رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس أمرّ على الإنسان من عسر حالٍ يخلقه بنفسه لنفسه، ومن شدةٍ يتفنن في توّحش نصل حواشيها يقتات عليها علقماً، ويظن أنه بذلك قد أتم صبره مشكوراً! وما من سجون مدلهمة الوحشة من قيود يفرضها الإنسان على نفسه ! وما من غيابة جُبٍ أحلك مما حفره المرء لنفسه وطمر ذاته داخله ! هذا ما صنعت يداه بحصون فكره الواهم، وتعلقات قلبه المصمت، قد توّه روحه في غياهب مظلمة ليس لها من قرار.. وما ذلك كله إلا لأنه شيّد من أفكاره المفروض واللازم، وألزم نفسه بما لا يُلزم. تلك الأفكار التي بناها حجراً على حجر داخل تلافيف عقله مما توارثه، وما وجده من آبائه على أمة، دون تمحيص أو تبصّر ! ولأنه كبّل قلبه بالمغاليق، فبات مُتعلقاً بكل ما يراه مرغوباً دون أن يتخفف من ثقل فرضه على نفسه ! يتطلّع للأجمل والأكمل، ليحفظ لنفسه أفضلية زائفة في مجتمع الصور، ويبقى داخله خاوياً على عروشه، قد تناهشته الرغبات، وذلت نفسه الحاجات، وطأطأت رأسه الشهوات، فهو على آثارها هائم لا يلوي على مُستقر ! وما أن يُدرك المرء عاقبة ذاك الحال، ويتخذ قراره بالإنابة إلى حق القرار، حتى يتبصّر في كنه حاله على حقيقته، ويعلم أن أعذب أيامه لن تتدفق في معبر مسدود.. فيتعهد نفسه بتمحيص بصره في أمره، لأنه مُدرك أن كل إنسان على نفسه بصيرة، ويعيد تعريف مفاهيمه، وينظر للعالم حوله من منظور أوسع للإدراك، ومن زاوية أرحب في الاحتواء والرحمة. ويقلّب النظر في أولوياته، فيُرخي قبضته عن الدفاع عن أصنام الأفكار البائدة، ويفتح قلبه لاستقبال آلاء ربه المُقدرة له، دون تعلّق ينبذها عنه، أو إلحاح مزعج ينفرها منه. فتنقلب نفسه رضيّة كريمة، قد فكّت عنها أغلال تكبلها، وقد كان ديدنها دفع ضريبة تثاقلها إلى الأرض، وتفتح أمامه من جديد سموات طالما كانت رحبةً قِبالته للتحليق والخفة، قد قصر حاله سابقاً عن حتى مد النظر إليها، فما كان منه الآن إلا أن يرفرف الجناح دون شدّ أو جذب، ودون التفاتٍ لمآل أمره عند من لا يدركون من الأمور إلا ظواهرها. - لحظة إدراك: ما من أجلّ للإنسان من أن يدّك حصونه، ويُبيد سجونه الآسرة، ويهدم بكلتا يديه قصور كاذبة قد شيدّها من الوهم. وما من أزكى للمرء فتح أبواب قلبه على مصراعيها، مُسلم أمره لربه، متخفف من ثقل التعلقات، و من عبء الرغبات ووطأة الحاجات.
504
| 17 ديسمبر 2024
من المُجدي أن تُدرك أن ليست كل لحظاتك بحاجة إلى الانتباه والتركيز، فإدارة التركيز فن لا يتقنه إلا من اعتاد أن يدير دفة حياته في بحار التسليم، وتوطّن قلبه في أرض الطمأنينة. ومن هذا المنحى فإدارة التركيز، وضبط الانتباه مهارة كشأن بقيّة المهارات تحتاج إلى ضبط، ذلك لأنك إن لم تُخضع انتباهك، وتقود تركيزك، ستتفلت فتنساق خلف المشتتات التي تستهدفهما، وذلك في أصله من قبيل تبديد النعم، والانقياد إلى دروب الظُلمة! فالعقل بطبيعته يتسيّد وظائف الحماية، فيبالغ في الذود عنك من أبسط الأمور إن لم تكن مألوفة لديك، ويُعظّم مخاوفك حتى تصبح سجيناً لا تتقدم، ويسرق انتباهه بسرعة للمساوئ والمخاوف والسلبيات. وتركه يقود حياتك بلا إدارة من المهالك التي لن تنال منها سوى العيش في ظلال الحياة! ولن تُشرق شمسك إلا إن امتلكت زمام أمرك، وصرت سيداً لعقلك، تذللـه وتقوده كيف تشاء، فتعيد تعريف المفاهيم له، وتُوجه انتباهه نحو ما تريد، وتسحب تركيزك عما يمكن أن يُدخلك في دهاليز المخاوف والارتياب. وليس ذلك فحسب، بل من حُسن إدارة تركيزك أن تعلم أن تسليط انتباهك على ما لا تريده لن يزيده سوى تعاظم وبسطة ! لأن الانتباه والتركيز إنما هو فيض اهتمام، وانشغال محموم بما يلهيك، فيضحى وقوداً يغذي وجود ما تركز عليه، وما مآل ذلك إلا (مقاومة) لن تخرج من ساحات حربها إلا صريعاً، قد اختلجت عليك نفسك، وزاد عليك همك، وتعدّى عليك بأس ما تخافه، وثقل عليك ما يُحزنك. فما إن تسترد سلطتك حتى تعلم أن تُسلّم الأمر، ولا تُعير كل شيء من انتباهك إلا بالقدر الذي يستحق وجوده في حياتك، ولا تمنحه من الاهتمام إلا القدر الملائم الذي لا يحيله إلى همّ. فإن كنت تريد نعماً جزيلة، وأفضالاً عميمة، فلا بد أن تعي أن تسليط انتباهك عليها، ودوام شكر الله عليها يزيدها، ويكثرها، ويُبقيها أسيرة لديك. وأن إشاحة نظرك عنها، وتركيزك على ما لا تحب من المصائب أو المخاوف أو الصعوبات ضمانة لها للبقاء والانتشار في جنبات حياتك. القرار عندك.. فانظر إلى ما أنت راغب، نعيم مقيم، وراحة بال وطمأنينة خاطر، أم انشغال بالتوافه، وتخبط في الشعور، واضطراب للنفس والوجدان ! * لحظة إدراك: آلاء الكريم مُسخرة بين يديك على خلقتها الأولى، عقلاً وشعوراً، أنت من تحيلها إلى عقل مدبر، وشعور مطمئن، وتُسخرها لخدمة غاياتك، وتذللها بالدربة والمران على ما تحب، وتعينها على الانخراط الدؤوب حيناً، وعلى التسليم حيناً آخر، الخيار بين يديك.
1671
| 10 ديسمبر 2024
ليست (الخبرة) إلا نتاج سلسلة مُمتدّة من المواقف، وحلقة متصلّة من المشاعر المتلوّنة! ذلك لأن (الخبرة) ليست وليدة العلم النظري بالشيء، وإنما هي نتاج (اختباره) بالعبور به، ومن خلاله، والغوص بين تلافيفه. فمن (اختبر) علم أن التجربة ميدان لا يقوى عليه أي أحد، لأنها تضع المرء على المحكّ، فيجرّب قبل أي أمر صلابته، ويفهم قبل أي أحد نفسه، ويتعلّم قبل كل شيء كيف يرسو بسفينته على شواطئ الأمان. ولهذا قد يصحّ القول إن العلم بالشيء ليس خبرة في حدّ ذاته، والتوّسع في طلب العلم ليس غرضاً ممدوحاً في عين نفسه. بل إنه من تمام الإنسانية أن يختبر المرء الحياة بحلوها ومُرها، وأن يخوض عبابها ويبلغ الجديد من شواطئها، ويزور مدائن لم تُطرق من قبل بين جوانب وجدانه. ولعلّي لا أبالغ إن قلت إن هذا هو مرمى جوهري من الحياة نفسها، فما فائدة الأيام دون تجربة، وما غرض الأنفاس وهي لا تستنشق إلا هواء محيطها ! وما فائدة أن تُشيّد الأفلاك وتُبنى السُفن لتبقى مرساة على اليبَسِ! ولا تكتمل (الخبرة) إلا بإتقاد الذهن، وحضور الوجدان، فيُدرك المرء أن ما يقطعه من التحديّات، وما يصادفه من المشكلات إنما هي محض دروس، تفرض الحصافة أن تُستدرك كخبرات متراكمة، ويستشعر الإنسان مع هذا تجربته الحسّية والوجدانية أثناءها، فلا يتماهى مع دركات مشاعره الحزينة، أو حضيض خوفه المتعاظم، بل يجدها فرصة للتعامل الكيّس معها، فيغنم مع مرور الوقت جلداً وحصافة، ويتقوّى وجدانه في مجابهة صروف الدهر ونوائبه، فيغدو صلداً لا تتقاذفه الأهواء، ولا تصطليه موجات المشاعر دون احتساب ووعي. فيخرج بعد تجربته تلك وقد اشتّد عوده، وقويت بصيرته، واتقد جنانه، فيكون ذلك معيناً له على استكمال الرحلة، والارتقاء في مسار حياته، قد استفاد في نفسه، ومد يد عونه لغيره، حتى يعينهم فيما يجتازونه من التجارب. وكل تلك المحاسن لا يقطفها المرء كاملةً إلا إن استحضر النيّة، وأقبل على التجربة، ووطن النفس على عيش الحاضر بلا تبكيت أو لوم، فكل ما مر به هي خبرات نفيسة، دفع ثمنها من وقته وجهده وشعوره، وآن له الآن أن يتلذذ بالنتائج، وحق له أن يتنعَّم بالنضج الذي يصل إليه من خلالها. لحظة إدراك: لعل المرء باخعٌ نفسه على اللحاق بحظوظه من الدنيا، فلا يتفلّت منها شيء، وهو عاقد العزم فيها على السباق والمنافسة، وهذا ما يُضيّع للتجربة قيمتها وجدواها، فالدنيا دار اختبار وتمحيص، وفرصة لعيش التجربة كاملةً بحلوها ومُرها، ولتراكم الخبرات فيها دون تشتت الفكر والشعور في حسراتٍ على الماضي، أو قلق مفرط على المُقبل الآتي.
789
| 03 ديسمبر 2024
من المحاسن التي تمنح المرء أنساً وقوة باطنية تعينه على المسير في حياته، أن يستطيع أن يتلّذذ بالأنس بنفسه، فلا يُرعبه أن يقضي معها الوقت، أو يُمارس الأنشطة منفرداً. وما خوف الأنام من الانفراد بالنفس إلا خوف من الوحدة، فمن يمتلك مهارات الألفة مع ذاته، يقضي وقتاً بهيجاً مؤنساً بصحبتها، يصطحبها في رحلةٍ بهيّة للطبيعة، أو مطالعة كتاب، أو السفر، أو الاستماع إليها وقت حزنها، وحين فرحها، أو تفحص ما قدمت يداه بين الفينة والفينة، يراجع النفس، ويقوّم الوجدان، ويظن أن ذلك فقط مُستملح مع الرفقة، ومُستنكرٌ في الخلوة، فقد فوّت على نفسه مُتعة من مُتع الدنيا. وليس المعنى من ذلك أن يعتاد المرء على الوحدة، أو يستهجن الخُلطة، فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجراً من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، كما جاء في الحديث. ولكن المُراد أن لا يستنكف المرء صحبة نفسه، والأنس بها، والتمّتع بالخلوة لا الوحدة، والاستلطاف بالانفراد لا بالعزلة. ففي الخلوات مُتع وتجارب خاصة للإنسان ذاته، لا تصحّ لغيره، فيها يستكشف ذاته، ويُعيد الاتصال بربه، ويُدرك أكثر فكره ووجدانه، ويتبيّن زلاته وعيوبه، ويتعرّف على ما يُحب ويكره، فلا أصفى من الخلوات لراحة البال والتلذذ بالسكون والاستكنان. ومن محاسن الخلوات الانشغال بتهذيب النفس، والسمو بالفكر والشعور، والارتقاء في مراتب الإحسان، بدل الانشغال بالناس ما قالوا وما فعلوا، وذلك أدعى للتزكي والتطهّر، وحفظ اللسان، وقصر النظر عن المقارنات ومد العين للغير، مما قد يُورث الحسرات والبغضاء، ويصرف النظر عن النعم والآلاء، فكما قيل: غرس الخلوة، يُثمر الأُنس. ولعل هذا ما يُرسي للمرء اتزانه، ويفيض عليه بحكمته، ويضبط الشعور ويستقيم به الفكر. - لحظة إدراك: الانفراد بالنفس جنّة العاقل، وجذوة الحاذق، وسعادة القلب، ورصانة الحكيم، وفرصة لإعادة النظر، وباب للتهذيب، واتزان محمود. كما قيل: فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها تبقى سعيداً إذا ما كُنت منفرداً
2991
| 26 نوفمبر 2024
ليس أتعس على المرء من حياةٍ يعيشها فارغة بلا معنى! قد انفصل فيها عن ذاته، وانشغل وقته بمراقبة غيره، وتتبع أخبارهم، ليصنع له حياة يظن أنها مليئة بما يسرّه، ولكنه قد لا يُدرك أنه أخطأ التقدير، وغابت عنه حقيقة أن السعادة الحق بوجود المعاني الأسمى، والأهداف الأرقى التي يتطّلع إليها، وبالانشغال بنفسه، وباهتماماته التي تملأ نفسه بكل سامٍ، وتُترع حياته بكل راقٍ. ومن يتصل بشيء يتصلّ به، ومن يألف الأمر يألفه، فما أجدر بالمرء أن يُمعن النظر بما اعتاد، وما استوطنته نفسه، وبما يُثير اهتمامه، فلعله ساهٍ عن معنى وجوده، و تسّرب أيامه بلا طائل ! فمن تشاغل بسفاسف الأمور، و انبهر ببهرجة القشور، وغرّته الأماني، وسها عن ذاته بما يحيط به من لجة، فقد حق عليه القول بأنه يهدر أيامه سدىً من غير طائل، وبفراغٍ من غير مرمى، قد بهتت ألوانه، و فقد معناه. ومن تبّصر في أمره، وأعاد النظر في نفسه كرّتين، وانتبه إلى ما أفنى فيه العمر من ضياع، فقد استيقظ، وحق عليه أن يُرسي حياته على المعاني الراقية، والأهداف السامية، و أن يعيد توجيه وقته وجهده في تشييد معناه، وإعادة النظر فيما ألفه من الأفكار، وما استوطنه من المشاعر، وما ألفه من المسلك والطبع، فطفق يُصلح من نفسه، ويقوّم مسلكها، حتى ينشغل بتقديم إضافةٍ لدنياه، فلا تذهب نفسه حسرات على عمره الفاني. وكما قيل: ((من لم يزد شيئاً على الدنيا، كان هو زائداً على الدنيا)) وهذا - لعمري- هو الأجدر بالاهتمام، والأليق بالعيش. ولا يحسبن أحد أن هذا الاختيار بملء الحياة، وإرساء المعنى هو خيار هيّن يسير ! فثمنه عمل جاد، ومراقبة دائمة، وتهذيب مستمر، ورغبة حقّة في صنع حياة تملؤك بالمسّرة، وتنثر عبيرها على كل من حولها. لحظة إدراك: لا يُوجد المعنى صدفةً بلا تقصّد، فالإنسان هو صانع معناه، هو من يخلع على حياته جُبتّها السنية المحاكة من أفكارٍ منتقاه، وقناعات مُختبرة، ومشاعر مُصفاةٍ من كل كدر، ومسالك يُراد بها الاعتلاء والارتقاء، وباختيار الإحسان مسلكاً وطريقاً، لأنه هو الأعلم بنفسه، والأكثر إدراكاً لذاته وما تُخفيه. (بل الإنسان على نفسه بصيرة).
837
| 19 نوفمبر 2024
من أكثر القرارات المصيرية تأثيراً على حياة الإنسان أن يتخذّ قراره بالانشغال بنفسه، يستمتع بحياته، ويشكر نعم الله عليه، يتفكّر في نفسه، ويسعى لتهذيبها ما وسعه ذلك، ويتعهدها بالارتقاء والسمّو حتى تصبح راقية مهذبة، قد خاض من الحياة تجارب كانت له مدرسة كاملة من الدروس والعبر. قد انصرف همه عن الناس ما قالوا وما فعلوا، واستراحت نفسه من الانخراط في التحليلات والتأويلات، واستراح عقله من ثقل التقييمات والانتقادات لمن حوله، واطمأنت روحه لأنه لا يحكم على أحد، فلله في خلقه شؤون، وللناس أهواء ومشارب، وللخير أهله، وللشر ناسه، وهذا من تنوّع الحياة الطبيعي عبر الزمن. قد قرّت عينه بما يملك، فلم يمدها إلى ما في يد غيره، وخلت ساحاته من النزاع والمعارك التي لا طائل من ورائها سوى انتصارات واهمة في جدلٍ عقيم. قد تغافل واحتفظ بجهده لنفسه، وسحب انتباهه لبواطنه، يجاهد النفس، ويهذب المقصد، ويسمو بالخلق، ويصلح الزلة، ويقوّم الخطأ، ويمسك لسانه عن خلق الله، ويركز فيما بين يديه من الآلاء، يتقلب فيها شاكراً حامداً، لأنه مدرك أن العمر قصير، وكل ما يزرعه سيحصده عاجلاً أو آجلاً، قد سلم الناس من لسانه ويده، وسلمّه الله في دينه وماله وعرضه، وستر الستار عورته، وألقى القبول له في قلوب خلقه جزاءً وفاقاً بما اجتهد في نفسه، وبما جنّب الناس من أذاه. ولعل المعنى العظيم في ذلك أن الحياة هي تجربة شديدة الذاتية، في يد المرء أن يحيل نصيبه من الدنيا إلى جنةٍ وارفة، خميلة مُظلِّة، قد ازدهر فيها الورد والثمر، واستطاب بها الماء والهواء، فأصبحت مقصد المتلذذين بالجمال، والباحثين عن الثمار والظلال، والمستجيرين من الرمضاء بطيب المرور. وفي يد المرء كذلك أن يحيل حياته إلى أرضٍ بور، قد امتنع عنها الشجر، واحترقت تربتها، يقلب كفيه ندمان أسفاً على ما فرط فيها من استثمار الجهد والوقت، وإصلاح النفس والتسامي بالخلق، لأنه شتت تركيزه عنها فيمن حوله، يحسد هذا، ويأذي ذاك، قد ذهبت نفسه حسرات على ما قدم. ولأن للعمر بقيّة، وللعودة منفذ، فإن طريق الرجوع عن الخطأ معبّد للمرور مرة أخرى، وأبواب التسامي والإحسان مُفتّحة على مصراعيها، وساحات الخير والبذل متاحة للاستثمار ما دام في المرء نَفس يخرج ويرتد. لحظة إدراك: من النعم الغالية التي تستحق الشكر، أن يُلهم الإنسان بالوعي اللازم الذي يمكنه من إدراك أهمية أن يعيد تركيزه على ذاته، وأن يُعان على فعل ذلك حقاً، لأنها مهارات تُصقل، وآداب تُعلّم، تستلزم جهاد النفس، وإعادة تربية الذات على الأجدى والأصلح والأنفع، وهذا _لعمري_هو الاستثمار الحق في حياتك الدُنيا.
543
| 12 نوفمبر 2024
لعله من لطائف النعم، أن يستدرك الإنسان نفسه، ويقف لحظة مراجعة مع ذاته، يعي فيها أن سعيه اللاهث في الحياة هو أكثر مما ينبغي! وأن لحظات عمره - في الحقيقة- تنساب دون وعيه من بين يديه، وكأنه يهدر العمر في الالتفاف نحو نفسه في ساقية لا تقف إلا بتوقف أنفاسه ! وأن الكدّ الدائم الذي يُفني الإنسان فيه نفسه في الركض نحو وهم الأفضل، والأجمل هو عناء لن ينال منه سوى عض أصابع الندم ! ذلك الإدراك هو لون من ألوان الصحوة، وصنف من أصناف الإدراك الذي يجبر المرء على التوّقف برهة في خضم هذا السباق الوهمي، وللتفكّر لحظة بوعيٍ حاضر، وذهنٍ متوّقد، بأن تلك اللحظات هي رصيد عمرك المتناقص، كما قيل:( يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك، ذهب بعضك)، وأن قضاء تلك الأيام وأنت على وضع (القيادة الآليّة) محض تبلّد للشعور، ووهمٌ للعقل، و فواتٌ للنفس، وتبديد للعمل ! وما أن يُدرك المرء حقاً مدى سرعته، و ضياع لحظته، وتبدد فكره، حتى يعلم فعلاً حجم خسارته التي لا تُعوّض بثمن ! فهو مغيّب الروح وإن كان حاضر البدن، ومتبلد الشعور وإن جارى من حوله، و هو غافل عن نفسه، تائه عن قلبه، يعيش على قيد الحياة دون أن يحيا! يؤدي كل واجباته على عجل، فهو يجاري الزمن ليلحق عمله، ويزدرد لقمته دون حتى أن يتذكر ماذا تناول في وجبته، يتكلم و يمشي و يتفاعل بسرعة وكأن هناك من يطارده ! وما تلك الحال إلا نتاج لهاثٍ لا ينقطع، قد آن الأوان لأخذ الاستراحة منه برهة، فالحياة أجمل من أن تعيشها برتمٍ متسارع يفقدك لذة التمتّع بها، فلا أحكم من أن تتخذ قرارك بالابطاء، والتخفّف من ضغوط حسابات الوقت، والسماح لنفسك بالوعي التام بلحظتك، وبكل ما يدور فيها من المشاعر والأفكار، و الانغماس برهة في كل ما تفعله ببطء يضبط إيقاع الجهد حتى لا يتحوّل المجهود إلى إجهاد، ويزن ميزان العمل فلا يكون لديك اندفاع ناتج عن الإغراق في الخوف والقلق، ويعتدل ميزان الفكر فلا يتشتت بين ماضٍ محزن، أو مستقبل مُقلق. العيش بوتيرة الإبطاء قرار لا يتخذّه سوى الجَسور، لأنه يتطلب الوعي بالنيّة قبل العمل، ويحصر الفكر في الحاضر بدل التيه في مدارات الزمن، ويُرشّد الفعل لأنك ستدرك أنك لن تبذل سوى ما في طاقتك وتكل الأمر لصاحبه. وهذا كله، مما يُعظم الإيمان، ويُصلح العمل، ويضاعف النتائج، ويعين على الشكر قولاً وفعلاً، ويزيد متعتك فيما وهب لك من لحظات العمر، و تتخفف معه من أحمال ليس لك بها من سبيل ! لحظة إدراك: ليس من النجاعة في شيء أن يكون المرء في سباقٍ دائمٍ مع الزمن، وفي تحدٍّ مستمر مع مهامه وأدواره في الحياة، وليس برهان النجاح أن يكون المرء منشغلاً طوال وقته، غارقاً في مسؤولياته التي لا تنتهي يُداحض بها الزمن، حتى يتحوّل إلى آلة فقدت الحس والشعور، وأثُقلت بالمهام والواجبات، دون فسحة تُعيد للمرء الشعور بحياته كإنسانٍ في المقام الأول !
1170
| 29 أكتوبر 2024
ليس من الهيّن أن يعتاد الإنسان حُسن الإنصات، ويتأدب بآداب الاستماع، ويستعد للتخلي عن دفاعاته، وأُهبة ردوده حتى يعي ويفهم فعلاً ما يُقال، وكيف يُقال، ولماذا يُقال. وليس سهلاً أن يتمكّن المرء من عقد نيتّه على حُسن التفهّم لمنطلقات الآخر، أو أن يمتلك رغبة حقيقية في فهم منظوره، ومراعاة شعوره، فضلاً عن منحه المساحة الكافية للتعبير عنها أمامه دون حُكم مُسبق، أو افتراض مُقدّم، أو تأويل جاهز. يستقبل منه بحسن نية، وصدق تفهّم، وإقبال عليه بُكليّته، جسداً وعقلاً وشعوراً كما في الهدي النبوي الشريف. فالتواصل بنيّة التفهّم، والاستكشاف، والاستيضاح الحقيقي رغبةً في فهم وجهة نظر الآخر هي مهارات يندر من يمتلك زمامها. ولستُ أرى حُسن الإنصات سوى مقام عالٍ في الإنسانية، ودرجة عالية من الوعي، ذلك لأن المستمع الحق هو من يبذل جهده ليفهم عالمك، ويعيش شعورك، ويفهم منظور فكرتك، ويُدرك سياقاتك التي تنطلق منها، ويقبل عليك نفساً وجسداً وشعوراً ليفهمك، دون أن يرى نفسه أنه أفهم أو أعلم أو أحكم أو أفضل. أو أنه المالك للإجابات، أو المتأهب للردود وإثبات وجهات النظر التي يعتنقها، انتصاراً لأناه، وتحقيقاً لوجوده الكاذب. وليس ذلك سوى محض صراع الأنوات، مما يمحق الحب، ويُعدم جسور التواصل، ويُشيع النبذ بدل الاحتواء، والإثبات بدل التفهّم، ولو كان أقرب المقربين، وأصفى الأصفياء. فلا صفاء يدوم في ظل المشاحنة لإثبات وجهات النظر، ولا مودة تبقى في رفض يتوسد الكلمات، ونبذ يُغرق العبارات. ولا إعلان لحُسن النوايا، ولا دفع بالتي هي أحسن إن غاب الإنصات، وظهرت نعرة الأحكام وإطلاق المسميات، حيث تُحال إلى أرض بور لا زرع فيها يدوم ولا ثمر. ولعل ما يغيب حقاً عن أنواتنا المتعاظمة أن نُدرك أن للجميع فرصة أن يشعر بما يشعر به، وأن يفكر بما يُفكر به، وأن يتبنى ما هو مناسب له، دون أن يُشعر بالرفض والحرب عليه لمجرد اختياراته، أو التصغير لمقامه لمجرد ما انتقاه لنفسه من باقة الفكر والوجدان. وما أعظم الأدب الذي يُعظم من شأن حق كل امرئ في التعبير عن نفسه كيفما كان، وأن يشعر بأنه في رحابة الاستيعاب وإن لم يتم الاتفاق معه، وأن رأيه مكرّم وإن شذ، وأن شعوره مُقدّر وإن اُستغرب. فالرحمة سيدة الأخلاق، وعابرة الوجدان، وملطفة أشواك الفكر، وحضن يسع الإنسان بكل أطيافه. *لحظة إدراك: من المعلوم عنه صلى الله عليه وسلم بعد الإقبال على من يستمع له بُكليّته، أن يفسح المجال له بسؤاله: (أفرغت؟) لأنه لا أسمى من أن تجابه دعوات شاذة، واحتدامات شائكة بالتفهم عقلاً وشعوراً وانتقاءً للكلمة، واستجابة حتى بلغة الجسد التي تعبر عن الرحمة والإحاطة والرغبة الحقة في الاستيعاب، وترك المساحة كاملةً للتعبير والتفريغ، لأن التواصل الحق ما هو إلا دعوة محبة ورحمة، لا ساحات للإثبات والانتصار.
1107
| 22 أكتوبر 2024
من أكثر الأمور التي من الكياسة أن يفطن إليها المرء، أن يتصل بما هو ثابت قائم لا بما هو متغيّر متزحزح. ذاك الاتصال الذي يُعمّق وعيه، ويربط على قلبه، ويَصدْق فيه شعوره، ويرسو فيه على شواطئ الأمان العقلي والشعوري، فيزيد إدراكه، ويطمئن قلبه، ويرضى فيُرضى عنه. فليس أبأس من إنسانٍ يربط رضاه عن ربه بأمور مُتحوّلة، يعبده على حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، ولا أعوز من امرئ يرضى عن نفسه ما دامت له سعيدة مؤنسة، متوافقة مع ما يتطلّع إليه فيها من الشكل والهندام، وربما القدرات والوصول للطموحات، وتحقيق النجاحات والإنجازات، وينقلب عليها يُبكتها ويعذلها آناء الليل وأطراف النهار إن أخفقت، أو زلّت! ولا أملَقَ ممن ربط رضاه عن حياته بتوّفر المال، وتحقيق المآلات، والفوز بالعلاقات، وكأنه يطلب ما لا يُدرك، وما هو غير ثابت أساساً، فليس كل المال يدوم، ولا كل العلاقات تستمر، وليس إرضاء الناس إلا مذمة لا تحمد لأنها من المستحيلات!. فمن ربط رضاه عن كل ذلك بحالات متغيّرة، وصروف متبدّلة، فقد فتح على نفسه بابا لا يُغلق من جحيم الاضطراب، ولظى السخط والاستياء، وابتعد فراسخ لا تُعد عن أراضي الرضا الحقّ، وساحات السكينة والقرار. فما أجدر بمن تفكرّ في حاله في هذه الدنيا أن يعلم حق العلم، ويوقن حق اليقين بأن ارتباطه بالمتغيّر هو لجة لن يسلم فيها من الاختلاج والاهتياج، ولن يصل فيها إلى شواطئ السكينة وراحة البال، وجنّة التسليم والرضا وقرار النفس إلا إن ربط نفسه بالثوابت، وليس أثبت من وجه الله الكريم، الذي ييمم المرء وجهه شطره، فيأوى إلى ركنٍ شديد، ويستمدّ منه عزا لا يبلى، ويُسلّم أمره بكل مظاهره خيراً وشراً إلى بارئه، فيعلم أنه بتدبيره الحكيم، وسلطانه القديم، قد ضمن له ما هو له، فيعيش مرتاح البال، لا خوف عليه ولا حزن، وهذا هو حال المؤمنين الموقنين. - لحظة إدراك: ما أجدر أن يُدرك المرء أن ثباته، وقرّة عينه واستقراره، في استناده إلى ما هو ثابت، وبالاتصال بما لا يتغير ولا يتحوّل، وباستمساكه بالعروة الوثقى، فيعيش في هذه الحياة كرحلة وإن ثارت لجتها فإنه في قلب سفينتها ساكن، فما دام متصلاً به فسيصل لسكونه وهدوء نفسه وعزه واطمئنانه.
879
| 15 أكتوبر 2024
قد يتساءل المرء وقت هوانه عن مخرجٍ يُنجيّه مما هو فيه، ويبعث له بصيص أمل يستهدي به لينقله من حاله آنياً إلى سعة يتمكّن معها من الانعتاق من أسر ما ابتُليت به نفسه من الشقاء. ولعلي أزعم أن المخارج كثيرة، والأدوات متنوّعة، يتخيّر منها الإنسان ما شاء وفق ما يروق له، وما يليق بوضعه وزمانه ومكانه، وما يتوافق وقدرته واستطاعته. وعسى أن لا يطول بالمرء المسير حتى يُدرك مفتاحاً من مفاتيح التحرّر، وسبباً من أسباب التجاوز لما يُكدّره، وباباً من أبواب السعادة وقرار العين يدلف منه متى ما أراد. تلك الكوة التي يُبصر معها ليس فقط تخلصاً مما يُثقل كاهله، بل يشعر معها بالتطهّر والطمأنينة والسموّ. وهو بالمناسبة مدخل لا يستطيع أن يدلف منه الجميع، لأن له جباية لا يقدر على سدادها كل أحد. وما أتحدث عنه هو باب رفيع المقام، لا يستوعب أهميّتة سوى الذين يبذلون في تزكية أنفسهم أنفس النفائس، وهو اختيار (التسامي والارتقاء) الذي يليق بمراتب الإحسان، وهو ما يجعل المرء (راقياً) لا تستنزفه التوافه، يقابل الإساءة والكدر بالصبر الجميل، والصفح الجميل، ويواجه الصدّ بالهجر الجميل ويُسرّح السراح الجميل! فجمال ذلك كله منبعه (تسام) عن الاعتياد بالتفكير والتوجه لما هو أسمى وأرقى وأزكى. فلا يلبث المتسامي إلا أن يعي أنه قد ارتقى مقاماً اشترى فيه راحة باله، وصفاء طوّيته، وسعادة قلبه، وإيمانه بربه، الذي يُجزل له الثواب، ويكافئه على الإحسان بالإحسان، ويجازيه بأحسن ما عمل. وليس ذاك باب من اعتاد الاضطراب، ورد الصاع بالصاع، وإنما هو مدخل لمن نوى لنفسه التهذيب والارتقاء، والعروج في مسالك المحسنين، لأنه اختيار نقّي، وتهذيب مستمر لا يفتأ. لحظة إدراك: التسامي درب من دروب التزكية ومقام من مقامات الإحسان، يبدأ فيه المسير من إدراك أهميّتة، واختياره هو دون غيره، والاستمرار فيه رغم العقبات، إلا أن النتيجة تستحق، والجائزة جديرة بتجشّم عناء الطريق، ووعورة ممشاه، لأنه سبيل من اعتاد الأنفة والعلو، ولم يُسرع في رفع راية الانهزام أمام خطوب الحياة.
828
| 08 أكتوبر 2024
لن يطيق الإنسان صبراً مع تقلبّات الحياة، ولن يستطيع أن يمضي في مساره قُدماً إلا إن أحكم قبضته في التعامل مع صوته الداخلي، ذاك الصوت الذي لا يفتأ يُذكرّه بسوءات نفسه، وبإخفاقاته، ويخوّفه من كل جديدٍ آتٍ، ويحبطه من مجرّد المحاولة، ويثبطه عن الاستمرارية في السعي، دائم اللوم والتبكيت، ومضطرد المقارنة المُجحفة بغيره، يُضخّم كل سيئ، ويتغاضى عن كل حَسن، أقسى الجلادين، وأظلم الظالمين، يغض الطرف عن كل اجتهاد، ويُتفه أي دأب. هو ببساطة عدو مندّس، وخصم مستتر، ليس للمرء من سبيلٍ إلى كبح جماحه سوى بكشفه ومبارزته. فأما كشفه: فهو بتسليط الضوء عليه وكشف حيله، فهو صوت متوارٍ لا يجرؤ على الظهور، ولا يثير سخطه سوى نور الوعي والمراقبة، فما أجلد بالمرء أن يظل مراقباً -بلا حكم- لصوته الداخلي برهةً من الزمن، يتتبع نبرته، و يستكشف كلماته وما يثيره في نفسه من الشعور بالخوف أو قلة الحيلة، أو الندم واللوم، أو الاستصغار وغيرها من المشاعر التي يكون هو اليد الخفيّة المحركة لها. وأما مبارزته: فهي مواجهته دون مقاومة، مجابهته بصوتٍ مضاد، وفكرة معاكسة، فإن أخبرك ذات يوم صوتك الخفيّ أن الأبواب مسدودة، وها هو ذا الدليل، فقارع حجته بالحجة وأرفع صوت يقينك (كلا، إن معي ربي سيهدين)، وإن همس لك صوتك النازف بأنه من المستحيل وغير الممكن، فطمئنه بأن الله على كل شيء قدير، وإن أصرّ على أن يعدك بالفقر، وقلة الحيلة، فذكّره (أليس الله بكافٍ عبده؟). فليس لك من ذاك الصوت المحُتجب من مهرب سوى النور: نور الوعي ونور الفكر والقلب، حتى يتلاشى بأسه، وينقضّ تأثيره، ويستعيد المرء بعدها شذرات نفسه المبعثرة، ويلّم بأنسه بالله شعث نفسه المشتت. لحظة إدراك: ما أجملها من قاعدة عندما يُدرك المرء حقاً أن من تمام الإيمان ألا يخاف ولا يحزن، ذلك لأن الله لا يعد المؤمنين به سوى بالمغفرة والفضل، وأن الشيطان هو من يُخوّف أولياءه، فلا أجدى بالمرء أن يستخدم وعيه وإيمانه في تهذيب نفسه وأن يحكم قبضة إدارته لما يصول ويجول بين جنبيه من أصوات وأحاديث، حتى يجعلها تعمل معه ولصالحه.
621
| 01 أكتوبر 2024
ما أرق أن يدرك المرء أن إعراضه عن الحياة والتفاعل فيها ومعها، لشدة ما أصابه من الكروب، أو تكرار الخذلان والتعثر ليس إلا عقاباً يمارسه على نفسه، فيحرمها من التمتع بما بقي له من فسحة العمر، ومن المحاولات التي لن تزيده سوى قوة واصطباراً في درب حياته. وليس المعنى في ذلك أن التصارع في الحياة هو أمر محمود، وأن الضعف والبؤس ممنوع، فالإنسان يختبر عمراً كاملاً من التجارب والأحداث، والقيعان والقمم، والأحوال المتبدلة، لأنها تجربة متكاملة، وليست حلماً مقطوفاً من الآفاق. ولكن المقصد أن يعي أنه لم يفت الأوان على الشعور بالسعادة من جديد، والوقوف بعد الانكسارات، فقط بداعي اليأس والقنوط، أو التبرير بأنه لم يتبقَ من العمر قدر ما انقضى. وكأنه حكم على نفسه بالموت قبل الموت، ولم يحاول أدنى محاولة بالبحث عن البدائل، أو الانفتاح على مزيد من الفرص التي ربما لا تشبه ما خطط له، حين كان يظن أن حياته ستبقى خميلة غنّاء ما قُدر له من العمر. فالحياة وافرة، وتلوّن أحوالها قد يكون مبعثاً للأمل، وغموض أيامها قد يُشرق في النفوس سعادات غير متوقعة. وليس ذاك محض تنظير، فالمرء في هذه الحياة من المهم أن يدرك واقعه لا أن يخدر شعوره، فاعترافه بالألم، وعيشه وعدم مجابهته بالرفض والإنكار موجب من موجبات التحرر منه. وهذا أدعى لأن يشتد عوده، ويختبر الحياة بكل أطيافها، ويتلذذ بشوائبها كما هي، فلا تأخذه الأنفة ليأخذها على محمل الجد دوماً، بل يحياها كما هي، ويتأمل فيها الخير، ويبصر من خلف كل كوة نوراً مشرقاً يتلألأ يدعوه لاختبار ما جد منها من المتع والتجارب. لحظة إدراك: من أشد ما يمكن للإنسان أن يختبره، أن يظل واهماً بأن الحياة ستزهر له على الدوام، فللحياة فصول متقلبة قد تريك منها خريفاً لم تعتد وجوده، أو تمطر عليك من سحائب التجارب ما يجعلك تدرك أن الإيجابية المطلقة محض وهم لا يستحق حتى أن يُكترى.
972
| 24 سبتمبر 2024
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1446
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1290
| 19 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1248
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1098
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1074
| 21 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
768
| 17 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
705
| 20 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
627
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
615
| 18 مايو 2026
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...
582
| 17 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
576
| 17 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
552
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية