رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مما يُقال في ترف الاكتفاء !

هناك لحظات لا يُعلَن عنها في نشرات الحياة، ولا تُدوّن في سِيَر التقدّم، ولا تُلحظ ربما من بين الطيوف، لكنها اللحظات الأصدق، والأوقات الأصفى حين يتخفّف المرء من وطأة رغبته القديمة في أن يُعجَب به أحد ! لا لشيء، إلا لأن البهاء حين يصدق لا يقف على عتبة إعجاب، ولا ينتظر مصادقة من عينٍ عابرة، ولا ينتظر اعتراف من عارض، و لا يحتاج لإثباتٍ لأي مار. فثمّة من يظلّ يُلمّع مرآته أمام الآخرين، يُقلّبها على الجهات الأربع، يُنقّح ظلاله، يرفو عيوبه، يُرقعّ زلاته، يلهث لهث الجائعين للفتة، ويجري جري المتعطشين للارتواء من نظرة تؤكد وجوده ليبدو، ليلمع ويظهر، لا ليكون ! لكن ما إن تُغلّق أبواب التوق، وتُقفل منافذ الانتظار، حتى تُفتح نوافذ لا يُرى لها إطار، على مصراعيها تنتظر من يستشعر وهج الانطلاق، وما إن تنطفئ حاجة الإبهار، حتى يتوهّج الوجود على سجيّته، دون طلاء ولا إعلان، أو بروق ورعود طال أمد الانتظار لها لتمطر ! فالجمال في حقيقته صفيّ، لا يُحبّ الازدحام، ولا الضوضاء، هو حيي كريم لا يلهث لاقتناص النظرات، ونيل التأكيدات، لأنه يعرف طريقه إلى من يُحسن رؤيته دون دليل، ويلحظ وجوده دون برهان، فهو بنفسه دالٌ على نفسه بحضور صامت مُكرّم، أنيق الوجود، مهندم الحضور، يأتي صامتًا، ويترك أثرًا، يُقدم خافتاً، ويُشعل نوراً، يتجاوز الوصف، ويتعالى عن المقارنة. فهو في أصله ليس نِتاج مجهود، ولا حصيلة سعي، ولا ثمرة هرولة لنيل التأكيد، إنما هو انبعاث ليس مَرئيًّا فقط، أو ملاحظاً فحسب، بل حُسن محسوس، دالٌ على وجوده ومُلهِمٌ. ولعل من الثمرات الباذخة لذلك، أن المرء الذي عبر ساحة التوق، وخرج منها بخفّة الاستغناء، لا يعود كما كان، لأن روحه لا تحمل بطاقة تعريف، ولا تستعجل الاعتراف، تمشي على الأرض بحضورٍ لا يطلب مكانًا، وبهاء لا يحتاج ضوءاً خارجياً كي يتجلّى ويبزغ، هي تعلم في قرارتها أنها كافية، وتُدرك في سكون اختيارها أن الكفاية الحقّة ليست كلمات تُنطق ولا بزوغ مضطرب الحال لتدركه البصائر ! لحظة إدراك: ما أن يرسخ الاستغناء في القلب، حتى يغدو الظهور بلا حاجة، والحضور بلا تكلّف. فالجمال الذي لا ينتظر مرآة، يعرف أن الصمت في ذاته مُجزٍ للظهور، وأن الوجود الساكن ناطقٌ وإن سكت، وهذا في حد ذاته كافٍ.. وزيادة.

579

| 01 يوليو 2025

حين يكون الفرق.. مكرُمة !

في محادثة دافئة جمعتني بصديقة قريبة من روحي، نظرت إليّ (سميرة) بعينٍ متأملة وقالت بابتسامة مستغربة: “حينما أقرأ لك، أنبهر بأسلوبك وعمق فكرك، ولكني حين أجلس معك، أراك هاشّة، باشّة، لطيفة المعشر، بسيطة التعامل، وكأنكِ شخصٌ آخر». ابتسمتُ، لم أُسرع إلى التبرير، بل تركت المسافة بين السؤال والجواب تتنفس قليلًا، ثم قلت: «هذا الفرق، يا صديقتي، قد يكون في ظاهره تناقضاً، لأنك قد توقعتِ مسبقاً أن كل صاحب فكر لابد أن يكون على هيئةٍ مُعينة، أو مظهر مخصوص من الحركة والتصرف، أما من جهتي فأنا أرى ذلك مكرمة من المكرمات». لأنه ليس من الضرورة أن تُشبهنا حروفنا في ظاهرها، فنحن نكتب بعمق لأننا نُحب الحياة من جوهرها، ونُصيغ أفكارنا بعناية لأننا نُقدّس الكلمة ونعرف وقعها، أما في تعاملاتنا، فتمثلات ذاك الفكر والشعور تظهر في بساطة من غير تكلف، ولطافة من غير اصطناع، و بشاشة من غير قيد، بلا ثقلٍ فلسفيّ يستعرض عضلات الفكر و طبقات الشعور. ذلك لأن الله يهب من يشاء القدرة على التلوّن برقي، فلكل مقامٍ مقال، ولكل سياق أدبه و أسلوب تعامل يوافقه ليس من باب الزيف الخادع، أو الظهور المجامل، بل من باب العيش على طبيعتك وبساطتك. بحيث توهب القدرة على أن تكون في الكتابة صوتًا مُتأمِّلًا، وفي الحياة حضورًا يسيرًا مطمئن الحضور، خفيف على الأفئدة. ولعل هذا ما يجعل التوازن فناً لا يتقنه إلا من تعمّد أن (ينصت) إلى الحياة من الداخل، دون اضطرارٍ إلى (شرحها) طوال الوقت. بل إن من أجمل ما أمتنّ له، أن هذا العمق الذي قد يبدو متناقضاً في ظاهره، لم يتشكّل على هيئة حواجز أو أبهةٍ مصطنعة، بل يسير بخفة كما تسري الروح في الجسد بلا تكلّف، عمقٌ لا يحتاج أن يُعلن عن نفسه، أو يبرهن على وجوده، يتجلى بوضوح لمن يعرف كيف يرى بعين بصيرته لا بعين بصره فحسب. ألم يكن طه حسين مفكرًا موسوعيًا، ثم تراه في بيته مُحبًا للمزاح ومجالس الأنس؟ ألم يكتب نزار قباني عن الثورة والعاطفة بشاعرية مزلزِلة، لكنه حين يتحدث، يبدو كمن يمشي على أطراف النغم، بسلاسة وعذوبة؟ وحتى الجاحظ، الذي أبهر الناس بعقله، أضحكهم أيضًا بحكاياته وبطرافة حواراته. وهذا في ظني من أعظم ما يميّز الإنسان، أن تكون جذوره ضاربة في العمق، وظله خفيفًا على من حوله، ليس على سبيل التواضع فحسب، بل عن سجيّة متدفقة، سهلة ممتنعة. فلا عجب أن نكتب بعمق ونعيش بلطف، أن نحمل فينا فكرةً وابتسامة، نباهةً وسكينة، فلا ضد بينهما من الأصل، بل هي في أساسها مظهر صادق عاكس لما توغلت فيه نفسك من الأعماق، و ما سبرته من عوالمها وأكوانها الداخلية بحق. فالحقائق العميقة لا تحتاج أن تلبس ملامحنا على هيئة مخصوصة مثقلة بالتكلّف، بل يكفي أن تُضيء نصوصنا، وتنعكس بخفة في تعاملنا، وهذا هو الأليق بالالتفات والتثمين. لحظة إدراك: القدرة على الجمع بين عمق الفكرة وبساطة الحضور هي من فضائل العيش وفق السهل الممتنع، فالرهافة الحقيقية لا تعني التكلّف في التصرفات، والفكر الثاقب ليس تعقيداً في التعاملات، ذلك لأنك عندما مُتأمّلًا في داخلك، وهادئًا في حضورك، فأنت صاحب مكرمة لا تُدرَك إلا بذائقة رفيعة، وحسٍ عالٍ. وهذا الاتزان، هو الجمال الذي الذي لا تحيط به المقاييس، ولا توزن به الكلمات، قدره أن يُستشعر فحسب بالتواصل الحق.

576

| 24 يونيو 2025

على مقاسك.. لا مقاسهم

ليست كل الطرق مُعبّدة إلى الطمأنينة، ولا كل الدروب ميسرّة إلى السكينة، وليست كل الوجوه مرآة لذاتك ! فثمّة دروب لا تقود إلا إلى الضجيج، وثمّة نوافذ تُطلّ على فراغ لا حدّ له، أو سراب ليس له من وجود، وأحاديث تُطفئ فيك النور الذي تحمله. لذلك من الأدعى أن تتيقن من أنه لا يليق بك من بين كل هذا الزخم، إلا القُرب ممن يُشبهك، ممن يُضيء دنوه لا يُطفئ، ويمنحك شعور الانتماء والانتساب، والسكون والقرار، لا حس الاضطراب والضياع والتيه فيما لا قِبل لك به. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، ويتنازعك الرأي والرأي الآخر، وتتكالب عليك الأهواء، تذكّر أن سعادتك ليست مُعلّقة بمزاج الآخرين، ولا قراراتك رهن بخرائط لا تشبه قلبك. ذاك لأن لحياتك طابعًا فريدًا، لا يليق به أن يُقاس على مقاسات لا تنتمي لك، ولا يناسبه أن يُحترى على نحوٍ لا يُعتزى إليك ! فالاختيار الحرّ - حين ينبع من وعيٍ عميق بذاتك - يُثمر حياة تُشبهك، ووهج يداني روعتك، ويُعيد إليك سلطتك التي لم تخلعها الظروف، بل أُهدِرت حين صدّقت أنك مُلزم بالسير في دربٍ انتقاه لك غيرك. تجرأ ألا تفتح نوافذك إلا على المناظر التي تسرّك، واربأ بقلبك أن يسقط نظره على المشاهد التي تُربك بصيرتك، فلا تطرق أبوابًا لا تُشبه ضوءك، ولا تباري شمعة نورك المتقدّة، ولا تتخلّ عن انسيابك الداخلي من أجل قوالب لا تستوعبك، فإن سعادتك قرار، واختياراتك مسؤولية، وإن مسارك - أيًّا يكن - هو بيتك الأول الذي تُشيده بيديك لبنةً لبنة. وإن ضاق بك الدرب، فافرش يقينك على أرض الله الواسعة، وحلق في سمواته الشاسعة، فلا ضيق يدوم، ولا سُحب تستوطن الفضاء بلا مطر، وليكن نصب عينك دائماً إن سماءك إن غيّمت، فهذا رسول قريب لك بأنه حان فيض ودقها ! ولا يغريك التردد فتمتنع من أن تفتح شبابيك على مصراعيها على ما يحاكيك ويُجانسك، وأن تستريح تحت ظل نفسك، تتفيأ من وارفها أماناً. فلا عزاء في العيش على هوى الغير، واتباعهم إمعة بلا تقدير، ولا فخر في حياة تُنكر ملامحك، وتجحد وجودك. لحظة إدراك: ليست كل المرافئ مأمونة الوصول إلى رايات السلام، لذا، فالنضج أن تُجاور ما يلامس حقيقتك، وتُعرض عمّا يُطفئ وهجك، والطمأنينة تنبت حين تختار ذاتك بوعي، وتمشي المسار الذي يليق بك ويحاكي روعتك لا ذلك المفروض عليك.

561

| 17 يونيو 2025

دَع للنور معبراً !

حين تمشي روحٌ على الأرض وفي عينيها ضياء، وفي خطواتها إصرار، وفي صوتها بريق، فليس من النُبل إطفاء وهجها. فإن لم تُضف إليها ضياءها نوراً، فلا تكن ريحًا صرصراً عاتية تُطفئ شعلتها ! وإن عجزتَ عن مجاراة أحلامها، فلا تُشوّه سعيها الحثيث بالتقليل أو التثبيط. فثمّة قلوب تخلق من العادي معنى، ومن التعب ملحمة، ومن التكرار فرصة، ومن الحياة - رغم قسوتها- فسحة من الأمل، وبصيصاً من الرجاء. لا تنتظر تأكيدًا لقيمتها، ولا اعترافاً بثمين جوهرها، لكنها تتأذى من التهوين والتشويه حين يصدران من قلوب مُطفأة، لا تتورع عن تجريح النور حين لا تُطيق ألقه، ومهاجمة الحياة حين تعجز عن احتضانها، وكسر الأجنحة التي تُذكّرها بعجزها عن التحليق! فليس في الوجود ما يبرّر إحباط الساعين، ولا ما يُجيز خنق النور فيمن تجرّأ على الحلم، ولا ما يعذر النفوس الساكنة حين تهاجم الأرواح الساعية لأنها تذكّرها بما لم تفعله، وتواجهها بسواءاتها أمام نفسها قبل أي أحد! بعض النفوس لا ترى الفرح إلا خصمًا، ولا تُبصر النور إلا تهديدًا، ولا تشهد على النجاح إلا مرآةً لخذلانها، فتُهاجم النابضين بالحياة بسوء ظن، وخبث طوّية، وتُطفئ فيهم المعنى، لا لأنهم أخطأوا، أو أساءوا، إنما لأنهم سلبوها حجّة السكون ! أما أشدّها سمّية، فهي التي لا تعم لكنها تتأذى أن عمل الناس، تُفسد الدوافع، وتزرع الشك، وتُطفئ الضياء، لا لشيء إلا لأن الحياة لم تعد تجري في عروقها. وفي ظلال كل ذلك، يظل النور يمرّ، والضوء يعبر خفيفًا، حرًّا، بهيًا، ساطعاً دون جهد ! فبعض الأرواح، وإن لم يُصفّق لها أحد، تُنير الدرب لغيرها، وتمنح العالم بهجةً صامتة لا تحتاج إذنًا لتكون. وما أجدى أن تتذكر تلك النفوس المُشعة دائماً أن لا تدع كل ذلك من أن يخفت من نورها شيئاً، كما قيل: (لا تطفئ نورك لمجرد أنه يزعج عيون الآخرين). لحظة إدراك: ثمة أرواح تمضي بنورها، لا تطلب إذنًا ولا تنتظر تصفيقًا، وليست ذات صخب يلوي الأعناق! قد تعجز بعض العيون عن احتواء وهجها، فتُرمى بسهام الخذلان، أو التسفيه لحاجةٍ في نفوسهم لم تُستدرك ! فلا أدنى من أن يُترك للنور معبر، وللضياء طريق، ولو لم يُفهم، ففي مروره حياةٌ حتى لمن أطفأتهم الظلال !

819

| 10 يونيو 2025

السيادة الهادئة في زمن الضجيج

في عالمٍ تتقاذفه الانفعالات، وتُستدرج فيه الأرواح إلى صخبٍ لا ينتهي، تبقى النفس الرزينة المتزنة، كأنها دعاءٌ مُستجاب، وهبة من الله تُورث السلام، وتمنح صاحبها سكينة من نوعٍ لا يُشترى، وطمأنينة نادرة من صنفٍ لا يُقتنى. تلك هي النفس التي تعرف الغث من السمين، والزيف من اليقين، وتُبصر بحكمةٍ المآلات قبل أن تخطو، و تنظر للمرام قبل أن تُسدد. تتأنّى، فتُميّز الخطأ من الصواب، والخير من الشر، و تشمّ رائحة الظلام وإن تنكّر، وتتعرّف على الحقيقة وإن تدثرت، وتؤمن بأن للحياة شعرة، كـ”شعرة معاوية”، لا تُشدّ حتى لا تنقطع، ولا تُرخى حتى لا تُهان. هذه النفس لا تقفز إلى ردّ، ولا تُسرِف في الحُكم، بل تقرأ المشهد بعينٍ فاحصة، كقارئٍ يمرُّ على سطور كتاب الحياة بعناية، يدرك أن كل خطوة، وكل صمت، وكل اختيارٍ له وزنه وامتداده، وله أثره وبصمته، تمضي وهي تبصر ملامح الدروب، لا تستهين بتفصيل، ولا تغفل عن أثر. هي المرونة دون ضعف، والحسم دون قسوة، واللين دون تميّع، واللطافة دون انصهار. فالنفس الرزينة تُجالس الحكمة، وتُصاحب التبصّر، وتختار من الصمت ما يليق، ومن الكلام ما يُزهر، ومن النور ما يسطع. وما أجمل أن يتفضل الله على خلقه فيرزق إنسانًا هذه النفس، نفسٌ حين تُبتلى لا تَهتزّ، وحين تُمدَح لا تغترّ، وحين تعثر لا تفقد أملها بربها. نفسٌ متزنة، تُصل بين جناحيها العقل والقلب، وتؤمن أن الحياة لا يُفلح فيها إلا من قرأها بوعي، وسار فيها بوقار، و مشى فيها الهوينا على صراطٍ مستقبم. وليس ذلك من باب التقييد، فلم يكن الاتزان يوماً ثقلاً، ولا الاتزان عبئًا، بل عن وعيٌ عميق بما يليق بها بأن تمضي وهي تدرك متى تُبصر، ومتى تُعرض، ومتى تصمت باختيار، ومتى تتجاوز ومتى تلزم، ومتى تتناسى ومتى تتذكر، تلك هي السيادة الهادئة في زمن الضجيج. لحظة إدراك: لم يكن السلام يوماً في رفع راية الانتصار، بل في تحقيق الكفاية والاكتفاء، ذلك لأن أنضج النفوس تلك التي لم تعد تحتاج أن تُثبت شيئًا، أو تنال من نصرها اعترافاً بمزيتها على أحد! فما السيادة سوى قوة الحضور، وبهاء الهدوء، وحكمة الاتزان.

1260

| 03 يونيو 2025

طبائع الظل والنور

ثمة أرواح خُلقت وهي تميل بطبيعتها نحو النقاء، تنجذب تلقائيًا إلى الجمال، لا تتكلف البحث عنه بل تراه حتى في أدق التفاصيل، فتلامس النور في كل ما حولها، وتضيف عليه من طهرها الداخلي إشراقًا لا يُشبهه أحد، ولا يدانيه كل مخلوق. هذه الأرواح تمسح على الأشياء بنظرتها، فتمنحها حياة جديدة، وتُرجع للكون صوته الخافت من اللطف والامتنان لأنها من أرواحٍ وُلدت من ماءٍ نقي، ونُفخت فيها من نسيم الصباح، فصارت لا تستكين إلا حيث الصفاء، ولا ترتاح إلا بين تجليات الجمال، لا تُدرّب نفسها على اللطف، بل تُمارسه بالفطرة، تُضيء بحضورها، وتتألق بوجودها، تترك أثرها حيثما حلّت، كأنها تمرّ على الأشياء فتوقظ فيها أجمل ما فيها. ترى الحياة بعيون ممتنّة، وقلوب شاكرة، تمس التفاصيل الصغيرة كما لو كانت كنوزًا ! لا تغريها الكثرة، ولا يستهويها الضجيج، بل تميل إلى البساطة المصقولة، وإلى المعاني الهادئة التي لا تحتاج إلى صراخٍ لتثبت وجودها. عندما تلمح نورًا في أحد، تُعلي من شأنه، وتُشعِره بأنه مرئيّ، مهما كان خافتًا في نظر الناس. هؤلاء لا يملكون عيونًا تبحث عن النقص، بل قلوبًا تُبصر النور في كل أحد، يعلّقون على بسمة خجولة، أو على نظرةٍ طاهرة، أو على كلمة صدرت من نوايا نظيفة، ويحولون أبسط اللحظات إلى مشاهد تنبض بالامتنان. وفي المقابل، هناك أرواح لا تستقر إلا في العكر، لا ترى في الجمال إلا مدخلًا للتهكم، ولا في الصفاء إلا سذاجة. تمضي أعمارها تبحث عمّا يُشبهها من تشوه، فتجعل من النور موطن قلق، ومن الطهر ساحة مقاومة. تُفسد الجمال إذا حلّ، وتنفر من الامتنان إذا حضر، لأن طبيعتها لا ترتاح إلا حيث يسكن القبح ويغيب الانسجام. لا ترتاح في حضرة الإشراق، ولا تقّر بتوهج النور، لأنه يكشف عتمتها، ولا ترتاح مع الصدق، لأنه يحرج نزعتها إلى التوجّس. حين تقترب من الجمال، تُحوّله إلى تهمة، وحين تُصادف الخير، تُشكّك في دوافعه. هي لا تنتمي إلى الضوء، ولذلك فهي لا تطمئن إليه. وبين هؤلاء وأولئك، تتضح سنّة من سنن الوجود: كل روح تنجذب لما يُشبهها، وتأنس به، وتُبرّر له، وتبرع في تسويغه. فالطيّبون حقاً لا يبرعون في افتعال الشر، والأنقياء لا يُجيدون تبرير القبح، ومن خُلق من نور، سيظل يبحث عن موطنٍ يسمح له أن يلمع دون خوف، ويحب دون قيد، ويعطي دون حذر. وهنا تظهر الحقيقة المجردة.. كل نفس تميل لما يُشبهها، وتأنس له، وتستكين إليه، فالنفوس الظليلة لا تطيق بُقعة الضوء، كما لا ترتاح النفوس النقيّة في زوايا العتمة، وكل روحٍ تسعى لا شعوريًا للبيئة التي تُغذي طبيعتها ! فلا عجب أن نطمئن فجأة في حضرة أحدهم، أو نضيق دون سبب في حضور غيره، فالنفس دليلة لطريقها دائماً! لحظة إدراك: ثمة أرواح خُلقت من نور، تميل بطبعها إلى الصفاء، وتبصر الجمال حتى في الزوايا المنسيّة، وأخرى يسكنها الظل، فلا ترى إلا العتمة، وتستوحش من الضوء. فكل نفس تأوي لما يوافق طبيعتها، وتطمئن إلى ما يُشبهها.

483

| 27 مايو 2025

حين يتجسّد السعي في جُبّة التخرج

في حياة المرء محطاتٌ لا تُختزل عند حدود الإنجاز، بل تتجاوزها إلى عمق المعنى. والتخرج - في جوهره - ليس محض احتفالٍ بنهاية مرحلة تعليمية، بل هو تمثّل حيّ لمسار من السعي المتصل، ونتيجة تعبّق الروح بالمعرفة، وتجسيد لفخر يتجاوز لحظة التتويج. فالسعي في حقيقته فعل مقاومة! مقاومة الكسل، والشك، والتشتت، والظروف المتقلبة، والإجازة ليست ثمرة فصلٍ أخير، بل حصاد أعوامٍ تراوحت فيها الخطى بين الثبات والتعثّر، وبين العزم والتعب، والحصيلة ليست عدالة فحسب، بل انعكاس لجودة المسير، وإخلاص الخطى. كثيرًا ما تمرّ النتائج كعابرات سبيل، فيما يظل أثر السعي ممتدًا في الوعي، متغلغلًا في السلوك، ومشكّلًا لطريقة النظر إلى الحياة ! لذا، فالفخر الحق لا يُصنّع، والاعتزاز الصادق لا يُمَثّل، بل يُولد تلقائيًا من الصبر، فهو من النقاء والبهاء والنور مما لا يستجدي معه التصفيق، أو يحتاج للمنصات والشهادات ليبرر لنفسه، أو ليسمح لذاته بالوجود! وفي رمزية التخرّج ما يتجاوز الأوراق والرداء الأكاديمي، فهو رمزٌ لنضجٍ ما، ولمرحلةٍ تطوّرت فيها طيّات الشخصية كما تطوّرت مقامات المعرفة. وفي كل تخرّج، حكايةٌ صامتة لا تُروى، لكنها تُلمَح في نظرة الفخر، أو دمعة التقدير، أو خطوة نحو المستقبل بثقةٍ أجلى. وقد شاء الله لهذا السعي أن يُكلَّل، لا بورقة تُعلّق، ولا بشهادة تُعلن، بل بلحظة هادئة لبِستُ فيها جُبّة التخرّج، وقفتُ فيها بين المعنى والجدارة، وبين القيمة والجدوى، أتنفّس الحمد فيها وأبتسم لخطى الأيام التي حافظت على عهدها معي. ويبقى التخرج لحظة صدقٍ لا تحتفي فقط بالتحصيل الأكاديمي، بل تكرّم السعي الصادق، وتُكرّس الفخر كاستحقاق عازم لا كهبة مُنالة، ولعل القيمة الأعمق في هذه اللحظة تكمن في أنها تُذكّر الإنسان بأن التعب لا يضيع، وأن كل ما زُرع في الخفاء، لا بد أن يُزهر في النور. لحظة إدراك: الحمد لله الذي بلّغنا وأتم سعينا، ونوّلنا ما نستحق من الإنجاز، ومن الغبطة المكتملة، والزهو المستحق فخراً لا كِبراً، وعزةً لا تيهاً وغروراً، وامتناناً لا جحوداً. (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)

576

| 20 مايو 2025

حين تهمس الحكمة!

لا يأتي النضج الحق تلقائيًا من تراكم الأيام وعبور الساعات؛ فالنضج الحقيقي ينبع من لمحات وعي، ولحظات إدراك، من ألم فُهِم، ومن تجربة أُعيد تأويلها. فكم من أناس في العشرين أكثر نضجًا من آخرين في الستين والسبعين، لأنهم قرروا ألّا يبقوا في دوائر الضحية، ولا أن يُداروا ردود أفعالهم بطفولية. ذلك لأن النضج هدية التجارب، ووليد الاختبار، مرهون بدوام الممارسة والمران على المواقف ومع الأشخاص. وما مآل ذلك إلا إدراكًا حقًا، ووعيًا ناضحًا لا يلوم، بل يفهم. يدفع المرء إلى أن يختار أن يحتضن شعوره بدلًا من إسقاطه، ويرتب إحساسه عوضًا عن شتاته، فتُمنح له بصيرة الناضجين، وحكمة الراشدين، فيزن الأمور بميزانها، ويعرف متى يكون الصمت حضورًا، ومتى يكون الكلام أثرًا. والناضج رصينٌ في حبّه وكُرهه، وإقباله وصدوده، فهو يختار الحب لا عن حاجة، بل من كفاية، ويمنحه من امتلاء، ويفيض به عن كفاية، ولا يُعلّق سلامه على وجود أحد، ولا يحارب ليُثبت ذاته في حضرة الآخر. بل النضج يُهدي اتزانه حتى في الألم وهبّات الوجع، فيُحيل المرء متفكرًا في نفسه: هل بات يُكرّر نفس أنماطه الشعورية؟ أم أنه تدارس الألم، فعلم كيف يحتضنه، ويستخرج من بين غياهبه نسخًا منه أكثر عمقًا ووعيًا؟ لأنه يُدرك أن الرصانة لا تعني ألّا يتألم، بل أن يُحسن الرُشد في التعامل معه، واحتضان أشواكه. النضج عطية الأوّابين إلى ذواتهم، أولئك الذين غاصوا في أعماقهم حتى تبيّن لهم صداها، فصاروا يختارون بما تهديه البصيرة لا بما يهمس به الهوى. يتخلّون عمّا قد تتوق إليه النفس، لأنهم أدركوا أن ما يُشبه الأعماق أصدق مما يلمع على السطح. والرُشد فيهم يتجلّى حين يُقرّرون المضي أو التراجع، لا بانفعال الخوف أو غشاوة التعلّق، بل بثبات الوعي وطمأنينة الفهم. وقبل ذلك كله، النضج هو نوافح النفس للنفس، وعطوفات الذات على الذات، يتجلّى في هبات الرحمة، والتسامح معها، وفي الإنصات العميق لها، حتى يدرك المرء متى قسا على روحه، ومتى كانت في شوقٍ إلى حضنٍ من الرحمة. وبذلك، لا يكون النضج صخبًا ولا إعلانًا، بل سكونًا داخليًا يُضيء على مهل، وهدوءًا يترسّب في النظرة، ويظهر في اللمحة، ويُعلن عن نفسه في ردة الفعل، وفي القرار. هو عودة صادقة إلى الذات، ومآلٌ أوّابٌ لما للحكمة من صفات، ومصالحة جريئة مع تقلبات النفس ومرايا أهوائها. فمن اختار أن ينضج، اختار أن يُبصر، أن يرحم، أن يُحب دون قيد، ويترك دون مرارة، ويعيش دون أن يُفرّط بنفسه في أحد. فالنضج ليس خاتمة الحكاية، بل بدء حديث السريرة بين المرء وذاته، حيث الوعي أصفى، والحب أنقى، والأثر أهدأ وأجلى. لحظة إدراك: النضج ليس محطة تُنال بالعمر، ولا هدفًا يُدرك بتقادم الأيام، بل مسار يُنتقى بإدراك، وطريق يُختار بوعي، وبرحمة القلب، وحكمة الإنصات للذات. هو قطاف ثمر التجارب حين تُفهم، وهبة المرء لنفسه حين يقرر أن يرى بعمق، ويُحب بكفاية، ويختار بثبات.

654

| 13 مايو 2025

أبهة من غير اصطناع !

لطالما كان الهدوء الساكن مفتاحاً من أهم مفاتيح النضج، وباباً من أبواب الارتقاء بلا ضجيج ! وطالما كان الهدوء من مظاهر السكينة والوقار الداخلي، أصبح أكثر أصالة وصدقاً، فمن الهدوء ما يكمن في المظهر فحسب يغطي صفيحا ساخنا من الغضب والمشاعر المضطربة، ومن الهدوء ما هو كالماء الصافي الرقراق، يجلي البصيرة، ويُنير القلب، يُقرّب المرء من نفسه، ويستعيد به اتزانه كل حين. وليس معنى أن يكون الإنسان هادئاً ساكن القلب أن يكون متبلّد الإحساس، بل المقصد أن يمتلك من صفاء النفس، واتزان الشعور، وسكينة الروح، وطمأنينة الخاطر، وسلام الروح ما يُمكّنه من أن يكون رائقاً وضاءً، متأملاً ومحتوياً لكل ما حوله من الحركة والاضطراب، متمركزاً في موضعه لا عن تصلّب في الرأي، أو قسوة في القلب، بل ليكون راسخاً متجذراً في سلامه، كالشجرة الباسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء، مرنة الأغصان، كريمة الطرح، وارفة الظلال، لا يأنس إليها راحل إلا استظل وسكن، شامخة رغم الهبوب، ومرنة لا تجابه الخطوب بتصلّب يكسر فروعها! وليس مآل ذاك الصنف من الهدوء الحقّ إلا اتزان للشعور، وحكمة في القرارات، وتعظيم لسر الحياة بالحضور والانسياب في دقائقها وثوانيها، فيكون هو في ذاته السلام الذي يفشي السلام، والهدوء الذي ينشر الهدوء، والطمأنينة التي يبحث عن المآل إليها كل مضطرب ! فيكون الحضور الساكن أُبَّهَة من غير اصطناع، ورُقيّا من غير ابتذال، وبهاء من غير افتعال، لا يلحظ هذا النور إلا من يلامسه، ويدرك قيمته، فيتشرّب من فيضه كؤوساً تروي ظمأ اضطرابه، وتهديه من أوراقها ظلاً يحتمي به ولو برهة يعيد إليه اتزانه، ويتسع معها إدراكه بأن ضيق شعوره لا يُقارن مع براح سلامه ! وما تلك الأناة إلا محمدة في المسلك، وما الروّية إلا حكمة لا تُدرك إلا بالصفاء، ولذلك سُمّي الحُلم بسيّد الأخلاق. فما إن يروض المرء نفسه، ويعيدها إلى رحاب الهدوء والسكينة حتى يرجع إلى حقيقة نوره، وأصل وجوده، فلا يأخذ الأمور على محمل العجلة والتسرّع، ولا يُكدّر صفو خاطره كل عابر، ويعتاد الرّوية والعيش الرائق، ويُدرك أن سكونه هو مكانه الأثير، ورأس ماله الأحق بالاستثمار فيه. لحظة إدراك: ما إن يعتاد المرء السكون حتى يُدرك أنه أصله الذي لا يصح أن يتخلّى عنه، وأن كل اضطرابٍ في الفكر أو الشعور أو المسلك هو من الطارئ الذي لا يُعوّل عليه في إمضاء شأنه وإدارة حياته، فمهما ساقته أمواج الاضطراب إلى صراعٍ لا قِبل له به، أعادته سكينته إلى مرافئها سالماً.

1233

| 06 مايو 2025

لا تجزع لحالك.. بل تذّكر !

كثيرٌ ما تمر بالمرء أطياف الحزن، تحيله بين براثنه أسيراً، حبيس زنازينه، غارق في غياهب الألم، و في قتام الخسائر المتتالية، مخنوق من ثقل الجراح التي لا تندمل، أطياف شتّى يتلقاها الإنسان من كل اتجاه: النفس، المال، الحب، العلاقات، وحتى الأحلام التي كانت تتلألأ في قلبه كالنجوم ! وليس الحزن على ما فُقد، سواءً كان شخصًا، أو وظيفة، أو حتى لحظة ضائعة، سوى مجرد محطة في رحلة الحياة الطويلة وإن عظُم، تلك الحياة التي لا تتوقف عند حدود ما فات، ولا تنتظر عند أبواب الخسارات، ولا ينتظرها الزمن ليكون مكتملًا كما نريد، فكل أمر هو درب، وكل لحظة هي فرصة سانحة لاستملاك القوة من جديد، من غير سخطٍ أو عتب. ولعل ما يكفكف الدمع، ويمسح برفق على قلب المرء أن يُدرك في تلك اللحظات التي يشعر فيها بثقل الخذلان، أنه ما زال يملك الفرصة للانتعاش من جديد، و للنهوض بعد كبوات لم يتوقعها من مرارة الخيبة. فيسترجع القدرة على بذر أزهار الفلاح، تلك القوة التي يعرفها المرء عندما يجابه الحياة بدون ظلال الماضي، باتزان يحفظ قوته الحاضرة وتركيزه الآني في ما بين يديه من الأيام والنعم، ولسان حاله يقول أنه مقبلٌ: (زاهداً فيما سيأتي، ناسياً ما قد مضى). والمبهر أن يدرك الإنسان أن فضل الله عليه عظيم، وعوضه سابغ، فكل فقدٍ يوازيه اكتساب، وكل نهاية تحمل في طياتها بداية جديدة، ولنسخ أقوى منه صنعتها التجارب، ونسجتها خيوط الألم والمرونة، فيدرك حينها أن حتى الحزن والألم أفضال إلهية غامرة إن أحالها إلى استفادة تغذيه بروحٍ جديدة، فما يكون مآل الفؤاد حينئذٍ إلا الاطمئنان وسلوة الخاطر. ولعل في ذاك كله نوراً يُنبئ المرء بأن الأحزان ليست نهاية المطاف، ولا ختام القصة، بل هي مما يعين المرء على التهذيب والارتقاء، والصقل والاقتدار، فيغدو بعد تجاربه تلك حراً قد علا وحلّق.

963

| 29 أبريل 2025

إن الحكم إلا لله

من مباهج الحياة أن يعي المرء باكراً أن تخليّه عن مقعد القاضي هو من الحكمة التي تحفظ عليه نفسه، ويهذب بها عقله، ويترفع بها مقاماً عن الشر وسوء الظن. فمتى ما خرج الإنسان من دوائر الحكم على ذاته وعلى غيره، فقد ترشد في استهلاك طاقته فيما لا يفيد، وحفظ ذاته من التخويف والتحجير، فلا يغدو بعد تلك الأحكام سوى بائس قد احتجز نفسه بيديه، وحكم على روحه بالأفول في غياهب السجون، وظلام التقتير والتعذيب. وليس ذاك إلا لأن الحكم على الناس من أشر الأفعال، ومن أكذب الاستنتاجات، ومن أوهن الطرق التي يتعامل بها المرء مع ذاته والحياة. ولأن غالب الناس لا يُحكمّون عقلاً ولا ضميراً، وليس لهم من المنطق والحكمة ما يهذبون به أنفسهم، فهم يسقطون تحليلاتهم الهشة دون دلائل ولا بصيرة، وضمائرهم المتوارية على ما يرونه من أمر الناس، فيسهل عليهم أن يلقوا الحكم على عواهنه دون دراية بالسياق، وما خلف الظاهر من الأسباب، أو حتى معرفة ما يترتب على هذا الحكم من السوء والتعدي، فما أسهل أن يطلق أحدهم حكماً على الآخر بالكسل على سبيل المثال، وهو لا يعي أن من أسباب ما يصمه بالكسل هو حالة اكتئاب غير معلومة يمر بها صاحبها، أو لربما ختم عليه بحكم الكسل وفق مفهومه هو، فيرى مثلاً من يحفظ لنفسه راحتها وطمأنينتها كسولاً قد أضاع عمره في الاستكانة والدعة، أو قد يكون حكماً صادراً بوعي غائب لا يُمثل سوى إسقاطه لحكمه على نفسه، ورمياً لمثالبه هو على غيره!. ولعل تلك الأسباب وغيرها مما يعين على استسهال إصدار الأحكام، والتعدي بسوء الظن على غيره دون التماس عذر أو حفظ النفس عن الفضول ومد عينه لما عند الآخرين، ونسي أن الحكم لا يكون إلا لله وحده، العليم بما نفوس العالمين بالنوايا، والخبير بما يقدمونه من أعمال في سياقها الكامل لا المبتور. فمن سولت له نفسه الاجتراء على إطلاق حكم على غيره، فليتذكر أن عمله ذاك تعدٍ على الحكيم الخبير في حكمه، و أن ما يُسره في بواطنه من الحكم والتفسير، وما ينطق به لسانه من القول، وما تجترح به جوارحه من الفعل هي خرق لحد لا ينبغي له أن يُنتهك وإن بدا للناس أنه من الصغائر، أو من أوضح الواضحات. والأمرّ من ذاك أن يجترأ الإنسان على نفسه بالحكم، فيعتدي على مقامها المكُرّم من رب العالمين، ويظن أنه لا بأس عليه أن يفتي عليها بالدنو والتحقير، أو بانعدام الفائدة، أو بالرفض أو بالضلالة والضياع. فيغدو عدواً قائماً بين جنبيه لا يفتأ آلاء الليل وأطراف النهار يُبكت نفسه، ويهدم حصنه، ويقضي على إكرامه بيديه. وليته يعلم أن الأشرف أن يعود المرء لنفسه يتفحص ما هو بشأنه قاض، أو تجاه نفسه جلاد ومؤذ، فيعيد ترتيب أوراقه، ويدع الخلق للخالق. *لحظة إدراك: للاستسهال في التعاطي مع الأحكام على النفس أو الغير مآل غير محمود، فهي من الظلم الخفي، وكل ساق سيُسقى بما سقى، ولكل اجتراح في حق الإكرام منقلب غير سارٍ ولا نافع.

753

| 22 أبريل 2025

ترياقٌ بعد الانكسار !

ما أسهل على المرء أن ينحدر إلى مهاوى الردى، وجل الاضطرابات الوجدانية والعقلية إن لم يحفظ لنفسه قدرها. فمدار الأمن الداخلي لدى الإنسان يبدأ من إدراكه أنه كائنٌ مُكرّم، عالي الشأن وإن سقط، عزيزٌ عند ربه وإن انحرف، مُقدّر القيمة وإن أخطأ، مقبول حتى بنقصه وعيوبه. وهذا الإدراك الجليل بالقيمة الذاتية ليس وهماً متخيلاً، أو حجة مكذوبة، تهدهد المخاوف الدفينة، وتدفع الإنسان إلى وهم مضلل، بل هو إدراكٌ نقيّ، يحاكي روعة وجوده، وتكريمه من خالقه، مهما بلغ في عين نفسه، وفي عين غيره نقص جدارته!. وهذا الفهم يُعين المرء على إقامة نفسه مقامها، وإلى الانفتاح على اليسر بعد العسر، ودلف أبوابٍ لم تكن لتُفتح له عندما كان يظن أن شأنه متضائل الصغر. ومما يُحتّم الوصول إلى ذاك المقام، التيقّن القلبي بأنه إنسان جيّد، وأن جوهره صافٍ، وأنه يستحق من الإكرام بما تكرّم الباري عليه، وما فتح له من أبواب الفرص للتعلّم من خلال السقوط والقيام من جديد كطبيعة في فطرة خلقه لا شأن طارئاً على وجوده وقد يواجه المرء في رحلته الإدراكية تلك، ما قد يزعزعها، فهو يموج في لجة عميقة من الأفكار والتصورات والأحكام المجتمعية التي بنت لنفسها صُرحا عتيقة من المفاهيم والأحكام التي تنبذه بسهولة إن لم يكن وفق معاييرها الصارمة، في الشكل والجوهر، والمثالية دون الخطأ، فلا يلبث أن يعاني مع ذلك كله سباحته ضد تيار متعاظم، يؤكد سلبه مكانته دون شروط، وتذكره بخطئه دون داعٍ، وتُذنبّه وتقصيه مع أصغر خطأ يسقط به. فهو مرفوض إن اجترح، ومنبوذ إن اقترف، أو تكالبت عليه النقائص، لابد أن يمتثل لشروط الجمع وإن بدت مستحيلة أو قاسية! وهذا مما يُعظـّم الأثر عليه، ويجعله يدور في ساقية الرفض والألم، و تعذّر بناء القناعة الذاتية بالقيمة، والشعور الداخلي بالتكريم. فإن أدرك المرء تلك الفخاخ، وأنه صورة من صور الانسلاخ، نجا بنفسه من براثن داخله وقوانين مجتمعه الجائرة، ونظر بعين الفاحص الصادق إلى علوّ منزلته عند خالقه ومولاه، وتساقطت أمامه أقنعة الزيف، وأدرك أن حقّه محفوظ من الإكرام، والإذن بالوجود من الواجد جل في علاه. فلا يلبث أن تلم نفسها شعثها، وتصطف في ذاته قيمها وأولوياتها، فلا يغتر بالزيف وإن عظُم، ولا ينخدع بالإفك وإن كانت جذوره ممتدة. فلا أدنى بعد ذاك كله من أن يصل إلى ترياقه بعد كل انكسار، وأن يُحلّق بعد كل سقوط، وأن يتعافى بعد كل ألم. لحظة إدراك: ليس أشق على المرء من قيود يُكلبّ بها نفسه، من التصورات والأحكام وكاذب الشعور، وما أن يجرؤ على فك قيده حتى يُحلّق في سماوات التكريم، ويُعمّر بنيانه قصوراً شاهقة على أراضٍ صلبة لا تتزلزل، لأنه استند إلى نور حقيقته ولم يُضلل بظلام قشوره.

705

| 15 أبريل 2025

حين يتحول التدقيق الداخلي إلى أداة للتخويف
حين يتحول التدقيق الداخلي إلى أداة للتخويف

يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق...

10593

| 06 سبتمبر 2026

الحكم بين النقد والإنصاف
الحكم بين النقد والإنصاف

ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...

3666

| 10 سبتمبر 2026

خطيب الجمعة وين؟
خطيب الجمعة وين؟

اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات...

2550

| 08 سبتمبر 2026

فقد الأم
فقد الأم

ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...

978

| 10 سبتمبر 2026

إنك ضعيف وإنها أمانة
إنك ضعيف وإنها أمانة

خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن...

966

| 09 سبتمبر 2026

التقاعد.. حين يصبح الوقت لك
التقاعد.. حين يصبح الوقت لك

- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة...

807

| 07 سبتمبر 2026

الشراكة التعليمية في أجمل صورها
الشراكة التعليمية في أجمل صورها

استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...

762

| 11 سبتمبر 2026

المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً
المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً

وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى...

747

| 09 سبتمبر 2026

وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!
وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!

لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا...

696

| 08 سبتمبر 2026

«آسف».. تلك التي تُطفئ النار
«آسف».. تلك التي تُطفئ النار

(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث...

678

| 06 سبتمبر 2026

المرأة والرجل.. وصك البراءة!
المرأة والرجل.. وصك البراءة!

بين المجمعات التجارية الكثيرة المنتشرة، يبرز أحد المجمعات...

642

| 07 سبتمبر 2026

طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط
طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط

على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...

615

| 11 سبتمبر 2026

أخبار محلية