رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين تصبح الرؤية قراراً تنفيذياً

في كثير من المؤسسات تُصاغ الرؤية بعناية، وتُراجع كلماتها حتى تبدو طموحة وملهمة. تُعرض في بداية الخطط الاستراتيجية، وتُذكر في الاجتماعات القيادية، وربما تُعلّق في ممرات المكاتب. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الرؤية، بل في قدرتها على توجيه القرارات اليومية داخل المؤسسة. فالرؤية التي لا تتحول إلى اختيارات تنفيذية واضحة تبقى إطاراً خطابياً أكثر منها أداة قيادة. من واقع العمل في تقييم الأداء المؤسسي، تظهر فجوة متكررة في العديد من المؤسسات: وضوح التوجه الاستراتيجي على مستوى القيادة العليا، يقابله ضعف في ترجمة هذا التوجه إلى ممارسات تشغيلية على مستوى الإدارات. وغالباً ما يعود ذلك إلى غياب ما يمكن تسميته “سلسلة الاتساق الاستراتيجي” التي تربط بين الرؤية، والأهداف، والمبادرات، والمؤشرات، والموارد. القيادة التي تقود الاستراتيجية بفعالية تدرك أن الرؤية لا تكتسب قيمتها من صياغتها، بل من قدرتها على إعادة توجيه النظام المؤسسي بأكمله. فعندما تعلن مؤسسة مثلاً أن “التحول الرقمي” يمثل أحد أولوياتها الاستراتيجية، ينبغي أن يظهر ذلك بوضوح في قرارات اعتماد المشاريع، وفي توزيع الميزانيات، وفي مؤشرات الأداء التي تتم متابعتها. فإذا بقيت أغلب الموارد موجهة إلى عمليات تقليدية دون إعادة تصميم للعمليات أو استثمار حقيقي في البنية الرقمية، فإن الرؤية هنا لم تتحول بعد إلى قرار. في إحدى عمليات تقييم الأداء التي أُجريت على جهة خدمية، كانت الاستراتيجية المعلنة تركز على “تحسين تجربة المستفيد”. غير أن تحليل مؤشرات الأداء كشف أن معظم القياسات المعتمدة كانت مرتبطة بسرعة إنجاز المعاملة وعدد الطلبات المعالجة، دون أي مؤشرات تقيس جودة التجربة أو رضا المستفيد أو سهولة الوصول للخدمة. النتيجة كانت واضحة: المؤسسة تحسن الكفاءة التشغيلية، لكنها لا تقيس القيمة التي تصل إلى المستفيد فعلياً. في هذه الحالة لم يكن التحدي في غياب التوجه، بل في غياب الأدوات التي تجسده. ترجمة الرؤية إلى واقع تتطلب أيضاً إعادة تصميم آليات اتخاذ القرار. في كثير من المؤسسات، تمر المبادرات عبر لجان متعددة للمراجعة، لكن دون وجود معيار واضح يختبر مدى ارتباط كل مبادرة بالأولويات الاستراتيجية. ومع مرور الوقت، تتراكم مشاريع متفرقة استجابة لضغوط تشغيلية أو اجتهادات إدارية، ويبدأ التباعد بين ما تسعى إليه المؤسسة نظرياً وما تنفذه عملياً. القيادة الناضجة تعالج هذه الفجوة من خلال بناء نظام واضح يربط كل مبادرة بهدف استراتيجي محدد، وكل هدف بمؤشر قابل للقياس، وكل مؤشر بمساءلة واضحة. هذا الترابط لا يضمن فقط وضوح الاتجاه، بل يخلق أيضاً قدرة مؤسسية على مراجعة المسار. فعندما تظهر البيانات أن مبادرة ما لا تحقق الأثر المتوقع، يصبح تعديلها أو إيقافها قراراً مهنياً مبنياً على الأدلة لا على الانطباعات. ومن التجارب التي تتكرر في بيئات العمل المؤسسية أيضاً استمرار بعض المشاريع لسنوات طويلة رغم تغير الأولويات الاستراتيجية. السبب في الغالب ليس اقتناع القيادة بجدواها، بل الرغبة في تجنب إرباك الهيكل التنظيمي أو الاعتراف بأن الظروف تغيرت. غير أن القيادة التي تقود الاستراتيجية بوعي تدرك أن إعادة توجيه الموارد ليست علامة على عدم الاستقرار، بل دليل على نضج الحوكمة. إن نقل الاستراتيجية من القمة إلى الميدان لا يتحقق بالخطط وحدها، بل بتصميم نظام مؤسسي يجعل الرؤية جزءاً من عملية اتخاذ القرار اليومية. فعندما يصبح اعتماد الميزانيات، وتقييم الأداء، وإطلاق المبادرات الجديدة خاضعاً لسؤال واحد واضح: كيف يخدم هذا القرار توجهنا الاستراتيجي؟ عندها فقط تبدأ الرؤية في التحول من عبارة ملهمة إلى قوة تنظيمية توجه المؤسسة. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يحدد مستوى القيادة الاستراتيجية في أي مؤسسة: عندما تُتخذ القرارات التشغيلية اليومية، هل تعمل الرؤية كمرجع فعلي يوجه الاختيارات، أم تبقى فكرة عامة نحضرها في الوثائق ونغيبها في الممارسة؟

210

| 07 مايو 2026

كيف تعيد مبادرة المدربين القطريين تشكيل سوق التدريب؟

في لحظة مفصلية يشهدها قطاع التدريب في دولة قطر، تأتي مبادرة توطين المدربين القطريين في مراكز الخدمات التعليمية والتدريبية كخطوة استراتيجية تعكس تحولًا من الطرح التنموي النظري إلى الممارسة المؤسسية الفعلية. هذه المبادرة، التي أُطلقت تحت إشراف سعادة لولوة بنت راشد الخاطر، لا تمثل مجرد برنامج دعم للكفاءات الوطنية، بل تؤسس لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف دور المدرب القطري بوصفه شريكًا في بناء المعرفة، لا مجرد منفذ للبرامج. لطالما واجه المدربون القطريون تحديات تتعلق بمحدودية الفرص، وغياب الأطر التنظيمية التي تضمن عدالة الوصول إلى السوق التدريبي، إضافة إلى تفاوت معايير التعاقد والتقييم. ومن هنا، تأتي أهمية هذه المبادرة في كونها لا تكتفي برفع الشعارات، بل تقدم أدوات تنفيذية واضحة تشمل الترخيص، وبناء قاعدة بيانات وطنية، وربط المراكز التعليمية بقائمة مدربين معتمدين، وهي خطوات تسهم في تنظيم السوق وتعزيز الشفافية فيه. غير أن القيمة الحقيقية لأي مبادرة لا تُقاس بعدد المسجلين فيها، بل بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في جودة المخرجات. وهنا يبرز التحدي الأهم: كيف نضمن أن التوطين يسير بالتوازي مع التميز؟ إن الإجابة تكمن في الاستثمار الجاد في تأهيل المدربين، وتبني معايير مهنية دقيقة، وتطبيق آليات قياس أثر واضحة، تضمن أن كل برنامج تدريبي يحقق قيمة حقيقية للمستفيدين. وفي هذا السياق، تبرز فرصة نوعية لتعزيز المبادرة من خلال استحداث مسار متخصص للمدربين ذوي الخبرة الممتدة (15–20 عامًا فأكثر)، بحيث يتم توظيف خبراتهم في أدوار استراتيجية تتجاوز التنفيذ إلى التأثير. فهؤلاء لا يمثلون فقط خبرات تراكمية، بل يشكلون رأس مال معرفي قادرًا على إعادة تشكيل منظومة التدريب. ويمكن الاستفادة منهم كمستشاري تدريب معتمدين، يتولون تصميم البرامج، وبناء الحقائب التدريبية، والمساهمة في تطوير السياسات التدريبية داخل المؤسسات. كما يمكن إسناد أدوار استشارية لهم داخل الجهات الحكومية وشبه الحكومية، بهدف تشخيص الاحتياجات التدريبية وربطها بشكل مباشر بالأولويات الوطنية ومتطلبات سوق العمل، مع الأخذ بعين الاعتبار التسارع التكنولوجي الذي يعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات. وبهذا، يصبح التدريب أداة استراتيجية للتطوير المؤسسي، لا مجرد نشاط تكميلي. ومن المهم كذلك أن تتبنى المبادرة نهجًا قائمًا على البيانات في إدارة سوق التدريب، من خلال بناء نظام وطني لرصد وتحليل الاحتياجات التدريبية بشكل دوري، وربطها بمؤشرات الأداء المؤسسي في الجهات المختلفة. فالتحدي لم يعد في تقديم عدد أكبر من البرامج، بل في تقديم برامج أكثر دقة وتأثيرًا، تستجيب لتحولات سوق العمل، وتدعم جاهزية الكفاءات الوطنية للمهن المستقبلية. كما أن توظيف التقنيات الحديثة، مثل التعلم الرقمي والتحليلات الذكية، يمكن أن يعزز من كفاءة العملية التدريبية، ويضمن استدامة أثرها على المدى الطويل. إن ربط هذه الجهود بمستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 يعزز من اتساقها مع المسار التنموي للدولة، ويضمن أن الاستثمار في المدرب القطري ينعكس بشكل مباشر على جودة رأس المال البشري، وهو الركيزة الأساسية لأي اقتصاد معرفي. في المحصلة، تمثل هذه المبادرة فرصة حقيقية لإعادة هندسة سوق التدريب في قطر، بحيث يصبح أكثر تنظيمًا، وعدالة، وكفاءة. لكنها في الوقت ذاته مسؤولية مشتركة تتطلب التزامًا من جميع الأطراف: الجهات المنظمة، والمراكز التدريبية، والمدربين أنفسهم. فالتوطين ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لصناعة أثر مستدام. وإذا ما أُديرت هذه المبادرة برؤية استراتيجية واضحة، فإنها لن تكتفي بتمكين المدرب القطري، بل ستُسهم في بناء منظومة تدريب وطنية قادرة على المنافسة، وصناعة المستقبل.

492

| 23 أبريل 2026

قيادة المؤسسات.. من إدارة الأشخاص إلى هندسة الأداء

اعتادت الأدبيات الإدارية طويلاً على تصوير القيادة بوصفها قدرة على تحفيز الأفراد، وتوجيه الفرق، وإدارة العلاقات داخل المؤسسة. ورغم أهمية هذا البعد الإنساني، فإن الاقتصار عليه يختزل دور القائد في إطار إشرافي تقليدي. أما في المؤسسات التي تسعى إلى نضج حقيقي، فإن القيادة تتجاوز إدارة الأشخاص إلى ما هو أعمق: هندسة الأداء نفسه. إدارة الأشخاص تركز على توزيع المهام، ومتابعة الإنجاز، ومعالجة التعثرات اليومية. أما هندسة الأداء فتنشغل بتصميم النظام الذي تنتج من خلاله تلك المهام نتائج قابلة للقياس والاستدامة. الفارق هنا ليس لغوياً، بل بنيوي. ففي الأولى، يبقى القائد قريباً من التفاصيل التشغيلية، وفي الثانية، يصبح معمارياً يصمم العلاقات بين الاستراتيجية، والعمليات، والموارد والمؤشرات. حين تتبنى القيادة دور “مهندس الأداء”، فإنها تبدأ بطرح أسئلة مختلفة: هل أهدافنا الاستراتيجية مترجمة إلى مؤشرات ذات معنى؟ هل تتدفق المعلومات بين الإدارات بشكل يسمح باتخاذ قرارات دقيقة؟ هل الحوافز مرتبطة بالنتائج الفعلية أم بالجهد المبذول؟ هل العمليات مصممة لتقليل الهدر والمخاطر، أم تراكم التعقيد بمرور الوقت؟ هذا النوع من التفكير يحوّل القيادة من مراقب للنتائج إلى صانعٍ لشروط إنتاجها. فبدلاً من التدخل عند حدوث المشكلة، يُعاد تصميم العملية التي أنتجتها. وبدلاً من الضغط على الأفراد لتحسين الأرقام، يُعاد النظر في آليات القياس نفسها: هل تقيس ما يجب قياسه؟ وهل تعكس القيمة المضافة الحقيقية؟ أحد أبرز مظاهر غياب هندسة الأداء هو تضخم المبادرات دون اتساق. تُطلق مشاريع متعددة استجابة لتحديات مختلفة، لكن دون إطار يجمعها أو يربطها بأولويات محددة. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى شبكة معقدة من الأنشطة التي يصعب تقييم أثرها الكلي. هنا تتجلى مسؤولية القيادة في تقليص التشعب، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء خريطة أداء واضحة تجعل كل مبادرة تخدم هدفاً محدداً ومقاساً. كما أن هندسة الأداء تعني ربط الموارد بالاستراتيجية بشكل صارم. فلا معنى لأهداف طموحة لا تنعكس في توزيع الميزانيات، ولا جدوى من مؤشرات دقيقة إذا لم تُستخدم في إعادة توجيه الاستثمار البشري والمالي. القيادة الناضجة تدرك أن الأثر لا يتحقق بالتصريحات، بل بالمواءمة الدقيقة بين ما يُخطط له وما يُموّل وما يُنفذ. ويتطلب هذا التحول أيضاً شجاعة مراجعة المسلمات. فبعض العمليات تستمر لسنوات دون مساءلة حقيقية لجدواها. وبعض المؤشرات تُستخدم لأنها سهلة القياس لا لأنها مهمة. هندسة الأداء تفرض على القيادة أن تسأل بانتظام: ما الذي يمكن تبسيطه؟ ما الذي يمكن دمجه؟ ما الذي يجب إيقافه؟ فالنضج لا يتحقق بإضافة طبقات جديدة، بل بإزالة ما لا يضيف قيمة. عند الأزمات أو التغيرات الهيكلية، يظهر أثر هذا التحول بوضوح. المؤسسة التي أُديرت بمنطق إدارة الأشخاص فقط قد تعتمد على مهارات فردية تعوض ضعف النظام. أما المؤسسة التي صُمم أداؤها بعناية، فإنها تمتلك وضوحاً في العمليات، وتدفقاً منظماً للمعلومات، وقدرة على اتخاذ القرار بسرعة ودقة. هنا يصبح الاستقرار نتيجة طبيعية للتصميم الجيد، لا لحسن الحظ. إن الانتقال من إدارة الأشخاص إلى هندسة الأداء لا يعني إهمال البعد الإنساني، بل تأطيره داخل نظام واضح وعادل. فالأفراد يبدعون أكثر عندما يفهمون دورهم في الصورة الكلية، وعندما تُقاس مساهماتهم بمعايير شفافة، وعندما يشعرون أن القرارات تستند إلى منطق مؤسسي لا إلى اجتهادات ظرفية. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يحدد مستوى القيادة الحقيقي: هل أركز على متابعة ما يفعله الناس يومياً، أم أعمل على تصميم النظام الذي يجعل أداءهم أكثر اتساقاً وكفاءة وتأثيراً؟ الفرق بين الدورين هو الفرق بين إدارة العمل، وبناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والتفوق.

381

| 13 أبريل 2026

قطر وإدارة الأزمات

عندما تواجه الدول الأزمات الكبرى، تنكشف حقيقة قوة مؤسساتها. فالأزمات لا تختبر الموارد الاقتصادية فقط، بل تكشف أيضاً مدى نضج منظومة القرار وقدرتها على العمل بكفاءة في لحظات الضغط. وخلال أقل من عقد، وجدت قطر نفسها أمام سلسلة من الاختبارات المعقدة؛ من حصار سياسي مفاجئ، إلى جائحة عالمية غير مسبوقة، وصولاً إلى توترات إقليمية متصاعدة. غير أن ما كشفت عنه هذه التجارب لم يكن مجرد قدرة على الصمود، بل نموذجاً مؤسسياً متماسكاً في إدارة الأزمات يجمع بين الكفاءة والهدوء والبعد الإنساني. سبق أن واجهت الدولة أصعب الاختبارات في تاريخها الحديث حين وجدت نفسها أمام تحدٍ مفاجئ مسّ حركة التجارة وسلاسل الإمداد والاتصال مع محيطها الإقليمي. غير أن الاستجابة المؤسسية كانت سريعة وواضحة؛ إذ تحركت مؤسسات الدولة لإعادة تنظيم مسارات التجارة، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي. وخلال فترة وجيزة تحولت الأزمة من تهديد للاستقرار إلى نقطة انطلاق لبناء منظومة أكثر قوة في مجالات الأمن الغذائي وتعزيز الاعتماد على القدرات الوطنية. ولم تمض سنة حتى واجهت قطر كما العالم أزمة صحية غير مسبوقة مع انتشار جائحة كوفيد 19. وفي تلك المرحلة برزت جاهزية النظام الصحي في قطر، حيث قادت وزارة الصحة العامة بالتعاون مع أكبر مؤسسة صحية في الدولة منظومة استجابة صحية متكاملة. وقد شملت هذه الاستجابة التوسع في قدرات الفحص والعلاج، وتوفير الرعاية الصحية للجميع، إلى جانب اتخاذ إجراءات وقائية حافظت على توازن دقيق بين حماية الصحة العامة واستمرار النشاط الاقتصادي والاجتماعي. وقد عكست هذه المرحلة قدرة المؤسسات على العمل المشترك في مواجهة أزمة عالمية غير مسبوقة. كما امتد الدور القطري إلى ما هو أبعد من إدارة الأزمات داخلياً، ليشمل الإسهام في تهدئة عدد من الأزمات الدولية. فقد أصبحت الدوحة منصة للحوار والوساطة في قضايا معقدة، وكان من أبرز هذه الجهود الاتفاق الذي تم توقيعه في الدوحة والمعروف بـاتفاق الدوحة بين الدول المتنازعة وغيرها الكثير من أدوار الوساطة، والتي عززت بمجموعها صورة قطر كدولة تسهم في تقريب وجهات النظر وبناء الجسور في أوقات التوتر والانقسام. واليوم، ومع ما تشهده المنطقة من تحديات أمنية وتوترات متصاعدة، تبدو الخبرة المؤسسية التي راكمتها قطر خلال السنوات الماضية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فقد أظهرت التجارب السابقة أن إدارة الأزمات لا تعتمد فقط على الإمكانات المادية، بل على منظومة مؤسسية قادرة على اتخاذ القرار بهدوء، والتنسيق بين مختلف الجهات، والحفاظ في الوقت ذاته على استقرار المجتمع. لقد أثبتت التجربة القطرية أن إدارة الأزمات ليست مجرد استجابة طارئة، بل منظومة متكاملة تقوم على التخطيط المسبق والعمل المؤسسي المنظم. والأهم من ذلك أن هذه الإدارة ظلت وفية لقيمة أساسية تتمثل في وضع الإنسان في قلب السياسات العامة، حيث لم يكن الهدف فقط تجاوز الأزمات، بل حماية المجتمع وصون كرامة كل من يعيش على أرض قطر. وفي عالم يزداد اضطراباً، تقدم قطر درساً مهماً مفاده أن التميز المؤسسي الحقيقي لا يظهر في أوقات الاستقرار، بل يتجلى في الطريقة التي تُدار بها الأزمات. فعندما تكون المؤسسات قوية والرؤية واضحة، تتحول التحديات من أخطار تهدد الاستقرار إلى فرص تعزز صلابة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساته.

447

| 12 مارس 2026

القيادة التي تصنع المنظومة لا الإنجاز المؤقت (1)

في زمن تتسارع فيه المتغيرات، لم تعد القيادة وظيفة إدارية تقليدية، بل أصبحت مسؤولية تصميم منظومة قادرة على الاستمرار والتكيّف وتحقيق الأثر. لم يعد يكفي أن يدير القائد العمليات بكفاءة، أو أن يحقق نتائج قصيرة المدى؛ التحدي الحقيقي يكمن في قدرته على بناء نظام أداء متكامل، يربط الرؤية بالقرارات اليومية، والاستراتيجية بالموارد، والمؤشرات بالقيمة العامة. التحول المؤسسي لا يبدأ من الهياكل التنظيمية ولا من الخطط المكتوبة، بل من عقل القيادة وقناعاتها. فالقائد هو من يحدد ما إذا كانت المؤسسة ستكتفي بإدارة الإنجاز، أم ستتجه إلى صناعة التميز المستدام. وهو من يقرر ما إذا كانت الاستراتيجية ستبقى وثيقة مرجعية، أم ستتحول إلى سلوك يومي وممارسة تشغيلية. هذه السلسلة لا تتناول القيادة بوصفها مهارة شخصية، بل بوصفها ممارسة مؤسسية لها أثر مباشر على نضج الأداء، واستدامة النتائج، وقدرة المؤسسة على الصمود في الأزمات. سنناقش فيها كيف تتحول الرؤية إلى قرارات تنفيذية، وكيف تُبنى منظومات أداء لا تعتمد على الأفراد، وكيف يُختبر القائد الحقيقي في لحظات الضغط لا في أوقات الاستقرار. الهدف من هذه السلسلة ليس تقديم نصائح عامة، بل تفكيك دور القيادة في صناعة التحول، وطرح أسئلة مهنية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين القائد والنتائج التي تحققها مؤسسته. وأدعوكم إلى أول مقال في هذه السلسة. القيادة التي تصنع المنظومة.. لا الإنجاز المؤقت يُقاس نجاح كثير من القيادات بنتائج سريعة: مشروع أُنجز في موعده، مؤشر ارتفع خلال ربع سنة، مبادرة حظيت بإشادة إعلامية. غير أن هذا النوع من النجاح، على أهميته، لا يكفي للحكم على نضج القيادة. فالقيادة الحقيقية لا تُختبر بقدرتها على تحقيق إنجاز ظرفي، بل بقدرتها على بناء منظومة أداء تستمر في تحقيق النتائج حتى في غيابها. الفرق بين الإنجاز المؤقت والمنظومة المستدامة دقيق لكنه حاسم. الإنجاز المؤقت غالباً ما يعتمد على حماس فردي، أو تدخل مباشر من القائد، أو ضغط إداري مكثف لفترة محددة. أما المنظومة المستدامة فتعتمد على وضوح الأدوار، وترابط العمليات، ودقة المؤشرات، وثقافة مساءلة عادلة. الأولى ترتبط بالأشخاص، والثانية ترتبط بالنظام. القيادة التي تصنع منظومة لا تنشغل فقط بما يجب تحقيقه، بل بكيفية تحقيقه ومن يملكه وكيف يُقاس أثره. هي قيادة تفكر في استمرارية الأداء، لا في لحظة النجاح. تسأل: هل يمكن لهذا الإنجاز أن يتكرر بنفس الجودة إذا تغير المدير؟ هل النظام واضح بما يكفي ليعمل دون تدخل استثنائي؟ هل القرارات مبنية على بيانات يمكن تتبعها، أم على اجتهادات شخصية؟ في كثير من المؤسسات، نرى مبادرات متميزة تنهار بمجرد انتقال قائدها أو تغير أولويات المرحلة. السبب ليس ضعف الفكرة، بل غياب التأصيل المؤسسي. حين لا تتحول المبادرات إلى عمليات واضحة، ولا تُدمج في السياسات، ولا تُربط بمؤشرات أداء معتمدة، تبقى رهينة الأفراد. وهنا يكمن التحدي الأكبر: تحويل النجاحات الفردية إلى قدرات مؤسسية. القائد الذي يصنع منظومة يدرك أن مهمته الأساسية ليست إدارة التفاصيل، بل تصميم البيئة التي تجعل الأداء المتميز هو القاعدة لا الاستثناء. فهو يحرص على مواءمة الاستراتيجية مع الموارد، ويربط التقييم بالمكافأة، ويُرسخ ثقافة تعلم لا تعاقب على الخطأ بل تستثمره في التحسين. كما يوازن بين الطموح والانضباط؛ فلا يطلق مبادرات تفوق قدرة المؤسسة، ولا يقبل بنتائج لا تستند إلى قياس موضوعي. التحول المؤسسي يبدأ عندما ينتقل القائد من عقلية “تحقيق الهدف” إلى عقلية “بناء النظام”. في الأولى، ينصب التركيز على الوصول إلى نتيجة محددة مهما كانت الوسائل. وفي الثانية، ينصب التركيز على تطوير آلية تضمن تكرار النتائج بكفاءة وعدالة وشفافية. هذا التحول هو ما يميز القيادة التي تترك أثراً عابراً، عن القيادة التي تبني إرثاً مؤسسياً. وفي لحظات الأزمات أو تغير القيادات، يظهر الفرق بوضوح. المؤسسة التي بُنيت على منظومة واضحة تستمر في العمل بثبات، بينما المؤسسة التي اعتمدت على إنجازات ظرفية تبدأ في الارتباك. لذلك فإن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه القائد ليس رقماً قياسياً في مؤشر، بل نظاماً قادراً على إنتاج الأرقام باستمرار. وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه: هل أُدير مؤسستي لتحقيق نتائج سريعة تعكس حضوري، أم أبني نظاماً سيستمر في تحقيق النتائج حتى بعد غيابي؟

498

| 07 مارس 2026

غذاء المرضى.. الحلقة الصامتة في معادلة الجودة الصحية

أصيبت أمي، بكسرٍ في قدمها، على سريرٍ أبيض في غرفةٍ بيضاء، تتلقى العلاج وفق بروتوكولات دقيقة، وأجهزة تومض حولها بكفاءة لا يختلف عليها اثنان. كانت المتابعة حثيثة، لكن شيئاً واحداً كان ينهار بصمت: طبق الطعام الموضوع أمامها. في كل وجبة، كانت تنظر إلى الطبق، تقترب قليلاً، ثم تتراجع. الرائحة غير مستساغة، الطعم باهت، القوام غير متوازن، والألوان لا تُغري مريضاً بالكاد يملك شهية، ثم يُرفع الطبق كما هو تقريباً… إلى سلة المهملات. ثلاثة أسابيع من الهدر الغذائي، وثلاثة أسابيع من نقصٍ صامت في التغذية وخطة التعافي. إن جودة الرعاية الصحية تتجلى في تفاصيل قد تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها عميقة الأثر في مسار التعافي. أحد أبرز هذه التفاصيل هو الطعام الذي يُقدَّم للمريض يومياً. خلال هذه الثلاثة أسابيع من مرافقتي لوالدتي (وهي سيدة متقدمة في العمر تم اجراء جراحة للكسر الذي في قدمها، وهي مريضة سكر وقلب وارتفاع في ضغط الدم) في مركز الجراحة التخصصي، كنت أراقب بعين الكاتب وأحلل بعين الخبير في الصحة البيئية، لا يمكنني فصل هذا المشهد عن مؤشرات الجودة المؤسسية. في المرافق الصحية، لا تُقاس كفاءة خدمة الغذاء بعدد الوجبات المقدمة، بل بنسبة ما يُستهلك فعلياً، ومستوى القبول الحسي، وانخفاض معدلات الهدر. فالرائحة غير المقبولة ليست مسألة ذوق، بل قد تكون انعكاساً لقصور في إجراءات التنظيف قبل الاستخدام، أو خللا في تطهير الأدوات، أو ضعفا في إدارة التخزين وسلسلة التبريد، أو تلوثا تبادليا داخل بيئة التحضير. الجودة الحسية في أنظمة سلامة الغذاء ليست ترفاً، بل أداة رقابية أولية. تغير الرائحة أو الطعم هو إنذار مبكر لأي خلل تشغيلي، خصوصاً في بيئة تضم مرضى من كبار السن وذوي أمراض مزمنة. والمريض المسنّ، بحساسيته الجسدية العالية، يلتقط هذه المؤشرات فوراً، فيفقد ثقته بالطعام قبل أن يلمسه. حالة والدتي كانت تتطلب غذاءً يؤدي أدواراً متعددة في آنٍ واحد: ضبط مستويات السكر عبر توزيع متوازن للكربوهيدرات، دعم القلب وضغط الدم عبر تقليل الصوديوم والدهون المشبعة، وتعزيز التئام العظم والأنسجة عبر توفير البروتين والعناصر المعدنية الأساسية. لكن الوجبة التي لا تُؤكل لا تحقق أياً من هذه الأهداف، مهما كانت قيمتها الغذائية النظرية مدونة على الورق. كما أن محدودية التنوع تقلل من فرص الالتزام الغذائي. كبار السن تتراجع شهيتهم بسهولة، ويحتاجون إلى تحفيز بصري وحسي يعيد فتح الرغبة في الأكل. التكرار والرتابة لا يخدمان هذا الهدف، بل يعمّقان الفجوة بين ما يُقدَّم وما يُستهلك. تحسين هذا الواقع لا يحتاج إلى حلول معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة إدارية واضحة. يبدأ ذلك بمراجعة صارمة لبروتوكولات النظافة والتطهير، والتحقق الميداني من فعاليتها، ومراقبة بيئة المطبخ من حيث إدارة الروائح، وفصل مناطق التحضير، والالتزام بضوابط التخزين في درجات حرارة مناسبة. ويستمر بإشراك أخصائيي التغذية السريرية في تصميم قوائم متنوعة، موجهة لحالات مرضية مركبة، مع اعتماد مؤشرات أداء تقيس رضا المرضى ونسب الهدر الغذائي بصورة دورية. في قطاع الرعاية الصحية، تُبنى السمعة على اكتمال المنظومة، لا على تميز جزء منها. وجود منظومة علاجية متقدمة لا يعفي من مسؤولية ضمان غذاء آمن، نظيف، مقبول حسياً، ومصمم وفق احتياجات مرضى حقيقيين. فالغذاء في المستشفى ليس خدمة فندقية، بل مكوّن بيئي وصحي يؤثر مباشرة في مسار التعافي. وأي فجوة فيه هي فجوة في نظام الجودة ككل. فالوجبة التي تُرمى ليست مجرد طعام فائض، بل مؤشر جودة يستحق التوقف عنده بجدية.

330

| 21 فبراير 2026

التميز الحكومي القطري من "فرحة الفوز" إلى "استدامة الأثر"

لم تكن لحظة اعتلاء منصة التكريم في جائزة قطر للتميز الحكومي مجرد مراسم بروتوكولية، بل كانت عُرساً وطنياً تجلت فيه ثمار الجهد والمثابرة، وكم كنتُ أشعر بالفخر والسعادة وأنا أرى زملائي في الجهات الحكومية يحصدون نتاج غرسهم. لكن سعادتي بلغت ذروتها حين أعلن الدكتور عبد العزيز بن ناصر آل خليفة أن نجاح هذه النسخة لم يقتصر على ارتقاء الجهات فحسب، بل في تأهيل وتمكين كفاءات قطرية لتولي عملية التقييم للمرة الأولى؛ إنها خطوة إستراتيجية تؤكد أن التميز في قطر بات يُصنع بأيادٍ وعقول قطرية، مؤمنة بالرؤية وقادرة على قياس الأداء بأعلى المعايير العالمية. إن اللحظة التي تلي إعلان النتائج هي "الاختبار الحقيقي"؛ فهي تفصل بين جهات تعتبر الجائزة محطة وصول فتركن إلى الإنجاز، وبين جهات ذكية تعتبرها نقطة ارتكاز لقفزة نوعية، فالقيمة الحقيقية لا تكمن في الدرع الذهبي، بل في "التقرير التعقيبي". هذا التقرير هو مرآة كاشفة للواقع المؤسسي، وأولى خطوات الاحترافية تبدأ بتفكيكه بعقلية تحليلية تبحث عن "الفجوات" بعيداً عن منطق الدفاع عن النفس، لربط المخرجات بمستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030، فهو الخريطة لا الدرع. والتميز ليس حالة ثابتة، بل هو ديناميكية مستمرة تتطلب من القيادة العليا تحويل الملاحظات الفنية للمقيمين إلى خطط عمل تشغيلية مرتبطة بجدول زمني ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بحيث يصبح التقرير التعقيبي هو "خريطة الطريق" الفعلية للتحول المؤسسي. وعليه، فإن المهمة التالية تتطلب الانتقال الجذري من "ثقافة الامتثال للمعايير" إلى "ثقافة المأسسة". في سياق عمليات التقييم، تبرز ظاهرة يعرفها كثير من المهتمين بمجال التميز المؤسسي، وهي ما يمكن تسميته بـ"التميز الموسمي". حيث تُبذل جهود استثنائية تتركز فقط مع اقتراب موعد الزيارات الميدانية أو في فترة التقييم، فتظهر بشكل لافت في تلك المرحلة، بينما تغيب عن المشهد في الفترات الأخرى. هذا النمط من الأداء يُشير إلى أن بعض المؤسسات تتعامل مع معايير التميز كاستحقاق مؤقت يرتبط بالجوائز أو المناسبات، بدلاً من أن يكون نهجاً مستداماً وثقافة مؤسسية متجذرة في العمل اليومي. إن التحدي الحقيقي يكمن في ترسيخ التميز كقيمة مستمرة، بحيث تصبح الإنجازات ثمرة جهود متواصلة وليست ردة فعل ظرفية مرتبطة فقط بمواعيد التقييم. إن تحقيق الاستدامة الحقيقية يتطلب دمج معايير نموذج قطر للتميز الحكومي — مثل التوجه الريادي والقيمة النوعية — في عمق العمليات اليومية للمؤسسة. هذا يعني ضرورة مراجعة سياسات الموارد البشرية، ورقمنة الخدمات بناءً على تجربة المتعامل وليس فقط لتوافر التكنولوجيا، وضمان أن الابتكار ليس مجرد شعار في الردهات بل هو ممارسة ممنهجة لحل مشكلات العمل اليومية. إن المؤسسة التي تنجح في "توطين التميز" هي تلك التي تجعل من معايير الجائزة لغة يومية يتحدثها الموظف في الصفوف الأمامية قبل المسؤول في مكتبه، بحيث لا يعود التميز عبئاً إضافياً، بل الطريقة الوحيدة والمثلى لأداء المهام. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الدولة، خاصة مع التركيز المكثف في النسخ القادمة على "الأثر والنتائج" والريادة في "استخدامات الذكاء الاصطناعي"، فتنصح المؤسسات بالبدء فوراً في بناء منظومة بيانات متكاملة وموثوقة. فالمقيم، لا تبهره الخطط الطموحة المودعة في الأدراج بقدر ما تبهره النتائج المثبتة رقمياً والأثر الملموس على سعادة المتعامل وكفاءة استغلال الموارد الحكومية. لذا، يجب على الجهات الحكومية اليوم استثمار مخرجات الجائزة في إعادة هندسة إجراءاتها لتكون أكثر مرونة واستباقية. إن التميز الحقيقي هو قدرة المؤسسة على التنبؤ باحتياجات المواطن وتقديم الحلول قبل أن يطلبها. وفي النهاية، يبقى الاستثمار في الكادر الوطني هو الضمانة الوحيدة لنمو هذا التميز؛ فالفوز الحقيقي هو بناء جيل من القادة الحكوميين الذين يؤمنون بأن الجودة هي "أمانة" وطنية ومسؤولية مهنية، وأن ما بعد الجائزة هو ببساطة سباق مع الذات لتقديم ما يليق بدولة قطر ومكانتها العالمية.

564

| 17 فبراير 2026

التدريب الحكومي.. هل يقود فعلياً إلى تحقيق رؤية 2030؟

في ظل التوسع المستمر في البرامج التدريبية الحكومية، يبرز تساؤل مشروع: هل يقود التدريب الحكومي فعليًا إلى تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030؟ أم أنه ما زال في كثير من الأحيان نشاطًا تطويريًا محدود الأثر؟ هذا التساؤل لا ينتقص من أهمية التدريب، بقدر ما يعكس الحاجة إلى إعادة النظر في دوره بوصفه أداة تنفيذ إستراتيجية، لا مجرد وسيلة لبناء المهارات العامة. ومن خلال خبرتي العملية في تقديم عدد من الدورات والبرامج التدريبية في أحد المعاهد الوطنية المعنية بتأهيل الكوادر الحكومية، وما أتاحه ذلك من تفاعل مباشر مع قيادات ومسؤولين من مختلف الجهات، تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد البرامج التدريبية أو تنوعها، وإنما في مدى ارتباطها بالأولويات الوطنية وقدرتها على دعم تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 بصورة منهجية وقابلة للقياس. لقد أظهرت الممارسة أن بعض البرامج التدريبية، رغم جودتها العلمية، تُنفّذ أحيانًا بمعزل عن الإطار الإستراتيجي الأشمل للدولة، فتتحول إلى نشاط تدريبي محدود الأثر. في المقابل، عندما يُنظر إلى التدريب بوصفه جزءًا أصيلًا من منظومة تحقيق الرؤية، وضمن نهج مؤسسي تقوده جهات متخصصة في بناء القدرات الحكومية، فإنه يصبح رافعة حقيقية لتحسين جودة القرار، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز التكامل بين الجهات. إن ربط التدريب بمحاور رؤية قطر الوطنية 2030 لا ينبغي أن يكون ربطًا شكليًا أو لفظيًا، بل ربطًا منهجيًا يقوم على فهم عميق لمكوناتها الأربعة: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. فالتدريب في هذا السياق لا يهدف فقط إلى نقل المعرفة، بل إلى بناء قدرات قيادية وتنفيذية قادرة على ترجمة الأهداف الإستراتيجية إلى سياسات وبرامج ومبادرات قابلة للتنفيذ والقياس. وفي محور التنمية البشرية، تبرز الحاجة إلى برامج تدريبية تُعنى بإعداد القيادات الوطنية، وتعزيز التفكير الإستراتيجي، وصناعة القرار المبني على الأدلة، وإدارة التغيير في بيئات عمل تتسم بالتعقيد وعدم اليقين. فالموارد البشرية تمثل الأساس الذي تقوم عليه الرؤية، وأي قصور في تأهيلها أو تمكينها ينعكس مباشرة على قدرة المؤسسات على تحقيق مستهدفاتها. أما على مستوى التنمية الاجتماعية، فإن التدريب يؤدي دورًا محوريًا في دعم التماسك المجتمعي وجودة الحياة. وباعتبارنا دولة مسلمة تستند في قيمها وتشريعاتها إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، فإن إدماج البعد الديني والقيمي في البرامج التدريبية يُعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق تنمية اجتماعية متوازنة. فالقيم الإسلامية، بما تحمله من مبادئ العدالة والتكافل والمسؤولية وحفظ الكرامة الإنسانية، تشكّل ركيزة لبناء مجتمع مستقر، وينبغي أن تنعكس ضمن السياسات والبرامج، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة والأسرة. وفيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، تفرض التحولات الإقليمية والدولية ضرورة تطوير برامج تدريبية تدعم اقتصاد المعرفة والابتكار والاستدامة، وتعزز قدرات الكوادر الوطنية في التخطيط الاقتصادي وإدارة المشاريع الكبرى وتنمية مهارات المستقبل. كما لا يقل البعد البيئي أهمية، إذ يتطلب تحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة كوادر قادرة على دمج الاستدامة والصحة البيئية في مختلف السياسات والقرارات. وفي الختام، فإن ربط التدريب الحكومي برؤية قطر الوطنية 2030 لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات المرحلة القادمة. فالتحديات المتسارعة وارتفاع سقف التوقعات من الأداء الحكومي يحتمان أن يكون التدريب موجّهًا، ومخططًا، ومقاس الأثر، ليؤدي دوره الحقيقي في تمكين المسؤولين وتحويل الرؤية من إطار إستراتيجي طموح إلى واقع ملموس يخدم الدولة والمجتمع.

399

| 11 فبراير 2026

جائزة التميز الحكومي قاطرة رؤية 2030

بينما تمضي دولة قطر بخطى واثقة وثابتة نحو استكمال صرح نهضتها الشاملة، تبرز «جائزة قطر للتميز الحكومي» كأحد أهم الروافد الإستراتيجية التي تصب في مجرى تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030. إن هذا المشروع الطموح، الذي أطلقه ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، لا يمثل مجرد منصة للتكريم الرمزي أو احتفالية سنوية لتوزيع الجوائز، بل هو في جوهره فلسفة قيادية متكاملة، ومنظومة عمل إستراتيجية تهدف إلى صياغة عقد جديد من الكفاءة الحكومية، تلتقي فيه طموحات القيادة الرشيدة مع تطلعات المجتمع القطري في الوصول إلى جهاز إداري عالمي المستوى، يتسم بالمرونة، والشفافية، والقدرة العالية على الابتكار الاستباقي لمواجهة متغيرات العصر. وينبثق هذا الترابط الوثيق من إدراك سياسي وعلمي عميق بأن «التنمية البشرية»، التي تضعها الرؤية الوطنية على رأس أولوياتها الأربع، تقتضي بالضرورة خلق بيئة عمل محفزة تمكن الكوادر القطرية من استثمار كامل طاقاتها الإبداعية. إن الجائزة، عبر معاييرها الصارمة التي تحاكي أفضل الممارسات الدولية، تحول المؤسسات الحكومية إلى حواضن حقيقية لصناعة قادة المستقبل، مما يعزز من «مرونة الدولة» وقدرتها على تحويل التحديات المتغيرة إلى فرص نمو مستدام. هذا الاستثمار في رأس المال البشري يضمن خلق قوة عاملة قطرية مسلحة بأحدث منهجيات التميز المؤسسي، وهو ما يجسد جوهر الركيزة الأولى للرؤية في بناء مجتمع متقدم ومزدهر. وفي سياق التحول الهيكلي، تعمل الجائزة كأداة تغيير جذرية للثقافة المؤسسية داخل أروقة الجهاز الإداري للدولة. فهي تسعى لتجاوز مفاهيم الرقابة البيروقراطية التقليدية، لتكرس بدلاً منها ثقافة «إدارة النتائج» و»تعظيم الأثر المستدام». فمن خلال تحفيز التنافسية الإيجابية بين مختلف الوزارات والهيئات، نجد سباقاً محموماً نحو تبني حلول «الحكومة الذكية» وتعزيز التحول الرقمي الشامل، مما يسهم بشكل مباشر في رفع جودة الحياة للمواطن والمقيم على حد سواء. إن تبسيط المسارات الإجرائية وتقليل الهدر الإداري لا يعزز الكفاءة التشغيلية فحسب، بل يرسخ قيم الشفافية والنزاهة، وهي ركائز أساسية لاستقطاب الاستثمارات العالمية وتعزيز مكانة قطر كمركز إقليمي ودولي رائد للأعمال والابتكار. علاوة على ذلك، يظهر البعد الإستراتيجي للجائزة في قدرتها الفائقة على توحيد الجهود المؤسسية المبعثرة، وربط الأهداف التشغيلية الصغرى بالإستراتيجية الوطنية الكبرى. فالتقييم الدوري والمستقل الذي تخضع له الجهات وفق «نموذج التميز القطري» يضمن أن كل خطة تنفيذية، وكل مبادرة حكومية، هي خطوة مدروسة ومحسوبة في اتجاه بوصلة 2030. وهنا يبرز مفهوم «تجربة المتعامل» كبوصلة حقيقية للنجاح؛ إذ لم يعد التميز يقاس بحجم الإنفاق أو عدد الموظفين، بل بمدى رضا المجتمع عن جودة وسرعة وسهولة الخدمات المقدمة. إن هذا التناغم بين التخطيط الإستراتيجي في القمة والتنفيذ الميداني في القاعدة هو ما يحول الرؤية من نصوص نظرية إلى واقع معاش يلمسه الجميع. ومن منظور التنمية المستدامة، تشجع الجائزة المؤسسات على تبني مبادرات خضراء وممارسات إدارية صديقة للبيئة، تماشياً مع الركيزة البيئية للرؤية الوطنية. فالتميز الحقيقي اليوم هو التميز المسؤول الذي يوازن بين تحقيق الأداء العالي وبين الحفاظ على الموارد الوطنية للأجيال القادمة. إن دمج معايير الاستدامة في صلب معايير الجائزة يعكس الرؤية الثاقبة للقيادة القطرية في جعل الحكومة نموذجاً يحتذى به في الحفاظ على البيئة والتنمية المتوازنة. وفي الختام، يمكن القول إن جائزة قطر للتميز الحكومي هي «صمام الأمان» ومختبر الابتكار الذي يضمن استدامة المكتسبات الوطنية.

549

| 08 فبراير 2026

المتقاعدون ومنصة كوادر

بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت أؤمن بقيمة العمل وخدمة الوطن، قررت أن أبحث عن فرصة مهنية تتيح لي الاستمرار في العطاء في مجال تخصصي، وهو الاستشارات في مجالي: الصحة والبيئة. لم يكن هذا القرار نابعًا من حاجة شخصية، بل من قناعة راسخة بأن التقاعد الوظيفي لا يعني نهاية القدرة على الإسهام، خصوصًا في القطاعات التخصصية التي تقوم في جوهرها على الخبرة التراكمية والمعرفة المتعمقة. بدأت رحلتي بالبحث عبر الموقع الإلكتروني لإحدى الوزارات الحكومية التابعة للقطاع البيئي، حيث فوجئت بحجم وتنوع الوظائف التخصصية والنوعية المدرجة ضمن قطاع حماية البيئة، والتي تجاوز عددها المئة مسمى وظيفي. غير أن التقديم على هذه الوظائف لم يكن متاحًا للقطريين عبر المنصة الرئيسية، فتم توجيهي إلى أن التقديم يتم حصريًا من خلال منصة كوادر. عند هذه النقطة، بدا الأمر منطقيًا من حيث التنظيم، لكنه سرعان ما كشف عن إشكالية أعمق في الرؤية لا في الإجراء. بعد إنشاء حساب متقاعد في منصة كوادر، بدأت البحث عن وظيفة تتناسب مع خبرتي كمستشارة في مجال الصحة والبيئة، وهي خبرة امتدت لسنوات طويلة شملت المشاركة في إعداد استراتيجيات بيئية وطنية، ودراسات تقييم الأثر الصحي والبيئي للمشروعات، والعمل في مجالات الإشعاع غير المؤين، والتغير المناخي، وحماية صحة الأطفال والمجتمع من المخاطر البيئية، إضافة إلى الإسهام في إعداد تشريعات وقوانين تتعلق بالصحة العامة. إلا أن الواقع الذي واجهته كان صادمًا؛ إذ لم أجد أي وظيفة تعكس هذا المستوى من الخبرة أو تتيح للمتقاعد أن يؤدي دورًا استشاريًا يليق بما راكمه من معرفة وعطاء. الوظائف المتاحة للمتقاعدين في المنصة لا تعاني فقط من محدودية العدد، بل من تدني المستوى المهني للمسميات المطروحة، إلى حد لا يليق حتى بخريج حديث العهد بسوق العمل، فكيف بمن أمضى عمره في العمل التخصصي وأصبح مرجعًا في مجاله؟ هنا لا يمكن الحديث عن خلل تقني أو نقص مؤقت، بل عن إشكالية بنيوية في فهم معنى التقاعد ودور المتقاعد في منظومة التنمية. إن أخطر ما تكشفه هذه التجربة هو أن التقاعد يُتعامل معه وكأنه مرحلة إخراج من دورة الإنتاج، لا مرحلة انتقال من التنفيذ إلى الاستشارة، ومن العمل التشغيلي إلى نقل المعرفة. وكأن الخبرة، بدل أن تُستثمر، تصبح عبئًا يُهمَّش، أو يُعاد توظيفه في أدوار لا تعكس قيمته ولا تستفيد من عمقه. في قطاعات حساسة مثل البيئة والصحة، لا تُبنى الكفاءة بالسنوات القليلة، ولا تُختزل بالشهادات الأكاديمية وحدها. هذه القطاعات تحتاج إلى من راكم المعرفة، وعايش التحديات، وشارك في صناعة السياسات، وفهم تعقيدات التشريع والتنفيذ، واستشرف المخاطر قبل وقوعها. تجاهل هذه الخبرات أو حصرها في أدوار هامشية هو في حقيقته هدر وطني للمعرفة، لا يقل خطرًا عن نقص الكوادر. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا يبحث المتقاعد عن عمل؟ بل: لماذا لا تتيح المنصات الوطنية مسارات حقيقية لاستثمار خبرات المتقاعدين؟ ولماذا تُختزل فرصهم في وظائف لا تمت بصلة لمرحلتهم المهنية؟ وأين موقع الاستشارة، ونقل الخبرة، وبناء القدرات، من فلسفة هذه المنصات؟ إن المطلوب اليوم ليس استحداث وظائف شكلية، بل إعادة بناء الرؤية تجاه المتقاعدين، عبر تصميم مسارات استشارية واضحة، ومسميات وظيفية تعكس الخبرة، وربط المتقاعدين بالمشروعات الوطنية، والدراسات، واللجان الفنية، وبرامج الإرشاد والتوجيه، بما يحقق التكامل بين الأجيال ويحفظ الذاكرة المؤسسية. في النهاية، الوطن لا يخسر حين يفتح المجال للمتقاعدين ذوي الخبرة، بل يخسر حين يُقصيهم. ومنصة كوادر، بوصفها منصة وطنية، تقف اليوم أمام خيار واضح: إما أن تستمر عبر تطوير فلسفتها وآلياتها بما يواكب مفهوم الاستدامة البشرية، أو أن تبقى في حالة “ تقاعد مؤسسي صامت”، لا يوازي حجم طموح الدولة ولا يحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها. القرار ليس تقنيًا، بل استراتيجياً. والسؤال ما زال قائمًا: منصة كوادر.. «استمرّ أم مت-قاعد».

816

| 25 يناير 2026

الرسالة لا تغتال

في القلوب مساحات لا تملؤها الخطب ولا تختصرها الكلمات، لكنها تنكشف بوضوح عند الفقد. وحين يُذكر الملثم الراحل أبو عبيدة، حذيفة الكحلوت، لا يُستحضر اسمٌ عابر، بل تُستدعى حالة وجدانية صادقة، تشكّلت عبر سنوات من الثبات والانضباط وصدق الكلمة. أحبه الناس لأنه خاطب وعيهم لا غرائزهم، والتزم بالمعنى قبل الصورة، وبالمسؤولية قبل الشهرة. كان حضوره، رغم احتجاب الملامح، أكثر قربًا وتأثيرًا، لأن ما وصل إلى القلوب لم يكن شخصًا بقدر ما كان موقفًا واضحًا، وكلمة موزونة، ونبرة عزة لا تعرف المساومة. ومن هنا، لم يكن الحزن عليه حزنًا على فرد، بل على رمزٍ جسّد معنى الالتزام بالقضية في زمن اختلطت فيه الأصوات وتاهت البوصلة. غير أن هذا الحب الصادق، في ميزان الإيمان، لا يُختبر بالبكاء وحده، بل بالقدرة على تحويل الفقد إلى وعي ومسؤولية. فالقرآن الكريم يقرر منذ البدء أن الدين لا يقوم على الأشخاص مهما علت مكانتهم، بل على المنهج والقيم. يقول الله تعالى:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.هذه الآية ليست خطابًا تاريخيًا، بل قاعدة وعي دائمة: أن غياب الرموز لا يُسقط الواجب، ولا يبرر التراجع، ولا يغيّر من عدالة القضايا شيئًا. من هنا، فإن أول أدوارنا كمسلمين بعد هذا الفقد هو تحرير الإيمان من التعلق بالأشخاص، وردّ القضايا إلى أصولها الشرعية والأخلاقية. فالموت سنّة ماضية لا تستثني أحدًا، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾). والفرق بين أمة حيّة وأمة مرتبكة هو قدرتها على الاستمرار في حمل الرسالة، لا الوقوف عند غياب حامليها. أما الدور الثاني، فهو ضبط الحزن بميزان الإيمان. فالإسلام لا يُنكر الألم، لكنه يرفض أن يتحول إلى يأس أو شلل. يقول الله تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ﴾.فالابتلاء، ومنه فقد الرموز، ليس دليل خذلان، بل وسيلة تمحيص، يَظهر فيها الصادق من المتردد، والثابت من المنفعل. ويأتي الدور الثالث في تحويل الحب إلى مسؤولية عملية. فالنصرة في المفهوم الإسلامي ليست حالة عاطفية عابرة، بل التزام طويل النفس، يتجلى في الكلمة الصادقة، والموقف العادل، والعمل الممكن، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى أن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يُقال عنه بعد رحيله، فقال:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وهو توجيه بليغ بأن الرسائل الصادقة لا تموت بموت أصحابها، بل تبقى ما دام هناك من يحملها بوعي وأمانة. وتتضاعف هنا مسؤولية النخب والمثقفين وأصحاب المنابر، في حماية الوعي العام من اختزال القضايا الكبرى في أسماء أو صور. فالقضية التي تُعلّق على شخص واحد تكون عرضة للانكسار، أما التي تُبنى على وعي جماعي راسخ، فهي أبقى وأقوى. يقول الله تعالى:﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ في إشارة إلى أن التداول سنة، وأن الثبات الحقيقي يكون على المبدأ لا على الظرف. إن أعظم الوفاء للملثم الراحل، ولغيره من الرموز، ليس الاكتفاء بالحزن ولا التعلق بالذكرى، بل الاستمرار على المنهج الذي أحبّه الناس من أجله: وضوح الموقف، صدق الكلمة، والانضباط الأخلاقي في زمن الفوضى. فالله سبحانه لم يعد أهل الحق بطريق خالٍ من الفقد، لكنه وعدهم بحسن العاقبة، فقال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وبهذا الفهم، يتحول الحب من شعور موجِع إلى التزام واعٍ، ويتحوّل الفقد من لحظة انكسار إلى محطة مراجعة، ويغدو دورنا كمسلمين أن نحمل المعنى عندما يغيب الصوت، وأن نصون القضية حين يتبدل حاملوها، وفاءً للحق، لا تعلقًا بالأشخاص.

360

| 09 يناير 2026

بيئة يومية... وأمراض تتسلل بهدوء

لم تعد المخاطر الصحية في عالم اليوم مرتبطة فقط بالأوبئة أو العوامل الوراثية أو أنماط الحياة غير الصحية، بل باتت تتسلل إلينا بهدوء عبر تفاصيل يومية نعيشها دون أن نلتفت إليها. ففي خضم التطور العمراني والتكنولوجي المتسارع الذي تشهده دول الخليج، ومنها دولة قطر، تغيّرت البيئات التي نقضي فيها معظم أوقاتنا، وتحوّلت المساحات المغلقة والمكيّفة وأنماط الاستهلاك الحديثة إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية. ومع هذا التحول، برزت تحديات صحية جديدة، تجلّت في ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وغير المعدية، ما يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الصحة والبيئة المحيطة بنا. ورغم التقدم الطبي الكبير في مجالات التشخيص والعلاج، فإن التركيز على الجانب العلاجي وحده لم يعد كافيًا لتفسير هذا الارتفاع أو للحد منه، إذ تشير الشواهد العلمية إلى أن جزءًا مهمًا من المشكلة قد يكمن خارج إطار المستشفيات والعيادات، وتحديدًا في البيئات اليومية التي يعيش ويتحرك فيها الأفراد لساعات طويلة دون وعي بمخاطرها الصحية المحتملة. فالصحة لا تُصنع فقط داخل المنظومة العلاجية، بل تتشكل أيضًا في المنازل، وأماكن العمل، والمدارس، والمرافق العامة. ومع اعتماد نمط الحياة الحديث على البيئات المغلقة والمكيّفة، يقضي معظم الناس اليوم غالبية وقتهم داخل أماكن قد تبدو آمنة ونظيفة ظاهريًا، لكنها قد تحتوي على ملوثات غير مرئية إذا لم تُدار وفق معايير الصحة البيئية السليمة. ويشمل ذلك الهواء الداخلي الرديء الناتج عن ضعف التهوية، والمواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف والتطهير، والمنتجات الاستهلاكية التي تطلق مركبات ضارة مع الاستخدام المتكرر، إضافة إلى التعرض المستمر لمواد بلاستيكية ملامسة للأغذية. وتكمن خطورة هذه العوامل في طبيعتها التراكمية، إذ لا تُحدث غالبًا أعراضًا فورية، بل تتسلل آثارها ببطء إلى الجسم، لتظهر نتائجها بعد سنوات في صورة أمراض مزمنة يصعب ربطها بمصدرها البيئي. ولا يقل الغذاء أهمية في هذا السياق، فمع توسع الاعتماد على الوجبات الجاهزة وخدمات التوصيل ومراكز الحمية الغذائية، تبرز تحديات حقيقية تتعلق بجودة المكونات وطرق التحضير والتخزين ومستوى الرقابة الصحية. وعندما تغيب الضوابط الصارمة، قد يتحول الغذاء من عنصر داعم للصحة إلى عامل خطر صامت، يسهم في زيادة العبء الصحي على المجتمع. كما أن بعض البيئات التي يُفترض أن تكون داعمة للصحة، مثل المدارس والنوادي الرياضية والمرافق العامة، قد تصبح عاملًا مضاعفًا للتعرض البيئي إذا كانت سيئة التهوية أو تعتمد على استخدام مكثف للمواد الكيميائية، لا سيما أن النشاط البدني أو التواجد الطويل في هذه الأماكن يزيد من معدل التعرض لما هو موجود في الهواء والبيئة المحيطة. وفي ظل ما نشهده من تحديات صحية متزايدة، يصبح واضحًا أن كثيرًا من الأمراض لا تبدأ داخل الجسم فجأة، بل تتشكل تدريجيًا من خلال بيئات نعيش فيها يوميًا دون وعي كافٍ بتأثيرها. فالبيئة اليومية ليست مجرد إطار لحياتنا، بل عنصراً فاعلاً في تشكيل صحتنا، سلبًا أو إيجابًا. ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في بيئة صحية وآمنة ليس خيارًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية لضمان جودة الحياة، وتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع صحي قادر على تحقيق تطلعات رؤية قطر الوطنية 2030. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الأولويات الصحية، بحيث يُترجم البعد الوقائي للصحة العامة إلى سياسات عملية تعالج جودة البيئات اليومية وتحد من مسببات المرض قبل وقوعه. وهذا التوجه ينسجم بشكل مباشر مع رؤية قطر الوطنية 2030، ولا سيما ركيزة التنمية البشرية التي تؤكد على بناء مجتمع صحي جسديًا ونفسيًا، وركيزة التنمية البيئية التي تدعو إلى تحقيق التوازن بين التنمية وحماية صحة الإنسان. فتعزيز الصحة البيئية، وتحسين جودة الهواء الداخلي، وتشديد الرقابة على الغذاء، وتطوير مؤشرات وطنية للصحة البيئية، تمثل أدوات عملية لتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع. وفي هذا السياق، تقع على عاتق صُنّاع القرار مسؤولية محورية في الانتقال بالصحة العامة من مرحلة الاستجابة إلى مرحلة الاستباق. فحماية صحة المجتمع لم تعد مسألة وعي فردي فقط، بل قرارًا سياسياً يتطلب تشريعات واضحة، ومؤشرات وطنية قابلة للقياس، وتكاملًا حقيقيًا بين قطاعات الصحة والبيئة والتخطيط العمراني. إن الاستثمار في جودة البيئات الداخلية، وتشديد الرقابة على مصادر التعرض البيئي، وإدماج الصحة البيئية ضمن جميع السياسات، لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية تمس جودة الحياة، وتخفف العبء المستقبلي على المنظومة الصحية، وتترجم التزام الدولة بالتنمية المستدامة من شعار إلى واقع ملموس. فالمجتمعات الأكثر وعيًا ببيئتها هي الأكثر قدرة على حماية صحة أفرادها وصناعة مستقبل أكثر أمانًا.

561

| 31 ديسمبر 2025

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4434

| 06 مايو 2026

alsharq
لماذا ستخرج قطر من هذه المرحلة أقوى؟

تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...

4131

| 04 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

2028

| 07 مايو 2026

alsharq
هل تعيش بقيمة مستأجرة؟

كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...

1338

| 05 مايو 2026

alsharq
حين ينكسر الزجاج.. من علمنا أن القرب يعني الأمان؟

ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...

861

| 03 مايو 2026

alsharq
"شبعانون" أم "متخمون"؟.. حين سرقت "الوفرة" طعم السعادة

لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...

735

| 05 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

717

| 07 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

708

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

651

| 08 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الباكستانية في وقت التحولات

تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...

540

| 03 مايو 2026

alsharq
امتحانات العطلة الأسبوعية.. أزمة إدارية

يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...

531

| 04 مايو 2026

alsharq
عشوائية البيوت المقسمة

كعادتي دائما ما أختار موضوع مقال يخص مجتمعنا...

507

| 04 مايو 2026

أخبار محلية