رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الحياة قبل نكسة 1967 كما هي بعدها! فبينما تتسلل حينها امرأة فلسطينية شابة إلى قريتها (كفر راعي) في قضاء جنين، عائدة من المنفى عبر مجرى نهر الأردن مشياً على قدميها، وهي تجرّ خلفها أطفالها الثلاث الجائعات، في تحدٍ لتقارير الحرب المعلنة، والمخاطر التي لم تكن لتُحمد عقباها، وهي عازمة على الاحتفاظ بأرضها مهما كلف الثمن.. تستكمل ابنتها الكبرى (سيرين أحمد يوسف صوالحة) قصّ ما جرى فيما بعد من أحداث على مدى عقود، تضاءل فيها نصيب الفرح لكل فرد من أفراد العائلة البالغ عددهم ثلاثة عشر إضافة إلى الوالدين، لصالح الشقاء، بينما توجّهم جميعاً شرف التمسك بالأرض حتى آخر رمق.. الأرض التي زرعوها وحصدوا ثمارها، والتي من جانب آخر ارتوت بدم ابنهم الشاب (إياد) الذي انخرط في أعمال المقاومة المسلحة، حيث جاء عنوان القصة يمثلهما خير تمثيل (أخي، أرضي: قصة من فلسطين/ My Brother, My Land: A Story from Palestine)، وهي القصة العائلية التي لا بد وأن تتقاطع مع الكثير من قصص كفاح العوائل الفلسطينية التي تشكل في طابعها العام تاريخ فلسطين تحت نير الاحتلال الصهيوني على أرضها التاريخية. إذاً، يتصدر الأخ بطولة القصة الذي حين تزوره أخته في سجنه بتهمة المقاومة مع فصائل (الفهد الأسود) التابعة لحركة التحرير الوطني، لأول مرة بعد مرور أكثر من عقد على زواجها وهجرتها إلى أمريكا، تسترجع بطولات القصص الأسطورية التي كانت تقصّها عليه في صغره، وقد كان الطفل الذي تشرّب غضب اغتصاب الأرض وشهد على مقتل الأهل وتشرّد الجمع وخيبات الاتفاقيات المبرمة، حتى أصبح أمامها الشاب الذي حمل روحه على كفه، فطورد واعتقل وعذّب! وفي حين يتم الإفراج عنه ضمن صفقة لإطلاق سراح السجناء، تجده يرفض عروض الهجرة وفرص الدراسة والعمل، ويتبنى بدلاً عنها التوجه الديني في حياته وفي مقاومته تحت لواء سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، فيتمرد على كل ما هو قانون بأمر السلطة، ويتخطى الحواجز ويراوغ مراكز التفتيش، ويتقن صنع العبوات الناسفة، وينخرط في عمليات الاغتيال والتفجير والتفخيخ، فيغيب عن أهله أياماً طوال ليعود إليهم في لحظات لا يُعلم من أين أتى وأين سيذهب، وهو الذي لم ينسّ نصيبه من الدنيا فأصر على الزواج ممن رق لها قلبه.. حتى تتم محاصرته في حصنه الأخير ويسلّم روحه، مكبّراً لله، بخمس عشرة رصاصة من رصاص العدو! تقول أخته عنه وهو الذي لا يزال اسمه يتردد صداه في قريتهم، وتطلقه أجيال المقاومة الشابة على فصائلهم: «لقد قاتل إياد من أجلنا جميعاً ومات وحيداً». وبينما يستفتح المؤلف القصة بمقولة تُنسب لثائر فلسطيني مجهول الهوية مفادها «الحب هو دافعنا وليس الكراهية، ولهذا السبب سوف ننتصر»، يرفق إشادة المؤرخ الإسرائيلي (إيلان بابيه) المعروف بمواقفه الداعمة للفلسطينيين ضد الصهيونية، الذي قال: «إن رواية (أخي أرضي) تتحدى كل من يرغب في النظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم مجرد ضحايا بلا إرادة. فهي تروي تاريخ فلسطين منذ النكبة، وتسلط الضوء على الكيفية التي قوبل بها التهجير والظلم اللاإنساني بالتضامن واللطف، وقبل كل شيء بالحب. إنها قصة مفجعة، ولكنها أيضاً تترك الأمل في استمرار النضال العادل حتى يأتي التحرير الكامل». تموج القصة بتحديات صراع البقاء اليومي مع ما هي عليه الحياة الاجتماعية والأحوال الاقتصادية في فلسطين أمام آلة الاحتلال، وتعقيدات المصالح السياسية مقابل عمليات المقاومة المسلحة وما ينبثق عنهما بالضرورة من تناقضات وإشكاليات أخلاقية، والتصور العام للمأزق الفلسطيني الذي لا بد وأن يشرعن استمرارية النضال بكافة أشكاله.. يمزجها جميعاً -من خلال معالجة واعية وحبكة متسلسلة تاريخياً مشوبة بالكثير من العاطفة، مع السرد الشيق للراوية الرئيسية سيرين- عالم الأنثروبولوجي بجامعة نورث ويسترن في قطر (د. سامي هرمز)، وقد بدا شغوفاً حين ألهمته حكايات سيرين بالكتابة، وأميناً في نقل قصة مثالية تجسّد فلسطين وصمود الفلسطينيين. يلتقي المؤلف ابتداءً براويته مع اندلاع الانتفاضة الثانية أثناء دراسته في جامعة برينستون الأمريكية، حيث كانت تعيش وعائلتها هناك وتعمل كعضوة للبعثة الأردنية في الأمم المتحدة، وحيث يمتد الحديث بينهما على مدى سبعة عشر عاماً تمثلت في لقاءات وتسجيلات ومسودات وزيارات عائلية. فينقل عنها تسلسل أحداث الصراع الفلسطيني عبر الأعوام (من 1966 حتى 2004)، في حين تؤكد هي على أن بطل قصتها الشخصية يجسد شعباً بأكمله، وبعدم شعورها بالرضا التام بعد هذا السرد المفصّل، إذ لم تحكِ سوى نصف ما لديها وحسب! أما أبلغ ما قيل في تلك اللحظات الصامتة التي زارا فيها المقبرة: «نقف أمام شاهدي قبر إياد. أحدهما يشير إليه باعتباره شهيداً في الجهاد الإسلامي، ومهندس سيارات مفخخة، وأسطورة في العمليات الاستشهادية، وقائداً لسرايا القدس. استشهد بتاريخ 9 نوفمبر 2002م، أما النص الموجود على شاهد القبر الآخر فهو أقصر وأكثر كلاسيكية، ويذكر اسمه باعتباره الشهيد البطل: (الشهيد البطل إياد أحمد يوسف صوالحة، استشهد بتاريخ 4 رمضان 1423هـ)».
636
| 10 أبريل 2025
ديوان عذب، بين مدح وغزل وحب للوطن يكتنفه شجن.. يبدو فيه الشاعر كالذي يخلق أبياتاً تنساب كرقة الندى على صفحات خد الحبيبة، يخدشه شيء من غزل جسور، ليعرض من هنالك أبياتا أخرى ترثي الوطن الكبير وتحييه في آن، وهو لا يغفل في خضم ما جادت به قريحته من فنّ مقفّى، مداعبة الصديق بأبيات جاءت في مناسبات متفرقة. فمن هو هذا الشاعر؟ إنه (محمد ياسين صالح)، مذيع وصحفي في قناة الجزيرة سابقاً، حاصل على بكالوريوس في اللسانيات وماجستير في الترجمة في الجامعات البريطانية، ولُقّب بـ (فصيح العرب) في برنامج فصاحة. أعتبر برنامجه (تأملات) ضمن البرامج الأعلى مشاهدة على شاشة قناة الجزيرة، الذي في كل مقدمة له يقول: «إزاء الغيم تنهمرُ الحروفُ.. لها نغَمٌ يحسُّ به الشّغوفُ / يرى فيها غصوناً باسقاتٍ.. على أطرافها تدنو القطوفُ / فإنْ لبثَتْ مقاليدُ المعاني.. مسطّرةً تنوءُ بها الرّفوفُ / فتحنا في صميم العلمِ باباً.. فقال الدّهرُ: قد جاز الوقوفُ». وهو إذ يبرع في الشعر نصّاً وترتيلاً، يصرّح بأن كتابة الشعر في الأساس تأتي لقول ما لا يُقال، ولخوض معارك تُحرر دولاً على خريطة اللغة بعد أن تدور رحاها في ساحة الكلمات، ولإعطاء الشعر فرصته ليكتبه، ولتخبره اللغة حينها بأنه هيهات لا يملكها إلا بقدر ما تتملّك هي منه! من ناحية أخرى، والناقد (علي المسعودي) يقدّم لديوانه الأنيق، يجده كمن يلتقط تارة من كلام الناس العرضي فيردّه لهم مرتباً، وتارة من المعاني الأصيلة أطيبها كالذي مرّ بأرض لم يطأها من قبله أحد، غير أن الملمح الآخر الذي يتراءى للناقد في الشاعر هو الشعر الذي يتنشّقه ويعيشه ويرويه «به يحب وبه يغضب وإليه يهرب من ضيق مفاجئ أو حزن مباغت». وهو إذ لا يزال يتفرّس في ملامحه التي لا تراوغ قارئه، يقول: «أحَبَّ قطر.. فتجلّت المحبة شعراً بدا فيه انغماسه في ثقافتها، وانسجامه مع قضاياها، واندماجه في همومها، فأصبح جزءاً من شخصياتها». ومن المفارقات أن يحمل الديوان قصيدة كتبها الشاعر اعتزازاً بصديقه الناقد الذي سعى لمعرفته، فأضاف لعقله أبعاداً فكرية ولذاكرته الياسمين. فتراه يقول في حقه: «يممت وجهي للندى والجودِ.. ولكل فعلٍ رائع محمودِ / فلقيت لافتةّ عليها اخوةٌ.. قد سطروا فيها علي المسعودي». وفي الديوان الذي جاء بعنوان (القرية التي كنا فيها)، والذي أهداه الشاعر لساعات الطفولة التي قضاها - على غفلة من أمره- متمنياً أن يكبر، يجده القارئ يختم قصيدة (قرأ الصغار بيانهم) التي تصف صغار العرب في ذلهم يتلون بيان تنازلهم، والمسرى يحتوشه كيان زائل، بقوله: «ودعوا لوعدِ الله طفلاً جاءهُ.. من سورة الإسراء وعدٌ حاصلُ / لتُمكننّ وتنصرنّ وتعلون.. ويتبرنّ الخائنُ المتخاذلُ». أما عن (بغداد) التي جعل منها وجع القصيدة، والنهران قاموسان يجري في مجريهما السخاء، فيقول: «يتساءل الماضون أنى صرخةٌ.. عادت إلينا بعد طول فراقِ / قيل أسألوا قاموس كل فضيلة.. من أين أصل العز؟ قال: عراقي». وفي (الأعياد) التي تأتي ممتدة في رفقة الصديق الصدوق، يقول: «إذا كانت الأعياد يوماً وليلة.. فصحبتك العيد الذي ليس ينقضي». وعن مهذبة (تهذي بها) روحه فيردع طرفه تهذيبها، يقول: «أمسكتُ أقلامي لأكتب ذي بها.. أفدي التي روحي غدت تهذي بها / إن أقبلَتْ والشوق يلمعُ في دمي.. يرتدُّ عنها الطرْفُ من تهذيبها». وعن ثلاث نِعم يداوين الجراح، يمسي عليهن ويُصبح، يقول في قصيدة (اغتباق واصطباح): «بحسبي في اغتباقي واصطباحي.. ثلاث كالدواء على الجراح / مكحّلة وكأس بابلي.. ونافذة تطل على الصباح». وفي مدحه ﷺ يقول في خواتيم (وكل قصيدة فيك اعتلاء): «رسولَ الله جئتك ملء قلبي.. على إثر الذين هُدُوا وجاؤوا / رجالٌ صدقوك بكلّ رأيٍ.. لهم «نعمٌ» إذا للنّاس «لاءُ»/ رسولَ الله فاتحتي سلامٌ.. وتسليمٌ وقافيتي ثناءُ/ فأعلو في سماء الشعر نجماً.. وكلُّ قصيدةٍ فيك اعتلاءُ / وللأشياءِ لا بدَّ انتهاءٌ.. وما للشوق في صدري انتهاءُ». وفي رحابه جل جلاله، يكتب قصيدة (في الغدو والآصال) وفيها يقول: «يا من له عنت الوجوه تولّني.. وأظلني إذ لا تحينَ ظلالِ / بالفضل لا بالعدل عاملني إذا.. ما ساء في يوم التغابن حالي / فخرُ المفاخر أنني لك مسلمٌ.. ولقد مننت به بغير سؤالِ / فأجب دُعائي إذ سألتك جنةً.. ليست تبلغني لها أعمالي». ختاماً، وبينما يأخذ الشوق من الشاعر مأخذاً في قصيدة (أحنّ إلى دمشق)، قائلاً: «أطلّ ندى تعاقره الورودُ.. أغيبُ سدى تخاتله الوعودُ / أحنُّ إلى دمشقَ ولستُ أدري.. أعودُ لأرضها أم لا أعودُ»، تراه وقد عاد إليها شامخاً بصفته وزيراً للثقافة، يبارك لها في محفل رسمي ترعاه الحكومة السورية الانتقالية الجديدة في 29 من مارس 2025، عيدها الذي بات عيدين، ويقول: «لقد صمنا عن الأفراح دهراً.. وأفطرنا على طبق الكرامة / فسجّل يا زمان النصر سجّل.. دمشق لنا إلى يوم القيامة».
1074
| 02 أبريل 2025
كتاب يوجز شخصية النبي محمد ﷺ كقائد من وجهة نظر منظّر بريطاني رائد في علوم القيادة، وقد ركز على طبيعة الحياة الصحراوية في العموم من ناحية بيئية ومناخية وجغرافية، وما يكتنفها من مشقات تطبع ساكنيها بطبيعة الحال بصفات يشوبها الكثير من الغلظة والجلد والتحدي، مسلطاً الضوء بالتالي على أهمية دور الراعي في صقل الشخصية القيادية لدى النبي ﷺ وهو في سن مبّكرة، وهو يستشهد بقوله ﷺ: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم». يضع كتاب (قيادة محمد ﷺ) جون إريك أدير، وهو أكاديمي بريطاني ومحاضر عالمي في القيادة. تخرّج في جامعات مرموقة مثل أكسفورد وكامبريدج، وعمل كأستاذ جامعي في عدد من الجامعات في بلاده، وكمحاضر مهم في الأكاديمية الملكية العسكرية البريطانية، وأصدر العديد من الكتب في قيادة الأعمال والمرافق العسكرية التي تمت ترجمتها إلى العديد من اللغات. وفي شبابه، وخلال خمسينيات القرن الماضي، عمل في قيادة حامية القدس والتحق كمعاون للفيلق العربي في الأردن. ومن خلال حديث متلفز له عن الكتاب وخلفيته، تطرق إلى تلك الفترة التي خدم فيها في الجيش العربي، لا سيما وقد ضم عددا غفيرا من العرب البدو لم يكونوا يتحدثون الإنجليزية، ما دعاه إلى تعلم اللغة العربية آنذاك. وبالإضافة إلى أصل البدوي كمحارب بطبيعته، فقد أدرك بوضوح كم هي روح القيادة لدى البدوي غنية جداً، ما بإمكان الغربي التعلّم من مهاراته الكثير، وهي التي تصدّق على ما جاء من ملامح القيادة في سيرة النبي ﷺ يعرض جون أدير حياة النبي ﷺ المبكرة والقيادية فيما بعد، من خلال ثمانية فصول رئيسية، تأتي عناوينها تباعاً كما يلي: (مضارب بني سعد، الراعي، قائد القافلة، سكان الصحراء، محمد ﷺ الأمين، المشاركة في المشقة، التواضع، من الماضي إلى الحاضر). فيتطرق من خلال تلك الفصول إلى عدد من المواقف التي عرضت للنبي محمد ﷺ في صباه وبعد بعثته، وفي السلم والحرب، وهو يختم كل فصل بجملة من النتائج التي تخلص إلى تطابق الصفات القيادية لديه ﷺ مع المفاهيم المعاصرة للقيادة، العالمية والشاملة. يصف جون أدير محمد ﷺ وهو يعيش مع مرضعته في البادية حتى الخامسة من عمره، حيث خيام بني هوازن السوداء والمفتوحة التي كانت تسمح لأشعة الشمس والهواء النظيف والرياح النقية بنشأة الأطفال في ظروف صحية، فضلاً عن اكتساب النشاط والقوة والشجاعة، وتلقّي الثقافة العربية الأصيلة واللغة والقيم من مصدرها، وبعيداً عن الأمراض التي كانت تفتك أحياناً بسكّان البيوت الطينية المغلقة، كالحمى والطاعون، كما حصل مع والديه حينما توفيّا وهما في ريعان الشباب. يعدد جون أدير بعضا من صفات القائد العالمي، إذ لا بد أن يتمتع بقيم الإنسانية والرحمة واللين والعطف في تعامله مع الناس، ثم يجدها عند النبي محمد ﷺ عندما كان يبسط رداءه جالساً على الأرض متواضعاً بين البقية من الناس، ويقارن بينه وبين من يتربع الآن على العرش ويقف أمامه الرعية أذلاء خائفين. وفي حديثه عن أصول القيادة وضرورة الإمرة، وقد أردفه بوصية النبي محمد ﷺ التي قال فيها: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، يستطرد فيقول: «قال محمد ﷺ ذات مرة: (سيد القوم خادمهم). ماذا كان يقصد؟ إن القائد الحقيقي يخدم أولئك الذين يقودهم، فهو يحقق حاجتهم بأن يكملوا رحلتهم بأمان، وأن تتوفر حاجاتهم كمجموعة متماسكة، وحاجاتهم كأفراد، حيث إن كل فرد في الرحلة تكون له احتياجات صغيرة أو مشاكل تطرأ أثناء الرحلة». ثم يعقد مقارنة بين هذا النموذج العتيق وبين شروط القائد في العصر الحديث، فيقول: «قد يتم تعيينك كقائد أو مدير، ولكنك لن تكون قائداً حتى يصادق على تعيينك أولئك الذين تقودهم بقلوبهم وعقولهم، ولعل موهبة القيادة عند محمد ﷺ تكشّفت منذ قيادته للقوافل التجارية». وعن أسلوب (القيادة بالقدوة)، يعرض جون أدير موقف أتباع النبي محمد ﷺ من نحر الهدي، حين أمرهم ثلاثاً بالنحر والحلق والتحلل، فما قام رجل منهم ولا تحرّك أحد، فعاد مستاءً إلى خيمته وهو الذي لم يعهد من قبل قط تلكؤاً من أتباعه! حينها، تشير عليه زوجته أم سلمة بأن يخرج ولا يحدّث أحداً بشيء ويصنع هو ما أمرهم به، فاستمع لنصحها فخرج ويمم هديه ونحر، فإذا بالقوم يثبون إلى هديهم وينحرون. يقول جون أدير معقباً: «هنا ظهرت فعالية (القيادة بالقدوة)، فقد سارع المسلمون إلى الاقتداء به وانتهت بذلك الأزمة». ختاماً، إنه كتاب يوجز الكلمة والفائدة ويُقرأ في ساعة من الزمان، كفيل بنقل القارئ في لحظة بين زمنيين متناقضين.. الصحراء بجفافها وصلابة أبنائها، والعصر الحديث الرائد في فنون القيادة ومدارسها وروادها، وقد تأتي أهميته من حيث مؤلفه الحيادي الذي لا ينتمي لا لدين ولا لعرق نبي الإسلام، في حين جاء منصفاً وشاهداً على نموذجية الشخصية المحمدية القيادية، في ضوء علم القيادة وممارساتها العالمية، لا سيما وهو من أبرز المختصين فيها.
423
| 26 مارس 2025
رغم قصره، فهو كتاب جزيل النفع يتناول أعظم عبادة بعد شهادة التوحيد. إنه كتاب (فاتتني صلاة: لماذا يحافظ البعض على الصلاة بينما يتركها الكثير؟) الذي يفيض بنفحات روحانية يجدد بها طاقة كل مسلم محافظ على صلاته، وهو لا يتخلى عن المقصّر في حقها، إما بتأخيرها أو جمعها أو الإخلال بشروط إقامتها أو التهاون في استحضار ما يلزمها من خشوع، أو لا يقيمها من الأساس، فيشحذ همته ليعزم أمره ويستدرك ما فاته من فضلها العظيم.. في أروع ما تكون النصيحة وأخلصها، وفي ضرب الأمثال التاريخية والمعاصرة، ومن خلال رسم المنهج السليم للحفاظ عليها، وغرس قيم التواضع والتقوى وحسن الظن بالله. وعلى الرغم من القالب الديني الصرف لمادة الكتاب، فقد عمد مؤلفه (إسلام جمال) أولاً إلى عرض تجربته الشخصية التي قارن فيها بين شيخ يتكئ على عصاه كان يرقب وضوءه وصلاته وأذكاره وانغماسه في تلك الحالة من العشق مع ربه، وبين حاله وهو شاب يعلل تهاونه في صلاته بمبررات واهية، الحيرة التي لازمته لأعوام وطرح على نفسه السؤال الذي احتل عنوان الكتاب! ثم يعمد إلى طرح مسألة المحافظة على الصلاة بمنهجية، ابتداءً من الاعتراف بالتقصير في أدائها، ومن ثم التدرج في وضع ما يناسبها من حلول لا سيما الواقعية والعملية التي تتمثل بشكل أساسي في الانضباط، ومن ثم التشجيع على اتباع بعض العادات السليمة، كالاستيقاظ باكراً والمشي نحو المسجد، ومواجهة التحديات اليومية التي قد تعمل -رغم الصعوبات- على تجديد الإيمان، كحكمة كامنة. جاء كل هذا في لغة سلسة وإيجابية، تعتمد أسلوب الترغيب بصورة تفوق أسلوب الترهيب الذي قد يلجأ إليه بعض دعاة الدين في الحثّ على فريضة الصلاة! فمن خلال خمسة عشر فصلاً، يؤكد المؤلف على حقيقة الصلاة كعماد الدين وأن لا إسلام بلا صلاة، وهو يرى أن من عرف الله حق المعرفة كما يليق بجلال قدره وعظيم سلطانه ما ترك الصلاة أبداً.. فيقول عمّا ورد فيها كعبادة ينهزم أمامها كل سوء: «أحب دائماً أن أذكر نفسي بعبارة (إلا المصلين) وهي الآية التي وردت في سورة المعارج: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ). فكلما شعرت بالحزن أقول (إلا المصلين) فالحزن لن يستطيع أن ينال مني ما دمت أصلي، وعندما يضيق صدري أقول (إلا المصلين) فأطمئن أن الله تعالى سيشرح صدري ما دمت أصلي، وحين يصيبني التعب أقول (إلا المصلين) لأن الصلاة قوة، وكلما أسبغ الله علي من نعمه أقول (إلا المصلين) فأتذكر أن الفضل كله الله تعالى». وفي مقتطفات، يقول ما معناه: أن سر السعادة يكمن في المحافظة على إقامة الصلاة المكتوبة في أوقاتها. للناجحين في الحياة عادات تتشابه، وللمحافظين على الصلاة عادات تتشابه كذلك.. وهي أصل الفلاح. يخلق غير المحافظين على الصلاة أعذاراً تلو أعذار في انتظار اليوم الذي سيُصلح فيه حالهم، وكأنه قدر مرتقب، لا كأنه نية وعمل. أنت نتاج أفكارك، فالأفكار الإيجابية تخلق لك واقعا حسنا، والعكس صحيح.. لذا، دع عقلك يخلق لك أفكاراً تعينك على الصلاة، لا أن يخلق لك الأعذار في تركها أو تأخيرها. سكينة القلب هي ثمرة الخشوع في الصلاة، ومن غير الخشوع تصبح الصلاة عادة لا عبادة. مناجاة الله واستشعار كل ركن من أركان الصلاة بما فيه من تلاوة وذكر وقيام وقعود، يتحصّل بهما فضل الصلاة. «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» هو دعاء مأثور عن النبي ﷺ وهو منهج عملي للنجاح في الحياة.. وإنما صلاة الفجر تعمل عمل المعجزات. النوافل والسنن الرواتب من غير الفريضة، ضمان لبيت في الجنان.. وهي حصن، وهي حرز، وهي رضا وقربى من الله. جدولة العمل اليومي وترتيب الأولويات يجب أن يتم وفق مواقيت الصلاة، لا أن يتم توقيت الصلاة وفق جدول العمل اليومي والأولويات الأخرى. رصيد الحماقات السابقة إنما هو خبرة متراكمة من الأخطاء والتجارب والدروس، فلا يجب تكرار الخطأ بل الاعتماد عليه في تحسين جودة الحياة.. كذلك الصلاة، فغلبة وسوسة الشيطان مرة إنما هي فرصة لمعرفة السبب وتجنب تكراره. الوضوء كشرط للصلاة هو كذلك طهارة جسدية وفائدة صحية في الوقاية من الأمراض.. السير نحو المسجد كفضل يستحق الأجر هو كذلك رياضة حيوية ومهدئ للأعصاب.. الركوع والسجود ركنان أساسيان هما كذلك تمارين تقلل من آلام الظهر وتنظّم العمليات الحيوية.. مواقيت الصلاة المفروضة هي كذلك فرص لتجديد الطاقة الروحية وتعزيز السلام الداخلي. إن الصلاة بحق برنامج حياة، تؤتي أكلها باستمرار المواظبة عليها، ما بقي الإنسان! ختاماً، وكما يروي حذيفة بن اليمان بإسناد حسن أنه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى)، فقد يكون هذا الكتاب القصير الذي جاء باجتهاد شخصي بمثابة خير معين لن يُعدم أجره، والله عز وجل يقول: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ).
648
| 19 مارس 2025
كتاب يضرب المثل فيما (قل ودل)، إذ لا يعرض سوى سبعة كنوز من ميراث السنة النبوية الصحيحة، ويمثّل كل كنز في حد ذاته منهجاً أخلاقياً متكاملاً، والذي لو تم تطبيقه كما جاء لساد أتباع (خير أمة أخرجت للناس) الأمم! يضع كتاب (سبعة كنوز من ميراث النبوة) الصادر عن (دار الساقي للنشر والتوزيع)، الدبلوماسي السعودي الراحل د. غازي بن عبدالرحمن القصيبي (1940 - 2010)، الذي تقلّد مناصب وزارية بعد حصوله على درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة لندن، والذي ذاع صيته كذلك كشاعر وكاتب وأديب، وأصدر الكثير من الأعمال الأدبية والروائية والشعرية. يعمد د. القصيبي في كتابه القصير إلى عرض كل منهج خُلُقي بما يقابله من أحاديث نبوية شريفة مجمع على صحتها. فيأتي في المنهج الأول على (نزاهة الحياة السياسية) مستعيناً بالحديث الذي جاء في نصّه: «.. لقى الله يحمل بعيراً»، والذي يحثّ فيه على الأمانة التي سيُسأل عنها كل من تولى منصباً يدير فيه أمراً من أمور المسلمين، وحقق من خلاله مآرب خاصة ما كان له أن يحققها لو (قعد في بيت أبيه وأمه)، حسب نص الحديث، وهو يعني بهذا ظاهرة الفساد لا سيما فيما يمس المال العام، والتي تعدت هذا الحد في نظر د. القصيبي الذي قال: «والويل كل الويل لمن جاء يوم القيامة يحمل وطناً كاملاً سرقه بدبابة، ذات ليلة ليلاء». أما المنهج الثاني فيتعلق بـ (دور المرأة في المجتمع والعسكرية) والذي يقابله ما جاء في حديث أم حرام معه ﷺ: «.. ادع الله أن يجعلني منهم»، والذي يبيح فيه جهاد المرأة مع الرجال في الحروب إلى حد غزو البحر، إضافة إلى دورها الفاعل في المجتمع ككل خلافاً لما يحصره بعض الفقهاء في إطار الزوجية. وفي المنهج الثالث (قواعد الإثبات ضمانة الحقوق)، يستشهد د. القصيبي بما يقابله من حديث نبوي جاء في نصّه: «.. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء»، ليصوّر إصراره ﷺ على «البراءة حتى يثبت عكسها» فيما يتعلق بمسائل الشرف، سابقاً في هذا القانون الروماني وعصر النهضة والماركسية والليبرالية، في سن «قواعد الأدلة والإثبات»، لا سيما في مجتمع جاهلي كان يعتبر قتل المرأة التي تحوم حولها الشبهات مقبولاً «لحماية الشرف الرفيع من الأذى». أما في المنهج الخاص بـ (حرمة الحياة الشخصية) والذي يقابله نص الحديث الذي جاء فيه: «.. لطعنت به عينيك»، فيؤكد من خلاله على أن خصوصية أي إنسان، مما يراق على جوانبها الدم إذا انتهكت، متضمناً في هذا التنصت على المكالمات الهاتفية وتتبع المراسلات البريدية، بل واقتحام البيوت بأمر السلطة من غير استئناس ولا استئذان، أو كما في المثل الإنجليزي الشهير «بيت الإنجليزي هو قلعته» الذي استعان به د. القصيبي معلقاً «وكان المسلمون أولى بمثل كهذا». وعن المنهج الخامس (جمعيات الرفق بالحيوان الإسلامية) الذي يقتبس من نص الحديث: «.. أمة من الأمم تسبّح» حقوق الحيوان ككائن ينتمي لأمة كأمثال الأمم الأخرى، فلا يجوز أن يتلاعب به الصبية ولا أن يُنهك بحمل الأثقال أو يُقتل بغرض المباراة، فيتساءل د. القصيبي قائلاً: «أليس من المحزن والمذهل أن تخبرنا السنة النبوية المطهرة أن نبياً من الأنبياء عوتب بسبب النمل، وإن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، وأن بغياً غفر الله لها بسبب كلب سقته، ومع ذلك يبقى المسلمون يتعاملون مع مخلوقات الله الحيوانية كأنها أعداء، في حرب إبادة شاملة غير متكافئة؟». أما في المنهج السادس المعني بـ (تنظيم النسل) والذي يستشهد بالحديث الذي جاء في نصه: «.. نعزل والقرآن يُنزّل»، فيصوّر النسل في عالم اليوم كغثاء السيل، والذي يحرص فيه الوالدان على إنجاب الحد الأقصى من الأبناء لأسباب أنانية ترضي الغرور وغريزة التباهي بالفحولة أو لتوفير عمالة مجانية، في حين يُعدمون أسس الحياة الكريمة من صحة وتعليم ومأكل وملبس ورعاية نفسية، ما يدفع د. القصيبي لحض من يقول خلاف ذلك العودة إلى «الأحاديث النبوية الشريفة في موضوع العزل» وهو يؤكد قائلاً: «إن شريعة الله الخالدة التي تحرص على بقاء الإنسان على الأرض، تقدّر أن هناك حالات تتطلب فيها الضرورة، وأعني الضرورة الحقيقية الملحة لا الموهومة، تنظيما مؤقتاً للنسل، وأشدد على الصفة المؤقتة لهذا التنظيم». ويختم د. القصيبي بالمنهج السابع الخاص بـ (تحريم العذاب بأشكاله وأنواعه)، مستعيناً بالحديث الذي جاء في نصه «.. إن الله يعذّب الذين يعذبون في الدنيا»، فيعرض ما شهده التاريخ الإسلامي عبر العصور من صنوف تعذيب كما جاءت بها إحدى موسوعات التراث، كالتعذيب بالجوع والعطش والفصد، وقصف الظهر وبقر البطن وتقطيع الأوصال والنشر بالمنشار، وما يحاكيها من جرائم تجري في عصرنا الحاضر «يمارسه الشرطي كما يمارس بقية روتينه اليومي». ثم يقول متأملاً: «لو كان لي من الأمر شيء لوضعت في كل كلية أمنية في بلاد المسلمين مادة اسمها (إن الله يعذبُ الذين يعذبون الناس في الدنيا)».
498
| 15 مارس 2025
كتاب تتلاحق فيه كلمات مؤلفه من أجل الإجابة على سؤال وجهته إليه ابنته يوماً، ولم يكن يتجاوز الأربع كلمات حينها: "لماذا اخترت الإسلام يا أبي؟". إنه د. جيفري لانج، عالم الرياضيات. ولد عام 1954 لأسرة أمريكية متدينة تعتنق النصرانية، وتابع تحصيله الدراسي حتى حصل على درجة الدكتوراه، وانخرط في سلك التدريس بعدها، وكان قد هجر الكنيسة واختار الإلحاد! يُسهب البروفيسور وهو يتحدث عن رحلته من الكاثوليكية إلى الإلحاد انتهاءً بالإسلام، حين لم تجب الكاثوليكية على أسئلته وهو العالم الذي أسس عقله على بنيان من المنطق والبرهان، حتى أهدت إليه إحدى الأسر المسلمة القرآن الكريم، حيث بدأ (صراعه الحقيقي) ورحلة نحو الإيمان لم تكن هينة على الإطلاق! وفي لفتة راقية وبخط ديواني أنيق، يهدي البروفيسور إلى (بناته المؤمنات: جميلة وسارة وفاتن) كتابه (الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام)، والذي قسّم حديثه فيه بين (النطق بالشهادة، القرآن، رسول الله، الأمة، أهل الكتاب). ابتداءً، يسترجع البروفيسور حلماً تكرر معه حين كان يافعاً، وهو أداؤه للصلاة في مسجد يقبع أسفل درج، ويشع النور من كوة بداخله، ضمن مجموعة ينحنون فوق سجادها الأحمر، في وقت لم يكن قد عرف المسجد ولا الإسلام بعد، حتى أتت رؤياه كفلق الصبح بعد أمد، وبعد يومين فقط من إسلامه، لدرجة شعر فيها أنه نائم متلبس في حلمه من جديد، أعقبتها برودة سرت في جسده كله، فرجفة، ثم انتهت بدفء النور والدموع.. في أعجب ما يمكن تصوره عن مدارج الروح، وهي من أمر الله. وكمسلم مستجد، يبتكر طريقة عملية في التنبيه لصلاة الفجر، وقد وجد مشقة فيها رغم استشعاره أهمية فريضة الصلاة عموماً، وما تستجلب للمرء من عون وراحة، تمثلت في الاستعانة بثلاثة منبهات موزعة على أماكن متباعدة في مسكنه، ومضبوطة بمواقيت متسلسلة مع فارق قصير بينها. يقول عنها: "صلاة الفجر بالنسبة لي هي احد أجمل الشعائر الإسلامية وأكثرها إثارة. هناك شيء خفي في النهوض ليلاً -بينما الجميع نائم- لتسمع موسيقى القرآن تملأ سكون الليل. تشعر وكأنك تغادر هذا العالم وتسافر مع الملائكة لتمجد الله بالمديح عند الفجر". وفي حين حرص على صلوات العتمة في جماعة حيث (الجهرية)، فهو لم يكن قادراً على فهم ما يسمع، غير أن ما يسمع كان مريحاً، كالطفل يرتاح لصوت أمه وهو لا يفهم كلماتها. وكذلك كان "صوت" الصلاة الجهرية، وقد تمنى أن يعيش أبداً تحت حماية صوتها. وفي حديثه عن القرآن الكريم، يعتقد أن (اقرأ) كأمر إلهي، نعمة سماوية في تعلم القراءة، وعن طغيان الإنسان واستغنائه في منتصف السورة، يعتقد أن العلم الحديث صوّر للإنسان من عظيم الشأن ما أغناه عن الله، غير أن تلك العلوم وما حملته من فكر تأبى إلا أن تتفق مع ما ورد في القرآن، الأمر الذي دعا أصحاب تلك العلوم إلى اعتناق الدين الذي جاء به. ثم يتحدث عن الإعجاز القرآني في اختصاص أنثى النحل بإنتاج العسل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، وعن منهج (التجربة والخطأ) نحو العمل وارتكاب الخطأ وإدراكه والتسامي عليه والتقدم والاستمرار (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)، ثم يبكي في (الضحى) بكاء الطفل المفقود بعد عودته لأمه استشعاراً لقرب الله الذي لا يتخلى عمّن بحث عنه (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى). ثم يتطرق إلى مناقشة بعض الآيات القرآنية المثيرة للجدل عند الغرب، وينظر بمفهوم آخر لبعض الأحاديث النبوية كحديث (فتنة النساء) بعيداً عن المعنى الحرفي وإيعازه إلى أمور حسية صرفة! فيرى أنها على الأرجح فتنة للرجال في ميلهم نحو ظلم المرأة واحتقارها لضعف يرونه فيها، ويضرب أمثلة لتلك الفتنة في مسألة الطلاق ومضرة الوالدة بولدها. وفي مناصرته للقضية الفلسطينية، يعود للتاريخ ليقول: "يتفق المؤرخون على أن الغالبية العظمى من العرب الفلسطينيين لم يقدموا إلى فلسطين مع الفتح الإسلامي، بل إن هؤلاء هم بشكل رئيسي أبناء الساميين الذين تعود ملكيتهم لفلسطين لثلاثة آلاف عام على الأقل قبل الميلاد، وقد تكون هذه هي أبسط فترة ملكية في العالم وأطولها. أما العبرانيون القدماء فقد جاءوا إلى فلسطين بعد ذلك بكثير، وذلك بحوالي ألف وأربعمائة عام قبل الميلاد". ثم يتساءل في مبحثه ويجيب: "هل لليهود حق أخلاقي-ديني في فلسطين؟". وأختم بما جاء على لسانه في لغة صوفية قلّما يسوقها الرياضيون: "ومع ذلك فإني مدرك دوماً أن لي نقاط ضعفي وتقصيري! إنني أعلم الآن أنني إذا ما فقدت الله ثانية فإنني بالتأكيد سوف أفقد كل شيء، وإني أدعو مع رابعة العدوية: (إلهي هل صحيح أنك سوف تُحرق قلباً يحبك كثيراً)، وإني أجد عزاءً في جوابها".
582
| 07 مارس 2025
هنا تبدو الصغيرة (بانة) ذات الثمانية أعوام تتحدث بما لا يطيق الكبار، عن أهوال الحرب الدائرة في وطنها الممزق بفعلها، ما كان لها أن تشهدها وما كان للكبار أن يحملوا فظائعها، في حين تبقى الروح المحبة للحياة بسلام، سمْتها، تحيط بها نفحات الأمل المتطلعة نحو مستقبل أكثر أماناً وحرية. إنها الطفلة السورية التي بعثت بنعومة أظفارها رسالة إلى العالم تناشده منحها السلام، من خلال تغريدة أسمعت الملايين وأشعلت تعاطفهم ولبّى بعدها من لبّى النداء، فانتقلت وعائلتها والكثير من جيرانهم وأهل المدينة المنكوبة إلى الأراضي التركية، وهي تحمل ذكريات مؤلمة عن مشاهد قصف وقتل ودمار ودخان، وموت لم ينفك يتربّص بهم مع كل زفرة نفس! فتقرر اطلاع العالم من خلال كتابها (عزيزي العالم: فتاة سورية تروي الحرب وتُطالب بالسلام) الصادر عن (نوفل/هاشيت أنطوان)، على تلك الذكريات بوقائعها المرعبة التي حصدت أكثر من نصف مليون سوري، وخلّفت أكثر بكثير من الجرحى، وما تخللها من لحظات سعيدة لم تبرح مخيلتها، والتي خففت من وطأة الحرب حينها، وقد ضمنتها ألبوماً يعرض تلك المساحة من الذكرى بصور تبعث على التبسّم تارة وعلى التقطيب تارات أُخر، على أمل أن تحفّز كل من استطاع، تقديم المساعدة لمن يحتاج إليها، وهي تهديها إلى «كل طفل عانى ويعاني من الحرب»، أو كما قالت لطمأنته: «لست وحدك». بانة إضافة إلى مهارتها في الكتابة كما صرحت في افتتاحية كتابها، ساعدتها والدتها في سرد يومياتها، ونشرتها باللغة الإنجليزية، فتجدها تنقل ابتداءً صفة السعادة الفطرية التي تلازمها، حيث تخبرها والدتها بولادتها والابتسامة تغطي وجهها الصغير، ثم تعبر عن حبها الكبير لوطنها الذي ودت أن تعيش فيه ولا تبرحه أبداً، ووالدها الذي غيبته عناصر المخابرات يوماً كاملاً فلم تقو على نسيانه، وما لبث أن عاد حتى اندلعت الحرب، والقصف الذي بدأ يتوالى حتى باتت وأهلها وأهل المدينة يتعرفون على أنواع القنابل وطرق التصرف حيالها لحظة إلقائها، غير أن عيد الفطر الذي حل عليهم في تلك الأجواء قد لطف أمزجتهم ودفعهم للتصرف بشكل طبيعي. أما عيد الأضحى، فقد شهد قصفاً متزايداً ما دعا جديها -آسفين - لمغادرة الوطن، فتقول بأنه لم يعد هناك مكان آمن، وقد كرهت الحرب من أعماق قلبها!. وفي تركيا تنجب والدتها لها ولأخيها أخاً - رغم أنها تمنت بصدق أختاً- يسمونه (نور)، أو كما تراه والدتها (شعلة نور في حياتهم) باتوا في أمس الحاجة إليها. ثم وبعد مدة يعودون إلى سوريا لا سيما مع أخبار تحسن الأوضاع، وتشعر بانة بأن العودة إلى المدرسة كانت أفضل ما خبرته فترة توقف القصف. المدرسة التي أنشأتها والدتها برفقة صديقاتها، لأطفال الحي، فرغم موت الكثيرين من ضمنهم صديقتها ياسمين، فقد كان على الباقي مواكبة التعليم من أجل نهضة بلادهم التي تنتظر عطاءهم حين يكبرون، وليتعلموا كذلك إيقاف الحرب. يحل رمضان من جديد، وتستمر المناورات بين الجيش السوري الحر وجيش النظام فائق السلاح والعتاد! وفي لحظة امتزجت بالضيق ذرعاً من الحصار، وتحت وابل مستمر من القصف والدمار، تستشعر بانة ضرورة أن يفعل أحدهم شئياً، فتقرر أن تفعل هي، وتغرد من حلب إلى العالم كافة قائلة: «أنا بحاجة إلى السلام»، فتُفاجأ الصغيرة وعائلتها بتجاوب العالم. ثم شيئاً فشيئاً، تطلق البطلة الصغيرة هاشتاغ تحرص على استخدامه باستمرار من أجل إبقاء العالم على اطلاع بما يجري في وطنها، ومن قلب الحدث. وبعد منشورات التحذير الساقطة عليهم والمهددة بإخلاء المنطقة والوعيد بالدمار الشامل الذي سيحل عليهم أجمعين ما لم ينتهوا، ومع توالي القصف ودمار منزلهم وانتقالهم لآخر متسخ تكرهه، وغياب والدها وعمها للبحث الدؤوب عن الماء، وحادثة تفجر قنبلة أمام سيارة والدها التي تصيبه بشظايا تدميه، تهرع بانة من جديد إلى العالم تترجاه لمد يد العون فوراً وقبل فوات الأوان، قائلة: «أرجوكم! أنقذونا الآن وفوراً»، فيأتي العون من تركيا، وفي ندية للنظام السوري الذي غضب من تلك المحادثات مع العالم ومطالبتها بالسلام، فتستقل أولاً هي وعائلتها والكثير من أهل المدينة الباصات، لتقلهم من مدينة لأخرى على الحدود التركية، ثم وعلى متن طائرة إلى تركيا. حيث الأمان، حتى هذه اللحظة. تتمنى بانة وهي تُطفئ شموع عيد ميلادها الثامن، بألا تسمع صوت قذيفة، وأن يتوقف البشر عن قتل بعضهم بعضاً ليعم العالم السلام، وأن تتعلم وتكبر وترتاد الجامعة وأن «أعود وأعيش في حلب ذات يوم» كما قالت حينها. وأن تحظى كذلك بـ (شقيقة). أما والدتها فتعدها أن تخبر أحفادها «بأن والدتهم بطلة» وتؤكد «وأنت حقاً كذلك يا بانة بطلة، وأنا فخورة جداً بأن أكون والدتك». أخيراً، يستحق هذا الكتاب أن يضمّن مناهج الأطفال التعليمية كنموذج في الكتابة الإبداعية المبكرة، ومن ناحية أخرى كنموذج لرفض الظلم ومقاومته والسعي نحو نيل الحقوق، في أي عمر كان، وبأي وسيلة كانت، ومهما كلف الثمن.
456
| 17 فبراير 2025
في هذا الكتاب العجائبي وصف لرحلة روحية خارج حدود المكان والزمان، أو عبر ما يُفسّر علمياً بظاهرة الاقتراب من الموت، لا يروي تفاصيلها الخارقة لقوانين الطبيعة، معلم روحي، أو متابع شغوف لسينما الخيال العلمي، إنما هي تجربة جرّاح أعصاب أمريكي خاضها في سبعة أيام وهو مستسلم في غيبوبة، لم يكن له أن يفيق منها كما تعلّم ومارس! توصف تجربة د. إيبن ألكسندر بـ (الأكثر دهشة) ضمن ما تم رصده طبياً بين حالات المرضى الذين تم إحياؤهم بعد موتهم سريرياً، والآلاف ممن مرّوا بتجربة الاقتراب من الموت، والتي اعتبرها العلماء (مستحيلة)، وقد كان د. ألكسندر -للمفارقة- أحد هؤلاء العلماء! لقد كان د. ألكسندر جراح أعصاب متميّزاً في الوقت الذي كان يحمل فيه اعتقاداً راسخاً بخيالية تجارب الاقتراب من الموت، على الرغم من الصورة الحقيقية التي تبدو عليها في الظاهر، إذ لم تكن في رأيه سوى تخيلات تنتجها العقول وهي تخضع لظروف ضغط شديدة. وهنا تكمن المفارقة في تعرّضه شخصياً لتجربة مماثلة، بعد إصابة دماغه إصابة بالغة أودت به في غيبوبة استمرت لمدة أسبوع كامل، قال عنها: «عقلي.. روحي.. أياً كان ما قد تختار تسميته بالجزء المركزي والإنساني مني، قد ذهب»، حتى أفاق منها بأعجوبة، وتحول من النقيض إلى النقيض، وكتب تجربته. يصف د. ألكسندر رحلته في خمس وثلاثين محطة من خلال كتابه (Proof of Heaven: A Neurosurgeon›s Journey into the Afterlife - By: Dr. Eben Alexander) والذي جاء في ترجمته العربية بعنوان (الدليل على وجود الجنة أو برهان الملكوت)، وهو يعتبر أن تجربته في الاقتراب من الموت فريدة من نوعها مقارنة بتجارب الآخرين! ففي حين انتقل أولئك إلى الحياة الأخروية وهم بكامل وعيهم عمّن هم وماذا كانوا عليه في حياتهم السابقة، وأقرباؤهم الذين التقوا بهم هناك، فقد غادر د. ألكسندر إلى هناك وهو فاقد لذلك الوعي! لذا، يستخلص د. ألكسندر الحكمة من تجربته تلك بالعودة إلى ما كان يعاني منه في حياته وقد دفنه في اللاوعي! فقد كان ابناً متبنى لعائلة محبة بعد أن تخلى عنه والداه البيولوجيان وهو رضيع لأسباب العوز، التخلي والرفض الذي واجهه مرة أخرى حين حاول الاتصال بهما فيما بعد، ما ترك لديه جرحا غائرا عن افتقاده لشعور الأهمية والرعاية والحب، حيث جاءت هذه الرحلة لتؤكد له على ثلاث حقائق يجب عليه تذكرها دائماً: أنه محبوب إلى الأبد، أن لا عليه أن يخاف شيئاً أبداً، أنه ما من شيء يتعرض له في الحياة ويكون خطأً! يقول د. ألكسندر في المقدمة: «هذه الآثار هائلة تفوق الوصف. لقد أظهرت لي تجربتي أن موت الجسد والدماغ ليسا نهاية الوعي، وأن التجربة الإنسانية تستمر إلى ما بعد القبر. والأهم من ذلك، أنها تستمر تحت أنظار الله الذي يحب ويهتم بكل واحد منا، والذي يهتم بالوجهة التي يتجّه نحوها الكون نفسه وكل الكائنات الموجودة فيه، في نهاية المطاف». يقول هذا وهو يسترجع اللحظات الأخيرة في غرفة الطوارئ ومحاولة إنقاذه، وقبل ولوجه في تلك الغيبوبة، حيث وبعد ساعتين متتاليتين من «العويل والأنين الحيواني» حسب وصفه، يصبح هادئاً، وفجأة، يصرخ بثلاث كلمات كانت واضحة تماماً، وسمعها كل من كان حاضراً من أطباء وممرضات، وزوجته التي كانت تقف على بعد خطوات قليلة من الجانب الآخر للستار، وهي: «ليساعدني الله». وفي المحطة التي وصفها بـ «اللحن المحبوك والبوابة»، يصف حديثه مع من رافقه هناك بأنه تم دون تبادل أي كلمات، حيث مرت الرسالة عبره مثل الريح، والتي أدرك بها على الفور أنها كانت حقيقية بنفس الطريقة التي عرف بها أن العالم من حولنا كان حقيقياً، فلم يكن ضرباً من الخيال، عابراً أو غير جوهري. يقول د ألكسندر: «كانت الرسالة مكونة من ثلاثة أجزاء، وإذا اضطررت إلى ترجمتها إلى لغة دنيوية، فسأقول إنها من هذا القبيل: (أنت محبوب وعزيز وغالٍ إلى الأبد، ليس لديك شيء لتخافه، لا يوجد شيء يمكنك القيام به خطأ)». تغمره الرسالة بالارتياح بعد أن غرست جوهرها المفاهيمي مباشرة في داخله.. «ولكن في النهاية، سوف تعود»، ليتساءل عندئذٍ: «العودة إلى أين؟». أخيراً أقول: يبدو أن هذه الحياة الدنيا في إيقاعها الروتيني، تحمل الكثير من الحقائق التي ليس للإنسان -وهو أثناء سعيه فيها- إدراكها في وقت واحد! إذ أن ذلك الوعي المفرط بالعوالم غير المنظورة المحيطة به من شأنها أن تُبطئ من وتيرة تقدمه، وهو وقد عرف الكثير عن العالم الروحي في هذه المرحلة من حياته اللامتناهية، يصبح سعيه في حياته الحالية بمثابة تحدٍ أكبر مما هو عليه بالفعل! لا يعني هذا صرفه عن الوعي بتلك العوالم، بل إن الأمر يتطلب شحذ الهمة لتحقيق ما هو موكّل به على هذه الأرض الآن، أو كما يعتقد د. ألكسندر بأن «الكون ليس شيئاً إن لم يكن هادفاً».
720
| 05 فبراير 2025
في هذه المذكرات التي صُنفت ممنوعة وكـ (وثيقة تُنشر لأول مرة)، تسجّل رحالة إنجليزية ما عاينته جهاراً أثناء رحلتها لأرض فلسطين أوائل القرن العشرين! وضد المحاولات الملتوية في تخصيص أرض بلا شعب أو شعب بلا أرض، كما في حال الهنود الحمر (السكان الأصليين للأمريكتين)، تتصدى هذه الرحالة لتؤكد - من حيث لا تدري - فلسطينية أرض فلسطين وأحقية الفلسطينيين في أرضهم التاريخية، حيث تنقل ملاحظاتها الدقيقة تفاصيل حياتهم اليومية، وتوثق الصور التي التقطتها تجذّرهم في البادية والريف والمدن العربية، ما تدحض به زيف الادعاءات القائلة بخواء أرض فلسطين قبل وصول العصابات الصهيونية إليها، أو كالصحراء الجرداء - حسب وصفهم - التي استقبلتهم، فزرعوها وعمروها واستوطنوها. ففي كتابها (اسمها فلسطين: المذكرات الممنوعة لرحالة إنجليزية في الأرض المقدسة)، الصادر عن (الرواق للنشر والتوزيع)، تبدو (آدا جودريتش فريير) على قدر من الشغف بأرض فلسطين، فقد توغلت في حياة الصحراء والقرية والمدينة، وأبهرها بريق الأرض المقدسة بعتباتها وأحوالها الدينية والاجتماعية، فتحدثت بتفصيل لطيف عن المستوصفات والمستشفيات والمدارس والمعاهد والمساجد والكنائس والأسواق والمنازل، التي اتخذت جميعها طابع المعمار العربي الأصيل والفريد في بنيانه وزخرفته، كما تحدثت عن سحر أهلها الذين شاركتهم تراثهم الشعبي وأطربت لأشعارهم، وأخذ بها جمالهم النادر وعقليتهم المحيّرة، والتفتت بإعجاب لأثوابهم الطريفة والغريبة متضمناً نقدهم كشرقيين قلة نظافة الأوروبيين، وهي لا تفتأ تطري لطفهم وكرمهم وحسن ضيافتهم والمثال الحسن في احترام النساء...، وقد أسهبت في الكثير مما يصف بشغف ذلك الماضي المفقود! والرحالة من الحيادية، لا تغفل عن وصف النسيج الاجتماعي والعرقي لسكان فلسطين، حيث - وقبل وصول تلك العصابات الصهيونية - كان اليهود العرب يجاورون المسلمين والمسيحيين معاً على حد سواء، ويمارسون بحرية طقوسهم واحتفالاتهم في منازلهم ومعابدهم، وقد كانت لفتة طيبة أن تضمّن الرحالة مشاهداتها بين المدن والمواقع والآثار آيات من الإنجيل والعهد القديم. لذا، «لا يخلو هذا الكتاب من تسليط الضوء على ما جمع بين الأديان الثلاثة من عادات، ليس لأنها عادات دينية، بل لأنها تقاليد عربية مشتركة اتسم بها أهل هذا البلد آنذاك». تقف الرحالة (عند عتبة يافا)، فترى أن رجل بيت لحم لا تخطئه العين لبنيته القوية «وهو يرفل في عباءته السوداء، مزخرفة الياقة بخطوط ذهبية أو فضية. أما زوجته فتتمتع بجسد مكتنز وتتميز بثوبها الطويل وقبعتها القرمزية المزينة بقطع نقدية يتدلى منها غطاء رأس طويل». وبعد تطوافها، تتساءل: «هل ثمة بقعة أخرى على الأرض تحمل هذا التأثير المغناطيسي في الجنس البشري؟». لم يأتِ تساؤلها من فراغ، إذ إن «مقدسات أورشليم عزيزة على المسيحيين واليهود والمسلمين»، وأن فلسطين تحديداً يسهل الوصول إليها من كل بقاع العالم! فعبر بوابة البحر الأحمر يلج القادمون من أفريقيا وأستراليا، ومن الهند والصين كذلك، «أما الأمريكي فيعرّج عليها في طريقه الدائري حول العالم». ومع توسع الدين الإسلامي، يولي المؤمنون وجوههم شطر القدس للحج، كعتبة مقدسة ثانية بعد مكة، وهم الذين يؤمنون بعودة يسوع المسيح في آخر الزمان «ليحاكم الأمم في الوادي الذي يقع بين شرق حائط المعبد وجبل الزيتون». أما اليهودي الذي كلما صلى، يمم وجهه صوب أورشليم، فيرجو أن يموت في «وادي يهوشافاط» حيث يُبعث عرق اليهود هناك حسب اعتقاده، حيث إن «فلسطين في نظر اليهودي لا تمثل سوى ماضيهم، وكذلك مستقبل عرقهم». تصف الرحالة روح التقبل والتعاطف الذي تبديه الحكومة التركية تجاه المختلفين عنها ديناً وعرقاً، والذي في رأيها، على الأمم الأكثر تطوراً محاكاتها! فقد سمحت بمكوث الإرساليات الفرنسيسكانية في فلسطين والمتواجدة أصلاً منذ قرون مضت، إضافة إلى الجمعيات الإنجليزية والأمريكية التبشيرية بموظفيها، فتقول: «الدستور الجديد الذي منح الحرية للرعايا الأتراك أضاف إليهم قليلاً مما يتمتع به بالفعل المهاجرون من الدول الأجنبية. حتى إنجلترا نفسها، ملجأ المنبوذين في العالم، لا تستطيع أن تظهر كرماً أو حرية أعظم. لذلك نرى ما تدين به المسيحية للمسلم، وما يمكن أن تتعلمه الحضارة من الأقل تحضراً، وما تدين به أوروبا لكرم التركي». ثم تختم الرحالة رحلتها إلى فلسطين عبر السكك الحديدية صوب دمشق، أقدم مدينة في العالم والتي باتت تسطع بنور المدنية، فتغيب في مخيلتها قليلاً، لتنتبه وتعود للواقع وتصف اللحظة لقارئها قائلة: «ولكن في لحظة ما تعود إلى «الشرق الذي لا يتغير»، وتفكر في ألعازر الدمشقي، وكيل إبراهيم، أو تفكر في نعمان السوري، أو في القديس بولس، أو أخيراً تفكر في العظيم والكريم صلاح الدين، الذي نسميه في فصولنا المدرسية صلادين، يغطي قبره تذكارات من جنود آخرين يعرفون شيئاً عن عظمة قلبه مثل السير والتر سكوت. كما وضع الإمبراطور ويليام الثاني إكليلاً من الزهور فوق قبره، وهو آخر التذكارات. هنا على أرض فلسطين تلتقي كُل الأجيال. في بلد مشرق الشمس ومغربها، نجد آثار أولئك من عرفوا الأرض، وأحبوا البحث في أسرارها، لتعرف أن الشمس قد غربت لتشرق مرة أخرى».
630
| 17 يناير 2025
وكأن هالة البتول أحاطت بالمكان والزمان عبر أسرار مُنحت لقلب، فلم يُسرّها! وإن من الفتوحات الربانية لا تحظى بها إلا المرأة حين يتكشّف لقلبها قبس من نور، فتُحدّث عن المرأة في أجلّ معنى للعفة والطُهر والزهد والانقطاع عما سوى الله. فتستلهم الروائية التركية (نورية تشالاغان) من قصة السيدة مريم ابنة عمران، أم المسيح عليهما السلام، معنى فناء القلب حباً في ملكوت الله، مقابل الألم الذي يتكبّده من اختصهم الله بنفحات من لدنه، في مواجهة قومهم الذين لا يعلمون. ففي رواية (عفة القلب: مريم العذراء) الصادرة عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، يأتي وصف (عفة القلب) في ثلاث كلمات رفيعة، تنطق الأولى أم مريم، وتنطق الثانية خالتها، وتنطق الثالثة مريم كمسك ختامها، ويتدفق عن كل كلمة سيل من درّ. هي: الفصل الأول: كلام حنة ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. الفصل الثاني: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. الفصل الثالث: كلام مريم ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. فعندما كانت حنة تقضي وقتها في قراءة التوراة والزبور في بيت المقدس وفي معبد جدها سليمان، فكّرت في اسم الطفل الذي تحمله «كان يجب أن يحمل اسمه معنى العبادة. وقع اسمه في قلبي قبل ذاته. حملت هذا الاسم داخلي لسنوات. هديتي التي سوف أقدمها إليه: كثير العبادة.. مريم». لم يسلم الزوجان من الأقاويل، عن عمريهما وعن الأمر الغريب الذي يحوط بالحمل «وهل هذا ممكن؟ إنه سيدنا المسيح الذي سوف يأتي قريباً.. نعم هو! ممن يمكن أن يكون غير حنّة وعمران؟ سوف يولد المسيح من امرأة عذراء». ولدى مريم، يُصبح بيت المقدس كحضن أمها، وتملأ قلبها طمأنينة وحماسا كبيرا لأن تكون مع الله «العبادة تعني: (يا الله أنا أحبك) تعني أن أخبره بحبي إياه، ففي أي حال يعبد العبد خالقه بقدر حبه إياه». إن كل مخلوقات الله عباد له في تعاقب الليل والنهار، فعندما تنسحب الشمس، يترك العابدون نهاراً مكانهم للعابدين ليلاً.. أما القدس، فتختلف «حينما يقفل الليل بابه على النهار، تغدو القدس باباً مفتوحاً على العرش». وحين يحلّ المساء بأسراره على مريم العابدة، ويقفل عليها النبي زكريا الأبواب السبعة واحداً واحداً، تنعكس أسرارها في داخلها بشكل مختلف «أمرني ربي أن أسجد كثيراً. هذه الأعضاء السبعة هي: اليدان، القدمان، الركبتان، والجبهة. حينما تلتقي هذه الأعضاء في السجدة يستيقظ العضو الثامن، وهو القلب، بالخشوع والتذلل، ويصل إلى الذات الإلهية. كأن كل باب عضو مني. كنت أغلقها عن الدنيا واحداً تلو الآخر. كنت أقطع اتصالها بالدنيا كل مساء». أما عن (عفة القلب)، فإن القلب غير محلل لغير الله، وأي شيء يدخل القلب سوى الله يزيل عفته! تشرح مريم لخالتها هذا المعنى «يا خالتي تتشكّل عفة القلب عندما تصل عفة بقية المشاعر إلى نقطة الكمال. القلب هو ملك الله. حينما يبلغ القلب العفة، يسير نحو الله». ثم تذكر مريم النبي إبراهيم حين بشّره الله بطفل وهو وزوجه عجوزان، وقد كانت تأكل من الرطب، طعام الجنة «الحقيقة أن الجنة هي الإحساس بالله، والمكان الذي يوجد الإنسان فيه هو جنة بقدر إحساسه بالله». يحمل عيسى التواضع كصفة أسمى لانتفاء الطرف الأبوي فيه «كان عيسى متواضعاً جداً، قريباً من الله بقدر بعده عن التكبر. كان التواضع هو الصفة الأسمى في عيسى. كان سره في أمه. المرأة متواضعة، ولا سيما إذا كانت أماً، فإنّها تذلّ قلبها لأجل طفلها». ثم يُرسل الله عيسى نبياً لبني إسرائيل، هكذا ينبئه جبريل.. معلّم كل نبي «(علمني جبريل الحكمة والتوراة والإنجيل)، وفي لحظة واحدة، علمه جبريل علوماً قد يستغرق تعلمها عصوراً». إن الخوف يتأتى من التقوى، وليس الرجاء سوى العمل الصالح.. فيسوي عيسى الأرض للنبي الذي بشّر به «أضاء يحيى وعيسى هذه المرحلة المعقدة بالخوف والرجاء، وأحاطاها بالجلال والجمال. كأنهما فتحة أرضية لنبي المستقبل المحاط بالجلال والجمال». وبعد رفعه، تسترجع مريم ما كان بين عيسى وحواريه عندما كانوا يتحدثون، فيسألونه عن ثمة أمّة ستأتي بعدهم؟! فيبشرّهم بأحمد «لقد انتهت النبوة في بني إسرائيل، بعد ذلك سوف يأتي خاتم الأنبياء، العربي الأمي أحمد. هو ابن إبراهيم عليه السلام، من نسل إسماعيل» وتشهد مريم «عيساي هو بشرى آخر الأنبياء». وعن البشرى، تترقّب مريم قدوم من بشّر به ابنها «الوقت مساء، عمري يذوب في مسائه. أملي في بشرى عيساي. سيأتي ما بشّر به. لن تنصلح القدس أو يشرق حظها قبل وقوع أنفاسه عليها». إنه المساء، وكل الكائنات إلى السجود «وفي السجود الكون اجتمع» إنه المساء.. وقت خلق عيسى، وموت الروح الخائنة، وتحليق النور إلى السماء.. إنه المساء ومريم تنتظر سطوع نور المستقبل «إنه قادم.. الوقت مساء.. بشرى عيساي في أذني: لأذهب أنا وليأتي هو.. فارقليط قادم، أحيّد قادم».
873
| 02 يناير 2025
«لقد أطلقت أوروبا والولايات المتحدة العنان لإسرائيل كي تدمر غزة وتقتل سكّانها! نعم.. إنهم يهللون وربما كانوا يفضّلون (المشاركة)». هكذا تعبّر المؤلفة (هلغى باومغرتن) ابتداءً في كتابها (لا سلام لفلسطين: الحرب الطويلة ضد غزة) الصادر عن (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، وهي ترى العالم مقلوبٌ رأسه على عقبه، حيث المضطهِد ضحية والمضطهَدون هم العادون، متغافلاً عن معترك الاستيطان الاستعماري ونظام الفصل العنصري الذي تمارسه «إسرائيل» جهاراً نهاراً على الأراضي الفلسطينية ضد شعبها المحتل.. في نفاق سافر يتقولب به تحديداً أهل الشمال منه أو الغرب الاستعماري أو ما يُعرف بالدول المتقدمة، وهم لا يعتبرون أهل الجنوب -أو كما يعرّفونهم بالدول النامية- أناساً أمثالهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم تماماً، على قدم المساواة! تضع المؤلفة كتابها «في ذكرى ضحايا الحروب «الإسرائيلية» على غزة: إلى أطفال غزة من بيت حانون إلى رفح». وبينما يتقدمه كلمة تمهيدية جاءت بعنوان (نريد حريتنا ونريدها الآن)، فهي تستهل بحثها المتضمن فيه بـ (استعراض تاريخي) يتناول الفترة ما بين 1948 و 1967، حيث تسلط فيه الضوء على أبرز الأحداث التي جرت على الفلسطينيين، وما آلت إليها من نتائج متمثلة بشكل رئيسي في العنف الممارس ضدهم بقبضة الاحتلال الإسرائيلي، وإلى جانبه على الطرف العربي الرئيس المصري جمال عبدالناصر، بين استمالتهم واضطهادهم في قطاع غزة، والذي لم يختلف عن نظيره في المملكة الأردنية الهاشمية وما جرى على يده من ناحية أخرى في الضفة الغربية. ثم تنتقل إلى (الاحتلال «الإسرائيلي» بين حرب حزيران/تموز والانتفاضة الأولى 1967-2004) والذي تبحث فيه ما تعرضت له منظمة التحرير الفلسطينية من اضطرابات إلى جانب حركة فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وما كان من تركيز لعملها السياسي والتنظيمي مع المجتمع الفلسطيني بهدف تحقيق النضال المشترك. ثم تتناول (الانتفاضة الأولى وأوسلو 1978-2004)، كأول تمرد جماهيري يشنّه الفلسطينيون ضد الاحتلال الاسرائيلي، وما صاحب تلك الفترة من وقفة تضاد بين السلطة الفلسطينية المتمثلة في نظام أبوي قادم من الشتات يترأسه ياسر عرفات، ونظام ديمقراطي يتولاه نشطاء من القيادة الوطنية الموحدة، أمثال عبدالشافي في غزة والحسيني في القدس والبرغوثي في الضفة الغربية. بعد ذلك، تتطرق المؤلفة إلى (الانتخابات 2004-2006) التي شهدت أزمة نهشت بالحركتين فتح وحماس، وقد كانت في مجملها من أجل انتزاع الحرية وإقامة الدولة المستقلة.. حتى تختم بحديث طويل عن (حرب إسرائيل الطويلة على غزة 2006-2021) التي لا تزال دائرة حتى الساعة، وبها احتلت عنوان الكتاب! أما المؤلفة، فهي أستاذة جامعية ألمانية، درّست العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية لأكثر من ربع قرن، ومن قبل في الجامعة الأمريكية في بيروت، وأصدرت العديد من المؤلفات تتناول القضية الفلسطينية، وهي لا تزال تتابع تطوراتها من محل إقامتها في القدس، ومن خلال رؤية محلية ودولية. وبما أنها عدّت بلادها متقدمة صفوف العالم المتقدم في النفاق العالمي المشترك -كما هو الحال دائماً- فإنها لم تتوانَ عن التصريح في مقابلة رسمية على التلفزيون الألماني عن العنف الممارس من قبل المحتل الإسرائيلي ضد الفلسطينيين لا سيما المسلمين منهم، إضافة إلى التطهير العرقي القائم في القدس الشرقية والإبادة الجماعية المماثلة لها في قطاع غزة.. الجرأة في النقد التي جاءت بردة فعل غير متوقعة من جانب المواطنين المسلمين الألمان، وقد قابلوها آنذاك بعدد لا حصر له من رسائل الشكر الإلكترونية. بعد الحرب التي دارت رحاها في مايو 2021، تعتقد المؤلفة بأن الوضع في غزة هو أسوأ مما كان عليه قبلها، «فالحصار «الإسرائيلي» لا يزال قائماً، وهناك بين الحين والآخر هجمات عسكرية جديدة على قطاع غزة، حيث لم يبق هناك شيء يمكن تدميره. فالحرب الطويلة إذاً لا تزال مستمرة حتى بعد حرب 2021». بل وبرغم التغطية الإعلامية العريضة في الغرب، إلى جانب الكثير من حملات التضامن الشعبية، لم تغير الحكومات الغربية موقفها الداعم تجاه إسرائيل وسياساتها، أياً كانت تجاه غزة ودرجة ما تمارسه من عنف.. أو كما تقول المؤلفة: «ولا تزال «إسرائيل» حتى اليوم تتمسك بحربها الطويلة ضد غزة والحصار الإنساني». ومع العنف المتصاعد كنتاج للعقلية الاستعمارية التي تعتمرها إسرائيل ومن ورائها شمال العالم، تدعو المؤلفة إسرائيل والشمال معاً للتعلم بأن وضع حد للعنف لا يتم بالعنف، حيث تقول: «لا تتوقف عملية تصعيد العنف! فيومياً نشهد عنفاً متزايداً، ومع ذلك لا يترك الفلسطينيون أنفسهم فريسة للتخويف والترهيب، فنضالهم من أجل الحرية لا يتوقف، ويرفع شعاراً مركزياً: نريد حريتنا ونريدها الآن».
2007
| 26 ديسمبر 2024
في الثامن عشر من ديسمبر كيوم تم اعتماده عالمياً للغة العربية، يطالعنا كتاب (اهتزازات الروح: عشرة بحوث في أدب العرب وفكرهم)، تهتز له الروح الذواقة وهي تسرح في أروقة اللغة العربية بين أدب وشعر وتجليات صوفية، تستمد السحر من حروفها ومعانيها وبيانها وعَروضها وبديعها وقوافيها وبلاغتها وتصاريفها، والتي شرفت بادئ ذي بدء بالوحي الذي خاطب به الله خلقه من خلالها. ينتقي مؤلف الكتاب (أ.د. عيسى العاكوب)، أستاذ البلاغة والنقد في جامعة حلب، وعضو مجمع اللغة العربية في دمشق، من تلك الأروقة ومن صميم فكر روّادها، عشرة بحوث، وجدها تحرص على تقديم معرفة جادة تقف على البيان الإبداعي الذي حظيت به أمة القرآن من خلال «الكلمة المجتهدة المخلصة»، وهو لذا، يجد تلك البحوث قد انبثقت من «مشكاة واحدة». يأتي العنوان الرهيف من روح الإبداعات الشعرية القديمة والحديثة التي جادت بها قريحة مبدعيها «فما كلمات الشاعر إلا بناته اللائي يشاء لهن أن يكنّ الأبهى والأجمل»، حسب تعبير المؤلف. لذا، فهو يدعو القارئ لأن يضبط اهتزازات روحه مع اهتزازات أرواح أولئك الشعراء المبدعين، وأن يختبر التحليق في فضاء التخليق، وهو يقرّ بأن مهمتي التخليق والإبداع التي تحدّها همة الشاعر الأرضي الترابي -مهما بلغت درجة تحليقه- لا تبلغ سماء الإبداع المترامية. يبدأ المؤلف كتابه الصادر عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع) بالبحث الأول (في آفاق المديح النبوي)، وبنبي الإسلام الذي حُق له أن يكون «المحبوب الخاص» لدى تابعيه، لينتقل إلى «المحب الخاص» الذي هو في هذا المقام ليس سوى (الشاعر العربي). ثم يتطرق إلى اللغة العربية التي استخدمها أهلها كأداة للتعبير عن المحبوب الخاص وعن حبه وفي مدحه، حتى ينتهي بموقفه ﷺ من المديح ومن الشعر ككل، الذي هو بالقطع الرأي الإسلامي. وبعد أن يروي المؤلف شغاف قلب كل مسلم بما جادت به الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً في مدح نبيها، كأسوة حسنة ينبغي أن تُحب وتُتّبع في كل ما أخذت به وفي كل ما ذرت، وكجزء خاص من الدين، وكشطر متمم للإيمان، يتناول ما جاء في مدحه على لسان أقوام لم يتبعوه لكنهم أحبوه حب مماثل لأتباعه. فهنالك الشاعر العربي المسيحي (جاك شمّاس) الذي قال: «أودعت طهرك في حدائق مقلتي، ووشمت مجدك في شغاف جنان، مهما مدحتك يا رسول فإن، فوق المديح وفوق كل بياني». وهناك الهندوسي (السير كيشان براساد شاد) رئيس وزراء ولاية حيدرأباد الهندية، الذي كتب بلغته الأوردية أبياتاً تولّى المؤلف ترجمتها من الترجمة الإنجليزية: «قد أكون كافراً أو صادق الإيمان، لكن ربي يدري من أكونه، وأنا أعلم أيضاً أنني الخادم، للمختار سلطان المدينة». أما البحث الثاني (كلثوم بن عمر العتابي)، فينقل فيه عن الشاعر الحلبي الذي أتقن الفارسية وترجم عنها، رؤيته العامة للشعر والأدب، حيث قال: «الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، وإنّما تراها بعيون القلوب، فإذا قدّمت مؤخّراً أو أخّرت منها مقدّماً أفسدت الصورة وغيّرت المعنى، كما لو حُوّل رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، تحوّلت الخلقة، وتغيرت الحلية». ثم يتحدث في الثالث عن (المدرسة الشعرية الشامية في عصر سيف الدولة الحمداني)، ويتناول في الرابع (آفاق الأدب المؤدب) سيرة (أبو العلاء المعري) كعالم وكمعلم للغة العربية والحكمة الإيمانية، وكتابه (الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ) الذي خصّه لعلوم اللغة العربية، من ناحية المعجم والأساليب، والنحو والصرف، والعروض والقوافي، ليختم بالدروس الإيمانية المستخلصة منه. ثم يأتي البحث الخامس (الهداية النبوية وآفاق رؤيتها) على أفق الحضارة وأفق الرشاد وأفق العالم قبل الهدي النبوي وبعده، وأفق الإعراض عن نور هديه، ومن ثم السادس (هكذا فلنغن للحب) الذي يتناول عملية التخليق الشعري من خلال قصيدة لشاعر إماراتي، ومن بعده السابع (أهو الحب الذي يفجر ينابيع الفن) في نفس المضمون، حتى ينتقل للثامن (ضغط هاجس الإبداع في ديوان ذات البدع) فيخصّ به شاعر موريتاني ويكشف عن «الجد في تطلّب الإبداع والتخليق عند هذا الشاعر»، وللشعر كأداة في تجلية العالم الباطن. ثم يختتم المؤلف ببحث (الشكر: مفهوماً أخلاقياً في التصوف الإسلامي: الدلالة والمنظورات) حيث يخصّ التاسع منه بـ (فضاء ما قبل التصوف) والعاشر بـ (فضاء التصوف). فيعرض في التاسع المفهوم العام للجانب الصوفي والأخلاقي، وحقيقة الشكر، ومكانته في اللغة العربية، والمنظور العربي له قبل الإسلام، يليه المنظورين القرآني والحديثي، في حين يعرض في العاشر -مستعيناً بالمراجع العربية والفارسية والإنجليزية- قيمة الشكر من منظور صوفي عرفاني، لا سيما لدى الإمام أبو حامد الغزالي، ومكانته في جملة حكايات وأقوال عدد آخر من أعلام التصوف. ختاماً، ومع أن الكتاب جاء متخصصاً بشكل ما، فهو كفيل بأن يثير كل بواعث العز والإعجاب لدى كل من أنعم الله عليه بلسان ناطق للغة الضاد، وكما قال أمير شعراء العرب: «إن الذي ملأ اللغات محاسناً.. جعل الجمال وسره في الضاد».
342
| 18 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
1767
| 23 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
885
| 18 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
657
| 20 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
534
| 22 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
498
| 19 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
477
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
456
| 20 فبراير 2026
رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم، بل هو...
411
| 18 فبراير 2026
أقر قانون المناطق الحرة الاستثمارية ٢٠٠٥/ ٣٤ للشركات...
411
| 19 فبراير 2026
يحدث أحيانًا أن يتأخر العالم كله خطوةً واحدة،...
399
| 18 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
390
| 22 فبراير 2026
تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن أن منطقتنا...
381
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل