رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شاكرون لأنعمِهِ

في ظني أنه لا يوجد (شكرٌ) حقيقي دون أن يكون قولاً وشعوراً وفعلاً. ولكنه كأي شيء في هذا الوجود له جانب جلّي وآخر مستتر، روح وجسد، نية وعمل، فللشكر ظاهر وباطن، فأما ظاهره فهو القول والعمل، وأما باطنه فهو الاستشعار بالقلب. وقد يتدرّج الشكر في إشراق ظهوره، فيتجلّى تدريجياً حتى يتحد بيّنه مع خفيّه، ولكنه حتماً لا يكتمل سطوعه إلا باتحاد القول والعمل والشعور. فقد يتسامى المرء من الظاهر للباطن، فيعتاد الشكر، والدُربة على الملاحظة، ويتعمّد العمل والمسلك شكراً، حتى يستيقظ قلبه فيلحظ تعاظم الشكر في طويَّته. وقد يكون العكس، فيكون شاكراً بقلبه، مستشعراً آلاء ربه، فلا يلبث أن يشرق ما في قلبه على جوارحه، فيعمل شاكراً كما أُمر آل داود من قبل (اعملوا آل داود شكراً). وخلاصة الأمر أنه لا يوجد شكر من غير جسد وروح. وهذا - في ظني - مدار الشكر وقوامه، أما التفصيل ورسم الحدود بين الظاهر والباطن فلكل منها مفهوم آخر دال عليه. من جهةٍ أخرى، فهناك ارتقاءات العروج في (مقامات الشكر) فللشكر مراتب قد يكون أولها الشكر على النعم، ولكنها لا تلبث أن ترقى فتكون شكراً على كل أمرٍ، والحمد على أي حال، في حين التلذّذ بالنعم، وحين اختفائها، لأنه يتحوّل لشكر المُنعم نفسه على ما تفضل به، فلا يعود للنقمة والأسى عليك من سبيل. ومن هنا فإن الإحاطة بمعاني الشكر ودلالاته أدنى للتمثل به على بيّنة، وأقرب إلى طلبه والحث عليه، حتى يدخل المرء دوامته المتعاظمة، فمن يدوم الشكر لن يُحرم الزيادة. لحظة إدراك: ليس الشكر سوى سبيل الأوابين، المؤمنين بتعاظم الخير، المطمئنين الذين يرون النور في أحلك المواقف، ويعيشون على بيّنةٍ من ربهم، نواياهم حاضرة، وأعمالهم خالصة، ووجهتهم ساطعة، لم تتقطع بهم السبل، يعظمون القليل، ويشكرون الحال على أي هيئةٍ كان، فلا يكون مآلهم إلا الرضا والزيادة.

570

| 16 يوليو 2024

في فقه البدايات

غالباً ما يكتشف المرء أن البدايات من كل شيء تقريباً لها طعمٌ آخر، تحمل لذة الاستكشاف، والتطّلع لما هو مخبوء، والأمل بالجميل، مع بعض الخوف من الفشل، وقوة في الحضور والتركيز للتمكن من المهارات الأوليّة وخلق قاعدة متينة يُبنى عليها ما هو آتٍ ! فالبدايات هي النشوة في العلاقات، وهي محاولات الاكتساب والصبر على التعلّم في العمل، وهي التأسيس في التربية، وهي المقتبل في الأعمار، وهي الإشراقات الباكرة المحمّلة بطيب التوقعات في بداية كل يوم. تلك الأخلاط عندما تمتزج تصنع نكهتها الخاصة، لأنها ممزوجة بالنقيض من المشاعر، ولأنها الأساس المتين الذي يُبنى عليه القادم، ولأن الخطوات فيها ما زالت غير متمكنة، لذا فالحضور فيها نفساً وروحاً وجسداً في أوّج تركيزه، والصبر وطول الأمل في توقعات تُنسج، والاندفاع نحو أهدافٌ تُرمى في بالغ ذروته. ولأنها تجربة فيها من الكثير من تعزيز الذات، وبذر البذور لما هو آت، وشدّ الهمّة لتحقيق المرجو والمتوقع، وباختلاطها مع حماسة الإقبال والاستكشاف، فإن بصمتها لا تُنسى، وأثرها باقٍ لا يُمحى فيما هو قادم لأنها بمثابة البذر والتأسيس. لذا من الرشد أن يُدرك المرء صبغة البدايات، وأن يتعامل معها بالحكمة دون اغترار بطول الأمل وشاهق التوقعات، ودون غض البصر عما هو حادث في التوّ واللحظة على ساحة الحياة، حتى لا تسلبك نشوة اللحظات الآنية، ولا تغيب عنك أن تعيش كل بداية بما يليق بها من اللذة والخفة، والتدرّج دون اندفاعٍ يحرمك متعتها، أو يفسد عليك صنعتك في التأسيس لما أردت أن تَعمرّ، أو مراقبة ما يلوح لك من الأمارات الدّالة على صحة مسلكك من عدمه، فلا تنتشي إلى الحد الذي يغيّب عقلك، أو يوهمك بما ليس له أصل ومرجع. لحظة إدراك: قد يجد المرء نفسه بين موقفين متناقضين: يلوم نفسه كم كان غريراً في بداياته، يتغنّى - من وجهٍ آخر - بالبدايات، ويتوق للبواكير، ولكنه قد يغفل أن تلك الاستهلالات هي فاتحة لسلسلة تجارب عمرّت بنيانه على مهل، وأن مذاقها لا يشبه أي مذاقٍ آخر، فهو تائه بين لذة الشعور وندرة الحصافة، ولا حل لذاك التناقض إلا بإدراكه من خلال التجارب، فيوّطن الإنسان نفسه أن يستمتع بغرّة الأشياء دون اندفاع يغيّب عنه الحكمة والتعقّل.

1221

| 09 يوليو 2024

نعيم الجاهل شقاء العاقل

ليس التعقل سوى صيانة المرء لهبة الله الغالية له من (العقل)، فهو في جهد مستمر، ومران متصل للارتقاء بهذه الهدية الثمينة التي تترتب عليها التكليفات الإلهية، والتأملات في الكون، والتدبر في مخلوقات الله وقوانينه المُسيّرة للحياة والناس، وتعين المرء على الحكمة والرشد في مسيرته الدنيوية. ومن استطاع أن يهذب قدراته، ويرتقي بتفكيره، بدوام التدبر والتأمل فقد حاز عقلاً ومنطقاً، وقوة حجة، واتزانا في المسلك، وانعكس ذلك على نفسه، باتزان الشعور، وحسن الظن في الأمور. ولعل أهم ما يُمكن المرء من الارتقاء بقدراته العقلية، وعملياته الفكرية التحليلية، هو أن يتدرب على التعامل مع الأطياف، وأن يضع الأمر موضعه، في سياقه الزمكاني المناسب، دون إطلاق للأحكام، أو حدة في التصنيف والإقصاء. فليس التيقن من كل أمر سوى مذهب الجاهل، الذي يجد لكل سؤال إجابة واحدة، ولكل حالة وضعا واحدا، الحياة لديه يقين كامل غير قابل للاستكشاف. قد أراح عقله من هم التفكير، وقياس الحال والمقال. لا يرى في دنياه سوى الأبيض والأسود، يدركها ببصره المحدود من زاويته المحصورة.. لا يستطيع أن يرى أبعد مما تم تلقينه، أو أدركه هو فقط من تجربته الخاصة، بقدراته العقلية الأولية البسيطة التي تنحو نحو التصنيف والعنونة، تحدي العاقل معه كبير، وصبر الحكيم عليه من المآثر المحمودة. فالحكيم العاقل يرى من تدرجات الألوان والمقامات، واختلاف صروف المراتب والهيئات والدلالات، ما يمكنّه أن يدرك العمق السحيق الذي لا يقوى على سبره جاهل. قد علم أن لكل مقام مقالا، ولكل قاعدة استثناء، وأنه ما يصح في سياق معين على هيئة مخصوصة، قد لا يصيب في سياق آخر، وأن ما يليق في زمن معين قد لا يناسب زمنا آخر، وأن لكل أمر اعتباراته. فلا يجازف بإطلاق الأحكام، وتصنيف الأوضاع والناس، لأنه يدرك جيداً أن الحياة ذات تدرجات تفوق الظاهر المدرك، وأنها تحتاج من الحكمة والحصافة ما قد يصعب على الجاهل حتى استيعابه، فتتحول مع الوقت جهالته إلى حماقة تُعيي من يداويها، إن أصر على الاستغراق في جهله، وثبط رغبته في التعلم والتهذب، فالجهل في أصله ليس جهل المعلومة، بل هو غياب الإدراك، والحماقة هي الإصرار على الجهل، والإمعان فيه حد التفاخر، فالعقل زينة المرء، والحكمة ضالته. لحظة إدراك: لن يصل الإنسان إلى مقام الإيمان بأن تكون الحكمة ضالته، أنى وجدها فهو الأحق بها، إلا إن تعقل، ولن يتعقل وهو أخو الجهالة يترفه بجهله، يرى الحياة يسيرة بتصنيفه، وبسهولة إطلاق أحكامه، والتعامل مع القشور، فلا عجب إن وصف بالتلذذ والتنعم، كما قيل: ذو العقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلهِ وأخو الجَهالةِ في الشّقاوةِ يَنعَمُ

1356

| 02 يوليو 2024

وعي اليسر

لا تأخذ الحياة على محمل العُسر فتشق عليك، تضيق بك دروبها، وتُغلق دونك أبوابها، وتريك حالك ظلامها، فتضيق نفسك، وتنقطع بك السُّبل عن الراحة فيها والابتهاج ! فتظن أن الحياة ليست سوى شقاء مستمر، ودار عذاب متصل، وامتحان عسير صعب يضيّق الصدور، ويتيه بالنفوس أسى وحيرة ! ويغيب عن فهمك أن الحياة تحمل المتناقضات، تشرق بالنور وتخيّم بالظُّلمة، وفيها الخير والشر قرينان، والعسر واليسر طرق مترادفة متاحة، وأن الاختيار طيّع بين يديك، لك أن تعيها شرّ محض، أو عسر فج لا ينقطع، أو أن تتصل باليسر فيها، فتُبصر حكمة الباري خلف كل شر ظاهر لك، لأنك تُدرك أن الخير فيه مستتر، وتعلم أن لكل باب مغلق مفتاحا من تدبير الحكيم يفتحه لك من حيث لا تحتسب، وتؤمن أن السبل وإن شق المسير فيها فهي إلى الخير لابد أن تؤول، وتشعر بقلبك أن مع كل عسر يسرين، وأن البركات تحيطك تطوي لك الأزمان، وتُثمر لك الجهود، وتسخر لك الأسباب، فلا تلبث أن تجد أن كل شيء قد انتظم في مكانه وتوقيته لا هو بمستقدمٍ ولا مُستأخر، قد تيّسر كل صعب، وانحلت كل عُقدة، وتبدد كل تعب ! فلا تعوّل على غير مسبب الأسباب، ومدبّر الأمور، حينها تُقبل عليك الحياة بكُليتها، وتأتيك الدنيا وهي راغمة، وتُشرق عليك بأنوارها، تُفتح لك الأبواب، وتُعبّد لك السُّبل، لتعلم يقيناً أنك متى ما أدركت الحياة بوعي اليُسر تذللت لك، ومتى آمنت بحكمة العليم الحكيم أمنت وسَلمت. لحظة إدراك: عندما تعلم أن الله يريد بنا اليُسر، وييُسره لنا من حيث نعلم ولا نعلم، وأنه بحكمته سبحانه قدّر أن مع كل عسر يُسرين، تُدرك حينها يقيناً أن كل وعي يحمل الشدّة والعسرة، والقلق والخوف هو من نفسك، ومن الظلم لها أن تكون تحت رحمة الرحيم وفي ألطاف اللطيف الودود، ولكنها تؤثر عُسراً، وتُفضّل خوفاً ويأساً يمنعها من العيش في نعيم الرضا والتسليم.

585

| 25 يونيو 2024

جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلُها

من ارتقاء المرء في خُلقه أن يُعامل الناس بالمثل، بلا زيادة ولا نقصان، فتود من يودك، وتُكرم من يكرمك، وتحفظ حقك في الرد على من يسيء الأدب معك، فتردّ عليه بما هو له أهل. وليس ذلك في رأيي من الانحدار، أو الظلم المقدوح، فبعض الأنام لا يستحق سوى رد إساءته بالمثل، ليعلم احترام الحدّ، وإكرام من يفرض وقاره، وليدرك أن احترام الآخرين ليس خياراً متاحاً، بل هو واجب مفروض. وليس المعنى من ذلك أن يتهاون المرء عن طلب الإحسان والتسامي بأخلاقه، يتخيّر أرقى المسالك، فيغض الطرف حيناً، ويعفو ويصلح وأجره على الله حيناً آخر، أو أن يتغافل لحفظ الود في موضع آخر، أو أن يرّد الإكرام مثله أضعافاً، أو يدفع بالتي هي أحسن في أوقاتٍ أخرى، أو يكظم غيظه في بعض المواقف، ولكن المقصد أن يكون ذلك في حال الإرادة والعزم، والقدرة على الفعل، والرغبة الحقّة في التسامي إحساناً من عنده، برغبةٍ أصيلة ونيةٍ واضحة بلا ضعفٍ أو خور أو تساهل. أما في غير ذلك، فإن إكرام اللئيم يجعله يتمرّد، وعدم الرد على المتطاول ظلم للنفس قبل أي أحد، ومعونة له في الاستمرار على الاستقواء عليه وعلى غيره، والتسامح مع المتمادي إعانة له على الاعتداء على سواه. كما قيل: ووضعُ الندى في موضعِ السيفِ بالعلا مُضِرٌّ كوضعِ السيف في موضع الندى لذا، فإن من الحكمة أن يتخيّر المرء مواضع الإحسان، وأن يُدرك أنها صادرة من نقاءٍ خالص، وقدرة تامة على الرد، وتقدير كامل للظرف والموقف، وأن يعي الوقت والمكان والسياق الأنسب لهذه الاختيارات التي قد يكون من الظلم البيّن منحها كل أحد ! *لحظة إدراك: ليس من فضائل الأخلاق التهاون فيما لا يجب التفريط فيه، فالحكمة هي وضع للأمر في موضعه وسياقه الأليق، ولا يكون ذلك بدوام اتخاذ السبل المتخاذلة ظناً أنها من مكارم الأخلاق، ومن فضائل الأطباع، ومن سوابغ الكرم، فالأخذ على يد الظالم محمدة، والإحسان إلى بقيّة الأنام برد ظلمه وجبروته عن أن يصلهم أذاه من شيم الكرام.

756

| 18 يونيو 2024

من ثمرات النضج

من أجلّ الإدراكات التي يعيها المرء مع تتابع تجاربه، وتراكم خبراته، وتوّسع وعيه، وزيادة نضجه أن يعي أن إدارة التوقعات (وليس طمسها) من أعظم ما يمكنه أن يقدمه لنفسه لتتزن، وحمايةً لها من تتابع الخيبات، وتكرار الخذلان. فمن البهيّ أن ينظر الإنسان لنفسه بعين الرحمة، وأن يفيض منها على من حوله، فلا يتوّقع منهم ما هو فوق طاقتهم من الشعور أو الفكر أو المسلك، أو من العطاء كيفما كان نوعه وحجمه. لأنه يدرك حتماً بوعيه وتجربته أن الناس لن يستطيعوا أن يقدموا له ما لم يستطيعوا تقديمه لأنفسهم، فلن يتوقع سلاماً مع من كانت ساحات نفسه أرضا خصبة لصراعات داخلية لا تنتهي، ولن يطلب الوفاء ممن خان ذاته وخذلها قبل أي أحد، ولن يطلب الاحترام والتقدير ممن لا يقدر ذاته ولا يحترمها!. وليس المقصد من ذلك أن تحكم على الآخرين أو نقلل من قيمتهم، ولكن المعنى هو أن تُدير توقعاتك منهم حتى تحفظ قلبك من الخذلان، وتحمي روحك من الخيبة. وتعرف أن جهدك الأجلّ الأثمن تستثمره بدلاً من ذلك في ارتقائك ونموّك، وسمو خصالك، وتنامي رحمتك، وتحسين صلابتك الداخلية، وإشباع ما نقص لديك من احتياج، وتطوير مرونتك النفسية بالتعامل مع أنواعٍ شتى من البشر تفهماً ومودةً ورحمة لا تطلبّاً واحتياجاً. فإن أتقنت الوصول إلى ذاك الإدراك، وعلمتَ أن لنفسك عليك الحق كله، فقد بلغت من النضج ما يؤهلك لعيش الحياة الطيّبة الرغدة، متسامحاً مع نفسك، متصافياً مع كل أحد. لحظة إدراك: لست ممن يُنظّر بترك التوقعات، فالمرء بطبيعته يتوقّع من المحسن إحساناً، ولكن من المهم التفقه في ماهيتها، وحجمها، ومآلها، وحسن إدارتها، فبذلك تُكتسب الحكمة، وطولة البال مع الأنام، وحصافة التصرّف في المواقف، فما الحياة إلا مِران وتحسين مستمر.

936

| 11 يونيو 2024

لا تزرع نفسك في غير أرضك.. فتذبل !

هل أدركتَ يوماً أن لكل منا في هذه الحياة مكانه ووقته اللائق به، والمحيط الذي يستطيع أن يسبح فيه، والناس الذين يتوهج بهم ومعهم ؟ وأن لكل منا شجرته التي تتألق في أرضها وموسمها؟ وبستانه وتربته الخصبة التي لا يُزهر إلا فيها؟. فالدرّ المكنون قد لا يميزه أي عابر، والجوهرة الثمينة لا تُقدرها إلا كل عين تُبصر قيمتها. وكما قيل: ( يُهان المرء في غير مكانه) فلنقبل بحقيقة أنه ليس كل من تقابله سيراك بعين المثمن لجواهرك، المُقدّر لنفائسك، وليس كل مكان سيُدرك عظمة وجودك، وأبهة حضورك، وليس كل وقت هو وقتك المناسب للسطوع، وليس كل سياق مناسب لنخبة وجودك!. ومهما بلغت شأواً في دُنياك، فلابد لك من أن تكون مجهولاً غير ذي شأن عند البعض ممن لا يبصر مقدار روعتك، ولا يعي مكانتك أو لا يهتم بها أصلاً. فحتى الأنبياء والصالحون، ممن بلغوا شأناً عظيماً عند بارئهم، واصطفاءً خاصاً لهم بين الأنام، ومقاماً علياً خلعه عليهم الكريم ذو الإحسان، هم ممن تبصرت روعة وجودهم عند البعض، ولربما نالهم من العداء الصريح، والتربص ما يصيب العدو الغاشم من البعض الآخر! إن أدركت ذلك جيداً فستدرك أولاً أن قيمتك عند الله محفوظة دائماً، وأن تثمينك لنفسك في عين نفسك هو الأولى، وستعي ثانياً أن جواهرك الثمينة لا تليق بأي أحد، وأن نفائسك لن تُطلعها إلا لمن يستطيع أن يرى مكانتها بعين بصره وبصيرته، وأن يتلذذ بحُسن ذائقته بهاء قدرها، ويتلمس بحكمته مدى ندرتها فيعطيها حقها من الاحترام والتبجيل، ويمنحها نصيبها من الاحتفال والتوقير. لحظة إدراك: لا تترصد قيمتك في أعين الناس، تبحث عندهم ما لم يستقر في نفسك أصلاً لها من التبجيل والاحترام، والمعرفة الحقّة بمكارم روحك النادرة، والتي لن تدركها إلا عين الخبير المُثمّن لنفيس الدر الكامن، والمُقدّر للطريف الغالي، فلن تلوم إلا نفسك إن زرعت نفسك في غير أرضك.. فذبلت!.

2574

| 04 يونيو 2024

فلتقر عينك

كم هو دافئ ذاك الشعور الذي يربّت على قلبك، ويحضن مهجة فؤادك، يطمئنك أنك تماماً حيثما أنت في مكانك الصحيح، في توقيتك الصائب، وأنه لم يفتك شيء، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن كل شيء بمقدار، لا تُقدم ساعة ولا تُستأخر، وأنه لو اجتمع خلق الله كلهم أجمعين على منفعتك أو ضرك بشيء لم يكتبه الله لك أو عليك فلن تنال إلا ما هو مكتوب لك. وأنك مُطالب بالسعي لا المُحصلة، لهذا فالطريق طريقك، والرحلة رحلتك، لا خوف ولا حزن، قد قرّت عينك، واطمأن فؤادك، ولملمت شعث نفسك، قد أسلمت أمرك، وسلمّت وجهك، تترقى في مقامات النور، بلا ندمٍ على ماضٍ ولا أسف على ما حلّ وانقضى، تقوم وتصحح الوجهة كلما وقعت، وتتعلم مما أخطأت، وتستغفر عما أذنبت، وتتوب عما اقترفت، متلذذا بالتجربة، متطلعا للاستكشاف، مطمئن النفس، مبتهج الخاطر، قرير العين مع رب يصنعك على عينه، ويفيض عليك حناناً من لدنه، حفيّاً بك، يغمرك برحماته، ويسبغ عليك ألطافه ظاهرةً وخفيّة، يبدل لك الحال والمآل بلمح البصر، ويُعلي لك المنزلة والمقام بفضله وكرمه في طرفة عين . ذاك الشعور الذي يجعلك متصلاً بحبل الله المتين، متنعماً تحت سلطانه القديم بفيض آلائه وكرمه، قد ذُللت لك الدُنيا فتمشي في مناكبها، وتأكل من رزقه، فلا ينقصك سوى أن تُبصر آيات البارئ في خلقك، وفي السماوات والأرض من حولك، وتعمل شاكراً حامداً، ممتناً لفضله العظيم، مستمتعاً بالرحلة، متيقناً بمدبرها، لا تستقدم منها شيئاً ولا تسطبؤه. لحظة إدراك : من أعظم الإدراكات الحقّة أن تعلم أنه ليس هناك ما هو من المفترض أن يقع في قصة حياتك ولم يحدث، وليس هناك ما أنت متأخر عليه، ولا سابق له، وليس هناك مسار مفترض يجب أن تسير عليه أيامك تُشبه به من حولك، الحياة حياتك، والتجربة تجربتك، والتدبير تدبير ربك العليم الحكيم ، فلتقر عينك ولا تحزن على ما فات، وليطمئن قلبك فلا تخف مما هو آت، ولتدم السعي ولا تقف، فليس لك إلا ما سعيت، وسعيك سوف يُرى عاجلاً أو آجلاً.

1104

| 28 مايو 2024

رُقــّــي

من باهي الفرص تلك التي مُهدت لي للمشاركة في معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الثالثة والثلاثين، بإصداري الأول (رُقيّ)، عشت خلالها عن قرب عالماً موازياً من جمال التفاصيل المُبهر لما يدور في عوالم الكتابة والكُتاب، ودور الطبع والنشر والتوزيع، ومحافل التدشين والتوقيع، والالتقاء بالجمهور والمتابعين، وقراءة الكثير بين السطور. ولعله من محاسن الصُدف أن يكون من مترادفات (الحضارة) معنى التطوّر والازدهار و(الرقي)، فما الحضارة إلا مجموع النتاجات الفكرية والثقافية المتراكم، والتي تنعكس على جوانبها المادية والمعنوية، وما هي إلا ارتقاءات مُتطوّرة للإنسان في فكره وشعوره ومسلكه، والذي يتبدّى في أشكاله الظاهرة من التعمير والتمدّن. ولكوني واحدة من عشّاق الحضارة الأندلسية الآسرة، فقد كنت أكثر دهشةً وذهولاً عندما تكشّف لي أن البوابة الأولى التي أدلف منها يومياً لجناح عرض كتابي هي البوابة الأندلسية، وكأنها كانت تلك المفاجأة التي تُعدّ على مهل لاكتمال لوحة انبهاري بكل ذاك التناغم غير المرتب له بين معنى اسم الكتاب، وشعار المعرض واسم البوابة ! كل تلك التفاصيل الأخّاذة هي أبعاد عشناها مكثفة طيلة أيام المعرض، يحسبها المرء من فرط جمالها، ورونق تفاصيلها عالماً موازياً تدور أحداثه على ساحات حضارات متنوعة في أبعادٍ زمنية شتّى، تُبدي للناظر كيف تتقاطع خطوط المعرفة لتُبنى الحضارات أساساً ومنهجاً، مظهراً ومخبراً. ولعله من أمتع المُتع تلك التي يراقب فيها الرائي المشهد الثقافي اليوم، فيستطيع بعين بصره وبصيرته أن يُحدد أين نحن الآن في عوالم الحضارة والترّقي والازدهار، ويستقرئ من جهةٍ أخرى إلى أين نحن متجهون في عالم متسارع، ليكون لنا شأن (حقيقي) ظاهراً وباطناً بين مختلف الحضارات، وهذا هو -لعمري- المُراد و المُبتغى. لحظة إدراك: صحيحٌ أنه بالمعرفة تُبنى الحضارات، ولكن لا يغيب عن ذهن المرء أن (الإنسان) هو رأس المال الأصلي، والاستثمار الأكبر، المُنتج للمعرفة، والمشيّد للحضارة، المُفيد والمستفيد من التعمير والبناء والارتقاء، لأنه ببساطة هذا أصل خلافته ووجوده !

936

| 21 مايو 2024

سُرّ من رآك!

لعله من عزم الأمور أن تتخذ قرارك بالإشراق، وتُجدد نيتك بالإزهار كل يوم! وعساه من الاصطبار الحق أن يقف المرء مجاهداً دون ترديه في متاهات ظلمات الشعور، والاستغراق في دركات التيه بعيداً عن طمأنينة القلب، وسكون الفؤاد. فما الازدهار إلا اعتزام، وما السطوع إلا اختيار! وما أجلّ أن تكون -رغم الخطوب- متفتحاً، وضيئاً بالألوان التي تبهج بها قلبك، وتُجلي بها حزنك، وتنير بها عتمتك، وتُزهي حقول الحياة منحولك، لا يمر بك بائس إلا انفرجت أساريره بهجة وسروراً، ولا يدركك قانط إلا أشرقت روحه إيماناً ويقيناً. وما أبهى أن تتلمس لطف الله فيك دوماً، وتستشعر معيته فلا حزن يدوم عليك ولا كدر، قد قرت عينك، واطمأن فؤادك، وسلمت أمرك مفوضاً إياه لصاحبه سبحانه، فلا يلبث أن تنثر عبق عدوى شعورك في الأجواء، فلا يراك تعِس إلا انطلقت ابتسامته الجذلى فرحة وحبوراً، ولا يقابلك قانط إلا استرجع الأمل، وتفتحت بواطنه، واستردت أساريره انفراجتها، وانفكت عقد اليأس والقنوط، مسترجعاً برؤيتك يقيناً قد هُجر، وتسليماً قد طال الأمد عن لقياه، واستبشاراً كان الوصل به ضرب من ضروب المستحيل!. سُر من رأى انتعاش روحك، وسماحة خصالك، وطيب طويتك، وقوة يقينك بمدبر الأمور، وصلابة ثقتك في رحماته المتوالية. وليس المعنى من ذلك أن تميل إلى تخدير الشعور، أو إنكار ما تمر به من أوجاع، أو أن تستحث في دواخلك طول الأمل، ورفض ما تجابهه من تحديات الحياة، ولكن المقصد أن يكون لك ديدن لا يحيد بالعودة دائماً لمركزيتك الأثيرة مع الرحمن الرحيم، مدبر الأمور، وأن تكون متيقناً أنه لا خوف عليك ولا حزن، وأن لكل ضائقة مخرجا، وأن طبيعة الحياة بجمال رحلتها هبوطاً وارتفاعاً، فلا تيأس وإن لم تجد في مد بصرك كوة نور ترشدك، لأن نورك الحق مشرق متلألئ بين جنبيك، وقلبك راسخ مطمئن مهما حلت عليه الصعاب، ثقةً بالله وحق استعانة برحماته، وطمعاً في فضل كرمه وفيض عطاءاته. * لحظة إدراك: ما ظاهر المرء إلا مرآة باطنه، وليس يفيض إناء إلا بما فيه، لذا فما عنايتك بقلبك، وتمسكك بحبل الله المتين، إلا مما يستأهل أن توطن نفسك عليه، لأنه أمر مستحق البذل وجدير به الجَلد، وكما قيل: (خير الأمور عوازمها). وما مآل ذلك كله إلا خير تجنيه في ذاتك، وضوع عبير تنثر به السماحة والسرور على من حولك، تتبارك أرواحهم به طمأنينة وسلاماً.

1545

| 14 مايو 2024

وليتلطّف !

مما يشق على نفس المرء أن يجد نفسه مكروهاً بين الناس، قد غلب نفورهم منه على وده، ولعله يغيب متسائلاً عن سبب ذلك وهو يعلل النفس بأنها مشكلتهم لا مشكلته، ويهدهد الخاطر بأنهم هم من خسروه، فمن الواجب أن من يحبه سيحبه كما هو، ويقبله بجملته على علاّته بحسنه وسوئه، بنوره وظلامه، وأنه (من ناحيته) لن يبذل الجهد في التودد أو السعي في نيل القبول!. بل وقد يخال السعي في ذلك من التذلل غير المحمود، ومما يخدش أنفته وعزة نفسه!. بل وقد يزعم أن ذلك من التلوّن والمداهنة الممجوجة لنيل الرضا، أو الحصول على الود!. وقد يغفل أن العلاقات بين الناس ليست ذات اتجاهٍ وحيد! فغالب الناس يميلون بطبعهم إلى من يعاملهم بسموّ الخلق، وطيب الكلم، ولطافة المعشر، من يتودد إليهم من غير إذلال، ومن يتلطّف في سلوكه معهم من غير استهانة، ومن يتغافل عن عيوبهم دون خنوع، من يبادر بالابتسامة والوجه الطلق، ويبدأ بالإحسان واللطف، فلو كان المرء فظاً غليظ القلب لانفضوا من حوله!. وفي المقابل من يتزن في ذلك، فهو يُحسن نيته لله قبل أي أحد، ويرتقي بنفسه لنفسه، قبل أن يكون همّه كسب ود العالمين، فلا تذهب نفسه حسرات إن لم يُقدّر أو لم يُشكر، ولا يحزن قلبه إن عاداه أحد أو كرهه، ولن يتفاجأ إن لم يُرّد له الإحسان بإحسان مثله، فلن يجتمع على حب إنسانٍ أحد، عندها تكون قد استوفيت من الأمر شرطه، وقدمت إلى بارئك معذرتك، وسموت بنفسك تهذيباً وارتقاءً، و بذلت دفعاً بالتي هي أحسن، حينها فقط يمكن القول إن المشكلة مشكلتهم هم..لا مشكلتك. *لحظة إدراك: ما أبهى أن يتزّن فكر الإنسان وشعوره، وأن يتبصّر بدوره دائماً فيما يحدث له، فذلك من الحكمة التي تضع الأمور في نصابها، فيعي أن له من المسؤولية في كل أمر نصيبه المُقدّر، فيسعى فيما بين يديه من الأسباب، وأولها تنقية نواياه، وتطهير دواخله، ويتبعها ببذل الإحسان على شاكلة ما يريد أن يتلّقاه، فالأصل أن جزاء الإحسان إحسان مثله، والله يضاعف لمن يشاء، وإن شذّ من شذ، فلن يضره، لأنه مؤمن أن اجتماع الناس على أمر واحد ضرب من المستحيل.

978

| 07 مايو 2024

هل كل متوقعٍ آت؟

في منهجي لا أجد التوقعات سوى تصوّرات مُسبّقة، بيدك أن تجعلها قيداً لك يمنعك من الإقدام، أو تحيلها إلى حكمةٍ وحصافة تعينك على المسير! فليس طرد التوقعات على علاّته من شيم النبلاء، ولا رفض التصوّرات المسبقة من محاسن الحكماء.. ذلك لأن التوقع في حد ذاته لا سلطان له على عقل من يُدرك كيف يتعامل معه! فالعاقل يتوقع من الناس احترام حدوده، ورد التعامل النبيل بمثله، كما قد يتوقع من الأمارات التي تتبدى له في مسالك الناس وتعاملاتهم نهاية محمودة أو مذمومة معهم، ويستقرئ منها البشائر أو النذر، فيتخذ في سبيله ما يتهيأ له أنه الأنسب من الإقدام أو الإحجام، أو من التوّسع معهم أو التحجيم، فهذا من حُسن الفراسة، ومن القوة الممدوحة في مراقبة الإشارات والعلامات، فهو كيّس فطن، مُدرك لما حوله، دون تعلق في توقعات معينة ليس مصدرها سوى نظرةٍ محدودة، أو شعور طاغٍ غير متزن! أما التوقع الذي يقيدك في صورةٍ واحدة، أو هيئة محددة أو ردود فعلٍ معينة لا تراعي اختلاف طبائع الناس وأمزجتهم، والذي يرسم صورة تفصيلية معيّنة لما يجب أن يكون، وكيف ومتى يكون، فهذا مما يقيد العقل، ويدفع سلام القلب للهروب، ويُنحيّ راحة البال من الحضور ! فالحصيف يتوقع الاحترام، ولكنه لن يتفاجأ إن لم يحصل عليه من بعض من يتعامل معهم ! والفطن يتوقع أن يُرد الحب والود له كما يتمنى ولكنه لن يشترط في كيفيته وشكله وأوانه، ولا مصدره ومنبعه لأنه يُدرك أنه ليس جزاء الإحسان إلا إحسان مثله، فلن يتوقع غدراً لوفاءٍ منحه، ولا كرهاً لقلبٍ أهداه زهرة مودته ! فله من البحبوحة ما يجعله مستقيماً قد أدار عقله وفكره وشعوره، دون تعلق برفيع التوقعات، ودون خذلان إن لم يحصل على ما توقع.. فهو على بيّنة من نفسه، متفاعلاً مع غيره برحمة وحكمة لا تبالغ في المقدار ولا تُدني في الميزان ! لحظة إدراك: ما أثمن أن يعي المرء أنه متفاعل مؤثر في ظنونه، وأنه إن أحسن إدارة توقعاته، واتزن فيما لديه من التصوّرات، وتوّلى حُسن ظنه بربه وفيما يسعى له ومعه من الأنام وشؤون الحياة، دون تعلّق أو اعتماد، فإن توقعاته ستقع لأنه يدير مخاطر توقعاته، ويسير في الحياة بنور الهادي سبحانه، ويعلم جيداً في قرارة نفسه أن (كل متوقعٍ آت).. ولكن فقط إن أحسن الميزان بين حسن ظنه وفكره وشعوره.

1881

| 30 أبريل 2024

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

9660

| 16 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1197

| 18 مارس 2026

alsharq
اقتصادات الظرف الراهن

نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...

1035

| 14 مارس 2026

alsharq
ليست هذه سوى بتلك!

ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال...

876

| 17 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

858

| 14 مارس 2026

alsharq
حين تشتد الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل

التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...

843

| 15 مارس 2026

alsharq
رمضان والعشر الأواخر

تُعد العشر الأواخر من رمضان فرصة أخيرة لا...

840

| 16 مارس 2026

alsharq
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر...

801

| 17 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

792

| 15 مارس 2026

alsharq
وداعاً أيها الراقي المتميز

يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة...

702

| 17 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

675

| 13 مارس 2026

alsharq
حلت السعادة بحسن الختام

مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...

624

| 19 مارس 2026

أخبار محلية