رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المحاكمات الجنائية لا تكفي!

رموز النظام الفاسد يخضعون لتحقيقات، ويتم حبسهم لمدد محددة يتم بعدها الإفراج بالكفالة عن بعضهم، وتتناقل وسائل الإعلام الأخبار عن براءة بعضهم لقدرتهم على إثبات مشروعية ثرواتهم. لكن السؤال الأهم هو هل انحراف هؤلاء الرموز وفسادهم يتمثل فقط في نهب أموال الشعب وجمع الثروات الحرام؟ وهل معركة الشعب مع هذه الرموز تتمثل فقط في المعركة القانونية القضائية؟! رغم خطورة الجريمة التي ارتكبها كل رموز النظام السابق وهي إفقار الشعب ونهب ثروات الدولة إلا أن هناك جرائم أخرى أكبر وأخطر وهم يستحقون عليها محاكمات سياسية وشعبية: أول تلك الجرائم عدم حماية استقلال الدولة، وتحويل مصر إلى مجرد دولة تابعة لأمريكا وتخضع لإرادة العدو الإسرائيلي، لقد كافح أجدادنا وضحوا بحياتهم وقاتلوا الاحتلال الإنجليزي في القناة ليحققوا استقلال مصر، لكن الأنظمة الديكتاتورية أضاعت ذلك الاستقلال. إن أخطر جرائم مبارك وابنه وعصابته أنه فرط في استقلال مصر، ولذلك لابد أن يحاكموا بتهمة الخيانة العظمى. لقد كان أهم أهداف النظام أن يرضي أمريكا وأن يحمي أمن إسرائيل لدرجة أن هذا النظام قد أسهم في حصار غزة وتجويع أهلها، وأضاع أموال مصر في بناء جدار فولاذي ليمنع تهريب بعض السلع البسيطة عبر الأنفاق إلى غزة. لذلك كان من الطبيعي أن تعلن إسرائيل الحداد على مبارك وتطلق عليه الصحف الإسرائيلية لقب الصهيوني المخلص، والكنز الاستراتيجي لإسرائيل. ولأن السيد دائماً يحتقر عبده مهما كانت أهمية ذلك العبد فلقد كان الرؤساء الأمريكيون يبالغون في إهانة مبارك عندما يشد رحاله ليقدم فروض الولاء والطاعة لسيده في البيت الأبيض لكن هذا السيد يرسل له وكيل وزارة الخارجية ليستقبله في المطار، ثم يتركه لمدة ثلاثة أيام دون أن يستقلبه، وعندما سأله صحفي عن ذلك رد عليه بغباء قائلاً: إنه لم يكن فاضي يهرش!! والإجابة تؤكد أنه لا يستحق سوى تلك المعاملة من الرئيس الأمريكي ومع أن مبارك قد قدم الكثير من الخدمات لأمريكا طوال ثلاثين عاماً فإنها تخلت عنه في لحظاته الأخيرة وتركته يسقط كما فعلت مع شاه إيران، فهو في النهاية مجرد عبد. لقد أضاع مبارك استقلال مصر السياسي لدرجة دفعت أحد رموز نظامه إلى القول إنه لا يمكن أن يأتي رئيس لمصر لا ترضى عنه أمريكا وإسرائيل، كما أضاع أيضاً استقلالها الاقتصادي حين اعتمد على الديون التي كان يحصل عليها بفائدة عالية وعلى المعونات التافهة التي تقدر بمليار دولار سنوياً، في الوقت الذي أضاع فيه على مصر 90 ملياراً من الدولارات في صفقة تصدير الغاز لإسرائيل بسعر لا يوازي ربع تكلفة الإنتاج: فالنظام لم يكن يعطي الغاز لإسرائيل مجانا، ولكنه كان يدعمه لها من أموال مصر، ويعطيه لها بـ 25 % من تكلفة الإنتاج، فهو يدرك أن رضاء إسرائيل هو الطريق الوحيد لقلب أمريكا، ولابد أن ترضى ليتحقق مشروع التوريث للنجل جمال الذي ورث غباء والده ويريد أن يرث الحكم بعده. يا سادة نحن نريد أن نحاكم مبارك وأولاده ورموز حكمه على الأموال التي نهبوها، لكن قبل ذلك لابد أن نحاكمهم بتهمة الخيانة العظمى لتفريطهم في استقلال مصر. وهذه المحاكمة لابد أن تكون مقدمة للتوصل إلى مجموعة من الثوابت الوطنية أهمها أن رئيس مصر القادم لابد أن يحمي استقلال مصر، وأننا سننتخب رئيساً لا ترضى عنه أمريكا وإسرائيل، وكلما أغضب أمريكا وإسرائيل فسوف يرضى عنه الشعب، وأنه يجب ألا يزور أمريكا قط إلا إذا تأكدنا من أن الرئيس الأمريكي سوف يتعامل معه بندية، وبشكل يليق بكرامة مصر ومكانتها، وأنه يجب أن يتحدث باللغة العربية وحدها مع أي رئيس أجنبي، ومع أي وسيلة إعلامية. المحاكمة السياسية لمبارك وأعوانه سوف تعلم الرؤساء القادمين كيف يحترمون كرامة مصر واستقلالها، وأن يصنعوا قراراتهم انطلاقاً من الإرادة الوطنية، وأن يحتموا بشعبهم ولا يعتمدون على الحماية الأمريكية. المحاكمة السياسية لمبارك سوف تعلم الرؤساء القادمين أن من يفرط في استقلال مصر وكرامتها لن يكون مصيره أفضل من مصير مبارك، لذلك فإننا يجب أن نحاكم مبارك وأعوانه حماية لمستقبل مصر واستقلالها. وهذه المحاكمة السياسية يجب أن نقيمها في ميدان التحرير، وتشكل هيئة المحكمة من الرموز الوطنية المصرية، وأن يتم محاكمة كل من تولى السلطة في عهد مبارك، وكل القيادات الإعلامية التي ضللت الجماهير، ونافقت مبارك ولم تدافع عن استقلال مصر، أما مهمة محاكمة مبارك وأعوانه على الأموال التي نهبوها فنتركها للمحاكم العادية لكننا لن نعفوا حتى إن ردوا ما نهبوه من أموال فهي ليست أموالهم ليتنازلوا عنها ولكنها أموالنا التي نهبوها وأفقرونا!

429

| 20 مايو 2011

الدولة الإسلامية.. دعوة لفهم التميز الحضاري

ضلل المستشرقون الكثير من المفكرين العرب، ودفعوهم إلى التفكير باستخدام المرجعية الأوروبية وباستخدام مصطلحات تم انتزاعها من واقع مختلف. الأخطر من ذلك أنه حدث نوع من الارتباك الذي أصاب الكثير من قادة التيار الإسلامي بسبب رغبتهم في تحقيق الوفاق الوطني وبناء الديمقراطية وتحقيق استقرار الدول وزيادة مساحة الاتفاق مع التيارات الأخرى الليبرالية واليسارية. لذلك اتجه الكثير منهم إلى التأكيد على عدم الرغبة في بناء دولة دينية، وأنهم يريدون إقامة دولة مدنية، وشجع هذا الاتجاهات السياسية الأخرى على استغلال أي تصريح للهجوم على التيار الإسلامي بحجة أنه يريد إقامة دولة دينية. ومن الواضح أن حرب المفاهيم والمصطلحات سوف تؤثر بشكل كبير على مستقبلنا السياسي، ولذلك فإنه لابد من تحرير المصطلحات، وإعادتها إلى سياقها التاريخي الذي نشأت فيه، وعدم التفكير بمرجعية أوروبية، ورفض التبعية وعدم الخضوع للاستعمار. ولكي يمكن أن نحقق اتفاقا يجب أن نتحاور على أرضية الاستقلال الوطني، وعلى أساس هدف عام هو بناء دولة حديثة وديمقراطية تحقق النهضة والتقدم والحرية، من على هذه الأرضية يمكن أن نقرأ تاريخنا بشكل صحيح وبرؤية علمية وباحترام لإرادتنا وحريتنا. وعندئذ سنكتشف الكثير من الحقائق التي حاول الاستعمار أن يحجبها عنا ومن أهمها أن الدولة الإسلامية لم تكن دولة ثيوقراطية، كما أنها لم تكن دولة علمانية، ولكنها دولة إسلامية متميزة. وأنا أتحدى أي مؤرخ يثبت لي بأدلة علمية ظهور حالة واحدة للإقطاع في التاريخ الإسلامي، ولقد استخدم مصطلح الإقطاع بعد ثورة 25 يناير في مصر ليشير إلى أصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة في مصر، وكان هذا الاستخدام يشكل خطأ تاريخياً، فالإقطاع الأوروبي كان يمتلك الأرض ومن عليها، أما أصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة في مصر فلم يكونوا يمتلكون سوى الأرض أي أنهم مجرد بورجوازيين أغنياء يعملون بالزراعة. لم يحدث في التاريخ الإسلامي وفي أي منطقة في العالم الإسلامي ظهور الإقطاعي الذي يمتلك الأرض والبشر الذين يعملون عليها، فمصطلح الإقطاعي هو مصطلح خاص بالتاريخ الأوروبي. يضاف إلى ذلك أن أصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة في مصر قبل ثورة 25 قد حصلوا على هذه المساحات في ظل دولة أقرب إلى العلمانية وفي ظل سيطرة الاحتلال البريطاني، وقد حصلوا على هذه الملكيات إما عن طريق الشراء وإما كهبات من خلفاء محمد علي مثل السلطان حسين كامل والملك فؤاد. وبهذا يتضح أن أحد أهم أركان التحالف الذي ظهر في أوروبا والذي شكل الدولة الثيوقراطية لم يظهر أصلاً في الحضارة الإسلامية. الأمر الثاني أنه لم يكن هناك احتكار للمعرفة في الإسلام، وليس هناك كهان أو قساوسة أو رجال دين، والعلماء في الإسلام يقومون بتعليم الناس وينشرون المعرفة كجزء من وظيفتهم المجتمعية، وكل مسلم ينشر المعرفة ويعلم الناس عبادة الله، لذلك يعتبر المجتمع الإسلامي في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أول مجتمع معرفة في التاريخ، ويمكن أن تعتبر المدينة في عهد الرسول جامعة كبرى. ومن هنا تتضح أهمية إشارة ربعي بن عامر في رده على كسرى: جئنا لنخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام. كان ذلك يشير إلى أن هذا المسلم يفهم بشكل جيد الواقع في عصره، وأن الأديان تستخدم في الجور، وأن أباطرة الرومان القياصرة كانوا يستخدمون الدين لتبرير ظلمهم واستبدادهم. لذلك فإن من أهم الإنجازات الحضارية للمسلمين والتي يجب أن يفتخروا بها على البشرية أنهم أسقطوا الإمبراطورية الرومانية بكل ظلمها وقسوتها واستبدادها. لكن استخدام الدين في الجور انتقل من الإمبراطورية الرومانية إلى أوروبا التي تشكل امتدادا حضارياً وتاريخياً لهذه الإمبراطورية، ولذلك تمت صياغة الحياة على أساس الخضوع التام لهذا التحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع، ذلك أن الكنيسة لم تكن تعطي الناس سوى القليل من المعرفة التي تزيد في خضوعهم واستسلامهم لكي يكونوا طيبين ويستحقون الذهاب إلى السماء (الجنة). أما في الإسلام، فكل مسلم يلتزم بأن يتعلم ويعلم طوال حياته، والمعرفة حق لكل إنسان، والدولة ملتزمة بتوفير المعرفة وفرص الحصول عليها لكل إنسان. المجال مفتوح لكل إنسان لكي يتعلم وينقل ما تعلمه إلى غيره، وهو يتاجر ويسافر ويجاهد ويعمل كما يريد في أي مهنة، ولا يستطيع أحد أن يتحكم في حياته. أما الحاكم فإنه يتم اختياره بإرادة الأمة، وهو يعتبر خادماً للأمة، ولم يقل أي حاكم في الإسلام أنه ظل الله على الأرض، أو أن قراره وحي من السماء، فالوحي قد انقطع بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل ما يفعله الحاكم أن يطبق الشريعة ويقيم العدل ويحقق مصالح الأمة. من هذا يتضح أن الدولة الإسلامية دولة متميزة، ويجب أن يتم فهمها في ضوء هذا التميز... وهي بالتأكيد ليست دولة ثيوقراطية، كما أنها ترفض العلمانية والديكتاتورية والشمولية وكل المصطلحات الغربية الغامضة.

551

| 13 مايو 2011

التبعية للغرب والخلط بين المفاهيم!

كان من أخطر نتائج الاستعمار الغربي للوطن العربي أنه فرض علينا أن نفكر بالمفاهيم الغربية بعد أن تم نقلها إلى اللغة العربية عن طريق الترجمة الخاطئة إن افترضنا جدلاً براءة من قاموا بهذه الترجمة. من أخطر هذه المفاهيم تلك التي تتعلق ببناء الدولة والنظام السياسي وطبيعة الحكم، وارتبط ذلك أيضاً بتجاهل المفاهيم الأصيلة في حضارتنا وتاريخنا. لقد شكلت هذه المفاهيم أخطر تجليات الاستعمار الثقافي... فكيف يمكن أن نفكر في الحكم وإقامة الدولة بمنطق الغرب والمصطلحات والمفاهيم التي تحقق مصالحه. من أهم هذه المصطلحات " العلمانية " وهي ترجمة غير صحيحة للمصطلحات الإنجليزية أو secularism أو المصطلح الفرنسي Secularity Laike ، وقد أحسن العلماء في بلاد المغرب العربي صنعاً حين استخدموا المصطلح الفرنسي مباشرة دون ترجمة " اللائكية ". والمصطلح ليس له صلة بالعلم، بل إن الترجمة بهذا الشكل تؤدي إلى التضليل، وتتناقض مع حق شعبنا في المعرفة. لكي نفهم هذا المصطلح لابد أن نقرأ جيداً الواقع التاريخي الذي نشأ فيه، والمشكلة التي ظهرت ليحلها، فبدون فهم هذا الواقع وتلك المشكلة سيظل المصطلح غامضاً ومحيراً ومربكاً ومثيراً للجدل والخلاف، ويستخدم لتحقيق أهداف الغرب والقوى السياسية التي ترتبط به، وإقامة نظم حكم تابعة للغرب وخاضعة له. المصطلح ببساطة ظهر لتقوم على أساسه دولة تختلف عن الدولة الثيوقراطية التي عرفتها أوروبا خلال القرون الوسطى، وليعبر عن انتصار الثورة البورجوازية على التحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع. لذلك ظهر شعار في الثورة الفرنسية يقول: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس" كان الشعار يشير إلى العداء للتحالف المقدس والذي كان يشكل عقبة أمام التطور والنهضة، ولأن البورجوازيين كانوا قد نجحوا في تكوين ثروات من التجارة مع الشرق، وانتشروا في البلاد الأوروبية ينشرون بعض الأفكار الجديدة، وقد استغلوا اختراع المطبعة في نشر بعض الكتب التي تتحدى احتكار الكنيسة للمعرفة. قام البورجوازيون أيضاً بتشجيع بعض العلماء الذين أنتجوا أفكاراً جديدة تتناقض مع الأفكار التي كانت تحتكرها الكنيسة، ولذلك قامت الدول الأوروبية بمطاردة هؤلاء العلماء، وقتل بعضهم، لذلك فإن المفهوم يشير مباشرة إلى تحطيم التحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع، اتخذ ذلك أشكالاً مختلفة، ففي انجلترا تم التوافق على بقاء الملك، وأن يظل الرئيس الأعلى للكنيسة، بشرط أن يملك ولا يحكم، وأن يترك الحكم للبرلمان والحكومة والقضاء. وفي فرنسا تم تحويل الحكم إلى جمهورية، تم تحولت إلى إمبراطورية ثم عادت جمهورية. وكل الدول الأوروبية حاولت أن تقيد الملكية وتتحول إلى جمهوريات، وتركت الكنيسة تمارس دورها الديني بشرط ألا تتدخل في شؤون الحكم. لكن ذلك لا يمنع من استغلال الدين لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، فعندما أرادت فرنسا أن تحتل الجزائر استخدمت الذين المسيحي لتعبئة الشعب الفرنسي، وإثارة عواطف الجنود، وإقناع الدول الأوروبية بتأييد عدوانها على الجزائر. وهكذا فعلت إيطاليا خلال عدوانها على ليبيا، كما فتح الإنجليز المجال أمام المبشرين في إفريقيا، وحدث نوع من التوافق بين انجلترا وفرنسا على تنصير جنوب السودان، والتأييد المستمر لإثيوبيا. وفي الوقت نفسه كانت المشاعر الدينية المسيحية واضحة في بناء الدولة الأمريكية الحديثة، وهذا يعني أن المصطلح الذي تم ترجمته خطا بالعلمانية كان المقصود به هو إنهاء حالة التحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع.. لكن ذلك لا ينفي إمكانية استغلال الدين لتحقيق أهداف الدولة. ودراسة تاريخ أوروبا وأمريكا توضح أنها قد نجحت في إقامة نظم حكم حديثة وديمقراطية، لكن الدين ظل يلعب دوراً مهما في توفير عوامل الارتباط والوحدة بين هذه الدول، وفي تحقيق أهداف سياستها الخارجية. على سبيل المثال فإن الاتحاد الأوروبي يوصف بأنه ناد للدول المسيحية، ولذلك ترفض هذه الدول دخول تركيا إلى هذا الاتحاد. يوضح تاريخ المصطلح أيضاً أنه قد استخدم لإبعاد الإسلام تحديداً ومحاربة رموزه وبلغ ذلك حدود العداء للإسلام خاصة في تركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم وفي تونس في عهد ابن علي. لذلك فإن المصطلح في أوروبا وأمريكا لا يستخدم بهدف العداء للدين المسيحي، وفي الوقت الذي تم فرضه على بعض الدول بهدف العداء للإسلام. يوضح ذلك أن استخدام مصطلح العلمانية بهذا الشكل يهدف للتضليل، ولإعطاء الانطباع بارتباطه بالعلم وإقامة دولة حديثة... ويتم تعريفه بالفصل بين الدين والدولة، وهذا أيضاً يشكل تزييفاً ذلك أنه نشأ ليصف الحركة المعادية للتحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع، وهو دلالة على واقع أوروبي، وانتزاعه من هذا السياق واستخدامه في واقع مغاير هو عملية تضليل وتزوير وتزييف. كما أنه أخطر تجليات الاستعمار الثقافي، وهو يمكن أن يشكل عقبة أمام التطور الديمقراطي في الوطن العربي.

2206

| 06 مايو 2011

محاكمة النظام الإعلامي المصري.. ضرورة وطنية

لكي نقيم نظاماً إعلامياً يليق بمصر وبدورها الحضاري والعربي والإنساني يجب أن نحاكم النظام الإعلامي الذي أقامه نظام مبارك الاستبدادي. وهذه المحاكمة يجب أن تقوم على دراسة علمية تصف الواقع وتفسر النتائج، فالعلم يجب أن يشكل أساسا لبناء المستقبل الذي يمكن أن يتم بناؤه على أسس صحيحة دون دراسة حقيقية للماضي. ومحاكمة النظام الإعلامي المصري يجب أن تنطلق من أن الفساد لا يقتصر فقط على نهب أموال مصر بواسطة السلطة ورجال الأعمال الذين ارتبطوا بها، لكن مفهوم الفساد يتجاوز ذلك ليشمل الفساد السياسي مثل تزوير الانتخابات وإفساد الحياة السياسية وتضليل الشعب وتزييف وعيه وإخضاعه للاستبداد وتبرير قرارات السلطة والترويج لها، وتصنيع صورة زائفة لنظام حكم فاسد. وهنا يظهر دور وسائل الإعلام التي سيطرت عليها السلطة واستخدمتها طوال ثلاثين عاما للسيطرة ثقافيا وإعلاميا على الشعب، والتحكم في المعلومات والمعرفة التي تصل إليه. وأهم ما يمكن أن تكشفه دراسة الواقع الإعلامي المصري أن السلطة أضعفت القوة الإعلامية لمصر، ففي الوقت الذي تكافح فيه كل دولة لزيادة قوتها الإعلامية، وزيادة عدد وسائلها الإعلامية، وتقوية صناعة المضمون حيث تربط شعبها بثقافتها، وتشبع الاحتياجات الإعلامية والمعرفية لشعبها، إلا أن نظام مبارك كان كل هدفه أن يتحكم في المعلومات والمعرفة التي تصل إلى الجماهير بنفس الأساليب التي استخدمتها السلطات الديكتاتورية خلال الخمسينيات والستينيات دون وعي بالتطورات العالمية في مجال الإعلام، ودون الاهتمام بتأثير التحكم السلطوي على القوة الإعلامية لمصر. هذا يعني أن كل قيد على حرية الإعلام يمكن أن يؤثر سلبيا على القوة الإعلامية للدولة، لذلك فإنه لا يجوز فرض أي قيود قانونية أو سلطوية دون شرعية سياسية واجتماعية لهذه القيود. لكن نظام مبارك فرض على الإعلام الكثير من القيود القانونية والسلطوية دون الاهتمام بدراسة تأثيرها على الدور الثقافي والحضاري لمصر، ودون الاهتمام بشرعية هذه القيود وحاجة المجتمع لها. هذا يعني أن السلطة كانت تفرض هذه القيود لتحقيق مصلحتها الخاصة، ولإخفاء ما ترتكبه من جرائم سياسية واقتصادية، وليس لتحقيق المصالح العامة، بل إن هذه القيود تتناقض مع المصلحة العامة للمجتمع المصري، وتعتبر جريمة في حق مصر، دراسة الواقع الإعلامي المصري توضح أن السلطة أضعفت القوة الإعلامية لمصر عن طريق استخدام وسائل لإعلام لتحقيق مصلحتها في التحكم في تدفق المعلومات للجمهور، وتدفق المعلومات من مصر إلى الخارج. وكان من أهم نتائج التحكم السلطوي في وسائل الإعلام المصرية أن تناقضت مصداقية هذه الوسائل، ولم تعد تشكل مصدرا للأخبار والمعلومات يعتد به، أو تعتمد الجماهير عليه لذلك انصرفت الجماهير في مصر إلى وسائل إعلامية غير مصرية لمتابعة الأحداث حتى تلك الأحداث التي تحدث في مصر. وتوضح دراسة تغطية وسائل الإعلام المصرية لثورة 25 يناير مدى ضعف هذه الوسائل، وأن السيطرة السلطوية قد شلت قدراتها المهنية، فهذه الأحداث لا يمكن لأي وسيلة إعلامية تريد أن تنجح في جذب الجمهور أن يتجاهلها. لكن وسائل الإعلام المصرية تجاهلت أحداث الثورة لفترة طويلة، وركزت قنوات التلفزيون الرسمية على مظاهرات ميدان مصطفى محمود المؤيدة لمبارك، وتجاهلت المظاهرات المليونية في ميدان التحرير التي تطالب بإسقاط النظام، كما وجهت الكاميرا إلى نهر النيل بهدف إعطاء الانطباع بعدم وجود أي أحداث. وأسلوب تجاهل الحدث يشير إلى تخلف الذين يديرون وسائل الإعلام المصرية، وعدم إدراكهم للتطورات الاتصالية العالمية.. فكل ما حدث هو أن الجماهير المصرية قد اعتمدت على قنوات غير مصرية أهمها الجزيرة التي ازداد نجاحها بشكل كبير وشجعها هذا النجاح إنشاء قناة الجزيرة مباشر مصر. لذلك فإن مصر تحتاج إلى محاكمة نظامها الإعلامي، وكل من قادوا بإدارته، وإضعاف مصر إعلاميا، وذلك كخطوة مهمة لإقامة نظام إعلامي جديد يحقق القوة الإعلامية لمصر، وتتناسب مع دورها الحضاري والثقافي.

414

| 29 أبريل 2011

الدولة الدينية ومحاكم التفتيش

تعتبر دولة فرديناند وإيزابيلا نموذجاً للدولة الدينية لكنها تتميز عن معظم الدول الدينية في أوروبا بالتطرف والرغبة في فرض الدين المسيحي على البشرية قهراً، واستخدام كل الوسائل لتحقيق أهدافها دون الاهتمام بشرعية هذه الوسائل. ولقد استغل فرديناند وإيزابيلا الخلافات بين ملوك الطوائف في الأندلس، وعقدا تحالفات مع بعض هؤلاء الملوك أدت إلى إضعافهم جميعاً، وانتهت بالاستيلاء على الأندلس، وإنهاء عصر الحضارة الإسلامية الزاهرة. رغم هذا الانتصار الحاسم إلا أن فرديناند وإيزابيلا كان يشعران بالدونية أمام الحضارة الإسلامية، وهذا يفسر سلوكهما العدائي نحو هذه الحضارة ورغبتهما في تدمير شواهدها. ورغم التسامح الديني الذي تعامل به المسلمون مع المسيحيين إلا أن فرديناند وإيزابيلا تعاملا بمنتهى القسوة والوحشية مع المسلمين حيث فرضا على المسلمين خياراً مرا هو إما القتل أو التنصير.. وقد اختار مئات الألوف من المسلمين الشهادة، لكن عدداً كبيراً أيضا اختاروا أن يعلنوا اعتناق المسيحية بينما كانوا يضمرون التوحيد وأن يخفوا إسلامهم حفاظاً على حياتهم، لكنهم لم ينجحوا في ذلك فاكتشف البوليس السري الذي كان يتبع الكنيسة أن الكثير من المسلمين يعبدون الله سراً. لذلك فقد أقام القساوسة داخل الكنائس سجوناً سرية يتم فيها ممارسة أبشع أنواع التعذيب وقهر الإرادة الإنسانية، فإذا ثبت بعد التعذيب أن هذا الإنسان مازال في عقله وقلبه بعض الأفكار الإسلامية خاصة عن التوحيد فإنه يتم إعدامه. وقد أعدمت محاكم التفتيش الرهيبة مئات الألوف من المسلمين حتى تم إنهاء الوجود الإسلامي بشكل كامل من الأندلس. بعد أن نجحت محاكم التفتيش في القضاء على المسلمين، اتجهت للقضاء على اليهود الذين كانوا قد عاشوا لفترة طويلة تحت الحكم الإسلامي، فم يجد اليهود أمامهم سوى الهجرة إلى المغرب ثم إلى الدولة العثمانية وليساهموا بعد ذلك في إسقاطها. دراسة نموذج إسبانيا بعد الاستيلاء على الأندلس وإنهاء عصر الحضارة الإسلامية يوضح خصائص الدولة الدينية الأوروبية، وأهمها: 1- رفض الآخر والإصرار على نفيه ومنع وجوده، ولتحقيق ذلك فإنها تمارس الاضطهاد والقمع، ويمارس القساوسة دور القضاة والتنفيذ. 2- تحول الفرسان الذين حاربوا لإنهاء الوجود الإسلامي وإقامة الدولة إلى إقطاعيين يمتلكون مساحات شاسعة من الأراضي، وقد أداروا الدولة بعقلية شبه عسكرية، وربما يكون ذلك هو السبب في ظهور مفهوم الدولة المدنية وخلطه بمفهوم الدولة اللادينية أو العلمانية، وقد أسهم هؤلاء الإقطاعيون في عمليات التجسس والبحث عن المسلمين الذين يخفون إسلامهم وتسلميهم إلى محاكم التفتيش. 3- هناك بعض الأدلة الضعيفة على أن بعض المسيحيين الذين كان لهم بعض الأفكار المعارضة لسلطان الكنيسة والإقطاع قد تعرضوا للاضطهاد على يد محاكم التفتيش، كما تعرض للاضطهاد أيضاً الذين توصلوا إلى نتائج علمية تتناقض مع المعرفة التي تحتكرها الكنيسة. 4- تم إحراق الكثير من الكتب العربية، ولكن نجح بعض المسيحيين في نقل بعض هذه الكتب إلى بلاد أوروبية أخرى، وقد شكلت هذه الكتب أساساً للتطور العلمي والصناعي والسياسي فيما بعد. 5- الهدف الأعلى للدولة هو هدف ديني وبالتحديد هو نشر المسيحية وفرضها على العالم، دون الاهتمام بأي أهداف أخرى، حيث عملت الدولة، لتحقيق هدف واحد هو تحرير قبر المسيح من الكفار (المسلمين)، ولذلك جاءت الكشوف الجغرافية لجمع الذهب اللازم لتمويل الحملة. ويعتبر الملك هو راعي الكنيسة الأعلى ويستمد شرعيته منها وقراراته تعتبر إلهية باعتباره ظل الله على الأرض. 6- لا تهتم الدولة بحياة الناس العاديين حتى عندما يصبحون جنوداً يحاربون من أجل تحقيق الهدف الأعلى للدولة وهو نشر المسيحية. 7- إن ترجمة مفهوم الثيوقراطية إلى الدولة الدينية ليست ترجمة صحيحة، فالثيوقراطية مفهوم محدد ينطبق فقط على الدول التي سادت في أوروبا في العصور الوسطى، وهي دولة إلهية المصدر يحكم فيها الملك باعتباره ظل الله على الأرض ويتحالف مع الكنيسة التي تحتكر المعرفة والإقطاعيين الذين يملكون الأرض ومن عليها.

1151

| 22 أبريل 2011

الحروب الصليبية وسقوط الدولة الدينية

قدمنا في مقال سابق صورة الدولة الدينية في أوروبا خلال القرون الوسطى والتي قامت على أساس التحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع ، وفي ظل هذه الدولة عاشت أوروبا في ظلام الجهل والطغيان ... وكان الناس مجرد عبيد للملك والإقطاعيين . وعندما اشتدت المظالم في أوروبا ، وتناحر الإقطاعيون نتيجة تناقص إمكانيات الحصول على إقطاعيات ، كما اشتد العداء بين ملوك أوروبا الذين كانوا كلهم يحكمون باسم الرب ، وكان كل ملك يريد أن يحكم وحده باعتباره ظل الله على الأرض . لذلك تقدم البابا إربان الثاني ليقدم لأوروبا الحل في صيحة أنقذوا الديار المقدسة ، وقبر المسيح من الكفار ويعني بذلك المسلمين . ساهم الملوك والإقطاعيون في نشر الدعوة بسرعة ليجمعوا الجيوش ، ويعينوا عليها الفرسان الساخطين الذين كانوا يريدون الحصول على إقطاعيات ، فإن انتصر هؤلاء الفرسان فيمكن أن يحصلوا على إقطاعيات في الشرق الساحر الغامض ، وإن ماتوا تخلص الإقطاعيون القدامى من معارضتهم وسخطهم . أما الناس فقد وجدوا في تلك الحروب فرصة للتحرر من العبودية للإقطاعيين أو الموت ، فالقساوسة أخبروهم بأن كل من يموت في هذه الحرب يذهب إلى السماء (الجنة ) ... ولأنهم لا يمتلكون ثمن صكوك الغفران ، ويعيشون حياة ذليلة الموت أفضل كثيراً منها فقد تجمعوا بسرعة في هذه الجيوش الذاهبة لتحرير قبر المسيح من الكفار المسلمين !!. هكذا خلت أوروبا للملوك وللإقطاعيين الكبار ليرتكبوا كل الآثام ، ويمارسوا كل أنواع الظلم ، في غياب الفرسان المعارضين الذين ذهبوا يحررون قبر المسيح ، وتركوا زوجاتهم بعد أن ألبسوهن أحزمة العفة . ولقد جاءت الجيوش الصليبية في فترة تمزقت فيها الدولة الإسلامية فاستطاعت أن تحقق انتصارات سريعة أثارت أشواق ملوك أوروبا وفرسانها للحاق بهذه الجيوش لتحقيق هدف معلن هو إرضاء الرب وأهداف أخرى دنيوية هي توسيع الممالك والإقطاعيات وتفويت الفرصة على الملوك الآخرين حتى لا يحصلوا على مجد النصر دونهم . وبالرغم من ضعف الدولة الإسلامية في هذه الفترة وتمزقها إلا أن الجنود الصليبيين العاديين اكتشفوا أفكاراً جديدة تختلف بشكل كبير عن الأفكار التي كانت سائدة في أوروبا في ذلك الوقت . ربما يكون أهم ما اكتشفوه أن المسلمين حتى في حالة الضعف يحرصون على إقامة العدل ، وأن المسلمين ليسوا عبيداً للملوك والإقطاعيين ، وأن هناك مساواة بين المسلمين . إن من يقرأ كتاب أسامة بن منقذ " الاعتبار " يمكن أن يكتشف التحول الذي طرأ على حياة الجنود الصليبيين ، وكيف أن الجندي الصليبي كان جلفاً جاهلاً لا يعرف شيئاً عن الحياة الإنسانية ، ولذلك فإن الكثير من الجنود الصليبيين كانوا يتمنون أن يقوم المسلمون بأسرهم لأن المسلمين يقدمون طعاماً طيباً لأسراهم ، ويعاملونهم بشكل أفضل من معاملة قادتهم من النبلاء الإقطاعيين . وكان الجندي الصليبي يتمنى أن يجرح في المعركة فيأخذه المسلمون ليقوموا بعلاجه في مشافيهم ، فأوروبا لم تكن تعرف المستشفيات وكان الجندي الصليبي يصيبه الحزن عندما يشفى فيخرجه المسلمون من المستشفى لأنه كان يحصل على طعام نظيف وطيب ، وهو يحصل على نفس الطعام الذي يأكله المسلمون ، والذي لا يختلف كثيراً عن الطعام الذي يأكله الأمراء والقادة المسلمون . ففي الجيوش الصليبية لم يكن الجندي يحصل إلا على الجوع والبؤس والقهر وضرب السياط ، بينما يقدم الطعام الفاخر للقادة النبلاء الذين تجري في عروقهم الدماء الزرقاء ، والذين هم سادة بحكم الميلاد لا بحكم الكفاءة والمميزات الشخصية ، فالقائد يحصل على كل شيء بحكم وضعه الاجتماعي وبإرادة الملك التي إرادة الله ، أما الجندي فإنه جاء ليموت ، فإذا تحقق النصر فالفضل للسادة النبلاء وليس له من الأمر شيء ... كل ما يمكن أن يحصل عليه هو أنه سيذهب إلى السماء طبقاً لوعد القسيس . في ضوء ذلك يمكن أن نفهم تطورات الصراع الصليبي الإسلامي ، حيث لم يكن الصراع مجرد حرب تحسمها الجيوش والأسلحة . فبالرغم من أن المسلمين قد انهزموا عسكرياً في الكثير من المعارك ، ومن أهمها معركة القدس التي قتل خلالها الصليبيون 70 ألفا من المسلمين حتى خاضت الخيل في بحار الدماء التي وصلت إلى ركب الخيول ، إلا أن المسلمين انتصروا حضارياً . وكان هذا الانتصار الحضاري أساسا ًللنصر العسكري الذي تحقق بعد ذلك على يد صلاح الدين في حطين ، ثم في معارك أخرى أهمها معركة المنصورة . كانت أهم نتائج هذا الصراع الطويل أن جنود الصليبيين عادوا إلى أوروبا بأفكار جديدة عن الحرية والعدل والمساواة والحقوق تعلموها من المسلمين ، وكانت أهم عوامل هدم الدولة الدينية في أوروبا . كانت أهم نتائج هذا الصراع أن الجنود الصليبيين حصلوا من المسلمين على المعرفة التي حرموا منها في أوروبا ولم تعد الكنيسة قادرة على احتكار المعرفة ، لذلك كان من الطبيعي أن تسقط الدولة الدينية الأوروبية .

877

| 15 أبريل 2011

الدولة الدينية والتضليل الإعلامي

لكي نحافظ على النتائج المهمة التي حققتها ثورة مصر لابد أن نعمل على توعية شعوبنا وحمايتها من الذين يحاولون تزييف وعيها... ولقد قامت وسائل الإعلام في مصر بعد الثورة بحملة لتخويف الناس من أن الدولة الدينية قادمة، وأنها تشكل خطراً على المجتمع وعلى الديمقراطية. وهذه الحملة ليست جديدة، لكنها تشكل استمراراً للأسلوب الذي اتبعته وسائل الإعلام لصالح الاستبداد، ولوضع الشعب أمام خيار واحد هو إما استمرار الحكام الفاسدين المستبدين الطغاة أو الدولة الدينية. ومازال يتم الاستعانة بالوجوه نفسها التي شاركت لفترة طويلة في تغييب وعي الناس، وتبرير تقييد الديمقراطية بحجة الحرب ضد الإرهاب. وعندما تدرس خطابهم فإنك ستكتشف قدراً كبيراً من الجهل المغلف بمصطلحات غامضة وغريبة عن حضارتنا تعطي انطباعا بأن المتحدث مثقف أو خبير في السياسة والديمقراطية. وأخطر تلك المصطلحات الدولة الدينية. فظاهر المصطلح يشير إلى ارتباط تلك الدولة بالدين، وأن كل دولة ترتبط بالدين هي بالضرورة معادية للديمقراطية والحريات. والذين يرددون ذلك المصطلح ويحاولون تنفير الناس منه يمكن تقسيمهم إلى نوعين: قلة تعرف وتحاول أن تضلل وتزيف وتزور باستخدام أساليب الحزب الوطني، وكثرة تجهل وتردد مقولات لا تعرف لها أصلاً، وقد يكون بعضهم بعيداً عن الدين بقدر ما. ولكي نكتشف الحقيقة لابد من تحرير المصطلح والعودة إلى أصوله وجذوره وكيفية نشأته، فالدولة الدينية مصطلح مرتبط بتجربة تاريخية أوروبية، وهو عنوان لحالة سياسية واجتماعية مرتبطة بزمان ومكان، ولا يمكن أن ينطبق على غير تلك الحالة، والذين يرددونه يعتدون على التاريخ باستخدامه في سياق مغاير وبهدف التزييف والتضليل. ولكي نعرف المفهوم لابد أن نعود إلى أصوله، فهو يصف حالة التحالف الذي نشأ في أوروبا بين ثلاثة قوى هي: الملك الذي يحكم باعتباره ظل الله على الأرض، وكل قراراته تعتبر إلهية لا يجوز مناقشتها، ويجب أن يخضع الجميع لها، والملك إنما يتم توريثه باعتبار أن ذلك التوريث هو إرادة إلهية، ولذلك سار في أوروبا نوع من الخضوع التام للملك وورثته، ذلك أن أي اعتراض على قرارات الملك هو كفر، أما القوة الثانية فهي قوة الكنيسة، وهي تتمتع باحتكار كامل للمعرفة، فالكتب في الأديرة، ومن يريد الإطلاع عليها لابد أن يندرج في سلك الكهنوت، وأن يكون له مواصفات معينة، والكنيسة هي التي تتوالي هداية رعاياها وإعطائهم ما ترى أنه يناسبهم من معرفة ويكفيهم ليكونوا عباداً صالحين يخضعون للملك ويرضون بما قسم لهم الرب، وينتظرون الذهاب إلى السماء، وعليهم أن يدفعوا ثمن صكوك الغفران التي هي طريقهم إلى الجنة. ولقد رأيت في الريف الإنجليزي قصوراً تاريخية أقامها القساوسة بأموال الناس وباستغلالهم وكانوا يعيشون كالملوك في هذه القصور.. وكل ما يمكن أن يحصل عليه المواطن المسكين هو مسحة على الرأس من يد الكاهن أو القسيس تفتح له أبواب البركة، وكان القساوسة يرددون مصطلحات غامضة مثل تلك التي يرددها بعض المثقفين الآن عن الدولة الدينية. أما القوة الثالثة فكانت مجموعة كبيرة من الإقطاعيين النبلاء الذين يشكلون حاشية الملك وأتباعه المخلصين ويقومون بحمايته، وفي مقابل ذلك يعطي الملك لكل منهم منطقة معينة (إقطاعية). كما يعطيه لقباً يجعله ملكاً صغيراً، ومن أهم الألقاب لقب " الدوق " وهذا الإقطاعي يمتلك الأرض ومن عليها من البشر، حيث يصبح كل الذين يعيشون على الأرض عبيداً أو خدماً لهذا الإقطاعي. ويتضمن الأدب الإنجليزي الكثير من القصص عن ممارسات الإقطاعيين وظلمهم، ومن أهمها أن كل من يتزوج يجب أن يذهب إلى الإقطاعي ليعطي له زوجته ليقضي معها الليلة الأولى، فهي دائماً من حق هذا الإقطاعي.. وهي أيضاً ممارسة مستمدة من تاريخ الملوك الرومانيين، وأتباعهم من كبار قادة الجيوش، وهناك الكثير من الأفلام التي صورت المآسي الناتجة عن استغلال الإقطاعيين وجشعهم وتكديسهم للثروات وعدم خضوعهم لأية قوانين، فالملك فوض لهم سلطاته في أن يفعلوا بالناس ما يريدون، ويجب أن يخضع الناس لإرادة الإقطاعي باعتبارها إرادة الملك، وتلك مستمدة من إرادة الرب، ولا مجال لمناقشة أو حرية للرأي والتفكير. وكان من الطبيعي أن يعادي هذا التحالف أية أفكار جديدة، وأن يعادي العلم والمعرفة بشكل عام، ولذلك فقد قام هذا التحالف بمطاردة العلماء وسجنهم وتعذيبهم وقتلهم في بعض الأحيان، كما طارد الذين قاموا بإنشاء مطابع لطبع الكتب. لذلك فمن أهم سمات الدولة الدينية احتكار المعرفة ومنع الناس من الحصول عليها باعتبار أنها تشكل خطراً يهدد التحالف بين الملك والكنيسة والإقطاع. يضاف إلى ذلك استغلال المشاعر الدينية، واستخدام الناس لتحقيق أهداف الملوك والإقطاعيين دون الحصول على أية حقوق كما حدث خلال الحروب الصليبية. حيث وجد المواطنون الأوروبيون العاديون في هذه الحروب فرصة للموت في مهمة مقدسة بديلاً عن الموت على أيدي الإقطاعيين، وفرسان الملك الذين تحولوا إلى أمراء حرب يريدون أن يستولوا على مناطق معينة ليصبحوا عليها ملوكاً، أو يحصلون على إقطاعيات. هذه هي صورة الدولة الدينية التي يخوفون الناس منها... ولكن!

355

| 08 أبريل 2011

الثورة المصرية وأضواء المستقبل

دراسة الثورة المصرية يمكن أن تكشف لنا أهم أركان المستقبل ، فإذا كانت الثورة الفرنسية تشكل بداية للنهضة الأوربية والتقدم الغربي فإن الثورة المصرية بلا شك ستشكل بداية لنهضة عربية شاملة التغيير على المستوى العالمي . وثورة مصر ستنشر أضواءها على كل المستضعفين في العالم و تحفزهم على الكفاح لانتزاع حريتهم و استقلالهم . وهذه الثورة تثبت أن الكفاح السلمي يمكن أن يحقق للشعوب أهدافها في إسقاط الاستبداد و التحرر من الظلم , فلقد كان هناك إصرار على الالتزام بالأسلوب السلمي الذي يعني التعبير عن الرأي العام بعدد من الوسائل أهمها المظاهرات . والسلطة هي التي استخدمت العنف ضد الشعب فاستخدمت أجهزة أمنها التي أنفقت على تسليحها و تدريبها ثروات الدولة , فكانت لهذه الأجهزة من القوة ما يثير الرعب و الخوف في نفوس الملايين من شعب مصر .. و قد استخدمت هذه الأجهزة قوتها بغرور واستعلاء و بلا رحمة . لكن الشعب أصر على الاستمرار في كفاحه السلمي ، و تقدم رجل مصري بصدره العاري فأطلق جهاز الأمن الرصاص على صدره ليرتفع شهيداً ،و ليقدم لنا مثلاً على التضحية بالنفس دفاعا عن حرية الوطن . كان المشهد يثير الخيال و يكشف المستقبل فالشعب يخرج مسلحاً بالإرادة و الإصرار متحدياً أجهزة أمن تمتلك قوة تفوق الخيال . وكانت النتيجة أن إرادة الشعب هي التي انتصرت ، وأن هذه الأجهزة الأمنية بكل قوتها انسحبت بعد أن دمرت مقراتها ، وأحرقت وثائقها وخانت الحاكم الظالم الذي حول قادتها إلى سادة للشعب ،وأعطاهم السلطات التي استخدموها في قهر الشعب . لذلك فإن أهم دروس الثورة المصرية لشعوب العالم المستضعفة أن الشعوب بكفاحها السلمي تمتلك القوة الإنسانية والمعنوية و الحضارية ، وهذه القوة تكفي لهزيمة قوى الاستبداد والطغيان وأن الحرية تستحق التضحية من أجلها . ونجاح الثورة المصرية سوف يلهم كل شعوب العالم المقهورة لتثور ضد حكامها المستبدين الطغاة .. وهذا ما حدث في اليمن و ليبيا و العراق وسوريا والأردن . هذا يعني أن نجاح الثورة المصرية لا يشكل انتصارا للشعب المصري وحده ،و لكنه يشكل انتصارا للحرية و الأحرار ضد الاستبداد و الطغيان ، وانتصارا لكل الشعوب العربية ضد الحكام الذين تجاهلوا شعوبهم لعقود طويلة . ونجاح الثورة المصرية كسر حاجز الخوف فأجهزة الأمن التي كانت تثير الرعب بقوتها ظهر ضعفها في مواجهة الشعوب, فإذا كانت أجهزة الأمن المصرية التي يبلغ عدد أفرادها أكثر من مليون جندي ،ويزيد عددها عن ضعف عدد الجيش قد انهزمت فما بالك بأجهزة امن الدولة العربية الأخرى . لذلك فإن الحاكم الذي يعتمد على هذه الأجهزة لقهر شعبه لابد أن يدرك أن ضعفه يمكن فيما يعتقد أنه أهم مصادر قوته . و أن الحاكم الذكي هو الذي يحتمي شعبه ، و يدرك أنه مجرد أجير لدى هذا الشعب . والثورات قادمة في كل مكان ، والحرية ثمنها دماء الشهداء والجرحى ,لكنها بكل تأكيد تستحق كل التضحيات فهي أساس بناء الحضارات وعندما تنتزع الشعوب العربية حريتها عن طريق الثورات فانها ستصنع النهضة و التقدم , وسيعود للحضارة العربية مجدها . والأحرار هم الذين يصنعون التقدم , فالحرية تفجر الطاقات الإنسانية والقدرات الإبداعية و تزيد الهمة و الإصرار عل تحقيق الأهداف و تجعل الإنسان يثق في قدراته . لذلك فإن نجاح ثورة مصر سيشكل بداية للتقدم في الوطن العربي , وهي حقيقة لابد من أن نشحذ بصيرتنا لنراها بوضوح . والشعوب التي تنتفض ضد الاستبداد و تثور لانتزاع حريتها ستواصل ثورتها ضد التخلف والفقر , والنواب الذين ستنتخبهم الشعوب لابد أن يقدموا لمن انتخبوهم كل جهدهم ليضمنوا أن يأتوا مرة أخرى للبرلمان , و لذلك سيراقبون الحكومات , و يرغمونها على تنفيذ مشروعات كبرى لتحقيق تقدم الدول , وحماية الحريات و الحقوق والقضاء على البطالة ,و إتاحة الفرص للمشروعات الصغيرة التي تقدم إنتاجا حقيقيا . ووسائل الإعلام الحرة سوف تشارك في مراقبة الرئيس والحكومة وأعضاء البرلمان ، وستدير المناقشات الحرة بين كل الاتجاهات لتوفر للشعب إمكانيات الحكم الصحيح على الوزراء والنواب والشخصيات العامة . وعندما يعمل الحكام والنواب وهم يخافون من شعوبهم ، ويدركون أنهم جاءوا إلى مناصبهم بإرادة هذه الشعوب التي تستطيع أن تعزلهم وتحاكمهم فإنهم سيستخدمون كل قدراتهم الإبداعية لخدمة هذه الشعوب . لذلك فإن الحرية ستفجر طاقات الجميع لبناء مستقبل أفضل لهذا الوطن ، والأحرار سيحررون الأوطان من التبعية والاستعمار ، وعندما يدرك الجميع جمال الحرية سيدافعون عنها بكل قوة ويضحون من أجلها . وفي ضوء تلك الحقيقة يمكن أن نرى ببصيرتنا أهم ملامح المستقبل .

499

| 01 أبريل 2011

سقوط كنوز إسرائيل الإستراتيجية!!

كنز إسرائيل الاستراتيجي وصف أطلقه ليبرمان على حسني مبارك، وهو يصور العلاقة القوية التي ربطت مبارك بإسرائيل حتى تحول إلى وسيلة لحماية أمنها. ويرتبط هذا الوصف بما قاله أحد أهم أركان نظام مبارك وهو مصطفى الفقي من أنه لا يمكن وصول أحد إلى رئاسة الجمهورية في مصر إلا إذا وافقت عليه إسرائيل وأمريكا. لكن الحقيقة أن مبارك لم يكن وحده الكنز الاستراتيجي لإسرائيل، وإن كان أهم الكنوز وأكثرها فائدة وفاعلية، فكل المستبدين العرب كانوا كنوزاً إستراتيجية لإسرائيل والاختلاف فقط كان في الأهمية والقيمة. لذلك فإن إسقاط الشعب المصري لحسني مبارك ونظامه يشكل أخطر ضربة تعرضت لها إسرائيل في تاريخها. وسيكون لذلك السقوط الكثير من الآثار على مستقبل إسرائيل في المنطقة. وربما يكون من أهم تلك الآثار سقوط الربط بين رضاء إسرائيل وحماية الحكام العرب واستمرار ملكهم، فرغم حب إسرائيل لمبارك باعتباره كنزها الاستراتيجي، وحرص أمريكا على بقائه أو توريث الحكم لابنه إلا أن شعب مصر نجح في إسقاطه. وربما تكون تلك العلاقة الخاصة جداً بين إسرائيل ومبارك من أهم العوامل التي أدت إلى زيادة سخط الشعب المصري عليه، وأن يكون الهتاف المتفق عليه بين الثوار هو إسقاطه. كما كان من بين أهم الهتافات التي ترددت: كلموه بالعبري لأنه لا يفهم عربي، وتل أبيب في انتظارك. وهذا يعني أنه لا يمكن أن يبني رئيس في الوطن العربي مستقبله على أساس الارتباط بإسرائيل، فهذا الارتباط سيكون أهم عوامل السقوط، والرئيس الذي يرضي إسرائيل يغضب شعبه وسوف يسقط لأن الشعوب عرفت الطريق إلى ميادين التحرير، وعرفت كيف تعبر عن إرادتها وهي تريد حكاماً يعبرون عن استقلال دولهم وإرادة شعوبهم ويرفضون التبعية والخضوع لأمريكا وإسرائيل. تلك هي أهم الحقائق التي يجب أن يدركها الحكام العرب فاستمرارهم في السلطة يرتبط بإرادة شعوبهم وليس بإرادة أمريكا وإسرائيل. يضاف إلى ذلك أن إسرائيل لم تستطع أن تحمي كنوزها الإستراتيجية وأهمهم حسني مبارك، وأنه رغم قوة شبكات التجسس والعملاء والمنتشرين في أجهزة السلطة لم تستطع أن تتوقع ثورات الشعوب العربية وأهمها ثورة الشعب المصري، ولم تستطع أن تفعل شيئاً لحماية حسني مبارك رغم أن أهميته لا تتوقف عن حد الفوائد المادية التي حصلت عليها، وأهمها مئات المليارات من الدولارات نتيجة بيع الغاز. فأهمية حسني مبارك لإسرائيل تتجاوز بكثير المكاسب المادية فهو الذي وفر لإسرائيل إمكانات العلو والاستكبار في المنطقة وقهر الشعوب العربية وإحكام الحصار على غزة الصابرة، ومنع الشعوب العربية من مساعدة الشعب الفلسطيني على صد العدوان على غزة. وربما يكون أهم المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل أن حسني مبارك قد أجبر وسائل الإعلام المصرية على تجاهل القضية الفلسطينية ومعاناة الفلسطينيين مما أدى إلى تراجع أهمية القضية الفلسطينية رغم كل ذلك فإن حسني مبارك ليس الكنز الاستراتيجي الوحيد، فهناك بن علي الذي فتح تونس الجميلة لتصبح منتجعاً لليهود، وحارب الإسلام بقسوة بهدف تغييب الهوية العربية الإسلامية لتونس. وهناك أيضاً القذافي الذي خلق الكثير من المشاكل التي تهدف إلى صرف انتباه العرب عن القضية الفلسطينية، ودمر ثروات الشعب الليبي لتظل ليبيا التي تمتلك الكثير من الاحتياجات النفطية دولة متخلفة وفقيرة، ولا تساهم في النهضة العربية. كما أنفق القذافي ثروات ليبيا على أنظمة الحكم المستبدة في إفريقيا، والتي ترتبط بعلاقات قوية مع أمريكا وإسرائيل. كما أنه أنفق الكثير من ثروات ليبيا على الحصول على أسلحة نووية، ثم قام بتسليمها لأمريكا، والقذافي هو الذي شوه صورة العرب في العالم، وجعل كل الشعوب يسخرون من العرب الذين يرتضون حكاماً من نوعية القذافي. ولذلك فإن إسرائيل تحارب الآن معركتها الأخيرة بمساندة القذافي عن طريق شحن المرتزقة من إفريقيا لإبادة شعب ليبيا. لكن المؤكد أن كنوز إسرائيل الإستراتيجية تتساقط، وأن الشعوب العربية تستمر في ثوراتها لتختار حكامها بإرادتها وليس برضاء إسرائيل وأمريكا، والحكام الذين تختارهم شعوبهم لابد أن يكافحوا لتحقيق الاستقلال الشامل وأن يرضوا شعوبهم بقيادة كفاحها ضد الاستكبار والعدوان والاحتلال الإسرائيلي والأمريكي.

631

| 25 مارس 2011

لماذا يرتبط الفساد بالاستبداد ؟!

أهم الحقائق التي يمكن أن نتوصل لها من دراسة تاريخ النظامين المصري والتونسي أن الفساد دائماً يرتبط بالاستبداد . وإدراك تلك الحقيقة من أهم الأسس التي يجب أن نقيم عليها مستقبلنا ، فالذي يريد الإصلاح يجب أن يقاوم الديكتاتورية ، وأن يكافح لحماية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان . والنظام الاستبدادي يصنع له أنصارا وأعواناً من الفاسدين الذين يعبدون الدنيا بكل ترفها . فيتخلون عن كل معاني الشرف والقيم الأخلاقية ، ولا يهمهم سوى الحصول على الأموال التي تمكنهم من أن يمتعوا أنفسهم ، وأن يحصلوا على كل أنواع اللذة . وهؤلاء الفاسدون المترفون هم أهم أعوان المستبدين في كل العصور ، فهم يعيشون لأنفسهم ويتكبرون على شعوبهم ويسخرون من الشرفاء ويحتقرون الذين يتمسكون بالقيم والأخلاق ويضحون من أجل الوطن . إن أردت دليلاً على صحة ما أقول فأنظر إلى تركيب لجنة السياسات في الحزب الوطني ، وهي تلك اللجنة التي تجمع فيها الفاسدون الذين كان كل هدفهم أن ينقلوا السلطة من حسني مبارك إلى ابنه جمال . ولقد استخدم أعضاء هذه اللجنة كل خبراتهم من أجل تحقيق مشروع التوريث ، وفي مقابل ذلك فقد تم إطلاق أيديهم في ثروات مصر وأراضيها وخيراتها ينهبون منها ما يشاءون ، ويحولون المليارات إلى حسابات سرية في الخارج . وأعضاء تلك اللجنة كانوا يتعاملون باحتقار شديد مع شعب مصر ، حيث يعتبرون أنفسهم السادة بينما كل شعب مصر من العبيد . أخيراً أدرك علاء مبارك تلك الحقيقة حين صاح في أخيه جمال : أنت خربت البلد أنت وأصحابك . لكن ذلك الإدراك جاء متأخراً في اليوم الأخير لعهد ذاق فيه شعب مصر العذاب والإفقار . ولقد ظهرت بعض الحقائق المثيرة عن ثروات رجال الأعمال الذين تمتعوا بالسلطة وبعضوية لجنة السياسات وبالنجومية في وسائل الإعلام وبالحصانة البرلمانية والمناصب التنفيذية . وقدرت ثروة مصر التي نهبها المفسدون بثلاثة تريليونات من الدولارات ، والتريليون أيها السادة هو ألف بليون دولار. والسؤال : ماذا لو تم استخدام هذه الثروة في بناء المصانع والمدن وإصلاح الأرض .. هل كان يمكن أن يكون هناك فقير في مصر . هذه الثروة أيها السادة كان يمكن أن تحقق التقدم ، وأن تحول مصر إلى دولة متقدمة . لقد أطلق النظام الفاسدين ينهبون ثروة مصر ويفقرون أهلها من أجل أن يحقق مشروع التوريث . وكان هؤلاء الفاسدون يستعينون بأجهزة الأمن في تأديب وتخويف وإرهاب كل من تحدثه نفسه بأن يتحداهم أو يكشف فسادهم . وكانت عضوية لجنة السياسات مقصورة على من تتأكد أجهزة الأمن أنه قد فسد حتى لم تعد هناك إمكانية لصحوة ضمير ، وأنه أصبح صاحب مصلحة في توريث جمال مبارك ، وأن مستقبله أصبح يرتبط بهذا المشروع ، وأنه يملك أفكاراً وخبرة يمكن أن يساهم بها في نجاح المشروع . ولكن أجهزة الأمن كانت أيضاً تحتفظ بوثائق تدين كل النجوم الفاسدين ، وتجمع هذه الوثائق في مبنى الحزب الوطني ، حتى يدرك هؤلاء النجوم أن حياتهم ترتبط بهذا النظام . فهل يمكن أن يشكل ذلك تفسيراً لحرق مبنى الحزب الوطني ، ومن هو صاحب المصلحة في حرقه . وهل يشكل ذلك أيضاً تفسيرا لقيام رجال الأعمال بتمويل البلطجية لضرب المتظاهرين ، وقيام الإعلاميين الحكوميين بالدفاع عن النظام حتى آخر لحظة !!.

657

| 11 مارس 2011

بالثورة يصنع العرب مستقبلهم

"الشعب يريد إسقاط النظام" شعار تردده الملايين في شوارع المدن العربية، وهذا الشعار يشكل أهم ملامح المستقبل، وبداية لمرحلة جديدة في تاريخ العرب والعالم. الشعار يعبر عن إرادة شعبية تشكلت منذ زمن طويل، لكنه ظهر في لحظة تاريخية فاصلة ومتميزة. وفهم هذا الشعار يحتاج لقراءة متعمقة لواقع تعرض فيه العرب لعملية قهر من نظمهم الاستبدادية ومن أمريكا وإسرائيل. لذلك فإن هذا الشعار يعبر عن حالة وعي بأن الاستبداد هو أهم العوامل التي شكلت التخلف والتبعية والخضوع لأمريكا وإسرائيل، وأن النظم العربية الضعيفة التابعة هي التي أعطت لأمريكا وإسرائيل الفرصة لإذلال العرب، واحتلال العراق، واستكبار إسرائيل وصلفها وغرورها. من يريد دليلاً على حالة الوعي العربي فلينظر إلى المتظاهرين في المدن العربية من تونس إلى العراق مروراً بمصر واليمن، حيث يمكن أن يكتشف أن معظم المتظاهرين من الشباب الذين حصلوا على قدر من التعليم، وتمكنه من استخدام مكونات ثورة الاتصال. إنهم يرفعون أعلام بلادهم، ويقيمون الصلاة في الميادين في إشارة واضحة على النجاح في الربط بين الأصالة والمعاصرة، وبين الالتزام بالإسلام كهوية وحضارة ودين من ناحية والمطالبة بالديمقراطية والمشاركة السياسية واحترام الوحدة الوطنية. إنك يمكن أن تلاحظ بوضوح أن المشاركين في هذه المظاهرات يتميزون بقدر كبير من الثقافة وأنهم يبدعون في إنتاج الشعارات واللافتات والأغاني والحديث مع وسائل الإعلام، وأنهم يعشقون الحرية. كنت أسير في مظاهرة أساتذة الجامعات وعندما وصلنا إلى بداية شارع قصر العيني نظرت خلفي فرأيت الآلاف من الشباب الذين انضموا إلى المظاهرة، وساروا خلف الأساتذة، وقررت أن أتوقف قليلاً لأسير بين هؤلاء الشباب وأن أتعامل مع نفسي على أنني شاب في العشرين من عمري. دبت الحيوية في جسدي، وهتفت مع الشباب بقوة "الشعب يريد إسقاط النظام". ولاحظت عندما بلغنا ميدان التحرير أن معظم المتظاهرين من الشباب.. وكان ذلك طبيعياً فالنسبة الأكبر من العرب هم من الشباب، في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة كبار السن في الدول الغربية. وهذا يشير إلى أهم ملامح المستقبل، فبينما يصيب العجز والضعف والوهن الحضارة الغربية، تتميز الحضارة العربية بارتفاع نسبة الشباب بما يتميزون به من قوة وحيوية وقدرة على العمل والإنتاج والإبداع والابتكار.. فماذا لو أسقط هؤلاء الشباب النظم الاستبدادية وحققوا الديمقراطية وشاركوا في بناء المستقبل. النظم الاستبدادية العربية استبعدت هؤلاء الشباب، فتعرض معظمهم للبطالة، ولذلك تخلفت الدول العربية لأنها ببساطة لم تستطع استثمار ثروتها البشرية وتوظيف طاقات الشباب في بناء اقتصاد قوي. والنظم الاستبدادية نهبت ثروات الوطن العربي وقام الحكام الفاسدون بتخزين مليارات الدولارات في بنوك أمريكا وأوروبا، لذلك فإن إسقاط هذه النظم يشكل بالنسبة للشباب العرب أملاً في التحرر من القهر والتخلف، وفتح المجال للمشاركة في بناء مستقبل الوطن. وشباب العرب أدرك أن تحرير الوطن من الاستبداد هو مقدمة ضرورية للتحرر من الاستعمار، ومقاومة النهب الغربي للثروات العربية.. لذلك كان الشعار المختصر يلخص مشروعاً حضارياً للتحرر من الاستبداد والاستعمار، وتحقيق النهضة.. فلا يمكن بناء مستقبل العرب دون إسقاط النظم المستبدة الفاسدة. وعندما تسقط النظم سوف ينطلق شباب العرب يبنون نهضة تقوم على اقتصاد يقوم على المعرفة والإنتاج وإقامة المشروعات المتنافسة. سوف ينطلق الشباب ليعمر الأرض ويبني المدن ويزرع ملايين الأفدنة ليحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، وليحقق الاستقلال الشامل. لقد عشت بين الشباب أتعلم منهم فن الثورة وعشق الحرية ومقاومة الاستبداد، وتعاملت مع نفسي على أنني شاب في العشرين، لكنني عندما عدت إلى البيت وجلست أمام التلفزيون تذكرت أنني قد تجاوزت الخمسين، فقررت أن أذهب لميدان التحرير كل يوم جمعة لأشارك في بناء المستقبل.. وصدقوني أن أردتم أن تستعيدوا الشباب فاذهبوا إلى ميدان التحرير فعلى أرضه يتشكل مستقبل العرب. ومن يريد أن يشارك في بناء المستقبل فليصرخ بقوة: الشعب يريد إسقاط النظام.

376

| 04 مارس 2011

ثورة مصر والعدالة الاجتماعية

كانت العدالة الاجتماعية من أهم مطالب الثورة، واقترن هذا المطلب بالحرية... ذلك أن الاستبداد يرتبط دائماً بعدم العدالة في توزيع الثروات، وباستخدام الأموال لشراء الذمم وإفساد المسؤولين، فيزداد الأغنياء غنى نتيجة لارتباطهم بالسلطة بينما يزداد فقر الفقراء. ويرتبط الثراء دائماً باستخدام السلطة، وبالاستكبار على الفقراء واحتقارهم. ولقد تزايد احتقار الأغنياء للفقراء في مصر منذ أن اعتلى مبارك حكم مصر، فحدث التحالف الآثم بين السلطة والثورة، حيث أصبحت السلطة وسيلة لنهب المال العام، في الوقت الذي اشترى فيه الأثرياء المناصب بالمال. كما أصبحت العلاقات بين الأثرياء والمسؤولين الحكوميين وسيلة لتوزيع المغانم وعقد الصفقات والتعيين في المناصب المهمة، وانفصل هؤلاء الأثرياء في تجمعات خاصة بهم، حيث تم إقامة الولائم والحفلات في القصور. وكان شعب مصر يسمع القصص عما يحدث في تلك التجمعات، وعن صور البذخ التي تشيب لهولها رأس الإمبراطور الإثيوبي الأسبق هيلا سلاسي الذي أسقطه فيلم عن البذخ في حفل زواج ابنته. لأنه لو رأى حفلات السادة المليارديرات المصريين في الساحل الشمالي والفورسيزونز وشرم الشيخ فربما فقد عقله. ترى ماذا يمكن أن يحدث لفقراء مصر عندما يستمعون لتلك القصص التي توضح السفه في الإنفاق، وتبديد حكام مصر لثروات الوطن؟ وأصدقاء جمال مبارك كانوا من أهم تلك الشخصيات التي نهبت ثروات الوطن، وربما قاموا بأنفسهم بتسريب القصص عن حفلاتهم لأن هذه القصص تشكل وسيلة لقهر الشعب، وفرض سطوتهم وسلطتهم عليه. وربما كان جمال مبارك يستمتع بقصص فسادهم وبذخهم وسفههم حيث يضمن بذلك أنهم سيعملون بكل قوتهم لتحقيق مشروع التوريث، وأنهم سيحملون حاكمهم المفضل إلى عرش مصر. لم يكن جمال وأصحابه يهمهم تلك الإحصائية التي توصل لها المركز القومي للبحوث والتي تشير إلى أن هناك تسعة ملايين عانس في مصر. ولم يكن يهم آل مبارك بما فيهم الرئيس الاسمي والرئيس الفعلي تلك الإحصاءات العالمية التي تشير إلى أن 40% من شعب مصر يعيشون تحت خط الفقر. وكانت السيدة سوزان تنفق الملايين على مشروعات دعائية لتسويق كوته النساء في مجلس الشعب، بينما تصرخ نساء مصر من ارتفاع أسعار الطماطم والفول والعدس، وأنهن لا يستطعن أن يطعمن أطفالهن. والنظام الذي يديره جمال فعلياً ومبارك الأب اسميا يرى أن سبب مشاكل مصر هو كثرة الإنجاب وزيادة عدد السكان. ويسلط أجهزة أمنه ليقلل من عدد السكان طبقاً لنظرية الشيخ إمام التي تقوم على قتل الجعانين. لكن لم يحاول أحد من كتبة النظام أعضاء لجنة السياسات أن يحذر النظام من نهب الفاسدين لثروات مصر باعتبار أن ذلك يشكل أهم أسباب الفقر والظلم. لذلك من الطبيعي أن ترتبط العدالة الاجتماعية بالحرية في هتافات الثوار. ولقد طبق الثوار بالفعل العدالة الاجتماعية في ميدان التحرير حيث تكافل الناس، ووزع كل ثائر ما يملكه من طعام قليل يتمثل في التمر وكسرات الخبز الناشف. وعاش الثوار في ميدان التحرير على القليل من الطعام الذي آثر كل منهم الآخر على نفسه ليثبتوا للعالم كله أن الشعب المصري يستطيع عندما يتحرر من النظام الاستبدادي، ويتخلص من الفاسدين أن يحقق العدالة الاجتماعية. لقد جربت ذلك بنفسي فأحضرت كمية من الخبز الناشف (البقسماط) وقمت بتوزيعها في ميدان التحرير، وعانيت طويلاً حتى أوزعها لأن معظم الناس كانوا يتعففون مع أنهم جائعون، لكنني كنت أقف في الميدان أحلم مثل جميع أبناء شعب مصر بالحرية والعدالة الاجتماعية.

403

| 25 فبراير 2011

alsharq
غدًا نرفع الهتاف لمصر الفؤاد

غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16...

1737

| 04 يناير 2026

alsharq
العرب يتألقون في إفريقيا

في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...

1257

| 08 يناير 2026

alsharq
«الكشخة» ليست في السعر.. فخ الاستعراض الذي أهلكنا

امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...

1032

| 07 يناير 2026

alsharq
حين لا يكون الوقت في صالح التعليم

في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...

990

| 07 يناير 2026

alsharq
سياحة بلا مرشدين مؤهلين... من يدفع الثمن؟

لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري...

786

| 04 يناير 2026

alsharq
وما زلنا نمرر الشاشة!

يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب...

738

| 05 يناير 2026

alsharq
عند الصباح يحمد القومُ السّرى

عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة...

603

| 04 يناير 2026

alsharq
مشاريع القطريات بين مطرقة التجارة وسندان البلدية

سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...

588

| 08 يناير 2026

540

| 06 يناير 2026

alsharq
السلام كسياسة.. الوساطة هي جوهر الدبلوماسية الحديثة

الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...

534

| 09 يناير 2026

alsharq
أبرز التطورات السياسية في تركيا لعام 2025

كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي...

498

| 05 يناير 2026

alsharq
مجلة الدوحة.. نافذة قطر على الثقافة العربية

بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى...

450

| 06 يناير 2026

أخبار محلية