رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاء البيان الختامي للقمة الـ45 لدول مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في الكويت بكثير من القضايا، لكن لفت نظري كثيراً حرصه على التحول الرقمي والعمليات المصاحبة له، حيث أكد على رؤية طموحة تستهدف التحول الرقمي كركيزة أساسية لمستقبل التنمية في المنطقة. هذه الرؤية تمثل خطوة محورية نحو تنويع اقتصادات دول المجلس وتعزيز مكانتها كقوة اقتصادية رقمية على المستوى العالمي. البيان أبرز عدة محاور استراتيجية، منها تعزيز البنية التحتية الرقمية، الاستثمار في التقنيات الناشئة، وتحقيق التكامل الرقمي بين دول المجلس، مما يُلقي الضوء على مسار جديد للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. وأكد قادة دول المجلس على أن الاقتصاد الرقمي يشكل فرصة تاريخية لدعم النمو الاقتصادي، وهو ما يعكس تحولاً كبيراً في النهج التنموي لدول المنطقة. من خلال الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، تُظهر دول الخليج إدراكها لأهمية التحول نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة وابتكاراً. هذه الجهود ليست مجرد مبادرات محلية، بل تتسم بآفاق عالمية تهدف إلى جعل دول الخليج مركزاً رئيسياً للاقتصاد الرقمي. لعل ما يميز دول مجلس التعاون هو بنيتها التحتية الرقمية المتقدمة، التي أصبحت عاملاً أساسياً لتحقيق هذه الطموحات. على سبيل المثال، تعد استثمارات المنطقة في شبكات الجيل الخامس ومراكز البيانات الضخمة علامة فارقة تعزز جاهزيتها لاستقطاب الاستثمارات الرقمية ودعم الابتكار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. وأشاد البيان بالبنية التحتية الرقمية المتطورة لدول الخليج، وهو ما يعكس رؤية طويلة المدى اعتمدتها هذه الدول لتصبح نموذجاً عالميًا في التحول الرقمي. استثماراتها في تقنيات الاتصال السريع ومراكز البيانات الضخمة جعلتها في موقع ريادي عالمي. ومن المهم أن ندرك أن هذه البنية التحتية ليست مجرد استثمار مادي، بل هي أساس يُمكّن دول الخليج من بناء اقتصاد رقمي قوي ومستدام. هذه الجهود تُعزز من قدرة دول الخليج على استقطاب الشركات التقنية الكبرى والمواهب في مجالات الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والحوسبة السحابية. كما أنها تمهد الطريق أمام تسريع الابتكار في مجالات متعددة مثل الطاقة المتجددة، الرعاية الصحية، والتعليم. إن تطوير استراتيجيات رقمية مشتركة بين دول المجلس هو خطوة ضرورية لتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي. البيان أشار إلى أهمية إنشاء أسواق رقمية موحدة، وهو أمر يعكس توجه دول الخليج نحو تعزيز التنافسية في الاقتصاد الرقمي العالمي. هذه الأسواق يمكن أن تسهم بشكل كبير في تسهيل التجارة الإلكترونية بتسريع عجلة إصدار قانون التجارة الإلكترونية في كل دول الخليج وتسهيل عملية التجارة الإلكترونية على المستثمرين المحليين والأجانب، بالإضافة إلى تطوير أنظمة الدفع الرقمية، ودعم الأمن السيبراني. التكامل الرقمي ليس مجرد رؤية اقتصادية؛ بل هو أيضاً انعكاس لوعي دول المجلس بأهمية العمل المشترك لمواجهة التحديات المستقبلية واستغلال الفرص الجديدة في الاقتصاد الرقمي. إلى جانب التركيز على البنية التحتية، شدد قادة المجلس على أهمية الاستثمار في الكفاءات البشرية. تطوير المهارات التقنية للكوادر المحلية هو عامل حاسم لنجاح التحول الرقمي. البيان أكد على ضرورة التركيز على بناء القدرات في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، مما يعزز من جاهزية دول الخليج للتنافس في الاقتصاد العالمي. تحقيق هذه الرؤية يتطلب التزامًا مستمرًا بتنفيذ السياسات والاستراتيجيات المعلنة، مع التركيز على تعزيز التعاون بين دول المجلس لمواكبة التطورات العالمية وترسيخ دورها في الاقتصاد الرقمي العالمي.
900
| 03 ديسمبر 2024
الحروب ليست مجرد معارك تُقاس بعدد القتلى أو حجم المساحات التي تم السيطرة عليها؛ فهي ليست مباراة رياضية تُحسب فيها النقاط أو صفقة تجارية تُقيّم بالعائد المادي. الوضع في غزة وفلسطين يبرز بوضوح أن مفهوم النصر في الحرب يتجاوز تلك الحسابات السطحية إلى أبعاد أعمق وأكثر تعقيدًا، ترتبط بالحقائق التاريخية، العدالة، والرأي العام الدولي. منذ عقود، تعيش فلسطين وشعبها تحت الاحتلال الإسرائيلي في ظل نظام يستند إلى الاستيطان العسكري والتمييز العنصري. ما يميز هذا الصراع هو كونه أكثر من مجرد نزاع على الأرض، بل هو مواجهة مستمرة ضد الظلم والاستبداد. ومع ذلك، تعرضت القضية الفلسطينية لتعتيم إعلامي وتضليل سياسي منهجي، حيث تم تصوير الفلسطينيين على أنهم المعتدون في كثير من الأحيان، وجرى تقويض نضالهم المشروع من أجل الحرية. طوال سنوات طويلة، حاول الإعلام الموجه أن يطغى على الحقيقة، مستخدمًا أدوات ضخمة لتشكيل وعي عالمي مشوه، مما ساهم في تقليل التعاطف مع الضحية وتلميع صورة المحتل. ومع ذلك، فإن الوضع اليوم آخذ في التغير بشكل لا مثيل له منذ بدء الاحتلال. في السنوات الأخيرة، بدأ المشهد العالمي يتغير بفضل الجهود الفردية والجماعية للتصدي للتضليل الإعلامي. باتت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحًا قويًا في أيدي الفلسطينيين وأنصارهم لنشر الحقيقة وكسر الحصار الإعلامي المفروض عليهم. أصوات الأفراد، بما في ذلك المشاهير، أصبحت تلعب دورًا مهمًا في نشر الوعي بالقضية الفلسطينية. في هذا السياق، يمكن اعتبار كل خطوة قانونية، إعلامية، أو سياسية تُحقق لصالح القضية الفلسطينية بمثابة نصر كبير. على سبيل المثال، القرارات الدولية التي تدين الاحتلال وتدعم حقوق الفلسطينيين تمثل انتصارًا شرعيًا يتجاوز القتال العسكري. هذه الانتصارات تعيد تعريف مفهوم النصر في الحرب وتبرز قوة القانون والعدالة على المدى الطويل. النصر في غزة وفلسطين لا يُقاس بعدد الدبابات أو الجنود، بل في الحفاظ على إرادة الشعب في المقاومة، وإبقاء القضية حية في الوعي الدولي. النضال الفلسطيني يثبت أن النصر الحقيقي هو في كسر قيود الظلم وإعادة الحقوق المسلوبة، حتى وإن استغرق ذلك أجيالاً. اليوم، يتغير المشهد بفضل الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات الإعلامية المستقلة والمنصات الرقمية في كشف الجرائم الإسرائيلية وتوثيقها أمام العالم. لقد ساعدت هذه الجهود في تحقيق مكاسب مهمة، مثل تعزيز حركة المقاطعة (BDS)، وزيادة التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني، وصولًا إلى قرارات من بعض الدول التي تعترف بحقوق الفلسطينيين. الانتصار الإعلامي أصبح عنصرًا رئيسيًا في هذا الصراع، حيث نجح الفلسطينيون في استعادة روايتهم الخاصة ومواجهة السرديات المضللة. عندما تتحدث المنصات الدولية الكبرى والشخصيات المؤثرة عن العدالة للفلسطينيين، فإن ذلك يعتبر نصرًا ثقافيًا وسياسيًا له أثر كبير على المدى البعيد. كما أن الانتصارات القانونية، مثل قرار المحكمة الجنائية الدولية، تشكل سلاحًا قويًا في المعركة من أجل الحرية. هذه القرارات تضع ضغطًا مستمرًا على الاحتلال وتثبت أن العدالة يمكن أن تكون أقوى من العنف. مع استمرار المقاومة على كافة الجبهات - من الإعلام إلى القانون والسياسة - تظل فلسطين نموذجًا ملهمًا للصمود في وجه الاحتلال، ودرسًا للعالم بأن النصر يتجسد في الحق وليس في القوة.
555
| 26 نوفمبر 2024
مع عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض في انتخابات 2024، يثار الكثير من التساؤلات حول تأثير سياساته المتوقعة على الساحة الدولية، لا سيما بالنظر إلى السياسات التي انتهجها خلال فترته الرئاسية الأولى. كان ترامب معروفاً باتباعه نهج «أمريكا أولاً»، الذي ركّز على تعزيز المصالح الأمريكية حتى وإن تطلب ذلك انسحاباً من الاتفاقيات الدولية أو الدخول في صراعات تجارية مع دول أخرى. فخلال رئاسته الأولى، تبنّى ترامب سياسة تجارية صارمة تهدف إلى تقليل العجز التجاري الأمريكي، خاصة مع الصين. فرض العديد من الرسوم الجمركية على البضائع الصينية في محاولة لتقليص الفجوة التجارية وضمان «اللعب النزيه» كما وصفه، وهو ما أثار توترات تجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. مع عودة ترامب إلى السلطة، يُتوقع أن يعزز هذه السياسات وربما يزيد من الضغط على الصين والدول الأخرى التي يعتبرها منافسة اقتصادية. ومن الممكن أن تؤدي هذه السياسة إلى مزيد من التوترات الاقتصادية، مما قد يؤثر على الاستقرار المالي العالمي. كما أن الحروب التجارية، خاصة مع الاقتصادات الصاعدة مثل الصين والهند، قد تؤدي إلى انكماش اقتصادي عالمي، حيث تتأثر الاستثمارات الدولية وعمليات الاستيراد والتصدير على نطاق واسع. كما أنه من المعروف أن ترامب انسحب من اتفاقية باريس للمناخ خلال ولايته الأولى، وعودته قد تعني تراجع الولايات المتحدة عن دعم الاتفاقيات البيئية مجدداً، مما قد يُضعف الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي. وقد اتبعت إدارة ترامب نهجاً غير تقليدي في التعامل مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، فقد كان ترامب دائم الانتقاد لأعضاء الناتو الذين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع، مطالباً بزيادة مساهماتهم المالية في الحلف. كما كان ناقدًا لبعض سياسات الاتحاد الأوروبي، وخاصة في القضايا التجارية وإذا كرر ذلك فقد يؤدي إلى توترات مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وهو ما قد يؤثر على التحالفات الدولية ويضعف التنسيق الأمني والعسكري بينهم. هذا التوتر قد يدفع بعض الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلالها العسكري عن الولايات المتحدة، مما قد يُغيّر التوازنات الأمنية في أوروبا ويُضعف قدرة الناتو على مواجهة التحديات العالمية خاصة أن سياسة ترامب تجاه إيران وكوريا الشمالية بالضغط والعقوبات الاقتصادية الشديدة. انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، وفرض عقوبات قاسية على طهران، بينما أجرى عدة محادثات غير تقليدية مع كوريا الشمالية من أجل نزع السلاح النووي. قد يعيد ترامب تطبيق نفس النهج، مما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية. قد تتجه إيران نحو زيادة تخصيب اليورانيوم بشكل أكبر، ما يزيد من احتمال اندلاع نزاعات إقليمية. كما قد تشعر كوريا الشمالية بضغط أكبر، وهو ما قد يؤدي إلى استعراضات عسكرية تزيد من حدة التوتر في المنطقة الآسيوية. والحديث اليوم عن العلاقات الخليجية الأمريكية ظاهراً ليس كما قد يكون مع عودة ترامب، فقد شهدت فترته الأولى أزمة خليجية حادة، والخليج اليوم مطالب بالوحدة أكثر من أي وقت سابق . عودة ترامب للرئاسة ستثير تحديات جديدة أمام النظام العالمي المتعدد الأطراف وستخلق ظروفًا جديدة تتطلب تكيّفًا من جانب الدول الأخرى للتعامل مع هذه السياسة الأمريكية المتشددة، وهو ما قد يغيّر النظام الدولي كما نعرفه اليوم.
729
| 13 نوفمبر 2024
عبر التاريخ، لعب الأحرار والثوار دوراً جوهرياً في مواجهة الظلم والطغيان، سواء من المستعمرين الأجانب أو الأنظمة الاستبدادية. هؤلاء الأبطال لم يقتصروا على أمة أو ثقافة بعينها؛ بل ظهروا في كل بقعة من العالم على مدار القرون. من أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا وآسيا، انبثقت حركات تحرر قادها أفراد نذروا حياتهم للقضاء على الظلم والاضطهاد وتحقيق الاستقلال والعدالة. وفي هذا السياق، يعد الشهيد يحيى السنوار رمزًا مهمًا في الكفاح من أجل تحرير فلسطين، وهو شخصية تاريخية يجب الاقتداء بها لتوجيه الجهود نحو تحرير فلسطين. إن الأحرار والثوار عبر التاريخ يُعدّون رموزًا للحرية، فقد كانوا دائمًا المحركين الأساسيين للتغيير. على سبيل المثال، يعد سيمون بوليفار، الذي لقب بـ»المحرر»، من أبرز الشخصيات الثورية في أمريكا الجنوبية، حيث ساهم في تحرير عدد من دول القارة من الاستعمار الإسباني. هذه الشخصيات، التي تحدّت القوى الاستعمارية والديكتاتورية، تركت بصمات دائمة في الذاكرة التاريخية لشعوبها. وفي العالم العربي، تعتبر شخصية نيلسون مانديلا أيضًا نموذجًا يحتذى به في النضال من أجل الحرية. ورغم أن جنوب أفريقيا بعيدة جغرافيًا عن الوطن العربي، فإن مبدأ النضال ضد الفصل العنصري والتفرقة العرقية يربط بين جميع الحركات التحررية. ما يجمع بين هذه الشخصيات ليس فقط أعمالهم البطولية على ساحة المعركة، بل إصرارهم على العدالة وحقوق الإنسان، وهو ما نراه أيضًا في شخصية يحيى السنوار. يعتبر يحيى السنوار أحد أبرز رموز الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي فلم يكن السنوار مجرد قائد عسكري، بل كان أيضًا ملهمًا للعديد من الفلسطينيين الذين يؤمنون بأن الحرية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال النضال المستمر ضد المستعمر. لقد كانت رؤيته واضحة: تحرير فلسطين لا يقتصر على مقاومة عسكرية، بل يتطلب أيضًا وحدة وطنية وصمودًا جماعيًا. تجلّت تضحيات السنوار من خلال قيادته لعمليات مقاومة ضد الاحتلال، وتعزيز الوعي بأهمية الوحدة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية. إن إيمانه العميق بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستعادة أراضيه المسلوبة دفعه للوقوف في وجه الاحتلال على الرغم من التحديات الهائلة. وعلى مر السنوات، أصبح رمزًا يُحتذى به في المقاومة، وقبل ذلك دراسة العدو بشكل كامل. يعتبر يحيى السنوار شخصية تاريخية يجب أن نقتدي بها في سعينا لتحقيق الحرية والعدالة. فقد كرّس حياته للدفاع عن أرضه وشعبه، وضرب أروع الأمثلة في التضحية والبطولة. اليوم، يجب أن نستمد الإلهام من إرثه ونحن نواصل النضال من أجل تحرير فلسطين. تحرير فلسطين يتطلب الالتزام والإيمان بالحقوق، والوحدة الوطنية، والاستعداد لمواجهة التحديات بنفس العزيمة التي جسدها السنوار. استشهاد السنوار ليس نهاية مطاف، بل نقطة في مسيرة كفاح مستمرة، كان يعلم هو، وأهله وكل من رافقه في رحلة الكفاح أنه ذاهب إليها لا محالة، وكان هو يؤمن بها ويعلم أنها مصيره، الشيء الوحيد الذي كان في الغيب هو التوقيت فقط. استشهد السنوار كبطل، كما كان دائماً، وأعتقد أن أجمل عبارة يمكن أن تخلده في الذاكرة الجمعية للشعوب والتاريخ اللغوي هي: عش كالسنوار .. أو مت كالسنوار.
828
| 22 أكتوبر 2024
تُعَدُّ التجارة والاستثمار من الركائز الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في أي دولة. وفي قطر، التي تسعى إلى تنويع مصادر دخلها بعيدًا عن الاقتصاد القائم على النفط والغاز، وتلعب وزارة التجارة دورًا محوريًا في تسهيل العملية التجارية والاستثمارية. ومؤخراً قامت الوزارة بإطلاق الشكل الجديد للنافذة الواحدة، وهو مشروع يجمع جميع الخدمات التجارية في مكان واحد، ويعتبر من أهم المنجزات لوزارة التجارة والصناعة ويوازي مشاريع مهمة لوزارات أخرى مثل تطبيق مطراش في وزارة الداخلية. مع ذلك، نجد أن دخول جهات أخرى، مثل وزارة الداخلية بإداراتها المختلفة مثل الجوازات (لقيد المنشأة) والدفاع المدني (للتصاريح) والنظم والمعلومات (في الكاميرات وغيرها) ووزارة البلدية في التراخيص والإعلانات ووزارة العدل في التوثيق وغيرها من الوزارات، في الإجراءات اليومية المرتبطة بالموافقات والتراخيص يمكن أن يُعطل سير العمل التجاري ويُثقل كاهل المستثمرين وأصحاب الأعمال. إن عملية تجارية واحدة اليوم بات الشخص يتنقل فيها ما بين النافذة الواحدة ومطراش وصك في العدل وموقع خدمات البلدية الإلكتروني والضرائب ووزارة العمل، حتى بات إنجاز عملية تجارية بسيطة يأخذ أسابيع من الموافقات والتوقيعات والأخذ والرد مع كل جهة. وكثير من هذه الموافقات للأسف يمكن حلها بأن تكون مسبقة، فمثلا لا يجب إصدار شهادة إتمام بناء والسماح للمؤجر بالتأجير سوى بحصوله على كافة موافقات الدفاع المدني، بدلاً من الوضع الحالي الذي لا وضوح فيه، وكل مبنى مختلف عن الآخر، أو يمكن توفير مكاتب أو تبعية معينة للخدمات المرتبطة بالتجارة في مقر وزارة التجارة أو نقلها للوزارة كما حدث مع الرخص التجارية التي كانت من مسؤولية البلدية وانتقلت للتجارة. دخول الجهات الأخرى في هذه العملية، يؤدي إلى تعقيدات وتأخيرات بسبب اختلاف الإجراءات والمتطلبات بين هذه الجهات. قد تكون كل جهة من هذه الجهات ذات أهمية لضمان السلامة والأمن، ولكن من الضروري أن يتم تنظيم هذا التدخل بطريقة تجعل من الممكن إنجاز العمليات التجارية بسلاسة. فالبيئة الاستثمارية يجب أن تكون جاذبة، وهذه الجاذبية تعتمد في الأساس على سهولة الإجراءات وبساطتها ومرونتها ووضوحها. ويجب أن تكون الجهات الأخرى التي تتدخل في العملية التجارية أكثر مرونة في تطبيق القوانين واللوائح. فالمرونة ليست فقط في تعديل القوانين عند الضرورة، بل أيضًا في كيفية تطبيقها وتفسيرها بما يخدم مصلحة جميع الأطراف. في بيئة الأعمال التجارية المتسارعة والمتغيرة، تحتاج الشركات إلى استجابات سريعة وفعّالة. وقد تؤدي التأخيرات في إصدار التراخيص أو الموافقات إلى تعطيل الخطط الاستثمارية، وبالتالي إلى خسائر مالية وتراجع في النمو الاقتصادي. كما من المهم أيضًا أن يكون هناك وعي كافٍ بين موظفي هذه الجهات حول طبيعة الأعمال التجارية والحاجة إلى سرعة الإنجاز. إن التوعية المستمرة لموظفي الجهات الحكومية بقضايا القطاع التجاري وكيفية التعامل مع المستثمرين وأصحاب الأعمال تُعَدُّ جزءًا أساسيًا من تحسين بيئة العمل. بات من الضروري تحديد دور واضح لوزارة التجارة في إدارة هذه العمليات بشكل أكبر، مع ضمان مرونة الجهات الأخرى وتعاونها لتحقيق بيئة أعمال أكثر جاذبية وفعالية. كما يجب أن تكون الجهة المركزية التي تنظم وتُشرف على الأنشطة التجارية، بما في ذلك إصدار التراخيص، وتوفير التوجيهات، وتحديد الشروط اللازمة لمزاولة الأعمال.
933
| 08 أكتوبر 2024
كرر الكيان الصهيوني ما حدث سابقاً بقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بقصف الضاحية الجنوبية، بعد أن قتل نفس الكيان الأمين العام السابق عباس الموسوي والذي جاء نصر الله خلفاً له، عملية لم تكن لتكون لولا الخيانة، كما حدث مع كل سلسلة الاغتيالات السابقة في الفترة الأخيرة من قاسم سليماني إلى إسماعيل هنية. لكن ما هي السياقات والمسببات لمقتل أمين عام حزب الله وصفه الأول والثاني والثالث والقادة البدلاء ومخزنه العسكري والنقدي والبشري في أقل من أسبوع بداية بعملية البيجر وليس نهاية بهجمات الجمعة ؟ هل باعت إيران نصر الله ؟ هل جاءت الخيانة من أطراف لبنانية في الداخل ؟ هل هي رغبة عربية في التخلص من سلطة الحزب في لبنان؟ هل هي معلومات أمريكية للصهاينة ؟ هل هو طرف ثالث خفي ساعد الصهاينة من أجل مكاسب شخصية أخرى؟ هل فعلاً علينا أن نعرف ذلك الآن؟ هل يجب أن ننشر قصص حزب الله في سوريا ودوره الدموي فيها ؟ أم علينا أن نجتر قصص حروبه الداخلية في لبنان وتعطيله للنظام السياسي واحتلال بيروت وأصابع الاتهام الموجهة له بدوره في اغتيال الحريري؟ ما أهمية ذلك الآن أصلاً ؟؟ لدينا بلد عربي يقصف ليل نهار، وحملة لجوء هي الأكبر في تاريخ لبنان، وتهديدات بعمل عسكري بري ضده (إن لم يبدأ في وقت نشر هذا المقال) ولدينا بلد عربي آخر هو اليمن يقصف، ولا نعلم على من سيكون الدور القادم، والعرب مشغولون بتحديد هل حسن نصر الله شهيد أم أنه قاتل متواطئ مع النظام السوري وتابع للنظام الإيراني ؟ هو وما فعل وما نوى بين يدي ربه، لا يهم من كان ولا ما فعل بقدر ما يهم الآن أن نقف صفاً واحداً ضد أن لا تكون في لبنان جولان أخرى، وأن لا تكون في لبنان واليمن غزة أخرى، إن التشاحن والاختلاف في وقت الأزمات لهو مضيعة للحق وتشتيت للصف وخسارة لما هو باق. قبل أسبوع تحديداً كتبت مقالاً عن الوحدة خلال الأزمات، واليوم ليس كأي وقت مضى، علينا أن نتحد ضد عدونا الصهيوني، وأعوانه من الخونة في الداخل، علينا أن لا نعتقد أن غزة البداية ولبنان النهاية، إن كل بلد عربي اليوم مهدد بالقصف والاحتلال المعنوي قبل العسكري، بالضعف والهوان قبل الاستسلام والتطبيع، إن لم نقف اليوم من جديد ضد الصهاينة في كل مكان، كل بما يستطيع، التبرع والدعم والنشر واتخاذ الموقف وغيرها، فإننا نسلم رقابنا ورقاب الأجيال القادمة لليهود الصهاينة. أما التاريخ، فسيكتب كل شيء، وسيفضح كل شيء، لكننا الآن في الحاضر الذي سيكتب، إن لم نعمل على صناعته ومقاومة المحتل، فسيكتب عنا التاريخ، أسوأ مما نعيش، فالمنتصر هو من سيكتب التاريخ، والمنهزم هو من سيدني الرأس... كما يفعل الآن.
1446
| 30 سبتمبر 2024
الوحدة خلال الأزمات ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل ضرورة إستراتيجية حتمية لتجاوز الصعوبات وتحقيق الأهداف المشتركة. ففي الأوقات العصيبة، تبرز الحاجة الملحة للتغلب على الخلافات الفرعية والتركيز على الهدف الأكبر والأسمى. اكتب هذه العبارات وأنا أرى كماً هائلاً من التعليقات السلبية في الوطن العربي الكبير من الجماهير وكتاب المقال يتنابز فيه الجميع على تماهي دولهم مع الصهاينة أو يهاجم كل منهم الآخر عن الدور الذي كان يجب أن تقوم به بلاده ولم تقم به، هذا الخلاف امتد حتى وصل للانقسام في الدور الذي تلعبه مختلف الأطراف في العدوان على غزة مثل الدور الإيراني أو حزب الله أو الحوثي في اليمن. التاريخ مليء بأمثلة تُظهر كيف استطاعت الشعوب والدول تجاوز اختلافاتها لتحقيق أهداف مشتركة تسهم في الرفاهية العامة وتعزيز السلام والاستقرار، لهذا فإن عدو عدوي صديقي، ولا يجب أن ننشغل بخلافاتنا الفكرية أو المذهبية عن عدو يهدد وجودنا الفعلي على أراضينا، يهدد أرضنا وديننا وشعبنا من الخليج إلى المحيط. ولقد لاحظت في الآونة الأخيرة أيضا نشاطاً غير عادي للذباب الإلكتروني الذي بدا واضحاً أنه موجود في كل تغريدة ونشرة ومادة عن غزة في وسائل التواصل الاجتماعي، هدف هذا الذباب الحقيقي هو بث الفرقة والخلاف بين الأشقاء العرب، والمزايدة على الأدوار للدول والحكام والشعوب، وهو ما ينجر خلفه للأسف الكثير من العرب جماهير ومختصين. خلال الحرب العالمية الثانية، شهد العالم أحد أبرز الأمثلة على أهمية الوحدة في وجه التحديات الكبرى. تحالف الحلفاء، الذي ضم دولاً بمختلف توجهاتها السياسية والاقتصادية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، واستطاع أن يوحد جهوده لمواجهة النازية الألمانية في ذلك الوقت. هذا التعاون لم يقتصر على المجهود العسكري فقط بل شمل الجوانب الاقتصادية والمعلوماتية، ما أسهم في النهاية بتحقيق النصر وإعادة تشكيل ملامح العالم بعد الحرب. كما يجب ألا ننسى حرب 1973 التي عُرفت بحرب أكتوبر، تعد مثالاً آخر على الوحدة في الأزمات، حيث تعاونت مصر وسوريا بشكل وثيق في خطة عسكرية مشتركة أظهرت مدى أهمية العمل الموحد في مواجهة عدو مشترك. وقد دعمت الدول العربية المجهود الحربي من خلال المساعدات العسكرية والمالية، مما كان له بالغ الأثر في مجريات الحرب. الوحدة لا تعزز فقط القوة الجماعية في الأزمات، بل تُعد أيضًا استثمارًا في المستقبل. العمل المشترك يساعد في بناء الثقة المتبادلة ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون في المستقبل. ومن خلال التركيز على الأهداف المشتركة وتجاوز الخلافات، يمكن للمجتمعات والدول تعزيز قدرتها على الصمود والتقدم. اليوم فلسطين فوق كل شيء، وفوق كل خلاف، وفوق كل إنجاز فردي يفتخر به نظام أو شعب أو حركة، فلسطين قضية أمة، وتحريرها واجب علينا جيلاً بعد جيل.
1200
| 24 سبتمبر 2024
تُعد النزاهة والشفافية من الركائز الأساسية لإدارة الدولة الفعّالة والناجحة، حيث تلعب هاتان القيمتان دوراً محورياً في تعزيز الثقة بين الحكومة والشعب، وتحقيق التنمية المستدامة، والحد من الفساد الذي بات اليوم أكبر مهدد لانهيار الدول مهما كان حجم اقتصادها، ولعل الفهم العميق لتأثيرهما يمكن أن يكشف كيف يمكن لدولة أن تتفوق في إدارة مواردها وتطوير سياساتها وقدرتها على التعامل مع الأزمات التي تتعرض لها مهما كان حجمها. إن النزاهة والشفافية تعززان الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية. فعندما يشعر الناس أن قرارات الحكومة تُتخذ بناءً على مبادئ عادلة وموضوعية، وليس على المحسوبية أو الفساد، أو بناء على قرارات فردية غير مدروسة فإن ذلك يزيد من دعمهم ومشاركتهم في العملية السياسية، وحتى في وقت حدوث الأخطاء تعزز الشفافية قدرة الناس على تقبل الخطأ ودعم مؤسسات الدولة في التعامل معه والحرص على أن تكون شريكة في الحل كما كانت شريكة في التخطيط والتنفيذ. وتعتبر الشفافية أداة فعالة لمكافحة الفساد. عندما تكون المعلومات حول الأنشطة الحكومية والسياسات العامة متاحة للجميع، يصبح من الصعب على الأفراد أو الجماعات استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية. لأن النزاهة تعني التزام المسؤولين بمعايير أخلاقية صارمة، مما يقلل من فرص الفساد ويعزز المحاسبة. وعندما تكون الحكومة شفافة في تقديم الخدمات وإدارة الموارد، يُمكنها تحديد المشكلات وتحسين كفاءتها بشكل أفضل. فالمعلومات المفتوحة تُتيح مراجعة فعالة للسياسات والخدمات، مما يساعد في تحسين الأداء العام. كما أن الانفتاح على رأي المستفيدين يساهم في وضع معايير واضحة لقياس أداء البرامج والمشاريع، مما يُحسن من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ويجب أن لا ننسى ونحن دولة تتجه لجذب المستثمرين أن الدول التي تُظهر التزاماً قوياً بهذه القيم تكون أكثر جذباً للاستثمارات، فالاستثمار في بيئة تتسم بالنزاهة والشفافية يجذب المستثمرين لأن الشفافية في العمليات التجارية الحكومية تُمكّن الشركات من التنبؤ بالمخاطر بشكل أفضل وتخطيط استثماراتها بفعالية، النزاهة والشفافية ليستا مجرد قيم أخلاقية، بل هما أساس لتحقيق إدارة حكومية فعّالة ومستدامة. بفضل تأثيرهما الإيجابي على الثقة والمصداقية ومكافحة الفساد وتحسين جودة الخدمات، تُساهم هاتان القيمتان بشكل كبير في بناء مجتمع مزدهر وديمقراطي.
1509
| 11 سبتمبر 2024
تختلف أنواع الغزو، لكن التاريخ أثبت أن أكثرها صعوبة في التخلص من آثاره هو الغزو الثقافي، والشواهد المحيطة بنا في دولنا العربية أو في العالم كثيرة، والغزو الثقافي عملية تفرض من خلالها ثقافة مُهيمنة - غالباً من قِبل دولة أو مجموعة ذات نفوذ اقتصادي وسياسي - قيمها وعاداتها وأفكارها على مجتمع أو ثقافة أخرى. يُمكن أن يتم هذا الفرض بطرق مباشرة أو غير مباشرة، من خلال وسائل الإعلام، التكنولوجيا، التعليم، السياحة، التبادل الثقافي، وحتى الضغط السياسي أو الاقتصادي أو الاحتلال العسكري وما يتبعه من شروط هيمنة عن بعد تتبع الانسحاب. ولعل واحدة من أبرز التحديات هي تآكل الهوية الثقافية للمجتمعات المستهدفة. عندما تُفرض قيم ومفاهيم ثقافية جديدة، فقد يشعر الأفراد بأن تراثهم الثقافي يصبح بلا قيمة أو مُهدداً، مما يؤدي إلى فقدان التميز الثقافي والهوية الفريدة. وهنا يأتي دور القيادة السياسية في هذه الدولة، المجموعة المقاومة في فترات الاحتلال أو المثقفين في كل الأوقات، عبر مقاومة هذه الاستعمار الفكري وتبيان خطره في المجتمع، ولعل نموذج الخليج أحد النماذج الجيدة حيث استفاد من الاستعمار البريطاني على مستوى العلاقات التجارية والاقتصادية ولم يخضع له ثقافياً فحافظ على الدين والعادات والتقاليد الإسلامية والعربية الأصيلة، لكنه كان بشعاً في أفريقيا التي فرضت فرنسا الاستعمارية ثقافتها فأصبحت كثير منها دولاً فرانكوفونية تعاني ضياع هوية أبنائها وصراعهم المستمر مع ذاتهم، ومن المهم التأكيد على أن التغلغل الأوروبي في أفريقيا بشكل رئيسي من خلال بعثات الاستكشاف والتجارة في القرون الوسطى، لكنه اتخذ شكلاً أكثر تنظيماً وتأثيراً خلال القرن التاسع عشر، مع «التدافع من أجل أفريقيا» (Scramble for Africa) الذي شهد تقسيم القارة بين القوى الأوروبية مثل بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، ألمانيا، والبرتغال. ولم يكن الهدف من هذا التدافع فقط السيطرة على الموارد الطبيعية والأراضي، بل أيضاً فرض النفوذ الثقافي على الشعوب الأفريقية. وتأتي خطورة الغزو الثقافي من كونه غير ملموس ويتمثل في الإعلام والترفيه والتعليم، مما يجعله من الصعب مقاومته. يمكن أن يؤدي إلى استبدال اللغة والعادات والقيم المحلية بعادات وقيم أجنبية، مما يُضعف الهوية الثقافية للأفراد والمجتمع، كما أن خطورته تتمثل على تأثيره الأساسي على اللغة الأصلية واستخداماتها وقدرته على خلق صراع مجتمعي مستمر بين من ينبطح لثقافة المستعمر وبين من يتمسك بهويته الوطنية. وعندما نتحدث عن الغزو الثقافي يجب أن نفرق بين التأثير الثقافي الأمريكي الذي كان الأكثر تأثيراً عن بعد وحرص على ترويج ثقافة الاستهلاك ونشر سلوكيات تساهم في تعزيز العلامات التجارية الأمريكية ونشر صورة أمريكا العظمى في العالم وكانت هوليوود طبعاً هي الذراع الناشر لهذه الثقافة، بينما حرصت فرنسا على أن تكون دولة تغزو ثقافياً كل بلد بحيث تكون الفرنسية لغة رسمية تدرس في المدارس وتستخدم في الأعمال وتكون القوانين الفرنسية في القضاء والاعلام وغيرها من المؤسسات الرسمية في الدولة، بينما حرصت بريطانيا مثلاً على نشر فكرة التحدث باللغة الإنجليزية واعتبارها لغة ثانية في الدول وإن لم تضغط لتكون رسمية حرصاً منها على استمرار العلاقة مع الأجيال المتعاقبة في هذه الدول. الغزو الثقافي ظاهرة معقدة تحمل في طياتها تحديات كبيرة وتأثيرات واسعة النطاق. في عالم مترابط، يُصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى أن نحمي الثقافات المحلية ونحافظ على التنوع الثقافي الذي يُعتبر جزءاً من ثراء البشرية، وهنا من المهم أن نشير أن التبادل الثقافي والانفتاح على ثقافة الآخر بهدف المعرفة والاطلاع وتبادل الخبرات تختلف تماماً عن فرض ثقافة أجنبية تعارض الدين والعادات المرتبطة ببلد ما وتؤدي لانسلاخه الفكري والعملي عن لغته الأصلية.
4107
| 04 سبتمبر 2024
شهد العالم طفرة هائلة في استخدام البودكاست كوسيلة إعلامية فعالة للتواصل مع الجمهور حيث يمكن القول إن البودكاست أصبح منصة إعلامية محورية تؤثر بشكل كبير على الرأي العام. ورغم تنوع مواضيعها التي تقدم على كافة المستويات سواء على مستوى تحول القنوات لتقديمها كما حدث مع قناة الجزيرة، أو إنشاء مؤسسات متخصصة في إنتاج هذه البرامج بمظلة جديدة كما حدث في بعض الدول العربية، أو عبر الجهود الذاتية للأفراد الذين يقومون بنشر المعلومات أو مشاركة المعرفة في تخصصهم. وقد اكتسبت بعض برامج البودكاست شهرة واسعة وتأثيرًا كبيرًا على الساحة السياسية والاجتماعية. من خلال تسليط الضوء على قضايا معينة وتقديم منصات للخبراء والسياسيين، كما تفوق بعض نجومها عالميا وأصبحوا يحتلون اليوم مكانة إعلامية مهمة ومؤثرة. والملاحظ على هذه البرامج قوة تأثيرها على الرأي العام، فرغم تأثر الراديو بشكل كبير كقناة إعلامية، والتوقعات التي صاحبت أنه سيغيب عن المشهد في القريب العاجل، إلا أن ظهور البودكاست أعاد الناس للاستماع له في كثير من الأوقات، وخاصة في السيارات، الأمر الذي دفع بعض شركات السيارات لضمه كجزء من مجموعة الخدمات في السيارة. ومع اختلاف الأجندات وتعدد الأهداف بات العالم يعاني مع البودكاست من أمرين، الأول أدلجة البودكاستات لتخدم أهدافا معينة في مجال محدد، وغالبا في المجال السياسي الذي يحاول أن يسيطر على الوعي الجمعي للشعوب وعدم ترك الفرصة لأي سرد تاريخي أو حديث مختلف عن الرواية المعتادة التي سردها طوال سنوات ماضية ولا يزال يكررها. الثانية تتمثل في أن كثيرا من هذه البرامج يقدمها أو تستضيف أشخاصا يقدمون أنفسهم كبيوت خبرة متحركة، خاصة في المجالات المرتبطة بحياة الناس اليومية مثل الصحة العامة والغذاء والتجارة والأعمال والتربية، وهم أبعد ما يكون عن هذا التخصص أو أن خبرتهم في المجال محدودة جداً، فيقدمون معلومات تؤثر في حياة الأفراد بشكل كبير وعلى مستوى تعاطيهم مع واقعهم ومجتمعهم وسلوكهم الفردي، وهذا خطره أكبر حتى من أدلجة المواد السياسية أو التاريخية أو غيرها. وفي الجانب الإيجابي من البودكاست فإنه يمكن أن يكون أداة فعالة في التعليم وزيادة الوعي وخاصة بالدين والقضايا الانسانية والأخلاقية، من خلال تقديم المحتوى بطريقة سلسة وجذابة. إن تحديات وجود المحتوى غير الدقيق أو المتحيز، والذي يمكن أن يؤدي إلى نشر معلومات مضللة. قد لا تكون ملموسة بشكل واضح حاليا لأنه لم يتم قياس تأثيرها بعد، لكنها ستكون بلا شك مؤثرة جداً في المستقبل مع كبر دائرة الإنتاج، وتنافس المنتجين في استقطاب أكبر الأسماء، وتعدد المظلات الحقيقية للإنتاج أو التي تنتج من خلف الكواليس.
1698
| 27 أغسطس 2024
الغوغائية السياسية ظاهرة تتسم بالاستغلال السياسي للعواطف الجماهيرية دون الاعتماد على أساس منطقي أو أدلة واقعية. تُستخدم فيها لغة بسيطة وعاطفية تستهدف الحشود بهدف تحريضها أو توجيهها نحو تحقيق مصالح شخصية أو أجندات سياسية معينة. تُعتبر هذه الظاهرة واحدة من أخطر التحديات التي تواجه الأنظمة الديمقراطية، حيث يُمكن أن تُحول الرأي العام إلى أداة بيد السياسيين الشعبويين. الغوغائية تعود إلى العصور القديمة. في أثينا القديمة، كان هناك من يُعرفون بـ»الديماغوجيين»، وهم زعماء سياسيون استخدموا الأساليب الخطابية المثيرة للتأثير على المواطنين وتحقيق أهدافهم الشخصية. هذه الظاهرة استمرت عبر التاريخ، حيث استغل القادة السياسيون في مختلف الحضارات مشاعر الجماهير لتحقيق مآربهم. في التاريخ العربي هناك رؤساء كثر استخدموا هذا الخطاب الغوغائي سواء في فترات من حكمهم كفترة مناداة عبدالناصر بالاشتراكية ثم القومية العربية التي تخلى عنها في كل مرة حسب مصالحه، أو بشكل مستمر كما كان العقيد المهزوم معمر القذافي. وتستند الغوغائية السياسية إلى عدة أدوات منها الخطاب العاطفي الذي يعتمد على إثارة العواطف بدلاً من تقديم حجج منطقية: وتسطيح القضايا المعقدة لجعلها تبدو أكثر وضوحًا وسهولة للجماهير. هذا التسطيح المغلف بالتبسيط غالبًا ما يكون مضللًا لأنه يتجاهل جوانب مهمة من القضية. لكن أبرز الأدوات هي التي تستخدمها كثير من الدولة وخاصة الولايات المتحدة ضد شعبها وخصومها، فضد شعبها تستخدم التخويف والتهديد بالضرر ورفع شعار الحفاظ على الأمن القومي وأن الأمة في خطر دائم والعمل العسكري هو الحل لإنقاذ أمريكا، بينما تستخدم هوليوود والإعلام والمؤسسات الدولية ضد خصومها عبر شيطنتهم لتوحيد الجماهير ضد دولة (روسيا) أو دين (الإسلام) أو ثقافة تجعل مواطنيها في حالة عداء دائم معها. لكن الغوغائية السياسية تُحدث أضرارًا جسيمة على النظام السياسي والاجتماعي. فهي تُضعف الثقة في المؤسسات الديمقراطية وتُحول النقاش العام إلى معركة عاطفية بدلاً من حوار فكري. يُمكن أن تؤدي أيضًا إلى تزايد الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع، حيث يتم تصوير كل من لا يتفق مع الغوغائيين على أنه عدو أو خائن. أندرو جاكسون، الذي شغل منصب الرئيس السابع للولايات المتحدة من 1829 إلى 1837 كان من أبرز الغوغائيين. ويعتبر من أوائل الرؤساء الشعبويين في تاريخ الولايات المتحدة، واستخدم تكتيكات غوغائية كثيرة لتحقيق أهدافه السياسية مثل الخطاب الشعبوي في تقديم نفسه كمدافع عن «الرجل العادي» ضد ما وصفه بالنخب الفاسدة في واشنطن. واستخدامه خطابًا معاديًا للسكان الأصليين، واعتبرهم عقبة أمام تقدم الأمة الأمريكية. هذا الخطاب كان جزءًا من سياسته المعروفة بـ»مسار الدموع»، حيث أجبر عشرات الآلاف من السكان الأصليين على النزوح من أراضيهم في الجنوب الشرقي للولايات المتحدة إلى أراضٍ غرب المسيسيبي، مما أدى إلى وفاة العديد منهم. وشيطن المعارضين وخلق حالة عداء بين الشعب والكونغرس الذي كان يعارض سياساته. غوغائية جاكسون أسست نمطًا شعبويًا في السياسة الأمريكية، حيث تم تقديم الرئيس كمدافع عن الشعب ضد النخب. وهي نفس الفكرة التي عاشت حتى جاءت بدونالد ترامب الذي يقوم بنفس الدور مع تغيير العناوين الرئيسية، الذي يشيطن الديمقراطيين (بدلا من النخب الفاسدة) ويعادي العالم (كتخويف خارجي للشعب) ويهاجم المهاجرين ( بدلاً من السكان الأصليين) ويخلق عداء بينه وبين كل مؤسسات الدولة التي تعارضه. الغوغائية السياسية سلاح ذو حدين. ففي حين أنها قد تمنح السياسيين الغوغائيين قوة سريعة وتأثيرًا فوريًا كما حدث في فترة حكم ترامب الأولى، لكنها تُحدث أضرارًا طويلة الأمد على المجتمع والدولة كما هو حاصل في أميركا الآن .. وقد يجعلها بداية لنهاية أقوى دولة في العالم قريباً.
2253
| 20 أغسطس 2024
اللغة السياسية هي وسيلة مركزية تستخدمها السلطة السياسية لتحقيق أهدافها، سواء كانت هذه الأهداف متعلقة بالحكم أو بالإقناع أو بالتأثير على الجمهور. اللغة في هذا السياق لا تقتصر فقط على الكلمات والجمل، بل تشمل أيضاً الخطابات والرموز والشعارات التي تحمل دلالات سياسية عميقة. وتلعب اللغة السياسية دوراً حيوياً في توجيه الرأي العام وبناء التأييد الشعبي للسياسات الحكومية. وتستخدم الحكومات والأحزاب السياسية لغة معينة لخلق تصورات معينة لدى الجماهير، مثل استخدام كلمات محددة لتعزيز الوطنية أو لإضفاء الشرعية على قرارات معينة. على سبيل المثال، يمكن استخدام مصطلحات مثل «الأمن القومي» لتبرير سياسات تتعلق بالرقابة أو التدخل العسكري وهذا المصطلح بالذات استخدم في الولايات المتحدة كثيراً خلال العقود الماضية، بل إن الشواهد كثيرة على أنه عندما يتراجع إيمان الناس بفكرة الأمن القومي تقوم الحكومة الأمريكية بصناعة حدث أو ضرر ضد الدولة لترفع الإيمان به ويصبح مطلباً شعبياً. ويمكن أن تكون هذه اللغة أيضا وسيلة للتلاعب والتضليل، خاصة في السياسة حيث تعتبر أداة قوية في يد القادة السياسيين للتأثير على الجمهور وتوجيه الرأي العام والتاريخ حافل بذلك. قادة مثل ونستون تشرشل، أدولف هتلر، ودونالد ترامب استخدموا اللغة السياسية بطرق مختلفة لتحقيق أهدافهم. تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، استخدم اللغة لتحفيز وصمود الأمة البريطانية في وجه التحديات. في خطابه الشهير «دماء، كدح، دموع وعرق» (Blood, Toil, Tears, and Sweat)، عباراته كانت تهدف إلى تعزيز الشجاعة والمثابرة بين الناس، حيث قال: «ليس لدي ما أقدمه سوى الدم والكدح والدموع والعرق». كانت كلماته مليئة بالقوة والإصرار، ونجحت في رفع معنويات الشعب البريطاني في أصعب الأوقات. بينما كان هتلر خبيرًا في استخدام لغة للتحريض والدعاية، ففي كتابه «كفاحي» (Mein Kampf)، وفي خطبه العامة، استخدم هتلر لغة تحريضية مليئة بالكراهية والعنصرية لتعزيز أفكاره الأيديولوجية. وسعى لإثارة مشاعر القومية الألمانية والعنصرية عبر استخدام كلمات مثل «الدم الألماني» و»النقاء العرقي». لغته كانت حادة ومدمرة، وكانت تهدف إلى إثارة العداء وتبرير السياسات القمعية. ترامب، الرئيس الأمريكي السابق، استخدم لغة سياسية مباشرة وغير تقليدية غالبًا ما كانت مثيرة للجدل. اشتهر باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر، للتواصل مع أنصاره والهجوم على خصومه. خلال حملته الانتخابية، استخدم ترامب شعارات بسيطة لكنها قوية مثل «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (Make America Great Again). كما استخدم عبارات مثل «أخبار كاذبة» (Fake News) لوصف وسائل الإعلام التي كانت تنتقده، مما ساعد في تأليب قاعدته الشعبية ضد وسائل الإعلام التقليدية. كانت لغة ترامب تميل إلى الشعبوية، وكانت غالبًا تتسم بالعدائية والاستقطاب. اللغة السياسية هي أداة قوية في يد السلطة، يمكن أن تكون وسيلة لبناء الثقة والتأثير الإيجابي على المجتمع، لكنها قد تكون أيضاً وسيلة للتلاعب والتضليل. فهم كيفية استخدام اللغة في السياسة يمكن أن يساعد الناس على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وعلى اتخاذ قرارات في القضايا السياسية التي تؤثر على حياتهم اليومية. أما في منطقتنا العربية فقد كان محمد حسنين هيكل أشهر عراب للغة السياسية في التاريخ العربي الحديث فقد ساهم في تشكيل الوعي العربي وليس المصري وفق أهواء القيادة المصرية في كل فترات فعاليته في مقر قيادة الحكم وخاصة في فترة جمال عبدالناصر، بينما كانت شعارات مثل الإصلاح الاقتصادي والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من أهم البوابات القاضية على كل أحلام الشعوب في تحقيقها، وقامت كثير من الديكتاتوريات العربية بفعل العكس، ولا ننسى أكبر شعار مضلل ومدمر في الوقت نفسه «الأرض مقابل السلام».
1398
| 13 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8931
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
4155
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
2796
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2184
| 23 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1344
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
738
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
675
| 23 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
501
| 22 سبتمبر 2026
الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...
435
| 20 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
417
| 23 سبتمبر 2026
-القضية الفلسطينية المتضررالأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة...
399
| 20 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية