رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: ٤٩]. فهذه الهبة ينبغي شُكر الله عليها وتنشِئَتُها على مرضاته، فالتمييز وعدمُ المساواة بين الأبناء مشكلة يقع فيها بعض الآباء والأمهات والمُربِّين، سواء بشكل مقصودٍ أو بشكل عفويٍّ. ويسبب هذا التصرفُ الكثيرَ من الآثار السلبية على الأولاد، وقد تمتد معهم في المستقبل، فلا بدَّ أن يعلم الآباء والأمهات أن التفرقة بين الأبناء من الأساليب التربوية الخاطئة التي ستكون لها آثار وعواقب وخيمة على نفسية الأبناء، وقد تُكسِبهم صفات سيئة كالحقد، والغيرة، والأنانية، وتولِّد الكراهيةَ بين الأولاد والبنات، وينتج عنها أبناء غير أسوياء. فأساس الصحة النفسية للأطفال تكون بالمساواة بينهم، دون النظر إلى الجنس أو السن، ولا شك أن التمييز بين الأبناء والبنات من بقايا عادات الجاهلية التي نبذها الإسلام؛ حيث كانت المرأة عندهم منزوعةَ القيمة والحقوق، فجاء الإسلام على مبدأ العدل بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. وأوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وأكَّد أن تربية البنات هي الطريق إلى الجنة ومفتاحها. فإن كان الأب والأم يفرحان بالولد لظنهم أنه سيساعدهم في مشوار حياتهم ويكونُ سندًا قويًّا لهم باعتباره رجلًا يمكنه الكسب والإنفاق على الوالدين ورعايتهم في الكِبَر، فهذا لا يعطيهم الحق في زيادة تدليله ومنح الصلاحيات له دون ضوابط والتضييق على البنت بشكلٍ مبالغٍ فيه لكونها أنثى وتقييد حريتها ومراقبة تصرفاتها بدقة! فهذا مخالف بلا شك لتعاليم الإسلام الحنيف؛ فقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراهية البنات؛ فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَا تَكْرَهُوا الْبَنَاتِ، فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ". [رواه أحمد وصححه الألباني]. وكان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يحب ابنتَه فاطمة حبًّا عظيماً، فيستقبلها مبتسمًا ويقول: "مَرْحَبًا بِابْنَتِي". فيُقبِّلها بين عينيها ويُجلِسُها مكانَه ويقول: "هَذِهِ أُمُّ أَبِيهَا". وكان يقول: "فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي". فالبنات هبات فيهن من الرحمة والرقة والحنان ما يجعلهن زهرات البيوت. ويقول أحد القضاة: "قَلَّ مَن يشتكي العقوقَ من ابنته". وهذا يدل على غَلَبة الصلاح والتقوى والرحمة لدى البنات. فيجب على الأبوين أن يحرصا على العدل بين الأبناء في المعاملة الأسرية، ويحرصا على مشاعر البنات. تعدُّ التفرقة بين الأبناء أحد الأسباب التي تؤدي إلى عقوق الوالدين، وتُولِّد الحقدَ والأنانية والكراهية في الأسرة، ومن ثَم ينعكس ذلك على المجتمع، حيث يحمل أبناء المجتمع سلوكيات سيئة، وتؤدي بهم إلى الانطوائية، وحب العزلة، وإن كان أحد الأبوين في بعض الأحيان يميل إلى ابن أو بنت بدرجةٍ أكبر من الآخر؛ فيجب ألَّا يُظهِر هذا الميلَ بشكل واضح، إذ لا بد من العدل بين الأبناء في المعاملة. ومن الأساليب الخاطئة التي يسلكها بعض الآباء والأمهات عملية المقارنة بين الأبناء، وكثرة الثناء على أحدهم دون أن يكون هناك عمل كبير يستحق هذا الإطراء المبالغ فيه، فهذا الأسلوب يمهِّد لغيرةٍ غير مرغوبة بين الأبناء، وهنا ينبغي للوالدين الحرص التام على عدم وضع أي مقارنةٍ بين الأبناء خاصةً في الذكاء والقدرات العقلية والتفوق الدراسي، فهنا يُشعِر الإخوة الآخرين بالإحباط والغيرة من أخيهم. ويجب أيضًا عدم المقارنة بين البنات في الشكل أو المساعدة للأم في المنزل؛ فهذا الأسلوب يسبب صدمة كبيرة للأخت الأقل جمالًا ويُولِّد لديها انكسارًا وعدم ثقة في النفس. فينبغي علينا جميعًا أن نحرص على الاعتدال في تربية الأبناء، والحرص الدائم على مطالعة الكتب والمراجع التي نتعلم منها أساليب التربية الصحيحة التي تُخرِج لنا الأبناء بشكل ناجح، يتمتعون بصحة نفسية جيدة وسلوك اجتماعي سَوي. • دعاء: أسأل الله تعالى أن يُبارك في ذرياتنا وذرياتكم جميعًا، وأن يُصلِحَهم ويُنبِتَهم نباتًا حسنًا. وأن يوفقنا لحُسن التربية، وأن يرزقنا بِرَّهُم في الحياة وبعد الممات... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
117834
| 30 يناير 2020
الأسرة أساس بناء المجتمعات، واللَّبِنة الأولى التي وضعها الله لاستمرار الحياة على وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، ويعدُّ مفهوم الأسرة أو العائلة من الخصائص المميِّزة للإنسان دون سائر المخلوقات على هذا الكوكب الفسيح؛ فالأسرة الصغيرة هي نواة العائلة الكبيرة التي يتكون منها المجتمع بشكل عام، فالأفراد متفرقين لا يُمثِّلون نسيجًا متماسكًا؛ لذا جعل الله تعالى بناءَ العائلة هو الطريق الصحيح لتكاثر بني آدم في الحياة ومن أفضل النعم التي ينبغي الحفاظ عليها. قال تعالى: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [سورة النحل: 72]. وتقدير الأسرة وإعلاءُ مكانتها له أبعاد كثيرة: •أولها: البُعد الديني: فإذا صلَحَت الأسرة في علاقتها بالله والاهتمام بتعاليم الدين؛ انعكس ذلك على صلاح وانضباط أفرادها بلا شك. ويترتب على صلاح الأفراد صلاح المجتمع بأكمله؛ فالأسرة هي التي يتشرَّب منها أفرادها العقيدةَ والأخلاقَ، والأفكارَ والعادات والتقاليد. فالأصل في هدايتك إلى العقيدة الصحيحة بعد مشيئة الله تعالى هي أسرتك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟)) [متفق عليه]. فالأسرة كلما كانت من أهل الصلاح والتقوى والتدين كانت أصلًا يَفتخر به الفروع في كل زمان ومكان؛ لأنهم يأخذون بأيدي أبنائهم وبناتهم إلى الخير وطريق النجاة. يقول الشاعر في وصف قوة الأسرة والعائلة والأخوة: وما المرء إلَّا بإخوانه ** كما تقبض الكفُّ بالمعصم ولا خير في الكف مقطوعة ** ولا خير في الساعد الأجذم ثانيًا: البُعد التعليمي: في مراحل التعليم المختلفة نجد أهمية النسيج العائلي في حياة الأبناء خصوصًا في مرحلة التعليم والانتقال من مستوى لآخر؛ لذا يجب الحرص على بناء الأسرة على أسس ثابتة وأصول سليمة وقواعد ربانية منذ الصغر حتى تستمر معهم هذه الأصول والثوابت إذا اختلطوا بالمجتمع الخارجي في إطار الدراسة. فقاعدة الأسرة أساسها شرع الله وتعاليم الدين الحنيف كالرحمة والرفق والحب والتعاون واحترام الآخر كبيرًا كان أم صغيرًا؛ فبالرعاية والعناية والدفء التي يحظى بها الأبناء في كنف العائلة، وبالطاعة والبِرِّ اللذَيْن يقدمهما الأبناء للوالدين تستمر البيوت وتظل عامرةً مدى الحياة. كما أن الاهتمام بالعاطفة والهوايات والميول الشخصية للأبناء من أهم الدعائم التي تقدمها العائلة لأبنائها، فالجانب العاطفي في العائلة مهم جدًّا للشباب من الجنسين، ووجود أسرة داعمة لهم في الإخفاق قبل النجاح فربما تعرَّض أحد الأبناء لتعثُّر دراسي في بعض السنوات فيحتاج إلى دعم حتى يخرج من اليأس والإحباط ويواصل مسيرته بتفاؤل، وكذلك تشجيع العائلة لأبنائها والاحتفاء بهم في النجاح والثناء على جهودهم أمر يُشعرهم باستقرار عاطفي واتزان نفسي له عائد على حياتهم الشخصية وينعكس ذلك على صحتهم النفسية، فكلما كانت الأسرة تأخذ برأي الأبناء في أمور الأسرة وتحترم وجهات نظرهم يشعرهم هذا بتحمُّل المسئولية وأهمية رأيهم لدى الآباء، وهكذا تكون قد عزَّزت جانبًا شديد الأهمية من الجوانب الأساسية لاستقرارهم النفسي والسلوكي، ويُعدُّ من احتياجات أي فرد طبيعي، وهو جانب التقدير والاحترام والدعم والمساندة. •ثالثًا: البُعد الوظيفي: فالأسرة التي تحافظ على الثوابت الإسلامية ثم العادات والتقاليد الإيجابية بشكل أساسي في حياتها، ينعكس ذلك على مستقبل أبنائها الوظيفي والمهني؛ فكل أصل طيب يُثمر بإذن الله فرعًا طيبًا يحمل الرسالة التي تعلَّمها وتربَّى وترعرع عليها في كنف عائلته المباركة، فكلما كان الأصل يبحث عن المعالي ويتجنب الرذائل كان هذا مدعاةً للافتخار بين أبنائه، فيسيرون على نهج الأسلاف من عُلوٍّ إلى ارتقاء، فيكون أصلهم الطيب سجِلًّا مشرِّفًا يفتح لهم مجالات العمل المهمة والمؤثرة، ويجعلهم محط اختيار للمناصب المرموقة. وكل ذلك استنادًا لتاريخهم العائلي الطيب. •رابعًا: البُعد الاجتماعي: فالأسرة ذات المكانة المرموقة تدعم أبناءها في محيطهم المجتمعي، بمعنى أن المستوى الاجتماعي لهم في الثقافة والمعرفة والعلم، والمعارف والجيران والأصهار يتكافأ مع طبقتهم، فتكون علاقتهم الاجتماعية بالآخرين متوافقة مع تربيتهم وتعليمهم ومكانة هذه الأسرة بين غيرها من الأُسَر؛ فهذا يدعمك في اختيار أصدقائك وزملائك، وكذلك يدعمك في اختيار المصاهرة والنسب الطيب؛ فالأسرة الطيبة المباركة تُعلِي مكانة أبنائها وتكون مصدرَ فخر واعتزاز لهم على المستوى الاجتماعي؛ لذا يجب على الأبناء المحافظة على تاريخ عائلتهم ومكانتها والاستمرار في الارتقاء باسم الدين الإسلامي السمح، ثم المحافظة على مابناه الآباء والأجداد بشكل يتواكب مع العصر الحديث. •خامسًا: البُعد الإنساني: فتقدير الأسرة لأفرادها، له بُعد إنساني عميق ومهم، فمفهوم التقدير من المفاهيم المهمة بين أفراد العائلة لبعضهم بعضًا وحبهم لدينهم ووطنهم وأمتهم، ويعدُّ من الأمور التي تساعد في زيادة مقدار الحب والامتنان بينهم، حيث تساهم الطريقة الجيدة في الحوار، والتقدير أثناء النقاش، والحديث في أي موضوع، واستعمال كلمات الشكر والثناء، والتعبير عن التقدير في اللقاء كل هذه الأمور من أشكال التقدير التي تسهم في زيادة سعادة الأسر وتماسكها والارتباط بين أفرادها مهما بعُدت بينهم المسافات، ولا شك أن عصرنا الحالي فَقَد الكثير من الترابط الأسري بالشكل الذي كان عليه في الماضي، وذلك نظرًا لتعدُّد وسائل التكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت لكل فرد من أفراد الأسرة عالمه الذي يعيش فيه، وأثرت بشكل واضح على الانتماء والترابط الأسري عند بعض الأبناء والبنات. •فلا بد من محاولة الرجوع للجو العائلي كما كان في السابق، حتى ولو بشكل أقل من السابق، فاللقاء الأسري اليومي على مائدة الطعام، وكذلك مجلس الأسرة في نهاية اليوم واللقاء الأسبوعي له أثر عميق في نفوس النشء الصغير، فالحوار الهادف معهم يُثري الفكر والثقافة ويزيد الثقة بالنفس لديهم، والاستماع إليهم يزيد من الترابط والألفة بين أفراد الأسرة، فالمحافظة على ثوابت الدين الإسلامي، ونقل تجارب الكبار للأجيال الشابة يحميهم من الوقوع في مشاكل كثيرة أثناء مشوار عمرهم بإذن الله. فالترابط الأسري يُسهم في نشأة الجيل الحالي بشكل متوازن ومتحمِّل للمسؤولية بشكل كبير تجاه أنفسهم وأهلهم ودينهم ووطنهم وأمتهم بل للإنسانية جمعاء. • دعاء: نسأل الله تعالى أن يحفظنا ويحفظكم، وأن يديم علينا وعليكم الترابط بالطيب والخير والمعروف فيما بيننا، وأن يوفقنا جميعًا للتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين، والسير على نهجهم الطيب المبارك، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف، وأن يبارك في الأبناء والأحفاد والأجيال القادمة.. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
13879
| 23 يناير 2020
من أعظم الحقوق الواجبة على الإنسان هو حق نفسه عليه؛ وذلك لأن النفس أشرفُ ما في الإنسان، وجوهر ذاته، وهي المسؤولة عن أفعاله الحسنة أو القبيحة؛ فالنفس باختصار كيان تقوم عليه حياة الإنسان بشتى جوانبها. ولعظيم حق النفس على صاحبها وجب عليه الحرص على إصلاحها، وإسعادها، وصيانتها من الضرر والإفساد، مع إشباع رغباتها الضرورية في الحياة؛ لذا حرَّمَ الإسلام كل ما يضرُّ بها حفاظًا على النفس البشرية من الهلاك والضياع، فأمر الإسلام بالقيام بكل ما بإمكانه أن يُسعِدها ويساعدها على طاعة الله، وحرَّم كل ما يضرُّ بها ويُعرِّضها للمهالك، وشدد على حقوقها، كما جاء في كتاب الله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]. وكذلك السنة النبوية أمدتنا بالعديد من الأدلة التي تحثنا على حق النفس، منها ما جاء عن سلمان الفارسي أنه قال لأبي الدرداء رضي الله عنهما: "إِنَّ لِرَبِّكَ عليكَ حَقًّا، وإِنَّ لِنَفْسِكَ عليكَ حَقًّا، ولأهْلِكَ عليكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فأتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي عليه السلام: "صَدَقَ سَلْمَانُ". [أخرجه البخاري] فأقر النبي صلى الله عليه وسلم قول سلمان، بل وصدَّقه؛ فدلَّ ذلك على وجوب حق النفس على صاحبها. وفي معرض حديثنا على حق النفس نتناول بعض الظواهر التي يمارسها بعض الشباب المتهور من الاستعراض والرعونة في قيادة السيارات فيُعرضون أنفسهم للخطر، وكذلك تعريض الآخرين للخطر، فنُفاجَأ باستعراض بعض الشباب بالسيارات في (طعوس الرمال) في مناطق مختلفة، أو ربما في بعض الطرقات والشوارع العامة، فقد يحدث نتيجة لهذه التصرفات غير المسؤولة إزهاق في الأرواح لا قدر الله؛ فيشعرون وقتها بالخسارة والحسرة والندامة، ولكن وقت لا ينفع الندم، تكون الخسارة متعددة لهذا الشاب المتهور وخسارة لأسرته وخسارة لوطنه كذلك، فيجب على شبابنا الحرص على أنفسهم والتوقف عن الاستعراض والتهور في قيادة السيارات؛ فالشباب هم الشريحة الأهم في المجتمع، ننتظر منهم الدراسة الجادة ثم التفوق والتخرج بأعلى الشهادات، ننتظر منهم الارتقاء بأنفسهم في أعمال ووظائف هامة ومؤثرة، ننتظر منهم نفع أسرتهم ورد الجميل لهم على ما بذلوه في مشوار تربية ورعاية الأبناء، ننتظر منهم خدمة دينهم ووطنهم في كل جوانب المجتمع. هذا ما ينبغي أن يكون عليه شبابنا الواعي المتحضر. ولا شك أن هذا السلوك المتهور له عدة أبعاد مهمة: • أولها: البُعد الديني كما وضحتُ في بداية مقالي أن هذه الممارسات التي تضر بالنفس مُحرَّمة بنص الكتاب والسنة، ومن يُعرِّض نفسه للضرر أو يرمى بها في المهلكات مخالفٌ لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف. • ثانيًا: البُعد الأسري، ويترتب على هذا التصرف المتهور - ألا وهو الاستعراض في القيادة - اضطراب في المحيط الأسري، وتوتر وقلق دائم على شبابهم، وخسائر مادية، وربما لا قدَّر الله خسائر في الأرواح، فهذا الأمر الذي يستهين به بعض الشباب قد يكون سببًا في دمار أسرة بأكملها؛ لذا يجب على الأسرة تفعيل دورها في النصح والإرشاد والتوجيه والتوعية لأبنائها من خطورة هذه الممارسات وانعكاساتها السلبية على حياتهم بشكل عام، وتفعيل دور المتابعة والرقابة باستمرار حرصًا على سلامة شبابنا. وتأديةً لدورنا في المسؤولية والرعاية التي أمرنا الله بها تجاه الأبناء نوضح لشبابنا أهمية المرحلة التي يعيشونها الآن، فلديهم مهام كبيرة تنتظرهم كالزواج وبناء أسرة، والالتحاق بوظيفة مرموقة، أو الطموح في الوصول إلى منصب مهم، وغير ذلك من المهام العظيمة التي تنتظر فئة الشباب على وجه الخصوص؛ لما تحمله نفوسهم من الطاقة والحماس والتفاؤل. • ثالثًا: البُعد الاجتماعي لهذه الممارسات الخاطئة ينعكس بشكل سلبي على الفئة العمرية الأصغر من فئة الشباب وانتشار التقليد وتهوين الأمر وهذا بلا شك يبث الخوف والقلق في نفوس الأسر على مصير الأبناء من هذا السلوك المتهور؛ لذا يجب على مؤسسات الدولة المختصة بهذا الشأن كإدارة المرور أخذ التدابير اللازمة حيال هذه الاستعراضات وسن القوانين الرادعة لمن يقوم بها، وكذلك تفعيل رسائل التوجيه والتوعية للأسر والشباب للتحذير من خطورة هذه الاستعراضات وما يلحقهم من الأذى بسببها، ويجب التنسيق مع كافة مؤسسات الدولة ووزاراتها وإعلامها وتكثيف الجهود في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك تعرُّضهم للمساءلة القانونية، ووقوعهم تحت طائلة القانون. يجب أن نعطي الأمر أهمية أكبر حتى نحدَّ منه ثم يختفي تمامًا من مجتمعنا. - نثق في شبابنا الواعي ألا ينجرف وراء هذه الاستعراضات، ولا يحاول المشاركة فيها أو تأييدها، بل التحذير منها والإبلاغ عنها. - نثق في دور الأسرة أن توجِّه الأبناء وتنصحهم باستمرار بوجوب تجنُّب أماكن الاستعراضات. - نثق في الجهات المعنية أن تكون على دراية تامة ومتابعة جيدة لهذه الاستعراضات ومعرفة أماكنها، وننتظر منهم مزيدًا من التشديدات وسن المخالفات على هذه الاستعراضات على وجه التحديد حتى تختفي من مجتمعنا بشكل نهائي. • دعاء: أسأل الله تعالى أن يحفظ شبابنا من كل مكروه وسوء، وأن يوفِّقهم لما فيه الخير لهم ولدينهم ووطنهم، وأن يُقِرَّ أعيينا جميعًا بصلاحهم وتقواهم.. اللهم آمين يا رب العالمين. burashid282@hotmail.com
3816
| 16 يناير 2020
نتسارع جميعًا في بِرِّ الوالدين في حياتهما لننال بركة دعواتهما ونفوز برضا الله تعالى نظير هذا البر بالوالدين، ولكن هناك مَن فقدوا الآباء والأمهات ولم يدركوا من حياتهم زمنًا طويلًا يُمكِّنهم من البِرِّ بهم والاستمتاع بالإحسان إليهم؛ فهؤلاء نريد أن نُذكِّرهم بأن البر والإحسان إلى والديهم لا ينتهي بالموت، وإنما يمكنهم بِرُّهُم بعد وفاتهم بطرقٍ كثيرة: •أولها وأهمها: الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة؛ يقول الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] فهذا الدعاء للوالدين بعد وفاتهما من أعظم الحقوق للآباء على الأبناء بعد وفاتهم، وهذا ما أكدته ووضحته السنة النبوية في مواضع كثيرة؛ فقد دخل رجلٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يَا رَسُولَ اللّهِ، هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ شَيْءٍ لِوَالِدَيَّ أَبِرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا" [أخرجه أبو داود]. فالدعاء للوالدين بعد الممات يرفع درجاتهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنَّى لِي هَذِهِ؟! فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" [صحيح رواه أحمد]. ويظهر بعد وفاة الوالدين دور الولد الصالح بشكل أكبر من حياتهما، فهو يتذكر والديه ويدعو لهما باستمرار بعد وفاتهما ويحرص على ذلك مع غيابهما عن الدنيا فهذا من أفضل البر بالوالدين على الحقيقة، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف هذا الولد سواء كان ابنًا أو ابنة بالولد الصالح؛ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" [صحيح مسلم]. فبعد وفاة الوالدين يكون الولد الصالح امتدادًا لعملهما ورفعةً لدرجاتهما في الآخرة، والدعاء للوالدين بعد الممات دأب الأنبياء والصالحين؛ فقد جاء في القرآن الكريم دعاء نوح عليه السلام لوالديه، حيث قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]. وقال إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]. فلنحرص على بِرِّ الوالدين بعد الممات بالدعاء تأسِّيًا بالأنبياء والصالحين. •ومن طُرق بر الوالدين بعد الممات: صلة الرحم التي لا توصل إلَّا بهما: فصلة الرحم واجبة في حد ذاتها، وتكون أوجبَ بعد وفاة الأصول كالأب والأم، وهذه الصلة تشمل الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والإخوة والأخوات. نحرص على صلتهم والإحسان إليهم، وانتقاء الكلمات الطيبة لهم، وزيارتهم باستمرار حتى لا تنقطع الرحم بعد وفاة الوالدين، وإنما تظل متصلةً؛ فننال بها أجر صلة الرحم وبر الوالدين بعد موتهما. • ومن طرق البر بالوالدين بعد الممات: إكرام صديقهما من بعدهما: فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ" [رواه مسلم]. فكلٌّ من الآباء والأمهات يكون لديهم أصدقاء مقربون منهم في حياتهم، فمن عظيم البر بالآباء والأمهات صلة هؤلاء الأصدقاء بعد وفاة الوالدين؛ ففي حديث أبي بُردة رضي الله عنه قال: قَدِمتُ المدينةَ فأتاني عبدُ الله بنُ عمر رضي الله عنهما فقال: أتدري لِمَ أتيتُكَ؟ قلتُ: لا. قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ أحَبَّ أنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ؛ فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ" [أي: أصدقاء أبيه من بعد موته]، وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاءٌ وَوُدٌّ، فأحببتُ أنْ أصِلَ ذاك. [رواه ابن حبان في صحيحه]. •من طرق البر بالوالدين بعد الممات أيضًا: الصدقةُ والوقفُ النافع لهما؛ فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة للوالدين بعد الممات، فقال رجل: يا رسول الله! إن أمي ماتت ولم تُوصِ، أفلها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ". ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ"، وفي رواية: "مَنْ تَرَكَ وَلَدًا يَدْعُو لَهُ" [رواه بن ماجه وصححه الألباني]. فيجب الحرص على إخراج صدقةٍ للوالدين بعد وفاتهما بشكلٍ شهري، أو المشاركة في وقفٍ خيري يعود أجره عليهما في قبرهما. • ومن جميل صور البر بالوالدين: ذِكر مناقبهم وأعمالهم الصالحة والمحافظة على سيرتهم الطيبة وذكراهم العطرة على ألسنة الجميع، ويتحقق ذلك بسلوك طريق الاستقامة والصلاح والمحافظة على الأخلاق الجميلة والخصال الحسنة، حتى نجعل الجميع يترحَّم على آبائنا وأمهاتنا عندما يرون أثر تربيتهم الصالحة في أبنائهم وبناتهم، ومن الأدلة على ذلك ما نسمعه باستمرار من أي شخص نُقدِّم له معروفًا أو مساعدةً أو معاملةً حسنةً يدعو لك بدعوةٍ جميلة صادقة فيقول: الله يرحم والديك. وهذا لم يأتِ من فراغٍ، فعندما يرى أي شخص فيكَ سِمةَ الخيرِ والصلاح يُثني على الوالدين؛ لأن هذا الولد الخلوق ثمرةُ تربيةٍ صالحةٍ من أبوين صالحين. فاللهم اجعلنا خيرَ خلف لخير سلف يا رب العالمين. •فهذه تذكرة لكل مسلم ومسلمة: مَن فاته الإحسانُ إلى والديه في حياتهما؛ فقد جعل الله تعالى لك ذلك بعد موتهما، سواء كان ذلك بالصدقة عليهما، أو بالاستغفار لهما، أو الدعاء، أو قضاء الديون، والنذور، والكفارات، أو إنفاذ عهدهما من بعدهما، أو صلة الرحم التي لا توصل إلَّا بهما، أو صلة أهل وُدِّهما، أو بالاعترافِ بفضلهما، والثناء عليهما، وغير ذلك من أنواع البر والإحسان إليهما. واحرص على زيارة قبورهم والدعاء الكثير لهم؛ يقول ابن الجوزي: زُر والِديكَ وقِف على قبريهما *** فكأنني بك قد نُقلتَ إليهما لو كنتَ حيث هما وكانا بالبقا * زاراكَ حبْوًا لا على قدميهما • دعاء: اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا الذين توفاهم الله، اللهم ارحمهم برحمتك التي وسعت كل شيء، وارزقهم الفردوس الأعلى من الجنة، واجمعنا بهم سعداء يا رب العالمين بعد عمر طويل على طاعة الله وحسن العمل. واجعلنا وجميع المسلمين والمسلمات من الصالحين البارين بالوالدين في الحياة وبعد الممات اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
116767
| 09 يناير 2020
من أرجَى القربات إلى الله وأعظم الطاعات في موازين العبد يوم القيامة برُّ الوالدين، ويُقصد ببرِّ الوالدين طاعتهما في كل ما يوافق شرع الله، والإحسانُ إليهما بالتودُّد، والحب، والقيام على خدمتهما وراحتهما، وقضاء حوائجهما؛ فالإحسان إليهما بابه واسعٌ يشمل الأقوال والأفعال والمعاملة الطيبة الحسنة. وقد أوجب الله تعالى علينا هذا البرَّ بالوالدين ووصَّانا به لننال رحمتَه ورضاه؛ وذلك لِمَا للوالدين من حق عظيم على أبنائهما، وذلك لكثرة المشقة والمتاعب وتقديم كل غالٍ ونفيسٍ لأولادهما منذ فترة الصِّغَر وحتى بعد الكِبَر؛ قال تعالى في كتابه العزيز: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [سورة الإسراء: 23، 24]. لأجل هذه الوصية الربانية العظيمة كان برُّ الوالدين من كمال إيمان المؤمن وحُسنِ إسلامه؛ فبِرُّ الوالدين سببٌ من أسباب البركة في المال والذرية والتوفيق في حياة المسلم، فكما يقول بعضُ السلف: «ما رأيتُ موفَّقًا في حياته إلَّا وله من بِرِّ والديه نصيبٌ». فبِرُّ الوالدين يرفع من شأن صاحبه في الدنيا والآخرة، كما يُفرِّج برُّ الوالدين الكرباتِ، ويشرح الصدور. وأخبرنا رسولنا الكريم في عدة أحاديث بمنزلة ومكانة الأب والأم في حياة الأبناء فقد روى الإمام أحمدُ عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ». كما علَّمنا صلوات الله وسلامه عليه مَن أحقُّ الناس بحُسن الصحبة في الحياة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ». [متفق عليه]. كل هذه الأدلة من الكتاب والسنة التي تؤكد على البر بالوالدين توجب على كل ابن وابنة الطاعةَ والإحسانَ بالأبوَيْنِ نظيرَ ما قدَّماه من جهد وعناء ومشقة؛ فالأم التي تعبت حملًا وولادةً ورضاعًا وتربيةً تنتظر من أبنائها المعاملةَ الطيبة وخفضَ الجناح وطاعتَها والقيامَ بخدمتِها ورعايتِها. والأب الذي يكدُّ ويتعب من أجل توفير أفضل مستوى معيشي لأبنائه ينتظر من الأبناء تقديرَ هذا الجهد، ينتظر مزيدًا من الاجتهاد والتفوق ليشعر بالسعادة وهو يرى ثمرةَ كفاحه وتعبه أمام عينيه. والحقيقة أن الأبوين هما الشخصان اللذان يتمنيان لأبنائهما الخيرَ والتوفيقَ والفوز بحظوظٍ أفضلَ منهما في الحياة؛ فيجب على كل الأبناء الحرص على البرِّ بمنبع الحب والحنان والرحمة والتوفيق ألا وهما الأبوان، لن يهنَأَ لكَ عيشٌ، ولن يحالفك التوفيقُ وأنت عاقٌّ لوالديك، واعلموا أبنائي وبناتي أن دعوات الآباء والأمهات كنز لكم وأمان واطمئنان لقلوبكم. فلتطلبوا منهم الدعاءَ لكم باستمرار ولا تستهينوا بغضبهم عليكم فرُبَّ دعوة غاضبة منهم تقلب لكم حياتكم إلى شقاء دائم. فأنصح أبنائي بالحرص على برِّ الأبوين لأنه دَيْن لكم أو عليكم، فكل ما تحب أن تراه في أبنائك تجاهك في المستقبل إن شاء الله نفِّذه أنت أولًا مع والديك، فالأيام دُوَل، وكما تدين تُدان. وأحذركم من العقوق لأنه حرمانٌ من الجنة؛ فقد روى البيهقيُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثَلاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ» أي: مع الأولين، وعدَّ منهم «العاقَّ لوالدَيْهِ». رواه البخاري. ◄ دعاء: نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من البارِّين الموفقين لبر الوالدين، وأن يبارك في الآباء والأمهات ويمتعهم بالصحة والعافية من كان منهم على قيد الحياة، وأن يرحم الأموات منهم ويتغمّدهم برحمته الواسعة، وأن يجعلنا وإياكم ممن رضي الله عنهم بطاعته وحسن عبادته سبحانه، ثم بطاعة والدينا وبرّهما والإحسان إليهما سواء الحي منهم أو الميت. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
6619
| 02 يناير 2020
يلاحظ أن بعض المسلمين يشاركون النصارى في عيد الميلاد، أو الكريسماس — كما يسمونه، وكذلك مشاركتهم في احتفالات رأس السنة الميلادية، وفي هذا المجال يجب على من يفعله ترك ذلك؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم، والرسول — صلى الله عليهوسلم — حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم. ◄ الحذر ثم الحذر: فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك، وأن لا يساعد في إقامة هذه الأعياد بأي شيء؛ لأنها أعياد مخالفة لشرع الله، فلا يجوز الاشتراك فيها، ولا التعاون مع أهلها، ولا مساعدتهم بأي شيء، حتى في تنظيم الاحتفالات في الفنادق أو المجمعات لا يجوز، ولا بتبادل الهدايا في هذا اليوم، ولا بإقامة حفل عشاء أو غداء، ولا بوضع "شجرة الكريسماس وبابا نويل" والتي لهم فيها معتقد خاص بهم، ولا بالشاي، ولا بالقهوة ولا بالعصير، ولا بأي شيء من الأمور، ونحوها، وأيضاً. يقول الله سبحانه:(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، فالمشاركة في أعيادهم نوع من التعاون على الإثم والعدوان على ديننا وعقيدتنا، فالواجب على كل مسلم وعلى كل مسلمة ترك ذلك، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس في أفعالهم بحيث يقول هذا من باب التسامح أو غيره، فسماحة الإسلام عرفناها بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه والتابعين، حيث إنهم لم يشاركوا النصارى أعيادهم، ولكنهم تعاملوا معهم بكل احترام وتقدير في سائر أيام العام وليس في أعياد الكريسماس. ◄ ميزان الشرع: الواجب علينا أن ننظر في الشرع إلى الإسلام وما جاء به، وأن نمتثل أمر الله ورسوله، وأن لا ننظر إلى أمور الناس فإن أكثر الخلق لا يبالي بما شرع الله، كما قال الله — عز وجل في كتابه العظيم —: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ)، وقال سبحانه: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). والمؤمن يزن أفعاله، وأقواله، ويزن أفعال الناس وأقوال الناس بالكتاب والسنة، بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فما وافقهما أو أحدهما فهو المقبول، وإنْ تركه الناس، وما خالفهما أو أحدهما فهو المردود وإنْ فعله الناس. ◄ دعاء: نسأل الله للجميع التوفيق والهداية، وأن يحفظ علينا أمننا وأماننا وديننا وعقيدتنا، وأن يبارك في جهود المخلصين للمحافظة على العقيدة الصحيحة.. اللهم آمين. •دمتم في رعاية الله burashid282@hotmail.com
2878
| 26 ديسمبر 2019
من جميل الخصال والسجايا التي تجعل المسلم محبوبًا لكل مَن حوله ومحلَّ ثقةِ واحترامِ الجميع خُلُق التواضع؛ لأن التواضع يحثُّك دائمًا على الإذعان للحق وترك الجدال بالباطل والانتصار للنفس بدون وجه حق، وقد عَرَّف أحد السلف التواضع بأنه:"خَفض الجَناح للخَلْق ومعاملتهم معاملةً لينة وطيبة". وسئل الحسن البصري رحمه الله عن التواضع، فقال: التواضع: "أن تخرج من منزلك ولا تَلقَى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا". ومن مميزات التواضع ترك التمييز بين الخَلْق باعتبار اللون أو النسب أو المنصب، فالتواضع هو تهذيبٌ وترويضٌ لنزعات الكِبْر التي تحملها الطبيعة الإنسانية، فالتحلِّي بالتواضع هو الذي يحدُّ من كِبْر النفس وغرورها؛ لذا جعل الله التواضع من عظيم الصفات التي مدح بها سبحانه عبادَه المؤمنين في كتابه العزيز؛ قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. ووصى الله تعالى الرسل والأنبياء بالتحلي بالتواضع لأهل الإيمان فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:215]. ومن وصايا لقمان الحكيم لابنه في القرآن الكريم التحلي بالتواضع والتحذير من التكبر؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] وجاءت السنة المطهرة بمواقف نبوية كثيرة وأحاديث عديدة تحثُّنا على التواضع، وتؤكد على محبة الله تعالى لأهل التواضع؛ فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ" [صحيح مسلم: 2865]. وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ" [صحيح مسلم: 2588]. ويقول الشاعر: ولا تمشِ فوق الأرضِ إلَّا تواضعًا***فكم تحتها قومٌ هم منك أرفعُ فإن كنتَ في عزٍّ وخيرٍ ومنعةٍ***فكم مات مِن قومٍ هم منك أوضعُ وقال آخر: إنَّ التَّواضُعَ مِن خصالِ المتَّقي***وبه التَّقِيُّ إلى المعالي يرتقي فيجب علينا الحرص على التحلي بالتواضع بدايةً من الكيان الأسري الذي يعدُّ اللَّبِنة الرئيسية في بناء المجتمعات، فالأسرة الصالحة التي يحرص فيها كلٌّ من الأب والأم على التواضع فيما بينهم واللين والرفق في حياتهم، ويحرصون على غرس ذلك في أبنائهم وبناتهم هذه النشأة التي نحتاج إليها حتى تنعكس على سلوكهم في الحياة العامة مع الجيران والأصدقاء والزملاء، فتربية الأولاد على التواضع تنعكس على تأثيرهم في مكان وجودهم سواء الشارع أو المسجد أو المدرسة أو الجامعة أو المكتب وفي كل مكان. ولا شك أن ممارسة الأب والأم لهذه الصفة الجميلة في معاملتهم مع العائلة والأرحام والجيران تجعلهم قدوةً لأولادهم، وتغرس فيهم التواضع بفضل ممارسة الوالدين له وتعليمهم إياه. ولا شك أن قدوتنا جميعًا في التواضع والرفق واللين وخَفض الجَناح رسولنا الكريم النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان متواضعًا رفيقًا مع كل مَن حوله في أصعب المواقف وأشدها على مدار حياته. ومن جميل تواضعه بعد البعثة ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ"، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ" [صحيح البخاري: 2262]. وكان عليه الصلاة والسلام يُلاطِف الصِّغار ويحنو عليهم ويسلم عليهم، ويتواضع مع الكبير، ويحلم على الجاهل. وكان متواضعًا مع خادمه، وكذلك في بيته وبين نسائه يرقَع ثوبه، ويُصلح نعله، ويحلب شاته، ولم يكن صلوات ربي وسلامه عليه في حاجةٍ إلى ذلك، فالكل يتمنى خدمته، ولكنه يحب التواضع، ويعلمنا أيضًا أن التواضع من أخلاق الرسل والأنبياء. وكان متواضعًا بين أصحابه ويكفي في ذلك كما جاء في الأثر أنه دخل أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: أَيُّكُم محمَّدُ؟ فلم يتمَيَّز صلى الله عليه وسلم عن أصحابه بمكانٍ في المجلس مختلفٍ عنهم، ولا بثيابٍ أفخم من ثيابهم، بل يجلس بينهم ويلبس مثلهم كأنه واحد منهم. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، جمعْتَ كلَّ خُلُق جميل، وحقَّ لنا الاقتداء بهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم. فينبغي على كل إنسان مهما علت مراتبه أن يتحلَّى بالتواضع بين الناس، فيا صاحب الإدارة ورئيس الشركات وصاحب السلطة في كل مكان يجب عليك الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم التواضع لمن هم تحت سلطتك، فتواضُعُك يزيدك وقارًا واحترامًا وحبًّا بينهم، ويرفع شأنك ويبارك لك في وظيفتك وتجارتك، بل ويزيدك بالتواضع رِفعةً ومحبَّة بين الجميع. وكذلك المعلم والمعلمة ينبغي عليهم التواضع مع النشء الصغير والحلم عليهم لأنهم قدوة طيبة لأبنائنا وبناتنا، يقلدونهم ويتأثرون بهم كالآباء والأمهات في التصرفات والمعاملات. وكذلك الدكتور في الجامعة، ما أجمل أن تتحلى بالتواضع مع الشباب وتشاركهم أفكارهم وتتحمَّس لاجتهاداتهم وأطروحاتهم، فهذه الأشياء البسيطة تغرس فيهم الثقة بالنفس، وتحثهم على بذل مزيد من الجهد والتقدم والارتقاء بأنفسهم. والتحلِّي بالتواضع أمر سهل ويسير، فهو صفة سهلة بسيطة لا يصعب على المرء ممارستها في بيته ومع أهله وأرحامه ومع جيرانه وفي الحي الذي يعيش فيه وفي الشارع وفي العمل وفي كل مكان. ونشر التواضع بين أبناء المجتمع يدل على التلاحم والتراحم وزيادة التقدير والاحترام والمودة والألفة بين الجميع. ◄ دعاء: اللهم جَمِّلنا بالتواضع، واجعل لنا نصيبًا من كل خُلُق رفيع، وارْضَ اللهم عنَّا واكتبنا في الصالحين... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
6355
| 12 ديسمبر 2019
إضاءات مجتمعية لقد حثَّنا دينُنا الحنيف على التحلِّي بكل خلق رفيع تتجلَّى فيه الفطرة السليمة والإنسانية الرحيمة التي تشعر بكل مَن حولها وتتألم لآلامهم، وتحاول التخفيف عن كل صاحب هَمٍّ أو ضيق أو انكسار أو شدة. ومن هذه الأخلاق العظيمة جَبْر الخواطر؛ فتلك الصفة التي قَلَّما يُحسِنها وينفرد بها إلا الأصفياء الأنقياء أصحاب الأرواح الطيبة الحساسة التي تشعر بمن حولها في كل وقت وحين. ومما يزيد هذه الصفةَ الجميلةَ (جبر الخواطر) جمالًا أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى وهو اسم الله ((الجبار)) والذي بمعناه الرائع يَجبُر المنكسرين، ويحنو على المتألمين، فيُطمئِنُ القلبَ ويريحُ النفسَ؛ فهو سبحانه «الذي يَجْبُر الفقير بالغِنَى والسَّعة، والمريضَ بالصحَّة والعافية، ويجبر الفشلَ والتعسُّر بالتوفيق والنجاح، والخوفَ والقلق بالأمان والاطمئنان، فالله جبَّارٌ مُتَّصف بكَثرة جَبْره حوائج الخلائق». [تفسير أسماء الله للزجاج]. فالتحلِّي بجَبْر الخواطر يدلُّ على سمو النفس ورِقة القلب وسلامة الصدر. يجْبُر المسلم فيه نفوسًا كُسِرت وقلوبًا انفطرت وأجسامًا أرهقتها المتاعب والهموم والأوجاع، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها في حياتنا اليومية؟!! يقول الإمام سفيان الثوري: «ما رأيت عبادةً يتقرَّب بها العبد إلى ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم». وتُظهِر لنا السنة النبوية العديدَ من المواقف التي جَبَر فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خاطرَ أصحابه، فما كان عثمان بن عفان ينساها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تخلَّف عن بيعة الرضوان فوضع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى يدَيْه على الأخرى قائلًا: «وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ». وما كان أبو ذر ينساها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تأخَّر عن الجيش، فلما حطَّ القومُ رحالهم ورأوا شبحًا قادمًا من بعيد وأحسن النبيُّ صلى الله عليه وسلم الظنَّ بأبي ذر أنه لن يتخلف أبدًا عن الجهاد، وأخذ يقول: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» فتمنَّى لو كان هو، وظل يقول: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» فكان أبا ذر حقًّا. وما كانت عائشة تنساها للمرأة التي دخلت عليها في حديث الإفك، وظلت تبكي معها وتشاطرها حُزنها دون أن تتكلم بكلمة، بل ظلت تبكي لبكاء عائشة، ثم ذهبت. وما كان كعب بن مالك ينساها لطلحة يوم أن ذهب إلى المسجد متهللًا بعد أن نزلت توبته؛ فلم يَقُم إليه أحد إلا طلحة، قام واستقبله فرِحًا لفرحه فاحتضنه وآواه بعد غيابٍ واقتسم معه سعادتَه، يقول كعب: «والله لا أنساها لطلحة». كل هذه المواقف وغيرها الكثير التي تحثُّنا على جبر خواطر الوالد والوالدة والإخوة والأخوات والأهل والأبناء والبنات والأرحام والأصدقاء والرفقاء والزملاء وقتَ الشدائد والصعوبات وكذلك في وقت الرخاء. فينبغي على كل منَّا في مكانه أن يحرص على جبر خواطر مَن حوله، حتى المعلم في مدرسته، والدكتور في جامعته، ما أجمل أن تجبر خاطر طالبك المتعثِّر بكلمةٍ طيبةٍ أو بإشادة أمام زملائه على صنيع خير يقدمه ولو كان يسيرًا! فجبر خاطر المتعثر يحثُّه على الاجتهاد حتى يصل للنجاح والتفوق. تجبر بخاطر طلابك في مشاكلهم الدراسية وحتى الشخصية، هذه اللحظات لا تُنسَى على مدار العمر؛ لما فيها من الحنان والعطف والاحتواء لهذا النشء الصغير في مرحلة عمرية حساسة تحتاج إلى مزيد من جبر الخواطر في كل المواقف التي يمرون بها. إلى أصحاب المواقع الإدارية وذات المسؤولية وإلى كل راعٍ أن يراعي حق رعيته، ما أجمل أن تتحلى بجبر الخواطر أيها المسؤول والمدير والوزير والقائد؛ تجبر بخاطر كل مَن تحت إدارتك في العمل بالوقوف معهم في مشكلاتهم والمطالبة بحقوقهم، وكذلك بمواساتهم في همومهم وأحزانهم، تفقُّدُك للغائب وسؤالك عن المتأخر لِمَ تأخر لعل حدث له مكروه لا قدر الله!، زيارتك للمريض... كل هذه المواقف من جميل جبر الخواطر والإحساس بمن حولك وشعورك الطيب بالسؤال عن أحوالهم، والسعي في رفع الظلم عنهم ورفع معنوياتهم. إلى رب الأسرة... أيها الأب، ما أجمل هذه الصفة في الآباء! جبرك لخواطر أبنائك وبناتك في إخفاقهم وتعثرهم والمواقف الصعبة التي يمرون بها في حياتهم الدراسية والشخصية ودعمك لهم يُقوِّيهم، وله أثر عظيم على مستقبلهم. جبرك بخاطر زوجتك بعد تعبها من أجل خدمتك ورعاية أبنائك من حُسن العشرة وجميل المودة بين الزوجين، وكذلك لك أيتها الأم في جبر خاطر الزوج من المشاكل التي يعاني منها في العمل أو في الحياة بشكل عام، كوني له مثل خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم. ورسالتي إلى كل من أساء إلى أي إنسان أو ظلمه أو آذاه سواء من الناحية المادية أو المعنوية؛ اجبر بخاطر من أسأت إليه وظلمته، واعتذر وقت الاعتذار ولاتكابر، وارجع إلى الله وتب إليه وتحلى بهذه الخصلة الراقية والعبادة العظيمة. فلنحرص جميعًا على جبر خواطر مَن حولنا من الأهل والأرحام والجيران والزملاء وكل شخص يحتاج منا إلى جبر خاطره حتى لو كنا لا نعرفه معرفة شخصية، فهذه قُربة إلى الله تؤجَر عليها، ولا تدري ماذا تفعل بصاحبها، ربما تبعث فيه روح التفاؤل وتساعده على القيام بعد الانكسار ومواصلة مشواره من جديد، فالكلمة التي تخرج من القلب لا شك تصل للقلب. ◄ دعاء: اللهم إنا نسألك جبرًا ليس بعده انكسار، فأنت الجبار الذي بيده جبر المنكسرين والحيارى والتائهين في دروب الحياة. اللهم جَمِّلنا بهذا الخُلُق الجميل، واجعلنا لخواطر عبادك من الجابرين... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
13463
| 05 ديسمبر 2019
تدور بنا الحياة بين عُسر ويُسر، وشدة وتفريج، وصعب يتلوه سهل، وضيق يعقبه سَعة وسرور ورضا؛ فلا بد أن نحمد الله على كل حال. وهذا المعنى الحقيقي للصبر وقتَ العُسر من أجمل المعاني التي حملتها آيات الكتاب العزيز فيأتي الخطاب من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم يبشره باليُسر بعد العُسر في قوله -عز وجل-: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5- 6]. فيبشره بأنَّ كل شدة لا بد سيأتي من بعدها رخاءٌ، وما من عُسر في هذه الدنيا إلا وسيكتنفه يسرٌ؛ فليس لليأس مكان في نفس المؤمن الواثق بكل خير من ربه. وكرر الله تعالى اليُسر في هذه السورة مرَّتين وكذا العُسر؛ ليُبيِّن أن مع العسر يسرًا، وأن عقب الشدة رخاءً، والكرب يعقبه فرج، والتقتير يتلوه تيسير، وانه -عز وجل- يُبدِّل الضيقَ سَعةً، والفقرَ غِنًى، والشقاوةَ سعادةً، ويُخلِف الصعوبةَ سهولةً، وبقدر ما يشتد البلاء بالعبد فسيعقبه -بلا شك- الأجرُ والرخاء، وعلى قدر المشقة يكون الأجر والثواب، فليعلم كل مهموم متعسِّر أن الحال لا يدوم بحال وأن الأيام دُوَل وتتعاقب على أهلها. ومن جميل كلام السلف في هذا قالوا: "لن يغلب عُسرٌ يُسرَيْن". وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لو كان العُسر في جُحرٍ، لدخل عليه اليسر حتى يُخرِجَه". ويقول الشاعر: أيها البائسُ صَبْرًا *** إن بعدَ العُسرِ يُسْرًا فرسالتي إلى كل صاحب ضيق وَهَمٍّ وتعسير سواء في دراسته أو في عمله أو حياته الشخصية أو في أي أمر من أمور الدنيا: لا تحزن أيها المسلم، وتفاءلْ، واحمَدِ الله، ولا تسخط على أقداره، فلا تعلم من أين يأتيك الخير! انتظر الخير واليُسر من ربك-عز وجل- ولا تدع اليأس يتسلل إلى قلبك، وكُن حَسَن الظن بربِّك -عز وجل- وانتظر منه التيسير والفرج وكل خيرٍ ترجوه وتأمله. لا بد أن يعلم المسلم أن العسر والشدة ابتلاءٌ وقدرٌ من أقدار الله تعالى أصاب بها حتى أنبياءه ليمتحن صبرهم وجَلَدهم وحُسن ظنهم باليُسر والفرج من الله. فلا تجزع ولا تيأس يا من تعسَّرتَ في دراستك ولم تُوفَّق في تحقيق حلمك، أكمل مشوارك، وجاهد واسعَ لتحقيقِ هدفك بالصبر على كل تعسُّر وإخفاق. وأُبشرك بقول الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾[الضحى: 5]. لا تحزن يا صاحب الوظيفة الشاقة قليلة الأجر، لا تجزع إن تعسَّرتَ في تحقيق كل ما تتمناه في عملك، تفاءل بالتيسير والخير والوفير الذي ينسيك مرارة العسر والضيق. ولاحزن ياصاحب الأمور المتعثرة والمتبعثرة في بيتك وأسرتك وفي محيطك الاجتماعي. فلننظر إلى الأمور بعين الرضا والتفاؤل وإن بدت في ظاهرها عسيرة فهي تحمل في طياتها اليسر، ولكن الصبر مفتاح الفرج كما يقولون. والبشرى باليُسر بعد العُسر وعدٌ من الله الذي لا يُخلِف وعدَه فاليُسر لا بد سيأتي ويُغيِّر حالنا إلى أفضل حال. فكم تقلَّب المسلمون الأوائل في ألوانٍ من العُسر والهَمِّ؟! ثم تيسرت لهم الأحوال وأتاهم النصر من كل مكان بفضل الله ثم بفضل إيمانهم العميق بموعود الله لهم أن اليسر يأتي ولو بعد حين. اللهم ارزقنا الصبرَ على كل عسير، واكتب لنا الخير الوفير، واجعل لكل مسلم متعسِّر مهمومٍ أوفرَ الحظ والنصيب من اليسر والفرج يا رب العالمين... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
35375
| 28 نوفمبر 2019
الأئمة والمؤذنون والخطباء والدعاة، ثلة من الأخيار الصادقين، وهم ورثة الأنبياء والمرسلين في الدعوة إلى الله وتقديم النصح والإرشاد لكل فئات المجتمع من حولهم رجالا ونساء وشبابا وبنات وحتى الصغار يتعلمون منهم الكثير من خصال الخير والصلاح، فهؤلاء لهم فضل كبير في شريعة الإسلام لأن وظيفتهم سامية ورسالتهم عظيمة؛ قال الله تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} [ سورة فصلت: 33]. فمنهم الإمام الذي يتقدم صفوف المصلين؛ فيقتدون به في صلاتهم، ويأتمون به في أهم فريضة وعبادة يومية؛ فينظر الناس إلى الإمام على أنه معلم، وهاد، ومرشد، وواعظ، ورمز للاجتماع والوحدة والألفة؛ فهو يجمعهم على طاعة الله تعالى. ومنهم الخطيب والواعظ اللذان تزداد حاجة الناس إليهما في بيان أمور دينهم، وسبل السلامة في عبادتهم وصلاتهم، فحاجة الناس إلى الإمام والخطيب لا تنتهي. ومن عظيم قدرهم دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - للإمام بالرشد والصلاح؛ فقال عليه الصلاة والسلام: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين". ووظيفة الخطيب والمؤذن لها أبعاد كثيرة أتناولها معكم فيما يلي: ◄ أولاً: البعد الشرعي: بدأ هذه الوظيفة العظيمة القدر الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، ثم كان بلال رضي الله عنه هو أول مؤذن للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تطورت الإمامة والخطابة على مر العصور حتى أصبحت وظيفة ثابتة يتقاضى أصحابها الرواتب ليتفرغوا للدعوة والوعظ والإرشاد، فهم يتركون جميع الوظائف ويختارون هذه الوظيفة المهمة التي يتصدى لها أهل القرآن، فلأجل هذا الشرف العظيم الذي كرم به الله ورسوله أهل الإمامة والخطابة والدعوة والمؤذنين، تتوارث الأجيال محبتهم وتوقيرهم؛ لذا وجب علينا الاهتمام بمشكلاتهم. ◄ ثانيا: البعد الاجتماعي في حياة الإمام والخطيب والمؤذن: نجد إمام ومؤذن وخطيب المسجد له دور كبير في مجتمعه، فيعد من رواد الحركة الفكرية المعتدلة ذات الاعتقاد الصحيح والعلم النافع -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا- وله مآثره الاجتماعية في المشاركات في الحياة من حولهم، فإمام المسجد هو الجار بأخلاقه الطيبة، وهو المصلح والمرشد الاجتماعي، وهو الذي يوجه الناس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا يقل دوره عن دور المعلم والأستاذ في وزارة التعليم؛ لذلك وجب علينا الاهتمام بحقوقه. ◄ ثالثا: البعد الاقتصادي في حياة الأئمة والمؤذنون والخطباء والدعاة: عندما يعيش الإمام والمؤذن والخطيب والداعية، في مجتمع يرتفع به مستوى المعيشة، والنفقات غالية جدا، ويتحقق ذلك في مجتمعنا، حيث تعد أسعار المعيشة والتكاليف مرتفعة، وفيما يتعلق بالإمام والمؤذن والخطيب، فإن ولاة الأمر -مشكورين- اهتموا بالأئمة والخطباء وأعفوهم من أشياء كثيرة حتى يتفرغوا لعبادة الله سبحانه وتعالى والدعوة والإرشاد، فيكون دعمهم تحفيزاً لهم على مواصلة هذه الرسالة العظيمة ذات الأهداف السامية. وفي الحقيقة ظلت مكانة الإمام والخطيب مرموقة في المجتمع بشكل خاص وعام منذ القدم وحتى وقت قريب كانوا يتمتعون بحياة مميزة واهتمام بالغ، ولكن في الآونة الأخيرة تغيرت هذه النظرة، وأصبح الأئمة والخطباء في المجتمع يعانون من التهميش والإهمال لحقوقهم الوظيفية من جهة عملهم بالرغم من ارتفاع المستوى المعيشي في مجتمعنا وزيادة الأسعار وبالتالي زيادة أعباء الحياة في ظل هذا التطور السريع لنمط الحياة. ولكن نتفاجأ من جهة عمل الأئمة والخطباء فتقوم باتخاذ قرارات غير موفقة وفيها تضييق مادي ومعنوي على الإمام والخطيب، فأصبح مستوى معيشتهم أقل من مكانتهم بكثير؛ فلذلك لا ننتظر من الإمام أن يكون جل اهتمامه هو التفكير ليلاً ونهاراً في كيفية سد نقص الراتب، ودفع رسوم باصات المدارس لأبنائهم وأسعار الكتب والمستلزمات المدرسية وغيرها من لوازم الحياة المعيشية. فهذه القرارات غير الموفقة من جهة العمل ومن انخفاض رواتبهم مقارنة برواتب وظائف أخرى أبسط بكثير من الإمامة والخطابة، فبدأ الأئمة بطرح مشكلتهم والمناداة بحقوقهم كأي موظف حكومي؛ حتى يتمكنوا من الحياة بعز وكرامة، ويعيشوا عيشة كريمة وسط أسرهم ومحيطهم المجتمعي. وجاءت الآن الرسوم الخاصة بالكهرباء والماء لمنازلهم بعد أن كانوا معفيين منها، جاءت قرارات داخلية من جهة عملهم تلغي ذلك الإعفاء، وكذلك حرمانهم من أبسط الحقوق. كل هذه الشكاوى باح بها أصحابها بعدما صعب عليهم ممارسة حياتهم بشكل يسير كالسابق، فلا ينبغي أن يصل بنا الحال إلى أن يلجأ الإمام والخطيب والمؤذن إلى الشكوى من ضيق الحال وصعوبة الحياة، فمن حق الإمام علينا أن يحيا في رخاء ويعيش عيشة تتناسب مع قدره ومنزلته بين الناس ومكانته العلمية وسنوات خبرته في هذا العمل العظيم. ◄ رابعاً: البعد القانوني: نقدم اقتراحاً بلائحة قانونية تحدد مخصصاتهم ضمن الدرجات الوظيفية الموجودة في الدولة، وتعتمد هذه اللائحة بنص قانوني واضح وصريح يطبقه الجميع، ووجود جهة إدارية مختصة ترعاهم، شأنهم شأن أي موظف في القطاعات الأخرى لهم حقوق وعليهم واجبات، فكل موظفي الوزارات والهيئات والمؤسسات لهم جهات يتظلمون فيها ضد القرارات التعسفية إلاّ الإمام والمؤذن والخطيب. ◄ خامسا: البعد الإنساني في حياة الإمام: إن هذا الإمام له أبناء وبنات يرون مثلهم في شرائح المجتمع وحياتهم الرغيدة كما نرى في دولتنا الحبيبة تدعم المواطنين والمقيمين، فالمواطنون ينعمون بكل خير وكذلك المقيمون، فتنظر أسرة الإمام إلى الذين يعملون في مجالات أخرى في المجتمع، فيرون أبناء الموظفين في الجهات كلها لهم امتيازات مثل المهندس والطبيب والمعلم وغيرهم، إلاّ وظيفة الإمام أوالخطيب لا ينالهم إلا بالقدر البسيط، وكأن الإمام حكم عليه بأنه غير مقبول في جهته التي ترعاه. مع علمنا بأن الكل يقدر الإمام في جميع الجهات وكل فئات المجتمع بداية من كبار السن والأعيان وجميع شرائح المجتمع، والجميع يشيد بالإمام وبدوره العظيم في المجتمع. ◄ رسالة: رسالتي أن نراجع أنفسنا في مثل هذه الفئة المباركة من الأئمة والمؤذنين والخطباء والدعاة، التي لقيت ما لقيت من بعض القرارات الداخلية من الجهة التي ترعاها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك جهود الجميع، ونحن على ثقة بأن المسؤولين يدركون أهمية وظيفة هذا الإمام، وأنا أشهد على ذلك. ◄ دعاء: أسأل الله تعالى أن يبارك في بلادنا وولاة أمرنا، ويبارك في جهود المسؤولين، وأن يرفع قدر الأئمة والخطباء الذين يحرصون على صلاح وفلاح مجتمعنا المبارك، ويحثوننا على العبادة، وعلى الصلاة، وعلى ترك البدع، وترك الذنوب والمعاصي، ولهم أثر كبير في صلاح أبنائنا وبناتنا بالتوعية المستمرة لهم، فلهم منا جزيل الشكر والعرفان والتقدير والاحترام. وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. burashid282@hotmail.com
19241
| 21 نوفمبر 2019
من جميل الخصال وعظيم السجايا التي يتحلَّى بها الإنسان الصراحة والنصح، وهما من الخصال المتلازمة فتحتاج كل منهما إلى الأخرى لتعمَّ الفائدة وتُثمر النصيحة بنتيجة نافعة بإذن الله تعالى. ونظرًا لأهمية هاتين الخصلتين في الحياة اليومية كتبتُ هذا المقال لتعريف كلٍّ من الصراحة والنصح، والفرق بينهما. نتناول أولًا مفهوم الصراحة: وهي الميل إلى قول الحقيقة كما هي، ورؤية الأمور على طبيعتها، بعيدًا عن المبالغة والتزييف، ويتحقق ذلك بذكر مميزات الشخص وعيوبه أيضًا فهي تحتاج إلى جرأة وصدق وإخلاص في التعامل بها. وضدُّ الصراحة المجاملة وهي التملُّق والتكلُّف الدائم لبعض الأشخاص بغرض التودُّد إليهم لأجل أغراض شخصية، فالصراحة محمودة والمجاملات الزائفة لا شك مذمومة. والمصارحة تكون بين الأهل والأحبة والأصدقاء والزملاء، فهي من واجبات العشرة بالمعروف. والصراحة نوعان: النوع الأول: ما يَحمل معنى النقد وفيه تحامُلٌ على الشخص، فتكون قاسيةً ومؤلمة كأن تشير إلى نقطة حساسة يخفيها هذا الفرد مثلًا ولا يريد أن يكشفها له أحد، وهنا يحقُّ له أن يتألم ويُدافع عن نفسه بطُرُقه الخاصة. النوع الثاني: تكون فيه المصارحة بغرض ودِّيٍّ فيه الرفق واللين، كتعريف الشخص بخطأ يرتكبه دون قصد، أو لفت نظره لتصرُّفٍ غير مناسب أو غير لائق، أو قد تكون المصارحة بغرض تعريفه بنظرة الناس لسلوكه وتنبيهه لتصحيح تصرُّفٍ ما ينتقده الآخرون عليه؛ فالمصارحة هنا من باب الإخلاص لهذا الشخص وليس من باب التجريح كالنوع الأول. وهذا النوع من الصراحة أحبه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قال: ((رحم اللَّه امرأ أهدَى إليَّ عيوبي)). وقيل لبعض الصالحين - وقد اعتزل الناس وكان منطويًا عنهم-: لِمَ امتنعتَ عن المخالطة؟ فقال: وماذا أصنع بأقوامٍ يُخفُون عني عيوبي. فيجب على كل مسلم أن يرحِّب بصراحة المقربين منه ويحب ذلك لأنه أنفع الطرق لإصلاح نفسه وتصحيح أخطائه ومعرفة عيوبه ومعالجتها. نأتي إلى مفهوم المناصحة: فالنصيحة في أبسط تعريفاتها هي: محبة الخير للمنصوح بفعل ما ينفعه وترك ما يضره. وشأنها عظيم في الإسلام فقد عدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين بقوله: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قلنا: لِمَن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم". رواه مسلم. فالتناصح والمراجعة فيما بين أفراد المجتمع تدلُّ على سلامة هذا المجتمع وقوة بنائه بين المجتمعات الفاضلة، والنصح أيسر الطرق لبناء الأمة وفلاحها ونجاحها، وعامل أساسي من عوامل التطوُّر والتقدُّم؛ فبالنصح نتفادى السلبيات والإخفاقات، ونُحسِّن من أنفسنا ونرتقي بسلوكنا وأخلاقنا وبالتالي يكون التقدم والنجاح حليفَنَا دائمًا، طالما انتشر النصح بيننا وتقبَّلْنا النصيحةَ بصدر رحب. وللنصيحة آداب عامة ينبغي أن يتحلى بها الناصح، منها: - أن يكون دافعه في النصيحة محبة الخير لأخيه المسلم، وكراهة أن يصيبه الشر، قال ابن رجب رحمه الله: " وأما النصيحة للمسلمين: فان يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم. - أن يكون مخلصا فيها، يبتغي بها وجه الله، فلا يريد بها إظهار العلو والارتفاع على أخيه. - ان تكون تلك النصيحة خالية من الغش والخيانة، قال الشيخ ابن باز رحمه الله:" النصح هو الإخلاص في الشيء وعدم الغش والخيانة فيه. فالمسلم لعظم ولايته لأخيه ومحبته لأخيه: ينصح له ويوجهه إلى كل ما ينفعه، ويراه خالصا لا شائبة فيه ولا غش فيه. - أن تكون النصيحة بروح الاخوة والمودة، لا تعنيف فيها ولا تشديد، وقد قال الله تعالى: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) النحل/ 125. - أن تكون في السر، فلا يجهر بها أمام الناس إلا للمصلحة الراجحة. قال ابن رجب رحمه الله: " كان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سراً، حتّى قال بعضهم: مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ" انتهى من "جامع العلوم والحكم" (1/ 236). وقال ابن حزم رحمه الله: " إِذا نصحت فانصح سرا لَا جَهرا، وبتعريض لَا تَصْرِيح، إِلَّا أَن لَا يفهم المنصوح تعريضك، فَلَا بُد من التَّصْرِيح.... فَإِن تعديت هَذِه الْوُجُوه فَأَنت ظَالِم لَا نَاصح " انتهى من "الأخلاق والسير" (ص 45). - أن يختار الناصح أحسن العبارات، ويتلطف بالمنصوح، ويلين له القول. - أن يصبر الناصح على ما قد يلحقه من أذى بسبب نصحه. - كتمان السر، وستر المسلم، وعدم التعرض لعرضه، فالناصح رفيق شفيق محب للخير راغب في الستر. - أن يتحرى ويتثبت قبل النصيحة، ولا يأخذ بالظن، حتى لا يتهم أخاه بما ليس فيه. - أن يختار الوقت المناسب للنصيحة، واختيار الشخص المناسب للنصيحة، والمكان المناسب. فلنحرص جميعًا على ملازمة الأصدقاء مَن كان منهم مخلصًا صريحًا بعيدًا عن المجاملة يُهدي إلينا عيوبَنَا ولا يزيد فيها ولا ينقص، وليس له في ذلك غرض إلا النصح لله ومحبة الخير لإخوانه. اللهم ارزقنا صُحبةَ الصالحين من أهل النصح، وألهمنا رُشْدَنا، وبَصِّرنا بعيوبنا، وأشغلنا بإصلاح أنفسنا، ووفِّقنا لنُصح الآخرين من حولنا، وبارك اللهم فيمن يُهدي إلينا العيوب لنهذب النفوس لترقَى إلى رضوانك وجناتك يا رب العالمين. burashid282@hotmail.com
11466
| 14 نوفمبر 2019
الواقع الذي نعيشه اليوم للأسف الشديد انتشرت فيه الفتن، وراجت فيه سوق البِدَع، وكثر التخبُّط والحيرة، ولا ندري ما تحمله لنا الأزمان القادمة فلا يعلم بها إلا الله؟!! فقد انتشرت فتن الخلافات بين المسلمين وتنافرهم فيما بينهم؛ فتمكَّنت الفتن من تمزيق النسيج الإسلامي والعربي، وقطعت أواصر المحبة ولُحمة الدين، وتخاصَمَ وتناحَرَ أصحاب العقيدة الواحدة والنسيج الواحد، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! وغذَّتها فتن متتابعة من بعض وسائل الإعلام المضلِّل وفتن الإنترنت والفضاء المفتوح والانفتاح الكامل على العالم من حولنا في وسائل التواصل الاجتماعي ، كلٌّ يكتب ما يريد وينشر ما يريد، دون وازعٍ من ضمير يردعه إلا مَن رحم الله، يُحرِّض على الفُرقة ويُأجِّج الفتنةَ وينفخ في الرماد ليصبح نارًا ستحرق الجميعَ حتى مَن أوقدها نفسَه، نسأل اللهَ العفو والعافية. ويعدُّ انتشار البِدَع من الفتن التي نحتاج فيها إلى الاستعانة بالله تعالى، ونسأله الثبات على الدين القويم، وأن يُبصِّرنا بالحق المبين. فيجب على كل مسلم الحرص على سلامته وسلامة أسرته وأهله من الانسياق وراء الفتن أو البدع، فيقوم بدور الناصح الأمين لإخوانه من حوله، ويوضح لهم خطورة ذلك حتى يفطن الجميع إلى مواطن ضعفِ الأمة وتفرُّقِها؛ فيمكننا جميعًا القضاء على الفتن والبدع بتجاهلها وتمسُّكنا بثوابت عقيدتنا العظيمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والتحذير من الوقوع في الفتن والحث على الثبات من الأمور التي اهتمَّت بها الشريعة الإسلامية اهتمامًا بالغًا؛ فيوصينا الله تعالى بضرورة الاتباع والثبات على دينه والاستقامة على الحق، وعدم التفريط في ذلك، قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]. وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]. وجاءت السنة النبوية بأحاديث عديدة تحثُّ على التمسُّك بالسنة، ونبذ البِدَع فهي من الفتن، والحذر منها، وعدم الوقوع فيها؛ فعَنِ العِربَاضِ بن سَارِيَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" [رواه أبو داود وصححه الألباني]. وكذلك أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرورة الاستعاذة بالله من الفتن؛ فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأصحابه: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وحذَّرنا من السعي فيها؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ" [رواه البخاري ومسلم]. وسُبل النجاة من ظلمة الفتن وشرِّها تتلخص في: التزوُّد بالإيمان، والتسلُّح بالتقوى، وملازمة الاستقامة على الطاعة، والمسارعة إلى العمل الصالح، وبها يتذوَّق العبد حلاوةَ الإيمان ويكافئه الله بالثبات. ومنها: طلب الهداية إلى صراط الله المستقيم، والثبات، والاستقامة، وكثرة ذكره سبحانه؛ فعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه سلم: "يَا شَدَّادُ بْنَ أَوْسٍ، إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدِ اكْتَنَزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ" [صحَّحه الألباني]. ومن طرق النجاة التي تعصم من الوقوع في الفتن: الصبر على أمر الله وأقداره وابتلائه؛ فعن أبي ثَعلبة الخُشَني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرُ خَمْسِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَمْسِينَ مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ مِنَّا؟ قَالَ: "خَمْسُونَ مِنْكُمْ". [صححه الألباني]. وكذلك مِن سُبل النجاة الحرصُ على مصاحبة الصالحين من أهل الاستقامة، وترك مصاحبة أهل الأهواء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" [وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود]. فأوصيكم ونفسي بالثبات في زمن الفتن والمتغيرات، والتمسك بحبل الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونسأله تعالى النجاة من هذه الظلمات، وأن يُجنِّبَنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم إنّا نسألك الثبات في زمنٍ كثُرت فيه الفتن، وارفع اللهم الابتلاءات والنقم عن بلاد الإسلام والمسلمين... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
40785
| 07 نوفمبر 2019
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1428
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1233
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
972
| 16 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
744
| 17 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
738
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
627
| 21 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
609
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
579
| 18 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
567
| 17 مايو 2026
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...
564
| 17 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
537
| 19 مايو 2026
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...
534
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية