغير ذلك.. ومن هنا فإن التفكير ببعض هذه الأعمال، كلٌ قدر استطاعته فيه خير وبركة في الدنيا، وأجر عظيم في الآخرة. ولعل من المهمّ هنا التأكيد على أمرين اثنين، الأول الاهتمام بالدعم المعنوي والنفسي، إلى جانب الدعم المادي، فإضافة للكفالة المالية الخاصة بالأيتام وطلبة العلم والأسر المحتاجة والتكفل بعلاج الجرحى والمرضى، فإن التواصل والسؤال عن أحوال المكفولين يترك أثرا إيجابيا لا يقلّ عن الدعم المادي، والأمر الآخر، هو تعويد الأطفال والناشئة والشباب على ممارسة هذه الأفعال الخيرية، وتنشئتهم على ذلك، وعمل توأمة بين أطفال أسرنا وأطفال أسر من نكفلهم، وتشجيع التواصل بين أبنائنا وأبنائهم وبناتنا وبناتهم، لكي يشعر أبناؤنا أن لهم إخوة لم تلدهم أمهاتهم.هكذا ينبغي أن نستشعر فرحة العيد الذي يحلّ بين ظهرانينا، وهكذا ينبغي أن نربّي أولادنا وأهلينا على ذلك، أما فرحة العيد الحقيقية فلن تتحقق لنا إلا باسترجاع الأراضي والحقوق المسلوبة من الغاصب المحتل والظالم الجائر، وتوفير الحياة الكريمة والكرامة والرفعة لهذه الأمة وأوطانها وأبنائها.

895

| 30 يوليو 2014

فرحة الأمة في ليل الانكسارات

الانتصارات والإنجازات التي حققتها المقاومة الفلسطينية في غزة، وخصوصا حركة حماس، في الأيام القليلة الماضية خلفت فرحا غامرا في قلوب السواد الأعظم من الأمة.قال لي صديقي معلِّقا على تغريدة بهذا الفحوى كتبتها عقب العمليات النوعية للمقاومة في مواجهة العدوان الصهيوني على غزة والأداء الرائع لها، والمفاجآت التي أذهلت العدو، قال: "منذ زمن لم نسمع بأخبار تسرّ الفؤاد والخاطر".ولعل وراء هذه الفرحة غير المستغربة أسبابا كثيرة، لعل أهمها:ـ أعادت أداء الفصائل الفلسطينية الرائع للمقاومة ألقها، في مواجهة احتلال مغرور متغطرس، كان يفاخر بجبروته وانتصاراته في المعارك والمواجهات التي يخوضها ضد الفلسطينيين والعرب، رغم عدم التكافؤ في موازين القوى. ولعل ما حدث مؤخرا هو من المرات القليلة التي يشعر الاحتلال فيها بأنه أمام تحوّل نوعي في أداء المقاومة التي آلمته، "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون"، وجعلته يعيد اعتباراته في أي هجوم قادم ضدها، وضد الأراضي الفلسطينية، ويحسب لذلك ألف حساب.ـ ردّت انتصارات المقاومة للأمة شيئا من كرامتها وعزتها، فقد اعتادت الأمة في منازلاتها ومواجهاتها الأخيرة مع الاحتلال أن ينفرد بها الأخير، اعتقالا وتشريدا وإعمالا للمجازر البشعة، وتلقيا للصفعات وتكبيدا لها في الخسائر، ولعل من أسباب ذلك الركون منذ عقود إلى ما يسمى بعمليات السلام، واتفاقيات الذلّ المصاحبة لها، والتعاون الأمني مع الاحتلال، مع ما يلاقيه هذا التوجه من دعم أنظمة عربية متصهينة أو مستكينة. ـ لأول مرة في عصرنا الحديث تلتقي إرادة الربيع العربي ضد الأنظمة المستبدة مع إرادة مناهضة الاحتلال، في وقت واحد، لتعيد للأمة حقها المسلوب وكرامتها المهدورة منذ عقود، ولا شك أن أي انتصار لطرفي هذه المعادلة سيثلج صدر الطرف الآخر، لأنه سينعكس إيجابا عليه، ويسهم في توفير الدعم المعنوي وربما المادي له، لأن الانتصار على الظلم تصبّ أهدافه في نهاية المطاف في مرمى واحد. ـ انتصارات المقاومة التي حققتها ومازالت، بتوفيق من الله وبعزائم المجاهدين الصادقين، تكتسب أهمية خاصة هذه المرة، نظرا لأن الله أخزى بعض الأنظمة العربية التي وفرت غطاء سياسيا للعدوان الصهيوني وباركته، كما أشارت تقارير استخبارات دولية، ولأن كثيرين من الذين حسبوا أن غياب الدعم الإيراني والسوري عن المقاومة، وغياب دعم أنظمة الربيع العربي (كنظام الرئيس مرسي) سيفتّ في عضد المقاومة، وسيلحق بها هزيمة نكراء، لكنّ الله خيب آمال الجهات التي سبق ذكرها، وأثبتت المقاومة بحسن توكّلها على الله وحسن إعدادها وتدبيرها في السنوات الماضية، أنها قادرة على صنع المفاجآت المذهلة، بإمكانات ذاتية وأخذ بالأسباب: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه". ـ الحراك الأخير وما تحقّق من إنجازات نتيجة له، جسّد الصورة النقية للمقاومة، وكشف الفرق بين المقاومة الشريفة بحق من جهة، وبين أدعياء محور الممانعة والمقاومة الذين يدعمون الأنظمة المستبدة، ويقفون إلى جانب جلاديها ويساهمون في قتل أطفالها من جهة أخرى. منذ عقود ثمة من يدّعي المقاومة من الأنظمة العربية، كالنظام السوري، رغم أنه لم تُطلق طلقة واحدة عبر حدوده، وكان ضد الفصائل الفلسطينية في لبنان، وعمل على الإثخان فيها، وثمة من ألصق نفسه بالمقاومة من الأحزاب والجماعات، ثم التقى مع الأنظمة المستبدة وأسهم في إجهاض ثورة شعب وشارك في قتل الأبرياء تحت غطاء دعم محور الممانعة، والكلام هنا عن حزب الله، ثم هو الآن يواصل دعم هذا النظام، ويكتفي بموقف المتفرج من المجازر التي تتعرض لها غزة، دون أن يكلف نفسه عناء إطلاق صاروخ من الصواريخ التي طالما تباهى بإمكانية وصولها إلى ما بعد حيفا. وفي المقابل خسرت حركة حماس دعم النظام السوري والإيراني منذ سنتين بسبب رفضها تأييد نظام الأسد في قتل شعبه، ورفضه للإصلاحات السياسية، لتؤكد بصورة مشرقة أنّ المقاومة لا تلتقي مع الاستبداد، وترفض أي مساومة على ذلك، وتعرّي بمواقفها المبدئية وانتصاراتها أدعياء الممانعة والمقاومة. ـ قد يكون من الإفرازات المحتملة لهذه الانتصارات إمكان تحقيق مكاسب سياسية للمقاومة، لعل من أهمها كسر الحصار عن غزة وإطلاق سراح الأسرى، إن شاء الله. ـ وأخيرا تعكس فرحة الشعوب بانتصارات المقاومة الراهنة فخرها بأحد مكوناتها المهمّة التي تدافع نيابة عنها وعن شرفها وأمنها ووجودها، تماماً كما تفرح العائلات والدول بأبنائها المتميزين علميا أو فكريا، فتحقيق النجاح والتميز والإنجازات الواضحة في كل أمر من الأمور مدعاة للسرور والارتياح والغبطة.

512

| 23 يوليو 2014

المقاومة في غزة وربيع الثورات العربية

بدايةً لا يمكن الفصل بين مقاومة الاحتلال الغاصب والثورة على الاستبداد، كلاهما يلتقيان في النضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، والحفاظ على الأرض والعِرض والحقوق المسلوبة، ومناهضة الفساد وعربدة المتجاوزين.ربما من المفارقات القليلة والجميلة أن يلتقي الثائرون على الاستبداد ومقاومو الاحتلال بالمنطقة العربية في صعيد واحد اليوم، كل يؤدي دوره من أجل إنقاذ أمة عربية يراد لها أن تظلّ هي ومقدراتها نهب الطامعين من المحتلين والطغاة المستبدين، وأولئك الذين يطمحون إلى تحقيق أحلامهم من خلال مشاريع توسعية وطائفية. وبينما أصاب القنوط واليأس شعوبنا ومجتمعاتنا بسبب ما يرتبط بثورات الربيع العربيّ، من إشكالات، بعضها متصل بما تصنعه أيدي أصحابها والمحسوبين عليها، وبعضها الآخر بفعل المؤامرات الشديدة ضدها من أجل إجهاضها، ودعم ثورات مضادة لها، وعرقلة أي حراك ثوري يمكن أن يطلّ برأسه في مناطق عربية أخرى.. جاءت أحداث غزة، والمقاومة التي تبديها حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة العدو، لتمنح الثائرين ضد الاستبداد أملا جديدا وروحا جديدة، وتقدّم لهم الكثير من الدروس المفيدة التي تحتاج إلى تأملٍ وتبصرٍ، واستلهام من أجل انطلاقة جديدة بعد أن أصاب جسم الثورات العربية الكثير من الوهن والعلل. أما الأمل فيتمثل في فشل الاحتلال الصهيوني الاستخباراتي والعسكري والسياسي في تحقيق نصر على المقاومة، حينما فوجئ بتطور أسلحة المقاومة النوعي، ووصول مدى نارها وتهديدها إلى عقر داره، وعدم قدرته على إيقافها أو الوصول إلى بنك أهداف المقاومة، وبالتالي حسن أداء المقاومة في إدارة المواجهة مع المحتل رغم الفارق في أسباب القوة المادية والعتاد والدعم. أما الدروس التي يمكن أن يستفيد منها الثوار والناشطون في ثورات الربيع العربي وبالأخص سوريا من أحداث غزة الجديدة في مواجهة إسرائيل وغرور قوتها.. فهي كثيرة، لعل أهمها: ـ الصبر والثبات ومواصلة المشوار، وعدم الاستسلام أو اليأس والقنوط أو التخاذل أو السقوط.. فمقاومة المحتل مضى عليها أكثر من 65 سنة ومازالت تتواصل، فيما لم يمض على مقاومة المستبدين في ظل ربيع الثورات سوى أقل من أربع سنوات، ومثلما أن كثيرا من الطغاة مدعومون من الغرب ومن الكيان الصهيوني لأسباب كثيرة، ومن دول إقليمية ودولية، فإن داعمي الكيان الصهيوني مثلهم وربما أكثر، وبينما تحيط بعض الأنظمة الجائرة بالمناطق المحررة وتحاصرها، وتضيق الخناق عليها، فإن قطاع غزة محاصر منذ سنوات برا وبحرا، وتمنع عنه أسباب الحياة ويحارب أهلوه في معيشتهم ومعاشهم، ورغم تطورات الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بها، وتراجع الدعم في السنوات الأخيرة، تواصل المقاومة صمودها، وتلقن العدو دروسا في الثبات والمواجهة. لذا على الثائرين ضد الأنظمة الاستبدادية أن يتجاوزوا العقبات التي تواجههم، ويبتكروا حلولاً للتعامل معها والانتصار عليها، وألا يكتفوا بتعليق فشلهم عليها. ـ ما تحققه حماس وفصائل المقاومة سببه وضوح في الرؤية السياسية والثورية والهدف وقدرة على التخطيط السليم ونتيجة لتراكم عمل وخبرة للمقاومة على مدار سنوات، وليس وليد لحظة، ورغم حداثة التجربة الثورية العربية ضد الظلمة والمستبدين إلا أنها تعاني من غياب هذا كله أو بعضه. ـ ما تحققه حماس وفصائل المقاومة، خاصة حماس التي تدير القطاع فعليا وتسيطر عليه يعود لوحدة الموقف والكلمة بين أطراف منظومتها القيادية خاصة العسكرية والسياسية، وهو المفقود لدى مكونات المعارضة والثورة، خصوصا في سوريا، إذ لا يزال حراكها يعاني من التشتت والتشرذم، والخلاف والشقاق، وتفرق الموقف وتعارض القوى إلى درجة الإفناء بين مكوناتها المختلفة، رغم أن هذه الثورة قدمت الكثير من معاني الصبر والتضحية.. الأمر يحتاج إلى علاج سريع، وإلا فستذهب ريح الثورات بسبب ذلك. ـ ما تحققه حماس وفصائل المقاومة مرتبط بتشبث المجاهدين بأرضهم والتحام قيادتهم بهم، كانوا ومازالوا، واعتمادهم على قدراتهم، وتطويرها ذاتيا مع الانفتاح على الآخر والإفادة من خبراته وإمكاناته، ولكن دون أن يتأثر الحراك بتوقف هذا الدعم..لا يخفى أن حماس كانت تتلقى دعما سياسيا وماليا وعسكريا ولوجستيا من سوريا وإيران، ومثل ذلك حصل من مصر في عهد الرئيس مرسي، ولكنها عندما توقف الدعم وغاب لأسباب معروفة لم تنكسر أو تتوقف، بينما يغيب ذلك في الوضع السوري، فلا القيادات ملتحمة مع ثوّارها، والغالبية ليست موجودة على أرضها، ويتم ربط تقدمها ونجاحها بالدعم الخارجي والدولي، دون استنفار لقدراتها وقدرات الشعوب العربية والإسلامية، وربما تسبب كل أو بعض ذلك في إتاحة المجال لداعش وأخواتها. ـ وأخيرا ما تحققه حماس وأخواتها في المقاومة اليوم من إنجازات تلوح معالمها في الأفق يرجع للتوازن بين إصرارها على حقها في المقاومة واستثمار ذلك سياسيا وتفاوضيا، فهي تواصل النضال مع عدم إقفال التفاوض، لكن من موقع القوة (راجع خطاب إسماعيل هنية الأخير)، بينما تريد المعارضة السورية أن تتحرك سياسيا دون وجود قوة فاعلة ومؤثرة لها على الأرض، تمثلها وتتحدث فعليا باسمها، ودون أن يستفيد الحراك الثوري على الأرض من الواجهة السياسية المتاحة له للحديث إلى العالم، وإنجاز بعض الأهداف السياسية، والإنسانية للتخفيف من معاناة الشعب السوري.دروس مهمة من أحداث غزة الراهنة ما أحوج الثورات العربية إليها!

753

| 17 يوليو 2014

المواهب الإعلامية.. القصور في الاكتشاف

أتوقفُ من حين لآخر عند مبادرات إيجابية وجهود تسعى لسدّ ثغرة أو توفير خدمة تحتاجها مجتمعاتنا أو تسعى في نهوضها. وقد اعتدتُ في هذه المساحة على التنويه بذلك من باب الإشادة بمثل هذه الأعمال والتأثير الذي تتركه، وتشجيعا للآخرين من أجل إطلاق مبادرات ومشاريع مماثلة لخدمة الناس وخاصة فئات الأطفال والناشئة والشباب. من هذه المبادرات التي انشرح لها الصدر وفرح بها القلب "أكاديمية بي بي سي / معهد الصحافة" التي تم تدشينها مؤخرا، ولعلّ أهمية الأكاديمية أنها بمثابة معهد إعلام مهني راق يوفّر التدريب وتطوير القدرات في هذا المجال بصورة مجانية، بطريقة التعليم عن بعد، ممّا يوفر الفرصة للجميع للإفادة من الخبرات العريقة المتراكمة لمدرسة "البي بي سي" النظرية والعملية، وطاقمها المحترف، وفي الأوقات التي تناسبهم، وبعدد من اللغات منها اللغة العربية، فضلا عن لغات يندرج شعوبها ضمن الدول النامية، كالدول الأفريقية ومن لغاتها الهوسا والسواحلية والأردية، إضافة للغات أخرى كالفارسية والروسية والصينية (الإجمالي 11 لغة حاليا، فيما ستتاح أربع لغات خلال شهر، وسيصل الأمر إلى 27 لغة تبث بي بي سي من خلالها). ويركّز الموقع على تطوير أدوات الكتابة، واللغة العربية السليمة والمبادئ الأخلاقية للمهنة، والاستخدام الأمثل للمهارات التحريرية والتقنية، ولعل مما زاد في الإعجاب بالأكاديمية وموقعها أنهما يعدّان اللغة عنصرا أساسيا في الصحافة، إذ لا يمكن ضمان تطبيق القيم التحريرية دون أن تكون اللغة دقيقة والنبرة مناسبة والحقائق واضحة، وهو ما تغفل عنه أو تقصِّر بشأنه كثير من كليات ومعاهد الإعلام وكثير من وسائل الإعلام في عالمنا العربي.العمل الإعلامي كما يعرف الكثيرون موهبة قبل أن يكون دراسة علمية، وإنما تأتي الدراسة الأكاديمية والتدريبات لتصقل هذه الموهبة وتطور قدرات العاملين فيها، وكثير ممن يعملون في هذا المجال وفدوا إليه من بوابة الموهبة، رغم أن تخصصاتهم الجامعية كانت في جوانب أخرى، لذا فإن الكثيرين من المبتدئين أو الهواة في هذا المجال سيجدون في هذا الموقع / المعهد اليد التي ستأخذ بيدهم نحو الاحتراف وربما تكون سببا في عمل راق يتشوفون إليه في مؤسسات إعلامية محترمة مستقبلا.وفي ظلّ أمرين، الأول ازدياد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي واتساع نطاق تأثيرها والآخر الثورات العربية وما أفرزته من نشاط إعلامي لدعم حراكها واقتراب الكثير من الناشئة والشباب من هذه الأجواء، كهواة ومتطوعين وناشطين على الأقل في البداية.. في ظل ذلك سيكون لمثل هذه الأكاديمية وموقعها المجانيّ دور مهم في تطوير أداء هذه الشريحة وتوفير الحد الأدنى أو المعقول من الترشيد المهني لعملهم لو رغبت في ذلك طبعا. وهنا لا بد من التذكير والتأكيد على أن النجاح والدور المؤثر المتوقع للمعهد، مرتبط بالمجانية والتعلم عن بعد الذي يناسب ظروف المتابعين، وقوة وضخامة المادة المقدمة (مئات المواد التدريبية والفيديوهات والأدلّة والوسائل الأخرى) التي أنشأها المعهد لتدريب صحفييه في الأساس.المواهب عموما ومنها المواهب الإعلامية تحتاج إلى اكتشاف وإلى رعاية منذ الصغر، ثم تحتاج إلى صقل وتطوير من خلال التدريب بعد ذلك لكي تبرز ويستفيد منها المجتمع، وإن لم تحظ بذلك فإن مصيرها الضمور والاضمحلال، وبالتالي خسارة المجتمع لعناصر شابّة متحمسة للإبداع والابتكار، ومن ثم المساهمة في النهضة والتنمية والتطوير.أكثر من ذلك فإن الاهتمام بالمواهب الإعلامية وتوفير محاضن الرعاية والتدريب لها ـ ومن ضمنه هذا المعهد ـ يكون سببا في توجه الشباب للتخصص الذي يمكن أن يبدع ويتألق فيه، وبالتالي صناعة إعلاميين مرموقين مستقبلا، ولعلنا نذكِّر هنا بأن كثيرين من أصحاب هذه المواهب قد خسرهم العمل الإعلامي بسبب تجاهل مواهبهم وغياب تعهدها بالرعاية، لينتهي بها المطاف في كليات علمية أخرى تتخرج منها لتمارس وظيفة اعتيادية تماما. ونحن إذ ننوه بأهمية أكاديمية بي بي سي لابد أن نشير إلى قلّة معاهد التدريب الإعلامي عموما، وتضاف إلى هذه الندرة تكلفة التدريب الكبيرة التي قد لا تتوفر للكثير من الموهوبين من أبناء الأسر ذات الدخل المحدود، كما أنه لابد أن نشير إلى ضعف الاهتمام بتنمية المواهب الإعلامية في الصغر، بشكل كبير وواضح، مقارنة بتنمية المواهب الأخرى في المجالات الفنية والعملية كالرسم والتصوير والموسيقى ومهارات الإنترنت والتصميم. وهنا لابد أن أشيد بتجربة متميزة للمركز الثقافي للطفولة بقطر قبل سنوات قليلة ـ نفذت لمرة واحدة فقط ـ وشاركتُ فيها ألا وهي ( برنامج إعلامي المستقبل)، وأحث المركز على استئنافها ـ بعد أن توقفت ـ نظرا لأهميتها الكبيرة. كما لابد من الإشادة أيضا بجهود موقع "قنا الطفل" التابع لوكالة الأنباء القطرية، وأنا من المتابعين لها منذ انطلاقتها، وبرنامج التربية الإعلامية التابع لمركز الدوحة لحرية الإعلام في دولة قطر، رغم أنها لاتزال محدودة وفي بداياتها.ولعليّ شاهد على أنّ هذه التجارب التي نحتاج لمزيد منها، كمّاً ونوعاً، كانت سببا في الكشف عن مواهب إعلامية فتيّة في مجال الإعلام، نتوقع لها مستقبلا مشرقا بإذن الله تعالى في قادم الأيام.

722

| 10 يوليو 2014

برامج تليفزيونية إبداعية في خدمة العمل الخيري

مع كل فكرة مبدعة تنمو الأعمال والمشاريع والمبادرات بوتيرة أسرع، وتحقق إنجازات أكبر ونجاحات أفضل.أجدني بمنتهى السعادة مع كل فكرة تقرّب العمل الإنساني والتطوعي في عالمنا العربي من هذه الأجواء، لأنها تصبّ في خدمة أصحاب العوز والحاجة، وتنمية المجتمعات المحتاجة، وإحداث فرق في حياة البشر.كثيرة هي الأفكار الخلاّقة التي تقفز بالعمل قفزات كبيرة نحو الأمام، ولكن القليل منها ما يصبح حقيقة ويترجم إلى واقع، لذا أرى من الواجب التنويه بها وتسليط الضوء عليها. وقد شدني منذ بداية رمضان المبارك برنامجان تليفزيونان أنتجتهما جمعية قطر الخيرية ويعرضان على تليفزيون قطر وقناة الريان طيلة الشهر الكريم، الأول بعنوان "سفاري الخير" والآخر "قلب واحد".تقوم فكرة البرنامج الأول على دمج الشباب القطري للفئة العمرية من ( 20ـ 30 سنة ) في العمل الإغاثي والتنموي بصورة عملية، وقيامهم بتنفيذ عدد من الحملات والمشاريع أثناء البرنامج من خلال فريقين يتنافسان في الإنجاز ويتكاملان في أداء المهام. صوّرت حلقات البرنامج في بلد أفريقي هو بوركينافاسو، حيث تم اختيار محافظة من بين خمس محافظات مقترحة هناك. تعرّف فريق العمل على حاجيات سكانها، واحتكّ بالعمل الميداني من أجل معرفة الأولويات وطرق جمع التبرع لمشاريع خاصة بهم، وتحديد آليات تنفيذ هذه المشاريع، كما نظّمت للمشاركين في البرنامج دورات مهنية قبل وأثناء تصوير البرنامج، والغرض في المحصلة تأهيل وتدريب الشباب القطري في مجال العمل التنموي والإنساني. من نماذج الحلقات تسليط الضوء على عمليات إزالة المياه البيضاء من العيون التي تحرم الكثيرين من نعمة البصر، بسبب الفقر وضيق ذات اليد، وتعليم الفريق وضع خطة تساعد المرضى على التخلص منها، وكان ذلك من خلال تنظيم حملة إعلامية بوسائل مباشرة بسيطة في القرى لإعلامهم بوجود مستشفى ميداني قريب منهم ينفذ هذه العمليات مما يسهم في توفير التكلفة والجهد، وتختتم الحلقة بدعوة الجمهور القطري لدعم مثل هذه المشاريع، شكرا لله على نعمة البصر، وتوفر وسائل الرعاية الصحية لديهم، ودعوة الكثيرين من خلال سؤال مسابقة البرنامج للتفكر بنعمة البصر، من البحث عن إحصاءات أعداد المصابين ببعض أمراض العيون عالميا. أما البرنامج الثاني: "قلب واحد" فهو وثائقي واقعي، ترتكز فكرته على قيام كوكبة من الشباب القطري المتميز في المجالات الدعوية والإعلامية والرياضية والإنشادية والشعرية بمغامرات خيرية وترفيهية تم تصويرها في سوقطرى اليمنية للتعريف بالظروف الصعبة التي يعيشها سكانها وبخاصة الفئات الأشد احتياجا.. ومعروف أن جزيرة سوقطرى تعاني من بنية تحتية هشة للغاية وفقر كبير رغم جمالها الطبيعي وغنى غطائها النباتي وتنوعها الحيوي وتفرد بيئتها. ويستهدف البرنامج تنفيذ أكثر من مئة مشروع فيها، وحشد التبرع لصالح 150.000 شخص من الشرائح الأكثر احتياجا في الجزيرة.لاشك أن البرنامجين التليفزيونيين جديدان في فكرتهما، وطريقة تعاملهما مع العمل الخيري والتطوعي وتقديم الدعم لهما من زوايا متعددة لعل أهمهما: ـ نشر ثقافة العمل الخيري والتطوعي، وتحبيب الشباب به واستقطاب طاقاتهم له، وإدماجهم فيه بأسلوب جذاب يجمع بين المغامرات والفكاهة ومتعة العمل الميداني وتحدي المشاق والصعوبات المرتبطة به، والتنافس، واستنفار الطاقات وحشد الدعم له.. وهي أمور في مجملها تشد شريحة الشباب. ـ الابتعاد عن الأسلوب التقليدي في العمل الخيري الذي غالبا ما يعتمد على الموعظة والخطابة، وقد يقترن بأذهان الكثيرين بالصرامة والجدية فقط.ـ تقريب الإشكالات التي تعاني منها المجتمعات الفقيرة مثل بوركينافاسو وسوقطرى إلى أذهان الشعوب الأخرى لاسيما المقتدرة منها، وغيرهما من خلال الصورة التليفزيونية، لأن اللقطة المؤثرة قد تكون أبلغ من ألف عبارة.ـ الجانب التربوي في تعليم الشباب خصوصا والجمهور عموما تقدير النعم التي أنعم الله بها عليهم، الأصحاء مقارنة بالمرضى، والمكتفون ماديا مقابل الفقراء وذوي الحاجة، وكيفية شكر هذه النعم بصونها والتبرع لمن هم بحاجة إليها.. كل ذلك بأسلوب غير مباشر.ـ ابتكار أساليب جديدة في تسويق المشاريع وحشد الدعم المالي والتبرع لها، بأسلوب تنافسي، حيث تختتم الحلقات بعرض مشروع أو أكثر للتمويل، وعرض الوسائل المختلفة والميسرة لكيفية التبرع لها.لقد استطاعت مسابقة "المتنافسون 2" لقطر الخيرية قبل شهر ونيف استقطاب 12 مليون ريال عن طريق تنافس فريقها الشبابي المتميز الذي يضم نجوما من الرياضيين والإعلاميين والشعراء وغيرهم، ومن المنتظر أن يسهم البرنامجان أيضا في حشد المزيد من الدعم للعمل الإنساني بأساليب إعلامية وتسويقية مبتكرة.نتمنى على الجمعيات الخيرية اجتراح مزيد من الأفكار الإبداعية التي تغرس قيم العمل الخيري وتنشر ثقافته وتستقطب المزيد من المتطوعين إلى هذا العمل النبيل.

1651

| 02 يوليو 2014

الملف الإنساني .. مع تزايد رقعة الأزمات في المنطقة

قبل بداية القرن الحالي كانت مفردتا النزوح واللجوء المحفوظتان في ذاكرة الإنسان العربي مرتبطتين بالشعب الفلسطيني، فقط بسبب احتلال أرضه من قبل الكيان الصهيوني فقط، لكن منذ ثلاث سنوات ونيف صارت تلافيف هذه الذاكرة تتسع لتشمل الشعب السوري، والخشية أن يتسع الأمر ليصل اليوم إلى العراق كما تشي تطورات الأحداث الدائرة هناك، والتي كان من أكثر دلالاتها التي تعبّر عن تفاقم الأوضاع الإنسانية فيها إعلان حكومة إقليم كردستان العراق عن استقبالها نحو ثلاثمائة ألف نازح من مناطق الاشتباكات في البلاد خلال الأيام القليلة الماضية، وإعداد مخيمات لهم على عجل. سجّل السوريون أعلى نسبة لجوء في العالم خلال السنتين الأخيرتين بسبب الحرب، حيث وصل عدد النازحين داخل سوريا واللاجئين خارجها إلى أكثر من 9,3 مليون، بينهم أكثر من 6,5 مليون نازح داخلي داخل سوريا مع بداية شهر نوفمبر 2013 (الأمم المتحدة)، و2,8 مليون لاجئ في بلاد الجوار مع حلول شهر مايو 2014 (مفوضية اللاجئين). و1,2 مليون طفل سوري لاجئ، من بينهم 425,000 طفل تحت سن الخامسة. تطورات الأحداث تفرض على أصحاب العلاقة والمهتمين الالتفات بشكل أعمق للملف الإنساني والإغاثي الذي ينتظر أن يطول أمده ويتسع نطاقه ويزداد تعقيدا، كما تكشف تطورات الأحداث في المنطقة، حتى لا يبقى العالم متفرّجاً على تلك المأساة، مكتفياً بجعل أخبارها مادة إعلامية جافة، لا تحرك المشاعر، ولا تثير حتى الدموع. التدخل في الكوارث الطبيعية والاستجابة لها مهما بلغت آثار تدميرها لا يقارن بالحروب، خصوصا الحروب الأهلية وحروب الاستنزاف كالتي نشهدها في سوريا والتي نتوقع توسع نطاقها بكل أسف في العراق وربما في غير العراق، ذلك لأن الأخيرة تجمع بين التدمير وانعدام الأمن وطول مدة الأزمة، بالتالي حجم التبعات والمعاناة والاحتياجات الإنسانية التي تتضاعف، فضلا عن تأثر السلم الاجتماعي بين مكونات المجتمعات. قبل عامين افتتحت الحكومة الأردنية مخيم الزعتري وفي شهر مايو الماضي افتتحت مخيما آخر للاجئين السوريين في منطقة الأزرق، ليكون بذلك أضخم مخيّم مساحة في البلاد، وهو أحد مؤشرات اتساع نطاق تبعات الأزمة. التعامل الدولي مع هذه الأزمات/ الحروب لا يزال مجزوءا ناقصا، فالمجتمع الدولي لم يردع المجرم منذ البداية ولم يمارس عليه الضغوط الكافية، ولم يأخذ على يديه منذ أن كانت المظاهرات سلمية في سوريا والعراق، ولم يثنه عن استخدام الطائرات والمدافع المصوّبة تجاه المتظاهرين والمدنيين ولم يقيموا مناطق يحظر فيها استخدام سلاح الجو .. وهو ما أدى لتفاقم الأزمات وعسكرة الثورات، وازدياد حدة الصراعات والنعرات الطائفية وتهديد السلم الاجتماعي، ثم لم يقم بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية بشكل كافٍ للنازحين واللاجئين، ولم يتمكن من فك الحصار الذي يتسبب بالمجاعات والأمراض.. والخشية تبعا لذلك أن تتحول المنطقة برمتها إلى قنبلة موقوتة. ولأن المجتمع الدولي مقصّر ولم يقم بواجبه الأخلاقي إزاء استمرار نزيف الأزمة في منطقتنا ووقف معاناة الشعوب المتأثرة بها، فلابد أن يعطى الملف الإنساني الإغاثي الاهتمام الكافي من قبل بعض الأنظمة التي تناصر المظلومين في منطقتنا العربية، كم لابد أن يحظى بالاهتمام من قبل المنظمات الإنسانية الدولية والعربية والإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية السورية والنشطاء العاملين في المجالات الاجتماعية والإغاثية، ويكون هذا الاهتمام على النحو التالي: ـ استمرار إعطاء الشأن الإغاثي للشعوب بالحروب والصراعات الأولوية في برامج ومشاريع وأنشطة وموازنات المنظمات الإنسانية الدولية والعربية والإسلامية.ـ تشكيل وتدريب الكوادر العاملة في هذا المجال من أبناء الشعوب المتأثرة، وتطوير هيكليات وآليات عمل المؤسسات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني والفرق التطوعية المحلية، نظرا للحاجة إليها في التحرك على الأرض لأكثر من سبب. ـ الحاجة إلى الحملات الدورية المتواصلة التي تدعم تمويل البرامج والمشاريع الإنسانية التي تنفذ تباعا، وإلى حملات التوعية بما تعانيه هذه الشعوب في الجوانب الحقوقية وغيرها والحشد والمناصرة لقضاياها العادلة. ـ تطوير تصميم وأداء برامج ومشاريع وأنشطة وخدمات هذه المنظمات والفرق، والإبداع فيها وابتكار حلول ومقاربات مبنية على ما هو موجود على الأرض، وتغطية الجوانب الناقصة التي يقل فيها التدخل.ـ التنسيق بين الجهات الناشطة في المجالات الإغاثية، سواء على مستوى الجهات المحلية الناشطة في الميدان، أو على مستوى جميع المؤسسات الإنسانية عموما، بقصد تكامل الجهود، وعدم تكرارها سواء من حيث النوعية أو مناطق التنفيذ والتركيز على الأولويات في هذا الجانب.ـ الاعتماد على المشاريع التي تجعل المتأثرين يعتمدون على أنفسهم معيشيا، سواء من خلال التعليم والتدريب والمشاريع المدرة للدخل. وربما تكون لهذه التذكرة ( المقال) أهمية خاصة ونحن نتفيأ ظلال شهر رمضان المبارك.. شهر الخيرات والبركات، عسى أن يكون حافزا لأصحاب الشأن والمهتمين على التفكر في هذا الأمر، وتقليبه من جوانبه المختلفة، وإيجاد التصورات والحلول المناسبة له.. بعيدا عن الارتجالية والتفكير العشوائي والنظرة القاصرة في التعاطي مع هذا الملف.. و"من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

429

| 25 يونيو 2014

من أجل إيقاف التشويه العبثي لجمال لغة الضاد

يتمّ تشويه جمال لغة الضاد في أيامنا على يد كثير من المحسوبين على طبقة الخطباء والمذيعين والمعلمين بسبب كثرة الأخطاء النحوية أو الإكثار من الحديث بالعامية أو سوء مخارج الحروف لديهم، وتنتهك حرمة العربية على يد كثير من المحسوبين على صنعة الكتابة من الصحفيين والكتّاب بسبب ركاكة الأسلوب وشيوع الأخطاء النحوية والإملائية.. وأكثر المتضررين من هذا التشويه هم الأطفال، لأنه ينعكس على ضعفهم في القراءة والكتابة والتعبير، وعدم ميلهم للمطالعة وتذوق لغتهم الأم.أعرفُ أن هناك أسبابا كثيرة تسبب انحسار اللغة العربية الفصحى عن حياة أجيالنا الصاعدة، لأن كلّ الأجواء المحيطة بهم تهوّن من شأنها، أو تدفعهم دفعا للهيام بغيرها، بقصد أو من دون قصد، ومن ذلك إعلاء شأن اللغات الأجنبية في واقعنا على حساب لغتنا الأم، سواء على مستوى التدريس الجامعي ـ وما قبله أحيانا ـ أو على مستوى العمل والطلبات التي تضع إجادة اللغة الأجنبية، وبخاصة الانجليزية شرطا للالتحاق بالوظيفة، دون أن تضع إجادة اللغة العربية بالمقابل شرطا لذلك، وثنائية اللغة بين العاميّة والفصحى، حيث تستخدم العامية الدارجة في البيوت والنوادي والمرافق الأخرى وغالبية شؤون حياتنا، فيما يقتصر استخدام الفصحى على مساحات ضيقة من واقعنا قراءة وكتابة وتحدثا، مثل المدرسة، وربما يقتصر ذلك على حصص العربية فقط، كما تستخدم العامية في العديد من وسائل الإعلام، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وشيوع " العربيزية" أو " الفرانكوعربية".. وهي خلطة غريبة تجمع بين العربية والإنجليزية بآن معا، يستخدمها الكثير من الشباب في حديثهم المتداول فيما بينهم، أو عند تعرضهم لذلك في حياتهم العامة أو عبر ما تنقله وسائل الإعلام إليهم. وأعرفُ أن موضوع إجادة لغتنا العربية بالسليقة والممارسة صار صعب المنال لأسباب كثيرة، كما أن مناهج اللغة العربية في مدارسنا ومنها النحو والصرف والإملاء لا تمكّن المتعلم بعد دراسة تمتد لعشر سنوات من التحدث بالفصحى، ومن تجرأ وتحدث بها منهم ستشكو كلّ حركات الإعراب من حديثه، حتى وإن تكلّم ببضع جمل قصيرة. تركيزنا على الخطباء والمذيعين والمعلمين والكتّاب والصحفيين ممن يسيئون للعربية أكثر من غيرهم في أحاديثهم أو كتاباتهم نابع من جملة أمور: ـ هذه الشريحة من الشرائح التي يفترض أن تكون مجيدة للغة العربية قراءة وتحدثا وكتابة بحكم طبيعة عملها وحرفتها.. وهي القدرة على التبليغ والتوضيح والتوعية والتعليم والإخبار بتمكن واقتدار، وبالتالي فإن عدم إجادة أدوات التعبير والكتابة يحدث خللا بيّنا في أداء مهمتها، على النحو المطلوب، أو يعد عيبا واضحا ومنفِّرا، وهو ما يؤدي إلى ضعف قدرتها التواصلية وتأثيرها في جمهورها الذي تخاطبه.. الأمر شبيه برجل يريد أن يكون من ضمن طبقة الفنانين والمغنيين لكنه يمتلك خامة صوت قبيحة. ـ أخطاء هذه الشريحة لا تتوقف عندها، بل تتجاوزها للمتلقين من مستمعين وقراء، خصوصا الأطفال، وهو ما يؤدي إلى التعوّد على الأخطاء، واعتبارها صوابا، وشيوع الأخطاء النحوية والإملائية عند الجمهور في تحدثهم وكتاباتهم، وبالتالي حدوث تشويه ممنهج لنسيج لغتنا العربية الجميلة.ـ ولعل مما يزيد خطورة تشويه جمال لغتنا العربية أن من يسيئون إليها هم على ثغرة مهمة لأن الأجهزة التي يتبعون لها تحظى بأكبر حضور جماهيري ومتابعة شعبية، ونقصد هنا ملايين الطلبة في المدارس والجامعات والمعاهد وعشرات الملايين من متابعي القنوات التلفزيونية والإذاعية، والملايين من يستمعون لخطب الجمعة، أو يقرؤون الصحف ويتابعون المواقع الإلكترونية. وأخطر هذه الأجهزة على الإطلاق هي المحاضن التربوية والتعليمية التي لا يتحدث المعلمون فيها إلا بالعامية الدارجة غالبا، أو بالعربية الفصحى المليئة بالأخطاء النحوية مع سوء في مخارج الحروف، ويزداد الطين بلة مع كثرة الأخطاء التي تزيّن كتاباتهم.. الأمر الذي يؤدي إلى إفساد الذوق اللغوي عند الأطفال، نظرا لأن الطالب يقلّد معلمه، ويتشرب أخطاءه عند التحدث أو الكتابة أو التعبير. والنتيجة هي الحصاد المر الذي نعايشه واقعا ملموسا في إعراض الناشئة والشباب عن لغتهم والنفور منها، وضعفهم الواضح في التعبير والكتابة، وعدم القدرة على التحدث بالفصحى، أو الرغبة في المطالعة، أو الإحساس بروعة جمالها سواءً لجهة قراءة نصوصها الشعرية أو النثرية. إن خطورة دور هذه الشريحة تحتاج من القائمين على هذه المؤسسات المتصلة بالتربية والتعليم والإعلام والأوقاف ما يلي:ـ التشديد على عدم قبول من لا يجيد العربية الفصحى قراءة وتحدثا وكتابة وتذوقا.. وعدم التساهل في هذا الأمر.ـ مواصلة تأهيل العاملين في هذه المؤسسات وإخضاعهم لدورات تدريبية ترتقي بمستواهم اللغوي والأدبي وتذوق جماليات اللغة العربية. ـ إعطاء درجات مهمة للتقييم الوظيفي في هذا الجانب، وتحفيز العاملين الذي يحققون المعايير المطلوبة التي ترتبط بذلك.وعلينا أن نتذكر مقولة ابن خلدون دائما ونضعها نصب أعيننا: "قوّة اللغةِ في أُمّةٍ ما، تعني استمرارية هذه الأمّةِ بأخذِ دورِها بينَ بقيّةِ الأممِ ؛ لأنِّ غلَبةَ اللغة بِغلَبةِ أهلِها، ومنزلتِها بين اللغاتِ صورةٌ لمنزلةِ دولتِها بين الأمم".

773

| 12 يونيو 2014

إعلام الأطفال في سوريا.. تزايد الأهمية ودواعي التطوير

"طيارة ورق" و "زيتون وزيتونة" و "زورق" مجلات أطفال سورية بدأت تصدر منذ حوالي عام ونصف العام عن منظمات مجتمع مدني وجهات أهلية، وبجهود تطوعية شبابية من أناس يحملون همّ الطفولة، رغم كل الظروف الصعبة التي تمر بها سوريا، لتضاف إلى مجلة الأطفال الرسمية الوحيدة التي تصدر عن وزارة الثقافة السورية منذ عام 1969. ورغم أن المجلات الثلاث الأولى ما تزال تحبو وتشقّ طريقها بصعوبة، وتحتاج إلى مزيد الجهد والدعم لتطوير كثير من الجوانب فيها على مستويات المضمون والشكل والتوزيع والتفاعلية مع المستهدفين، إلا أن ما يشرح الصدر ويبهج القلب أن تتمكّن من الصدور بانتظام، وأن تقدِّم للطفل السوري في ظل الأزمة المتواصلة وجبة ثقافية وتربوية وترفيهية جيدة كل أسبوعين، من خلال وصولها إلى أيدي الآلاف من الأطفال، سواء مَن هم في بيوتهم أو الذين شرّدوا بعيدا عن ديارهم ضمن عداد النازحين واللاجئين،. فضلا عن إمكانية الوصول إليها والإطلاع عليها وتحميلها والاحتفاظ بها أيضا عن طريق بعض مواقع التواصل الاجتماعي. وإذا كانت الطفولة بأعدادها الضحمة التي تصل إلى عشرة ملايين على أقل تقدير في سوريا، تحتاج منّا في الظروف العادية إلى إصدار العديد من المجلات الأسبوعية، وآلاف الكتب السنوية، وتخصيص عشرات القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية، وإنتاج آلاف المنتجات الأخرى من مسرحيات وأناشيد وفيديو كليبات وألعاب هادفة فإنها أشد حاجة إليها اليوم في ظل التحديات التي تواجهها البلاد تحت وطأة الحرب والظروف الاستثنائية الصعبة، حيث يكون الأطفال أكبر وأكثر المتأثرين. الأطفال في هذه الحالات الاستثنائية والطارئة أشد حاجة لمثل هذه المجلات من الأوقات الاعتيادية لأسباب عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر: غياب فرص التعليم بسبب تعطل عمل المدارس نتيجة القصف أو غياب الكادر التعليمي أو الاثنين معا، أو بسبب صعوبات الالتحاق بالمدارس كما هو حال مجاميع من الأطفال اللاجئين في بعض الدول كلبنان أو الأردن وغيرها، أو بسبب التسرب من المدارس للانخراط في العمالة المبكرة نتيجة فقدان المعيل، أو بسبب الظروف المادية الصعبة للأسر بسبب تعطل الأعمال والبطالة، أو بسبب الضغوط النفسية التي يتعرضون لها بسبب الحرب والمشاهد العنيفة المرتبطة بها. إن هذه المجلات في هذه الحالات تحاول أن تسدّ ثغرة بسبب النقص الحاصل في مجال التعليم أو قد تشكّل داعما ثقافيا وترفيهيا للأطفال خصوصا مع وجود فراغ لدى بعضهم، بسبب الغربة عن الوطن ومرابع الأهل، كما تعتبر بمثابة أداة لدعم للأطفال الذين يتعرّضون لضغوط الحرب النفسية ومشاهد العنف والإصابات والقلق والرعب، ووسيلة للتفريغ النفسي والانفعالي للمشاعر المكبوتة التي اكتسبوها إبان الحرب، حيث يعجز الكثير من الأطفال عن الحوار اللفظي للتعبير عما يجول في خواطرهم ويشعرون به... كما تسهم في التوعية بأهمية قيم التسامح والسلام والتعايش، وغرس قيم الإيجابية وحبّ الحياة وترجمتها إلى سلوكيات عملية. انطلاقا من ذلك نرى ضرورة إيلاء هذه المجلات وكل الوسائط الإعلامية ذات الصلة بالطفل أهمية كبيرة نظرا لدورها المشار إليه سابقا، ونأمل أن تدعِّم منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإنسانية العربية والدولية هذه الوسائط، من أجل تدعيم دورها وتطويرها، خصوصا وأن هذا التطوير ينبغي أن يصبّ في أمور متعددة أهمها: ـ المضمون: لتغطية جميع الجوانب التي تهمّ الطفل، بحسب الأولويات، وبحيث يكون ذلك في إطار مخطط وممنهج، يرتكز على مصفوفة قيم يتمّ غرسها، ويسهم في توعية الطفل بحقوقه، ودعمه لمواجهة الضغوط التي يواجهها، وتسعى لتجنبيه الانجرار إلى دوامات الصراع والعنف أو الانخراط فيها، وتقديم هذه المضامين بأسلوب جميل، وعرض حسن، وقوالب جذابة.ـ زيادة عدد الصفحات والاهتمام بصورة أفضل بالتبويب والإخراج الفني.ـ الاهتمام بتفاعلية الأطفال مع المجلة، وعدم قصر دورهم على التلقي والقراءة، ويكون ذلك من خلال المسابقات والاهتمام بتخصيص الفقرات التي تحتاج إلى التعليق وإبداء الرأي، ومما يساعد على تعزيز هذا الجانب وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت لصيقة بالكبار والصغار على حد سواء، إضافة إلى إشراك الأطفال في تحرير المجلة، ومراسلتها وكتابة بعض موضوعاتها وقصصها. ـ التوزيع سواء الورقي منه أو الإلكتروني..ويحول دون ذلك صعوبات مالية ولوجستية لطباعة هذه المجلات، مما يجعل أعداد النسخ المطبوعة منها متواضعة للغاية مقارنة بعدد المستهدفين، لذا يحتاج الأمر إلى تذليل العقبات المادية وتوفير الدعم اللازم للطباعة، ودراسة توزيعها من خلال نسخ (بي دي أف) على البريد الإلكتروني أو من خلال مواقع التواصل. ـ الترويج: بغرض التعريف بالمجلات والوصول إلى أكبر كمّ الشرائح المستهدفة، ويكون من خلال الوسائل الإعلانية الإلكترونية وغيرها وتبادل الإعلانات، لأن كثيرا من الأطفال قد لايصلون إليها بسبب عدم معرفتهم بها.الجهد الذي يقوم به أصحاب هذه المجلات كبير جدا ودوره مهم جدا..وما نذكره يندرج في إطار السعي للإفادة من مخرجاتها بصورة أفضل نظرا للحاجة الماسة لها من قبل أطفال سوريا.

1123

| 04 يونيو 2014

لصوصيةٌ خطِرة

اللصوصية ليست سرقة المال والمتاع فحسب، بل هناك لصوصيات أخرى أيضا ومنها سرقة الحقيقة التي يتورط فيها كثير من أهل السياسة والإعلام، وبعض من يصنّفون كنجوم للمجتمع. ويكون ذلك من خلال تزييفها، أو ممارسة الخداع بشأنها، أو التكتم عليها أو على أجزاء منها، أو عدم الإدلاء بشهادة حق بشأنها، أو تجميل الوجوه القبيحة المرتبطة بها، أو تشويه الوجوه الناصعة ذات العلاقة بها.سرقة الحقيقة أكثر خطورة، وأشد تأثيرا من سرقة الأموال والأمتعة، لأنها تستهدف العقول والأدمغة وربما القلوب والمشاعر، وتسهم في ذات الوقت بتمزيق وشائج العلاقات الاجتماعية والفكرية والثقافية، وتهديد الهوية الفكرية وقواعد العيش المشترك، والعبث بالقيم والمفاهيم والسلوكيات.ولصوصية الحقيقة تترك تأثيرها في ماضي الأمم وحاضرها، ويحرص كثير من أصحابها أن يمارس دوره التضليلي ليؤثر في المستقبل من خلال خداع الأجيال القادمة ومحاولة تشويه معالم الطريق أمامهم. تأملوا التاريخ العربي والإسلامي، ولن أقول الإنساني.. كم دخله من التشويه والتحريف والخلط، لا أتحدث عن محدودي الفهم الذي كتبوا عن جهل، ولكن عمن تعمدوا تشويه الحقائق وتحريفها أو قلبها أو احتكارها، لهوى في النفوس بسبب نعرات طائفية أو مذهبية أو قومية. لا يكتفون من وراء التشويه بما فعلوه بحق الأجداد ماضيا، ولا بما يفعلونه بالآباء حاضرا، بل يصرون على سرقة المستقبل من خلال تشويه الحقائق للأطفال، إنه اغتيال ممنهج لمستقبل الأمة على اعتبار أن الأطفال والناشئة والشباب هم عنوان المستقبل، لتصبح المفاهيم المشوهة الممتزجة بالتضليل مسلمات كما يحلمون. وبينما يفترض أن تكون الكلمة أمانة فإن أكثر من يُستخدمون في عمليات لصوصية الحقيقة أو يساعدون عليها هم أصحاب الفكر والقلم والرأي، مثل الكتّاب والمؤرخون والإعلاميون وبعض قادة الرأي كرجال الدين والمشتغلين بالفن. وتزداد خطورة لصوص الحقيقة لاسيَّما مع تطور وتوسع وسائل الاتصال التي تجتاح العالم اليوم، نظرا لقوة تأثير هذه الوسائل وسحرها في نفوس الجمهور، وبما يقدم عبرها ممتزجا بأساليب الدعاية والتأثير النفسي.. وحتى تتأكدوا من ذلك تكفيكم متابعة ما يحدث في سوريا، حيث لا يكتفي النظام بإدارة المعركة العسكرية بشراسة، بل يدير معركة دعائية مضلِّلة بالتوازي معها، من خلال سيطرته على وسائل الإعلام الداخلية، ومنع وسائل الإعلام الحرّ السورية أو الدولية من العمل والتنقل بحرية، ونقل الحقيقة الصادقة عما يجري من الواقع الميداني، لكي يتم تداول راويته فقط. والشيء نفسه يتم في مصر، حيث توجد ترسانة إعلام ضخمة، كانت تقف ضد حكم مرسي وهو الرئيس المنتخب شرعيا، وتساند نظام الانقلابيين منذ الثلاثين من يونيو الماضي بصفاقة، وتقدّم للجمهور رؤية واحدة تبرر فيه الانقلاب وتشيطّن "الإخوان"، وتغضّ الطرف عن كل المخالفات والتجاوزات الأمنية والحقوقية والقضائية التي تحدث من قبل العسكر والأجهزة الأمنية. من أبرز الأمثلة على سرقة الحقيقة ما يتم تداوله في إطار مصطلح " الإرهاب"، فتجد أن لصوص الحقيقة على سبيل المثال ينعتون " الإخوان" في مصر، وهي حركة تمارس العمل السياسي منذ عقود بالإرهاب، وعلى نحو متصل ينعت النظامان السوري والإيراني الثوار في سوريا بالإرهاب هم وأجهزة إعلامهم، ويختزلون الثورة بـ " داعش " وبأعداد بسيطة دخلت سوريا من جنسيات أخرى، بينما يصفون مقاتلي حزب الله (لبنان) وكتائب أبي الفضل العباس (العراق) ومن لفّ لفهم بـ"المقاومين" رغم أنهما دخلاء على سوريا وأغراب عنها، وينخرطون في قتال الشعب السوري وثوّاره، كما تفعل " داعش"، والمؤلم أن العالم يشارك في هذه المؤامرة، فيتحدث عن إرهاب فصائل في المعارضة السورية، ولا يتحدّث عن إرهاب الأحزاب والمليشيات الشيعية الطائفية القادمة من لبنان والعراق وباكستان واليمن.. والتي تساند النظام السوري وتقف جنبا إلى جنب مع جيشه. ويأتي المفتون ليكملوا هذه المسرحية المضحكة المبكية من خلال فتاوى يفصّلونها على مقاسات ترضي الحاكم، ليكسبوا ودّه، حتى وإن جاءت على حساب سخط ربّ العباد، وتحريض العسكر على أحزاب بعينها لضربها واستئصال شأفتها.إذا كانت سمعة اللصوص الذين قد يسرقوننا في المنازل أو الشوارع سيئة عند الله والناس، وقد تستوجب تطبيق الحد عليهم في الظروف الطبيعية، فقد آن لكل الشرفاء في عالمنا العربي تعرية سارقي الحقيقة، وإصدار لوائح سوداء بأسمائهم وسجلاتهم وأدوارهم القذرة، والتشنيع عليهم، وتوعية الأجيال الحاضرة والمستقبلية منهم ومن أمثالهم، وتوعّدهم بالمحاكمات العادلة، بعد انتصار الثورات.. شأنهم شأن من تلخطت أيديهم بالدماء سواء بسواء. والغرض من ذلك محاولة ردع من يمكن ردعه، أو معاقبة المصرين على عمليات التزييف والتضليل منهم، من خلال القضاء العادل، ورسم إطار للصورة الذهنية التي تليق بهم وبأدوارهم التخريبية وجرائمهم الأخلاقية، لتستقرّ في وجدان الأمة كي ينزلوهم المنزلة التي يستحقونها.

1078

| 28 مايو 2014

الجوائز العربية المعنية بالطفل.. بين الواقع والطموح

يفترض بالجوائز الخاصة بأدب وكتب وثقافة الطفل أن تكون الأهم من بين الجوائز الثقافية العربية، نظرا لقلّة الأعمال والمشاريع الإبداعية الموجهة إلى هذه الشريحة وأهمية المستهدفين من هذه الأعمال على مستقبل الأمم والأوطان. من أبرز هذه الجوائز المتوفرة هي: جائزة مصر لأدب الطفل، وجائزة الدولة لأدب الطفل (قطر)، وجائزة آنا ليند، وجائزة "اتِّصالات" لكتاب الطفل، وجائزة أدب الطفل في الملتقى الثقافي العراقي، جائزة الشارقة للإبداع (أحد فروعها للطفل)، وجائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع أدب الطفل)، وجائزة أنجال الشيخ هزاع بن نهيان لثقافة الطفل العربي، وجائزة عبد الحميد شومان لأدب الطفل (الأردن)، وجائزة أفضل كتاب للطفل العربي، وجائزة الشارقة للإبداع الأدبي، وجائزة مصطفى عزوز (تونس) وغيرها. وتكمن الأهمية الإستراتيجية للجوائز العربية الموجهة لكتاب أو أدب أو ثقافة الطفل، بما يلي: ـ هذه الجوائز تصب بشك مباشر أو غير مباشر في خانة تشجيع المطالعة عند الطفل، وهم أمر مهم لأسباب كثيرة أهمها الإسهام في تعويد الطفل على القراءة والاعتياد على صحبة الكتب والمكتبات ومصادر المعلومات الأخرى باعتبارها مصدر غذاء له لا يقل أهمية على الطعام والشراب، وبالتالي تصبح عادة أصيلة لديه لا ينفّك صاحبها عنها عندما يكبر، وهي مهمة من أجل إشباع النهم المعرفي وتنمية خيال الطفل، وإثراء مفرداته اللغوية وتهذيب أسلوبه وسلامة منطقه، وزرع القيم الأخلاقية وتعزيز السلوكيات الإيجابية، وزيادة قدرته على الاتصال والتواصل والتعبير... ولأن لأطفال هم حصاد المستقبل والجيل الواعد الذي يبني الوطن على أكتافه، فبمقدار ما نبني في شخصية الطفل يكن في الوطن والأمة في قوة ومنعة. ـ الإسهام في ردم الهوة في صناعة كتاب الطفل في العالم العربي سواء على مستوى الكتاب نفسه من حيث جودة المضمون والإخراج والطباعة من جهة، ليكون جاذبا للطفل، خصوصا في ظل البدائل التقنية (الإلكترونية خصوصا) التي تحيط به وتشده إليها بودّ كبير، أو على مستوى تشجيع المؤلفين والرسامين والناشرين لتزويد المكتبة العربية بكتب عصرية راقية في قلبها وقالبها من جهة أخرى. ومعلوم أن الجائزة تخلق روح المنافسة بين أصحاب هذه المهنة وأربابها لإنتاج الأفضل، لأنها تقدّم الحوافر للأجود والأكثر إتقانا، وجذب المزيد من أصحاب المواهب الإبداعية إلى هذه الساحة، وكذلك توفير المنتجات الفائزة لتصل مجانا أو بأسعار رمزية إلى المستهدفين سواء أكانوا من الأطفال أو الناشئة أو اليافعين، أو إلى ذويهم من الأسر، أو إلى الجهات المعنية بهم وذات الصلة بهم كالمدارس والنوادي ومكتبات الأطفال ونوادي الطفولة..وهكذا. ـ إتاحة المجال لإقامة الأنشطة والفعاليات الموجهة للمهتمين بالطفل أو للأطفال أنفسهم كالورش التدريبية، أو المهرجانات الثقافية والترفيهية، ومعارض الصور والرسوم وغيرها، والمسابقات التي تتزامن مع إعلان النتائج للجوائز لإبراز أعمال أصحاب المواهب والإمكانات من الأطفال وتكريم المتميزين منهم. ومعلوم أن هناك فقر لجهة هذه الفعاليات الترفيهية والتربوية،رغم ما يحتاجه الأطفال لملء فراغهم بالنافع والممتع. ـ تبني هذه الجوائز لمؤتمرات علمية، لتبادل الخبرات بين الباحثين وأصحاب الصنعة، وهو ما ينعكس إيجابا على الاهتمام المهني بما يتصل بكتب ومنتجات الطفل.ومعلوم أن كثيرا من كتابات الأطفال هي أقرب إلى كتابات الهواة منها إلى المحترفين، وبعضها قد يسيء للطفل وثقافته وهويته بسبب الجهل وقلة الدراية العملية، ومن هذه المؤتمرات ما أعلنت جائزة الدولة لأدب الطفل بقطر مؤخرا. واقع الحال يشير أن الجوائز الخاصة بالطفولة والأطفال ما تزال قليلة في عددها، وبعضها ضعيفة في حوافزها وتأثيرها..وهو ما يستدعي من الدول ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الثقافية العربية، وبيوتات الأموال العربية والشركات التجارية الكبيرة ـ في إطار مسؤولياتهم الاجتماعية ـ الاهتمام بهذه الجوائز، بدعم وتطوير القائم منها، وتأسيس المزيد منها للأسباب التي سقنا ها سابقا.ولأنّ هذه الجوائز موجّهة في الأساس للكبار من الكتّاب والرسامين والمنتجين والمبدعين المهتمين بالطفل وأدبه، فإنه لا يفوتنا في هذا المقام أن نتمنى على القائمين على هذه الجوائز أن يراعوا في الأعوام القادمة وفي إطار تطوير ما يقدم عبرهم تخصيص جائزة أو أكثر للمبدعين من الأطفال والناشئة، وهو ما من شأنه تشجيع أصحاب المواهب والملكات منهم، وحفزهم على تطوير قدراتهم الإبداعية، وزيادة جرعة الأنشطة الثقافية والترفيهية المخصصة لهم في إطار هذه الجوائز نظرا للحاجة الماسة لها، والاهتمام بزيادة طباعة وتوزيع المنتجات الفائزة لتصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الأطفال والجهات التي تعنى بهم.

1875

| 14 مايو 2014

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

8703

| 23 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

1596

| 25 فبراير 2026

alsharq
الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...

861

| 26 فبراير 2026

alsharq
تحديات الحضانة

تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...

729

| 20 فبراير 2026

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

717

| 27 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

696

| 25 فبراير 2026

alsharq
زاد القلوب

كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...

684

| 20 فبراير 2026

alsharq
من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...

612

| 24 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

600

| 24 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

594

| 22 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

555

| 23 فبراير 2026

alsharq
هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...

522

| 22 فبراير 2026

أخبار محلية