رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في إطار التعثر الواضح لمعظم تجارب الربيع العربي صار السؤال الطبيعي هو: هل نحن أمام عقد جديد من الاستبداد؟ وهل يمكن أن يمتد زمن الاستبداد الحالي لكي يضاهي في طوله أزمان الاستبداد التي عاشتها الشعوب العربية في أعقاب حصولها على الاستقلال في الخمسينيات والستينيات؟ بعبارة عامة يمكن القطع أن الديكتاتوريات العربية قد استنفدت كافة الأرصدة التي اعتمدت عليها في الماضي لكي تطيل أمد بقائها في السلطة، بحيث يمكن القول إن استمرارها في المرحلة الحالية يعكس نوعا من القصور الذاتي ولا يعكس امتلاكها لقوة دفع حقيقية تمكنها من الاستمرار في لعب الأدوار التي لعبتها في الماضي. ولكن رغم ذلك فإن أنظمة الاستبداد مازالت تراهن على عدد من الدعامات التي تحاول أن تعوض من خلالها قصورها وفشلها. أولى هذه الدعامات هو احتكارها استخدام أدوات العنف داخليا. فبشكل عام تبدو أنظمة الاستبداد في هذه المرحلة أكثر جرأة في ممارسة واستعراض بأسها عن أي مرحلة سابقة، ويتعلق هذا بكون التهديد الذي تواجهه في هذه المرحلة تهديدا وجوديا أكثر منه تحديا نمطيا عاديا، وعليه فإنها تبدو راغبة وقادرة على خلع كافة الأقنعة التي كانت تتخفى وراءها، والتي تشمل أقنعة المؤسسات، والديمقراطية، والشرعية، فلا بأس الآن من الحكم بقوة السلاح، ولا مانع من أن تخرج الشرعية في هذه المرحلة من فوهة المدفع وليس من صندوق الانتخابات "المزورة". أما الدعامة الثانية لأنظمة الاستبداد فترتبط بقدرتها على المناورة والحصول على الدعم الدولي والتأييد الداخلي في إطار ما يطلق عليه الحرب على الإرهاب. وفي هذا الإطار تتذرع هذه الأنظمة بوجود "الجماعات الراديكالية" لتبرير استبدادها الداخلي، فضلاً عن تسويق خدماتها لقوى الخارج للحصول على دعمها. وبالفعل يدفع الخوف من التنظيمات المتشددة قطاعات واسعة من الشعوب إلى الاحتماء بأنظمتها رغم أدائها السيئ، ويستمر الدعم الجماهيري طالما استمر الخوف من المصير الفوضوي الذي يمكن أن تؤول إليه أوضاع البلاد قياسا على تجارب مماثلة أدى فيها عنف النظام إلى خروج الأوضاع عن السيطرة. كما يتوفر الدعم الدولي طالما ظلت القوى الخارجية بحاجة إلى من يحقق لها الاستقرار الإقليمي بأي ثمن. ويبقى السؤال هل هذه الوضعية مرشحة للتغير في الأمد القريب؟ في الواقع تبدو أنظمة الاستبداد ممسكة بزمام الأمور رغم كل ما يحيط بها من مظاهر للفوضى، إلا أن التغيرات الإقليمية تبدو أعقد من أن تنجح هذه الأنظمة في التعامل معها أو البقاء بمنأى عن تداعياتها. فمهما تكن فاعلية أسلوب القبضة الغليظة على المستوى الداخلي ومهما تكن قدرتها على المناورة فلا يبدو أن بمقدور هذه الأنظمة أن تضبط التفاعلات التي تؤثر على استقرارها على المستوى الإقليمي والدولي باستخدام هذه الأساليب. فالمنطقة كلها تبدو في حالة مخاض تأخر عن موعده الطبيعي بعدة عقود، فالأنظمة التي خلفها الاستعمار كأنظمة شبه حداثية لم تستطع أن تتظاهر بالطابع الحداثي لأكثر من ذلك. خاصة أن هذه الأنظمة قد تلبست حداثة الشكل دون المضمون. فقيم العقلانية والرشادة وحكم القانون تحولت في إطار تجربة الاستبداد العربي إلى قيم للفساد والمحسوبية وحكم الهوى، وذلك مع غلاف أنيق من المؤسسات التي يفترض أنها تعكس أسماء وصفات القيم الحداثية. وإذا كانت الشعوب حاليا تسدد القدر الأكبر من تكلفة هذا المخاض الإقليمي، فإن الأنظمة أيضا تبدو مرشحة لتغيرات كبرى في إطاره. خاصة أن تصور أن تنجح نظم الاستبداد في أن تظل مستقرة في وسط أجواء الفوضى الإقليمية يبدو تصورا بعيدا، كما أن الحفاظ على الاستقرار من خلال إجراءات تعمق الفوضى تبدو هي الأخرى محاولة غير منطقية. صحيح أن هناك قطاعات من الشعوب العربية مازالت مستعدة للتعايش مع الفشل، وقادرة على تبرير الفساد والاستبداد، إلا أن وجود مثل هذه القطاعات لا يمكن أن يخرق نواميس الاجتماع الإنساني التي تؤكد على أن الظلم مؤذن بخراب العمران، وأن المنظومات المعبأة بالفساد، وانعدام الكفاءة، لا يمكن أن تستمر في مقاومة العوامل التي تدفعها إلى نقطة نهايتها المحتومة.
638
| 22 أكتوبر 2014
لو أخبرت مجموعة من الناس أن بينهم مخبرا يتجسس عليهم، ماذا سيكون رد فعلهم؟ في تجربة عملية تم توجيه هذا السؤال إلى مجموعة من الأفراد، وكانت النتيجة أن البعض رفض هذا السلوك واعتبره إهانة شخصية له، ولم يقبل بأقل من الكشف عن الدخيل وطرده من القاعة، أما البعض الآخر فاعتبر أنه لا داعي للقلق، فطالما أنه لم يرتكب ما يخرق "القانون" فلا يضيره أن يكون هناك من يتجسس عليه.في إطار هذه التجربة يمثل رد الفعل الأول نموذج الشخصية التي تضيق ذرعا بالسلطة المتطفلة ووسائلها في التحكم والرقابة، فيما يمثل النموذج الثاني الشخصية المحافظة، المقتنعة بأن للسلطة ضروراتها، وأنه لا حرج عليها فيما تقوم به من أفعال لتقييد حرية الناس أو مراقبتهم في سبيل المصالح العليا، التي حتى وإن لم يكن واضحا ما الذي تمثله فإنه يمكن استشعار أهميتها وخطورتها.غير أن هذه الثنائية تتلاشى فورا عندما يتم إقناع الأفراد محل التجربة بأن هناك تهديدا وشيكا لحياتهم وخطرا داهما على أمنهم وسلامتهم (وجود قنبلة وسط القاعة مثلا)، وأن التجسس عليهم ومراقبتهم هو ضروري للكشف عمن زرع القنبلة ومعاقبته. حينها يقدم الأفراد أمنهم على حريتهم، واستقرارهم على كرامتهم الشخصية، فينحازون جميعا إلى النموذج الثاني الذي لا يمانع في وجود من يتلصص عليهم حتى لو ظلت هويته مجهولة لهم.ونظرا لفاعلية أسلوب التخويف تستخدمه الأنظمة الحاكمة لإبقاء المواطنين تحت سيطرتها المباشرة، وذلك من خلال توظيف فكرة الخطر الداهم أو صناعتها، حتى يضطر الفرد أن يحتمي بالنظام القائم، ويتغاضى عن عيوبه، ويتوقف عن المطالبة بإصلاحه أو تعديل سياساته. وفي ظل خطاب الخطر والتهديد، يقترب الليبراليون من المحافظين، ويتماهى من هم في المعارضة مع من في الحكم، ويتقبل الجميع فكرة الضرورات التي تبيح المحظورات، ويبدأ الجميع في الحديث بلسان واحد، مرددين قناعات واحدة حول أولوية الاستقرار وأهمية الحفاظ على بقاء الدولة. ولا شك أن أنظمة الاستبداد تبرع في استخدام مثل هذا الأسلوب، ولكن لا يقتصر استخدامه عليها، فقد تلجأ إليه الأنظمة التي تصف نفسها بالديمقراطية، كما فعلت الولايات المتحدة خلال مرحلة الحرب الباردة، حين تم إقناع ملايين الأمريكيين أن الخطر الشيوعي سوف يبتلع بلادهم في أي لحظة، وفي ضوء حالة الاستنفار القصوى التي روج لها النظام تمت مراكمة أسلحة دمار شامل لم تستخدم قط، وذهبت أثمانها إلى جيوب بارونات المال وتجار السلاح، الذين كانوا المستفيدين الوحيدين من نشر هذه الفوبيا.وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي (دون أن يطلق صاروخ واحد باتجاه الأراضي الأمريكية)، قام بارونات المال والسلاح، مدعومين بوكلائهم في الإعلام والكونجرس بدفع الإدارة الأمريكية إلى تسويق فكرة "الإرهاب العالمي" كعدو جديد يشغل الفراغ الذي أحدثه غياب السوفيت، وذلك حتى يستمر ضخ الأموال إلى حساباتهم المصرفية من ناحية، ولإبقاء المواطن الأمريكي في حالة من الإذعان والانشغال بالخطر الغامض الذي يصر رجال السياسة أنه قريب جدا من ناحية أخرى.وهكذا وفي الحالتين تم إقناع الأمريكيين بوجود خطر داهم يتهدد وجودهم، ولا يمكن لغير الدولة بأجهزتها السيادية أن تتصدى له، وبالفعل احتمى المواطن بالدولة، التي استغلت الفرصة لسن مجموعة من التشريعات التي سلبت الأمريكيين الكثير من حرياتهم، وأبقتهم تحت المراقبة والتنصت عن طيب خاطر منهم. وإذا كان استغلال مشاعر الخوف الغريزي من المجهول قد نجح في بلد ترتفع نسبة التعليم فيه، كالولايات المتحدة، فمن المنطقي أن ينجح بدرجة أكبر في دول العالم الثالث الذي ننتمي له، خاصة أن مواطني هذا الجزء من العالم من طول تعرضهم للمراقبة، تحولوا من وضعية المراقَب (من قبل الغير) إلى وضعية المراقِب (لنفسه)، فالمواطن في عالمنا العربي صار بفعل الكوابيس التي تصدرها له أنظمته الحاكمة يخط لنفسه خطوطا حمراء كثيرة، يراقب بموجبها ما يصدر عنه من أقوال أو أفعال، الأمر الذي جعله يتقبل حالة المراقبة، ويتعايش معها بوصفها جزءا من حياته الطبيعية.وإذا كان ثمة أمل في أن ينجو أحد من سياسات التخويف ومن الوقوع في أسر عقلية المراقب في عالمنا العربي، فيتعين أن يكون هؤلاء من فئة الشباب، فتطلعهم للحرية يفوق تطلع غيرهم من الفئات العمرية الأكبر، فهم لا يقدسون الاستقرار، ولا تحركهم غريزة الخوف من المجهول، ولا يقبلون معادلة الأمن في مقابل الاستبداد. ولهذا تنحصر معركة التغيير الدائرة حاليا في العديد من البلدان بين الأنظمة وبين الشباب دون غيرهم من الفئات العمرية. فهل ستضحي أنظمة الاستبداد بشبابها من أجل أن تظل في مواقعها في الحكم، أم أن حماسة الشباب وتطلعهم لمستقبل أفضل سوف تكتب صفحة جديدة في عمر هذه الأمة؟
971
| 15 أكتوبر 2014
معضلة المستبد (السجان) هي النقيض من معضلة السجينين (التي استعرضناها في المقال السابق)، فإذا كانت معضلة السجينين تتمثل في غياب التواصل وغياب الثقة فيما بينهما، وهو ما يستغله المستبد عادة لإقناع الجميع بالقبول بحكمه على ما فيه من أخطاء وقصور، فإن معضلة المستبد تبدأ حينما تتاح الفرصة أمام السجينين للتواصل وتبادل الثقة. بعبارة أخرى تبدأ معضلة المستبد عندما ينهار جدار العزلة الذي يضربه حول الأفراد، وتنجح قنوات الاتصال التي تربطهم ببعض في ترميم الثقة المفقودة، فتنكمش قدرة المستبد على التحكم والسيطرة. ويرتبط هذا بدخول الأفراد في معظم المجتمعات المعاصرة، بما فيها تلك الخاضعة لأنظمة الاستبداد، عصر الاتصالات المفتوحة وحرية تداول المعلومات. فالحاصل أنه في مجتمعات المعلومات يعثر الأفراد ذوي الاهتمامات المشتركة على بعضهم البعض بسهولة فيحطمون القيود الرسمية التي كانت تمنع تجمعهم "بدون تصريح مسبق"، ويصير بإمكانهم التواصل عبر الفضاء الافتراضي، وذلك من دون التواجد داخل نفس الحيز الجغرافي، ومن ثم دون الخضوع للاشتراطات الأمنية التي تفرضها الأنظمة السياسية التقليدية على الاجتماع والتجمهر.وبحرية اجتماع الأفراد تتصاعد موضوعات الحوار فيما بينهم، فتتجاوز الشأن الخاص إلى الشأن العام، ومنه إلى مساءلة الأوضاع السياسية وتقييم أداء من بيده مقاليد السلطة والحكم. وفي الوقت الذي يؤمن فيه مستخدمو وسائل الاتصال الجديدة أن بإمكانهم عبر هذه الأدوات أن يجعلوا العالم مكانا أفضل، تعتبر أنظمة الاستبداد أن هذه الوسائل تهديد صريح لأركان حكمهم، فهي تصعب من إجراءات الرقابة الشاملة، وتقلل من سلطتهم أو على الأقل تفرض عليهم تبرير ما يقومون به للجماهير التي تراقبهم. قبل شيوع مثل هذه الوسائل الاتصالية كانت القاعدة العامة أن تراقب أنظمة الاستبداد كافة العمليات الاتصالية وتتحكم فيها، ولهذا مرت هذه الأنظمة بفترة من العناد إزاء السماح بتسويق تقنيات الاتصال داخل بلادها ورفضت بإصرار إتاحتها للمواطنين، ويذكر البعض كيف كان قرار السماح بدخول شركات المحمول إلى كثير من الدول العربية ثقيلا وصعباً على أنظمتها، إذ كانت تعلم مدى الخطورة التي يمكن أن يجرها عليهم الدخول إلى عصر المعلومات، وكانوا يدركون أنهم بهذا سوف يفقدون مزية المراقبة عن طريق المنع، والتحكم عن طريق الحجب، وإخضاع المواطنين عبر تصنيف كل ما يرغبون حظره عنهم تحت يافطة "الأمن القومي".ولكن في النهاية كانت الضغوطات العالمية أقوى، واضطروا تحت إلحاح المؤسسات الاقتصادية العالمية إلى إتاحة تقنيات الاتصالات في مقابل الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي تتيحها هذه المؤسسات، والوعود بتحقيق تنمية اقتصادية لا تنهض في ظل أجواء العزلة وشح المعلومات. ولمواجهة اضطرارها الانفتاح على حرية تداول المعلومات، لجأت أنظمة الاستبداد العربية إلى تطوير علاقات سياسية مع شركات الاتصالات الكبرى، وذلك لمبادلة المنافع الاقتصادية بالمراقبة السياسية، حتى أصبحت قضايا إتاحة معلومات المستخدمين التي تقدمها هذه الشركات لأنظمة الاستبداد أكثر من مجرد إشاعات.وقد تأكدت مثل هذه العلاقات المشبوهة خلال المراحل المبكرة من ثورات الربيع العربي، حيث بدا واضحا وقتها أن التنسيق مع هذه الشركات قد صار جزءا من خطط أنظمة الاستبداد لمواجهة الثورات. وكان أحد الإجراءات الوقائية المعتادة لمواجهة الاضطرابات التي صاحبت انطلاق الثورات هو لجوء أنظمة الاستبداد إلى شركات الاتصالات لقطع خدماتها عن مواطنيها، وإبقائهم في حالة من العمى المعلوماتي، وذلك للحيلولة بينهم وبين أحد العوامل المهمة التي كانت وراء نشوب هذه الثورات واقترابها من النجاح.غير أن هذه الإجراءات لم تنجح في إطالة أمد الكثير من الأنظمة التي قامت ضدها الثورات، فالجدران الحديدية التي يقيمها المستبدون حول أنفسهم لم تعد ممتنعة عن الاختراق، والأسوأ أنه في عصر الاتصالات الحرة، أصبح الكثير من أسرارهم في متناول العامة. وقد ظهرت مواقع متخصصة لتجميع هذه التسريبات وأرشفتها وتسهيل البحث فيها، وفي مقدمة هذه المواقع موقع ويكليكس الشهير، الذي صار اسمه يرمز إلى انتقال المراقبة من الحاكم إلى المحكوم، فبعد أن كانت الرقابة تمر في اتجاه واحد من الحاكم إلى المحكومين، وفرت مواقع التسريبات مجالاً للمحكومين لمراقبة حكامهم، وإظهار ما ارتكبوه من تجاوزات بحق شعوبهم.ومن خلال هذه النافذة وغيرها أصبح التسريب عملا مؤسسياً، تقوم عليه هيئة يديرها متطوعون حول العالم، وظهر مفهوم "حق التدخل المعلوماتي"، ليمثل خصما إضافيا من المفاهيم التقليدية للسيادة، التي كانت تفترض أن الدولة هي سلطة عليا لا يوجد من له الحق في مراقبتها أو مراجعتها فيما تقوم به. فإذا بهذا الحق يصير في أيدي الأفراد من المواطنين وحتى الأجانب ممن يسعون لإقامة مجتمع معلومات عالمي مفتوح وغير خاضع للرقابة.ولكن لا يعني ما سبق أن أنظمة الاستبداد قد رفعت الراية البيضاء تماماً، فمازالت هذه الأنظمة تحاول تفكيك مجتمعات المعلومات، إما بتعميق الاستقطاب بين الجماعات الافتراضية وبعضها البعض، أو بذر بذور الاختلاف بداخل كل جماعة على حدة، فضلاً عن قيامها بنشر الدعايات السلبية حول المنخرطين في أعمال المقاومة المعلوماتية، عبر الإيحاء للعامة أن من يتبادلون المعلومات عبر الفضاء الإلكتروني هم جواسيس أو متآمرون على مصلحة البلاد، وهي الدعاية التي يبدو أنها قد حققت قدرا من النجاح في الأنظمة التي نجحت فيها الثورات المضادة على الأقل.
871
| 01 أكتوبر 2014
يعرف الباحثون في حقل العلوم الاجتماعية معضلة شهيرة يطلق عليها اسم "معضلة السجين"؛ وتشير إلى تلك الحالة التي يكون قرار الفرد فيها متوقفا على قرار غيره مع عدم استطاعته التواصل معه أو الثقة فيه. ويستخدم لشرح هذه المعضلة المثال التالي:يلقي القبض على متهمين، وتكون الخيارات المتاحة أمام كل منهما أثناء التحقيق هي إما الوشاية بالآخر أو الصمت. وفي حال اختار المتهمان الصمت، لا تستطيع المحكمة إثبات التهمة على أي منهما، فيحكم على كل منهما بالسجن لمدة عام واحد. أما لو وشي أحد المتهمين على صاحبه فيما صمت الآخر، يفرج عن الواشي ويحكم على الآخر (الصامت) بالسجن عشر سنوات. أما إذا اختار المتهمان أن يشي كل منهما بالآخر، فيحكم على كل منهما بخمس سنوات. مع الأخذ في الاعتبار أن كلا المتهمين لا يعلم بقرار الآخر أثناء التحقيق معه.من الطبيعي أن تبدو إستراتيجية الصمت المتبادل هي أفضل بديل متاح، وذلك إذا نجح السجينان في التواصل وأقنع كل منهما الآخر بالتزام الصمت، ولكن المشكلة أن هذا التواصل مفقود، وحتى لو كان ثمة تواصل بطريقة ما فإن هناك مشكلة انعدام الثقة، فربما يتفق السجينان على الصمت، ثم يأتي أحدهما ويقول في نفسه: عظيم لقد أقنعت زميلي بالصمت، والآن يمكنني أن أشي به وأحصل على البراءة.وبسبب معضلة الشك المتبادل من جهة، وانعدام القدرة على التواصل من جهة أخرى، لا يصبح أمام السجينين إلا اللجوء إلى الخيار اللا أخلاقي المتمثل في الوشاية بالطرف الآخر، ويبدو هذا الخيار عقلانيا جدا في نظر الطرفين، ذلك أنه إذا قرر الطرف الأول الوشاية فهنا إما أن يصمت الطرف الثاني، فيحصل الواشي على البراءة، وإما أن يقرر الطرف الثاني الوشاية بزميله هو الآخر، فينجوا الطرف الأول بوشايته من حكم مشدد بعشر سنوات. صحيح أن الطرفين يحصلان وفق هذه الخطة على حكم بخمس سنوات، وهذه ليست أفضل نتيجة ممكنة، بل هي خسارة فعلية، إلا أن هذه الخسارة هي أفضل خيار عقلاني في ضوء حالة الشك المتبادل وغياب التواصل. وتلخص معضلة السجينين في قدر كبير من مضمونها حالة الشعوب العربية في مواجهة حكامها المستبدين، فأنظمة الاستبداد توظف بشكل غير مباشر معضلة السجينين أو هي تصنعها صناعة، وذلك عبر إذكاء حالة من انعدام الثقة وعرقلة مظاهر التواصل بين الجماهير، وخلق أجواء تشبه أجواء السجن العام، حيث يشعر كل فصيل أو طرف بالتوجس والقلق والخشية من بقية الأطراف. وذلك كيما يقبل الجميع بمنطق الخسارة الجزئية ظنا منهم أنها تعفيهم من الخسارة الكلية (حتى لا نصير مثل سوريا والعراق). التواصل المفقود وانعدام الثقة بين الناس هما الصولجان الحقيقي في يد كل مستبد، وهما أداته لجعل خيارات شعبه دوما في مصلحته، فالشعوب المفككة لا تقارن بين ما هو حسن وما هو أحسن، ولكنها تختار بين ما هو سيء وما هو أسوأ. هي فقط تحاول أن تقلل خسارتها، لا أن تعظم مكاسبها، ومن هنا فإنها ترضى بالقليل على اعتبار أنه أفضل المتاح. ففي إطار مهرجان الخسارة للجميع، يصبح الطرف الذي يجني أقل خسائر هو الفائز. لقد خلق الله (سبحانه) الناس مختلفين ليتعارفوا ويتواصلوا، ولكن أنظمة الاستبداد تستثمر اختلاف الناس لتضرب بعضهم ببعض وتخوف بعضهم من بعض وتذرع بذور الكراهية فيما بين بعضهم البعض، وذلك لكي تطيل أمد بقائها في الحكم لأطول فترة ممكنة عبر إقناع الناس بالقبول بالخسارة الجزئية خوفا من ضياع المجتمع ككل. المثير للتفاؤل أن العلماء قد توصلوا رياضيا أن معضلة السجينين يمكن تجاوزها من خلال الخبرة، فمن خلال الوقوع في نفس المأزق مرة بعد أخرى، يتعلم الفرقاء أن يثقوا في بعضهما البعض، فالاشتراك في الفشل ينتهي بالسجينين إلى قناعة مفادها أن التعاون أفضل من الوشاية. ومما يساعد على الوصول إلى هذا السلوك الرشيد أن كثافة التفاعل في حالة المجتمعات تكون أكبر منها فيما بين السجينين، ما يسمح باكتشاف فوائد التعاون على نحو أسرع. كما تساعد أدوات التقنية الحديثة في توسيع رقعة التواصل المجتمعي والتخلص من فردية التفكير والمصلحة والقرار. كما أن هناك دائما احتمال انبثاق الوعي الثوري من التفاعل الاجتماعي، هذا الوعي الثوري ربما لا يظهر بوضوح في لحظات القهر السياسي، ولكنه يظل دائما عنصرا كامنا، ومصدر قلق محتمل للمستبد، لذا يطلق عليه البعض وصف "معضلة المستبد"، والذي نناقشه في مقال لاحق إن شاء الله.
2506
| 24 سبتمبر 2014
الطوفان الرقمي هو عنوان كتاب صدرت نسخته الإلكترونية عن مؤسسة "هنداوي للتعليم والثقافة"، ويناقش عددا من القضايا المعلوماتية المهمة، أبرزها قضية الخصوصية وكيف أثر الانفجار المعلوماتي عليها في كثير من الأحيان بالسلب، ونظرا لأهمية الموضوع نعرض لمقتطفات مما جاء في هذا الكتاب فيما يلي.من أبرز مساوئ الانفجار الرقمي أن أصبح التجسس على الآخرين عملا يسيراً يمكن للحكومات أن تقوم به إزاء الأفراد دون علمهم. فكاميرات المراقبة الرقمية تنتشر الآن في معظم شوارع ومدن العالم، حتى أنه في مدينة لندن وحدها يوجد أكثر من نصف مليون كاميرا مثبتة على جوانب المباني، بمعدل كاميرا واحدة لكل اثني عشر مواطنا، تلتقط للمواطن الواحد مئات الصور يوميا. ومع انتشار هذه الكاميرات الرقمية، يتضاءل مجال الخصوصية إلى درجة لم يكن يتصورها حتى جورج أوريل في روايته الشهيرة 1984.أما شركات الهواتف المحمولة فلا تعلم فقط الأرقام التي نقوم بالاتصال بها، بل تعلم أين كنا وقت أن أجرينا المكالمة، الأمر نفسه بالنسبة لشركات الائتمان التي تعلم مقدار ما أنفقنا من أموال، وتعلم كذلك ما اشتريناه بهذا المال. أما المصارف التي نتعامل معها فلديها سجلات إلكترونية بمعاملاتنا المالية، ليس فقط بغرض ضبط عمليات السحب والإيداع، بل لإخطار الحكومات إذا حدث وقام صاحب الرصيد بسحب مبلغ كبير من المال من حسابه. وبفضل نظام تحديد المواقع أصبح العثور على أي شخص أمرا سهلا، خصوصا أن هذه الخاصية أصبحت موجودة الآن في الهواتف المحمولة. وعليه فإنه في أي مكان توجد فيه تغطية للهاتف المحمول، يمكن استخدام إشارات برج الهاتف لتحديد موقع أيا منا. أما الصناديق السوداء فلم تعد قاصرة على الطائرات، فالعديد من شركات تصنيع السيارات أصبحت تضيف مثل هذه الصناديق كوسيلة لجمع المعلومات عمن يقود سياراتها (سرعة السيارة ووقت استخدام المكابح، والالتزام بإشارات الالتفات، وحزام الأمان) ومن ثم تحديد على من تقع المسؤولية حال وقوع حوادث أو تلفيات في السيارة.من ناحية عكسية فإن ما يقوم الأفراد بجمعه من معلومات أو التقاطه من صور يمكن تتبع مصدره بسهولة كبيرة. فالكاميرات الرقمية مثلا تسجل بيانات وصفية بداخل كل صورة تلتقطها، تشمل إعدادات الكاميرا، وتاريخ التقاط الصورة، ووقته، وماركة الكاميرا ورقمها التسلسلي، وفي حال قام صاحب الكاميرا بشرائها عبر كارت ائتماني فيمكن التعرف على هويته بسهولة. الأمر نفسه بالنسبة للأوراق المطبوعة، فمعظم طابعات الليزر تزود حاليا بتقنية تترك ما يشبه البصمة (التي يصعب رؤيتها) على كل ورقة تطبعها، تشير إلى تاريخ طباعة الورقة، والرقم التسلسلي للطابعة.والخلاصة التي انتهى إليها الكتاب أنه أينما ذهبنا فإن هناك بصمات إلكترونية تدل علينا. فالانفجار المعلوماتي قد بعثر تفاصيل حياتنا في كل مكان. ومن يحاول أن يتجنب ترك أثار رقمية وراءه يشبه من يحاول تجنب ملامسة الأرض عندما يسير عليها. ورغم ما يمثله هذا العالم الرقمي من تحدي، فإن المفارقة التي يبرزها الكتاب أننا وقعنا بالفعل في غرام هذا العالم الذي لا يحترم الأسرار. ذلك أننا نضحي بخصوصيتنا في مقابل ما يتيحه من كفاءة وراحة وسرعة. ليس فقط بفعل إغواء التكنولوجيا التي اكتسبت عوامل جذب كبيرة، ولكن لأن ميول الناس وقناعاتهم تغيرت أيضا بدرجة كبيرة، فالأفراد الآن يمارسون نوعا من الإقبال الجماعي على التكنولوجيا، وفقا لمنطق أنه إذا كان الجميع يفعلون ذلك فلماذا أمتنع أنا، ويصدق هذا أكثر ما يصدق على شبكات التواصل الاجتماعي. كما ينفتح الكثيرون على التكنولوجيا رغبة في توفير المال أو الوقت، كما في عمليات الشراء الإلكتروني، واستخدام بطاقات الائتمان، البعض الآخر لا يستشعر أي خطر من وراء المشاركة في معلوماته الشخصية، فالكثير من الناس ينشرون ويذيعون معلوماتهم دون أن يفرض أحد عليهم ذلك، كما أن معظم الشباب ممن لهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لا يضعون أي قيود على اطلاع الغير على محتويات حساباتهم الخاصة. فقد تسبب النمو الهائل في التكنولوجيا في تغيير جذري لتقييمنا لما نعده من الخصوصيات ولنظرتنا بشأن ما ينبغي أن يكون من الأسرار. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تبدأ الحكومات في محاولة الاستفادة من التقنية للتغلغل في خصوصيات الأفراد ومراقبتهم، فرغم أن إخفاء الهوية هو ديدن النظام الديمقراطي إلا أن التكنولوجيا توفر باستمرار وسائل للالتفاف على هذا المبدأ، ما يتيح للحكومات أن تتظاهر بالديمقراطية فيما هي تنتهك أشد خصوصيات مواطنيها.ما يساعد الحكومات حاليا على تحقيق غرضها هذا، أن قضايا الإرهاب قد جعلت الرأي العام العالمي أكثر تعاطفا مع الإجراءات التي تضر بالخصوصية وذلك في إطار مقولات حماية الأمن والاستقرار. إذ تستغل الحكومات حالة الخوف المرضي لدى الناس العاديين من الإرهاب والعنف لتعميم إجراءات تستهدف المزيد من خصوصية الناس. حتى أصبح مفهوم الحكومة الإلكترونية سلاحاً ذا حدين، فمن جهة أصبح هذا المفهوم وسيلة لتيسير إجراءات التعامل اليومي مع جهاز الدولة، ولكنه من جهة أخرى يشير إلى قدرة الدولة المتزايدة على مراقبة الفرد وتجريده من خصوصيته ومعرفة كل ما تريد معرفته عنه من نشاطات أو اهتمامات أو أفعال يقوم بها في حياته الخاصة. للمزيد يراجع كتاب الطوفان الرقمي، هال إبلسون، هاري لويس، كين ليدين، ترجمة أشرف عامر.
926
| 17 سبتمبر 2014
منذ بداية الدعوة إليها، حظيت الأفكار القومية بأرضية واسعة بين الجماهير العربية التي لم تجد في الطرح القومي ما يتعارض مع طموحاتها، بل وجدت فيه الإطار الذي يمكن من خلاله ترجمة الكثير من هذه الطموحات وفي مقدمتها حلم الاستقلال، والذي تم في معظم البلاد العربية بالفعل تحت شعارات قومية وبزعامة نخب قومية.وقد أضفت الأفكار القومية على أنظمة الاستقلال شرعية وحضورا وسط المجتمع الدولي، فرغم أن كثيرا من الدول العربية ظهرت إلى حيز الوجود فقط بعد حصولها على الاستقلال، إلا أن الرابطة القومية والانتماء إلى محيط عربي أوسع قد أكسب هذه الدول حديثة التكوين نوعا من الثقل والاعتراف في المجتمع الدولي.من ناحية أخرى كانت الفكرة القومية معول هدم فعالا للاستعمار ولغته وثقافته وقيمه، بل إنها مثلت الوسيلة المثلى لإحداث حالة من القطيعة مع الغرب، وهو ما أنقذ الدول التي تبنت الطرح القومي من أن تصبح مجرد ذيول لمستعمريها بعد حصولها على الاستقلال.وقد نجح الطرح القومي حينما فشل الطرح الطبقي، وازدهر حينما بدا أن الطرح الديني قد تراجع بفعل هجمة التغريب، وصمد حينما بدا أن كثيرا من الأطروحات الأيدلوجية قد فقدت بريقها في عيون معتنقيها، بل إن كثيرا من الأفكار التقليدية تدثرت بالفكرة القومية لتكتسب جواز مرور جديدا إلى الجماهير. ورغم الفرص المتاحة أمامه تعرض الطرح القومي لإخفاقات متتابعة، كان أفدحها هزيمة 1967 التي كانت من الضخامة بحيث أجهزت على كافة الأحلام والطموحات القومية، وأقنعت الشعوب أن زعاماتهم قد ضللتهم بشأن قدرتهم على مواجهة قوى الإمبريالية العالمية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل. وباستثناء صور المساندة التي قدمتها بعض الأنظمة العربية للمجهود الحربي المصري-السوري خلال حرب أكتوبر لم تقم للأفكار القومية قائمة بعد ذلك، قبل أن يقرر الرئيس السادات دخول نفق السلام المظلم مع إسرائيل، وتلحق به أنظمة عربية كثيرة على نحو صريح تارة وضمني تارة أخرى، ليستسلم النظام العربي الرسمي بأكمله لحالة من "الحياد " مع إسرائيل، وتفقد الفكرة القومية الوقود الذي كان يعطيها زخمها وحيويتها. التراجع عن القومية العربية الواسعة جرى لصالح الفكرة القطرية الضيقة، وذلك بالتحول من قومية اللسان إلى قومية الإقليم، حيث تنشغل كل دولة بشؤونها الخاصة، وتقدم التنسيق مع الراعي الأمريكي على التنسيق مع "الأشقاء العرب"، وحتى عندما يتم هذا التنسيق الأخير فإنه يأخذ شكل الوكالة عن الراعي الأمريكي، الذي استعاض في أحيان كثيرة عن التدخل المباشر بتفويض وكلائه الإقليميين للقيام بأدوار يحددها لهم، كالوساطة في النزاعات العربية العربية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومرة أخرى ومع نشوب ثورات الربيع العربي، وانتكاس معظمها، تشهد الفكرة القومية تراجعها الثالث، حيث تقلصت من قومية الإقليم إلى قومية الأمن. ووفقا للمفهوم الجديد لم يعد كل من يقطنون بداخل البلد الواحد مؤهلين لتشكيل جسد قومي واحد، فمجرد انتماء المرء إلى نفس البلد مع آخرين لا يوفر له حق التمتع بحقوق متساوية معهم، فنطاق المفهوم الجديد يشمل فقط أولئك الذين يجمعهم هاجس الأمن، والقلق بشأن استمرار الوجود. هم من يخشون التفكك، ويفزعون من زوال الحدود، ويقتنعون بأهمية التحالف ولو مع الشيطان نفسه من أجل ضمان أمن الوطن مما يتهدده من مؤامرات الداخل والخارج.والمدهش بحق أن مقوم المفهوم الجديد (الاعتقاد بالخطر الكلي والتهديد الوشيك) هو نفس المقوم الذي تستخدمه إسرائيل منذ نشأتها كأساس للترابط الداخلي فيها، وبناء عليه لم تعد إسرائيل وفق القومية الجديدة، عدوا فعليا أو محتملا، وإنما حليف يتم التعاون معه كلما اقتضت الحاجة لمواجهة الأخطار الأمنية التي لم تعد هي (إسرائيل) منبعها بالضرورة. بل ووصل الأمر إلى حد الاشتراك معها في ديباجاتها الأمنية العدوانية، ففي مقابل مقولة "حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، أصبحت أنظمة القومية الأمنية تستخدم مقولات الحق في استخدام القوة المفرطة من أجل الحفاظ على بقاء الدولة. الفارق الأساسي أن إسرائيل لم تستخدم العنف ضد مواطنيها في أي مناسبة، أما في البلدان العربية ذات العقيدة القومية الجديدة فقد أصبح من العادي ليس فقط استخدام العنف ضد المواطنين وإنما دمغ قطاعات واسعة منهم بالإرهاب لمجرد رفضهم الانصياع لمنطق الهاجس الأمني. القومية الأمنية هي بكل تأكيد ردة عن مفاهيم الدولة كما نظّر لها علماء السياسة، ومسخ للمفهوم الأصلي للقومية من حيث هو رابط يجمع ولا يفرق، بل هي رجوع لحالة حرب الكل ضد الكل. ما يمكن أن ينتهي بالمجتمعات التي تتبناها إلى حالة من الفردية المطلقة التي يقف فيها الفرد ضد أخيه، ويرفع فيها الأخ في وجه أخيه السلاح وفقا لمفاهيم البقاء للأقوى الداروينية.
598
| 10 سبتمبر 2014
لا شك في أن الاستقرار هو أحد أهم أهداف أي دولة عظمى بما في ذلك الولايات المتحدة بطبيعة الحال. فالاستقرار يوفر البيئة اللازمة للاستمرار في تحصيل المكاسب التي يتيحها الوضع المهيمن، فسواء كان الحديث عن ضمان التدفق الآمن للنفط، أو حماية "حق" إسرائيل في الوجود، أو ضمان استخدام المجالات الجوية والمائية، فإن الاستقرار يبدو حاضراً بقوة في كل هذه الملفات. ولا يتعارض هذا مع كون عائدات صادرات الأسلحة (بوصفها أهم أدوات صناعة الفوضى) إلى الكثير من مناطق العالم الملتهبة تمثل نسبة هامة من عوائدها، ففي النهاية فإن سياسة تغذية الصراعات لا تتقدم على سياسة الحكومات الأمريكية الأهم القائمة على ضمان الوصول الآمن لمصالحها.ولذا فإن الحديث عن أن ظهور تنظيم الدولة المعروف إعلاميا بداعش هو ترجمة لمخطط أمريكي بهدف نشر الفوضى في منطقة تعج بالمصالح الأمريكية هو حديث لا يتسق مع القواعد البسيطة للمنطق. صحيح أن هناك جاذبية في تفسير ظاهرة صعود التنظيم برمتها وفق نظرية المؤامرة، إلا أن عدم توافر الدليل الكافي على ذلك يجعل من الصعوبة بمكان التعويل على هذه النظرية لفهم ما يجري.فالمنطق ينص على أنه لا يوجد من يستطيع التحكم في الفوضى، التي تعني بحكم التعريف غياب النمط وعدم القدرة على التوقع. كما أن المنطق البسيط يذهب إلى أن تفتيت الكيانات السياسية للدول القائمة لا يخدم أغراض الولايات المتحدة، فاختفاء الدولة كمشروع سياسي مهادن للهيمنة الأمريكية يفتح الباب أمام تشكيلات سياسية متمردة قد لا تمتلك الولايات المتحدة خططا جاهزة للتعامل معها.المعضلة الأمريكية أنها رغم تصنيفها للاستقرار كأولوية إلا أن سياساتها تؤدي غالبا إلى تناقص المقدار الكلي منه، ذلك أن الاستقرار الذي سعت إليه الولايات المتحدة منذ بداية انخراطها في شؤون المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان استقراراً مصطنعاً، يتم فرضه بالقوة المباشرة أو عن طريق المساعدة في تدبير الانقلابات.ورغم أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ظهر بوضوح أن هذا النمط من الاستقرار لا يحقق المقصود منه، إلا أن الإدارات الأمريكية من الواضح أنها لا تجيد سوى هذا الأسلوب من أساليب التدخل. وعليه فإنها في مواجهة تحدي تنظيم الدولة من المتوقع أن تستمر في محاولتها للتغيير من أعلى إلى أسفل عبر ضربات جوية تنفذها بنفسها أو عن طريق وكلائها الإقليميين.وتبدو المعطيات الإقليمية ظاهريا في صالح الإدارة الأمريكية، فعلى خلاف مرحلة الحرب الباردة، حينما تجاوبت معها فقط بعض الأنظمة فيما انضمت أنظمة أخرى إلى الطرف السوفيتي، تضمن الولايات المتحدة في هذه الأزمة تحالف كافة الأنظمة الإقليمية معها، وخاصة الأنظمة المعتدلة التي يمثل ظهور تنظيم الدولة هاجسا وجوديا لها.ومن ناحية أخرى فإن التحدي الحالي يضع حلفاء الولايات المتحدة من الأنظمة العربية وإسرائيل في نفس الجانب، ما يعني أن إسرائيل - على الأقل في هذه المرحلة - لن تشكل ذلك العدو الذي يتعين على الولايات المتحدة أن تلطف من ممارساته العدوانية، وإنما ستبدو بالنسبة للأنظمة المتوجسة من داعش كحليف تمكن استشارته والتنسيق العلني معه. ولكن رغم ذلك فإن ثمة صعوبة حقيقية ستواجه الولايات المتحدة وهي بصدد محاولة وقف تمدد التنظيم، ألا وهي مواجهة قطاعات واسعة من المتعاطفين معه، ممن يرون أن التشدد في مواجهة الغرب هو واجب الوقت، وأن لغة السياسة لم يعد لها ما يبررها، في ظل الانتهاكات الأمريكية في العراق، ثم في ضوء السكوت المخزي لها عن السياسات الطائفية التي اتبعها سياسيون عراقيون يحظون برضاها، ومقارنة ذلك برد فعلها الخجول إزاء نظام بشار في سوريا وتمنعها عن دعم المعارضة أو تزويدها بالسلاح. ومن ناحية أخرى فإن الجاذبية التي تثيرها فكرة الخلافة التي أعلن عنها تنظيم الدولة، وأسلوب الإدارة المرن الذي يطبقه التنظيم في المناطق التي "يحررها"، تروق لكثير من المواطنين، مقارنة بنمط حكم إدارتي بشار والمالكي، ما يدفع بالكثيرين منهم إلى دعم تنظيم الدولة وحشد الولاء له. وحتى بعيدا عن الموالاة أو الدعم فقد أصبح الكثير من المواطنين معتمدين بشكل كامل على التنظيم في الحصول على احتياجاتهم، إلى الحد الذي دفع البعض إلى النظر إلى تنظيم الدولة كجزء من معادلة الاستقرار الإقليمي. وهذا ما سيجعل من التنظيم رقما صعبا في إطار المعادلة الأمريكية التقليدية القائمة على فرض الاستقرار بالقوة.
469
| 03 سبتمبر 2014
لا يعني تشابه خطاب النخب الحاكمة والنخب العلمانية بشأن القلق من تصاعد الهوية الدينية اتفاقهما في الأهداف أو المقاصد، فلكل منهما تصور مختلف للدين ولطبيعة العلاقة معه. نقطة الاتفاق الوحيدة بين نخبة الدولة والنخبة العلمانية تكمن في أن كليهما يرفض أن يشار إليه على أنه معاد للدين، فالدولتيون يتحاشون خسارة ثقة الجماهير المتدينة. وأصحاب الطرح العلماني يفضلون أن يطلق عليهم ليبراليون أو يساريون، ولكنهم في المجمل لا يفضلون أن يفصحوا عن علمانيتهم على نحو صريح. فيما عدا ذلك فإن ثمة فروقا أساسية ومحورية بين الطرح العلماني وبين الطرح الدولتي.فمن ناحية يعتبر العلمانيون أن الدين في تراثه، ومؤسساته، وأشخاصه يحوي بذور التعصب، وكراهية الآخر، وأنه لا يعطي للأفراد حقوقا متساوية، وأن الحل أن يبتعد الدين عن السياسة، وأن يظل في دائرة الحق الخاص. كما يحرص أصحاب الطرح العلماني على ربط الدين والتدين بكافة أشكال اللاعقلانية والتعارض مع الحداثة، ويذكر المصريون كيف تفنن العلمانيون منذ بداية الثورة في ربط الدين بمظاهر من قبيل هدم التماثيل، والتضييق على الحريات الشخصية، ومضاجعة الموتى، وتجارة الرقيق، في محاولة لإبراز خطورة انتقال الدين من المجال الخاص إلى المجال العام، ولتصوير ذلك على أنه هدم لأسس العقلانية والحرية الفردية التي يتمتع بها الأفراد في المجتمع الحديث.أما الطرح الدولتي فيقدم نفسه للناس كمشروع متصالح مع الدين، بل إنه يبني جزءا كبيرا من شرعيته على الأرضية الدينية، ويستدعي الدين لأغراض الحشد والتعبئة أو لاكتساب المزيد من الشرعية في أوقات الأزمات، وأيضا لإقناع الجماهير أنه محل لثقتهم. ولهذا تحرص نخبة الدولة على بث مراسم حضور الرئيس والوزراء لصلوات الجمع والعيدين، ومراسم تكريم حفظة القرآن والاحتفال بليلة القدر. الأمر نفسه فيما يتعلق بالخطاب السياسي، حيث يكثر الدولتيون من الاستشهاد بالآيات أو الأحاديث أو يوظفون المعاني الدينية، بل ويذهب بعضهم مسافة أبعد حينما يستخدمون عالم الرؤى والنبوءات كوسيلة لتعضيض سلطتهم وإخراس خصومهم. من ناحية ثانية ينادي العلمانيون بضرورة تحديث الدين، انطلاقا من مقولة أن التطور هو قدر الأشياء وأنه قانون طبيعي تخضع له كل الموجودات بما فيها الدين، ويذهب العلمانيون إلى أن طول الفترة بين الحاضر وبين العصور التي شهدت نزول الوحي تقضي بأن يتم إعادة تفسير النصوص الدينية لمجاراة التطور الذي شهدته العلوم الطبيعية. وعلى العكس لا يعتد الدولتيون بمقولة التحديث أو عقلنة الدين، ولكنهم رغم ذلك يطورون نسختهم الخاصة من الدين، والتي يوظفونها بأكثر مما يتدينون بها، وهذه النسخة تؤكد على عدد من العناصر الأساسية مثل أهمية الاستقرار وضرورة الحفاظ على الوضع الراهن، والتحذير من الفتنة والفوضى، والدعوة للوحدة ورفض التحزب والتعدد، والتأكيد على احترام من هم في موقع السلطة. وفي هذا الصدد لا يمانع الدولتيون من أن يجعلوا من نسختهم الرسمية للدين مصدرا — ولكن ليس المصدر الوحيد — للتشريع. أما النخبة العلمانية فترفض أي حديث عن حاكمية الدين وتحل محله عبارات عامة تتحدث عن القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية. ومن الطبيعي ألا ترى النخبة العلمانية في الانحرافات السلوكية أو الفكرية أي تهديد، وتتساءل في براءة: ما الذي يضير الدولة من انتشار الإلحاد أو الشذوذ، فطالما أن أيا من هذه السلوكيات لا تؤثر في إنتاجية الدولة أو انتظام العمل في مؤسساتها، فليس على الدولة أن تهتم بأي منها. وذلك على اعتبار أن هذه الانحرافات جزء من الحرية الشخصية، كما أنها جزء من تيار الحداثة والتقدم ونمو العقل. وحتى عندما تتحول السلوكيات السابقة إلى شكل من أشكال الجرائم، كأن تتحول إلى نمط من الاغتصاب أو التحرش، فإن التفكير العلماني لا يعبأ بهذه الممارسات إلا من حيث هي إخلال بالنظام العام وليس لأنها مجرمة أخلاقيا أو دينيا. أما الدولتيون فيعتبرون الانحرافات الفكرية والسلوكية معول هدم لجزء مهم من شرعيتهم في الحكم، ومن هنا نفهم كيف يقوم النظام الحالي في مصر والذي نفذ الانقلاب (باعترافه) خشية أن تتحول مصر نحو الهوية الإسلامية بحملة لمواجهة الإلحاد! وفي الوقت الذي يقبل فيه العلمانيون بوجود المؤسسات الدينية كرموز فلكورية وليس أكثر من ذلك، يحرص الدولتيون على أن تظل للمؤسسات الدينية هيبتها، وفي بعض الأحيان يحثون هذه المؤسسات على خوض حروب بالنيابة عنهم ضد من ينازعونهم سطوتهم من "المثقفين"، ومن فوائد هذه المواجهات بالنسبة لنخبة الدولة أنها تشد إليها انتباه العامة وتصرفهم عن الانخراط في المشكلات السياسية أو نقد الأداء السياسي للدولة. وبشكل عام لا تتحالف نخبة الدولة مع النخب العلمانية صراحة إلا في أوقات الأزمات وعلى سبيل الاضطرار، كما حدث في مصر بعد الانقلاب على نظام الإخوان المسلمين، حيث سخرت الدولة الكثير من طاقاتها ومؤسساتها لخدمة التيار العلماني الذي استغل الفرصة لتصفية حساباته مع الإسلاميين. ولكن عادة ما تستعيد نخبة الدولة قناعها الديني ومفرداتها الدينية لتصنع مسافة بينها وبين العلمانيين وذلك أمام الجماهير التي لا ترضى من حكامها أن يصطفوا في جانب المعادين لتدينهم.
814
| 27 أغسطس 2014
من اليسير إيجاد علاقات سببية بين الفشل "الحالي" لثورات الربيع العربي وبين الازدهار الواضح للجماعات الراديكالية التي تؤمن بالعنف كسبيل وحيد للتغيير السياسي. فمع فشل تجارب التغيير المجتمعي السلمي كان طبيعيا أن تتهيأ التربة لنمو هذه الجماعات، خاصة أن ثمة قناعة سارية بين الكثير من المنتمين إليها، مفادها أن سبيل العمل السياسي بات منغلقا أمامهم.غير أن ازدهار هذه الجماعات ربما يشير إلى إشكالية أكبر تتصل بالعلاقة بين الدولة (في عالمنا العربي) والدين، فدولة ما بعد الاستقلال ولدت كمشروع سياسي علماني غير منفتح على الدين ولا على من يعتنقونه كبرنامج للتغيير السياسي، ولعل هذا هو السبب أن محاولات الانقلاب على الربيع العربي تضمنت أطيافا متنوعة (نخبا عسكرية وليبرالية ويسارية وعناصر من الأنظمة القديمة، بل وكثير من النخب الثورية)، ممن لم يجمعها سوى القلق من صعود المشروع الديني.فيما يخص الحالة المصرية كان هذا "القلق" هو المضمون الأساسي لكثير من التصريحات التي نطق بها كثير من المسؤولين عن انقلاب الـ3 من يوليو. فوزير الدفاع (رئيس الدولة الحالي) الذي نفذ الانقلاب أعلن صراحة رفضه الأيديولوجية الإسلامية، وبرر انقلابه على الرئيس المنتخب وجماعته، بكونهم يحملون ولاء لفكرة الخلافة. أما وزير خارجية الانقلاب (نبيل فهمي) فصرح بأن رفض الرئيس السابق لم يكن متعلقا بأدائه، وإنما برغبته أن يعطي مصر وجها إسلاميا، أما رئيس الوزراء الحالي فقد صرح أمام غرفة التجارة الأمريكية، أن الانقلاب لم يقم إلا لإنقاذ الشخصية المصرية ممن حاولوا تغيير هوية البلد ووضعها في قفص حديدي (ويقصد به الأيديولوجية الإسلامية). من ناحية أخرى أسهم الخطاب العلماني منذ اليوم الأول لنجاح الثورة في تأكيد هذه الحالة الصدامية عبر طرح العلاقة بين الدين والدولة على شكل مباراة صفرية، فإما أن تُخضع الدولة الدين على نحو كامل، وإما أن تواجه الدولة "خطر" الأسلمة. ويمكن تلخيص مضمون هذا الخطاب في المقولات التالية:* أن التحرر السياسي في جوهره هو تحرر من الدين، وأن الرابطة الدينية هي أول الروابط التي تهدد وجود الدولة، وأنها من ثَمَّ أولى الروابط بالحل، فالدولة يمكنها أن تتسامح مع الروابط التقليدية، القبلية اللغوية، العرقية، ولكنها يجب أن تظهر حسما خاصا إزاء الرابطة الدينية. * أن الدولة لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي، فبإمكان الدولة أن تحقق للفرد تحرره الكامل، فضلاً عن أن تمده بكل ما يمكن للدين أن يمده به عن طريق الأساس الإنساني الذي هو متحقق فيها دون اعتناقها لدين معين.* أن التدين بالنسبة للدولة هو محاولة لإخفاء نقص، وأن الدولة التي تستخدم خطابا دينيا تصبح تدريجيا دولة نفاق، فهي تحتمي بالدين في مواجهة مواطنيها وتتخذ من الدين ستارا لتحقيق أهداف دنيوية بحتة.* أن الانعتاق من سلطة الدين يكون بنقله من مجال الحق العام إلى مجال الحق الخاص، ليصبح مجرد علاقة شخصية بين الإنسان وربه وليس بين الفرد والدولة، وذلك بتفكيك الإنسان إلى شخص متدين في مجاله الخاص، ومواطن لا ديني في المجال العام.* أن التطور السياسي يمكن أن يسمح للدين بأن يظل قائما ولكن فقط كشاهد على إحدى مراحل تطور العقل البشري والمجتمع الإنساني، مع التذكير المستمر بأن التدين يمثل انحرافا عن الأصل العام للتطور، أو هو نتوءا في التطور السياسي للدولة والتحرر السياسي للفرد. * أن تحرر الدولة من الدين يتضمن أن يتخلى الفرد عن كل امتيازات اتباعه لهذا الدين، وذلك لكي يحظى بحقوق الإنسان العامة، والتي هي حقوق سياسية في قدر كبير منها، أي حقوق لا تمكن ممارستها إلا وسط الجماعة، وتحديدا وسط الجماعة السياسية، ولما كانت هذه جماعة متنوعة دينيا، لزم تحييد الدين قبل التمتع بهذه الحقوق.* من المهم ألا يصبغ الدين الدولة بصبغته، وألا يمثل روحا للدولة، فالدولة بطبيعتها كيان موحد، أما الدين فهو ظاهرة قابلة للتشظي، ومن فوائد عزل الدين أنه يحمي وحدة الدولة من تشظي الدين.هذه المقولات، والتي ترددت كثيرا منذ اللحظة الأولى لنجاح الثورات على ألسنة النخب العلمانية، هي اقتباسات مباشرة من مؤلف كارل ماركس الشهير "حول المسألة اليهودية"، وما طرحه ماركس على شكل أمنيات منذ أكثر من قرن ونصف القرن، وأخذ سبيله إلى التحقق فعليا في دول الغرب تلقفته النخب العلمانية عندنا كعقيدة فكرية وزايدت عليه. فقد ذهب العلمانيون العرب شوطا أبعد من ماركس الذي لم يطالب باستبعاد الدين، أو على الأقل اعترف بصعوبة ذلك، فيما طالب كثير من العلمانيين العرب، ليس فقط باستبعاد الدين، وإنما قبلوا التضحية بالتحرر السياسي والإجهاز على الربيع العربي مقابل وأد تجربة الإسلام السياسي في مهدها. ما يمكن الخلوص إليه أن أطراف الطرح العلماني من النخب الفكرية والعسكريين ونخب المال مسؤولون، إلى حد كبير، عن ازدهار ظاهرة الجماعات الراديكالية، خاصة أنهم ساعدوا على حفز هذه الظاهرة بحديثهم عن "الإرهاب المحتمل"، ثم بجرأتهم غير المتناهية على سفك دماء وانتهاك حقوق المخالفين، وعدم السماح لهم إلا بوجود هامشي غير فاعل، ما أسس لحالة من الاغتراب التي أدت بكثير منهم إلى معاداة الدولة كمشروع سياسي واعتبارها خصما تتعين مكافحته بشتى الطرق.
733
| 20 أغسطس 2014
تركز العديد من التقييمات للوضع السياسي المصري على ظاهرة غياب المشاركة مع النخب السياسية، فالرئيس الحالي لا يهتم بأن يشرك معه نخبا من أي نوع، فلا يوجد تنظيم حزبي صريح، ولا مكان للنخبة الثورية (على الأقل من ثوار 30 يونيو)، كما لا يوجد فكر سياسي يجمع المؤيدين، فقط هناك المجموعات الانتهازية من الأحزاب الليبرالية واليسارية، فضلا عن بقايا الحزب الوطني ممن ينتظرون الفرصة لإعادة تنظيمهم السياسي إلى حيز الوجود.النظام الجديد إذن لا يفضل المشاركة مع الآخرين بقدر ما يفضل العمل من خلال أسلوب الإنجازات التي يفاجئ بها الجميع، ويأخذ قراراتها بنفسه من دون الرجوع إلى أحد، إلا في إطار دائرة ضيقة من مستشاري المؤسسات الحكومية وعلى رأسها الجيش، وذلك في إطار الفكر الدولتي الذي قرر أن يمارس السياسة من خلاله. ولكن الإنجازات التي يتم الترويج لها حاليا تبدو في قدر كبير منها خاوية من المضمون، فالإنجازات ليست مجرد شعارات للاستهلاك المحلي، وإنما هي تغيرات على الأرض، تنقل حياة الناس إلى الأفضل، وكون النظام الحالي ينجح في الحشد والدعاية فإن هذا لا يحول الإنجازات الشكلية التي يروج لها عبر أسلوب البروباجندا السياسية إلى إنجازات حقيقية. نظرة سريعة على إنجازات نظام 3 يوليو توضح هذه الفكرة.أول الإنجازات الشكلية التي يدعيها النظام الحالي هي نجاحه في الإطاحة بجماعة الإخوان، التي تم تصويرها على أنها سبب كافة مشكلات المصريين، من انقطاع الكهرباء، إلى نقص الوقود، إلى غلاء المعيشة، ويذكر الجميع كيف اقترن الانقلاب على الجماعة بالعبارة الشهيرة (بكرة تشوفوا مصر)، في إيحاء بأن زمن الإخفاقات سينتهي بمجرد مغادرة الجماعة وممثلها في الرئاسة سدة الحكم.ولكن إخفاقات العام الوحيد الذي قضاه الإخوان في الحكم مازالت قائمة، وربما بشكل أسوأ، فقد أطاح النظام الجديد بالإخوان، ولكن المشكلات التي ادعى أنهم تسببوا فيها لم تحل، أما ما ينسب للنظام من نجاح في وقف مشروع أخونة الدولة، فقد تبين أنه بدوره لم يكن سوى مبالغة سياسية، فالجماعة لم تنجح في التغلغل في أي من المؤسسات السيادية أو غير السيادية، حتى يمكن الزعم بعد ذلك بأن النظام قد نجح في درء خطر تغلغلها في أبنية الدولة، والدليل هو تلك السهولة التي تم بها تدبير الانقلاب عليهم.من الإنجازات الشكلية أيضا "المسار السياسي البديل" أو ما عرف بـ"خارطة الطريق". هذا المسار الجديد تم تصويره على أنه إنجاز حقيقي، وليس انقلابا على المسار الأصلي للثورة، ومع ذلك فإن واضعي المسار الجديد أنفسهم تراجعوا عنه في مستهل تنفيذه من خلال تقديمهم الانتخابات الرئاسية على الانتخابات البرلمانية على عكس ما أقرته خارطة طريق الانقلاب. ثم هناك المبالغات غير المستساغة التي شابت هذا المسار في كافة مراحله (الفوز بنسبة 98.1 % في انتخابات الرئاسة). وأخيرا هناك الصياغات المعيبة لنصوصه القانونية مثل قانون الانتخابات البرلمانية الذي صيغ على نحو ييسر صعود رجال نظام مبارك ورموز الحزب الوطني (74% على أساس النظام الفردي)، في حين يقصي الخصوم السياسيين الحقيقيين والأحزاب. الأمر نفسه فيما يتعلق بالمشروعات التي تم الإعلان عنها في أعقاب الانقلاب. مثل مشروع الجيش لعلاج مرض الإيدز وفيروس سي، والذي ظل مجرد يافطة دعائية لم يتم تفعيلها في الواقع، وعندما حان أجل دخول المشروع حيز التنفيذ تم تأجيله بحجة إجراء المزيد من التجارب، ما أظهر المشروع على أنه مجرد محاولة لإبراز إنجازات وهمية، تستغل لحشد التأييد الشعبي قبل أن يطويها النسيان. وبنفس هذا المنطق يمكن أن نصنف مشروع القناة الموازية، الذي يشتكي الخبراء المختصون أنهم لم يستشاروا بشأنه، كما لم يتم إجراء حوار مجتمعي حوله، ما يمكن أن ينتهي به هو الآخر إلى مجرد إنجاز شكلي يدعم شرعية السلطة القائمة فقط على نحو مؤقت. الإنجاز الوحيد الذي يمكن القطع بأن النظام الحالي قد حققه في الفترة السابقة هو استعادة الاستقرار وفقا لمعناه السلبي، وذلك عبر إضفاء الجمود على الحياة السياسية، وتجريد البلاد من الحيوية التي تمتعت بها في أعقاب ثورة يناير، وذلك من خلال الإقصاء المنظم للمعارضة، واستخدام القانون من أجل إزاحة المخالفين، وتشديد القبضة الأمنية لإرهاب المعارضين. وكان من نتيجة هذا الإنجاز أن استطاع النظام تمرير حزمة من القرارات الاقتصادية القاسية (الإلغاء الجزئي للدعم) والمضادة للحريات (قانون التظاهر) والتي كانت في الأوضاع العادية ستواجه بمعارضة كبيرة. ولكن تراجع المناخ الثوري، والخوف من القبضة الأمنية الغليظة، والأحكام القضائية المبالغة في القسوة مكن النظام من تمرير هذه القرارات بسهولة تثير الدهشة.ولكن إذا كانت الإنجازات الشكلية يمكن أن تكسب تأييد بعض الناس لبعض الوقت فإنه من غير الممكن أن يستمر تأثيرها المبالغ فيه طوال الوقت، فمتى ثبت للناس أن هذه الإنجازات بلا مردود حقيقي أو أنها مجرد فقاعات إعلامية بغرض الحشد السياسي فسوف تنقلب إلى إحباطات، وربما تتحول لوقود لغضب شعبي يطالب بتغييرات حقيقية.وإرهاصات ذلك تبدو متحققة فعليا، فالكثير من المصريين بدأوا في التحرر من وهم أن جماعة الإخوان كانت هي سبب النكبات التي حلت بالبلد، خاصة وهم يرون أن النظام الجديد لم ينجح في تجاوز ما اتهم الإخوان بالتقصير فيه. أما أسوأ ما يتعلق بسياسية الإنجازات الشكلية فهو أن كثيرا منها يرتبط تحقيقه بالوقوع أكثر وأكثر في فخ الديون الخارجية، كما أن بعضها الآخر يرتبط تحقيقه بالإذعان لشروط سياسية على غرار المساهمة في مقاومة الحركات الجهادية في العراق والشام، وهذا أيضا له تكلفته السياسية الداخلية. فإلى أي مدى يمكن أن تستمر مؤسسات الدولة في دعم مشروع سياسي بهذه المواصفات؟
903
| 13 أغسطس 2014
تقول الأساطير إنه لو كان الدكتور محمد مرسي في الحكم حاليا لدخل في حرب مع إسرائيل بسبب قصفها لقطاع غزة المحاصر ولأوقع مصر في أزمة كبرى. أما الحاصل فعليا فهو أن الدكتور مرسي، وقت أن كان في الحكم، نجح في التوسط لدى حماس للقبول بمبادرة وقف إطلاق النار، رغم أن حماس خلال تلك الأزمة كانت قد بدأت في توجيه ضربات صاروخية موجعة للمدن الإسرائيلية، مما أحدث نوعا من الصدمة داخل الحكومة والمجتمع الإسرائيلي، ولكن جاءت وساطة الرئيس المصري لتعطي مؤشرا على الطريقة التي ينوي التصرف بها إزاء المشاكل الإقليمية المشابهة، فهو لم يظهر اندفاعا في المواجهة، ولم يحرك قواته فور وقوع حلفائه الأيدلوجيين تحت القصف الإسرائيلي، وإنما قدم الوسائل الدبلوماسية، واستمر في الخط المحافظ الذي تسير عليه السياسة المصرية، مع فارق أساسي وهو أنه كان يبحث فعليا عن حل للأزمة القائمة وقتها. وتقول الأسطورة أن النظام الحالي في مصر سوف يعيد إحياء أمجاد الحقبة الناصرية، خصوصا في مواجهة إسرائيل، بعد أن وصل إلى الحكم ضد إرادة أميركا حليفة إسرائيل الكبرى، وبعد أن أكد أن أي تهديد يقع على أي قطر عربي سوف يتم مواجهته على نحو فوري، مؤكدا أنه لن يكتفي بدور الوسيط وإنما سوف يساهم بفاعلية ونشاط في صناعة استقرار حقيقي على الأرض، من خلال مواجهة الأطراف التي تعبث بالأمن الإقليمي. أما الحاصل فعليا فهو أن العدوان الإسرائيلي على القطاع لم يواجه من قبل النظام المصري الجديد بأكثر من إجراءات رمزية (معونات وقوافل طبية) للطرف المعتدى عليه، مع صمت كامل إزاء الطرف المعتدي، في الوقت الذي يستمر فيه النظام في التحكم في معبر رفح بفتحه وغلقه وفقا لأسباب سياسية، لا تراعي حاجات القطاع وأهله. من ناحية ثانية لا يبدو النظام الجديد على مستوى الوعود التي قطعها على نفسه، ولا يبدو أنه يمتلك لا القدرة ولا الرغبة في التحرك بفاعلية لمواجهة الفوضى الإقليمية التي تتسبب فيها الغارات الإسرائيلية، وأغلب الظن أنه يعتبر أن ضربات المقاومة هي التي تحدث الفوضى، وأنه إذا كان ثمة طرف يستحق أن يتم الأخذ على يديه فهو الطرف الفلسطيني.وتقول الأسطورة إن المقاومة الفلسطينية ما اشتركت في هذه الحرب إلا لكي تورط الجيش المصري في مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل، يترتب عليها أن تدخل مصر في نفق مظلم على غرار ما تشهده ليبيا وسوريا. والحاصل أن المقاومة لم تطلب أي معونة من الجيش المصري، واعتمدت على قدرتها الذاتية في تطوير أدواتها القتالية على نحو أدهش النظام المصري نفسه. صحيح أن المقاومة لا تطمح إلى هزيمة إسرائيل بهذه الأدوات، ولكنها على الأقل تملك إزعاجها وإحراجها، فضلا عن ردعها عن القيام بمغامرات دموية في القطاع بين الحين والآخر. أما ما يمكن أن يطلق عليه وصف توريط، فهو ما يتردد عن احتمال تدخل الجيش المصري عسكريا في ليبيا، أو قيامه بإرسال قوات إلى الحدود السعودية العراقية – كما نشرت صحيفة التايمز البريطانية مؤخرا، والخوف في هذه الحالة أن نصبح أمام نموذج مكرر لحرب اليمن ذات النتائج الكارثية على القوات المسلحة وقدراتها القتالية.وتقول الأسطورة أن المقاومة الفلسطينية تريد زيادة سخونة الموقف وتعظيم الكلفة البشرية المقدمة من مواطني القطاع لكي ترغم المسؤولين المصريين على فتح معبر رفح تمهيدا لتوطين الفلسطينيين في سيناء، التي كان الرئيس مرسي سيبيعها لهم، أو حتى يسلمها لهم بلا مقابل. والحقيقة أنه رغم القصف والحصار، مازال الغزاويون متمسكون بأرضهم، وبيوتهم، لا يغادرونها إلا طلبا للعلاج، ولكن أنظمة الاعتدال العربية تبخل حتى بهذا عليهم، رغم أنها تعلم أن طاقة مستشفيات القطاع لا تحتمل عدد المصابين جراء القصف الإسرائيلي العشوائي، وتستمر عبر أبواقها الإعلامية في الترويج لكذبة أن الفلسطينيين قد باعوا أرضهم في الماضي وهم راغبون في الفرار منها في الحاضر.وتقول الأسطورة إن امتناع "الأشقاء" في مصر عن مساعدة القطاع بشكل فعال مرجعه أن حماس هي التي فتحت السجون المصرية وأفرجت عن الإرهابيين في سيناء، وأنها متحالفة مع حركة الجهاد العالمي، ما يمكن أن ينتهي بداعش إلى أن تصبح على الحدود المصرية.والحقيقة أن معظم الجماعات الجهادية على خلاف مع حماس، ولا ترغب في أن تمد لها يد العون في حربها ضد الكيان الصهيوني، وهذا ما فهمه رئيس وكالة المخابرات العسكرية الأمريكية (مايكل فلين)، الذي حذر مؤخرا أن القضاء على حماس يمكن أن يأتي بما هو أسوأ، ملمحا إلى الجماعات المسلحة الأخرى. وقد دخلت حركة حماس نفسها في مواجهة دموية مع عدد من هذه الجماعات، كما في حادثة مسجد ابن تيمية الشهيرة. أما ما يقال عن تورط حماس في الشأن الداخلي المصري فلم يقم عليه أى دليل حتى يومنا هذا.هذه الأساطير وغيرها، تعكس بعض أزمات العقل العربي وهو يفكر في العدوان الإسرائيلي الأخير، كما أن هذه الأساطير هي نفسها المقولات الأساسية لدى مؤيدي سياسات الاعتدال التي تدعم الوضع الراهن. المشكلة التي يثيرها هذا النمط من التفكير أنه يحاول تبرير عجز الأنظمة العربية عن البحث عن حل للأزمة أو وضع حد للسلوك الإسرائيلي العدواني، كما هو يحاول تبرير استمرار سياسات الحصار التي تمارسها عدد من "أنظمة الاعتدال" بحق من كانوا ذات يوم يوصوفون بالأشقاء الفلسطينيين.
562
| 06 أغسطس 2014
متلازمة ستوكهولم هو مصطلح يطلق على الحالة النفسية التي تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يحمل مشاعر إيجابية تجاه عدوه. وقد أطلق على هذه الحالة هذا الاسم نسبة إلى حادثة جرت في مدينة ستوكهولم السويدية عام 1973 حين سطا عدد من اللصوص على بنك، واتخذوا أربعا من موظفي البنك رهائن لعدة أيام. خلال تلك الحادثة وبدلا من مقاومة الجناة بدأ الرهائن في التقرب من خاطفيهم، والتوحد معهم، والنظر إلى قضيتهم على أنها قضية عادلة، ثم قاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم، وقاوموا إيقاع أي عقوبة بهم، بل قاموا بجمع تبرعات للدفاع عنهم أمام القضاء وذلك رغم كل ما تعرضوا له على أيديهم من قهر وإذلال.يفسر المختصون هذا الانحراف النفسي بأنه أسلوب تمارسه "الضحية" لا شعوريا عندما تقع تحت ضغط هائل يهدد اتزانها النفسي، فتبدأ — في رد فعل لا إرادي— بمحاولة الثقة في الجاني، والنظر إليه على أنه ليس بالشر الذي يبدو عليه، خاصة إذا أبدى الجاني أي فعل ينم عن العطف مهما كان صغيرا، وحتى لو كان ذلك الفعل هو مجرد الإبقاء على حياة الضحية، هنا تقوم الضحية بتضخيم هذا الفعل، والمبالغة في تقديره، وإظهار الاستسلام الكامل للجاني، بل قد ترفض أي محاولة لإنقاذها منه، معتبرة هذه المحاولة تهديدا للاستقرار الذي تتمتع به في ظله. الخطابات العربية التي تنتصر لإسرائيل في عدوانها الأخير على قطاع غزة تحمل ملامح واضحة من أعراض متلازمة ستوكهولم. فإسرائيل التي فرضت على العرب بالقوة، واحتلت أراضيهم، وقتلت نساءهم وأطفالهم، واكتسبت كل ما من شأنه أن يجعلها تحتل موقع الجاني بامتياز، أصبحت تصور اليوم من قبل قطاعات واسعة على أنها جارة طبيعية، وأنها ليست العدو الحقيقي الذي يهدد العرب، وأنها في عدوانها الأخير على قطاع غزة إنما تقوم بعمل مشروع من أعمال الدفاع عن النفس إزاء الإرهاب الذي تمثله المقاومة الفلسطينية بفصائلها المختلفة، وعلى رأسها حركة حماس. صحيح أن من تولى كبر هذه الحملة المنحرفة هو الإعلام الفضائي، إلى درجة أصبح معها التلفزيون الإسرائيلي يستشهد بفقرات لإعلاميين عرب يحرضون فيها على المقاومة الفلسطينية ويحيون فيها صمود الجنود الإسرائيليين، إلا أن قطاعات واسعة من الناس العاديين أصبحت تتقاسم هذه القناعات، وترددها، وتتحمس لها، ولا تستشعر خجلاً وهي تصرح بها علانية، ما يوحي أننا أمام حالة واسعة وليس سلوكا فرديا، تحول بموجبها الكثير من ضحايا الماضي القريب من بغض عدوهم والرغبة في الانتقام منه، إلى التعلق به، وتبني قضيته، والإشادة بشجاعته وجرأته.وصحيح أيضا أن جزءا من تفسير هذا المشهد العبثي يتعلق بالموقف من حركة حماس، وارتباطها بجماعة الإخوان، التي حازت قدرا كبيرا من التشويه طوال الفترة الماضية، ولكن اختفاء الذاكرة التاريخية تماما يوحي بأننا أمام حالة مرضية وليس موقفا سياسيا، فمهما كان حجم الرفض لحماس، وأيا ما كان الموقف من جماعة الإخوان المسلمين، فإن التوحد مع إسرائيل، وعدم القدرة على رؤية العدوان فيما تمارسه، أو رؤيته ثم التشفي في الفلسطينيين العزل المحاصرين، يوحي أننا أمام انحراف بلا ذاكرة، وبلا عاطفة، أو هو بالأحرى بذاكرة مشوهة وعاطفة منكوسة.مكمن هذا الانحراف من وجهة نظري هو حالة التعايش التي مارستها الكثير من شعوب المنطقة مع أنظمة القمع والإذلال، فالموقف المهادن للعدو الخارجي ليس سوى انحراف فرعي من انحراف أصلي بدأ من الخضوع لأنظمة القمع الداخلي. فإزاء الاستبداد الذي يتصورون عدم إمكانية دفعه، تلبست قطاعات واسعة من الشعوب العربية حالة من الخوف المرضي من المستبد، وخضعت له وتوحدت به، ثم صورته على أنه المنقذ والضامن لحياتهم واستقرارهم. بدورهم يغذي المستبدون هذه المشاعر، بالتأكيد في كل مناسبة على أن الأخطار تحدق بشعوبهم من كل اتجاه، وأنه لولاهم لدبت الفوضى ولحصل الاحتراب الأهلي. ومع الوقت يعتاد الأفراد على الاستبداد لدرجة تجعلهم يخشون من التغيير، حتى وإن كان للأفضل، ويدافعون عن المستبد، ويؤكدون محاسنه القليلة، دون الالتفات إلى مظاهر القمع والفساد التي تشوب حكمه. ومن المفهوم أن الأفراد الذين يحملون هذه القناعات تجاه أنظمتهم القمعية لا يجدون صعوبة في تبني قناعات شبيهة تجاه السلوك الإسرائيلي ضد قطاع غزة. ويبدو أن إسرائيل قد فهمت حقيقة وقوع الكثير من العرب في أسر هذه المتلازمة، فبدأت في تطوير أدائها، بحيث تزيد من انغماسهم فيها، وذلك حين يتحدث مسؤولوها عن رغبتهم في العيش المشترك، وعن الدور السلبي الذي تلعبه المقاومة في تبديد هذا الحلم، هذه التصريحات تلعب دور المخدر العاطفي الذي يمارسه الخاطف إزاء الضحية. وبالفعل فإن الكثير ممن يعانون هذه المتلازمة قد توقفوا عن المطالبة بحقوق الماضي القريب واعتبروها نوعا من الترف، ثم هم يرضون من إسرائيل أن تحتل أراضيهم طالما أن ذلك يعفيهم من عبء الدخول معها في عداء جديد، وإذا كان من الضروري أن يكون الفلسطينيون هم كبش الفداء لهذه الصفقة الجائرة، فليقوموا بذلك الدور من دون الضجيج الذي تحدثه حماس، أو غيرها من الجماعات المقاومة.إذا نحن أمام انحراف نفسي واسع النطاق، بحاجة إلى إعادة تأهيل الجماعات التي تعاني منه، وذلك عبر خطاب إعلامي يعيد ترسيخ المعايير الأولية للمنطق، ويعيد تعريف البدهيات، لتحديد من هو العدو وعلى أي أساس صار عدوا، وتعريف الصديق وعلى أي أساس قبل كصديق، ولكن أنى لنا بإعلام نزيه ينهض بهذا الدور، في ظل حالة الانقلاب التي تشمل كل جوانب حياتنا.
2596
| 23 يوليو 2014
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1425
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1230
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
972
| 16 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
744
| 17 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
690
| 21 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
609
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
576
| 18 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
573
| 21 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
567
| 17 مايو 2026
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...
564
| 17 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
537
| 19 مايو 2026
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في...
531
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية