رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يتساءل المرء وقت هوانه عن مخرجٍ يُنجيّه مما هو فيه، ويبعث له بصيص أمل يستهدي به لينقله من حاله آنياً إلى سعة يتمكّن معها من الانعتاق من أسر ما ابتُليت به نفسه من الشقاء. ولعلي أزعم أن المخارج كثيرة، والأدوات متنوّعة، يتخيّر منها الإنسان ما شاء وفق ما يروق له، وما يليق بوضعه وزمانه ومكانه، وما يتوافق وقدرته واستطاعته. وعسى أن لا يطول بالمرء المسير حتى يُدرك مفتاحاً من مفاتيح التحرّر، وسبباً من أسباب التجاوز لما يُكدّره، وباباً من أبواب السعادة وقرار العين يدلف منه متى ما أراد. تلك الكوة التي يُبصر معها ليس فقط تخلصاً مما يُثقل كاهله، بل يشعر معها بالتطهّر والطمأنينة والسموّ. وهو بالمناسبة مدخل لا يستطيع أن يدلف منه الجميع، لأن له جباية لا يقدر على سدادها كل أحد. وما أتحدث عنه هو باب رفيع المقام، لا يستوعب أهميّتة سوى الذين يبذلون في تزكية أنفسهم أنفس النفائس، وهو اختيار (التسامي والارتقاء) الذي يليق بمراتب الإحسان، وهو ما يجعل المرء (راقياً) لا تستنزفه التوافه، يقابل الإساءة والكدر بالصبر الجميل، والصفح الجميل، ويواجه الصدّ بالهجر الجميل ويُسرّح السراح الجميل! فجمال ذلك كله منبعه (تسام) عن الاعتياد بالتفكير والتوجه لما هو أسمى وأرقى وأزكى. فلا يلبث المتسامي إلا أن يعي أنه قد ارتقى مقاماً اشترى فيه راحة باله، وصفاء طوّيته، وسعادة قلبه، وإيمانه بربه، الذي يُجزل له الثواب، ويكافئه على الإحسان بالإحسان، ويجازيه بأحسن ما عمل. وليس ذاك باب من اعتاد الاضطراب، ورد الصاع بالصاع، وإنما هو مدخل لمن نوى لنفسه التهذيب والارتقاء، والعروج في مسالك المحسنين، لأنه اختيار نقّي، وتهذيب مستمر لا يفتأ. لحظة إدراك: التسامي درب من دروب التزكية ومقام من مقامات الإحسان، يبدأ فيه المسير من إدراك أهميّتة، واختياره هو دون غيره، والاستمرار فيه رغم العقبات، إلا أن النتيجة تستحق، والجائزة جديرة بتجشّم عناء الطريق، ووعورة ممشاه، لأنه سبيل من اعتاد الأنفة والعلو، ولم يُسرع في رفع راية الانهزام أمام خطوب الحياة.
738
| 08 أكتوبر 2024
لن يطيق الإنسان صبراً مع تقلبّات الحياة، ولن يستطيع أن يمضي في مساره قُدماً إلا إن أحكم قبضته في التعامل مع صوته الداخلي، ذاك الصوت الذي لا يفتأ يُذكرّه بسوءات نفسه، وبإخفاقاته، ويخوّفه من كل جديدٍ آتٍ، ويحبطه من مجرّد المحاولة، ويثبطه عن الاستمرارية في السعي، دائم اللوم والتبكيت، ومضطرد المقارنة المُجحفة بغيره، يُضخّم كل سيئ، ويتغاضى عن كل حَسن، أقسى الجلادين، وأظلم الظالمين، يغض الطرف عن كل اجتهاد، ويُتفه أي دأب. هو ببساطة عدو مندّس، وخصم مستتر، ليس للمرء من سبيلٍ إلى كبح جماحه سوى بكشفه ومبارزته. فأما كشفه: فهو بتسليط الضوء عليه وكشف حيله، فهو صوت متوارٍ لا يجرؤ على الظهور، ولا يثير سخطه سوى نور الوعي والمراقبة، فما أجلد بالمرء أن يظل مراقباً -بلا حكم- لصوته الداخلي برهةً من الزمن، يتتبع نبرته، و يستكشف كلماته وما يثيره في نفسه من الشعور بالخوف أو قلة الحيلة، أو الندم واللوم، أو الاستصغار وغيرها من المشاعر التي يكون هو اليد الخفيّة المحركة لها. وأما مبارزته: فهي مواجهته دون مقاومة، مجابهته بصوتٍ مضاد، وفكرة معاكسة، فإن أخبرك ذات يوم صوتك الخفيّ أن الأبواب مسدودة، وها هو ذا الدليل، فقارع حجته بالحجة وأرفع صوت يقينك (كلا، إن معي ربي سيهدين)، وإن همس لك صوتك النازف بأنه من المستحيل وغير الممكن، فطمئنه بأن الله على كل شيء قدير، وإن أصرّ على أن يعدك بالفقر، وقلة الحيلة، فذكّره (أليس الله بكافٍ عبده؟). فليس لك من ذاك الصوت المحُتجب من مهرب سوى النور: نور الوعي ونور الفكر والقلب، حتى يتلاشى بأسه، وينقضّ تأثيره، ويستعيد المرء بعدها شذرات نفسه المبعثرة، ويلّم بأنسه بالله شعث نفسه المشتت. لحظة إدراك: ما أجملها من قاعدة عندما يُدرك المرء حقاً أن من تمام الإيمان ألا يخاف ولا يحزن، ذلك لأن الله لا يعد المؤمنين به سوى بالمغفرة والفضل، وأن الشيطان هو من يُخوّف أولياءه، فلا أجدى بالمرء أن يستخدم وعيه وإيمانه في تهذيب نفسه وأن يحكم قبضة إدارته لما يصول ويجول بين جنبيه من أصوات وأحاديث، حتى يجعلها تعمل معه ولصالحه.
543
| 01 أكتوبر 2024
ما أرق أن يدرك المرء أن إعراضه عن الحياة والتفاعل فيها ومعها، لشدة ما أصابه من الكروب، أو تكرار الخذلان والتعثر ليس إلا عقاباً يمارسه على نفسه، فيحرمها من التمتع بما بقي له من فسحة العمر، ومن المحاولات التي لن تزيده سوى قوة واصطباراً في درب حياته. وليس المعنى في ذلك أن التصارع في الحياة هو أمر محمود، وأن الضعف والبؤس ممنوع، فالإنسان يختبر عمراً كاملاً من التجارب والأحداث، والقيعان والقمم، والأحوال المتبدلة، لأنها تجربة متكاملة، وليست حلماً مقطوفاً من الآفاق. ولكن المقصد أن يعي أنه لم يفت الأوان على الشعور بالسعادة من جديد، والوقوف بعد الانكسارات، فقط بداعي اليأس والقنوط، أو التبرير بأنه لم يتبقَ من العمر قدر ما انقضى. وكأنه حكم على نفسه بالموت قبل الموت، ولم يحاول أدنى محاولة بالبحث عن البدائل، أو الانفتاح على مزيد من الفرص التي ربما لا تشبه ما خطط له، حين كان يظن أن حياته ستبقى خميلة غنّاء ما قُدر له من العمر. فالحياة وافرة، وتلوّن أحوالها قد يكون مبعثاً للأمل، وغموض أيامها قد يُشرق في النفوس سعادات غير متوقعة. وليس ذاك محض تنظير، فالمرء في هذه الحياة من المهم أن يدرك واقعه لا أن يخدر شعوره، فاعترافه بالألم، وعيشه وعدم مجابهته بالرفض والإنكار موجب من موجبات التحرر منه. وهذا أدعى لأن يشتد عوده، ويختبر الحياة بكل أطيافها، ويتلذذ بشوائبها كما هي، فلا تأخذه الأنفة ليأخذها على محمل الجد دوماً، بل يحياها كما هي، ويتأمل فيها الخير، ويبصر من خلف كل كوة نوراً مشرقاً يتلألأ يدعوه لاختبار ما جد منها من المتع والتجارب. لحظة إدراك: من أشد ما يمكن للإنسان أن يختبره، أن يظل واهماً بأن الحياة ستزهر له على الدوام، فللحياة فصول متقلبة قد تريك منها خريفاً لم تعتد وجوده، أو تمطر عليك من سحائب التجارب ما يجعلك تدرك أن الإيجابية المطلقة محض وهم لا يستحق حتى أن يُكترى.
837
| 24 سبتمبر 2024
تزداد الأصوات الداعية للطموح، وارتقاء سُبل المجد والتمكين، وتتعالى الهتافات بصعود الجبال وعدم الرضا بالعيش بين الحُفر، وتتعاظم المطالبات بالتغيير، وبالسعي نحو التحوّل والتوّسع، وهذا ما قد يُسهم في خلق حالة من الاضطراب إن لم يملك الإنسان فيها زمام أمره، واتزن في طلب المعالي. فالطموح وقود النجاح، ومُحرّك للسعي والاتساع، وليس في ذلك من بأس، ولكن الإفراط في عيش هذا الشعور مذمة لا تُحمد، لأنها تؤرق الإنسان في طلب المُقبل، وتُزهده في ما بين يديه من النعم التي يرفل بها آنياً، بوضعه الحاضر، وتسلب منه الرضا والقناعة، وربما أجبرته على دخول سباقٍ مع الآخرين، فيلازمه الشعور الدائم بالفوات، والحاجة للفوز بمباريات غير متكافئة، وتتعزز لديه أنا الرغبات الطامعة في المزيد دون تقدير للموجود ! ويعيش لحظات عمره بالحسرة على ما يظن أنه قد فوّته، وبالمطاردة لما يظن أنه سيُكمّله ويُتمّ نقصه! وليس ذلك في المطامح فحسب، وإنما يمتد الشعور في التعامل مع من حوله، فيصبح على حال انتظار أن يتغير الآخر معه، أو يترّقب تبدلاً في حاله ومسلكه حتى يتم أنسه وسروره، فلا يلبث الوقت أن يتداركه ليعلم علم اليقين أن كل محاولاته ليست سوى أوهام لا تُغني من جوع، وما هي سوى اشتراطات حجبت عنه التمتع بحياته ولحظاته الآنية! فما أجدر بالمرء أن يعلم أن قبوله بوضعه الحاضر، والرضا بما بين يديه، والانتباه للموجود، وقبوله بالأشخاص في حياته كما هم هو الأكثر حكمة من التفلتّ في طلب الغائب، أو طول الأمل في تغيير الآخرين والذي ليس له فيه من الأمر شيء! لحظة إدراك: من أحكم الحكم أن يُدرك الإنسان أن مفتاح سعادته في يديه، هو من يصنعها باتزانه بين قبول وضعه، وإدراكه أنه ليس هناك ما فات عنه، وبين السعي المحمود والطموح للتغيير وفق المتاح والممكن، وبتدرج ينبع من السعي للأفضل والأجمل، دون تهوّر يفصله عن واقعه، أو يجعله يركض واهماً خلف سعادة مأمولة كسرابٍ لا وجود له.
546
| 17 سبتمبر 2024
ليس أشدّ على المرء من انتظارٍ يُبدد فيه الوقت، ويُشغل فيه النفس، ويضطرب معه الفكر والشعور. انتظار لأبوابٍ أن تُفتح، أو لفرصٍ مؤملة أن تأتي، أو لأمنيات ينتظر أن تتحول بين يديه إلى واقع يعيشه. وليس في الطموح وتحيّن الفرص من مأخذ إن لم تُسلب معه لحظاته، تشغل فكره، وتخدر شعوره عما بين يديه من الآلاء والنعم. ومن منظورٍ آخر، فهناك من ينتظر الفرج، أو انقشاع الغمة، أو إيجاد الحلول لما يواجهه من العسر والشدة، انتظار يتشتت معه الفكر، ويضطرب معه الفؤاد، يُسحب به كل انتباه، ويُفنى معه كل تركيز في لحظته الحاضرة، قد أسى معه القلب، واسودت معه الرؤية، وكأنه يعلل النفس بانتظار يتخفّى خلف أبوابه أمل واهم بالخلاص!. تلك الانتظارات القلقة هي درع يتسربل المرء به لتخدير شعوره، أو تقويض آلامه، حتى لا يضطر إلى مجابهة واقعه، أو التخلّي عن أمنياته وتطلعاته. وهي في ظني انتظارات واهمة، ما دام لها القلق والخوف والأسى وقود يضرمها. وليس المعنى من ذلك أن لا يتحيّن المرء الفرص، أو لا يحلم بتغيير يطمح له، وليس المقصد أن لا يترّقب الفرج عندما تحيق به الدوائر، ولكن المعنى هو أن لا يتحوّل كل ذلك إلى حالة تأهب تُعمي عنه ما يترف به من النعم، أو حالة ترصدّ دائمة تحيي فيه القلق والمخاوف، وتجعله خاوٍ على عروشه وكأنه جسد بلا روح!. فالانتظار المزمن قاتل بطيء لراحة البال والطمأنينة، ومشتت عن السعادة والفرح، ومبدد للعمر والعافية. ولعل ما يعيد للمرء اتزانه، هو أن يُدرك أن قلقه الدائم وانتظاره المستمر لن يُعجّل ولن يؤخر من الأمر شيئا، فهو طاقة تُصرف في غير محلها، وهدر للفكر والشعور بلا جدوى. فما أجلّ بالمرء أن ينزع عنه انتظاراته، ويسعى مطمئناً بما بين يديه من الأسباب، ويتوكل على الله حق توكله، مُسلماً أمره كله، دقه وجله للمدبر الحكيم، وينصرف هو إلى التقلب في آلاء ربه التي تغمره، ويطمئن قلبه فلا يخاف ولا يحزن، متأملاً الفرج والسعة، مدركاً أنه لا فائدة من الانتظار، لأنه لا شيء يستحق أن يُفني عليه عمره وحياته بلا طائل ولا منفعة. لحظة إدراك: ليس من السعي أن يغمر المرء نفسه بالمخاوف والقلق، وليس من التسليم أن يبدد روحه في الترّصد والترّقب، وليس من اليقين أن يرى أن الانتظار مسار يمكن أن يخطو فيه الخطى للوصول! . فكل شيء سيحين في وقته المناسب، أما الانتظار فهو تآكل بطيء لروحه، ونخر لقواه لن ينال منه سوى الأفول والتبديد.
636
| 10 سبتمبر 2024
قد يعتاد المرء طبائعه حتى تغدو في مأمنٍ من مراقبته، فهي تجري على جوارحه وأفعاله، وتألف مدارات فكره وكهوف شعوره، فيظل وكأنه مُسيّر الفكر والفعل، تتراوح مشاعره بين مدى قد استأنسه جيئةً وذهاباً، فلا يلبث أن يتبلد لديه الشعور تجاه نفسه، وينطفئ الشغف للتبّحر في تلافيف عقله وأحاسيسه، وكأن ما ألفه من الطبائع قدر موصوم به، عجز عن حتى ملاحظته! لذا، ما أحرى بالمرء أن يدرك أن طبائعه جديرة بالتفحص والاستكشاف، وبإعادة النظر فيها لتشبه حقيقة روحه لا لتتخلق مع ما جُبل عليه بدافع التطبع والاعتياد، ودوام الممارسة والتكرار! ولعل في ذلك شجاعة تراجع عن امتلاكها كثيرٌ من الناس، فالإقدام على التكشّف على حقيقة النفس في الخلوات أمر لا يعي أهميته غالب الجمهور، فضلاً عن شكيمة الإقبال عليه، وطول الصبر فيه، ودوام السعي لاستمرار ذاك الاتصال ومجاراة ما يعتريه من التحديات. ولكني أزعم أن ثمرة ذلك تستحق تلك المخاطرة بترك الدارج المألوف، وتستوجب المغامرة لكشف الستار عن الغامض المكنون. فالنفس كنزٌ لا يُثمنه سوى الحصيف، ولا يستطيع التعامل معه سوى الجسور الصنديد. وما الثمرة إلا شجرة سامقة، وارفة الظلال، فمن عرف نفسه ثمّن عطية الخالق له، وأضحى عزيزاً كريماً قد علم قدرها، وسعى لتهذيبها، واستطاع أن يمتلك زمام أمرها، فهي مطواعة له في الخير، ملجومة تحت إمرته عن الشر، أبيّة مُدركة لا إمعّة، لا تحسن مع الناس إلا إن أحسنوا، قد اعتادت أن تجتنب إساءتهم، قريبة لحقيقة صنعتها، بعيدة عما ألفه الناس من العادات والطبائع والأقوال والأفكار والأفعال، فلا مفر لمن عرف نفسه إلا أن يزدهر، وأن يتميز لونه بين الألوان، ويبرز طبعه بين الطبائع، لأنه قد علم أنه صنيعه خالقه البديع، الذي قد أحسن إليه بإيجاده من العدم لا ليتشابه مع غيره، بل ليكون مختلفاً ألوانه، فلا يلبث بعد أن عرف نفسه إلا أن يعرف ربه. لحظة إدراك: من عرف نفسه، جلّت في عينه جميل فعاله، وعظم في قلبه تميّز ذائقته، وفرادة مسلكه، ليس تفرداً يطلب فيه الانتصار لأناه، والتشامخ على خلق الله من حوله والتباهي عليهم، ولكنه تفرّد يتبين فيه روحه، ويشكر فيه ربه على عظيم صنعه، ويجلو به ران فؤاده عما استقر فيه من الأزل من الإيمان الفطري بما حمل.
759
| 03 سبتمبر 2024
ليس أمرّ على الإنسان من أن يعيش حياته وكأنها حرب يخوضها بملء التأهب للكر والفر، وسباق على الموارد والقمم، وصعود لجبال لا يعلم مدى ارتفاعها. صراع لا يفتر بين جنبيه، فهو في خضم التهيؤ والتجهز دائماً، على ساحات نفسه مع نفسه حيناً، فيغرقها باللوم والتبكيت، والتخويف والقلق، وبالإغفال عما بين يديه من الآلاء، وما يرفل به من النعم. عينه على مستقبل قادم مخيف، يعد له العدة، ويترصد به الدوائر، أو هدف ممتع منيف يظن أن بتحقيقه قد وصل إلى قمته الواهمة. فما تلبث أن تلتقط روحه أنفاسها حتى يضعها في تحدٍ جديد، أو مرمى بعيد. أو أنه -من ناحيةٍ أخرى- قد انشغل بخارجه، فهو في صراع دائم مع غيره، وتنافس على النتائج، وتكالب على المكاسب، ونزاع لا يفتر لإثبات الذات، وتطاول في بنيان الأنا. يقضي جُل حياته في حرب لا تضع أوزارها إلا بهلاكه وموته معنوياً أو جسدياً. ويغفل في خضم ذاك المعترك الجارف أن يستكن، أو يُريح باله بسلام قد هُجر طوعاً، لأنه ببساطة غفل أن الحياة ليست لعبة مصارعة، ولا ساحات للإثبات، والتغير فيها سُنة. فلا يثق المرء فيها لحال لا يتقلب، أو نعمة لا تزول، أو أحباب لا يغيبون. لا ضمان على ما يرفل به الإنسان في ساعته من النعم، فلا أولى من أن يوفر هواجسه وخوفه، ويصرف جهده وكده في التسليم لا الاستسلام، وفي نعيم السلم لا زهوة القتال، راحة منبعها (الإبطاء) في الرحلة للتنعم بمحطاتها، وشكر المنعم على آلائه بملاحظتها والعمل بها، وبالتمتع بما وهب من الصحة والأحباب وهدوء الأيام. • لحظة إدراك: هوّن عليك، فلم تُخلق لتترك نفسك ساحات للحروب، ومواقع للسجالات، ولم تُسخّر لك الدنيا إلا لتُعمرها لا لتنشغل بالتطاول فيها، والتكالب عليها، لأنه لا يوجد ما يجب أن تثبته لأي أحد، فمالك من دنياك سوى سعيك الواثق، وقلبك المطمئن، والاتكال الحق على من دبر في الحياة أسبابها، وقدّر هو من فضله نتائجها، وتتيقن مع ذلك كله أنه مقدّر لك منذ الأزل، محفوظ في لوح مكتوب لن تناله بمناطحتك، ولن تؤتاه على علم عندك.
1407
| 27 أغسطس 2024
لعل من قوانين الحياة العادلة التي قد يعيها المرء علماً، ولكنه لابد له من فهمها بالتجربة والممارسة، هي أن الاتزان فيها أساس، وأن الميزان فيها مضبوط أدرك ذلك أو لم يُدركه ! وأن ما نجده في الحياة من الشرور والآثام نجد مقابله من الخير ما تُرجح معه الكفة، وأنه مهما بدا لك في الحياة من سوءات، ومما قد تعده من الغوامض مجهولة العلل، فإنها لا شك تحت عين الله وحكمته، ولها دورها في خلق ذاك الاتزان الذي قد لا يتبدّى لك لأنك لا تملك العلم الكامل لتدابير الله. ولكن من المهم أن ينعش الإنسان نفسه بالأمل فيما هو بين يديه، وتحت نطاق إرادته، فيسعى أن يكون متزناً في فكره وشعوره، وفي سلوكه وردات فعله، وفي اختياراته ومسار حياته، اتزاناً يليق بطبعه، وبقدرته على العمل والسعي، فلا توجد مثالية أو صورة سابغة النموذجية يمكن أن تكون لك مرشداً ودليلاً! ولا يكون ذلك - في ظني - إلا إن اعتدل المرء في ذات نفسه، فهو على نفسه بصيرة، فيقلل من فوائض الانتباه، وفواضل الاهتمام، وزوائد الإغراق في التفكير، والإفراط في التحليل، والغلو في الشعور حباً وبغضاً، والإمعان في الأفعال على وتيرةٍ واحدة وإن طابت، وإدمان دوائر الراحة في الفكر والمسلك والشعور. وما ذلك إلا لأن مآل ذلك على المدى البعيد إلى الإخلال في الميزان، وإقلاق النفس والفكر والشعور بما يشذ عن الحال المتزن، فلا يغدو بعد ذلك إلا أن يكون في مهب ريح الإفراط أو التفريط، وما لذلك من العواقب عليه وعلى من حوله عاجلاً أو آجلاً! * لحظة إدراك: قد وضع العدل سبحانه الميزان لمن شاء أن يستقيم، وليس ذلك في ظواهر الأمور فقط، بل في بواطنها، وليست تقتصر على ذاتها فحسب بل على دورها كجزء من كل، فإن أدرك الإنسان ذلك وعمل به، اعتدل ميزانه وأدرك أن ما يجري عليه من المقادير عدل خالص وإن لم يصل إليها وعيه، وأن الخير دائماً في تدابير الله علمها أم لم يعلمها، وفي ذلك ذاته ما يحفظ على المرء سعادة خاطره، واطمئنان قلبه.
549
| 20 أغسطس 2024
يتقلّب المرء في أمواج هذه الحياة ما بين مدٍّ وجزر، وارتفاعٍ وانخفاض، وتحليق وهبوط، وهذا هو ديدن الحياة وطبيعتها، فهي لا تظل على حالٍ واحد، أو هيئةٍ ثابتة. وما أن يفهم الإنسان تلك الحقيقة، ويعيها فعلاً من أعماقه إدراكاً من واقع تجربته، ومن عميق تأمله في صروف الدهر، وأحوال الأنام من حوله، حتى ينتقل إلى التعامل الحكيم مع الحياة، فيركب أمواجها باحترافٍ يقيه من السقوط أو الغرق، ويتراقص مع ألحانها صعوداً وهبوطاً مستمتعاً بكل ما تحويه، وقادراً على التلوّن معها كيفما كانت. لذا، فلعله من الأجدر أن يكون للإنسان منهج للتعامل مع صروفها وأوضاعها، وأن يتمكّن من التعامل الماهر الواعي مع أحوالها. ولا يكون ذلك إلا إن عرف كيف يتعامل مع إقبالها وإدبارها، فيغتنم رياحها إذا هبّت، ويقتنص فرصها إذا أقبلت، ويزيد من التمتع بنعمها إن انهالت، فيعمل شاكراً، وتقرّ عينه حمداً، ويمتلئ قلبه غبطةً وسروراً، ويسأل الله المزيد من فضله. وفي حال إدبارها، وانصراف أحوالها، وحلول نوازلها، فلا ألزم له من التمسك بحبل الله المتين، ليطمئن قلبه تسليماً وثقة بتدبير مولاه، ويعيد النظر في أحواله، وتقييم نيته ومسعاه، ويستعيذ بالله مما يخاف ويحذر، فما للشدائد من مهرب إلا بالوقوف والثبات بقوة الله، وما للعسر من تحوّل إلا بحوله. حينها يُدرك المرء حقاً ما للتواضع من معنى، فلا تأخذه العزة بالإثم، ولا يغفل عن شكر آلاء ربه، لأنه يعلم حقاً مدى ضعفه، ويدرك في المقابل حاجته وقت هوانه. • لحظة إدراك: من الجليل أن يعيد المرء النظر في تقييم ليس فقط ما ينوي ويبذل من السعي والعمل، وإنما كذلك يطيل التأمل في منهجه في التعاطي مع الحياة، وردود أفعاله تجاه ما تجابهه به من الصروف والتقلبات، حتى يكون على بيّنة من نفسه، وعلى وعيٍ سابق بما سيبذله في كل ظرف، فلا يطول اغتراره بنفسه أو بإقبال الحياة عليه، ولا يفقد الأمل ويضعف حين انصرافها عنه. كما قال سبحانه: ( لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)
906
| 13 أغسطس 2024
لعل من أكثر الحكم والنصائح التي تتردد على مسامعنا كثيراً هي التوصية القيّمة باعتزال ما يؤذيك، فما أشقّ على المرء من الإقامة في مقامٍ مؤذٍ، سواءً كان علاقة بأشخاص، أو وضعاً مزعجاً يربك الذات، أو شعوراً مُوجعاً يزيد البأس، أو عملاً يُضر الجسد أو يُهلك الروح. وهذه من أبسط حقوق الأنام على أنفسهم قبل أي أحد، فصيانة النفس من الأذى واجبة، ومن أولى الأولويات التي تحفظ للمرء سلامه الداخلي وراحة باله. ولكن من المهم قبل أن يتخذ المرء قراره ذاك بالاعتزال أن يتأكد من نوع الأذى الذي يلحقه، ودرجته، وما يترتب عليه، فماذا لو كان اعتزال ما يؤذيك يؤذيك أصلاً؟ أو يُسبب لك ضرراً أكبر مما اعتزلته؟ لذا فإن من الحكمة إدراك أن نصيحةً مثل تلك لا تؤخذ على علاتها، ولا تستخدم كوازع للهروب، أو مبرر لترك المسؤولية، أو مُسوّغ للبلادة الحسيّة، أو دافع للاستسلام السريع أمام أول التحدّيات، أو التحرر السريع من الأذى الظاهر دون حساب عواقبه من المُلمات الأكثر تأثيراً على الباطن أو التخلّص من التعسّف على المدى القريب دون اعتبار الضرر المترتب على المدى البعيد. فليس كل الأذى ضررا يتطلّب الاعتزال، فمنه ما يُحل بقوة الاقتحام، وبشكيمة الاشتباك، وبشجاعة الخوض، ووضوح التعاطي معه حتى ينتهي أو يتضاءل. وليس كل أذى هو أذى حقيقي، فقد تُشكّل بعض التحديات التي تحمل في بواطنها الخير العميم، والفتح الجليل أذى يزول بالاصطبار، والتحمّل، والجلد، والصبر الجميل، فلا يغدو بعدها الأمر إلا فتحاً مبيناً، وعوضاً كبيراً يُنسي صاحبه ما قاساه في سبيله من الأذى. لحظة إدراك: ليست الوصايا بظاهرها فقط، فلكل وصيّة سياق ومقام، ومعنى يليق بها، وتنفع من خلاله، ومفهوم تُعرّف به، فلا يجوز مثلاً أن نقول للطالب المجد أن يعتزل ما يؤذيه من الإقبال على التعلّم، وليس من اللائق أن نقول للأم الرؤوم أن تعتزل ما قد تعدّه هي أذى تصادفه في رحلة تربيتها لأبنائها، وليس من العدل أن نقول للقائم بالإنفاق على أسرته أن يهجر مصدر دخله الوحيد لأذى يجده فيه دون إيجاده لمصدرٍ بديل!
1212
| 06 أغسطس 2024
ليس السفر سوى أحد معاني الانتقال، والتحوّل من حالٍ إلى حال، والإسفار عن الطبائع والأمزجة، والاكتشاف للرغبات والأهواء، وليس ذلك بقاصرٍ بالطبع على سفر الأجساد، والانتقال بين الأمكنة، وإنما السفر الحق هو ذاك الذي يهاجر بك إلى بواطنك ويتنقل بك إلى ساحات التأمل والتفكر، ويُسفر لك من نفسك قبل أي أحد عن جوانب لم ترها من قبل، ويكشف لك من العوالم داخل ذاتك ما لم تلتقِ به قط، ويتناهى بك من حالٍ إلى حال في جوانب وجدانك، ويرتحل بك من محدودية الفكر إلى براح التفّكر، ومن ضيق زاوية النظر إلى سعة التقبّل، فتستحث في نفسك المرونة، ولياقة السماحة مع ذاتك ومع الآخرين، وتتكشّف لك انعكاسات طبائعك مع من حولك، وطرائقك في التعامل مع ما يحيط بك فلا تعود إلا وقد انشرح خاطرك، وتواضعت أناك، وتعمّق فكرك، وتبسّط خلُقك، واتسع إناؤك ليفيض رحابة وسعة. ومن جهةٍ ثانية فإن السفر إحدى الوسائل التي تُشهدك على غيرك، فالناس يعرفون بعضهم حق المعرفة أثناء هذه التجارب، فما السفر سوى إسفار عن طبائع الناس وأخلاقهم وأمزجتهم، ومدى خيريتهم وإشراق النور فيهم، وليس بالضرورة أن يكون ذلك كله لشرور ذواتهم، وإنما قد يعود لاختلاف أمزجتهم عن مزاجك، وتباين طبائعهم عن طبعك، وعدم توافقهم فيما أنت عليه من المسلك، فلا يعدو السفر حينئذٍ سوى تجربة غنيّة تضيفها إلى تجاربك، وخبرة ثرّية تزيد من عمق نظرتك لنفسك وللأنام من حولك. فإن لم يكن لك نصيب من ذلك كله فلن تنال من سفرك سوى انتقال الأجساد، ومتعة مؤقتة للحواس، ووعثاء التنّقل، ونَصبْ التجوال. *لحظة إدراك: ليس السفر الحق سوى إدراك للذات، وتهذيب للنفس، ورحابة للتجربة، وعمق للخبرة، وتوثيق للأواصر، وحسن انتقاء للصحبة، وطيب اجتباء للأقرب. وكما قيل: سافرْ ففي الأسفار خمسُ فوائد تَفَــرُّج هـمٍّ واكتساب مــعيشـة وعلـم وآداب وصحبة ماجـد
834
| 30 يوليو 2024
من أجّل الإدراكات التي تُعين المرء على رفع جودة حياته، والتعامل معها بواقعيّة حقّة، أن يفطن أن الحياة الطيّبة لا تعني نقاءها من المنغصات، وسلامتها من الكدر، وبراءتها من التحولاّت والمنعطفات التي قد لا تسرّك في كل حين، ولا تدل كذلك أنها ستسير لصالحك أبداً،ذلك لأن الحياة في ذاتها متقلبة الأحوال، وأصل العيش فيها هو الانغماس في تجاربها، وعيش تفاصيلها، والتعامل مع تحدياتها، فلا تجعل فرحها يغّرك، ولا تترك مصابها يقهرك! الحياة الطّيبة هي رديفة الانغماس في اللحظة، والسماح للأمل بالإشراق، وحُسن إدارة الشعور مهما بلغت حدّته، والاتزان في طلب مايمكنها أن تمنحها لك، دون طول أمل أو يأس مقيت! الحياة الطيّبة هي في فن صنع الذكريات بعيش الحاضر بأفضل طريقة ممكنة، والعمل الصالح مهما دق، والإحسان قدر الاستطاعة، والتلذذ بالمتاح، والعمل وفق الممكن، والشكر على الموجود، وقصر العين للمفقود. وليس المعنى من ذلك انعدام الطموح، أو قصر النظر على الموجود، ولكن المقصد أن لا يعيش المرء حياته بكدر ينغص حياته من دوام تسخطه، واستمرار جوعه للمزيد، دون شكر أو حمد، والمعنى أن يسعى المرء في حياته لطلب الفضل والفيض من باب الزيادة والتوسع، لا من باب التسخط والطمع. الحياة الطيبة ليست سحراً، بل نتيجة أعمالك الصالحة في سعيك بتهذيب نفسك، والارتقاء بذائقتك، وزيادة بصيرتك، وتقدير المتوفر، والعمل شكراً، والصبر احتساباً، والفرح حمداً. ولولا ذلك كله لما كان للحياة طيبها، فما زكاوتها وجمالها إلا اختيار متاح لنا نأخذه بملء الإرادة، وجاد السعي، واجتهاد النَصب الذي يمنح الحياة طعمها المستساغ، وفسحة الأمل التي لولاها لضاق العيش، وما شرورها إلا انتقاء منا للنظر لنواقصها، واختيار لنا للتفاعل مع ما لا يسرنا. *لحظة إدراك: من الشجاعة أن يُقدم المرء على الحياة مختاراً ساعياً باذلاً، لأنه يُدرك أن طيب الحياة لا يُمنح له على طبقٍ من ذهب، وإنما بقدر سعيه، ووضوح نيته، وصلاح عمله والدربة على اختيار ما يلائم توجهه في تحسين جودة حياته، وبالاستمرار في ذلك حتى يحصد نتيجة ذلك راحة باله، وأُنس خاطره، وشراحة نفسه، وتهذيب فعله، وصدق في اتصاله بربه مدبر أمره.
861
| 23 يوليو 2024
مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...
3273
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
1536
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1275
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
1107
| 11 مارس 2026
نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...
873
| 14 مارس 2026
لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...
831
| 14 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
798
| 12 مارس 2026
التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...
765
| 15 مارس 2026
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...
756
| 15 مارس 2026
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...
735
| 17 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
729
| 12 مارس 2026
تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...
726
| 16 مارس 2026
مساحة إعلانية