رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بانتظار طوفان نوح

لا أظن مسلماً مؤمناً لم يبتهج لانتصارات كتائب القسام فجر السبت الفائت.. فإن أضعف الإيمان في مثل هذه المواقف من زمن عربي مسلم متهالك ومتخاذل، هو أن يفرح المسلم لأي إنجاز يكسر شوكة وكبرياء وغطرسة ملة الكفر، التي توحدت وتوحشت، وهذا ما تم قبل أيام ولله الحمد. طوفان الأقصى، اسم سيخلده التاريخ العربي المسلم، وسيكون اسماً بارزاً خالداً لواحدة من معارك المسلمين ضد غطرسة بني صهيون، الذين ما تعملقوا وتوحشت قلوبهم إلا بما كسبت أيدينا، أو بما اقترفناه في حقوق البلاد والعباد من مظالم بين بعضنا البعض، إضافة إلى بُعدٍ أو ابتعاد متدرج بدأ بطيئاً حتى تسارع مؤخراً، عن منهج الله والصراط المستقيم. وبالتالي صارت وحشية بني صهيون والهندوس وبعض عباد الوثن والحجر، كأنما عقوبة إلهية أولية لأمة المسلمين على ما فرطت في دينها ومنهجها الإيماني. لقد تابع الجميع وشاهد كيف صار النفاق واضحاً في أمة المسلمين، وإلى أي مدى من الهوان والذلة وصلتها. وبعد أن كانت أحداث فلسطين تحرك الشارع المسلم من جاكرتا حتى طنجة، انحسرت تدريجياً حتى صارت من صنعاء إلى طنجة.. وعلى هذا المنوال طوال خمسة عقود، حتى تدهور الوضع العربي المسلم فصارت أحداث الأقصى لا تحرك سوى جموع قليلة متناثرة هنا وهناك، وهذا ما لاحظناه في أحداث طوفان الأقصى المستمرة حتى يوم الناس هذا، على عكس ما يحدث مع دولة الاحتلال الصهيوني، والدعم اللامنقطع لها من الغرب وبعض الشرق، دولاً ومؤسسات وأفراد ! الهدف ليس فلسطين لن نخوض في تفاصيل الأحداث، فهي ما زالت جارية ويتابعها العالم ليلاً ونهارا، ولا تتوقف سيل الأفلام والصور والأخبار والتحليلات حولها، لكن الذي لا يمكن تجاوزه هو ذاك النفاق الغربي، السياسي منه والإعلامي، الذي كثيراً ما كان يتستر تحت أغطية وواجهات حقوق الإنسان والحريات والديمقراطيات في الترويج لنفسه كراع للتقدم والتحضر، فإذا هو أساس البلاء المستمر على أهلنا في فلسطين عامة، وغزة بشكل خاص. ذلكم جانب أول في الأحداث. أما الجانب الثاني، فقد تأكد للقاصي والداني، كم هي أمة العرب تحديداً تخسر بارتمائها في أحضان الغرب والشرق، والاستمرار في ظلم نفسها بابتعادها عن دينها ومنهج حياتها. فلا الارتماء في أحضان المعسكرات الغربية أفادتها، ولن يكون كذلك التطبيع مع عدو يعترف بعداوته لك، يفيدها. كما أنه لن يكون إظهار التحضر للعالم، عبر الانسلاخ من الدين وقيمه وحضارته، طريقاً للقبول في أنديتهم ومعسكراتهم. أثبتت أحداث طوفان الأقصى أن الهدف ليس الفلسطينيين فحسب، بل المسلمين أو أمة الإسلام ككيان، والذي طالما أزعج الغرب ظهوره قبل ألف وخمسمائة عام، وصموده رغم كل مؤامرات ومكائد الغرب والشرق المشرك على حد سواء، ورغم كل حروب الإبادة وحملات التهجير والشيطنة.. مخلب قط متوحش الصهيونية تثبت للعالم كل حين أنها تركيبة متوحشة، أو مخلب قط متوحش يستخدمه الغرب في إدارة مصالحه بالمنطقة، وتحديداً الولايات المتحدة، من بعد أن أنشأتها ورعتها وحافظت عليها حيناً من الدهر، زعيمة الاستعمار في عهد مضى، بريطانيا، أساس كثير من الأزمات في عالم اليوم. معارك طوفان الأقصى أنعشت الروح الإسلامية، ورفعت بعض الهمة، وأن هذه الأمة رغم كل الدسائس، قادرة على أن تصمد وتستمر وتقاوم ولو بالقليل القليل. ولقد شاهد العالم بذهول كيفية انهيار الصورة الذهنية للجيش الصهيوني في ساعات قليلة أمام ثلة قليلة مؤمنة، بأسلحة خفيفة لا يمكن مقارنتها بما لدى العدو. لكن الفارق هو امتلاك رجال القسام الإيمان، وهو السلاح الأقوى أو السلاح الغائب المغيّب عن مواجهات أمة الإسلام مع الأعداء، وإن تبدلت أشكالهم وصورهم. طوفان الأقصى لحظة تاريخية تحتاج إلى حُسن استثمار، قبل أن يعبث في فكرتها ومضامينها، الذئاب المنتشرة هنا وهناك، بمعية نخب من صهاينة العرب، التي ساءتها بعض الفرحة التي ألقتها معارك السبت الفائت في نفوس المسلمين حول العالم. إذ لم تقف رسائل التشكيك في أهداف عمليات القسام، وزادت من رسائل التثبيط والإرجاف من أجل التأثير بالنفوس المسلمة، وأمست تشعل نيران كراهية جهاد الصهاينة في النفوس، وتأجيجها على رجال القسام عبر اتهامات زائفة مزيفة، ونشر أخبار مضللة كاذبة، لمزيد تأثير على مصداقية حماس ورجالها. إننا اليوم أمام مشاهد كما لو أننا في أيام معركة الخندق الخالدة. يوم أن تجمع الآلاف من المشركين ويهود الجزيرة لضرب الإسلام والمسلمين، بمعية جيش من المنافقين المرجفين. اليوم تتكرر كل تلك المشاهد. حيث التكاتف الصليبي الصهيوني الهندوسي وغيرهم من مشركي العالم. الدور الشعبي المطلوب دورنا كشعوب في هذه اللحظات التاريخية الحرجة، دعم المقاومة بكل ما أوتينا من قدرات ومهارات وقوة. فمن عنده ملكة الخطابة يخطب في الناس، يشرح لهم الوضع بفهم دقيق لما يجري. ومن يملك مهارات الكتابة والتغريد فالأمر بالمثل، والأمر يشمل كل صاحب مهارة في صناعة محتوى إعلامي هادف حول القضية وبكل اللغات الممكنة. كذلك الجانب التقني له أهميته من خلال الحروب الإلكترونية ضد مؤسسات العدو ومسانديه، بالإضافة إلى الخروج في مسيرات سلمية في كل بقعة ممكنة بالعالم، مع أهمية الدعم المالي بصوره المتنوعة. إن تجمع الأحزاب هذا يجعلنا نستذكر ما قاله الصحابة الكرام يوم الخندق كما جاء في القرآن ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليما ). نعم إن هذا التجمع الصليبي الصهيوني المشرك ربما بشارة لفرج قريب بإذن الله، لكن بشرط الثبات، كي يرد الله ( الذين كفروا بغيظهم ) ولا ينالون خيراً مما يحدث، مع أمل في الله كبير، أن يلحق بطوفان الأقصى، ما هو أشد على ملة الكفر، كطوفان نوح - عليه السلام - يمسح الأرض ويزيل عنها أهل الشر والفتن. نعم إن أهل غزة في ابتلاء شديد، وهم دون شك تزلزلوا زلزالاً شديداً كما الصحابة يوم الأحزاب. لكن الأشد من الزلزال الصهيوني العسكري المتوحش، فتن المنافقين والمرجفين من حولهم وهم كُثُر، بل يتكاثرون كل ساعة، خاصة في أوقات الشدة، سواء في غزة ذاتها أو خارجها في فلسطين وما جاورها من جغرافيات. خلاصة ما يمكن القول في هذا السياق، أننا نحسب غالبية أهل غزة ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) خرجوا لإحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة. فلا أقل إذن، وهذا حال مجاهدي غزة، أن نتكاتف معهم بالدعاء، ودحض إرجافات وتثبيطات المنافقين، وبيان الحقائق للعالم وكشفها، سياسياً وإعلامياً، فالتحدي الراهن أو المعركة الحالية ليست عسكرية فحسب، بل توسعت لتكون سياسية إعلامية شعبية وبشكل غير مسبوق. فلنكن إذن على قدر التحدي. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

1392

| 12 أكتوبر 2023

حتى لا يتكرر الشقاء

الإنسان منا ما إن يبدأ يتنفس أكسجين الهواء لحظة ولادته حتى لحظة وفاته، وهو يعيش خطوات ومراحل من المشقة والتعب، بسبب طبيعة الحياة الدنيا، التي قد يدرك أحدنا مغزى وجوده فيها، وربما آخر لا يدركه. الأول بإدراكه المغزى، استثمر حياته كما ينبغي، فيما الآخر لا إدراك ولا استثمار، فيخرج من عاجلته إلى آخرته بالقليل من متطلبات السعادة الأخروية، ليعيش حيناً آخر من التعب والنصب والمشقة، لا يعلم مداها إلا الله. إن ما بين قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وقوله ( يا ليتني قدمت لحياتي ) حياة قد تكون قصيرة أو طويلة، لكنها مليئة بمفاهيم وحقائق كثيرة، والغرابة أن يظل الإنسان يبتعد عن محاولات فهم تلك الحقائق واستيعابها، ربما بشكل يثير كثير تساؤلات، كما لو أنه يتعمد عدم الفهم. التهافت والتقاتل والصراع على الدنيا، والحاصل الآن في كل بقاع العالم، بل منذ أن خلق الله آدم - عليه السلام - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مثال واضح على عدم رغبة هذا الإنسان فهم حقائق الدنيا العاجلة. لكن على رغم إدراكه أن صراعه مع الآخرين إنما هو على توافه وهوامش - مقارنة بما في الآخرة – إلا أنه مستمر فيه بجد واجتهاد عجيبين. إنه أمر يدعو لكثيرمن الدهشة والاستغراب. فكيف يحرص أحدنا على شيء زائل لا محالة، وإن امتلكه طويلا وليت الأمر يقف عند الزوال، لقلنا إن الأمر ربما يستحق ذلكم الجد والاجتهاد. لكن مع ذلك الزوال الحتمي لكل متعلقات هذه الدنيا، هناك محاسبة أخروية دقيقة على الزوائل تلك، لاسيما إن كانت ستورث حسرة وندما. يا ليتني قدمتُ لحياتي الآية الكريمة من سورة الفجر، يخبرنا الله تعالى - كما جاء في تفسير الطبري - عن تلهُّف ابن آدم يوم القيامة، وتندّمه على تفريطه في الصالحات من الأعمال في دنياه، التي تورثه بقاء الأبد في نعيم لا انقطاع له في آخرته. يا ليتني قدمت لحياتي في الدنيا من صالح الأعمال لحياتي الحقيقية هذه، التي لا موت بعدها. هكذا لسان الحال والمقال يوم القيامة. وصول الإنسان إلى لحظة الحسرة والتمني على ما فات وضاع بالدنيا، أمر حتمي لا ريب فيه. كلنا سيدرك تلكم اللحظة، بغض النظر عن صلاح أي منا أو فساده. فالإنسان يومئذ - كما جاء في تفسير ابن كثير - يندم على ما كان سلف منه من المعاصي، إن كان عاصياً. ويود لو كان ازداد من الطاعات، إن كان طائعاً. وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - قال: لو أن عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولود أنه يردّ إلى الدنيا كي يزداد من الأجر والثواب. الصالح يندم على أنه لم يبذل جهداً أكبر وصرف وقتاً أطول في عبادة الله، والإكثار من الخير. فيما الفاجر والفاسق والكافر ومن على شاكلتهم، يندم أحدهم على إضاعة الأوقات والجهود والأموال على ما لا فائدة تُرجى منه في مثل هذا اليوم. يندم ويعض على يديه أنه لم يمهد ما ينفعه اليوم، حيث حساب ولا عمل. يومئذ يتذكر الإنسان سيتذكر الإنسان بالقيامة مشاهد عديدة من حياته الدنيا الفانية. سيتذكر ساعات طوال عاشها في غفلة عن حكم الابتلاءات المتعددة التي مرت به، سواء في ابتلاءات المنع أم العطاء - كما يقول سيد قطب في ظلاله عن هذا الإنسان « الذي أكل التراث أكلاً لمّاً، وأحب المال حباً جما، والذي لم يُكرم اليتيم ولم يحضُّ على طعام المسكين، والذي طغى وأفسد وتولى. يومئذ يتذكر.. يتذكر الحق ويتعظ بما يرى، ولكن فات الأوان ( وأنّى له الذكرى ). لقد مضى عهد الذكرى، فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء أحداً. وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا «. مسألة تدعونا إلى ضرورة إدارة حياتنا بحكمة، واستثمارها بأفضل ما يمكن، كي لا يتكرر الكَبَد والعناء مرة أخرى في حياة أخرى حقيقية قادمة لا ريب فيها. فمن ذا الذي يرضى العيش في عناء ومكابدة مرتين متتاليتين من بعد أن أدرك وضوح الأمور والأشياء؟ من ذا الذي يريد تكرار قسوة وعناء الحياة الدنيا، ليجدها تارة أخرى في حياته الأخروية؟ لا أشك حكيماً، بل من به بعض عقل، يرضى لنفسه الشقاء مرتين. شقاء العاجلة وشقاء الآخرة، وإن كان الشقاء الآخر، أشد وأنكى. خلاصة الحديث أن « الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد الموتِ، والعاجِزُ مَن أتبَع نفسَه هَواها وتمنَّى على الله الأمانيّ «. هكذا وصية نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، واضحة جلية. فالكيّس الفطن هو من يغتنم الفرص الدنيوية الكثيرة لتنمية ودائعه في بنوك الآخرة. ومن فاته ما فات من عمره الذي مضى، فلا زال هناك بعض وقت، لأن العبرة بالخواتيم. فاللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك وخير أعمالنا خواتيمها.

1365

| 05 أكتوبر 2023

وقف الظلم قبل الظالم

حين نتحدث عن الظلم وأسماء الظالمين قديماً وحديثاً، فإنك تسمع عن فرعون، جنكيز خان، هتلر، موسوليني، ستالين، أو حتى أسماء من تاريخنا القديم والحديث، رغم أن ديننا من أشد الأديان توجيهاً وتحذيراً من الظلم، ومع ذلك اشتهر في تاريخنا شخص مثل الحجاج بن يوسف الثقفي بالظلم وليس أي ظلم، بل كان مثالاً للطغيان والاستبداد، على رغم أنه كان في الوقت ذاته سبباً في نشر الإسلام عبر فتوحات بني أمية، وصلت للهند والصين ! رغم بعض مآثر الحجاج، إلا أنه في حكمه وإدارته، كان ظالماً جباراً ومستبداً، لم يتورع عن ظلم الناس، بل وأن يتجرأ بالتعرض للصالحين من العلماء والأئمة والتابعين أمثال عبدالله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما، إلى أن أصابه مرض ضيّقت عليه الأرض بما رحبت، وصار حينها يتمنى الموت على أن يعيش آلامه البدنية قبل النفسية، حتى شكا حاله ومعاناته للحسن البصري. فقال له الحسن: قد كنتُ نهيتُك ألا تتعرّض إلى الصالحين فلججت. فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي، لكن تسأله أن يُعجّل قبض روحي ولا يطيل عذابي ! وقد كان الحسن البصري يدعو عليه بالموت كي تموت سنَّته. فلما مات الحجاج، فرح وسجد شكراً لله، باعتبار أن الظالم حين يموت فهو مُستراح منه، كما في البخاري، أنه مرّت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة فقال: مُستريحٌ ومُستراح منه. قالوا يا رسول الله: مَن المستريح ومَن المُستراحُ منه؟ قال: المستريح هو العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والمُستراح منه العبد الفاجر، يستريح منه العباد والدواب والشجر. الظالم القبيح فرعون موسى من أقبح النماذج الظالمة في تاريخ البشرية. فهو إلى جانب الظلم، كان جباراً عنيداً فاسداً. فقد ظلم نفسه قبل غيره حين ادعى الربوبية، إذ لم يقم أحد من قبله بهذا الفعل الظالم غير الواعي. ثم استمر في ارتكاب المظالم واحداً بعد آخر. من ذلك، تعذيب الناس في مملكته، لا سيما بني إسرائيل، الذي قام بتسخير رجالهم للعمل في أدنى وأحقر الأعمال، وإرهاقهم وتعذيبهم وامتهان كرامتهم. ومن ذلك أيضاً، أمره بقتل أطفال بني إسرائيل الذكور، ليسحق بذلك سعادة الأهالي بأي وليد ذكر. ومن أفعاله الظالمة، استحياء الإسرائيليات عبر تسخيرهن لخدمته في قصوره وقصور آله ومن يدور في فلكه. ثم يزداد في الظلم بتفريق بني إسرائيل إلى جماعات وشيع وفرق، وبذر الشقاق والخلاف والعداوات بينهم، تجسيداً لمبدأ فرّق تسد. طالت وتمددت قائمة الظلم عند فرعون، لتشمل تهديد أي أحد يستمع لموسى وأخيه هارون، ومنع مجرد التفكير في عقيدة أو دين غير الذي يراه هو فقط. فازدحمت تبعاً لذلك سجونه بآلاف المعتقلين الأبرياء، من المعارضين لفكره وغطرسته وظلمه، خاصة بعد انتشار دعوة موسى – عليه السلام – شيئاً فشيئا، حتى قام يهدد موسى نفسه (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ). هكذا فرعون، لا يريد أن يخرج أحد عن رأيه ورؤيته. واستمر يعيث في الأرض فساداً وظلماً كبيراً لم يسلم منه حتى أهله وأقاربه. هذه زوجته المؤمنة آسية بنت مزاحم تتألم من ظلم فرعون حتى (قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) ومثلها مؤمن آل فرعون وكان يكتم إيمانه خشية ظلم فرعون، وأمثالهما ربما كثير كثير.. لم يسلم منه كذلك كبار السحرة الذين كانوا من كبار موظفي القصر ومن المقربين، الذين أباح لهم فعل ما يشاؤون من السحر في سبيل تسخير الناس له. لكن حين انقلب السحر على الساحر، ورأى انقلاب السحرة على فكره ورؤيته، لم يتردد في تغيير معايير دعاياته الإعلامية، فقد خشي تأثر الناس بالسحرة وهم يشهدون لموسى بالرسالة، وبالله رباً لا شريك له، فقام بتغيير الدساتير والقوانين والمعايير بجرة قلم، فعاقبهم أشد أنواع العقوبة. تغيير بيئة الظلم نخلص مما سبق أن مهمة النبي الكريم موسى - عليه السلام - كما أسلفنا في المقالين السابقين عن أنبياء الله الكرام شعيب ولوط - عليهما السلام - بأنه ما أتى رسول من الرسل إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. فقد كانت مهمة أي رسول تدور حول معالجة مرض ما بالمجتمع وإزالة مسبباته، اتقاءً لعواقبه غير الحميدة وغير المرغوبة، لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم. كانت مهمة موسى - عليه السلام - إلى فرعون وقومه، معالجة اضطراب فكري وخلل عقائدي غير مسبوق ساد في المجتمع الفرعوني، حيث تأثر كثيرون به، رغبة أم رهبة، من بعد أن سلّط وسائله الإعلامية والسياسية وغيرها في تغيير قناعات وثقافة المجتمع، وتوجيههم نحو فكر معين أو عقيدة بذاتها تدور أساساً حول مسألة الربوبية، بعد أن هاله مشهد النيل بتفرعاته واعتقاده أن قدرته على منح أو منع أي جهة من جهات البلاد الأربع من مياه النيل، دليل على قدرته وبالتالي ابتع الشيطان الذي زين له فكرة الإعلان عن ربوبيته، في سابقة غير معهودة في تاريخ البشر. ذلكم الفكر الفرعوني الذي ساد المجتمع يومها، كان يحتاج إلى إصلاحيين أقوياء صالحين من أجل تغييره. يملكون البيان والحجة والجرأة في تغيير القناعات والثقافات السائدة حينذاك. فكانت مهمة موسى وهارون - عليهما السلام – البدء بالطبقة الشعبية الكبيرة، وصولاً إلى رأس الهرم أو قمة ذلك الفكر الفاسد، فرعون وهامان وقارون وبقية الملأ من حولهم. الظلم أسرع المعاصي عقاباً السبب الرئيسي لفساد وظلم فرعون، ليس لأنه كان على رأس الهرم الرئاسي، بل لأن البيئة يومئذ فاسدة وظالمة من قبل أن يأتي فرعون، فالنتيجة الطبيعية لانتشار ذلك الظلم بين الناس بعضهم بعضا، هي وصول ظالم وفاسد إلى سدة الحكم، يقود الناس بنفس الكيفية التي يتعاملون بين بعضهم البعض، وليس من تفسير لذلك سوى أنها عقوبة ابتدائية إلهية متدرجة وتحذيرية أيضاً، قبل أن يرسل إليهم رسولاً يخرجهم مما هم فيه، وبناء مجتمع جديد يوحّد الله ولا يشرك به أحداً. كانت قصة موسى مع فرعون - عليهما السلام - مثالاً لكيفية التعامل مع الظلم والظالمين، في مشاهد عديدة متنوعة حتى هلاكه، ومشاهد أخرى عديدة مصاحبة مع بني إسرائيل، ومعاناة موسى وهارون معهم في تغيير قناعات وفكر كثيرين، استمرت أربعين عاماً. وقد أشار القرآن لتلك المشاهد موجزاً حيناً، ومفصلاً في أحيان أخرى كثيرة، وكانت النتيجة النهائية التي يمكن تلخيصها من كل تلك المشاهد، أن من يظلم لا بد أن يُظلم، والظالم إن لم يجد من يقلّم أظافره استبد وتوحّش، وأن من أعان ظالماً، سُلّط عليه. خلاصة القول أو العبرة والعظة من هذه القصص القرآنية حول الظلم والظالمين، أن الله يُمهل ولا يُهمل، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته، كما في الحديث الصحيح (إن الله ليُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ) أي لن يتركه الله حتى يستوفي عقابه.. أعاذنا الله وإياكم أن نضل أو نُضل، أو نظلم أو نُظلم.

1794

| 28 سبتمبر 2023

الانحلال.. منظومة عميقة

في مقال سابق ذكرنا بأنه ما أتى رسول من الرسل إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. فقد كانت مهمة أي رسول تدور حول معالجة المرض، باعتبار عواقبه غير الحميدة، وغير المرغوبة لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم. فكانت مهمة أحد الأنبياء الكرام وهو لوط - عليه السلام - معالجة قضايا لا أخلاقية انتشرت وتعمقت في قرى سدوم وعمورية وقرى أخرى قريبة منهما، فكانت مهمته الأساسية كبقية الأنبياء والرسل الكرام، نشر وعي مجتمعي يُخرج شعوب تلك القرى أو البلدان، من رداءة في الأخلاق والمعاملة اشتهروا بها، مع انتكاسة غير مسبوقة للفطرة السوية في عالم البشر. اشتهرت سدوم وعمورية وما جاورهما من قرى من بين الأمم السابقة، بفساد غير مسبوق تمثل كما هو معلوم للجميع، في فاحشة الشذوذ وبشكل علني واضح فاضح، دون أي وازع من ضمير أو أخلاق، إضافة إلى فسادهم في تعاملات متعلقة بالقوافل التجارية العابرة لبلدانهم، ونهبها وإجبار العابرين على دخول أجوائهم الفاسدة!. كانت مهمة لوط - عليه السلام - بيان فساد ما هم عليه وخطورة سلوكياتهم الشاذة، ومحاولة إعادتهم إلى جادة الحق والصواب والصراط المستقيم. فهل استمعوا له؟ بالطبع لا، شأنه شأن بقية الأنبياء والمرسلين الكرام. فقد وقع تصادم بينه وبينهم منذ البداية، ثم جولات من النقاشات غير فاعلة، حتى وجدوا كخلاصة لتلك الجولات النقاشية، أن لوطاً عليه السلام، صار حجر عثرة أمام استمرار أسلوب حياتهم بالطريقة المتدنية التي كانوا عليها. منظومة الانحلال ذلكم الانحلال الذي انتشر في تلك المجتمعات، فإنما لأن منظومة متكاملة كانت تقوم عليه وترعاه، من رموز مجتمعية داعمة، ومنظمات ومؤسسات مالية، وأخرى إعلامية وغيرها من أطراف لها المصلحة بصورة وأخرى في شيوع ذلكم الانحلال الأخلاقي. كانت منظومة الانحلال ترى في لوط أنه عقبة أو حجر عثرة أمامها، وليس من بد سوى التخلص منه بصورة وأخرى، حتى ارتفعت أصوات عديدة من تلك المنظومة، جهاراً نهاراً تطالب المجتمع التخلص منه وأهل بيته، رافعين شعاراً يتكرر في كل زمان ومكان أمام أي داعية مصلح يريد الخير لمجتمعه (إنهم أناسٌ يتطهرون). بمعنى آخر: إنهم أناس رجعيون. عقولهم مغلقة لا تستوعب التطور والحداثة التي عليها الناس، وما يقوم به لوط هو تدخل سافر في حريات الناس، الذين لهم الحق في عمل ما يشاؤون في أجسادهم، والاستمتاع بها بالطريقة التي يرغبون فيها، فما شأن لوط بكل هذا؟! إن أراد لوط ومن معه عدم اتباع أسلوب حياتهم، فلهم ذلك، لكن لا يتدخل في شؤون الآخرين. ثم من يكون لوط حتى يعترض على طريقة عيشنا وأسلوب حياتنا؟ هكذا كان لسان حالهم ومقالهم مع دعوات لوط وحواراته معهم. وأمام تلك الدعوات الإعلامية المعادية، تمنى لوط - عليه السلام - أن لو كانت معه قوة مادية بشرية يركن إليها من أجل تطهير المجتمع من تلك الأمراض الأخلاقية المنتشرة فيه. معركة مع الإصلاح إذن تم رفع شعار (أخرجوهم من قريتكم إنهم أُناسٌ يتطهَّرون)، تمهيداً لمعركة أو حرب قادمة حاسمة. إنهم أصحاب فكر مختلف، بل إنهم عوامل مؤثرة على تقدم واستمرار ما عليه مجتمعنا وزماننا من أسلوب وطريقة حياة. هكذا كان لسان حال تلك المنظومات تعبر عن الواقع، وهكذا تدريجياً تبلغ الجرأة بعد حين من الوقت عند تلك المنظومات أو الباطل بشكل عام، ليعتبر المكان مكانه، والقرية قريته، والزمان زمانه. ومن يختلف معه في النهج والفكر والرؤية، يكون مصيره الطرد والنفي من قريته أو قمعه واعتقاله، وفي أوقات أخرى، تصفيته. منظومات الباطل على اختلاف صورها ومناهجها، قد تختلف مع بعضها البعض في آليات ووسائل التنفيذ، لكنها تتفق جميعاً بصورة راسخة على ضرورة محاربة أي فكر إصلاحي في المجتمع، أو أي جهود إصلاحية يمكن أن تتسبب في تعطيلها أو تغيير مسارها وإلحاق خسائر بها وبمصالحها المتنوعة. شراسة الباطل الباطل حين تنتفخ أوداجه في معاركه مع الحق، يتوحش في تعامله ومعاركه مع أهل الحق ورموزه. لكن ذلك لا يجب أن يبعث على الإحباط واليأس، لأن نهاية معارك الحق مع الباطل محسومة بوعد إلهي حازم واضح (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). الباطل ذاهب لا يستمر»وقد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق - كما جاء في تفسير السعدي للآية - لكن عند مجيء الحق، يضمحل الباطل ولا يبقى له حراك. ولهذا لا يروج الباطل إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته». انتهت محاولات لوط - عليه السلام - مع تلك القرى الفاسدة المفسدة، والمنتكسة فطرتها، الرافضة لكل أشكال الإصلاح والتقويم، بنتيجة طبيعية تمثلت في استمرار الباطل على عناده وغيه وفساده، تماماً كما سبقتهم في ذلك الأقوام البائدة، حتى كانت نهاية هؤلاء أيضاً، ومن بعد محاولات عديدة لإصلاحهم وتوعيتهم وإعادتهم إلى الصراط السوي المستقيم، أن جعل الله عاليهم سافلهم، وأمطر عليهم حجارة ملتهبة من السماء، أحرقتهم وأبادتهم جميعاً (كأن لم يغْـنوا فيها). وهكذا عاقبة أي منظومة فاسدة مفسدة تتصادم مع الحق وأهله. لكن الأمر عند البشر، رغم ذلك يتكرر، ولا تجد من يرتدع ويتعظ! فإن كانت قرى الفساد في زمن لوط سبعة، كما يقول المؤرخون، فقد ظهرت مئات بل آلاف منها اليوم، في مشهد يتكرر وبصورة ربما أسوأ وأعمق مما كان بالأمس، في إشارة إلى أن المعارك بين الحق والباطل مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

1020

| 21 سبتمبر 2023

إني أراكم بخير

خطيب الأنبياء، النبي العربي الكريم، شعيب – عليه السلام – استغرب فساد قومه فقال لهم (إني أراكم بخير) تعقيباً على ما كان سائداً بينهم من أمراض اقتصادية بلغت من العمق والقبح والسوء، أن يرسل الله رسولاً إليهم لهذا الأمر، ينير لهم ما أظلم وأشكل عليهم. لكن حدث ما حدث، إذ لم يختلف قوم مدين أو أصحاب الأيكة عن الأقوام البائدة من عرب الجزيرة، قوم عاد وثمود، فدخلوا معهم قائمة البائدين. ما أتى رسول إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. كانت مهمة الرسول تتركز في معالجة المرض، باعتبار أن عواقب انتشاره واستفحاله غير حميدة، لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم.. فكانت مهمة النبي الكريم شعيب - عليه السلام - وقد أعطاه الله بلاغة وفصاحة وحجة، أن ينشر وعياً مجتمعياً يُخرج شعب مدين مما هم فيه من رداءة أخلاق تجارية، وسوء إدارة اقتصادية، ويواجه في الوقت ذاته منظومة فاسدة من تجار ورجال أعمال، ومشتغلين في قطاع اقتصادي كبير، ستكون بعد حين من الدهر لا يطول، ثغرة ينفذ منها عذاب من الله غير مسبوق. منظومة فساد اشتهرت مدين بين الأمم السابقة بفساد اقتصادي معروف مكشوف ذكره القرآن الكريم، إضافة إلى ما كانت عليه من فساد في الفكر والعقيدة، وكان أساساً في ظهور شبكات ومنظومات اقتصادية فاسدة بعد ذلك، التي لم تكن تدخر جهداً في كسب المال بكل الطرق، لاسيما تلك غير المتوافقة، لا مع شرع إلهي ولا عُرف إنساني ولا قانون تجاري. غاية تلك المنظومات الفاسدة هي الربح السريع الوفير، والتحكم في حركة المال والتجارة، ولو كان على حساب حقوق الآخرين. الغش التجاري كان واقعاً متغلغلاً في النظام الاقتصادي في مدين. التاجر المدْيَني (نسبة إلى مدين) لم يكن يتردد في بيعك بضاعة أغلى من ثمنها المستحق، ولم يكن يتردد كذلك في أن يشتري منك بضاعة بثمن أقل من ثمنها بكثير. أي أن التاجر المديني كان يكسب في البيع والشراء ! إضافة إلى فسادهم في تعاملات أخرى متعلقة بالقوافل التجارية العابرة لبلدهم، والضرائب الباهظة التي كانت تُفرض عليهم دون وجه حق، بل أحياناً كثيرة كان يتم قطع طرق تلك القوافل ونهبها والاستيلاء عليها بقوة الساعد والسلاح، وهدفهم - كما أسلفنا - جمع مال وفير سريع، وإن تعددت وتنوعت الوسائل ! التعامل مع الفاسدين منظومة الفساد التي قرر النبي شعيب مواجهتها برموزها وشخوصها، قدم لهم بادئ ذي بدء توضيحات وطلبات عدة، منها: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين) (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) (ولا تعثوا في الأرض مفسدين). نهاهم عن الغش في البيع والشراء، أو الكيل المحرم وهو التطفيف في الميزان. ودعاهم إلى ترك تلك العادة كما يقول الرازي في تفسيره:» (ولا تنقصُوا المكيال والميزان) والنقصُ فيه كان على وجهين: أحدهما أن يكون الإيفاءُ من قبلهم، فينقصُون من قَدْرِه. والآخر أن يكون لهم الاستيفاءُ فيأْخذون أزْيد من الواجب، وذلك يوجبُ نقصان حَق الغيرِ، وفي القسمين حصل النقصان في حق الغيرِ». ثم نهاهم عن بخس الناس أشياءهم، وهذا يشمل أي حق أو ملكية للآخرين يتم التصرف فيها دون إذن مالكها أو الاستيلاء عليها دون وجه حق. ثم طالبهم أخيراً ألا يفسدوا في البلاد عبر تشجيع الناس على الفساد، أو ترهيب من لا يستجيب لهم، وأن يتركوا عادة قطع الطرق ونهب القوافل وترويعها. لكن الإشكالية الكبيرة أن الفساد تغلغل في البلاد، حتى صارت منظومة متكاملة لها وسائلها وأدواتها وآلياتها ورموزها، بل بنفوذها صارت تؤثر على توجهات وقرارات الحكومة حينذاك. وبلغت المنظومة حداً لم يجرؤ أحد أن يقف في وجهها، أو التصادم معها، حتى جاء خطيب الأنبياء ويقوم بالمهمة الصعبة، حيث كان ظهوره مفاجأة للمنظومة. ووجه المفاجأة بدا في تلكم الجرأة التي كان عليها شعيب وبضع أشخاص على دينه وفكره. يكشفون أعمال وسوءات تلك المنظومة الأخطبوطية واسعة النفوذ والانتشار والتأثير، والمتغلغلة في عروق المجتمع وشرايينه! الفساد وهو ينتفض رغم علمهم بوجاهة شعيب، واحترامهم لعشيرته التي لم تكن على دينه، لم يمنعهم ذلك من البدء في تهديد متدرج له ومن معه، وضرورة التوقف عن دعوته وألا يقف في وجههم، أو إن صح التعبير، ليس من الحكمة أن يقف شعيب في وجه منظومة - الفساد – في البلاد، لأنها أقوى منه بكثير، أو هكذا تعتقد أي منظومة فاسدة في كل زمان ومكان. فلا هي تريد التوقف عن إفسادها في الأرض، ولا تريد في الوقت نفسه أحداً يتحدث عنها بسوء، أو يحاول إشغالها والتصدي لها ! شعيب - عليه السلام - استغرب من انغماس كثيرين في هذا الفساد الاقتصادي الذي لم يكن له ما يبرره، فكان يقول لهم (إني أراكم بخير) إذ أن وضع البلاد الاقتصادي مريح، وقد فتح الله عليكم من بركاته ورزقه، فلماذا هذا الفساد أو التطفيف والغش في تعاملاتكم وأكل أموال الناس بالباطل؟ ولماذا أصلاً تظهر منظومات فاسدة عندكم رغم أن الأوضاع لا تستدعي اللجوء لأساليب وطرق الغش والاحتيال والنصب وبقية مصطلحات الفساد؟ هكذا كان لسان حال النبي الكريم وهو في مواجهاته المتنوعة معهم. إنه لولا خشيتي - أو هكذا قال شعيب - أن يُنزّل الله عذابه عليكم ويسلبكم ما أنتم عليه من الاستقرار وسعة الرزق وبحبوحة العيش، ما دعوتكم ونهيتكم عن هذا الذي أنتم عليه. لكن هل لانت قلوبهم وخشعت؟ بالطبع لا، بل ازدادت المنظومة فساداً وقسوة وتأثيراً على البلاد كلها، حتى لم تبق حجة تمنع نزول العذاب، فكان يوم الظلة، حيث احتباس الهواء وارتفاع الحراة، ثم غيمة عظيمة تأتي فيسرع إليها الفاسدون قبل غيرهم، فلعل ظلها يخفف عنهم بعض ما هم فيه وعليه، لتمطر ناراً أحرقتهم وأبادتهم جميعاً (كأن لم يغْـنوا فيها). فكم منظومة فاسدة في بلدان المسلمين قبل غيرها، تعتبر وتدّكر من هذه الأحداث والقصص؟ للأسف، لا أحد يعتبر ويتعظ !

1611

| 14 سبتمبر 2023

وطب نفساً إذا حكم القضاءُ

روي أن يعقوب عليه السلام في قصته مع أبنائه حين جاءوه عشاء يبكون أخاهم يوسف - كما جاء في تفسير القرطبي- قالوا له: فأكله الذئب. قال لهم: ألم يترك الذئب له عضواً فتأتوني به أستأنس به؟ ألم يترك لي ثوباً أشم فيه رائحته؟ قالوا: بلى، هذا قميصه ملطوخ بدمه، فذلك قوله تعالى (وجاءوا على قميصه بدم كذب). بكى يعقوب عند ذلك، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقاً ولا تمزيقاً. فقال: والله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت كاليوم ذئباً أحكم منه. أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يمزقه ! فعلم أن الأمر ليس كما قالوا وأن الذئب لم يأكله. فقال: بل زينت لكم أنفسكم أمراً غير ما تصفون وتذكرون. ثم قال توطئة لنفسه (فصبرٌ جميل، والله المستعان على ما تصفون). يعقوب عليه السلام صبر صبراً جميلاً على ما حدث لابنه الصغير يوسف، والذي هو بدوره لم يجد حلاً لمصيبته سوى الصبر والصبر فقط، اقتداء بمنهج والده عليهما السلام، حتى نالا الجزاء الجميل. حيث يرى يعقوب - عليه السلام - عائلته تجتمع من جديد في حب افتقدته العائلة سنين طويلة، ويوسف - عليه السلام - يتمكن في الأرض، بل ويسجد له الوالدان والإخوة جميعاً، تحقيقاً لرؤيته قبل سنوات طوال. هكذا هم أهل الصبر، وهكذا تكون نتائج صبرهم كما قال تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). قصة ابتلاء النبي أيوب - عليه السلام - وهو يدعـو ربه في أدب بالغ عجيب (ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) نموذج آخر للصبر، ومن أروع قصص الابتلاء، كما قال سيد قطب في ظلال القرآن:».. وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله (أني مسني الضر) ووصف ربه بصفته (وأنت أرحم الراحمين) ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبراً على بلائه، ولا يقترح شيئاً على ربه، تأدباً معه وتوقيراً، فهو نموذج للعبد الصابر، لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع العصور، بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئناناً إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال. وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة، وكانت الرحمة، وكانت نهاية الابتلاء (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم). الناس مذاهب في الابتلاءات أحدنا قد يتعرض لمحنة أو مصيبة أو ابتلاء، فتجده من شدة الابتلاء لا يصبر. والناس قدرات ودرجات في الصبر، فيتأفف ويتململ وبالتالي يضيع الأجر، وهو المقصد الرئيسي من الابتلاء أو المحنة. نعم قد يرفع الله عنه البلاء أو المصيبة بعد حين، لكن بعد أن يكون قد أخفق في الاختبار. حياتنا الدنيوية ما هي سوى قنطرة، أو طريق مليء بالمحن والابتلاءات على اختلاف أنواعها وشدتها، بل هي أكثر مما يمكن أن نحصيها ونحصرها هاهنا. لكن المتفق عليه أنها أمر طبيعي. لماذا؟ لأننا نعيش - كما أسلفنا - في دار امتحان وابتلاء. وهذه حقيقة من حقائق الحياة التي لابد أن نعيها ونتفهمها جيداً، كيلا نعيش في قلق وتوتر دائمين. حوادث الدنيا والمحن المتنوعة إن جاء وقتها كما هي مقدّر لها، فلن تميّز بين أحد. الناس كلهم سواسية أمامها. بمعنى أن المصيبة لو نزلت، لا تعرف فقيراً أم غنياً، قوياً أم ضعيفاً، مسلماً أم غير مسلم، كبيراً أم صغيرا.. وليس هذا هو المهم في حديثنا، بقدر أهمية الكيفية التي علينا التعامل معها، لأن هذه الحوادث والابتلاءات ما هي إلا جملة اختبارات من بدء التكليف حتى الممات، حتى يخرج أحدنا من مدرسة الحياة المخصصة لاختبارات متنوعة عديدة وكثيرة، وبنتيجة محددة واضحة: إما نجاح وانتصار أو رسوب وإخفاق. منا من يوفقه الله إلى التغلب على المحنة تلو الأخرى في محطات الدنيا عبر أنواع عديدة من العلاجات يتبعها، وأهما الصبر، مع تعامل صحيح معها. لكن منا من يتعثر تارة في محنة تطول مدتها، لكنه ينجح مع أخرى، وهكذا. فيما فريق ثالث، حياته كلها عثرات وابتلاءات لا يصبر عليها، ولا يتعامل معها بحكمة وروية، وعلم ودراية، حتى تنتهي به الأمور إلى إخفاقات وانتكاسات، والعياذ بالله. خلاصة الحديث المسلم المؤمن يتعلم منذ نعـومة أظفاره مسألة الإيمان بالقدر خيره وشره، فتجعله يطمئن إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف، كما في الحديث الشريف. لكن غير المؤمن تهتز أركانه وترتجف أوصاله عند أول ابتلاء أو محنة، وبالتالي تجده يضعف ويتشتت إيمانه ويضعف أكثر فأكثر.. تلك نقطة أولى. النقطة الثانية أن المؤمن عادة يكون موقناً تمام اليقين أنه يُثاب على أي مكروه يصيبه، حتى الشوكة يشاكها، له فيها أجر. أجر الألم أولاً، ثم أجر الصبر على الألم ثانياً. وقد تعلمنا من ضمن دروس الإيمان الأولى ضمن المراحل الدراسية المبكرة، أن المؤمن أمره كله خير، إن أصابه خير فشكر كان له أجر، وإن أصابه شر فصبر كان له أجر أيضاً.. فدع الأيامَ تفعلُ ما تشاء – كما قال الإمام الشافعي – وطب نفساً إذا حكم القضاءُ. وليست هذه دعوة للسلبية، بل دعوة للمداومة على أدعية النجاة من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، والحرص على ذلك ليلاً ونهارا، وأن نسأل الله دوماً العافية في الدين والدنيا والآخرة، فهو كفيلٌ بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

2541

| 07 سبتمبر 2023

كتب ربكم على نفسه الرحمة

قال الفضيل بن عياض: جاء قوم من المسلمين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا، فأعرض عنهم؛ فنزلت (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم). هذه واحدة من الآيات المبشرة للمؤمنين، وإن كانت نزلت في حادثة معينة، إلا أن ما جاء فيها يشملهم وكل مؤمن يأتي بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما في علم أصول الفقه. الله عز وجل – كما يقول القرطبي:» كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب ذلك بخبره الصدق، ووعده الحق، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئاً فقد أوجبه على نفسه». إذن هي بشارة وتكريم للمؤمنين ووعد صدق منه سبحانه، أن من يخطئ ويذنب، ثم يستغفر الله، يجد الله غفوراً رحيماً. فالإنسان منا في هذه الدنيا أو هذه الجهالة، غير معصوم من الخطأ، ومن يعمل السوء بجهالة، ثم يعود سريعاً إلى رشده، آيباً تائباً حامداً، فهو بإذن الله ضمن الوعد الإلهي أو الرحمة الإلهية، كما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:» لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي». لا تقنطوا من رحمة الله بشارة إلهية أخرى من تلك التي تشحن النفوس شحناً، وتمنحه أملاً بجولة أخرى في الحياة الدنيا، ليعيد ما قام بهدمه ويبني مستقبله المنتظر في الآخرة. تلكم البشارة في قوله تعالى (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..) آية تبعث في النفس طمأنينة وراحة لا يدرك معانيهما سوى من يبحث عنهما. آية واضحة بذاتها تبين لك مدى سعة الرحمة الإلهية بعباده. رحمة وطمأنينة تأتيان على شكل دعوة غاية في اللطف من الخالق عز وجل لعباده. دعوة تشير إلى أهمية وضرورة عدم فتح المجال لشعور اليأس أن يسيطر على النفس، والطارد لأي أمل أو رجاء من حدوث أمر إيجابي مستقبلي، مع أهمية الإدراك واليقين التام بأن رحمة الله أوسع وأكبر مما نتصور. روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:» ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية «. لماذا أحب النبي الكريم هذه الآية أكثر من الدنيا وما فيها؟ لأنها ودون كثير شروحات وتفصيلات، بشارة إلهية لعباده أنه واسع المغفرة والرحمة، لا يأبه لأي ذنب، صغير كان أم كبير إلا الشرك، فإنه ظلم عظيم يقترفه الإنسان. لكن طالما الإنسان المذنب أو المسرف على نفسه، قرر الإنابة والتوبة النصوح، وعدم العودة إلى ما كان يسرف فيه، فليعلم أن الله أرحم مما يتصور، وضرورة أن يكون عنده أمل ورجاء بأن القادم من أيامه أفضل، بشرط أن يبذل جهداً مستحقاً مناسباً لرؤية ذلك. وقد جاء عن علي بن أبي طالب وابن مسعود – رضي الله عنهما – أن هذه أرجى آية في القرآن. لو لم تذنبوا حتى نوجز الموضوع بشكل واضح، نقول بأن الله خلقنا لنعبده ولا نشرك به شيئا. ولأن فطرتنا البشرية تختلف عن الفطرة الملائكية، تجدنا نفعل الخير والشر. نخطئ ونعود للصواب. وهكذا هو الحاصل مع البشر، عكس الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فتلك هي فطرتهم. ولأننا بشر، فالخطأ وارد، وبالتالي الرجوع عنه وتصحيحه هو المتوقع والمطلوب. وهكذا في حركة مستمرة حتى نهاية العمر. وقد جاء في الحديث الصحيح:» لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون ثم يستغفرونَ فيغفرُ لهم «. الحديث أوضح من أن يشرحه أحد. وبالتالي نفهم أن التعثر والسقوط في دروب الحياة لسبب وآخر، لا يعني فقدان أمل النهوض والسير مجدداً، مع أهمية التعلم من الأخطاء والاستفادة من العثرات والكبوات. الحياة الدنيا ما هي إلا مدرسة تتنوع فيها الاختبارات والامتحانات، لكن ميزة اختبارات مدرسة الحياة أن الإجابات واضحة ومرئية مكشوفة، وطرق تجاوز أي اختبار دنيوي بهذه المدرسة واضحة كذلك، وكل ما على المرء الممتَحن فيها، هو اتباع تلك الطرق الواضحة المكشوفة، كي يجتاز اختباراته بنجاح، وتأمين مستقبله القادم في جنة عرضها السماوات والأرض بإذن الله. فهل من مُدّكر؟

1749

| 31 أغسطس 2023

لا تمدح الأحياء

لماذا يُكره مدح الأحياء من البشر، بغض النظر عن أعمارهم وأعمالهم واتجاهاتهم وأفكارهم وغيرها مما يدفع إلى المديح؟ أليس المديح نوعا من التعزيز المعنوي للممدوح؟ أليس المدح المعنوي مطلوبا في زمن الماديات الذي نعيشه؟ قد توافقني في العنوان أعلاه، وأهمية تجنب مدح الأحياء، وربما تعارضني. وليست الفكرة في الموافقة أو المعارضة، بل لن نختلف على هذا الأمر، فلكل منا رأيه الخاص، ولكل منا تقديره واحترامه. فما القصة؟ نعيش الآن زمناً صار المديح أو الإطراء على أي عمل، أمراً مطلوباً ولو بالإكراه المعنوي، على عكس ما كان قديماً حين كان المدّاحون يجزلون في عبارات المديح لأشخاص معينين، طمعاً في هدايا وأعطيات. لكن أن يصل المدح لأن يكون أمراً مطلوباً، ولو بالإكراه غير المباشر، فهذا أمر صار يعمّق أجواء المجاملات الخادعة التي نعيشها، والنفاق الاجتماعي الذي زاد عن حده، والذي لا يُرجى من ورائه خيرا. هكذا وصل الحال بالناس، خاصة مع انتشار وتوسع وتنوع وسائل التعبير عن عبارات وأساليب المديح لهذا وذاك وتلك، عبر وسائل التواصل الاجتماعي المبتلى بها كثير من الناس، إن صح وجاز لنا التعبير. امدح دون مبالغات بادئ ذي بدء، لا شيء أن تمدح الآخرين، خاصة إن وجدت ما يستوجب المدح دون مبالغات، أو مجاملات كاذبة. فقد مُدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يسمع ويرى، بل ليس هو من يحتاج مدحاً من أحد، فيكفيه مدح ربه له في قوله تعالى (وإنك لعلى خُلُق عظيم) فليس بعد هذا المدح من مديح. ومدح هو بعض أصحابه الكرام كأبي بكر وعمر. فقد وقف يوماً بين أصحابه، كما جاء في البخاري، وقال:» من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة «. قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعي من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ فقال صلى الله عليه وسلم:» نعم وأرجو أن تكون منهم «. ومدح كذلك الفاروق عمر في وجهه وقال له:» ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك». الشاهد من القصة أن المدح مطلوب بعض الوقت ولغايات مقصودة. منها تعزيز الممدوح ليستمر على ما تم مدحه عليه، من عمل أو قول. ومنها رسالة للآخرين على الاقتداء بالممدوح في الأمر الذي استوجب مدحه عليه. ومنها إشاعة روح التقدير والمكافأة المعنوية بين الناس، وخاصة إن كان المدح يصدر من رئيس لمرؤوس. انتبه من فتنة الناس امدح من شئت وكيف شئت دون مبالغات أولاً وكما أسلفنا، ومن ثم ثانياً، امدح بشرط الأمن من الوقوع في الفتنة، أو التسبب في وقوع آخرين بالفتنة أيضاً.. كيف؟ بالقدر الذي كان يمدح النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه المستحقين للمدح، فإنه بالقدر نفسه كان حريصاً ألا ينتشر هذا الأمر في مجتمعهم، نظراً لخطورته على المادح والممدوح. فأما وجه الخطر على المادح فيكون كامناً في قبول وثناء الممدوح له حتى وإن كان مبالغاً فيه، ثم يتبعه تقدير مادي بشكل وآخر، الأمر الذي قد يدفع المادح إلى أن يتجرأ بعد قليل، ليواصل في هذا العمل مع صاحبه الممدوح أو أمثاله من محبي المدح والشهرة والأضواء، فيدخل بذلك هذا المادح من حيث لا يدري أو يدري، عالم الكذب والنفاق والخداع، بل الأخطر من ذلك كله، عالم غمط الحق. أما الممدوح فإن وجه الخطورة عليه متمثل في احتماليات وقوعه في فتنة الشعور بالزهو والفخر والترفع. فإن أردت مدح فلان أو علان وفلتان، فيجب أن تكون على يقين من أن المدح لن يفتنهم ويدفعهم إلى الاغترار بأنفسهم، ويكون مدحك ومدح آخرين لهم، عاملاً مساعداً دافعاً لتسرب داء الغرور إلى أنفسهم من حيث لا يشعرون، فتكون بالتالي أنت ومدّاحون آخرون، سبباً في فتنتهم. المدح هو الذبح حين وصف النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - المدح بالذبح في حديث « إياكم والتمادح، فإنه الذبح « فلأنه يميت القلب أولاً، ومن ثم هناك احتمالية كبيرة أن يُخرج الممدوح عن تعليمات دينه، فيهتز ويضعف كلما كثرت عبارات المديح له هنا وهناك، سواء أكان مستحقاً أم غير مستحق، لتراه بعد حين وقد اغتر بأحواله. وربما يسيطر عليه بعد ذلك شعور العُجب والكبر، ويرى نفسه دوماً وأبداً أنه أهل للمديح، لا سيما إن كان ممن استهوتهم الدنيا بزينتها وأضوائها وبريقها ! هذا الأمر لا يقتصر على من يقوم بأعمال دنيوية فحسب، بل يشمل كذلك علماء الدين والدنيا، والأمراء والرؤساء، ومن على شاكلتهم في المستويات والدرجات. فلا تمدح عالماً أو مفكراً أو صاحب رأي أو رئيساً أو مرؤوساً إلا بالقدر الذي يستحقه دون مبالغات ومجاملات، فإنك لا تدري بعد حين من الزمن، يطول أو يقصُر، ما عساه أن يفعل ويقول. فإن أردت مدح صاحب رأي أو علم أو رياسة ووجاهة، فليكن لمن مات على الحق. أما قبل ذلك، فالحذر مطلوب. فقد يكون الممدوح اليوم على حق مبين، ثم ينقلب على عقبه بالغد، ويصير ناصراً للباطل غير مكترث لما كان عليه بالأمس ! وهكذا قلب الإنسان الحي، متغيرٌ متقلب. وما سُمي القلبُ قلباً، إلا لأنه يتقلب على الدوام. سُئلت أم المؤمنين أم سلمة عن أكثر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان عندها، فقالت:» كان أكثر دعائه (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فسألته:» يا رسول الله: ما لأكثر دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال:» يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ «.. أسأل الله لنا ولكم ثبات القلوب على دينه وطاعته، وأن يجنبنا فتن المديح ما ظهر منها وما بطن، مادحين أو ممدوحين.

4302

| 24 أغسطس 2023

الغيبة.. حرام ولكن !

لا أحد يخفى عليه حرمة الغيبة، فهي فعل قبيح يضر أكثر مما ينفع لكن هل كل غيبة محرمة؟ وهل هناك غيبة تجوز لك ممارستها؟ بل أكثر من ذلك، هل هناك غيبة واجبة، وعليك القيام بها ؟! إليك بعض التفصيلات.. لابد وحضرت مجلساً كانت الغيبة حاضرة بصورة وأخرى. فإن لم تكن أنت القائم بفعل الغيبة القبيح، فآخرون قاموا بذلك، وبالتالي استمع غيبتهم في فلان وعلان وفلتان وغيرهم بشكل وآخر، الأمر الذي يعني أنك شاركتهم في الإثم.. ولعل هذا هو حال معظم المجالس، بغض النظر عن عدد الحضور ونوعيتهم ومراتبهم. لكن هل يعني ذلك اعتزال المجالس؟ قد يقول قائل بأن اعتزال تلك المجالس التي تكثر فيها الغيبة، أو المتوقع أن تتحول لمجالس غيبة وبهتان، حل أمثل لمنع النفس من حمل أوزار وآثام يكون أحدنا في غنى عنها. لكن ماذا لو أن هذا الفعل القبيح ممارس في بيتك وبين عائلتك، أو في مقر عملك وبين زملاء عملك، أو مواضع أخرى ليس لك من بد سوى حضورها أو المشاركة فيها؟ هي إشكالية ولابد من علاجها. والعلاج بكل تأكيد لا يقتصر على التوعية والتذكير فحسب، بل يحتاج من المبتلى بها إلى همة وإرادة وعزيمة وإيمان. ويكفي أن تدرك بأن الغيبة تأتي ضمن أفعال اللسان التي ذكرها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – بشكل غير مباشر لمعاذ بن جبل، وهو يجيب على سؤال له عن الأعمال التي تُدخل الجنة، فذكر له أفعالاً عدة، ثم أخذ بلسانه. قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم «. الشاهد من الحديث أن الغيبة كالنميمة كقول الزور وكغيرها من الأفعال اللسانية المنتشرة بين الناس، والتي يتلذذ بها كثيرون في مجالسهم ومنتدياتهم، بل يجد فيها كثيرون متنفساً أو وسيلة للفضفضة، خاصة إن كان القائم بهذا الفعل ضحية للمغتاب، الذي ربما يجد في هذا الفعل نوعاً من التنفيس، حتى وإن كان على دراية بحرمة الأمر. وقد انضمت إلى مجالس الغيبة الحضورية، منصات افتراضية متنوعة، تساعد كثيراً على انتشار نيران الغيبة وغيرها من قبائح الأفعال اللسانية.. الأمر الذي صار يدعو فعلياً إلى ضرورة التنبه للخطر الذي عليه كثيرون، والتنبيه على خطر ما يصدر عن ألسنتهم، سواء بشكل مباشر في المجالس الحضورية أو غير مباشر عبر الكتابة هنا وهناك. مع أهمية وضرورة الإكثار من حملات التوعية المجتمعية والإعلامية. فالنتائج السلبية للغيبة والنميمة كأبرز نموذجين قبيحين للأعمال اللسانية، لا تقتصر على الممارس لهما فقط، بل آخرين كُثُر، وهو ما يستدعي القيام بحملات إنقاذ عديدة مستمرة، إن صح وجاز لنا التعبير. يكفي أن نعي معنى الغيبة كما في الحديث الشريف، لكي نضع حداً لهذا الفعل، لأن الفهم الصحيح له يكون عاملاً مساعداً في تركه، والذي نسأل الله ألا يُبتلى به أحد. جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:» أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرُك أخاك بما يكره. قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهتّهُ». والبهتان هو فعل أشد وأسوأ من الغيبة.. هذه نقطة أولى. نقطة ثانية كما ورد عن الحسن البصري - رحمه الله - قال: ثلاثة لا غيبة لهم: صاحب الهوى والفاسق المُعلِن بفسقه والإمام الجائر. معنى هذا أن التحدث عن مساوئ أولئك الثلاثة ليس من فعل الغيبة بتاتاً، بسبب أنهم أظهروا أعمالهم وافتخروا بها، وبالتالي حين تتكلم عن صاحب هوى يريد أن يفسد الناس، أو فاسق لا يتردد في إظهار فسقه، أو مسؤول ظالم جائر لا يتورع عن ظلم من هم تحت مسؤوليته، فإنك بالحديث عنهم وكشف مساوئهم إنما تقوم بأمر التنبيه والتحذير لأجل الصالح العام. أما النقطة الثالثة والأخيرة فإنها حول وجوب التحدث عن الآخرين وكشف مساوئهم، إن دعت الحاجة لأن تتحدث. فليس من الإيمان أن يستشيرك أحد في مسألة الزواج مثلاً أو المشاركة في تجارة ما، وتخفي مساوئ وعيوب أنت أدرى بها عن الشخص. وليس من الإيمان والمروءة كذلك أن تعلم مساوئ شخص وعدم كفاءته لمنصب ما، لتقول بغير ذلك حين يؤخذ رأيك فيه ومدى كفاءته لعمل أو منصب أو وظيفة ما. وكذلك واجب عليك حين تلجأ لصاحب قدرة وسلطة، أن تذكر معايب ومساوئ شخص يقوم بالمنكرات، وذلك من أجل ردعه ووقفه عن منكراته التي يظهرها علناً. والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها هاهنا، وإنما لك أن تستزيد في الأمر وتقرأ للإمام النووي مثلاً في رياض الصالحين، عن الغيبة التي تُباح لغرض صحيح شرعي، والذي لا يمكن الوصول إليه إلا بها.. ونكتفي بهذا القدر من التذكير والتنويه. جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

4197

| 17 أغسطس 2023

هكذا ينهي الله المصائب

التدبيرات الإلهية عجيبة لمن أراد أن يتأملها، بها ينهي الله مصيبة، أو بها تتهيأ أرضية لبعث جديد، يصلح العباد والبلاد، لاحظها في قصص موسى - عليه السلام - مع فرعون، أو قصص صناديد قريش مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف تحولوا لمجرمين عتاة، أهلكوا الحرث والنسل. ثم لاحظ التدبيرات الإلهية كذلك مع سيف الدين قطز ومجرمي المغول، والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها هاهنا.. لكن إليك بعض التفصيلات أبرز قصص موسى - عليه السلام - يوم أن ألقته أمه في النيل رضيعاً، ليلتقطه آل فرعون فيصنعه الله كما يشاء في عقر دار جبار من جبابرة البشر، الذي تولى أمر تربية ورعاية الرضيع نزولاً عند رغبة زوجته آسية، رغم كراهيته للأمر، غير راغب فيه البتة. لكن التدبير الإلهي يقضي عليه أن يتربى الرضيع في قصر ذلك الجبار لحين من الدهر، كي يؤدي بعد أن يكبر، مهمة معينة ضمن مهام عديدة كتبها الله عليه، تمثلت إحداها في وضع حد لفساد وظلم فرعون في وقت محدد لا يتغير، وقد كان. جرت التدبيرات الإلهية خطوة بخطوة حتى جاءت اللحظة المنتظرة، ومن بعد أن جاوز موسى - عليه السلام - ومعه بنو إسرائيل البحر - كما جاء في تفسير ابن كثير - حيث أراد موسى - عليه السلام - أن يضربه بعصاه ليعود كما كان، كي يصير حائلاً بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله أن يتركه على حاله رهواً أو ساكناً، وبشّره في الوقت ذاته بأن فرعون وجنده مُغرقون فيه. فكان ذلك الحدث العظيم، الذي يصوم المسلمون شكراً لله كل عام، من التدبير الإلهي الذي استدرج فرعون وجنوده خطوة بعد أخرى، لنهاية ذليلة يستحقونها في عاجلتهم قبل آخرتهم. ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد من ضمن أمثلة التدابير الإلهية أن رتب الله نهاية غلاة الكفر ومجرمي قريش، أبي جهل وأمية والنضر وعقبة وغيرهم، في يوم لم يخطط له لا المسلمون ولا الكفار. حيث يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلب قافلة قريش ليس أكثر، ليصل الخبر إلى أبي سفيان، فيطلب النجدة من مكة، وفي الأثناء تفلت القافلة ويخسرها المسلمون، لتزول بحسب المنطق، أسباب نشوب حرب. لكن التقديرات والتدبيرات الإلهية تقضي أن يعاند أبو جهل كل حكماء وعقلاء قريش، ويتجه بهم للمكان والزمان المدبّر من الحكيم العليم، ثم تقع معركة بدر الفاصلة، وخلاص العباد والبلاد من ظلم مجرمي قريش. قاهر المغول من خوارزم تستمر التدبيرات الإلهية لنجدها مع سيف الدين قطز وقصته مع المغول، الذين أهلكوا الحرث والنسل وعاثوا في ديار المسلمين فساداً لم يسبق له مثيل، فكانوا بلاء عظيماً على الأمة، أو ربما عقاباً قاسياً لها على التفرق والاختلاف، فاستحقت ذلك الابتلاء الشديد الأليم. لكن ولأن هذه الأمة لا تستمر على باطل وسرعان ما تعود إلى الحق، جرت تدبيرات إلهية لتصحيح الأوضاع. المغول منذ ظهورهم وهم غارقون في القتل والنهب والأسر والهدم. يصلون ضمن طريقهم إلى دولة خوارزم، فيقتلون رجالها ويسبون نساءها ويأسرون بعض أطفالها. لا شفقة ولا رحمة ولا أخلاق أو شيء من نبل المحاربين والفرسان تضبط أعمالهم وتصرفاتهم. دولة همجية انطلقت من أقصى شمال الصين لتنطلق نحو الخارج، تنشر ثقافة الموت والهدم والخراب، وتعاند البناء والصناعة والحياة. هكذا الأمر استمر سنين عجافاً على ضحايا المغول، إلى أن يشاء الله، وبحسب التدبيرات الإلهية، يتم أسر طفل من أطفال ملوك خوارزم لا يتم قتله كآلاف الأطفال، ولكن يتم بيعه في دمشق وأكل ثمنه، لينتقل من سيد إلى آخر. وفيما الأيدي تتناقله من هذا البيت إلى ذاك، يقع أخيراً في يد عز الدين أيبك، أحد أمراء مماليك البيت الأيوبي بمصر، ليعود قطز تارة أخرى إلى الأجواء والبيوت الملكية، كما عاشها فترة من الزمن في خوارزم، حيث خاله هو القائد العظيم جلال الدين بن علاء الدين الخوارزمي، الذي أذاق المغول في بدايات عهدهم مع جنكيز خان، الكثير من الهزائم، حتى حدث ما حدث وانهيار دولة خوارزم. وا إسلاماه في عين جالوت تبدأ فترة التدبير الإلهي لقطز، واسمه الحقيقي محمود بن ممدود ابن أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، إذ إن اسم قطز يعود أصله إلى اللغة المغولية ويعني «الكلب الشرس» الذي لا يمكن ترويضه. فكانت حياته مع عز الدين أيبك، بداية رعاية وصناعة قائد، سيكون له شأن في قادم الأيام بحسب الترتيب والتدبير الإلهي، وستكون نهاية التتار المجرمين على يده، كما كانت نهاية المجرم فرعون على يد موسى عليه السلام، ونهاية أبي جهل، فرعون هذه الأمة، على يد (رويعي الغنم)، عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. مما يروى أن قطز أخبر أحد المقربين عنده، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشره بمُلك مصر وهزيمة المغول. ولم يكن غريباً أن يرى الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فقد اشتهر بالصلاح والتقوى والعفاف، والمواظبة على الصلاة والصيام ومجالسة وحب العلماء، والابتعاد عن الصغائر والشبهات. وهكذا كان ينشأ ويتطور ليصل إلى اللحظة الحاسمة بمعية فاعلة مؤثرة من سلطان العلماء، العز بن عبد السلام، لتكون معركة عين جالوت الفاصلة هي المحطة النهائية لدولة الدمار والخراب، بعد أن عادت الأمة إلى ربها ودينها، وحققت معايير نزول الدعم والنصر الإلهي، فكان الحسم المنتظر في كل العالم الإسلامي. أما المغول فقد بدأ التراجع والانكسار التدريجي لدولتهم حتى انتهت من التاريخ إلى غير رجعة. أزال قطز بلاء عظيماً عن أمة الإسلام وفق تدبير إلهي محكم، بعد أن تربى بطريقة معينة لتنفيذ مهمة محددة كانت هي الأبرز في حياته، إذ لم يلبث أن مات مقتولاً بعدها، من بعد أن تناسى قاهرو المغول دينهم وتعاليمه سريعاً، فوقع الخلاف والشقاق وحدث ما حدث في دول الإسلام، لتبدأ دورة جديدة للأمة المسلمة من الابتعاد التدريجي عن دينها، لتصطدم ببلاء جديد يتجدد وتمثل في حروب أهل الصليب ما بين تراجع وانحسار، ثم عودة وانتصار، وهكذا دواليك، أو هكذا حال الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

1224

| 10 أغسطس 2023

الشظايا المتناثرة حين تسلم !

ماذا كان العرب، مقارنة بغيرهم من الأمم، قبل الإسلام؟ وماذا كانت قيمتهم أو تأثيرهم على من حولهم من الأمم والحضارات؟، وكيف كانت نظرة الآخرين إليهم؟ بل كيف كان أنفسهم يرون أنفسهم؟ والأسئلة أكثر مما يمكن سردها في هذه المساحة المحدودة حول أحوال العرب، وقيمتهم قبل ألف وخمسمائة عام من الآن. لن تكون هناك أي مبالغة إن قال أحد إن العرب قبل الإسلام لم يكونوا ذا شأن، بل لم يكن ليلتفت إليهم أحد في تلك الفترة، لا من الروم ولا الفرس ولا الأحباش ولا أمم الصين والسند أو غيرهم من أمم وحضارات البشر حينذاك، بل لم يوجد أي سبب يدعو تلك الأمم لتلتفت إلى قبائل أو شظايا العرب المتناثرة يومها في أنحاء الجزيرة العربية وبعض مناطق خارجها، إلا إن كانت لهم مصالح وقتية معهم، ولعل أبرزها القيام بأدوار العمالة كما كان حال الغساسنة والمناذرة وتحالفهم مع القوى الاستعمارية والقوى الكبرى آنذاك، الفرس والروم، وإن لم يختلف الحال الآن عن السابق بكثير. لكن تلك الشظايا المتفرقة المتناثرة المتناحرة، تغير حالها ووضعها بشكل غير معهود في تاريخ الأمم والحضارات. عقدان من الزمن فقط احتاجهما العرب، ليكونوا سادة الجزيرة وما حولها، وليبدأ تأثيرهم يتسع وينتشر بشكل أثار كل دارس منصف موضوعي للحضارات والتاريخ وتطور البلدان، ومحاولة تفسير ما جرى، حتى وصفه كثير من أولئك الدارسين بالمعجزة. ولم لا تكون معجزة، وما جرى لا يجري ويتحقق ويتجسد على أرض الواقع قبل مضي عقود طويلة، كما يعرف ذلك دارسو نشوء وتطور الحضارات؟. التغيير المعجزة حين جاء الإسلام، تغير العرب مائة وثمانين درجة - كما تقول العامة – فقد كان هو العامل الرئيسي الأوحد الذي وحّد تلك الشظايا المتناثرة في أرجاء جزيرة العرب، ولعبت لغتهم الفصيحة في هذه الوحدة وهذا التماسك، وأعانتهم تماماً على فهم الدين كما جاء من عند الله، فكان لهم بالتالي، التأثير القوي على الغير في فترة قياسية في عمر الأمم والحضارات. خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى الشام – كما جاء في كتب السيرة، ومعه أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - فأتيا على مخاضة (بركة ماء) وعمر على ناقته، فنزل عنها وخلع خفيه ووضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين: أأنت تفعل هذا، تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك؟! حيث كان القساوسة واقفين على أسوار بيت المقدس يشاهدون هذا الموقف، فكيف يراه القساوسة والبطارقة وهؤلاء النصارى وهو على تلك الهيئة؟ فقال عمر: أوه لو يقول ذا غيرك أبا عبيدة، جعلته نكالاً لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إنّا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به، أذلنا الله. مشاريع العـودة للجاهلية لعلك بدأت تدرك الآن سر الجهود المبذولة هنا وهناك، سواء من الشرق أو الغرب وأحياناً كثيرة بأيدي العرب أنفسهم، في تركين أو تحجيم شأن الدين في إدارة البلاد والعباد، وبالمثل يقال في أمر التقليل من شأن لغتهم الأم. إن أمة العرب، من مشرقها إلى مغربها، كان للدين واللغة الأثر البالغ في إعلاء شأنها بين الأمم، سواء شئنا أم أبينا، وأي إزاحة لهما من حياتها، فالطريق إلى الجاهلية ستكون سالكة مرة أخرى، وحياة التشرذم والتبعثر بين الأمم يكون قد حان وقتها، بل لا أكون متشائماً إن قلت، إننا فعلاً نعيش هذه الحياة، ليس العرب وحدهم هذه المرة، بل غالبية أمة الإسلام. الأمة التي يعمل كثيرون جهدهم اليوم في تشويه صورتها، وصورة أتباع دينها، وتفتيت أي شكل من أشكال التجمع والتوحد بينهم. لكن رغم ذلك كله، فإن الأمل بالله كبير في صحوة تتجدد ويشتد عودها، فأمة الغرب التي ظلت قروناً تسيطر على العالم، تستعد للأفول بعد أن وصلت للذبول التدريجي، فيما غيرها من الأمم منشغلة بذاتها ومشكلاتها، ليبقى الأمل في أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أن تستعيد وعيها وتدرك قيمتها ومكانتها ودورها التاريخي، لتقود البشرية المنهكة من جديد، وما ذلك على الله بعزيز (ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا).

1257

| 03 أغسطس 2023

حسد وحقد الأقربين !

الأقربون أولى بالمعروف.. أو هكذا هي العبارة المشهورة عند العامة، وإن ظن البعض أنها جزء من حديث نبوي، وهي غير ذلك، لكن معنى العبارة صحيح. وليس موضوعنا اليوم البحث عن أصل العبارة، بقدر التوقف عند موضوع الأقربين، المتعارف بين الناس شيوع التآلف والتعاون بينهم. لكن ماذا لو فقد الأقربون تلك المزايا، وصار بعضهم والعقارب سواء، كما تقول العامة؟ سؤال نحاول أن ندندن بعض الشيء حوله. إن فتحت مسألة الأقربين، فلابد من التطرق إلى أمثلة من التاريخ بارزة، تتكرر في كل زمان ومكان، وكيف وصل بعضهم إلى درجة من السوء بحيث يبدأ بفعل الحسد وينتهي بما هو أشنع وهو الحقد، فلا تكاد تجد تفسيراً منطقياً لها. كان قابيل أبرز الأمثلة منذ بدء الخليقة، والذي سن سنّة سيئة سيتحمل وزرها ووزر من عمل بها من بعده، لا ينقص من أوزارهم شيئاً، كما جاء في الحديث الشريف، فإن الإقدام على جريمة مثل القتل، لم يكن يدور بخلد أي أحد حينذاك وهم قلة يومئذ. فالمتعارف عليه حال القلة أن يكون التعاضد والتآزر هما الأصل في العلاقة بين تلك القلة من الناس. لكن قابيل خالف كل تلك المفاهيم، فكان العقرب الأول في تاريخ البشرية. العقرب الذي لم يجد عدواً يلدغه سوى أقرب المقربين إليه، أخيه هابيل. حيث بدأ بحسد أخيه إلى أن فاض الكيل به ويصل إلى الحقد عليه، فيدفعه دفعاً لجريمة قتل في وسط عائلي، يعرف بعضه بعضا. لتستمر هذه الجريمة بعد ذلك إلى يوم الناس هذا، وإلى ما شاء الله لها أن تستمر، وليكسب في الوقت ذاته قابيل، إثم كل قاتل إلى يوم الدين. نموذج آخر هو عم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – المُكَنى بأبي لهب، وكان من أكثر المحبين لأخيه عبدالله الذبيح، والد نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا ما رزقه الله بولد وحيد هو نبينا الكريم ويتوفى بعدها، يُظهر أبولهب محبته لابن أخيه بعتق جاريته التي زفت إليه خبر الولادة. ثم بعد سنوات يختار اثنتين من بناته - صلى الله عليه وسلم – لأولاده. رقية لعتبة، وأم كلثوم لعتيبة، رغم أنهما كانا على الشرك فيما كانت رقية وأم كلثوم مسلمتين، حيث لم تكن آية تحريم تزويج المسلمات للمشركين قد نزلت بعد. لكن ما إن انتشر خبر الدعوة والرسالة، حتى انقلبت قريش على الصادق الأمين، وكان من ضمن المنقلبين معهم أبو لهب الهاشمي، الذي كان أول من جاهر بعداوته له - صلى الله عليه وسلم - في خطوة غير مفهومة ولا مقبولة عند العرب حينذاك. انقلب هذا العم، المفترض فيه أن يكون كبقية إخوانه مع ابن أخيهم، يدافعون عنه حين بدأت قريش تؤذيه، ولو من باب العصبية القبلية كعادة العرب في الجاهلية. لم يفعل ذلك، بل خالف توجهات بني هاشم واصطف مع كبار مجرمي قريش أمثال أبي جهل وعقبة وأمية، حسداً من عند نفسه على ما تفضل الله به على نبيه بالرسالة دون سائر بني هاشم. ليتطور ذلك الحسد إلى حقد ظهر على شكل عداوة، تزداد يوماً بعد آخر، حتى التهبت وصارت ناراً معنوية تأكله هو وزوجته حمالة الحطب، ولم تردعهما السورة التي نزلت وفيها وعيد شديد لهما، إلى أن هلكا وختم كل منهما حياته بشقاء أبدي في نار ذات لهب. لم ينتفع أبو لهب بعلاقة القرابة مع خير البشر كما إخوته، سيد الشهداء حمزة، وجعفر الطيار، والعباس وعقيل وغيرهم. فلا هو أغدق خيراته على ابن أخيه ودينه مثل أولئكم العظماء، ولا كف شره وناصره كأضعف الإيمان مثل أخيه أبي طالب، لكنه أبى إلا أن يكون عقرباً لئيماً عنيداً حسوداً حقوداً، أنهى حياته بنهاية لن تسره لا في قبره ولا آخرته. لماذا حقد الأقربين؟ قد نتساءل عن سبب مثل تلك العداوات والأحقاد بين الأقارب. والإجابة قد لا تحتاج كثير تحليل، فإن أشد أمراض القلوب وهو الحسد، ما إن يبدأ يسيطر على القلب واللب، فإنه يحوّل صاحب ذلك القلب واللب من حاسد سلبي، إلى حاسد إيجابي حقود، لا يرى مكانة ولا يأبه لمشاعر أو أحاسيس تجاه أقرب الناس إليه. الأخ قد يقتل أخاه والعم يعادي ابن أخيه، بل ويساهم في مشاريع اغتياله والتخلص منه، وغيرهما من أمثلة قد تزيد في السوء أو تقل ! حين يتعمق داء الحسد لمال أو جاه أو زعامة أو غير ذلك من زخرف الدنيا تدريجياً، ويصل إلى درجة الحقد، فإنه يدفع بصاحبه لارتكاب حماقات كارثية، كما في الحديث (سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: الأشَرُ والبَطَرُ، والتكاثر والتشاحن في الدنيا، والتباغض، والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهَرْج). والأشر هو كفر النعمة، والبطر هو الطغيان عند النعمة. القصتان أعلاه ما هما سوى غيض من فيض. وأكاد أجزم بأن كل واحد منا لديه قصص ربما شبيهة، وربما يجد من أهله وأقاربه وأصدقائه من هم على شاكلة قابيل أو أبي لهب. يتمنى الحاسد منهم زوال النعمة عن المحسود بادئ الأمر وبأي وسيلة، أو المساهمة بنفسه في كل ما من شأنه أن يزيل النعمة عن المحسود ! هكذا يفعل الحسد في القلوب، وهكذا يفعل في تفتيت العلاقات وتفكيك الروابط العائلية والأخوية وغيرها من روابط بين البشر. الحسد يغلف القلب بغلاف صلب يقطع صلته بالواقع، ويمنعه صناعة مشاعر الود والألفة والمحبة تجاه الآخرين ولو كانوا من الأقربين. والحسد كذلك يصنع غشاوة على الأبصار، لا يرى بسببها الحاسد أحداً أمامه يستحق الرأفة والرحمة. من أصابه هذا الداء ولم يجتهد للتخلص منه ومعالجة نفسه، فقد أعلن عن نهاية غير سعيدة له، لا في عاجلته ولا آخرته. ليس هناك من علاج لهذا الداء أنجع وأنفع من تقوية الإيمان بالله، والتقرب منه واللجوء إليه، فإن بغير ذلك، لا أحد ينجو من قلب حاسد، ولو كان أخاً أو أختاً أو أحداً من أقرب المقربين. ولنسأل الله سلامة الصدور من تلك الأمراض المعنوية قبل العضوية، فإنها تُعمي القلوب التي في الصدور. وقد قيل قديماً بأن لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته؛ فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه، لم يضره عماه شيئا. وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه، لم ينفعه نظره شيئا.. وسلامتكم من كل شر.

12036

| 27 يوليو 2023

alsharq
هل سلبتنا مواقع التواصل الاجتماعي سلامنا النفسي؟

ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...

6525

| 15 فبراير 2026

alsharq
المتقاعدون.. وماجلة أم علي

في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...

963

| 16 فبراير 2026

alsharq
التحفظ على الهواتف في الجرائم الإلكترونية

لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...

786

| 16 فبراير 2026

alsharq
مرحباً بالركن الثمين

مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...

768

| 18 فبراير 2026

alsharq
الموظف المنطفئ

أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...

606

| 16 فبراير 2026

alsharq
حروب ما بعد الحرب!

الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو...

468

| 13 فبراير 2026

alsharq
سورة الفاتحة.. قلب القرآن وشفاء الأرواح

تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...

465

| 13 فبراير 2026

alsharq
بصمة الحضور في المدارس.. بين الدقة التقنية وتحديات الواقع

يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...

465

| 16 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

456

| 19 فبراير 2026

alsharq
رمضان .. حين يأتي الضوء بهدوء

شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...

453

| 17 فبراير 2026

alsharq
أسعار الذهب والفضة

حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...

411

| 15 فبراير 2026

alsharq
العالم بعد ويستفاليا.. بين تفكيك القواعد وإعادة التأسيس !

منذ توقيع معاهدة ويستفاليا عام 1648، وُضع الأساس...

396

| 16 فبراير 2026

أخبار محلية