رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مصير الذي ينجح بالغش

في البداية نبارك لجميع الطلاب والطالبات الذين نجحوا وتفوقوا، ونسأل الله أن ينفع بهم البلاد والعباد. ونود أن نتحدث اليوم عن بعض الشباب والفتيات الذين ينجحون بسبب الغش؛ وماهي أبعاد الغش على الحاضر والمستقبل؟ وماهي الأضرار المترتبة على الفرد والمجتمع؟ وماهي عواقبها في الدنيا والآخرة؟ وكيف نساعد البعض في التخلص من هذه الآفة؟ يعدُّ الغش بشتَّى أنواعه آفةً من الآفات الخطيرة المدمرة للفرد والمجتمع على حد سواء، والغش في أبسط تعريفاته نوع من التدليس والخديعة والتزييف لحقيقة الشيء، وهو يدل على الطمع والجشع وأخذ ما لا يحق للإنسان بطرقٍ متعددة ملتوية، وهي أساليب الغش. والشخص الغشَّاش يتسم بالطَّمع فلا ينظر إلا للأطماع والمكاسب التي يمكنه أن يحصل عليها دون أن يلتفت إلى ضحايا هذا السلوك السيئ، ألا وهو الغشُّ، ولا يهتم الشخص الغشاش بالنتائج السلبية التي تنتشر في المجتمع من حوله جرَّاء هذا التصرف السلبي. وتتعدَّد مجالات الغش كغش البيوع والمعاملات، والغش في العمل، والغش في الزواج، والغش في الاختبارات، وكل أنواع الغش محرَّمة في الإسلام حرمة شديدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من غشَّ فليس مني)) رواه مسلم. وفي رواية أخرى للحديث عند مسلم: ((من غشنا فليس منا)). وهذا لفظ عام، يعمُّ الغشَّ في البيوع والمعاملات، وفي النصيحة والمشورة، وفي العلم والاختبارات بجميع المواد الدينية والدنيوية. والغِشّ في الاختبارات هو محور تركيزنا في مقال اليوم لأهميته القصوى، فهذا الغشُّ من أخطر أنواع الغش؛ لذا كثرت فيه فتاوى أهل العلم، وهو مُحرَّم بالإجماع من قِبَل العلماء؛ فهناك بعض الطلاب للأسف الشديد يتساهل في الغش بالاختبار، فيجتاز المرحلة الدراسية تلو الأخرى، فينجح بالغش، ويحصل على شهادة بالغش، ثم وظيفة بالغش، ثم راتب يتزوج منه ويعول به أسرته، وإذا نظرت إلى الأصل وجدتَه بُني على غش وتدليس وزيف. ولا شك أن ما بُني على باطل فهو باطل، فيكون ذلك الشخص قد أخذ مالًا ليس من حقه، فكَسْبُه حرام، وينفق على زوجته وأولاده من مال حصل عليه بالغش، فهذا الغش سيكون وبالًا على صاحبه في الدنيا وخسرانًا وندامةً يوم القيامة، وسوف تُقام عليك الحجة يوم القيامة، فيسألك أهلك وأبناؤك لِمَ أطعمتنا وكسوتنا من حرام؟! نسأل الله العفو والمعافاة من كسب الحرام وسوء الختام. لذلك نقول ونكرر: إن غِشَّ الطلاب في الاختبارات كارثة دينية ودنيوية لأنه يتسبب في حصولهم على شهادات لا يستحقّون الحصول عليها، وشغلهم لمناصب هم ليسوا أهلًا لها، فلا يجوز للطالب ولا للمدرس فعل هذا العمل المُشين ولا التساهل فيه، ولا التغاضي عنه؛ لحرمته في الدين، ولما يترتب على الغش من المفاسد والأضرار والعواقب الوخيمة في المجتمع بكافة مؤسساته؛ لذلك أوجه لكم بعض الرسائل المهمة في هذا الموضوع: •رسالتي الأولى لكل أب وأم: يجب تربية أبنائكم على الجد والاجتهاد والمثابرة للحصول على ما يريدون، وتربيتهم أيضًا على حرمة الغش ومخاطره، وأنه لا يوصل الشخص إلى بغيته أبدًا، وإن وصل؛ لأن النجاح الحقيقي يأتي بعد تعب وجهد وسهر، فحينها يشعر الإنسان بنجاحه ووصوله لهدفه. ◄ الرسالة الثانية إلى المعلم والمعلمة: أنتما في موضع أمانة ومسئولية، فالمناصب التعليمية من أثقل الأمانات لأنها تُخرِج لنا أصحاب المناصب والوظائف كلها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أُسنِد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)). فيجب عليكم تشجيع المُجِدّ المجتهد، وعدم السماح للمُخفِق المستهتر بالنجاح عن طريق الغش؛ فيستوي بذلك مع مَن تعب وسهر؛ فحينها تضيع الأمانة، وتندثر القيم؛ فيشعر المجتهد أنه ضيَّع وقته سدَى فيقول في نفسه: نجح زميلي فلان بدرجات عالية مثلي بالغش. وربما أراد تقليده، ونرى الغش أصبح ظاهرةً بسبب تساهُل بعض المعلمين وعدم محاصرتهم لهذا السلوك للقضاء عليه تمامًا. ◄ رسالتي الثالثة والأهم: لأبنائي وبناتي الطلبة والطالبات، عليكم أحبتي بالصبر على طلب العلم وتحصيله، فهذا هو أساس النجاح والفلاح، فلا بد من الجد والاجتهاد حتى تصلوا إلى أهدافكم وأنتم فرحون بما أنجزتم في مشواركم الدراسي، ويجب عليكم معرفة حرمة الغش ومخاطره عليكم وعلى المجتمع من حولكم، ومن ابتُليَ منكم بالغش في السابق فيجب عليه التوبة إلى الله والعزم على عدم العودة إلى هذا الفعل مرة أخرى، ومعاهدة الله تعالى على بذل الجهد في الدراسة حتى يمكنكم النجاح بفخر واعتزاز. ◄ طرق نافعة لعلاج الغش: - تضرُّع الإنسان لله عزَّ وجلَّ، وإخلاصُ العمل له، وسؤاله بأن يكفيَه بالحلال عن الحرام. - الأمرُ بالمعروف عن طريق الموعظة الحسنة. - النهي عن المُنكر. - تربية الأبناء تربية إسلاميَّة سليمة، مع الالتزام بأحكام الشريعة وآدابها. - الثقة بالله عزَّ وجلَّ واستشعار مراقبته. - تحصيل الرزق بالطُّرق المباحة، والصَّبر على ذلك. - رضا الإنسان وقناعته بما رزقه الله به. - جلوس الإنسان مع الرفقة الصالحة. - وضع عقاب رادع للغش. ◄ دعاء : اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا أجمعين، وجَنِّبهم الغش، واجعلهم من المتفوقين الناجحين بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين، وارزقهم الإخلاص والقبول، وافتح عليهم فتوح العارفين، وجنبهم الغش، واحفظهم من رفقاء السوء،ونَوِّر عقولهم يا رب العالمين وانفع بهم دينهم ووطنهم وأمتهم والإنسانية جمعاء.. اللهم آمين.

17582

| 04 يوليو 2019

فضل الصحابة على الأمة

خيرُ القرون وصُنَّاع دولة الإسلام، رُفقاء الشدائد والصعاب مع خير الخلق وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. إنهم الصحابة الكرام، أهل التصديق بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النصرة والجهاد، وأهل البيعة والمساندة. لقد اختارهم ربهم بعناية إلهية بالغة؛ ليحملوا هذا الشرف العظيم صحبة خاتم الأنبياء والمرسلين، اختارهم ليضع في زمنهم بذرة هذا الدين العظيم، واختارهم لحمل راية الإسلام وتأسيس قواعده وإرساء أركانه. فقد ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: "إنَّ الله اختارَ أصحابي على العالمين، سوى النبيِّين والمرسلين، واختار لي مِن أصحابي أربعةً: أبا بكر، وعمرَ وعثمانَ وعليًّا رضي الله عنهم فجعلهم أصحابي))، وقال: ((في أصحابي كلِّهم خيرٌ، واختار أمِّتي على الأمم، واختار مِن أُمَّتي أربعة قرون: القَرنَ الأوَّل والثاني، والثالث والرابع)) رواه البزار. فقد أعلى الله شأنهم وذكرهم في كتابه العزيزِ في مواضع كثيرة مثنيًا عليهم، ومبيِّنًا فضلَهم؛ فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 29]. وكان للصحابة مكانة عظيمة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اللهَ اللَّهَ في أصحابي، لا تَتَّخذوهم غرَضًا بعْدي، فمَن أحبَّهم فبحُبِّي أحبهم، ومَن أبغضهم فببُغْضي أبغضهم، ومَن آذاهم فقدْ آذاني، ومَن آذاني فقدْ آذَى الله -عزَّ وجلَّ- ومَن آذى الله يُوشِكُ أنْ يأخذَه)) رواه الإمام أحمد في مسنده. وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفْسي بيده، لو أنَّ أحدَكم أنفق مِثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه)) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. كل هذه الأدلة من الكتاب والسنة وغيرها الكثير جعلت للصحابة مكانة عظيمة وكبيرة في نفوس المسلمين الأوائل ما جعل أئمة الإسلام الكبار يُقرُّون بالإجماع على عدالة الصحابة وحرمة سَبِّهم أو الطعن فيهم لأنهم تحملوا ما لا يتحمله بشر في سبيل نصرة الإسلام والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموالهم وأنفسهم. بذلوا الأموال والأرواح وفلذات الأكباد، وتركوا ديارهم وعاشوا خارج موطنهم نصرةً للإسلام وحبًّا لرسوله الكريم. فلا يَنتقص فضلَ الصحابة ومكانتَهم إلا مَن أعمى اللهُ بصيرتَه أو هو من أهل الزيغ والضلال المبين، والشرود عن الصِّراط المستقيم، أو هوكما قال الإمام الكبير أبو زُرعة الرازي حيث يقول: "إذا رأيتَ الرجلَ ينتقص أحدًا مِن أصحاب رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاعلمْ أنَّه زِنديقٌ؛ وذلك أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم عندنا حقٌّ، والقرآنَ حقٌّ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآنَ والسُّننَ أصحابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّما يُريدون أن يَجْرَحوا شهودَنا ليُبطلوا الكتابَ والسُّنة، والجَرْحُ بهم أوْلَى، وهم زَنادقة". فيجب على المسلم أن يذكرهم دائمًا بالخير، وأن يترضَّى عنهم، ويدعوَ لهم بالنعيم المقيم وفاءً لهم وإقرارًا بفضلهم على من جاء بعدهم، ويُحسِن الظن بهم في كل الأحداث التي رويت عنهم. وما أروعَ قولِ عَبد اللَّهِ بنِ مسْعودٍ حينما قال: "إنَّ الله نظَر في قلوبِ العباد، فوجَد قلب محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم خيرَ قُلوب العباد فاصطفاه لنفْسِه، فابتعثَه برِسالته، ثم نظَر في قلوب العباد بعدَ قلبِ محمَّد، فوجَد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وُزراءَ نبيِّه يقاتلون على دِينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسَن، وما رَأَوا سيِّئًا فهو عندَ الله سيِّئ". فيجب علينا نحن الآباء والأمهات أن نُعرِّف أبناءنا وبناتنا بهذا الجيل العظيم، ونحثهم على حب الصحابة والاقتداء بهم، والدفاع عنهم في كل زمان ومكان. فقد كان السلف الصالح يُعلِّمون أبناءهم حب الصحابة رضوان الله عليهم، ويقصون عليهم مناقب الصحابة ومواقفهم . ولا نغفل عن دور المدارس والجامعات في هذا الأمر فينبغي أن تُدرَّس شخصيات الصحابة الكرام للنشء في مدارسهم وجامعاتهم، ونُذكِّر الطلبة والطالبات بدور الصحابة العظيم في بناء هذه الأمة وأنهم أحد أهم أسباب انتصار الإسلام وقوته وانتشاره في كافة أنحاء الدنيا، فلهم منا كل احترام وتقدير وعرفان رضي الله عنهم أجمعين. اللهم صلِّ وسلم على رسولنا الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهمَّ عن صحابته الغُرِّ الميامين، وارزقنا وإياهم صحبة رسولك في جنات النعيم، اللهم آمين. burashid282@hotmail.com

108710

| 20 يونيو 2019

الاستمرار على الطاعة

انقضَى شهر رمضان المبارك، وسعدَتْ فيه أنفسنا وقلوبنا بالطاعة، والعبادة، ولذة القرب من الله، نسأل الله تعالى أن يكتبنا من السعداء الفائزين بالنجاة من النار والخلود في جنة الرحمن. ولا شكَّ أنَّ مِن أكثر الدلالات على قبول العمل الصالح في رمضان هي المداومة والاستمرار على مكتسبات رمضان من الطاعات والعبادات والروحانيَّات العظيمة. فالعبد المسلم حريص على طاعته وقُربه من ربه في كل وقت وحين، فلا ينبغي أن ينشط المسلم في رمضان ثم يعود إلى عبثه ولهوه وغفلته بعد رمضان، وكثيرًا ما نُردِّد: «كن عبدًا ربانيًّا لا رمضانيًّا». ونكرر دائمًا «أن ربَّ رمضان هو رب سائر شهور العام «. فمن عظيم فضل الله علينا أن جعل مواسم الطاعات وميادين السباق كثيرة لا تنتهي، فإن كان رمضان قد انقضى وصيام الفريضة قد انتهى فقد أنعم الله علينا بمنحة جديدة في صيام التطوع، ألا وهي ست من شوال. فصيامها له فضل عظيم، وأجر كبير لأنه بصيامها يُكتب للمسلم أجر صيام سنة كاملة، فقد صحَّ عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. ومن الفوائد العظيمة لصيام ستٍّ من شوال تعويض النَّقص الذي قد يحصل في صيام الفريضة في رمضان؛ إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب مؤثِّر سلبًا في صيامه ويوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض. فيجب أن يحرص كل مسلم على التزوُّد بالنوافل في كل العبادات كالصلاة والصيام والزكاة... وغيرها؛ حتى تكون رصيدًا يدَّخره ليوم الحساب، جعلني الله وإياكم من أصحاب اليمين والنعيم المقيم. فلنحرص جميعًا على مجاهدة النفس في الاستمرار على الطاعة بعد رمضان، فمجاهدة النفس مطلبٌ مهمٌّ لمن أراد الخير وطمع في جنة عرضها السماء والأرض. فليجاهد المسلم نفسَه على صيام التطوع، ويجاهدها على قراءة القرآن، وعلى جميع النوافل في كل العبادات والطاعات، والحرص على المداومة على العمل الصالح وإن كان قليلًا، فأفضل الأعمال أَدْوَمها وإن قَلَّ، فلا تُثقِل على نفسك بكثرة الأعمال، فالقليل فيه ضمان الاستمرار، وفيه استمرار تعلق القلب بالله وطاعته والفوز بحسن الخاتمة. ومما يعين المسلم على الاستمرار على الطاعة أن يكون على يقين تامٍّ أنَّ للطاعة أثرًا على القلب وراحةً للنفس وسببًا لتيسير الأمور وتفريج الهموم والغموم؛ فإذا استحضر المسلم هذا سارع للمحافظة على الطاعات وكان حريصًا على الدوام والاستمرار. أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منا ومنكم صالح الأعمال وأن يجعلنا من أهل الطاعة والاستمرار والمداومة على العمل الصالح حتى نلقاه... اللهم آمين يا رب العالمين. burashid282@hotmail.com

2875

| 13 يونيو 2019

وداعاً رمضان

حان وقت الفراق وجاءت اللحظات الصعبة على كل مسلم ليودع رمضانَ المبارك بصيام نهاره الجميل وقيام لياليه العطرة. وداعًا شَهْرَ القرآن والتَّقْوى والصَّبْر والرحمة والمغفرة والعتق من النار. بالأمس القريب غمرت الفرحة قلوبنا وقلنا: مرحبًا بك يا رمضان، مرحبًا بك يا شهر القرآن، وها نحن اليوم نقف لنودِّعَه، ونقول له: وداعا رمضان. سنشتاق إليك يا شهر الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن. سنشتاق إليك يا شهرَ التَّجاوز والغُفْران، سنشتاق إليك يا شهر البركة والإحسان، سنشتاق إليك يا شهرَ الأمان، كنتَ للعاصين مؤدبًا، وللمتقين مؤنسًا، سنشتاق إليك يا شهر الصيام والتَّهَجُّد، سنشتاق إليك يا شهر التراويح فيا أسفًا على رحيلك يا رمضان ودَّعناك على أمل اللقاء وفارقناك كارهين للفراق. كان نَهارك صدقةً وصيامًا، وليلك قِراءَةً وقيامًا، فعليك منا السلام يا رمضان. واللهِ يَحِقُّ على كل مسلم أن يحزن على انقضاء رمضان، وكيف لا يَبكي المؤمنُ على رمضانَ، وفيه تُفتح أبوابُ الجنان؟! وكيف لا نحرن على ذَهابه، وفيه تغلق أبواب النيران وتُسَلْسَل فيه الشياطين؟! فهذا سيدنا علي رضي الله عنه كان يُنادي في آخر ليلة من رمضان: "يا ليت شعري، مَن المقبول فنُهَنِّيه، ومَن المحروم فنعزيه". نعم واللهِ، يا ليت شعري، مَن المقبولُ منا فنُهَنِّئه بحُسن عمله، ومن المطرود منا، فنعزيه بسوء عمله. أيها المقبولون، هنيئًا لكم، وأيُّها المُفَرِّطون جَبَرَ اللهُ مُصيبَتكم. اللهم اجعلنا من المقبولين واعف اللهم عن المُفَرِّطين، استودعناك رمضان فاجعلنا له يا رب في العام القادم من الشاهدين.

6724

| 03 يونيو 2019

كن ربانيا بعد رمضان

ما أسرع مرور شهر رمضان ! هذا الضيف الكريم انقضى سريعًا بأجوائه الرُّوحانية، ونفحاته الربانية، والقلوب الخاشعة، والمساجد الممتلئة بالمصلين في صلاة القيام والتهجد. وهنا نسأل أنفسنا سؤالا مهمًّا: هل هذه العبادات خاصة برمضان دون غيره من الشهور؟ والجواب: إن رب رمضان هو ربُّ شوال وباقي الشهور، فيجب المداومة على عبادته وطاعته في كل الأوقات؛ فالله تعالى يقول في كتابه العزيز: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}[الحجر: 99]. فالعبادة هي الحال الذي يجب أن يداوِم عليه المسلم؛ لأنه خُلِق من أجْلِها وإنما في رمضان يزيدُ من الطاعات والعبادات؛ ليتزوَّد بالتقوى، ويزدادَ قربًا من ربه عز وجل، وهل تُقبَل صلاةُ ودعاءُ وقراءةُ وذِكرُ مَن كانت نيَّتُه الانتكاس والتراجع بعد رمضان؟! فيجبُ أن نكون ربانيين بعد رمضان؛ قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]. فالربانيون هم أولئك الذين أخلصوا لله تعالى في عبادتهم، فعبَدوه وحده بحقٍّ وصدق واستمروا على ذلك حتى الممات. والربانيون هم العلماء العاملون الذين يخشَوْن الله حقَّ خشيته. ويكون المسلم ربانيًّا بعد رمضان بالتوبة الخالصة وبالعزيمة الصادقة وبالمواظبة على الطاعات، والمحافظةِ على الصلوات، والسعي إليها في المساجد، وبالالتزام بالوِرْدِ اليومي من القرآن، وبالمداومة على الذِّكْرِ والاستغفار، وليست العبرةُ بالكثرةِ، ولكن بالصدق والإخلاص؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُها وَإنْ قَلَّ))؛ متفق عليه. لتكن ربانيًّا بعد رمضان عليك بالمداومة على العمل الصالح، فدوَام اتصالِ القلب بخالقه سبب لمحبة الله عز وجل، وتعهد النفس من الغفلة، واجتناب الفحشاء والمنكَر، وسبب لمحو الخطايا والذنوب، كما أنها سبيلٌ للنجاة من شدائد وأهوال يوم القيامة، وسبب لحُسْن الختام، وأن يستظلَّ المؤمنُ تحت عرش الرحمن، وبه يُيَسَّر الحساب. فاللهم اختِمْ بالصالحات أعمالَنا، ويسِّرْ حسابَنا، ويمِّنْ كتابَنا، وارفَعْ في الجنة درجاتِنا يا رب العالمين.

2181

| 02 يونيو 2019

شهر الدعاء

من فَضائل شهر رمضان المبارك أنَّ الدعاء مُستجابٌ فيه لحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ثَلاثٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفطِرَ، وَالْإمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ)) [صحيح، رواه الترمذي]. فهذه العبادة العظيمة التي يحتاج إليها كل مسلم لا بد من الإكثار منها في رمضان قال نبيُّنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)). [رواه أحمد]. فالصائم حين يصومُ يُصبِح منكسرَ القلب ضعيف النفس، فيقترب من ربه تعالى ويترُك الطعام والشَّراب طاعةً لله تعالى ويكفُّ عن الشهوات استجابةً لربِّ الأرض والسَّماوات. وهذه الحالة الروحانية العالية أرجى في استجابة الدعوات وخاصة في رمضان، يُكثِر الله على عباده بالعطايا والهبات والاستجابات السريعة فضلا منه على عباده الصائمين الطائعين، فيجب علينا جميعًا ألا ننقطع عن الدعاء في كل دقيقة من هذا الشهر المبارك. نسأل الله تعالى من كل خير في الدنيا والآخرة وندعو بقلوبٍ مطمئنة طامعة في فضل الله وكرمه واثقة بالإجابة، فإنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((ادعُوا الله وأنتُم مُوقِنون بالإجابة، واعلَمُوا أنَّ الله لا يستجيبُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ)).[رواه الترمذي]. ويجب علينا أن نختار الزَّمان الفاضل للدعاء، وذلك في وقت السَّحَر، وفي أدْبار الصَّلوات المكتوبات بعدَ التشهُّد وقبلَ السلام، وما بين الأذان والإقامة، وفي الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، وعند دُخول الإمام إلى أنْ تنقَضِي صلاةُ الجمعة. وأشرف الأوقات وأفضلها في رمضان وقت الإفطار وقد ثبت لنا أنه وقت إجابة فإنَّ دعوةَ الصائم عند فِطره مستجابةٌ. فاللهم تقبل صومنا وأجب دعاءنا وأكرمنا من فضلك يا كريم.

1489

| 01 يونيو 2019

ليلة القدر

ليلة القدر تعدُّ أفضل ليالي العام على الإطلاق، فهي ليلة مباركة في شهر مبارك وهو شهر رمضان ونزل فيها كتاب مبارك ألا وهو القرآن الكريم، فقد نزل القرآن الكريم على النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الليلة المباركة؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: ٣]. وقد أفرد الله تعالى لليلة القدر سورةً كاملة في القرآن الكريم؛ قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر: 1-2]. وجاءت السنة النبوية لتؤكد فضلها؛ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((مَن صام رمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه، ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه)). [حديث صحيح]. وسبب تسميتها بليلة القدر لعدة أسباب؛ منها: - أن الله قدَّر فيها الأرزاق والآجال. - تكتب الملائكة فيها الأقدار، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم} [الدخان: 4]. - تعتبر ليلة ذات منزلة وقيمة وقدر عند الله عز وجل، فقد نزل القرآن الكريم فيها. - تنزل فيها الرحمة والبركة والمغفرة على عباد الله المؤمنين، فمن يحييها يصبح ذا قدر. - وذلك لأن فيها تضيق الأرض بالملائكة. - تعتبر ذات شرف وقدر عظيمين. ولها فضائل كثيرة من أهمها: - أنزل الله فيها كتابه العظيم. - جعل العمل فيها خيرًا أي أفضل من عبادة ألف شهر. وألف شهر = ٨٣ سنة و٤ أشهر. وهذه كرامة ومنحة عظيمة لكل مسلم. - ينزل فيها جبريل ومعه الملائكة إلى الأرض يُؤَمِّنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر. - ليلة أمن وسلام فلا يُقدِّر الله فيها إلا السلامة. - مَن حُرم خيرها فقد حُرم. - من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، يشمل ذلك الصغائر والكبائر بإذن الله تعالى. - أنزل الله في فضلها سورةً كاملة تُتلى إلى يوم القيامة. ويجب على المسلم تحَرِّيها والتماسها، وقيامها والإطالة فيه والتهجد وقراءة القرآن. والإكثار من أعمال الخير كالصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم. والدعاء فيها بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أرأيتَ إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: ((قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)) [رواه الترمذي]. اللهم إنا نسألك إدراك هذه الليلة المباركة، واكتب لنا فيها خير الأقدار وأوسع الأرزاق يارب العالمين.

1905

| 31 مايو 2019

الكرم في رمضان

الكرم خُلق عظيم من أخلاق الإسلام ويعدُّ من أفضل مكارم الأخلاق، وجميل الخصال التي تحلَّى بها الأنبياء، وحثَّ عليها المرسلون. فمَنْ عُرِفَ بالكرم عُرِف بشرف المنزلة، وعُلُوِّ المكانة؛ ودلالة على الأصل الطيب والجذور العريقة والنسب الكريم. فالكرم والجود من الخصال العظيمة، وهو صفة من صفات الصالحين، فهذه الصفات تسُود بها المشاركة والإيثار والبذل والمحبَّة والمودَّة والرحمة في المجتمعات، وبها يكون التآزر والتعاون والتضامن بين الناس. والكرم والجود متلازمان لهما معنى متقارب، فالجود: صفة تحمل صاحبَها على بذل ما يَنبغي من كل وجوه الخير بغير مقابلٍ ولا غرضٍ دنيوي. والكرم: إنفاق المال الكثير بسهولة من النَّفس في الأمور الجليلة القدر، الكثيرةِ النَّفع. والكريم من أسماء الله تعالى والجود والكرم من صفاته عز وجل؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله جواد يحبُّ الجوادَ، ويحب معاليَ الأخلاق، ويكره سَفْسافها))[صححه الألباني]. فما من نعمة يمنُّ الله تعالى بها على عباده إلَّا وهي من محض فضله وجوده، وكرَمه وإحسانه. قال سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وقال عز وجل: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: ١٨]. وقد كان رسولنا الكريم مثلًا عظيمًا وقدوةً حسنة في الكرم والجود والبذل والإحسان؛ فقد جاء في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين فأعطاه إيَّاه، فأتى قومَه فقال: أيْ قوم، أسلِموا؛ فوالله إنَّ محمدًا ليُعطي عطاءً ما يخاف الفقر، فقال أنس: "إنْ كان الرجل ليُسْلِم ما يُريد إلا الدنيا، فما يُسْلم حتى يكونَ الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها". يدخلون الإسلام لأجل الفوز بكرم النبي وعطائه فيملك الإسلام شغاف قلوبهم لِمَا رأوْا من رسوله صلى الله عليه وسلم من الكرم والجود والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله من الجزاء. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو كان لي مثلُ أحُدٍ ذهبًا ما يسرُّني أنْ لا يمرَّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرْصُده لدَيْنٍ)). وفي الصحيحين عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أجودَ النَّاس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلِّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أجوَدُ بالخير من الرِّيح المرسَلة)). وها هو رمضان شهر الجود والكرم فلنقتدِ برسولنا الكريم في هذا الشهر المبارك، فوجوه الإنفاق كثيرة والفرصة كبيرة والأجر مضاعف، تفقدوا الفقراء والمحتاجين والمرضى وأصحاب الأعذار في رمضان أغنوهم وأعينوهم على طاعة الله، تفقدوا أصحاب الأعمال البسيطة الذين تكثر عليهم التزامات ومصروفات رمضان، ساعدهم بمالك وخفف عنهم مشقة البحث عن عمل إضافي لتوفير احتياجات أسرهم. فلنجعل الجميع يسعد برمضان ويستمتع بطاعته، يجب أن نتعاون فيما بيننا وليَكُن شعارنا البذل والإيثار والجود والكرم. كن كريمًا جوادًا في رمضان ليضاعف الله لك أجر طاعتك وتنعم بحب إخوانك لك. اللهم يا كريم أغدق علينا من كرمك وجودك ما يجعلنا من الكرماء على عبادك في كل وقت وحين. اللهم آمين.

16748

| 30 مايو 2019

ففِرُّوا إلى الله

ليس هناك أجمل من أن يفرَّ المسلم إلى ربه ومولاه لا سيما في هذه الأيام المباركة، فالفرار منزلة الصادقين المخبتين الذين يعشقون الهروب إلى ربهم في كل وقت، فحقيقة الفرار هي الهروب من شيءٍ إلى شيء، من شيءٍ مخيف إلى شيءٍ آمنٍ، من شيءٍ مزعج إلى شيءٍ مُطَمْئِن. وهكذا هو حال المؤمن الذي يفرُّ إلى ربه ليجد عنده الراحة والأمن والأمان والطمأنينة والسلام. والفرار نوعان: فرار السعداء، وفرار الأشقياء. فرار السعداء إلى الله عزَّ وجل، وفرار الأشقياء فرارٌ منه لا إليه، فرارٌ منه إلى الدنيا، إلى المعاصي. وفرار السُّعداء فرارٌ من الدنيا إلى الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [سورة الذاريات الآية: 50]. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أي فِرُّوا منه إليه، من عقابه إلى جنَّته، من معصيته إلى طاعته، فروا مما سوى الله إلى الله، فروا من الأغيار إلى الله، فِرُّوا من الشُّركاء إلى الله. وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، عملية فرار من شيء مخيف إلى شيء سعيد. فالفرار منزلةٌ من منازل السالكين إلى الله عزَّ وجل. وهناك معنى آخر للفرار: فرارٌ من الجهل إلى العلم مثابرةً وسعيًا، ومن الكسل إلى النشاط جِدًّا وعَزمًا، ومن الضيق إلى السَّعَةِ ثقةً ورجاءً فيما عند الله من الخير العظيم؛ يقول عليه الصلاة والسلام: ((شَمِّروا فإنَّ الأَمْرَ جدٌّ)). فشَمِّروا هذه منزلة الفرار، ومن أمثلة الفرار: «تأهَّبوا فإن السفر قريب». «تزوَّدوا فإن السفر بعيد». «أخلصوا النية فإن الناقدَ بصيرٌ». «أكْثِروا الزادَ فإن المسافةَ بعيدة». فلنبادر أيها المسلمون بالفرار إلى الله في هذا الشهر الكريم؛ فإن من رحمة الله تعالى بعباده أنه إذا علم مِن عبده صِدقَ الفرار إليه أعانه ووفَّقه ولم يتركه وحده. ولنتدبر قولَ الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]. ويقول عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: ١٢٨] وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)). فاللهم رُدَّنا إليكَ ردًّا جميلًا، واجعلنا من الفارِّين التائبين العائدين إليك في كل وقت وحين.

3947

| 29 مايو 2019

ختم القرآن

لقد خَصَّ الله تعالى شهر رمضان المبارك بخصائص عدة ولكن ميزه بخصوصية عظيمة ألا وهي القرآن الكريم فأنزل فيه القرآن الكريم هدًى للناس يقول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}. [البقرة: 185]. والحكمة في هذا النزول هي تعظيم القرآن الكريم، وتعظيم أمر مَن نزل عليه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم الشهر الذي نزل فيه، وهو شهر رمضان المبارك الذي نعيش أيامه الفاضلة ولياليه الكريمة. وهذا الفضل يحثُّنا على الاستزادة من دراسة القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، والاجتهاد في ذلك، والعناية بهذا الأمر والإكثار من تلاوة القرآن فيه، وعرض القرآن على مَن هو أحفظ له، والزيادة في مدارسته. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن»، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجودَ بالخير من الريح المرسلة. وقد كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان في الليل أكثرَ من غيره، ولا شك أن الحرص على ختم القرآن في رمضان تجارة رابحة لكل المسلمين فتزداد حسناتهم وتُحَط خطاياهم، لينالوا بذلك الدرجات العلي في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْتَبُورَ} [فاطر: 29]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فلَهُ بِه حسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، لا أَقُولُ: «ألم» حَرْفٌ، ولَكِنْ «أَلِفٌ» حَرْفٌ، وَ»لَامٌ» حَرْفٌ، وَ»مِيمٌ» حَرْفٌ)). [صحيح]. وكان السلف الصالح رحمهم الله في رمضان لا يشتغلون بغير القرآن، فكان الزهري إذا دخل رمضان يقول: «إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام». وقال ابن الحَكَم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت لهم مجاهدات في كثرة الختمات رواها الأئمة الثقات رحمهم الله جميعا، فكان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين، وكان قتادة إذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليالٍ مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة. وقال ربيع بن سليمان: كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيء إلا في صلاة. وروي أن مجاهدًا رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء. فلنقتَدِ برسولنا الكريم وصحابته المقربين وسلفنا الصالحين في هذا الاهتمام البالغ بالقرآن والحرص على كثرة الختمات في رمضان لعلمهم بعظيم الأجر في هذا الشهر المبارك. فاللهم وفِّقنا لختم كتابك العزيز في شهرك الكريم واجعلنا اللهم من أهل القرآن في كل وقت وحين. اللهم آمين.

2165

| 28 مايو 2019

لله في أيام دهركم نفحات

ما أكثر الهبات والعطايا في رمضان شهر البركات وكنز المِنَح والنَّفَحات، فينبغي على كل مسلم فَطِن أن يقتنص الفرصة ويسارع ويسابق ويجاهد لينال النصيب الأوفَى من النفحات والبركات. فقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على اغتنام تلك الأوقات الفاضلة على مدار العام فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزَّ وجلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقَى بَعْدَهَا أبدًا)) رواه الطبراني. والتعرض لنفحات الله هو التعرض لعطاءات الله العظيمة ولا شك أن هناك فرقًا بين العطاءات والخيرات، فعطاءات الله غير خيرات الله، فخيرات الله نأخذها بالحواس ويستفيد بها الجسم كالطعام والشراب، لكن عطاءات الله تنزل على القلب الذي صلح وصفا وطهر وأصبح جاهزًا لنزول العطاءات من الله جل في علاه. ففي هذه الأيام المباركة تنزل عطاءات من الله كأن يُنزِل الله السكينة في قلوبنا؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ}. [الفتح: 4]. أو يُنزل الله في قلوبنا الطمأنينة؛ قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. أن يجعل الله في قلب المؤمن نورًا يمشي به في الناس: {أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}[الأنعام: 122]. وغير ذلك من العطايا التي يمُنُّ الله بها على عباده في نفحات الدهر، فعطايا الله عزَّ وجلَّ لا تُعدُّ ولا تُحصى، وماذكرنا من العطايا لا يساوي مثقالَ ذرة من العطايا الإلهية التي يتعرَّض لها الصالحون. وذكر هذه العطايا لا يسعه وقت ولا تتحمله العقول، وإنما ينزل من الخالق الأعظم عز وجل إلى قلوب الأحبة مباشرةً بدون واسطة. نسأل الله عز وجل أن نكون من أهل هذه العطاءات أجمعين. ويتعرض المسلم لهذه العطاءات باغتنام نفحات الدهر والأيام المباركة والأوقات الفاضلة، ويجب عليه أن يقوم بتجهيز القلب لتلقي العطاء الإلهي الذي لا يناله {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89]. وقال الله في شأن الخليل إبراهيم: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الصافات: 84]. لا بد أن يكون القلب سليمًا من الحظوظ والأهواء، ومن الميل إلى الدنيا الفانية وإلى الشهوات وإلى كل المستلذات، ويكون له ميل واحد في الله ولله عز وجل، فينبغي أن يكون حال المسلم كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ به)). فلنبادر جميعًا باغتنام الفرصة في شهر رمضان المبارك فنجاهد أنفسنا لنتعرض لنفحات الله تعالى وعطاءاته العظيمة. نسأله تعالى أن يمن علينا بالعطاءات التي تُصلِح حالنا في الدنيا وتسعدنا في الآخرة.

85932

| 27 مايو 2019

شَمِّر

كُنَّا بالأمس القريب نستقبل رمضان بالبهجة والسرور والهمَّة العالية، وقد أسرعت الأيام حتى ذهبَ أكثرُه وقد أحسن أنَاسٌ في الأيام الماضية فصاموا النهار وقاموا الليل، وقرؤوا القرآن، وتصدقوا وأحسنوا، وتركوا المعاصي والسيئات، فلهم الأجر العظيم، والثواب الكبير، وعليهم بذل جهد أكبر في الباقي من أيام رمضان المبارك، وقد أساء آخرون فأخلُّوا بالصيام، وتركوا القيام، فعلى هؤلاء أن يستدركوا ما فاتهم ويغتنموا هذه الأيام العشر في الطاعات وما يقربهم إلى الله تعالى، فلقد أقبلت أفضل أيام رمضان، ومِسك الختام إنها العشر المباركات وما فيها من عظيم الخيرات ورفعة الدرجات، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصُّ هذه العشر الأواخر باهتمامٍ خاص ويعمرها بعدة أعمال. ففي الصحيحين من حديث عائشة: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر شدَّ مِئزَره وأحيا ليله وأيقظ أهله)). وفي حديث آخر ((كان رسول الله يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها)). وجاء في الصحيحين: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله)). الليلة أولى ليالي العشر الأواخر من رمضان، فشَمِّروا سواعدكم، وصَفُّوا نواياكم وقلوبكم من الشحناء والكراهية وكل ما يُعلِّق قلوبنا بالدنيا، ضاعفوا ركعاتكم ودعواتك بإدراك ليلة القدر، ألِحُّوا بدعائكم وبادروا بإخراج صدقاتكم، أطيلوا قيامَكم وتهجُّدَكم، فنحن على موعدٍ مع ليالٍ عشر، فيها أعظم ليلةٍ نتمنَّى إدراكَها عساها تشفع لنا يومَ الحساب، وَفي ذلِكَ فَليَتَنَافس المتنافسون. فيجب علينا تنظيم الوقت في ليالي العشر حتى نُدركَ ليلةَ القدر بإذن الله: 1-صلاة التراويح وصلاة التهجد كل ليلة. 2-الصدقة كل ليلة حتى ولو بالقليل. 3-الحرص على ختم قراءة القرآن. 4-ترديد "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنَّا" كما وصى النبي عليه الصلاة والسلام عائشة. كثرة ذكر الله، والاستغفار والتسبيح، وتجنب الزيارات ووسائل اللهو والسهر، الإكثار من الهدوء والسكينة والبُعد عن الجدال والمشاجرات، وكثرة سؤال الله القبول. اللهم أعِنَّا على الصيام والقيام والتهجد وحُسن الطاعة والعبادة في هذه الأيام المباركة.

1207

| 26 مايو 2019

alsharq
ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...

2994

| 22 مارس 2026

alsharq
أنت لها يا سمو الأمير

يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...

1326

| 24 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1263

| 18 مارس 2026

alsharq
ليست هذه سوى بتلك!

ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...

930

| 17 مارس 2026

alsharq
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...

834

| 17 مارس 2026

alsharq
وداعاً أيها الراقي المتميز

يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة...

726

| 17 مارس 2026

alsharq
لا تهاون في حماية أمن وسيادة قطر

رغم إعلان دولة قطر نأيها بنفسها منذ بداية...

711

| 19 مارس 2026

alsharq
حلت السعادة بحسن الختام

مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...

708

| 19 مارس 2026

alsharq
نكون أو لا نكون

لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا...

666

| 18 مارس 2026

alsharq
راس لفان.. إرادة وطن وشعلة لن تنطفئ

‏في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...

651

| 24 مارس 2026

alsharq
رجال الصناعة والطاقة.. منظومة تُدار بخبرات وطنية

من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...

633

| 22 مارس 2026

alsharq
الأزمات.. واختبار الأصدقاء

قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية...

561

| 18 مارس 2026

أخبار محلية