رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا بالأمس القريب نستقبل رمضان، واليوم نُفاجَأ بأنه قد انتصف والأيام تتسارع في أيام هذا الشهر المبارك بشكل عجيب، مما يدلِّل على مرور مواسم العبادات بخفَّة وسلاسة حتى تنصرم من بين أيدينا دون أن نشعر بها، فالموفَّق مَن كان يقظًا نشيطًا متحمسًا لاستغلال هذه الأيام، والخاسر مَن سيطر عليه الكسل وأثقلته الذنوب.ومن أفضل العبادات والطاعات التي ينبغي الاهتمام بها في رمضان: تصفية النفوس من الشحناء والخصومة بينك وبين الآخرين. فلنبادر بالتسامح والعفو في هذه الأيام المباركة، فلا ندري أي الأعمال تكون سببًا في نيل المغفرة والرحمة والعتق من النار في رمضان، فلعلَّ هذا التسامح يكون سبب الفوز بالجنة والنجاة من النار. ولا ننسى أن صفاء القلوب وزوال الشحناء والخصومة سبب لرفع الأعمال الصالحة في غير رمضان، فما ظنكم بأفضل شهور العام؟! لا شك أن التسامح ونبذ الخصومات فيه أحرى وآكد. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه – أنه قال: «تُعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيَغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكلِّ امرئ لا يشرك باللهِ شيئًا، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: ارْكُوا هذين حتى يَصطلحا، اركوا هذين حتى يَصطلحا» (رواه مُسلمٌ). وهذا صيام النفل لا تُعرض فيه أعمال المتخاصمين على الله تعالى، فما بالكم بصيام الفريضة؟!. فجعل الله تعالى العفو من الإحسان وبشَّرنا سبحانه بمحبته للمحسنين، فما أجملها من بشرى من الله، وما أهون الوصول إليها، وقال تعالى: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا * أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» (النور: 22). يوضِّح الله تعالى تمام عدله بأن السيئة بمثلها، لا زيادة ولا نقصان، ومع ذلك يحثنا على ترك الانتصار للنفس وتغليب العفو والإصلاح، وجعلَ اللهُ أجر ذلك عليه سبحانه، دلالةً على عظمة الأجر والمثوبة على هذا الأمر. وجاءت السنة النبويَّة تؤكد لنا خيريَّة المتسامح الذي يبدأ بالعفو والصفح ويطوي صفحة الخلاف والهجر والقطيعة ابتغاء وجه الله، فعن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - قال: «لا يحلُّ لمسلم أن يَهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يَلتقيان فيُعرض هذا ويُعرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (متفق عليه). ويجب أن نعلم أن العفو والتسامح له آثار إيجابيَّة كثيرة في الفرد والمجتمع، فيعود على الفرد بالسكينة والطمأنينة وراحة البال والرضا عن النفس والشعور بالسعادة ومحبة الخالق له ونيل الثواب والأجر العظيم في الآخرة. أثر التسامح في المجتمع المسلم فوصيتي لنفسي ولكل مسلم: بادِر في هذا الشهر الكريم بالتسامح والصفح وإزالة الخصومات ونبذ الشحناء والبغضاء من القلوب، فإن كنتَ مخطئًا فبادِر بالاعتذار وطلب العفو، وإن كانت لك مظلمة عند أحد أو خصومة مع شخص فاعفُ عنه وسامحه ابتغاء وجه الله ولا تحرم نفسك من نفحات شهر الصيام. فاللهم ارزقنا التسامح والصفح وطهِّر قلوبنا وأصلح اللهم ذات بيننا وبارِك اللهم في أوقاتنا على الطاعة والمودة والإخاء.. يا رب العالمين.
2223
| 06 أبريل 2023
الصوم في حقيقته سمو للروح وتزكية للنفس وإعدادٌ للقلوب لتقوى الله ومراقبته في السر والعلن وتربيتها على الخشية من الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فالصوم يجعل قلوبنا طاهرة رقيقة تستشعر المراقبة فتظل على حذر من ربها، فتحب الطاعة وتسير في دروبها، وتكره المعصية وتبتعد عن طرقها، والله تعالى خلقنا ويعلم ما يُصلحنا ويقوِّمنا، فكانت فريضة الصوم أفضل اختبار لنا، لتوضِّح مدى صبرنا على شهواتنا ومدى مراقبتنا إياه سبحانه ومدى الخشية من عقاب الله، فالصوم يهتم بإصلاح الداخل، إصلاح القلوب وغرس الإيمان فيها؛ فالإسلام لا يُكرهنا على الطاعات، بل يحبِّب إلينا الطاعة ويعدنا بالمثوبة من الله ومحبته تعالى للطائعين. ومقام الخشية من الله ومراقبته يكمن في قلوب الذين يعلمون أمور دينهم ويعظمون شعائر ربهم.. قال تعالى: «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ◌ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ» (فاطر: 28). وقال ابن القيم: وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «إني لأعلمُكم بالله وأشدُّكم له خشية». والصوم المراد منه الوصول بالعبد إلى مقام التقوى والخشية والمراقبة، فالإمساك عن الطعام والشراب في رمضان ليس هدفه تعذيب النفس، وإنما جُعِل المنع عن الشهوات لترقيق القلوب وانكسارها وتعليمها خشية الله ومراقبته؛ لذلك قال النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاريُّ). فحقيقة الصيام هي امتناعك عن كل ما يُغضب الله والصيام الشامل لكل الجوارح، كما قال جابر - رضي الله عنه -: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». ولا شك أن تحقيق هذا المعنى الشامل للصوم لا يأتي إلا من قلب مملوء بالتقوى والخشية لله تعالى في كل وقت وحين، فهذا الصائم الحق الذي فهم مراد الله وطبَّقه تطبيقًا عمليًّا يستمتع بروحانيَّة الصيام ومعانيه الإيمانيَّة العميقة، وما عدا ذلك من الصائمين دون إدراك أو تدبُّر للمعاني الربانيَّة المقصودة لم يصلوا بعدُ إلى فهم روحانيَّة الصيام ويتحقق فيهم قول الرسول - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (أخرجه النسائيُّ). فنرى بعض الأشخاص تضيق صدورهم في الصيام ويسوء خُلقهم ولا يستطيعون التحكُّم في أعصابهم ولا ضبط ألسنتهم عن المحرمات، وهذا كله ينقص أجر الصوم الذي جعل الله جزاءه مبهمًا حتى تظل القلوب على وجل، فقد قال رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقُل: إني امرؤ صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرِح بصومه» (صحيح البخاريِّ). فاللهم لا تحرمنا تحقيق كل هذه المعاني الربانيَّة العظيمة واجعلنا من أهلها يا رب العالمين وتقبل اللهم صيامنا وقيامنا وأعتق اللهم رقابنا من النار في هذا الشهر الكريم.. اللهم آمين.
1527
| 05 أبريل 2023
رمضان شهر الخير، يفتح أمامك سائر أبواب الخير لتتزوَّد منها وتُضاعِف حسناتك، فكل الاختيارات متاحة أمامك، فحاوِل الاجتهاد في الطاعة والحرص على المشاركة في أبواب الخير الرمضانيَّة حسب استطاعتك وقدراتك، واستعِن بالله ولا تعجز، فاعقد النيَّة الخالصة لوجه الله على تقديم كل خير في رمضان ثم انطلق ولا تضيِّع فرصة إدراك رمضان وتحصيل الأجر الكبير في هذه الأيام المباركة. تأتي الصدقة في مقدمة أبواب الخير في رمضان؛ لما فيها من التوسعة على الفقراء والمحتاجين، فالصدقة سبيلٌ من سبل الفوز بمرضاة الله في الدنيا والآخرة، في رمضان وفي غيره من الشهور. غير أن الإكثار من الصدقة في رمضان كان من هدي النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. فعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما – أنه قال: «كان رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فلرسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أجودُ بالخير من الريح المرسَلة» (رواه البخاريُّ). وذلك لأن الصدقات تطهِّر أموالنا وتزكِّي أنفسنا كالصوم تمامًا، والصدقة برهان على صدق إيمان المسلم ومحبته للخالق والسعي إلى مرضاته.. فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه – أن النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - قال: «والصدقة برهان». ومن أدق أبواب الخير: صدقة السر؛ لأن أجرها كبير، قال تعالى: «إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ◌ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ◌ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ◌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (البقرة: 271). وحثنا عليها رسولنا الكريم - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - فعَنْ مُعاوِيَةَ بنِ حَيْدَة – رضي اللهُ عنه - عَنِ النَّبِي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أنه قالَ: «إنَّ صَدَقَة السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّب» (رواه الطبرانيُّ). ولا يقتصر البذل والإنفاق على الأغنياء وأصحاب الأموال وحسب، بل كلٌّ منا يمكنه أن يتصدَّق ولو بالقليل، يجود على قدر ما يملك وحسب استطاعته، فالقبول لا يعلمه إلا الله تعالى. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - قال: «سبق درهمٌ مائةَ ألفٍ، كان لرجل درهمان فتصدَّقَ أجودُهما، وانطلق رجل إلى عرضِ مالِه فأخذ منها مائة ألفٍ فتصدقَ بها» (رواه النسائيُّ). ومصارف الصدقات في رمضان كثيرة، منها: التوسعة على أهل بيتك، من الزوجة والأبناء، في هذه الأيام الفاضلة؛ فهي أعظم النفقات أجرًا، كما جاء في الحديث الشريف، عن أبي هريرة - رضي الله عنه – أنه قال: قال رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «دينارٌ أنفَقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفَقتَه في رقَبة، ودينارٌ تَصدَّقتَ به على مسكين، ودينارٌ أنفَقتَه على أهلِك، أعظمُها أجرًا الذي أنفَقتَه على أهلِك» (رواه مُسلمٌ). وكذلك رعاية الأرامل والمساكين من ذوي الهمم؛ فالإنفاق عليهم وتوفير حاجاتهم يعدل الجهاد. أسألُ اللهَ تعالى أن يوفقنا جميعًا لكل خير وأن يستعملنا في طاعته ويكتب لنا القبول في الدنيا والآخرة.. اللهم آمين.
2244
| 04 أبريل 2023
تتعدَّد مميزات شهر رمضان المبارك وفوائده التي تعود علينا بكثير من المنافع العامَّة والخاصَّة، فإلى جانب كون رمضان موسم عبادات وطاعات متنوِّعة، فله كذلك فوائد صحيَّة كثيرة تعزِّز صحَّة البدن وتزيد من قوته ونشاطه، فالصيام يعمل على تجديد قدرة البدن وتنشيطه ليستجيب لتأثير الصوم والتغيُّرات التي حدثت في الروتين اليومي خلال شهر رمضان الكريم، ويجدد خلايا الجسم ويطهِّره من مسبِّبات الأمراض الخطيرة ولله الحمد. فرمضان يمكِّن المسلم من اكتساب كثيرٍ من العادات الصحيَّة في تنظيم طعامه وشرابه ونومه وغير ذلك، فيجب استغلال أوقات رمضان في كل ما يعود علينا بالنفع والأجر. بدايةً، نحرص على تطبيق السنن النبويَّة المأثورة عن النبي الكريم - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أثناء الصيام؛ فقد كان النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - يبدأ إفطاره بالتمر وأمرنا بذلك؛ فعن النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – أنه قال: «إذا أفطر أحدُكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد فالماء، فإنه طهور» (رواه الترمذيُّ). فإلى جانب تطبيق سُنة الإفطار على التمر وتحصيل الأجر على ذلك، فقد أثبتت الدراسات الطبيَّة الفائدة العظيمة للتمر، وخاصَّةٍ في الصيام؛ فالفائدة من بدء الإفطار بالتمر ثم الماء؛ لكون الماء يروي العطش سريعًا ويملأ المعدة، لكن التمر يهيِّئ المعدة لبدء تناول الإفطار ويعمل على سرعة موازنة سكر الدم ويعطي الصائم نشاطًا وحيويَّة بسرعة ويمده بالطاقة التي تساعده على صلاة القيام، كما أنه مناسب لمرضى القلب والسكر كذلك. فالإفطار على التمر يكسر حدة جوع الصائم ويساعده على الاقتصاد في كميَّة الطعام أثناء وجبة الإفطار. ومن العادات الصحيَّة في رمضان كذلك: ممارسة الرياضة والحرص عليها في رمضان أكثر من الأيام العاديَّة. ورمضان فرصة عظيمة لترتيب النظام الغذائي؛ نظرًا لقلة ساعات الإفطار في مقابل وقت الصوم الطويل. فيكتفي المسلم بالإفطار الخفيف المتنوِّع الذي يلبِّي حاجة الجسم دون إسراف في الطعام، ويكمل ليله في المطالعة النافعة والقراءة في التفاسير وكتب السنة، مما يزيد من أجره ويجعله يكتسب عادات جديدة ولا مانع من أخذ قسط من النوم لراحة الجسم. ثم يقترب وقت السحور، الذي يعد وجبة مهمة للصائم لابُدَّ من اعتيادها منذ الصغر وعدم تركها؛ فالسحور سُنَّة يُثاب المسلم عليها.. فعن أَنَس بن مَالِكٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُ – أنه قَالَ: قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَة» (رواه البخاريُّ). ثم تدرك صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة، وهذا يفسِّر كثرة المصلين في صلاة الفجر خلال رمضان بخلاف باقي الشهور؛ وذلك لاعتيادهم السحور، فيمكِّننا السحور من إدراك الفجر مع الجماعة واعتياد ذلك بعد رمضان. فاللهم تقبل منا الصيام والقيام وبارِك لنا في أيام رمضان ولياليه، وضاعِف اللهم أجورنا واجعل عبادات رمضان عادات لنا في سائر أيام العام.. اللهم آمين يا رب العالمين.
1044
| 03 أبريل 2023
الإنسان الناجح المتطور الطموح يضع خططًا واضحة لكل مرحلة في حياته، خططًا مبنيَّة على أسس مدروسة جيدًا؛ لأنه يعلم أن طريق النجاح والتقدُّم يحتاج إلى تخطيط مسبق، ولا تدار الحياة بشكل عشوائي فوضوي، هذه البداية التي ينبغي أن نتفق عليها ثم ننتقل إلى النقطة التالية، وهي من الأهميَّة بمكان، وهي حب الشخص ذاته كما هي، فما أجمل أن يكون الشخص متصالحًا مع نفسه، يعرف مميزاتها وعيوبها، يلمس مَواطن القوة فيها ونقاط ضعفها كذلك فيسهل عليه تقويمها وإصلاحها. وفي هذه الأجواء الرمضانيَّة، ترتفع الهمم، ونجد في أنفسنا إقبالًا على الطاعات ونشاطًا في العبادة، فلا بُدَّ من اقتناص هذه اللحظة.. فقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين أن عمر - رضي الله عنه وأرضاه - قال: «إن لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزِموها الفرائض». وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – قوله: «إذا هبَّت رياحُك فاغتنمها». فإذا اقتنصت هذه الفرصة الثمينة وبدأت في تعديل مسار حياتك والعمل على إصلاح نفسك ومعالجة عيوبك وتطوير مميزاتك، هنا قد تقابلك المعوقات في أول الطريق، وتتمثَّل في نظرة الناس إليك والتعرُّض للانتقادات أحيانًا أو التطفُّل أو غير ذلك من السلوكيات المزعجة. فأوصيك في هذه اللحظة بألَّا تلتفت لمثل هذه الأمور، وألَّا تشغل نفسك بالآخرين ولا بآرائهم، ما دمتَ قد سلكت الطريق الصحيح المناسب لك ودرست الأمر وخطَّطت له بعناية وتوكلت على ربك فامضِ ودعك من الآخرين. وأجواء رمضان مهيَّأة للعمل على إصلاح نفسك إصلاحًا متكاملًا على المستوى الشخصي والأسري والوظيفي والاجتماعي، ويمكنك أن تجعل من نفسك نموذجًا مميزًا في كل شيء، تحب الخير للجميع وتحمل بداخلك الود والحب لكل من حولك وتحرص دائمًا على أن تكون قدوة صالحة تفعل الخير وتبتغي وجه الله، لا تنظر هل هذا المعروف صادَف أهله أو غير أهله. وقد جاء في الأثر: «اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن أصبت أهله فهم أهله، وإن لم تُصِب أهله فأنت أهله». إنَّ توقُّع النجاح والفشل ميزان النفس السويَّة؛ فكل خطَّة لها نسبة نجاح، ومحتمل لها نسبة فشل، أمر طبيعي جدًّا. ولا بُدَّ أن تعلم أن الفشل جاء بسبب خطأٍ ما، والخطأ أول طريق التعلُّم في دروب الحياة، فهل رأيت متعلمًا في أي مجال لم يخطئ قط؟ هذا مستحيل، فالتعلُّم من الأخطاء بوَّابة العبور إلى النجاح.. فإياك وجلد ذاتك أو احتقار نفسك ونعتها بالفشل والانتكاس وغير ذلك من الأوصاف المدمِّرة، بل عليك إنصاف نفسك وعدم التحامل عليها. اللهم إنا نسألك الصلاح والهداية ونور البصائر إلى طريق النجاة، واكتب اللهم لنا الفلاح في الدنيا والآخرة.. اللهم آمين.
822
| 02 أبريل 2023
رمضان بين أيدينا ونفحاته المباركة تغمرنا بنسائم المغفرة والرحمة والعتق من النار، فالله تعالى كريم يكثر العطاء لعباده في رمضان.. فأين أصحاب الحاجات؟ هل جهزتم الدعوات؟.. فلنسارع قبل ضياع الأوقات. فرمضان يمضي - كما ترون - سريعًا، فيجب استغلال أوقاته بمزيد من الدعوات التي ندخرها لمثل هذه الأوقات المباركة التي تكون الإجابة فيها أرجى من غيرها. فلنكثر من الدعاء في رمضان؛ لأنه عبادة مستقلة بذاتها تدل على مدى افتقار العبد إلى ربه وحاجته إليه في كل صغيرة وكبيرة، فالدعاء طلب العون والدعم من الله القادر للعبد الفقير العاجز عن تحصيل النفع لنفسه فيسارع بلهفة يستغيث بربه ليحقق له مراده. فالدعاء صلة عميقة بين العبد وربه وحسن ظن بعطائه وثقة تامة بأن اللجوء إلى الله هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمنيات والغايات، فالإنسان يتبرأ بدعائه من حوله وقوته ويستعين بالله وجوده وحوله وقوته لتحقيق هدفه ومطلبه. لذا وصانا النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إذا سأَلتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله». يُعد الدعاء قاعدة ترتكز عليها العبادات كلها، فيدعو المسلم ربه في كل الصلوات بما أراد من خيري الدنيا والآخرة ويدعوه في أوقات الإجابة، ومن أفضلها: الثلث الأخير من الليل.. فقد ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح» (أخرجه مسلم). ولا سيما في رمضان، شهر القيام؛ فليله مبارك، وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «إن لله - تبارك وتعالى - عتقاء في كل يوم وليلة - يعني: في رمضان – وإن لكل مسلم في كل يوم دعوة مستجابة». وينبغي أن يأخذ المسلم بأسباب قبول الدعاء من طيب المطعم والاستقامة ودوام الطاعة والنشاط في العبادة، وكذلك يكثر من الثناء على الله - عز وجل - بأسمائه وصفاته والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - قبل الدعاء، ويحرص على الدعاء المأثور عن الأنبياء - عليهم السلام - وجوامع الدعوات وأشملها؛ فعن النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها مسلمٌ ربَّه في شيء قط إلا استجاب له» (رواه أحمد وصححه الألباني). ومن الدعوات الجامعة ما جاء في الحديث الشريف عن أنس بن مالك - رضي الله عنه – أنه قال: كنتُ جالسًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «أتدرون بم دعا؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» (رواه النسائي والإمام أحمد). فاللهم أجب دعواتنا في هذا الشهر المبارك وحقق أمنياتنا وارحم ضعفنا وتولَّ أمرنا.
3177
| 01 أبريل 2023
الاستسلام للأفكار السلبية والخوف من القادم الذي لا يعلمه إلا الله ما هو إلا انسياق وراء وساوس الشيطان الذي لا يمل من تدمير حياتنا وخسارة الاستمتاع بها، فإذا ظفر الشيطان بعقولنا واستسلمنا للأفكار السيئة التي تخيفنا من المستقبل وتعدد لنا كثيرا من الأزمات التي تهاجمنا في المرحلة المقبلة، فبعضنا يخاف المرض والآخر يخاف الفقر وغيره يخاف فقْد الوظيفة وفساد الأبناء وغير ذلك من الوساوس التي تفسد على الإنسان دنياه وتجعله دائم الخوف ينتابه القلق في كل الأوقات، وربما تحول الأمر إلى مرض نفسي يحتاج إلى علاج.فالخوف شعور سيئ يعطل التفكير ويعيق الإنسان عن التقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام؛ لأن الوساوس والأفكار السلبية مسيطرة على تفكيره، مما يفقده الثقة في ذاته وقدراته. فحاوِل في رمضان أن تستبدل بكل الأفكار السيئة التي تقلقك أفكارا إيجابية مشرقة وأمنيات طيبة لك ولمن تحب؛ لأن الأفكار السلبية والخوف الدائم على نفسك وأولادك وغير ذلك تجعلك عرضة للقلق الدائم والأرق وصعوبة التركيز، وتجعلك مشتت الذهن شاردا سريع العصبية متوترا، فيظهر عليك الوهن والتعب والضعف والإرهاق. فنصيحتي لإخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي في رمضان أن استشعار معية الله والتوكل عليه نعمة عظيمة، احرص عليها وتخلص من الأفكار الهدامة والوساوس السيئة، فجاهد نفسك واغلب شيطانك وحاول أن تنمي مهارة التركيز عندك، فركز على الوقت الحاضر والمطلوب منك وما يمكنك القيام به الآن والنجاح فيه بإذن الله، ولا تستعد ذكريات الماضي المؤلمة لك؛ لأن ذلك يجلب الحزن ويجدد الألم، وكذلك لا تفكر في المستقبل إطلاقا؛ لأنه في علم الله وليس بين أيدينا لنفكر فيه، فالاهتمام البالغ بما سيحدث في المستقبل يجلب لك القلق والهم الذي كان يستعيذ منه رسولنا الكريم، كما جاء في دعائه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال». لا تحمل هم المستقبل؛ فالله الذي خلقك من عدم وتولاك ورزقك فيما مضى من عمرك سوف يتولاك ويرزقك في بقية عمرك؛ فقد جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته» (رواه ابن أبي شيبة). فالذي يجب عليك فعله هو حسن التوكل على الله وحسن الظن بعطائه مع السعي في الحياة والعمل المستمر لتحصيل الرزق؛ فقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «اعملوا، فإن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة». صدق الفاروق في مقولته؛ فكل ما يحصل عليه الإنسان في الحياة يأتي خطوة خطوة وبأسباب منطقية، ولا يحصل الإنسان على شيء دون عمل ومثابرة وجهد، فحاول في أجواء رمضان التخلص من الأفكار السلبية واستبدل بها أفكارا إيجابية تحث على النشاط وترفع الهمة وتقوي العزيمة.
1974
| 31 مارس 2023
إن من أجلِّ النعم وأعظمها نفعًا للعبد: ذكر الله تعالى في جميع أوقاته؛ فالله تعالى لم يُعطِ المؤمن عطاء أفضل وأوسع من لسان ذاكر لربه في كل وقت وحين، فهذه النعمة العظيمة من المنح الربانيَّة التي لا يعطيها الله إلا لمن اصطفى من عباده الذين أحبهم فرزقهم ذكره والتلذُّذ بالقرب منه.. فذكر الله أسرع شفاء وأنفع دواء للأبدان، فيه طمأنينة للقلوب وراحة للصدور.. قال تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرعد: 28). فالذكر يسرُّ النفس ويُسعدها ويُعين الإنسان على مسيرته في الحياة فييسر عليه الصعوبات والمشقات، فما أشد حاجتنا إلى ذكره وعدم الاستغناء عنه في كل الأوقات، لا سيَّما في شهر رمضان الذي يجتمع فيه أعظم العبادات والقربات إلى الله. ومما يدلِّل على فضل الذكر ومكانته العالية: تعدُّد الآيات التي تحثنا عليه في القرآن الكريم.. قال الله تبارك وتعالى: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ» (البقرة: 152). وجاءت السُّنَّة النبويَّة تُعلي فضل الذكر فوق كل الأعمال قاطبةً؛ فقد قال رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «ألا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَزْكاها عِندَ مَلِيكِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم؟! قالوا: بَلَى، قال: ذِكْرُ الله» (رواه أحمد). وللذكر فوائد كثيرة، عدها ابن القيم في كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب قرابة المائة فائدة، نذكر منها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره، ويرضي الرحمن عز وجل، ويزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب للقلب الفرح والسرور والبسط، ويقوِّي القلب والبدن، وينير الوجه والقلب، ويجلب الرزق، ويكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة. كل هذه الفوائد جزء بسيط، كما ذكرتُ، من فوائد الذكر وثماره التي نتذوَّقها ونتلذَّذ بها بمجرد مداومتنا عليه. وفي هذا الشهر المبارَك، يجب علينا المحافظة على الذكر والحرص عليه طمعًا في القرب من الله تعالى والفوز بمرضاته؛ فرمضان فرصة ممتازة لملازمة ذكر الله والارتباط به والمداومة عليه، فيصير عادةً وعبادةً لك في رمضان وبعد رمضان بإذن الله تعالى، فتحافظ يوميًّا على الأذكار الموظَّفة كأذكار الصباح والمساء والذكر بعد الصلاة وأذكار النوم والاستيقاظ وأذكار الخروج من المنزل والدخول إليه. ثم بعد ذلك الذكر عظيم الأجر، كالاستغفار والتسبيح والتهليل والتكبير والحمد وكثرة الثناء على الله بأسمائه وصفاته، وسائر الأذكار التي نجني منها جبال حسنات، لا سيَّما أن رمضان به وقت فراغ واسع، فلنعمر أوقاتنا بذكر الله، ففيه النجاة. فالذكر منزلة عالية يحافظ عليها أهل الفطنة الذين يحرصون على أوقاتهم وأعمارهم من الضياع دون فائدة، فهذا الشهر المبارَك فرصة للتوقُّف عن مجالس اللهو والقيل والقال، والاحتراس من الوقوع في الغِيبة والنميمة والكذب والمزاح المبالغ فيه، كل هذه الآفات يجب أن نستبدل بها الذكر فنجني أفضل الثمار في الدنيا ونثقل الموازين للآخرة. فاللهم ارزقنا ألسنةً رطبة بذكرك على الدوام واكتبنا من الذاكرين في رمضان، واجعله اللهم بدايةً لكل خير يا رحمن.. اللهم آمين.
1695
| 30 مارس 2023
في شهر رمضان المبارك، تعلن ربات المنازل حالة الطوارئ في البيوت، وتشتد المنافسة في الاستعداد لرمضان وشراء لوازم البيت والتجديدات في الأثاث وغير ذلك من مظاهر استقبال رمضان عند كثير من الأسر مع اختلاف العادات من بلد لآخر.وفي الحقيقة، ازدادت هذه المظاهر ازديادًا مُبالَغًا فيه في السنوات الأخيرة، ووصلت إلى حد التفاخر والتباهي بين الناس، وهذا أمر خطير يؤدِّي إلى الفرقة ويزرع الكراهية والحقد ويوغر القلوب. فلا شك في أن كل إنسان يعيش حسب مقدرته وظروفه وإمكاناته المتاحة له، ومزايدة شخص آخر مقتدر عليه تُشعره بالضيق والحرج، لا سيَّما أن رمضان شهر عبادة والاستعداد له يكون بتطهير النفوس وتزكيتها ورفع الهمة للنشاط في الطاعة والعبادة واستشعار روحانيَّات هذا الشهر الكريم. والله تعالى خلقنا مختلفين في الأجناس واللغات والألوان، وكذلك الطبقات والفوارق الاجتماعيَّة لحكمة يعلمها سبحانه، قال تعالى: «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا» (الزخرف: 32). وعلى الرغم من هذا الاختلاف من الخالق، فالناس سواسية، لا فرق بينهم إلا بالتقوى، ولا معيار للتفاضل غيره.. قال رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ، إلَّا بالتَّقوَى، النَّاسُ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ» (صححه الألباني). وقد لاحظنا وجود ظاهرة التباهي والتفاخُر بوضوح أكثر مع الانتشار الواسع لوسائل التواصُل وتطبيقات الإنترنت، وصارت حياة معظم الناس على مرأى ومسمع من ملايين البشر في شتَّى بقاع الدنيا.. فهناك مَن يتفاخر بالفيلا والآخر بالسيارة وغيره بالماركات والساعات والهواتف وغيرها كثير من التفاهات. وهذا أمر خطير نابع من الاستعلاء على الآخرين، وشعورك أنك أفضل من غيرك وأعلى منه يوصلك إلى الكبر والغرور، وهذا مُهلك عياذًا بالله. وكلنا يعلم أن الأصل في المسلم التحلي بالتواضُع. قال رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» (رواه مسلم).ومن أوضح مظاهر التباهي المستحدثة في رمضان: تصوير الموائد وأماكن الإفطار والسحور في الفنادق الراقية دون مراعاة لظروف الضعفاء والمحتاجين، فهذه الظاهرة منتشرة في رمضان انتشارًا مَرَضِيًّا، تجد أشخاصا لا همَّ ولا شاغل لهم في يومهم إلا تصوير الطعام والشراب، وكل ما لذَّ وطاب، فيصنع لنفسه عالمًا افتراضيًّا يتباهى فيه ويتفاخر ليل نهار، واليوم «عزومة» فلان وتصوير المائدة العملاقة، وبعده «عزومة» فلان، وهكذا طوال الشهر، يرى الجميع صورًا تُنشر كل ثانية لكل تفاصيل المشتريات والأكل والشرب في رمضان، وصار الأمر مُبالَغًا فيه، فحتى الأكواب والأطباق والعصائر والقهوة تُنشر على العام.فنصيحتي لنفسي أولًا ثم للجميع: استعدادك لرمضان أمر يخصك وحدك؛ فترتيب مشترياتك والهدف منها، سواء محاولةً منك للفراغ من أمور المنزل واستغلال وقت رمضان للعبادة فقط، أو لأنك تعطي نفسك إجازة في رمضان فتجهز أمور بيتك مبكرًا أو غير ذلك من النيات التي تجعلك تعد العدة لرمضان، كلها تخصك أنت وأسرتك ولا تهم الآخرين في شيء.
6471
| 29 مارس 2023
مع عودة رمضان كل عام نتذكر مَن حولنا في المجتمع، أو من بيننا داخل العائلة أو الأسرة، أشخاصًا فقدناهم كانوا معنا رمضان الماضي ولم يكتب الله لهم إدراك رمضان هذا العام، نسأل الله لهم المغفرة والرحمة وأن يكتب أجورهم كما لو كانوا معنا في رمضان. هؤلاء الذين انتقلوا إلى الدار الآخرة توقفت مسيرتهم عند هذا الحد في الدنيا، نسأل الله لهم حسن الجزاء. أما نحن، ومَن كتب الله لهم بلوغ رمضان هذا العام، فلا شك أنهم في نعمة عظيمة وميزة فريدة كان سلفنا الصالح يتضرَّع إلى الله ليبلغهم إياها. قال ابن رجب - رحمه الله -: لقد كان السلف الصالح يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ويدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم. وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلًا. فبلوغك رمضان لا بُدَّ أن يكون مميزًا، وعليك أن تُحسن استضافته وتعطيه بالغ اهتمامك، فلا يدري المرء هل يحيا لرمضان المقبل أم لا. كيف تجعل رمضانك مميزاً؟ تتعدَّد وجوه الخير التي يمكننا القيام بها في رمضان ليكون أكثر تميزًا وأبلغ أجرًا ومثوبةً، ولا شك أن الصدقة من أنفع الأعمال للإنسان في رمضان وغيره، ولكون رمضان يتعلَّق بالطعام والشراب وتزداد فيه النفقات، مما يشكِّل عبئًا ثقيلًا على بعض الناس ويشق على المحتاجين والفقراء شراء احتياجات رمضان، فكان من هدي رسولنا الكريم - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - كثرة الصدقة والعطاء في رمضان، فعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: «كان رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن، فلرسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أجودُ بالخير من الريح المرسَلة» (رواه البخاري). ما أجمل تعبير «ترجمان القرآن»، شبَّه جود النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - بالريح المرسلة، ممَّا يدلِّل على سرعة الصدقة وانعدام التراخي في العطاء مع سخاء وكرم في البذل من رسولنا الكريم - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. لذا، وجب علينا الاقتداء به لعظيم فضل الصدقة في رمضان. فالصيام مع الصدقة أجره مضاعف، والصدقات أبوابها كثيرة في رمضان. كما قال النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم -: «إنّ في الجنَّةِ غرفًا يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها»، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن طيَّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى بالليل والناس نيام». واعتياد الإنسان العطاء والسخاء في رمضان يشجِّعه عليهما في سائر شهور العام حتى يصير البذل والصدقة صفة من صفاته وميزة وعلامة له دون غيره، وهذا من التعرُّض لنفحات رمضان التي تجعل المؤمن مميزًا في رمضان وغيره. ونحن نرى ذلك ونلمسه في مؤسَّستنا وما تُسهم به من جهود على المستويين الداخلي والدولي، وهذا يتحقَّق بسواعد المخلصين من المتطوعين والمحسنين من أهل العطاء والسخاء. فاللهم وفِّقنا لنكون من المميزين في رمضان، وأعِنَّا اللهم على التحلِّي بخير الخصال.
2421
| 28 مارس 2023
الصبر والصوم صفتان لمعنى واحد تقريبًا، فكلاهما يتضمَّن معنى الحبس والمنع، فهما متشابهان إلى حد كبير. فالصوم: حبسُ النفس عن الطعام والشراب والشهوات. والصبر - كما عرفه ابن القَيِّم: «حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش». إذًا فكل صائم يحتاج إلى الصبر لا محالة ليستطيع مواصلة الصيام وتحصيل أجره كاملًا بإذن الله تعالى. فالصائم الذي يترك طعامه وشرابه وشهوته، يشعر بألم الجوع والعطش في نهار رمضان ويجاهد نفسه المتعلِّقة بالشهوات والملذات من المباحات، والذي يساعده على ذلك كله هو الصبر. لذلك يُطلَق على رمضان شهر الصبر؛ لأنه يربي أنفسنا على الصبر، وهو من أهم الصفات التي يجب على الإنسان التحلي بها لأنه زاد المؤمن في الحياة، يهوِّن عليه مصائبها ويعينه على صعابها. وجاء في الحديث الشريف أن النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - قال: «الصوم نصف الصبر» (أخرجه الترمذي). لذا، أنصح نفسي وإياكم بالتحلي بالصبر في كل صغيرة وكبيرة في حياتك، بل وأسأل الله أن يرزقك الصبر على ما لا تطيق.. تخيل لو ضاقت نفسك لكل أمر وقلَّ صبرك على الصعوبات، ستجد نفسك طيلة الوقت يتملَّكك الغضب والحزن والملل ويتعكر مزاجك وتُنزع السكينة واللذة من حياتك. فاصبر أثناء صومك على مشقة عملك واحتسب خدمتك لوطنك وإخوانك، واصبر على إدارة شؤون بيتك، واصبر على إزعاج الأبناء وتساؤلاتهم وغير ذلك من الروتين اليومي لكل إنسان في رمضان وغيره، واعلم أن كل ذلك له أجر عظيم؛ فعلى قدر المشقة تكون المثوبة. واعلم أن الصبر عطاء جزيل من الخالق سبحانه لصفوة عباده الذين يستحقون تلك المنزلة العالية من الله.. قال تعالى: «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» (النحل: 127). وقال: «وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (الشورى: 43). وقال النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاء أعظم ولا أوسع من الصبر» (متفق عليه). وجاءت مقولات السلف الصالح في مدح الصبر كثيرة؛ فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: «وجدنا خير عيشنا بالصبر»، وقال: «أفضل عيش أدركناه بالصبر». وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: «الصبر مطيَّة لا تكبو». قال تعالى في ثواب الصبر: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» (الزمر: 10). فالصبر كما يعينك على تحمُّل مشقات الصيام يعينك أيضًا على ضبط لسانك عن الوقوع فيما حرم الله من الغيبة والنميمة والسب والشتم والاستهزاء بالآخرين، ويعينك كذلك على تحمُّل الأذى من الآخرين أثناء الصيام، فإذا آذاك أحد بكلمة أو موقف أو تصرف تصبَّرْ عليه ولا تقابل الإساءة بالإساءة، بل ترد بقولك: «إني صائم». والصبر يجعلك هادئ النفس منضبط الأعصاب، لا تثور لأسباب تافهة وبسيطة. فالخلاصة أن الصبر يعلِّمك الانضباط السلوكي والثبات الانفعالي في الصوم وخارجه، وهذا من واقع حياتنا اليوميَّة التي نحياها، ولقد عالجنا كثيرًا من مشكلاتنا ومشكلات الآخرين بالصبر.
4200
| 27 مارس 2023
ما استعداداتك للسباق الرمضاني؟ هل تحب المنافسة وتسعى إلى القمة؟ هل وضعت خطتك للتنويع بين العبادات والإكثار من الطاعات؟ كل هذه الأسئلة وغيرها كثير تدور في أذهان المشمرين للمنافسة القوية في رمضان هذا العام، الذين ينتظرون مواسم الطاعات ليفوزوا بأفضل الثمرات، ولِمَ لا؟ فدائما أصحاب الهمم العالية ينافسون على القمة ولا يرضون بأقل منها، هـؤلاء هم الموفَّقون الفائزون بمرضاته سبحانه في كل زمان ومكان. فالمنافسة في العبادة وطاعة الله أمر محمود، حث عليه الشرع الحنيف، لا سيَّما في هذا الشهر المبارك، قال الله تعالى: «وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ» (المطففين: 26). وقال تعالى: «سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ◌ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ◌ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (الحديد: 21). وجاءت السنة النبوية تحثنا على هذا التنافس، وبخاصة في رمضان؛ وذلك لعظيم فضل هذا الشهر الكريم عند الله تعالى. يقول ابن القيم - رحمه الله -: «وكان من هَدْيِهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - في شهر رمضان: الإكثار من أنواع العبادات؛ فكان جبريل - عليه السلام - يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه الصدقة، والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور». فيجب علينا جميعًا سرعة الدخول في السباق والاقتداء بهدي رسولنا الكريم - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. ولا شكَّ أن الاستعداد للسباق الرمضاني يحتاج إلى خُطَّة قويَّة متنوِّعة حتى نسير عليها طوال الشهر الفضيل، فالتنوُّع في الطاعات أمرٌ يحثُّ النفس على النشاط ويزيد من السكينة وراحة البال، ومن أهم الأسس لقبول الأعمال: النيَّة الخالصة لله تعالى، التي لا رياء فيها ولا سمعة، وكذلك احتساب الأجر على المشقة. فالقاعدة وحجر الأساس لكل العبادات هي النية، كما قال النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم -: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». فلنصلح النيَّات في البداية قبل الإقبال على أي عمل، ثم تطهير القلوب من الحقد والحسد والكراهية، فكلما صفت القلوب ارتقت النفوس في سُلَّم العبادات. ثم لتبدأ في منافسة مَن حولك في الطاعات والعبادات، متمنيًا الخير والفوز لك ولغيرك، ومدركًا أن محاولة وصولك إلى الأعلى ليست لإثبات أنك أفضل من غيرك، بل من باب السعي إلى مرضاة الله وكي يرى الله منك صدق النية والعزيمة القويَّة. ثم احتسب أجرك على الله، فالاحتساب يجعل كل أعمالك الدنيويَّة عبادة تؤجَر عليها فيكون وقتك كله عداد حسنات لك حتى في نومك، فعوِّد نفسك الاحتساب في رمضان وغيره حتى تكون متسابقًا فائزًا باستمرار.
3072
| 26 مارس 2023
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من...
5832
| 14 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...
2355
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة،...
1587
| 19 يوليو 2026
- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد - «أبو...
1149
| 15 يوليو 2026
أتيحت لي الفرصة من خلال صحبتي- بحكم العمل-...
1149
| 16 يوليو 2026
يرتبط اسم المغفور له بإذن الله صاحب السمو...
1047
| 14 يوليو 2026
غاب عن دنيانا والد الجميع، صاحب السمو الأمير...
1020
| 14 يوليو 2026
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني…...
1014
| 14 يوليو 2026
شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...
936
| 18 يوليو 2026
في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...
795
| 17 يوليو 2026
هناك رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، لأنهم...
747
| 14 يوليو 2026
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....
744
| 20 يوليو 2026
مساحة إعلانية