رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الدّين القويم ونعمة الأمن والأمان، ونعمة التواصي بالحق مع من نحبهم ويحبوننا في الله، من ولاة الأمر في هذا البلد الطيب، والذين يشاركوننا في أفراحنا وأحزاننا ومناسباتنا ونشاركهم كذلك في كل خير، وينصحوننا ويستمعون لنصائحنا التي تصب في خدمة مجتمعنا الطيب، ونتعامل معهم ويتعاملون معنا بدون تكلّف أو حواجز، وتربطنا بهم روابط الدّين والأخلاق وحب الخير والمصلحة العامة التي تخدم البلاد والعباد، وهذه نعمة عظيمة وفضل من الله سبحانه، ثم من تواضع ولاة أمرنا في بلدنا المعطاء، قال تعالى: «وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر». [سورة العصر]. ◄ أهمية الأمن في المجتمع: إن كلمة الأمن خفيفة على اللسان، عميقة في الوجدان، والأمن هو مطلب أساسي لا تستقيم الحياة بدونه، وضعه الله جنباً إلى جنب مع مطلب الغذاء، بل قدّمه عليه تارات لأهميته. والأمن هو غاية المنى التي يسعى كل أحد للاستظلال بظلاله ولا حياة مع الخوف الذي تتحول الدنيا فيه إلى غابة يفترس القوي فيها الضعيف، وتصبح الحياة ظلمات بعضها فوق بعض. إن الأمن الذي يمنّ الله به على الأمم لا يدوم مع جحود نعم الله ونكرانها، بل يبدلها الله به الخوف والجوع، وسوء الحياة، كما قال تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) [سورة النحل آية ١١٢]، ومن الأمم التي امتن الله عليها بالأمن ثم بدّلها به خوفا لكفرانها مشركو قريش، حيث قال الله مبيّنا حال أمنهم: ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). فلما أصروا على الكفر ومحاربة الله ورسوله، أبدل أمنهم خوفا، وغناهم فقرا، وشبعهم جوعا، وهو ما حكاه عنهم في آية سورة النحل السابقة. ◄ الأمن مسؤولية الجميع: وفي هذا الصدد نذكر الجميع، بأن الأمن مسؤوليتنا جميعاً في هذا المجتمع الآمن بفضل الله ثم جهد المخلصين، ويجب على الجميع المحافظة على الأمن والأمان العقدي للمجتمع، والتوازن مطلوب، لا إفراط ولا تفريط، سددوا وقاربوا، بحيث إنه ليس من مقومات الأمن وحفظ النعم الركض وراء أهواء الدنيا والانشغال بالماديات وترك النواحي المعنوية المهمة مثل المحافظة على الدين والعقيدة وهوية مجتمعنا الإسلامي وسلامته من البدع، والتي تؤثر سلباً بشكل مباشر وغير مباشر على كل أفراد المجتمع. ويجب علينا أيها الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأبناء والبنات أن نسهم جميعاً بالمشاركة في حفظ أمن الوطن ومساعدة الأجهزة الأمنية في كل ما يمس أمن مجتمعنا، ولأن الأمن هو سفينة النجاة التي تجعلنا نواصل مسيرة العطاء بكل راحة واطمئنان في خدمة ديننا الإسلامي السّمح ووطننا الغالي لخير البلاد والعباد. ◄ دعاء: اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير وتدلهم عليه، اللهم احفظ علينا أمننا وأماننا واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
3379
| 17 أكتوبر 2019
جاء الإسلام يحمل رسالة الخير والنفع للبشرية؛ فكانت توجيهاته نبراسًا لكل مسلم في حياته، فلم يترك هذا الدين أي جانب من جوانب حياة المسلم إلا واهتم به، ووضَّح طُرُقه وسُبُل نفعه للفرد والمجتمع. ومن عظيم التوجيهات التي حثنا عليها الإسلام هي الحرص على النفع والخير بشكل شامل؛ فجاء الكثير من الآيات القرآنية تحث المسلم على التزود بكل ما ينفعه في حياته وبعد مماته؛ فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [سورة البقرة: 197]، وقال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المزمل: 20]. وجاءت السنة النبوية بأحاديث كثيرة حثَّنا فيها رسولنا الكريم على الحرص على النافع للمسلم في دينه ودنياه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم]. ولا شك أن الحرص على النفع له محاور عديدة: - أولها النفع الذاتي، فالإنسان العاقل أول ما يحرص عليه في تحقيق النفع لذاته في دينه ثم دنياه؛ فيجب على المسلم أن يحرص على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله لأنهما سبيل النجاة له في الدنيا والآخرة فيحافظ على طاعة ربه واجتناب الهوى وطُرُق الشيطان. وكذلك في حياته الدنيا يحرص على تحقيق النفع لذاته سواء في دراسته أو وظيفته أو تجارته وهكذا في كل أموره. وحرص الإنسان على نفع نفسه أمر مهم لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الرؤى والاختلافات الفكرية والتخبط والحيرة التي أصابت حتى أهل الثبات والاستقامة. وكذلك ما تبثه وسائل الإعلام في شتى بقاع الأرض من محتوًى اختلط فيه الجيِّد بالرديء؛ فلا بدَّ أن يفطن المسلم لكل هذه المغريات والتغيرات التي حوله ويتمسَّك بعقيدته الصحيحة ويحرص على نفع نفسه والنجاة بها إلى برِّ الأمان دون الوقوع في الحيرة والضلال؛ فهذا هو الإنسان الناجح القوي الذي يحب الله كما جاء في الحديث. - ثم يأتي بعد ذلك النفع المتعدي للآخرين: فيجب أن يحرص الإنسان على نفع الآخرين مِن حوله خاصة أسرته وعائلته وأرحامه والحرص على نفع الأسرة كالوالدين والزوجة والأبناء والبنات والإخوة والأخوات، يكون بتقديم القدوة الصالحة النافعة لهم في ذاتك وشخصيتك أنت، فكلما كنتَ حريصًا على نفع نفسك وتزكيتها قَدَّمتَ نموذجَ نفعٍ لأسرتك. وهذا أمر مهم، أن تهتمَّ بصلاح نفسك ونفعها أولًا حتى يتعدَّى النفع لغيرك؛ لأنه كما تقول الحكمة: «فاقد الشيء لا يعطيه». وحرصك على نفعك أسرتَك أيضًا يكون بِحثِّهم وحملهم على فعل كل خير ينفعهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، ثم يتعدَّى النفع إلى محيط العائلة وذوي الأرحام، وحرصك على نفعهم يكون بتقديم يد العون لهم، ورعاية مصالحهم، وأن تدلَّهم على ما فيه منفعة لهم سواء في أمر دينهم وكذلك أمور دنياهم. والحرص على نفع أرحامك وإخوانك من الأمور التي حثَّنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضَّح لنا عظيم أجرها؛ فقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «... مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ...». وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «... وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ...». - ثم يأتي بعد ذلك حرصك على نفع مجتمعك بأن تبذل كل جهدك في تقديم نموذج ناجح لِمَن حولك، وتجدُّ وتجتهدُ في خدمة مجتمعك وتقديم كافة وسائل النفع التي تستطيع بها نفع المجتمع من حولك من خلال مشاركاتك النافعة في العمل الخيري الاجتماعي، ومن خلال وظيفتك ومركزك ومنصبك احرص دائمًا على نفع المجتمع والارتقاء به إلى أفضل المستويات. ويتعدَّى نفعك لمجتمعك الصغير إلى وطنك الكبير؛ فكل محبٍّ لوطنه يحرص على مصلحته والدفاع عن قضاياه، والوقوف إلى جانبه في وقت المِحَن والأزمات، والوفاء له في كل حين، والحرص على تشريف هذا الوطن في كل مكان يذهب إليه يُقدِّم مثالًا مشرفًا لوطنه في كل دول العالم. فهذا كله من الحرص على نفع وطنك وحب الخير له. ولا شك أن المسلم الناجح يكون له دور قوي في نفع أمته كذلك، فتمسكه بتعاليم دينه، والدفاع عن عقيدته، ونشر سماحة دينه في كل مكان تعود بالنفع على أمة الإسلام بشكل واضح لا سيما في ظل الهجوم المتكرر على الإسلام من آلة الإعلام الغربي. فينبغي على المسلم الحرص على نفع أمته بكل وسيلة يستطيع الوصول إليه بها. وفيما يتعلق بالمشاركات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لا بد أن تكون نافعة مؤثرة؛ لأن انتشارها سريع، فاحرص على نشر كل ما هو نافع ومفيد، وكذلك تشارك في كل أمر مهم أو حدث مجتمعي تطرح رأيك وتستمع لآراء الآخرين بشكل متحضر؛ فالإيجابية في مجتمعك من أبرز معالم حرصك على نفع مجتمعك ووطنك وأمتك. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل النفع والصلاح لنا ولمن حولنا يا رب العالمين. burashid282@hotmail.com
10482
| 10 أكتوبر 2019
من أجمل ما يتميَّز به الإنسان حبُّه للخير وسعيُه لتقديم المعروف لكل من يحتاج إليه؛ فالنفوس الصافية هي التي تحمل الخيرية وتسعى في تطبيقها في كل نواحي حياتهم. وصنائع المعروف من أجلِّ القُرُبات إلى مرضاة الله تعالى والفوز بمحبة الله ثم محبة الناس. والمعروف اسم شامل لكل وجوه الخير؛ فالمعروف في أبسط تعريفاته: اسم يُطلَق على كلِّ ما يُستحسَن من الأفعال، وما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه. والحرص على تقديم صنائع المعروف لمن حولك سبب مهمٌّ للنجاح والتوفيق؛ فكلٌّ منا في المجتمع له دور يمكنه من خلاله تقديم الكثير من صنائع المعروف لمن حوله، سواء في محيط العائلة، في بر الوالدين وصلة الأرحام، وزيارة مريضهم، وتقديم العون للمحتاج، وإغاثة الملهوف، وإصلاح ذات بينهم، والمسارعة إلى دعمهم في المواقف الصعبة. كل هذا من صنائع المعروف، وكذلك مع جيرانك يمكنك تقديم العون لهم، وحفظ حقوقهم، وإغاثتهم ونجدتهم في المكروه -لا قدَّر الله-. وكذلك في محيط دراستك أو عملك تُقدِّم المعروف لزملائك في كل موقف مهم يمرون به ودعمهم ومساندتهم في كل الصعاب والشدائد. ويعد تقديم المعروف للغير من أعلى درجات الترابط والتعاون فيما بيننا ويؤدي إلى لُحمة المجتمع، ودعم أواصر المحبة والمودة، وزرع الألفة والطمأنينة في النفوس. ولا شك أن كل خير تفعله تؤجَر عليه من الله، فيحفظك ويحفظ أولادك وأهلك وأسرتك من مصارع السوء. وهذا المعنى وضحه لنا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ: "صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ". [أخرجه الطبراني وصححه الألباني]. وهذا الفهم الرائع فطِنَتْ إليه أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، حين قالت لنبينا صلى الله عليه وسلم لمَّا نزل عليه الوحي أول مرة وأصابه الخوف والفزع قالت -رضي الله عنها-: "أبشِرْ فوَاللهِ لَا يُخزِيكَ اللهُ أبدًا، فوَاللهِ إنَّكَ لتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتُكسِبُ المَعدُومَ، وتُقرِي الضيفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ". [متَّفق عليه]. لقد فهِمَتْ -رضي الله عنها- أن الخيرية التي تحملها نفس النبي - صلى الله عليه وسلم- وصنائع المعروف التي يحرص عليها في كل وقتٍ سيكافئه الله عليها، ويُذهِب عنه الخوف والقلق، ويُبشِّره بما يسرُّه لأن الخير يقابله خير، وصُنْع المعروفِ يُجنِّب صاحبَه مصارع السوء. فلنحرص جميعًا على تقديم المعروف للجميع مَن نعرف ومن لا نعرف. ولا نستصغر المعروف أو فعل الخير مهما كان قليلًا أو بسيطًا. فعن أَبي ذَرٍّ قال: قَالَ لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طلْقٍ". [رواه مسلم]. مجرَّد ابتسامةٍ في وجه أخيك معروفٌ لا تتركه ولا تستصغره؛ لأن الأعمال توزن بالإخلاص والقبول ومدى تأثيرها في الشخص الذي قدمت إليه يد العون والمساعدة. اللهم اجعلنا من أهل الخير وصُنع المعروف وارزقنا اللهم الإخلاص في القول والعمل... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
8038
| 03 أكتوبر 2019
خلق الله الإنسان من عدمٍ، وشقَّ له السمع والبصر، وحباه بنِعَم كثيرة تساعده على ممارسة حياته على ظهر هذه الأرض. ومن النِّعَم المهمة التي منحها الله للإنسان نعمة اللسان والنطق والبيان، ميَّز الله بها الإنسان عن باقي المخلوقات على وجه الأرض. تخرج كلماته فيتواصل بها مع غيره، ويُعبِّر عما في داخله، وبالكلمة تتحقق كافة تعاملات البشر؛ لذلك كانت الكلمة لها خطورتها في حياة كل شخص، وأكبر الأدلة على خطورة الكلمة أن الإنسان يدخلُ الإسلامَ بكلمة، ويخرج منه بكلمة، ويبني بيتًا وأسرة بكلمة، ويهدم بناءً ويُفرِّق جَمعَ أسرة بكلمة، ويدخل الجنة بكلمة، ويسقط في النار بكلمة. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: ١٨]. وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ" [حديث حسن صحيح رواهُ مالك والترمذي]. لذلك وجب على كل مسلم أن يعي خطورةَ ما يقول خصوصًا في هذا الزمان الذي انتشرت فيه وسائل التواصل بشتَّى أشكالها، ويعتقد البعض عدم تأثيرها على الآخرين، ولكن للأسف لقد أصبح أثرها واضحًا ومنتشرًا انتشارًا واسعًا، فكل كلمة تكتبها في حق غيرك، أو فيديو تنشره على هذه المواقع تقصد به الإساءة لأي شخص كل ذلك يدخل في باب الغِيبَةِ، والتشهير بالآخرين، والاعتداء على خصوصيات الغير، وإلحاق الأذى النفسي له ولعائلته؛ فكل هذه الممارسات تُصاغ في كلماتٍ تهدم العلاقات بين الإنسان وأقرب الناس إليه؛ فالكلمة تدل على شخصية صاحبها، فهناك مَن يزن كلماته قبل خروجها، والبعضُ لسانُه لا يعرف ميزانًا ولا حسابًا، فالفضلاء حتى لو تعكَّر مزاجهم يضبطون أنفسَهم ويتحدثون بأدبٍ دون انفعال، لا يطلقون الألفاظ السيئة، ولا يُلقون التهمةَ الزائفةَ، ولا يقومون بأي تصرفٍ طائشٍ... هؤلاء نفسيًّا مؤهلون للتأقلم مع كل المواقف، ويضعون لأنفسهم ضوابطَ، ولكلماتهم ميزانًا حساسًا، فهؤلاء لديهم فرصة كبيرة ليكونوا ناجحين، ويفرضوا احترامهم على الجميع. والبعض يُطلِق لسانه على الآخرين في كل كبيرة وصغيرة، وإذا أغضبه شخص ظهرت حقيقة شخصيته، وأطلق لسانه بوابل من الألفاظ غير اللائقة، ويتسرَّع في الحكم على الآخرين وإلصاقِ التُّهَم الباطلة بالآخرين؛ لذلك أنصح كل إنسان: لا تخلِطْ مزاجكَ السيئ بكلمات سيئة؛ فيتحسَّن المزاج وتبقى الكلمات المؤلمة في قلوب أصحابها، وصدق قول الشاعر: جِراحَاتُ السِّنانِ لها الْتِئامٌ ولا يَلتَئم ما جَرحَ اللسانُ. نسأل الله تعالى أن يُوفِّقنا، ويُسدِّد ألسنتنا للكَلِم الطيب والعمل الصالح، ويعصمها من الزلل والسَّقط والآثام، ويختم لنا بخاتمة الخير والإحسان.. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
9460
| 26 سبتمبر 2019
ببالغ الحزن والأسَى تفارقنا والدة الجميع: هيا بنت عبد العزيز بن عبدالله بن راشد المحري المهندي، أرملة الوالد خميس بن شقر العرابيد الشهواني رحمه الله، ووالدة كل من محمد بن خميس بن شقر العرابيد الشهواني، وجمعة بن خميس بن شقر العرابيد الشهواني، وعلي بن خميس بن شقر العرابيد الشهواني، وحسن بن خميس بن شقر العرابيد الشهواني، وشقيقة والد الجميع الوالد علي بن عبدالعزيز بن عبدالله المحري المهندي. لقد تألَّمت قلوبنا لخبر وفاتها عليها رحمة الله تعالى، ولكن ولله الحمد رزقنا الله جميعاً الصبر والسلوان بفضله ومنّه وكرمه سبحانه والحمد لله على كل حال. فقد كانت الوالدة هيا بنت عبدالعزيز المحري المهندي (أم محمد) رحمها الله، مِثالًا للمسلمة التقية النقية التي تسعى في الخير دائمًا طلبًا لرضا ربها سبحانه، وفي مقدمة حُسن خُلُقها -عليها رحمة الله- بِرُّها الكبيرُ لوالدَيْها؛ فلقد أحسنا تربيتها على البر والتقوى وفضائل الأعمال، فنشأت تحمل الخير، وتطبق أوامر ربها، وتسارع في برهما والإحسان إليهما. فالأصول الطيبة كان لها أثر عظيم على الوالدة هيا -رحمها الله تعالى- كما قال الله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 34]. فقد كان بِرُّها بوالدَيْها سببًا -ولله الحمد- في توفيقها في حياتها لكل وجوه الخير، كان سببًا في رضا الله عليها سبحانه وتعالى، وكانت واصلةً لأرحامها بشكل مستمر، وبالتحديد لشقيقها الوحيد الوالد علي بن عبد العزيز المحري المهندي بعد وفاة أخواتها رحمة الله عليهن جميعاً؛ فقد توفاهن الله قبلها؛ فصبرت واحتسبت على فراقهن. والدها هو الوالد عبدالعزيز بن عبدالله بن راشد المحري المهندي (الإمام الزاهد) رحمه الله، وكانت قريبة جداً من والدي راشد بن علي المحري المهندي رحمه الله (الإمام والشاعر) (خالها)، وكذلك عمّي محمد بن علي بن راشد المحري المهندي رحمه الله (الأديب والشاعر صاحب التحميدة والأدعية) (خالها)، فتعلمت الوالدة هيا منهم الكثير من العلوم والمعرفة والثقافة في الحياة بشكل عام منذ صغر سنها. والوالدة هيا رحمها الله هي ابنة عمتي رقية بنت علي بن راشد المحري المهندي رحمها الله (امرأة معروفة بتقوى الله وحب الدعوة إلى الله والعلم والمعرفة وصلة الرحم)، فاستفادت منها الكثير أيضاً. وكذلك فَقَدَت إحدى بناتها بسبب المرض؛ فصبرت واحتسبت واسترجعت وقالت: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها). وقد عوَّضها الله سبحانه وتعالى وأخلف عليها بكل خير؛ فعوضها الله بالذرية الصالحة المباركة من الأبناء والبنات وبارك لها فيهم جميعاً، ورزقها الله البركة في الأحفاد والحفيدات، والجدير بالذكر بأنها الجدة الكبيرة حيث إن لديها حفيدات أصبحن جدات اللهم بارك في الجميع وهذا من البركة في الرزق والذرية. وكانت الزيارات للأرحام عند الوالدة هيا -رحمها الله- شبه يومية، حتى في وجود وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات، فكانت تفضل الزيارات للسؤال عن الحال. ومن فضائل الأعمال التي حرصت عليها الوالدة هيا رحمها الله تعالى، حرصها على حفظ أجزاء من القرآن ؛ فقد حفظت بعض الأجزاء والسور بالرغم من كِبَر سنها وضعف صحتها، فقد تخطت الثمانين عامًا وهي مجتهدة في حفظ كتاب الله تعالى. فقد كانت تأتيها مُحفِّظَة القرآن إلى بيتها، ومُحفِّظة القرآن في مدينة الخور سودانية الجنسية، اسمها أم عبد الماجد ويُلقِّبها البعض (بأم مصطفى) رحمها الله، كانت تأتيها وتُحفِّظها مثل الصديقة الحميمة لها، وكذلك قامت ابنتها (أم علي) بختم القرآن عن حاضر مع الوالدة هيا من خلال الترديد وراءها من بداية سورة البقرة إلى آخر سورة الناس. وقد ساهمت الوالدة هيا بنت عبدالعزيز في كثير من الأعمال الخيرية التي نسأل الله أن يكتب أجرها ويرفع قدرها يا رب العالمين؛ فقد بنت المساجد داخل قطر وخارجها، ومن هذه المساجد مسجدها الجامع والحافل بالمحاضرات والندوات وخطب الجمعة والذي يحمل اسم: مسجد هيا بنت عبدالعزيز المحري المهندي وله رقمه المعروف في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، ورقم المسجد هو (م س 1021)، والذي يقع شرق مدينة الخور بالقرب من مجلس بن شقر المعروف. وساهمت أم محمد رحمها الله، في صيانة الكثير من المساجد، وساهمت في بناء مدارس ودور الأيتام، وكذلك ساهمت في بناء وصيانة أكاديميات ومدارس تعليمية، وحفر الآبار وكفالة الأيتام والفقراء المحتاجين، وساهمت في رعاية مالية للحجاج والمعتمرين. ومن أعمالها المميزة: حرصها على أداء العمرة في ثواب موتاها وأداء الحج في ثواب موتاها. وكنت إذا تشرفت بأي زيارة للوالدة هيا بنت عبدالعزيز؛ أستمع لها بكل إنصات وانتباه لأن حديثها لا يخلو من ذكر الله سبحانه، والحكم وأبيات الشعر وبعض المعلومات المهمة، ثم تذكرنا بمآثر الآباء والأجداد رحمهم الله جميعاً. ولا شك أن كل هذه الأعمال الخيرية والطيبة التي حرصت عليها الوالدة هيا - رحمها الله- كان لها أثر واضح في حُسن الختام نسأل الله لها الرحمة والمغفرة؛ فقد عاشت عزيزة وغالية على الجميع وماتت وهي كذلك، وكان فراق الدنيا سهلًا عليها، لم ينزل بها النزع الشديد أثناء الوفاة كما ذكر أبناؤها لي حالها وقت الفراق، وقد ذكروا لي أيضا أن أصبعها السبابة كانت تشير إلى ذِكْر الشهادة، وكان ابنها محمد بن خميس يذكرها ويُلقِّنها الشهادة وكذلك إخوانه وأخواته، فتجاوبت معهم، على الرغم من حالتها الصحية الحرجة، وفارقت الدنيا. وكانت جنازتها من أسهل الجنازات التي شاهدتُها شخصياً، وكان الحضور كبيرًا من أهالي الخور للصلاة عليها والمناطق المجاورة ومن الدوحة من جميع فئات المجتمع القطري؛ فقد لاحظتُ سهولةَ تنقل الجنازة، وخفة حملها، والوقت الذي استغرق فيه الدفن. وفي النهاية... الوالدة هيا بنت عبدالعزيز المحري المهندي رحمها الله، مثال حقيقي وواقعي لمن أراد أن يتاجر مع ربه تجارةً لن تبور، وحياتها كانت رسالةً نافعةً لكل مَن كان حولها، وفي الحقيقة فإنه لايمكننا حصر مآثرها الكثيرة من خلال هذا الأسطر القليلة. اللهم اغفر للوالدة هيا بنت عبدالعزيز المحري المهندي وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نُزُلها، ووسِّع مُدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبَرَد، ونَقِّها من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، واحشرها اللهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وصَبِّر اللهم أهلها ومحبيها، وارزقها الفردوس الأعلى من الجنة، وارحم اللهم موتانا وموتى المسلمين، يا رب العالمين. burashid282@hotmail.com
5889
| 19 سبتمبر 2019
الأمانة من أعلى وأجلِّ الصفات التي يجب أن يتحلَّى بها كل مسلم لأنها خُلُق رفيع يُكسِب النفسَ إيمانًا قويًّا ومراقبةً دائمة للمولى سبحانه وتعالى، ويحتاج إليها الإنسان في شتى تعاملاته وأموره الحياتية، ومن أخصِّ المَواطن التي تحتاج إلى الأمانة في حياتنا العامة هي الاستشارة في أمر من الأمور المصيرية التي تؤثِّر بشكل كبير في حياة الشخص الذي يطلب المشورة من أخيه أو قريبه أو صديقه أو زميله، فلا بد من الأمانة في إعطاء المشورة للآخرين؛ وذلك مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي الهيثم بن التيهان: "هل لك خادم؟ فقال: لا. قال: "فإذا أتانا سبي فأتنا. فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهما. فقال: يا نبي الله! اختر لي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن المستشار مؤتمَن. خذ هذا فإني رأيته يصلي، واستوصِ به معروفًا". رواه الترمذي. فهذه العبارة القوية الجامعة (المستشار مؤتمَن) تُعدُّ من جوامع الكلم التي تدل على نبوته صلوات ربي وسلامه عليه. وفي إطار تفصيل معنى هذه العبارة لدينا عدة أسئلة نود طرحها والإجابة عليها: هل الاستشارة لها مواطن محددة كالاستشارة في الفتوى الدينية أو الاستشارة القانونية أو الطبية، أم أن الاستشارة لها معنى أكبر وأوسع من ذلك؟ وكيف تكون الاستشارة؟ ومن الذي نستشير؟ وهل للمستشار صفات يجب أن تتوافر فيه؟ وما الذي ينبغي على المستشار أن يراعيه في إعطاء المشورة للآخرين؟ كل هذه الأسئلة مهمة والإجابة عليها توضح لنا أهمية الأمانة في المشورة. أولا مواطن الاستشارة مفتوحة لا تقييد فيها، فكل أمر لا يمكنك أخذ قرار فيه وتحتاج إلى رأي ومشورة أهل الخبرة والتجربة يجب عليك الاستشارة فيه، فالاستشارة مفهومها واسع شامل. وتكون الاستشارة في الغالب في مهمات الأمور أي الأمور العظيمة التي يحتاج صاحبها إلى تفصيل وبيان. أما عن كيفيتها فتكون بطرح الأمر بشتى جوانبه وأبعاده على المستشار حتى يتبصَّر بالأمر كله ويعطيك المشورة المناسبة لحالتك. والشروط التي يجب توافرها في المستشار أن يكون عاقلًا كتومًا وذا تجربة ورأي سديد. كما جاء في الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَرْشِدُوا الْعَاقِلَ تَرْشُدُوا وَلَا تعْصوهُ فَتَنْدَمُوا". والواجب على من استُشير واستُنصِح أو سُئل رأيَه في أمرٍ أن يكون أمينًا ناصحًا لمن استشاره واستنصحه وسأله؛ فلا يجوز له أن يغشه أو أن يخونه أو أن يكتم عنه ما يجب توضيحه. وينبغي على المستشار أن يكون ناصحًا ودودًا كما قيل: إن النصح والمودة تدل على صدق الرأي وعمق التفكير ومحبة الخير. -وينبغي على المستشار ألا يكون صاحبَ هوًى أو غرض شخصي، وينبغي ويتعين عليه الجواب إذا كان من أهل التخصص وإلا فلا يعطي مشورته لأحد في أمر لا يتناسب مع مجاله؛ فإن إحجامه عن إعطاء المشورة أفضل من القول بلا علم. فالخلاصة: أن مَن استشارك وضع على عاتقك أمانةً فأدِّ واجبَ الأمانة له، وبرِّئ نفسك من تبعات تلك المسئولية. والجواب على الاستشارة يكون بإعطاء الرأي أو النصح أو التوجيه بما تفضَّل الله به عليكَ من علم أو خبرة أو تجربة أو معرفة أو دراية. ومن أمثلة الاستشارة المهمة المتكررة في الحياة العامة: إذا استشارك أحدهم برغبته في الزواج من امرأة أنت تعرف نشأتها وتربيتها وتعرف منها سوء أخلاقها وقلَّة ديانتها وغيرها من الصفات السيئة المذمومة غير المحمودة، فإذا أجبتَه بأنها طيبة خلوقة ونحو ذلك بما ليس فيها فقد غششتَه، وخنتَ الأمانة، وكتمتَ عنه ما ينبغي بيانه حتى لو كانت هذه المرأة أختَكَ أو بنتَكَ. وكذلك إذا استشارك أحد في خاطبٍ تقدَّم لابنته أنت تعرف خُلُقه ودينه وَجَب عليك البيان والتوضيح والأمانة في إجابتك على من طلب مشورتك، ولا يُكتفَى في الاستشارة بأن تردَّ على المستشير بالجواب المجمل فقط، بل لا بد من التفصيل والتوضيح؛ فالواجب على المستشار أن يُبين للمستشير التعليلَ والشرحَ لما أشار به، إن كان اختيارًا يبين سبب اختياره، وإن كان تركًا يبين علَّة الترك، وتوصيه بما هو خير وأكثر نفعًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله الصحابي فقال: يا رسول الله! اختر لي. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم: "خُذ هذا، فإني رأيته يصلي واستوصِ به معروفًا" فدلَّه على سبب الاختيار وعلة التفضيل ولم يقف عند ذلك فحسب بل أوصاه به. ومن الأمور المهمة التي ينبغي معرفتها عند الاستشارة هي احترام التخصص بمعنى أن نستشير كل صاحب مجال في مجاله؛ فمشورة الفتوى من أهل الدين، ومشورة العمل من أصحاب الأعمال، ومشورة الزواج من الأهل ومَن هم على دراية تامة بالأمر، ومشورة القانون من أهله، ومشورة الطب من أهل الطب... وهكذا في شتى المجالات يجب مشورة أهل الاختصاص. ويجب علينا أن نستشير صاحب الدين والتُّقَى والصلاح والاستقامة؛ لأن استشارة مَن ليس به خير ولا دين كثيرًا ما تعود على المستشير بالوبال والخسران. وقد ذكر البخاري رحمه الله: كان الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء أهل العلم. وفى الختام: أوصيكم ونفسي بالتحلي بأخلاق النبوة في كل أمور حياتنا وتحرِّي الأمانة في الاستشارة؛ وليتق اللهَ كلُّ مستشار فيما يُستشار فيه، وليعلم أنها أمانة لقوله صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمَن". أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من أهل الأمانة والرأي السديد والمشورة الصالحة الناصحة... اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
18712
| 05 سبتمبر 2019
تستعد الكثير من الأسر هذه الأيام لاستقبال العام الدراسي الجديد؛ فتسود البيوتَ حالةٌ من القلق والتوتر في التجهيزات اللازمة للأبناء وزيادة العبء المادي على أولياء الأمور في هذه الفترة من العام، وكذلك الخوف الذي ينتاب الآباء والأمهات على مستقبل الأولاد في المراحل الجديدة المقبلين عليها، هذه الأمور سِمات واضحة لتلك الفترة المهمة من كل عام، لكن هناك الكثير من الأمور ينبغي أن تكون في حيِّز الأهمية لاستقبال الدراسة أكثر من الاستعداد بتوفير المستلزمات المدرسية من ملابس وكتب ودفاتر وغير ذلك. وهذه الأمور المهمة هي محور مقال اليوم، وددت التذكير بها في بداية العام الدراسي الجديد عسى أن ينتفع بها الجميع بإذن الله تعالى. وصايا لاستقبال الدراسة أسوق إليكم بعض الوصايا المهمة لاستقبال عام دراسي جديد: •الوصية الأولى تخص أولياء الأمور: الآباء والأمهات أصحاب الجهد الكبير والبذل والتضحية الدائمة المستمرة من أجل فلذات الأكباد، أوصيكم في هذه المرحلة المهمة بالاستعانة الكاملة بالله تعالى على كل هذه الأمور المادية والمعنوية، والتخلص من مشاعر الخوف والقلق على مستقبل الأبناء الدراسي لأن المستقبل يقينًا لا يعلمه إلا الله وحدَه؛ فلا ينبغي إعطاء الأمور أكثر مما تستحق، وشغل الفكر بشيء في علم الله سبحانه. وكذلك أوصيكم بكثرة الدعاء للأبناء بالصلاح والتوفيق في الدنيا والآخرة، وبث روح التفاؤل والثقة في أبنائكم، وعدم التركيز على السلبيات في الأعوام الماضية، وعدم التصريح لهم بالإخفاقات السابقة. يكفى التلميح لهم بضرورة التعلُّم من أخطائهم السابقة، ووضعها في عين الاعتبار في العام الجديد حتى نتفادى تكرار التعثر. أوصيكم بالحديث مع الأبناء عن أهمية العلم والدراسة ودورها الكبير في مسيرة الحياة بشكل عام؛ فيجب عليهم بذل الجهد اللازم لتحقيق النجاح والتفوق لأجل مكانة اجتماعية مرموقة وعمل مهم وخدمي لهم ولمجتمعهم، وليكون لهم شأن كبير لرفعة دينهم ووطنهم وأمتهم بإذن الله تعالى. •الوصية الثانية لأبنائي الطلبة والطالبات: أوصيكم بتقبُّل نصح الوالدين، والاستماع لوصاياهم المستمرة، والتعلم من خبرتهم وتجاربهم في الحياة، والطاعة لهم والبر بهم لأن بر والديكم هو مفتاح النجاح والتفوق في حياتكم كلها. وفى مرحلة الدراسة يبذل كل من الأب والأم جهدًا كبيرًا من أجلكم، من التفكير والقلق والتدبير والتجهيز اللازم لكل ما تحتاجون إليه، مُضحِّين براحتهم، مُؤجِّلين لاحتياجاتهم من أجل توفير احتياجاتكم أولا قبل أي شيء؛ فيجب وضع هذه التضحية الكبيرة منهم في مقدمة المحفزات لبذل الجهد في التحصيل الدراسي حتى نحقق حلمهم بنجاحكم ونسعدهم بعد تعبهم من أجل راحتكم. يجب عليكم أبنائي الأعزاء الاهتمام بصحبة الصالحين الذين يُضيفون لكم مزيدًا من الحماس ومواصلة الجهد والدراسة الجادة. وعليكم بالصحبة الصالحة التي تحثكم على كل خير وتحرص على مصلحتكم بعيدًا عن العبث والإهمال في الدراسة شأن صحبة الأشرار. يجب عليكم أن يكون سلوككم في المدرسة أو الجامعة انعكاسًا واضحًا لتربية والديكم الطيبة وأن تكونوا مثالًا للقدوة الطيبة في محيط دراستكم، ومثالًا مُشرِّفًا للطلاب المتميزين خُلُقًا وعِلمًا. •الوصية الثالثة للمعلم والمعلمة: هؤلاء الجنود البواسل الذين يقفون على ثغرٍ مهمٍّ من ثغور الأمة؛ فتربية النشء دور مهم يبني الأجيال التي تقود الأمة وتنهض بالمجتمع في المستقبل القادم، فهذه الرسالة العظيمة للمعلم والمعلمة تجعلنا نُكِن لهم فائق الاحترام والتقدير على مراعاتهم ومتابعتهم لتربية أبنائنا وتعليمهم، فَهُم بمثابة الوالدين، فالأب والأم مكانهما المنزل، والمعلم والمعلمة مكانهما المدرسة والجامعة، فالمسئولية مشتركة بينهما. فأوصيكم أيها الأفاضل ببذل قُصارى جهدكم في تنشئة الطلبة والطالبات على كل ما هو نافع وخير سواء تعديل السلوك والتعليم وبناء الشخصية القوية الناجحة. نعلم أن المهمة كبيرة، ولكن كل من يبذل جهدًا في عمله سيجني خيرًا بإذن الله، ويرى ثمرة تعبه مع طلابه فيأجره الله على ذلك، وتحمل له الأجيال بعد ذلك كل تقدير وعرفان بالجميل. أوصيكم بالتواصل المستمر مع أولياء الأمور وشرح كل ما يخص الأبناء من تعثر أو مشكلة دراسية أو سلوك أخلاقي في المدرسة حتى يسهل حلها والسيطرة عليها بالمتابعة من كلا الطرفين في المنزل والمدرسة. أوصيكم بأن تكونوا خير قدوة لأبنائنا في جميع الأمور. فالواضح أن الطالب والطالبة يقضي معظم وقته في الدراسة؛ فيقتبس من معلمه كافة التصرفات الإيجابية وكذلك السلبية. نأمل منكم الخير ونتوسَّم فيكم الصلاح ونرجو منكم أن تكونوا عونًا لنا على تربية أبنائنا بعد الله، وتعليمهم ومواصلة مسيرة الدراسة بتفوق ونجاح. •تمنياتي لأبنائي وبناتي بعامٍ مُوفَّق ومُميَّز لهم يحمل كل خير وبركة تتحقق فيه أهدافهم وأحلامهم . وأسأل الله تعالى أن يُعِين الآباء والأمهات ويكتب أجرهم على دورهم الكبير في العام الدراسي. وندعو الله تعالى أن يجزي المعلمين والمعلمات خير الجزاء، ويوفقهم في رسالتهم العظيمة.. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
6377
| 29 أغسطس 2019
تمضي بِنَا الأيام سريعًا فينقضي العام تلو الآخر بسرعة تشبه الطيف، لا نكاد نشعر بالأيام أو الشهور، ونجد العام قد انتهى، ونحن في هذه الأيام يوشك عامنا أن ينقضي بكل ما فيه، ويُظِلُّنا عام جديد. ولا شك أن الأعوام هي عَدَّاد العمر ورأس مال المسلم الحقيقي في هذه الحياة الدنيا. فيجب أن نغتنم فرصة العمر؛ فقد خلق الله الليالي والأيام وجعل الحياة مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة فحياتنا محطات نتزود منها وسجلات وصحائف نضع فيها الأعمال؛ فلا بد من وقفة وجلسة محاسبة لكل منا في حصاد العام؛ ليرى كم جنى من طيب الثمار! وكم ضيع وفرط في الزرع حتى كانت ثماره قليلة وهزيلة!. فكم مضى من أعمارنا من أيام وأسابيع وشهور وفي كل لحظة نقوم فيها بعملٍ سيكون لنا أو علينا؛ يقول الله تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران الآية: 30]. ومع الأسف الشديد نجد بعض الناس يهتم في نهاية كل عام بمراجعة حساباته في الشركات والمشروعات وما تم تحقيقه من المكاسب المادية في هذا العام، وينسى تمامًا المحاسبة الأهم وهي محاسبة النفس، والحصاد الحقيقي وهو حصاد الأعمال التي تقربك إلى الله. فيجب على كل مسلم في نهاية العام أن يُكثِر من الثناء على الله، والحمد والشكر له سبحانه؛ أنْ مدَّ في أعمارنا ووفَّقنا لبلوغ مواسم الخيرات. "روي أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ، قالَ: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ". وينبغي الحرص على التوبة الصادقة النصوح في كل وقت وكل حين، وصدق الإقبال على الله، والطمع فيما عنده من الخير فيما هو قادم، والاعتبار والعظة بسرعة الأيام وانتهاء العام، فكأنه بدأ بالأمس، مرت أيامه كلمح البصر، والناس منشغلون في أعمالهم، وكل إنسان يختار مستقبله حسب عمله وأحلامه وطموحاته. فلا بد من التخطيط الجيد للآخرة قبل الدنيا حتى لا تخدعنا الأوقات قبل فوات الأوان؛ فقد قال رسولنا صلى الله وعليه وسلم: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ" [رواه البخاري]. الاعتبار والعظة بما يمر علينا من الآيات الكونية اليومية والشهرية والسنوية من الليل والنهار، والشمس والقمر، والصيف والشتاء والخسوف والكسوف. وعلينا الاعتبار والعظة بالوقائع التي وقعت في هذا العام من المواليد الذين يستقبلون الحياة الدنيا والوفيات الذين يغادرونها، وكذلك الاعتبار والعظة بتغير أحوال الناس ما بين الفتوَّة والهرم، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والعز والذل، والهزيمة والانتصار، والهداية والضلال، فكم من إنسان صحيح حاصرته الأسقام، وكم من إنسان عليل عافاه الله وتغيرت الأحوال، فكل هذه الأمور مهمة لكل مسلم في حصاد العام حتى نسعد في الدنيا والآخرة، وحتى لا نغفل عن الهدف الذي خلقنا الله من أجله وهو العبادة. اللهم آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا وأماننا، اللهم إنّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم أدم علينا النعم وعلى جميع المسلمين والمسلمات.. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
2123
| 22 أغسطس 2019
العيد في الإسلام له حكم عظيمة وأسرار بديعة، لا تعرفها سائر الأمم في شتى أعيادها. ◄ العيد مكافأة للطاعات: فهو في قيمته الدينية شكر لله على تمام العبادة بالقلب إذعانا وفرحا وخضوعا، وباللسان تهليلا وتكبيرا وذكرا، وبالجوارح طاعة وعبادة. وقد قرن الله الأعياد بتمام العبادات وتكفير السيئات، فيأتي عيد الفطر فرحة وبهجة وجائزة بتمام عبادة عظيمة وبعد أداء ركن من أركان الإسلام وهو صوم رمضان، ويأتي عيد الأضحى وهو يصاحب الحاج مع ركن عظيم من أركان الإسلام وهو الحج، وبتمام الحج ورجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولغير الحاج هناك من صام عرفة فكفر له سنتين. ◄ العيد قيمة إنسانية: وفي قيمته الإنسانية التقاء قوة الغني وضعف الفقير محبة ورحمة وعدالة بالصدقة والتوسعة والإحسان، فيتواضع الغني ويطرح الفقير همومه، ونتذكر أهلنا المسلمين في كل مكان، فيدعو المسلم لأخيه، وكذلك رسالة إنسانية للعالم أجمع بسماحة هذا الدين العظيم، فتكون خير رسالة إيجابية للعالم أجمع. ◄ العيد قيمة اجتماعية: وفي قيمته النفسية فصل بين التقييد والخضوع وبين الانفتاح واللهو المباح فيعلم الناس أن في ديننا فسحة. وفي قيمته الاجتماعية هو يوم الأطفال فرحا ومرحا وبهجة ويوم الفقراء يسرا وسعة ويوم الأرحام برا وصلة ويوم المسلمين تسامحا وتصافيا. ◄ العيد رحمة على الجميع: المجتمع الواعي هو الذي يستصحب هذه القيم فيظهر رحمته ويحفظ حقوق إخوانه في كل بقاع الأرض دون النظر للحدود الجغرافية أو العرقية أو السياسية فيتداعى بالسهر والحمى للعضو المشتكي فيواسيه بماله ومشاعره ودعائه. ◄ العيد فرحة: ليس معنى العيد حدودا زمانية وأياما نقضيها، بل هو بهذه المعاني والقيم والأعمال والحكم فلنفرح فيه بفضل الله ورحمته ولا نجدد فيه الأحزان ولا ننبش الأحداث فنذرف الدموع ونتجاوز الحدود ونضيع المقصود، وهي أيام أكل وشرب وبهجة وذكر لله عز وجل، قال تعالى: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ». ◄ العيد مؤتمر عظيم: العيد مؤتمر عظيم في كل مكان، وفيه فرصة عظيمة للتصالح ونبذ الخلافات والفرقة، وفرصة للتعاون على البر والتقوى، قال تعالى: «وتعاونوا على البرّ والتقوى». ● تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال. burashid282@hotmail.com
4541
| 08 أغسطس 2019
واقتربت خير أيام الدنيا، العشرُ المباركاتُ، فيها خزائن الرحمات ومضاعفات الدرجات، إنها العشر الأوائل من ذي الحجة، هذه العشر العظيمة الفضل التي أقسم الله تعالى بها في كتابه العزيز، والقَسَم بالشيء دليل على أهميته وعِظَم نفعه، قال تعالى: { وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]. فقد فسَّرها أكثر المفسرين بأن المقصود بها عشر ذي الحجة، وهذه العشر التي خصها الله تعالى بمحبة العمل الصالح فيها على سائر أيام العام؛ فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ"-أي عشر ذي الحجة- قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: "وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ" [أخرجه البخاري2/ 20]. فهذه العشر من مواسم الخير ونفحات وهبات الخالق سبحانه التي ينبغي على المسلم أن يتعرَّض فيها لنفحات رحمة الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا" [رواه الطبراني]. ومن أهم ما تختص به الأيام العشر أنها يقع فيها يوم عرفة، وهو يوم عظيم، وصيامُه يُكفِّر آثام سنتَيْن. وفي العشر أيضًا يوم النحر الذي هو أعظم أيام السَّنة على الإطلاق وهو يوم الحجِّ الأكبر الذي يجتمع فيه من الطاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره، مثل الهدي والأضحية وكثرة ذِكر الله. فيجب على كل مسلم في هذه الأيام المباركة الإكثار من العمل الصالح كصيام تسع من ذي الحجة؛ وكذلك الحرص على كثرة القيام، وقراءة القرآن، والصدقة، وصلة الأرحام، وكثرة ذكر الله، وكافة وجوه الخير، وفضائل الأعمال. ومما ينبغي التأكيد عليه في هذه العشر: التوبةُ النصوح إلى الله تعالى، والإقلاعُ عن المعاصي وجميع الذنوب ولا سيما أن هذه العشر مع فضلها العظيم تقع في الأشهر الحرم التي تَعظُم فيها المعاصي. فيجب العزم على الرجوع إلى الله تعالى، وترك كل ما يكرهه الله في السر والعلن، والندم على ما فات من التفريط والتقصير، والعزم على الاستقامة على الحقِّ والخير وفعل ما يحبُّه الله تعالى. فأوصيكم ونفسي باغتنام هذه العشر المباركة باستغلال الوقت في هذه الأيام العظيمة، فما من شيء يعوضها، ولا تُقدَّر بقيمة، فالمبادرةَ المبادرةَ بالعمل الصالح والإقبال على الخالق سبحانه. نسأل الله تبارك وتعالى أن يُعيننا على طاعته وحُسن عبادته والفوز بمرضاته في كل وقت وحين، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
5722
| 01 أغسطس 2019
التفاؤل من الصفات الراقية التي يتمتع بها الإنسان. ويتسم بالتفاؤل الأشخاص أصحاب الإيمانيات العالية والثقة واليقين الدائم في الله، فهم مطمئنون متفائلون طوال الوقت، تجدهم على ثقة بأن عطاءات الله القادمة أفضل بكثير مما مضى من التعثر والإخفاق. والتفاؤل معناه المَيل والنظر إلى الجانب الأفضل المُشرِق من الحياة، وتوقُّع أفضل النتائج في أصعب الأحوال، والتفاؤل يعدُّ كذلك وجهةَ نظرٍ في الحياة، والتي يتمتع بها الإنسان صاحب الشخصية الإيجابية؛ لذلك يُطلَق عليه (إنسان متفائل). والتفاؤل من أخلاق الإسلام التي حثَّتنا عليها الشريعة الغرَّاء؛ فيقول ربنا عز وجل في كتابه العزيز: { وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]. وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على التفاؤل في أحاديث كثيرة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ، قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ)، وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى: (لَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ)، وَفِي رِوَايَةٍ: (وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ). رواه البخاري ومسلم. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان متفائلًا في أحلك الأوقات وأضيق الظروف؛ لإيمانه العميق بربه، يثق دائمًا بالنجاح فيَطرُد عنه التشاؤم واليأس. ومن أجمل الآثار التي نرددها دائمًا: "تفاءلوا بالخير تجدوه"، ما أروعها من عبارة موجزة عميقة المعنى عظيمة الفائدة!. فالإنسان المتفائل بالخير سيحصد الخير في نهاية الطريق؛ لأن التفاؤل يدفع بالإنسان نحو العطاء والتقدُّم والعمل والنجاح؛ لأنه شعور نفسي عميق واعٍ، يوظف الأشياء الجميلة في أنفسنا ومن حولنا توظيفًا إيجابيًّا. فيجب على كل مسلم عدم الركون إلى اليأس والتشاؤم والإحباط لأنها مشاعر ضارة مهلكة لأصحابها، تبعث الحزن في النفس، وهذا من عمل الشيطان؛ ليُضعِف عزيمةَ المسلم، ويَقضي على أحلامه وطموحاته، ويدخل في ظلمات التخبط والانهيار. فيقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: "لا يجوز للإنسان أن يتشاءم لا بالأيام ولا بالشهور ولا بالأماكن ولا بالأشخاص، والذي ينبغي للمؤمن أن يكون متفائلًا دائمًا حتى يبقى مسرورًا منشرح الصدر، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعجبه الفأل وينهى عن التطير". وفي الختام، لا تسمحوا لليأس والتشاؤم بالتسلل إلى قلوبكم، لا بد من تقوية عزيمتكم وتفاؤلكم دائمًا بأن القادم من مستقبلكم -بإذن الله- أجمل وسيكون مُرضِيًا لكم ولذويكم، فعليكم بالنهوض والتفاؤل ومواصلة المسير في حياتكم بجِدٍّ واجتهادٍ وعزيمة وإرادة، فيمكنكم تحقيق النجاح في أي مكان طالما تعملون بروح متفائلة تُحب الحياة تربطها بالآخرة من الأجر والثواب والحسنات، وتثق بكل خير من خالقها سبحانه. أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من المتفائلين وفي دروب الخير سائرين مطمئنين، وأن يرزقنا من فضله الخير في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم آمين.
17484
| 25 يوليو 2019
تزامناً مع انقضاء العام الدراسي ومرحلة الاختبارات النهائية من كل عام يستقبل شبابُنا وبناتُنا الإجازةَ الصيفية بكل شوق وحماس، ولكلٍّ منهم خُططه في كيفية الاستمتاع بالإجازة، وتختلف توجهات شبابنا لقضاء الإجازة بشكل كبير، فهم ما بين معتدلٍ متزنٍ مستقيمٍ، وما بين مستهتر وعشوائي بشكل كبير، ولا شك أن أوقات الإجازات والعطلات فرصة كبيرة للشباب والبنات للترويح عن النفس وصفاء الذهن بعد عام دراسي طويل؛ فحقهم الاستمتاع بها حتى يمكنهم شحن طاقتهم للعام الجديد، لكن يجب على الشباب في التخطيط لقضاء الإجازة التركيزُ على النشاطات ذات الفائدة والمنفعة لهم ولذويهم وللمجتمع من حولهم، فالأنشِطة الهادفة لها تأثير إيجابي على الشباب تُعوِّدهم على الاستقلالية وبناء الشخصيَّة، وتعْزيز الثِّقَة بالنَّفس، واكتِساب الخبرات، ونضوج الأفكار والقدرات، وتنمية الهوايات والمَلَكات واكتِساب المهارات الفكرية والحرفية والاجتماعية، وتفريغ الطاقات ورفع المعنويات، والتخلُّص من الضغوط النفسية المكبوتة طوال العام.. وبالطبع مرحلة الشباب تتميز بالطاقات الهائلة التي يجب تصريفها فيما ينفع ويفيد أصحابَها، وبالإمكان تحقيق ذلك إذا اهتمَّ شبابنا بنشْر ثقافة الوعْي بأهمية استثمار العطلة الصيفية قبل بَدئِها فيما بينهم، والمجتمع كله مسؤول عن توعية الشباب بدءاً من الأسرة، ثم الوالدين، ثم الأبناء بأهمية الإجازة بالنسبة لهم وحَثهم على استغلالها والاستمتاع بها. وهنا أودُّ التركيز على أمر مهم يخص بعض الآباء والأمهات من فرط خوفهم وحرصهم على أولادهم وبناتهم يحرمونهم من قضاء الإجازات على طريقتهم، وهذا بلا شك خطأ كبير؛ فالحرمان من الاستِمْتاع بالإجازة هو عقاب نفسي قاسٍ لشبابنا وبناتنا بعد عام دراسي مُرْهِق نفسيًّا ومُنْهِك جسديًّا، في وقت كان من المفْتَرَض فيه أن تكون عطلة الصيف التي انتظروها بشوقٍ ولهفةٍ وحماسٍ هي المكافأة لهم على تعبهم طوال العام، فإن لم يستمتعوا بها فلن يمكنهم استعادة نشاطِهم وحيويَّتهم عند عودتهم للدراسة خلال العام الدراسي الجديد، لأن الوالدين حرموهم من أبسط حقوقِهم، وهو حقُّ الترويح المُباح والاستمتاع بالعطلة الصيفية، وقد حثنا ربنا على الاستمتاع بالحياة والترويح عن النفس فقال تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} "القصص: 77". فينبغي على رب الأسرة ترتيب خطة لقضاء الإجازة بالتنسيق مع الأم والأبناء، نشارك أبناءنا اهتماماتهم وهواياتهم ويضع الأب الضوابط التي يلتزم بها الجميع سواء عدم الإسراف في السهر خارج المنزل وكذلك الانتباه إلى ما يشاهده الأبناء والبنات في أوقات الفراغ الطويلة في الإجازة وتوعيتهم لخطورة ما يشاهدون ويتابعون من خلال قنوات التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيجب على الآباء والأمهات تنظيم الإجازة لأولادهم ومتابعتهم بشكل ودي دون إلزام أو مراقبة حتى لا يشعر الأولاد بالضيق والملل من كثرة الأوامر والنواهي. فنوصي شبابنا الذين يقضون الإجازة داخل البلد أو في السياحة الخارجية أن يجتنبوا كل ما حرَّم الله تعالى؛ فعليه بتقوى الله في السر والعلن، فلا ينجرف إلى المعاصي واللهو بحجة الترويح عن النفس وقضاء الإجازة، فراحة النفس في طاعة الله وبهجتها في اتباع صراط الله، فأوصيكم أبنائي الشباب بالاعتدال والوسطية في كل أموركم ولا سيما في الخارج، نريد منكم أن تكونوا سفراءَ مميزين لِدِينكم، ونريد منكم تمثيلاً مشرفاً لوطنكم، وأن تكونوا انعكاساً طيبا لتربية والديكم. وفي الختام نود التنبيه على دور الدولة ومؤسسات المجتمع في التخطيط لإجازة صيفية مفيدة وهادفة للشباب، فدور الدَّولة هو الاهتمام بفئة الشباب وإمكانية استغلال طاقتهم في عمل نافع لهم ولأسرهم وللمجتمع من حولهم، فيجب دعم المؤسَّسات والمراكز الصيفية ماديًّا ومعنويًّا بشكل كبير في الإجازة الصيفية فمِثْل هذه المراكِز تُخرِّج لنا أجيالاً مسؤولة واعية مثقفة تخدم الوطَن، وتبْني مستقبلَه، وكذلك تنشر الوعي وتحمي شبابنا من الأفكار الضالَّة والمتطرِّفة الهدامة لكل إنجاز وتبعدهم عن الانْحِرافات المؤْذِية لهم ولأُسَرِهم وأوطانِهم؛ فيجب على المسؤولين والمُشْرفين على المراكز الصيفية التخطيط السليم، والإعداد الجيِّد والمدروس، بالتعاون مع الشباب أنفُسِهم؛ لتوفير النَّشاطات المختلِفة والمتنوِّعة التي تلبِّي كافَّة احتياجاتِهم، على اختلاف أذواقهم وأعمارهم، واهتماماتهم وطريقة تفكيرهم؛ كي تكون هذه المراكز أماكنَ جذبٍ لكل فئات الشباب من الجنسين بشكل يتماشى مع تعاليم ديننا السمحة وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة، بحيث تحتويهم هذه الجهات وتلبي تطلعاتهم، وتنمي مواهبهم وأفكارهم حتى يمكننا مهاجمة الفراغ، واستغلال الوقت في الأنشطة الهادفة، فكل الدراسات الحديثة تُثْبِت وجود علاقة ارْتِباط قوية بين فراغ الشباب والانحراف والفشل بكل أنواعه، فالفراغ مفسدة كما تعلمون وكما قال أبو العتاهية: إِنَّ الفَرَاغَ وَالشَّبَابَ وَالجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَة. أتمنَّى لأبنائي وبناتي قضاءَ إجازة سعيدة مفيدة لهم ولذويهم ولمجتمعهم من حولهم. ونسأل الله تعالى أن يحفظ شبابنا وبناتنا من كل مكروه وسوء، وأن يجعلهم من الصالحين المصلحين النافعين لدينهم ووطنهم وأمتهم يارب العالمين، اللهم آمين. burashid282@hotmail.com
3185
| 18 يوليو 2019
مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...
2829
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...
927
| 17 مارس 2026
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...
831
| 17 مارس 2026
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة...
723
| 17 مارس 2026
رغم إعلان دولة قطر نأيها بنفسها منذ بداية...
708
| 19 مارس 2026
مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...
702
| 19 مارس 2026
لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا...
660
| 18 مارس 2026
من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...
609
| 22 مارس 2026
قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية...
561
| 18 مارس 2026
في إطار المشاورات المستمرة بين القادة في المنطقة...
555
| 20 مارس 2026
وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج...
483
| 18 مارس 2026
مساحة إعلانية