رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في لحظةٍ فارقة من التاريخ الثقافي العربي، يبرز اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بوصفه إنجازًا يتجاوز حدود العمل اللغوي إلى آفاق أوسع تمسّ جوهر الهوية العربية ومسارها الحضاري. وقد عبّر حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى عن هذا المعنى العميق حين أكد أن اكتمال المعجم يُعد مظهرًا من مظاهر التكامل العربي المثمر، في إشارة تحمل دلالات ثقافية ومعرفية تتجاوز الظرف الآني إلى الرؤية الاستراتيجية للمستقبل. إن أهمية هذا المعجم لا تكمن فقط في كونه يوثق ألفاظ اللغة العربية عبر تاريخها الطويل، بل في كونه يعيد تعريف العلاقة بين العرب ولغتهم في زمن تتسارع فيه المتغيرات. فاللغة هنا ليست مجرد أداة تواصل، بل كيان معرفي يعكس مسيرة أمة بأكملها، بما شهدته من تحولات فكرية وثقافية وعلمية. ومن خلال تتبع نشأة الكلمات وتطور دلالاتها، يقدّم المعجم سردًا غير مباشر لتاريخ العقل العربي وتفاعله مع محيطه الإنساني. ويمثل هذا المشروع انتقالًا نوعيًا من التعامل العاطفي مع اللغة إلى التعامل العلمي المنهجي معها، حيث يعتمد على أسس بحثية دقيقة تستند إلى التوثيق والتحليل الزمني. وبهذا، يضع اللغة العربية في مصاف اللغات التي تمتلك معاجم تاريخية شاملة، ويكسر الصورة النمطية التي طالما حصرت العربية في إطار التراث الجامد. كما يعكس اكتمال المعجم نموذجًا عمليًا للتكامل العربي القائم على المعرفة، إذ شارك في إنجازه باحثون وخبراء من مختلف الدول العربية، اجتمعوا حول هدف علمي مشترك بعيدًا عن الخلافات والحدود. ويؤكد ذلك أن الثقافة يمكن أن تكون المدخل الأصدق للوحدة، وأن المشاريع المعرفية الكبرى قادرة على توحيد الجهود العربية. ومن الجانب المستقبلي، يفتح معجم الدوحة التاريخي آفاقًا واسعة أمام تطوير التعليم وصناعة المحتوى الرقمي والبحث العلمي، خاصة في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تمثل المعاجم التاريخية قاعدة أساسية لفهم اللغة بدقة وعمق. ويتضح أن اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ليس إنجازًا لغويًا فحسب، بل علامة فارقة في مسار العمل الثقافي العربي المشترك، ودليل حي على أن الاستثمار في المعرفة هو أساس النهضة الحقيقية. ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشادة بالدور الريادي لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي جعل من دعم اللغة العربية والمشاريع الفكرية الكبرى ركيزة أساسية في مسيرة دولة قطر. وبرؤيته الحكيمة وإيمانه العميق بقيمة الهوية والإنسان، تحوّل هذا المعجم إلى منارة معرفية عربية، وسيبقى شاهدًا على مرحلة مضيئة من تاريخ الثقافة العربية، وعلى دور قطر، بقيادة سمو الأمير المفدى، في ترسيخ مكانة اللغة العربية وتعزيز حضورها عالميًا، ليكون إرثًا معرفيًا للأجيال القادمة ورمزًا للفخر لكل عربي يعتز بلغته وهويته.
384
| 23 ديسمبر 2025
يمثّل قرار رفع العقوبات المفروضة على الجمهورية العربية السورية الشقيقة، ولا سيما تلك الصادرة بموجب قانون «قيصر»، محطة مفصلية في مسار الأزمة السورية، وتحولًا بالغ الأهمية على الصعيدين الإنساني والسياسي. فبعد سنوات من القيود الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطن السوري، جاء هذا القرار ليكسر حلقة الحصار، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يصبح فيها التعافي ممكنًا، والاستقرار هدفًا واقعيًا. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لدولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بوصفه أحد أبرز الداعمين لرفع العقوبات، انطلاقًا من رؤية دبلوماسية إنسانية واعية. منذ فرض العقوبات، عبّرت دولة قطر عن موقف واضح يؤكد أن العقوبات الاقتصادية الشاملة لا تصنع حلولًا سياسية، ولا تحقق السلام المنشود، بل تُعمّق الأزمات الإنسانية، وتضاعف معاناة الشعوب، وتُضعف فرص الوصول إلى تسوية مستدامة. وانطلاقًا من هذا المبدأ، ظلّت القيادة القطرية تؤكد في مختلف المحافل الإقليمية والدولية أن رفع العقوبات ليس مكافأة سياسية، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. وقاد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بحكمة وثبات، تحركًا دبلوماسيًا نشطًا جعل من ملف رفع العقوبات عن سوريا أولوية حاضرة في النقاشات الدولية. وخلال لقاءاته مع قادة الدول الشقيقة والصديقة، شدد سموه على أن استمرار العقوبات يُقوّض أي جهد لإحلال السلام، ويعيق إعادة الإعمار، ويحدّ من فاعلية العمل الإنساني، مؤكدًا أن السلام لا يمكن أن يُبنى على معاناة الشعوب أو خنق اقتصاداتها. وفي الإطار العربي، عملت دولة قطر، بتوجيهات سمو الأمير، على تعزيز التنسيق مع إخوانه من رؤساء الدول الشقيقة، إيمانًا بأن الموقف العربي الموحد يشكّل ركيزة أساسية في إعادة توجيه السياسات الدولية تجاه سوريا. وأسهم هذا الجهد الجماعي في إعادة طرح مسألة العقوبات بوصفها عبئًا إنسانيًا ثقيلًا، لا أداة فعّالة لتحقيق الاستقرار، ما مهّد الطريق نحو اتخاذ قرار رفعها. ولا يعني رفع العقوبات عن سوريا تجاهل تعقيدات المشهد السياسي، بل يمثل خطوة ضرورية لفك الخناق عن الاقتصاد، وتحسين الواقع المعيشي، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار والمصالحة الوطنية. وهو ما ينسجم تمامًا مع الرؤية القطرية التي ترى أن الاستقرار الحقيقي يبدأ بتخفيف المعاناة، وإعادة الأمل، ودعم مسارات التعافي. كما توازى هذا الدور السياسي مع دعم إنساني قطري متواصل، حيث كانت دولة قطر في طليعة الدول التي قدمت المساعدات الإغاثية والطبية والتعليمية للشعب السوري، تأكيدًا على أن الدعوة إلى رفع العقوبات كانت موقفًا مبدئيًا مدعومًا بالفعل، لا مجرد خطاب سياسي. وفي المحصلة، فإن رفع العقوبات عن الجمهورية العربية السورية الشقيقة لم يكن حدثًا عابرًا، بل ثمرة رؤية قيادية حكيمة قادها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي جعل من الإنسان محور السياسة، ومن الحوار نهجًا ثابتًا، ومن السلام غاية لا تحيد عنها الدبلوماسية القطرية. لقد أثبتت دولة قطر، بقيادتها الرشيدة، أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الدول، بل بثبات المواقف، وصدق الالتزام، والقدرة على تحويل القيم الإنسانية إلى إنجازات سياسية ملموسة. وفي عالم تتشابك فيه المصالح، تظل قطر منحازة للإنسان أولًا، وساعية إلى سلامٍ عادل يفتح آفاق الأمل والاستقرار للشعوب العربية كافة.
384
| 22 ديسمبر 2025
يأتي اليوم الوطني لدولة قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بوصفه مناسبة وطنية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي، لتغدو مساحة واعية للتأمل في مسار الدولة، وطبيعة التحولات التي شهدتها، والأسس التي بُني عليها حاضرها. ففي هذا العهد، ارتبط اليوم الوطني بقراءة متأنية للتجربة القطرية الحديثة، وما حملته من دروس في الصمود، وحسن الإدارة، وبناء الثقة بين القيادة والمجتمع. لم يكن هذا العهد عابرًا في تاريخ الدولة، بل شكّل مرحلة فارقة واجهت فيها قطر اختبارات حقيقية مست جوهر السيادة والاستقلال والقرار الوطني. وقد أظهرت تلك المرحلة قدرة الدولة على التعامل مع التحديات بعقلانية واتزان، بعيدًا عن الانفعال أو الارتجال. ومن هنا، أصبح اليوم الوطني مناسبة لاستحضار تلك اللحظة التاريخية التي أعادت تعريف العلاقة بين الوطن وأبنائه، ورسخت مفهوم الاعتماد على الذات كخيار استراتيجي راسخ. في نهج الحكم، برزت قيادة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بوصفها قيادة هادئة، واضحة الرؤية، تؤمن بأن بناء الدول لا يتحقق بالقرارات المتسرعة ولا بالشعارات العابرة، بل بالعمل المتراكم، والتخطيط طويل المدى، والالتزام الصارم بالمصلحة الوطنية. وقد انعكس هذا النهج على أداء مؤسسات الدولة، وعلى استقرار السياسات العامة، وعلى شعور المواطن بالطمأنينة تجاه مستقبل بلاده، حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا. ومن السمات البارزة لهذا العهد إعادة الاعتبار لمفهوم الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها. فلم تعد التنمية تُقاس فقط بحجم المشاريع أو الأرقام الاقتصادية، بل بمدى انعكاسها على جودة حياة الفرد، وعلى قدرته على المشاركة في صناعة المستقبل. وقد تجلّى ذلك في الاستثمار في التعليم، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الهوية الثقافية، وبناء مجتمع واثق بذاته ومؤمن بدوره. كما شهدت الدولة في هذه المرحلة تحولًا نوعيًا في رؤيتها للتنمية الشاملة، حيث جرى تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والاستدامة الاجتماعية، وبين التحديث والحفاظ على الخصوصية الوطنية. هذا التوازن لم يكن سهلًا، لكنه عكس نضج التجربة القطرية وقدرتها على التوفيق بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل. ويأتي اليوم الوطني ليجسد هذه الرؤية بوصفها مسارًا متكاملًا لا إنجازات منفصلة. وعلى الصعيد المجتمعي، تجلّى تماسك المجتمع القطري كأحد أبرز مكاسب هذا العهد، حيث أظهر المواطنون وعيًا عاليًا بطبيعة المرحلة، وقدرة على تجاوز الاختلافات، والالتفاف حول قيادة الدولة في اللحظات الحاسمة. هذا التلاحم لم يكن وليد ظرف مؤقت، بل نتيجة سياسات عززت الثقة المتبادلة، ورسخت الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الوطن. أما في المجال الخارجي، فقد نجحت قطر في ترسيخ حضورها كدولة ذات قرار مستقل، تنتهج سياسة متوازنة تقوم على الحوار، واحترام القانون الدولي، والدفاع عن مبادئها دون مساومة. وقد أكسبها هذا النهج احترامًا دوليًا، ومكانة متقدمة على الساحة الإقليمية والعالمية. وفي اليوم الوطني، يُستعاد هذا الحضور بوصفه أحد ملامح الهوية القطرية المعاصرة. ويحمل اليوم الوطني في هذا العهد رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل نتاج عمل مستمر، وإدارة واعية، وقدرة على استشراف المستقبل. فالدولة التي تعرف أولوياتها، وتستثمر في إنسانها، وتدير مواردها بحكمة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للتطوير. ولا يقتصر الاحتفاء بهذه المناسبة على استذكار ما تحقق، بل يمتد ليؤكد أن المسيرة الوطنية لا تزال مفتوحة على آفاق أوسع، وأن كل إنجاز يحمل في طياته مسؤولية جديدة. ومن هنا، يصبح اليوم الوطني محطة لتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها الدولة، وتعميق الإيمان بدورها، وتعزيز الثقة بمسارها. وفي كل عام، يؤكد اليوم الوطني أن قطر، بقيادتها وشعبها، اختارت طريق البناء الهادئ، والعمل المتزن، والرؤية الواضحة. وهو يوم يعكس تجربة دولة أدركت أن قوتها الحقيقية تكمن في وعي مجتمعها، وتماسكه، وثقته بقيادته، أكثر مما تكمن في أي عنصر آخر. وهكذا، لا يُقرأ اليوم الوطني في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل باعتباره تعبيرًا متجددًا عن مشروع وطني متكامل، تشكّل بالصبر، وترسّخ بالحكمة، ويتجه بثبات نحو المستقبل، محافظًا على جوهره، ومفتخرًا بما أنجز، وواثقًا بما هو قادم.
489
| 18 ديسمبر 2025
لا يزال التعليم في كثير من مدارسنا وجامعاتنا قائمًا على نموذج قديم، جوهره الحفظ واسترجاع المعلومة، لا فهمها ولا توظيفها. ينجح الطالب حين يحفظ، ويتفوق حين يستظهر، ويحصل على الدرجات العليا كلما كان أكثر قدرة على تكديس المعلومات، لا على تفكيكها أو إعادة إنتاجها. هذا النموذج، الذي كان مناسبًا لعصور سابقة، أصبح اليوم عاجزًا عن مواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. إن التعليم القائم على الحفظ ربما كان مناسبًا في زمن كانت فيه المعرفة محدودة، والوظائف تقليدية، وسوق العمل ثابتة المعالم. أما اليوم، فنحن نعيش عصر البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدمة، حيث لم تعد المعلومة بحد ذاتها ذات قيمة إن لم يُحسن استخدامها وتحليلها وتطويرها. العالم لا ينتظر من خريج الجامعات أن يكون ذا ذاكرة قوية، بل ينتظر عقلًا قادرًا على حل المشكلات، والتكيف مع المتغيرات، والتعلم الذاتي المستمر. المشكلة لا تكمن في الحفظ بوصفه أداة تعليمية، فالحفظ جزء من العملية التعليمية ولا يمكن الاستغناء عنه بالكامل، خصوصًا في المراحل الأولى. الإشكال الحقيقي هو تحويل الحفظ إلى غاية بدل أن يكون وسيلة. حين يُقاس تميز الطالب بقدرته على استرجاع النصوص حرفيًا في ورقة الامتحان، لا بقدرته على الفهم والتحليل والتطبيق، فإننا نُعده لعالم لم يعد موجودًا. كثير من خريجي المدارس والجامعات يكتشفون فجوة واسعة بين ما درسوه وما يواجهونه في الواقع العملي. يتخرج الطالب حاملاً شهادة، لكنه يفتقر إلى مهارات أساسية مثل التفكير المنطقي، العمل الجماعي، إدارة الوقت، أو حتى القدرة على التعبير عن أفكاره بوضوح. هذه الفجوة ليست خطأ الطالب، بل نتيجة طبيعية لمنظومة تعليمية ما زالت تعطي الأولوية للاختبارات النهائية على حساب المهارات الحياتية. في المقابل، سبقتنا دول كثيرة حين أعادت صياغة فلسفتها التعليمية. تحوّل التعليم هناك من قاعات صامتة إلى بيئات تفاعلية، ومن كتاب واحد إلى مصادر متعددة، ومن امتحان واحد إلى تقييم مستمر يعتمد على المشاريع والبحث والتجربة. الطالب في هذه النماذج لا يُسأل: ماذا حفظت؟ بل: ماذا فهمت؟ ماذا طبّقت؟ وكيف توصلت إلى النتيجة؟ إن العالم يتجه بقوة نحو تعليم يقوم على البرمجة، والبحث، والتجربة، والتفكير الإبداعي. الوظائف المستقبلية – كثير منها – لم تُخلق بعد، والتقنيات التي ستقود الاقتصاد العالمي ما زالت في طور التطور. فكيف نُعد أبناءنا لمستقبل مجهول بأدوات ماضٍ معروف؟ وكيف ننافس عالميًا إذا ظلّ نظامنا التعليمي يقيس النجاح بعدد الصفحات المحفوظة؟ المطلوب اليوم ليس تغيير المناهج فقط، بل تغيير العقلية التعليمية كاملة. نحتاج إلى معلم يوجّه لا يلقّن، وإلى طالب يُسائل لا يكتفي بالتلقي، وإلى جامعة تكون حاضنة للفكر والابتكار، لا مجرد محطة عبور نحو الشهادة. نحتاج إلى نظام تعليمي يشجّع الخطأ بوصفه خطوة في طريق التعلم، لا وصمة تُعاقب. إن الاستثمار الحقيقي في التعليم ليس في المباني أو الكتب فقط، بل في بناء عقلٍ ناقد، مرن، ومبدع. وحين ندرك أن العالم سبق مدارسنا وجامعاتنا لأنه غيّر طريقته في التفكير، سنفهم أن اللحاق به لا يكون بالشعارات، بل بإرادة إصلاح حقيقية تضع الفهم قبل الحفظ، والإنسان قبل المنهج، والمستقبل قبل الماضي.
471
| 16 ديسمبر 2025
يحل اليوم الوطني لدولة قطر في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، بوصفه مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، لتصبح لحظة وطنية جامعة تستدعي التأمل في مسيرة دولة صنعت مكانتها بثبات، وبنت نموذجها الخاص القائم على الاستقلال، والوضوح، واحترام الذات الوطنية. فهو يوم لا يُستحضر فيه الماضي لمجرد الاستذكار، بل يُعاد فيه فهم التاريخ بوصفه أساسًا لصياغة الحاضر ورسم المستقبل.يرتبط هذا اليوم ارتباطًا وثيقًا بالمؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، الذي قاد مرحلة التأسيس في زمن كانت فيه التحديات الإقليمية حاضرة، والموارد محدودة، لكن الإرادة كانت صلبة، والرؤية واضحة. لقد أدرك المؤسس أن بناء الدولة لا يبدأ من الأرض وحدها، بل من وحدة الصف، ومن ترسيخ القرار المستقل، ومن احترام العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي قيم شكلت جوهر الكيان القطري منذ نشأته.ولا يُنظر إلى اليوم الوطني على أنه ذكرى تاريخية ساكنة، بل باعتباره محطة وعي تُراجع فيها الدولة مسيرتها، وتستحضر الأسس التي قامت عليها، وتقيّم من خلالها ما تحقق من إنجازات، وما يتطلبه المستقبل من جهد ومسؤولية. فالدول التي تحافظ على حضورها واستمراريتها هي تلك التي تقرأ تاريخها بوعي، لا بعاطفة فقط، وتتعامل مع ذاكرتها الوطنية باعتبارها مصدر إلهام لا عبئًا رمزيًا.وعلى مدى العقود، انتقلت دولة قطر من مرحلة التأسيس إلى بناء مؤسسات الدولة الحديثة، ثم إلى ترسيخ التنمية الشاملة، وصولًا إلى مرحلة الحضور الفاعل والمؤثر إقليميًا ودوليًا. ولم يكن هذا التحول نتاج ظروف مواتية فقط، بل نتيجة تخطيط استراتيجي، وإدارة واعية للموارد، ورؤية أدركت مبكرًا أن الاستدامة لا تتحقق إلا بتوازن دقيق بين الاقتصاد، والمجتمع، والهوية. وقد أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا ببناء مؤسسات قوية وقادرة على أداء دورها بكفاءة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية، بما يضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي. كما شهدت البنية التحتية تطورًا نوعيًا، انعكس على جودة الحياة، وساهم في تهيئة بيئة داعمة للنمو والتنمية، دون أن يكون ذلك على حساب القيم الثقافية أو الخصوصية الوطنية. ويأتي الإنسان القطري في قلب هذه المسيرة، باعتباره الهدف الأول للتنمية وأداتها في آن واحد. فقد آمنت الدولة بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد وحدها، بل في الإنسان القادر على التعلم، والتطوير، والمشاركة الفاعلة في بناء وطنه، لذلك، كان التركيز على التعليم، وبناء القدرات، وتمكين الشباب، نهجًا ثابتًا يعكس رؤية طويلة الأمد لمستقبل الدولة. وفي هذا الإطار، شكلت رؤية قطر الوطنية 2030 علامة فارقة في التخطيط التنموي، حيث وضعت مسارًا واضحًا للتنمية المستدامة، يقوم على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، وحماية البيئة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الثقافية. ويبرز اليوم الوطني أيضًا كفرصة للتأمل في قدرة دولة قطر على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بحكمة واتزان. فقد أثبتت التجارب أن قوة الدولة لا تُقاس بحجمها الجغرافي أو بعدد سكانها، بل بصلابة مؤسساتها، ووحدة شعبها، ووضوح سياستها، وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل في اللحظات الفارقة. وفي ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، واصلت دولة قطر مسيرتها بثبات، معززة حضورها الدولي، ومتمسكة بثوابتها الوطنية، ومنفتحة على العالم بلغة الحوار والتعاون. إن الاحتفال باليوم الوطني لا يقتصر على المظاهر والفعاليات، بل يحمل في جوهره رسالة عميقة مفادها أن الوطن مسؤولية مستمرة، وأن الحفاظ على منجزاته واجب جماعي، وأن المستقبل لا يُترك للصدفة، بل يُبنى بالعمل، والانضباط، واستشعار الأمانة. وفي هذا اليوم المجيد، تتجدد مشاعر الفخر والانتماء، وتتوحد القلوب على حب قطر، وطنًا نعتز بتاريخه، ونثق بحاضره، ونؤمن بمستقبله. وطن أثبت أن الإرادة الواعية تصنع الفارق، وأن الوفاء للماضي لا يكتمل إلا بالعمل للحاضر والتخطيط للغد. كل عام وقطر بخير.. وطنٌ يمضي بثقة، ويكبر بوعي أبنائه، ويحفظ تاريخه وهو يصنع مستقبله بثبات.
192
| 14 ديسمبر 2025
تعكس موازنة الدولة للعام المالي 2026 جملة من المؤشرات الإيجابية التي تؤكد حرص الدولة على ترسيخ الاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه المضي قدمًا في تعزيز مسار التنمية المستدامة، وفق رؤية متوازنة تراعي المتغيرات الاقتصادية العالمية وتحافظ على مكتسبات الداخل. وجاءت الموازنة في توقيت بالغ الأهمية، حيث يفرض الواقع الاقتصادي الإقليمي والدولي التعامل بحكمة مع الموارد، وهو ما يظهر جليًا في تبنّي نهج الانضباط المالي دون المساس بجودة الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، بل مع تعزيزها وتطويرها بما يواكب تطلعات المرحلة. ومن أبرز ما يُحسب لموازنة 2026 تركيزها الواضح على توجيه الإنفاق نحو القطاعات الحيوية ذات الأثر المباشر في حياة المجتمع، وفي مقدمتها التعليم والصحة والخدمات البلدية والتنمية الاجتماعية، بما يعكس فهمًا عميقًا لأولوية الإنسان في سياسات الإنفاق العام. كما تحمل الموازنة بعدًا نوعيًا يتمثل في تعزيز كفاءة الإنفاق والانتقال من مفهوم الصرف إلى مفهوم العائد والأثر، بما يضمن أن تتحول المخصصات المالية إلى نتائج واقعية يشعر بها المواطن في جودة الخدمات والمرافق والبرامج الحكومية. وتعكس الموازنة استمرار الدولة في دعم القطاع العام بوصفه ركيزة الخدمات الأساسية، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون شريكًا فاعلًا في التنمية، وهو توجه يُسهم في تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستدامة المالية دون تحميل الموازنة أعباء إضافية غير ضرورية. وفي الجانب الاجتماعي، تؤكد موازنة الدولة التزامها بالحفاظ على التوازن الاجتماعي ودعم الشرائح المختلفة من المجتمع، من خلال استمرار برامج الرعاية الاجتماعية، وتمكين الشباب، وتحسين الخدمات الموجهة لكبار السن والمتقاعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، بما يعزز التماسك الاجتماعي والاستقرار الأسري. أما على مستوى الخدمات البلدية والبيئية، فقد عكست الموازنة اهتمامًا متناميًا بتطوير المشهد الحضري، وتعزيز الاستدامة البيئية، في مؤشر واضح على أن جودة الحياة أصبحت جزءًا أصيلًا من التخطيط المالي للدولة. ولا يمكن إغفال ما تتمتع به موازنة 2026 من مرونة مالية تتيح للدولة التعامل مع أي مستجدات أو تقلبات اقتصادية محتملة، دون الإخلال بأولوياتها الأساسية أو التأثير على مسار التنمية، وهو ما يعكس خبرة متراكمة في إدارة المال العام. وفي المحصلة، تمثل موازنة الدولة للعام المالي 2026 تعليقًا عمليًا على نهج حكومي ناضج، يجمع بين الانضباط المالي، وحسن توجيه الموارد، وتعزيز التنمية المستدامة، لتكون موازنة تخاطب الواقع بثقة، وتستشرف المستقبل بتوازن.
219
| 13 ديسمبر 2025
تشهد العلاقات القطرية السعودية اليوم مرحلة متقدمة من النضج السياسي، تعكس إدراكًا عميقًا لدى البلدين لأهمية التعاون والتكامل في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فالعلاقة بين الدوحة والرياض لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي التقليدي، بل تطورت لتأخذ بعدًا استراتيجيًا تُترجم فيه الإرادة السياسية إلى شراكات عملية ومشاريع مستقبلية تخدم مصالح الشعبين والمنطقة بأسرها. وترتكز العلاقات بين دولة قطر والمملكة العربية السعودية على أسس ثابتة من الجغرافيا المشتركة، والعمق الاجتماعي، والمصالح المتبادلة، وهي عوامل رسخت عبر عقود من التفاعل والتواصل. وقد أثبتت هذه الأسس قدرتها على الصمود أمام مختلف المتغيرات، لتعود العلاقة اليوم أكثر توازنًا ونضجًا، قائمة على احترام الخصوصية الوطنية، وتغليب لغة الحوار، والسعي إلى بناء مستقبل مشترك. واعتمد البلدان خلال المرحلة الماضية نهجًا دبلوماسيًا هادئًا اتسم بالحكمة وضبط الخطاب، الأمر الذي أسهم في تهيئة بيئة سياسية مستقرة، وانتقال العلاقة من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. هذا النهج عزز الثقة المتبادلة، وفتح المجال أمام معالجة الملفات المختلفة بروح مسؤولة بعيدة عن الضغوط الإعلامية أو الحسابات الآنية. ولا تقتصر أهمية التقارب القطري السعودي على الإطار الثنائي فحسب، بل تمتد لتشمل منظومة مجلس التعاون الخليجي ككل. فالتفاهم بين دولتين محوريتين يعزز من تماسك البيت الخليجي، ويدعم قدرة المجلس على التعامل مع القضايا الإقليمية، ويمنح المنطقة مساحة أوسع للاستقرار في ظل عالم تتزايد فيه الأزمات والتحديات. كما أظهرت مواقف البلدين تقاربًا واضحًا في الرؤى تجاه عدد من الملفات الإقليمية، مع ميل صريح لدعم الحلول السياسية، وتهدئة التوترات، وتغليب الدبلوماسية على التصعيد، إدراكًا لكلفة عدم الاستقرار على الأمن والتنمية في المنطقة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تشهد العلاقات مرحلة متقدمة عنوانها التكامل وبناء المصالح المشتركة. فالتنسيق الاقتصادي بين الدوحة والرياض يفتح آفاقًا واسعة في مجالات الطاقة، والاستثمار، والتجارة، والنقل، ويسهم في تعزيز قدرة البلدين على مواجهة التحديات العالمية، خاصة في ظل ما يشهده الاقتصاد الدولي من تقلبات وتسييس متزايد. ويأتي في مقدمة هذه المرحلة الحدث البارز الذي شهده أمس الاول في مدينة الرياض، حيث وقَّع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي العهد، مشروع إنشاء القطار المشترك بين الدوحة والرياض، في خطوة تاريخية تمثل نقلة نوعية في مسار العلاقات بين البلدين. ولا يقتصر مشروع القطار المشترك على كونه وسيلة نقل حديثة، بل يحمل أبعادًا استراتيجية واقتصادية واجتماعية عميقة. فهو يعزز الربط بين عاصمتين محوريتين في الخليج، ويسهم في تسهيل حركة التنقل، وتنشيط التبادل التجاري والسياحي، ويدعم التكامل الاقتصادي بين البلدين، بما ينعكس إيجابًا على التنمية المستدامة. كما يجسد المشروع رؤية مشتركة للاستثمار في بنية تحتية متطورة عابرة للحدود، تتماشى مع الخطط التنموية الطموحة في كلا البلدين، وتسهم في تنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة النقل، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ مفهوم الترابط الخليجي على أرض الواقع. وتكتسب هذه الشراكة أهمية مضاعفة في ظل محيط إقليمي يمر بمرحلة دقيقة، تتطلب من دوله بناء نماذج تعاون متوازن وقادر على الصمود. فالتفاهم القطري السعودي يشكل عامل توازن واستقرار، ويسهم في تقليل حدة الاستقطاب، ويعزز من قدرة المنطقة على إدارة شؤونها بعيدًا عن الضغوط الخارجية. إن العلاقات القطرية السعودية اليوم علاقات رؤية مستقبلية تقوم على تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع ملموسة، وفي مقدمتها مشروع القطار المشترك، الذي يمثل رمزًا لمرحلة جديدة من العمل الخليجي المشترك، قوامها الشراكة، والتكامل، والعمل من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. وحين تتحول الرؤى إلى مشاريع تخدم الإنسان وتعزز الاستقرار، يصبح التعاون خيارًا استراتيجيًا راسخًا، ويغدو المستقبل أكثر وضوحًا وثقة.
372
| 10 ديسمبر 2025
افتتح حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى – حفظه الله – منتدى الدوحة السبت 6 ديسمبر، في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، تتكاثف فيه الأزمات وتتسارع التحديات، وتبرز فيه الحاجة إلى خطاب عقلاني يعيد الاعتبار لقيم العدالة والسلام في عالم أنهكته الصراعات. وجاء انعقاد المنتدى ليؤكد مكانة الدوحة كمنصة دولية للحوار، لا تكتفي بطرح القضايا، بل تسعى إلى مقاربة جذورها بعيدًا عن منطق الاستقطاب والحلول المؤقتة. ولا يمكن النظر إلى منتدى الدوحة بوصفه ملتقى تقليديًا للنقاش السياسي أو الفكري، بل باعتباره مساحة لإعادة التفكير في المفاهيم الكبرى التي تحكم العلاقات الدولية، وفي مقدمتها مفهوم السلام، الذي لم يعد ممكنًا عزله عن العدالة. فالسلام المنشود في المنطقة لا يمكن أن يُبنى على تفاهمات هشة أو تسويات مرحلية لا تلامس جوهر الأزمات، بل يحتاج إلى أساس راسخ يقوم على الإنصاف واحترام الحقوق ومعالجة المظالم المتراكمة. لقد أثبتت التجارب أن غياب العدالة شكّل العامل المشترك في معظم النزاعات التي شهدتها المنطقة على مدى عقود. فحين تُهمَّش الحقوق، ويُتجاوز القانون، وتُفرض الحلول بالقوة أو وفق موازين الأمر الواقع، يتحول السلام إلى هدنة مؤقتة سرعان ما تنهار. أما حين تُتخذ العدالة مرجعية للقرار السياسي، فإن فرص الاستقرار الحقيقي تتعزز، وتغدو مسارات السلام أكثر وضوحًا وقابلية للاستمرار. ومن هنا تبرز أهمية الطرح الذي يتبناه منتدى الدوحة، حيث يتم الربط بوضوح بين العدالة والسلام باعتبارهما مسارين متلازمين لا ينفصل أحدهما عن الآخر. فالمنتدى يسلط الضوء على حقيقة جوهرية مفادها أن إدارة الأزمات لا تعني حلها، وأن الاكتفاء باحتواء النزاعات دون معالجة أسبابها العميقة لا يصنع أمنًا ولا استقرارًا طويل الأمد. وهو طرح يعكس وعيًا متقدمًا بأن جذور الأزمات في المنطقة غالبًا ما تكون سياسية وقانونية وإنسانية قبل أن تكون أمنية. وتتجاوز العدالة في هذا السياق معناها القانوني الضيق، لتشمل العدالة السياسية التي تضمن احترام إرادة الشعوب، والعدالة الاقتصادية التي تقلص الفجوات وتحد من التهميش، والعدالة الاجتماعية التي تعزز التماسك المجتمعي وتحد من الاحتقان. وعندما تغيب هذه الأبعاد، يتولد شعور عام بالظلم والإقصاء، يتحول بمرور الوقت إلى بيئة خصبة للصراع وعدم الاستقرار. كما أن ترسيخ العدالة يسهم في بناء الثقة، سواء بين الدول بعضها البعض، أو بين الشعوب ومؤسسات النظام الدولي. فالشعوب التي تشعر بأن قضاياها تُناقش بإنصاف، وأن حقوقها لا تخضع لمعايير مزدوجة، تكون أكثر استعدادًا للانخراط في مسارات السلام والتعايش. أما حين يسود الشعور بالكيل بمكيالين، فإن الخطاب الداعي إلى السلام يفقد مصداقيته، ويتحول إلى مجرد شعارات لا صدى لها على أرض الواقع. ويبعث انعقاد منتدى الدوحة في هذا التوقيت برسالة واضحة مفادها أن السلام ليس نتاج صفقات عابرة، بل ثمرة مسار طويل يتطلب شجاعة سياسية، واحترامًا للقانون الدولي، والتزامًا أخلاقيًا تجاه الإنسان وحقوقه. وهي رسالة تتجاوز الإطار الإقليمي لتؤكد أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من العدالة، لا من موازين القوة أو من فرض الأمر الواقع. وفي عالم تتراجع فيه الثقة بالنظام الدولي، وتتصاعد فيه الأزمات، تبرز الحاجة إلى منصات حوار مسؤولة تُعيد الاعتبار للقيم الإنسانية في العمل السياسي. ومن هذا المنطلق، يشكل منتدى الدوحة نموذجًا لخطاب متزن يسعى إلى تقريب وجهات النظر، وطرح الأسئلة الصعبة، والبحث عن حلول تقوم على الحق والإنصاف. وخلاصة القول، إن السلام الذي لا تحرسه العدالة يظل سلامًا هشًا، والاستقرار الذي يتجاهل الحقوق يبقى استقرارًا مؤقتًا. أما حين تستقيم العدالة، فإن مسارات السلام لا تعود شعارات أو أمنيات، بل تتحول إلى واقع ممكن، ومستقبل يمكن البناء عليه بثقة. فالعدالة ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب… بل هي الشرط الوحيد لسلام لا ينكسر.
222
| 08 ديسمبر 2025
يشكّل قانون الموارد البشرية بتعديلاته الأخيرة علامة فارقة في مسار تطوير الجهاز الإداري للدولة، فقد جاء ليعالج العديد من التحديات التي كانت تواجه شريحة واسعة من الموظفين، وليعزز مبدأ العدالة في توزيع الرواتب والعلاوات بطريقة أكثر توازنًا وشفافية. وقد استطاعت التعديلات أن تضع العامل في بيئة أكثر استقرارًا، عبر اعتماد منظومة واضحة تستجيب للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتواكب متطلبات العمل الحكومي الحديث. وقد شعر الموظفون بالفعل أن القانون منحهم مساحة أكبر من الطمأنينة، من خلال إعادة هيكلة المزايا وتحديد المسارات الوظيفية بشكل أكثر دقة، بما يضمن لهم مستقبلًا مهنيًا واضحًا ويشجعهم على العطاء والالتزام. وقد انعكس تطبيق القانون على جودة الأداء العام، حيث ساهم في رفع مستوى الإنتاجية وأوجد مناخًا من الثقة بين الموظف وجهة عمله، خصوصًا بعد إعادة تقييم العلاوات وربطها بطبيعة العمل الفعلي والتخصصات المطلوبة. هذا التوجه عزز مفهوم العدالة الوظيفية، وحقق التوازن بين الجهد المبذول والمكافأة المستحقة، مما جعل الموظف أكثر شعورًا بالتقدير والإنصاف. ومن الطبيعي أن يُشكر هذا التوجه الإصلاحي الذي يتماشى مع رؤية الدولة في بناء جهاز حكومي فعّال يعتمد على الكفاءة والجدارة ويضع المواطن في مقدمة أولوياته. ومع هذا النجاح الذي حققه القانون في إنصاف الموظفين، تبرز الحاجة لأن يمتد أثر هذه الإصلاحات إلى شريحة المتقاعدين، الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة الوطن، وكان لهم دور أساسي في بناء المؤسسات وتطويرها. فالمتقاعد الذي خرج من العمل بعد رحلة طويلة من العطاء، ينتظر اليوم منظومة مزايا تمنحه الاستقرار ذاته الذي يتمتع به الموظف الذي في الخدمة، وتعكس تقدير الدولة لسنوات خدمته. ومع التغيرات المستمرة في تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار، بات من الضروري أن يحظى المتقاعد بمزايا إضافية تتناسب مع ظروف حياته، وتضمن له مستوى معيشيًا كريمًا يتماشى مع مكانته ودوره السابق. وانطلاقًا من التجارب الخليجية الناجحة، ومع مراعاة خصوصية المجتمع القطري، و الحاجة الفعلية للمحافظة على جودة حياة المتقاعد، تبرز ثلاثة بدلات أساسية تواكب احتياجات المتقاعدين وتعزز استقرارهم المعيشي وهي بدلات تتسم بالواقعية: اولاً: بدل غلاء المعيشة هذا البدل يُعد من أهم الأدوات التي تساعد المتقاعد على مواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف السكن والغذاء والخدمات الأساسية. فمعاش التقاعد ثابت بطبيعته، بينما ترتفع الأسعار سنويًا، مما يجعل المتقاعد في مواجهة مباشرة مع تحديات مالية قد تتجاوز قدرته. وإقرار هذا البدل سيخفف عنه الضغوط اليومية، ويعيد التوازن بين دخله ومتطلبات الحياة. ثانياً: بدل حافز الزواج ينسجم هذا الحافز مع سياسة الدولة في تعزيز الاستقرار الاسري والاجتماعي وطلب صرفه للمتقاعدين اسوة بالموظفين العاملين، فالإنصاف يقتضي أن يشمل هذا الامتياز جميع المواطنين دون استثناء خاصة فئة المتقاعدين الذين اسهموا في بناء الوطن وقدموا زهرة أعمارهم في خدمة مؤسساته. ثالثاً: المكافأة السنوية للمتقاعدين تُمنح المكافأة السنوية للموظفين العاملين تقديرًا لجهودهم، ومن باب أولى أن يحصل المتقاعد على مكافأة تُعبّر عن التقدير المتواصل لعطائه السابق. فهذه المكافأة ليست مجرد مبلغ مالي، بل رسالة معنوية تؤكد أن دوره ما زال محل تقدير، وأن خدمته الطويلة لم تُنسَ بمجرد انتهاء علاقته الوظيفية. ومن شأن هذه المكافأة أن تعزز دخله السنوي وتخفف التقلبات التي قد تطرأ على التزامات الحياة. وإن كانت التعديلات على قانون الموارد البشرية قد نجحت في تحسين واقع الموظف العامل، فإن استكمال هذا الإنجاز لا يكتمل إلا بالنظر إلى حقوق المتقاعدين بصورة أوسع. فالموظف الذي حصل على إنصاف أثناء عمله ينتظر عند تقاعده مظلة عادلة تحميه من تقلبات الظروف الاقتصادية، وتمنحه الحياة الكريمة التي يستحقها. وإضافة هذه البدلات الثلاثة سيجعل منظومة التقاعد أكثر شمولًا، ويحقق التكامل المنشود بين مراحل العمل المختلفة. إن الدولة التي أنصفت الموظف تستحق الشكر، والمتقاعد الذي خدم الوطن يستحق أن ينال نصيبه من التقدير في مرحلة ما بعد العمل. لذلك فإن المطالبة بإضافة هذه البدلات ليست مطلبًا ماليًا فحسب، بل استكمال لمسار إصلاحي بدأ بالفعل، ويحتاج إلى خطوة جديدة تُسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي لجميع المواطنين. وفي هذا الإطار، يبرز الدور التشريعي المهم لمجلس الشورى الموقر باعتباره الجهة التي تمثل صوت المواطنين وتتابع احتياجاتهم الواقعية. ومن هذا المنطلق، نأمل أن ينظر المجلس بعين الاهتمام والمسؤولية إلى مقترح إضافة هذه البدلات للمتقاعدين، وأن يعمل على مناقشتها ودراسة إمكانية تضمينها ضمن التشريعات وإقرار ما يراه مناسبًا الأمر الذي سيعزز العدالة الاجتماعية ويدعم جهود الدولة في تحسين مستوى المعيشة، إن تضمين هذه البدلات في منظومة التقاعد لن يكون مجرد إجراء مالي، بل خطوة حضارية تؤكد اهتمام الدولة بمواطنيها وتعزز الاستقرار الاجتماعي والأسري. إن الإشادة بقانون الموارد البشرية وتعديلاته ولما أحدثه من تغيير ملموس في حياة الموظفين، واستكمالاً لهذا المسار بات من الضروري النظر في دعم المتقاعدين ببدلات إضافية تجسد رؤية الدولة في كل جهد بذل في خدمة الوطن هو قيمة يجب احترامها وتعزيزها. فالوطن لا ينهض إلا بأبنائه، والوفاء للمتقاعدين هو أحد أرقى صور هذا النهج الإنساني النبيل.
279
| 07 ديسمبر 2025
تسير دولة قطر بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج اقتصادي متقدم يقوم على الكفاءة والاستدامة وتعزيز دور الإنسان والابتكار في صناعة المستقبل، وتعد رؤية قطر الوطنية 2030 المرجع الاستراتيجي الذي يحدد ملامح التنمية الشاملة للدولة، حيث ترتكز على بناء اقتصاد متنوع يقل اعتماده على المصادر التقليدية للطاقة ويعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والكوادر الوطنية المؤهلة، وفي سياق تنفيذ هذه الرؤية تتصدر قضية تمكين الشركات الوطنية من المشاركة في تنفيذ مشاريع الخدمات والبنية التحتية موقعًا محوريًا في أجندة الدولة، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من السيادة الاقتصادية والقدرة على بناء وطن يعتمد على أبنائه وشركاته ومؤسساته الوطنية. لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي تمنح شركاتها المحلية دورًا قياديًا في المشاريع الكبرى تصبح أكثر قدرة على التحكم في مسارها الاقتصادي، وأكثر قوة في مواجهة التحديات العالمية، وأكثر استقلالية في قراراتها التنموية، ومن هنا يظهر التوجه القطري نحو تعزيز مكانة الشركات المحلية الكبرى والناشئة على حد سواء، بحيث تكون جزءًا من حركة البناء والتنمية التي تشهدها الدولة في جميع القطاعات، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطرق والمشاريع العمرانية والإسكان والمدن الذكية والمرافق العامة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية. وتمثل الشركات الوطنية الكبرى مثل «بروة» و«الديار القطرية» وغيرهما من المؤسسات المحلية مثالًا واضحًا لقدرات الشركات القطرية على قيادة مشاريع استراتيجية عالمية المستوى، سواء داخل الدولة أو خارجها، فقد أصبحت هذه الكيانات الوطنية نموذجًا في الإدارة والتطوير والهندسة والتخطيط الحضري الحديث، كما ساهمت في خلق منظومة اقتصادية داعمة لقطاع المقاولات والمكاتب الاستشارية المحلية والموردين والمصانع الوطنية، وبذلك أصبحت هذه الشركات قاطرة تنموية تدفع بقدرات الاقتصاد القطري إلى مستويات أعلى من التنافسية والابتكار. إن تعزيز دور الشركات الوطنية في مشاريع الدولة ليس مجرد توجه اقتصادي عابر، بل هو مشروع وطني مستدام يهدف إلى بناء اقتصاد قوي وراسخ بقدرات قطرية، وهو ما يجعل الدولة تتجه نحو سياسات عملية تشمل تخصيص نسبة من المشاريع الحكومية للشركات الوطنية المؤهلة، وتطوير أنظمة تصنيف المقاولين، وتحفيز الشراكات بين الشركات المحلية والشركات العالمية لنقل المعرفة والتكنولوجيا، وتوفير تمويل ودعم فني للشركات الصغيرة والمتوسطة حتى تكون جزءًا من سلسلة الإمداد الوطنية. كما أن الدور الحكومي في هذا السياق يتمثل في تهيئة بيئة تشريعية مرنة وشفافة، وتبسيط إجراءات المناقصات، وتعزيز الحوكمة، وإطلاق مبادرات تكنولوجية تربط بين مؤسسات الدولة وشركات القطاع الخاص من خلال منصات رقمية متطورة، بما يضمن عدالة الفرص ووضوح المعايير وسرعة الإجراءات، وهو ما يزيد من جودة تنفيذ المشاريع ويدعم تحقيق أفضل النتائج بأقل تكلفة وأعلى كفاءة. وفي الوقت نفسه لا يمكن إغفال جانب التنمية البشرية الذي يمثل أساس نجاح أي مشروع اقتصادي، ولذلك يأتي دور إعداد الكوادر القطرية في مجالات الهندسة وإدارة المشاريع والذكاء الاصطناعي والتخطيط الحضري وإدارة البنى التحتية والنقل واللوجستيات، حيث إن وجود شباب قطري مؤهل علميًا وعمليًا هو الضمان الحقيقي لاستدامة نجاح الشركات الوطنية وقدرتها على المنافسة محليًا وإقليميًا. كما أن إشراك الشركات الوطنية في مشاريع الدولة يمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الدورة الاقتصادية الداخلية، فمن خلال الاعتماد على الشركات المحلية يتم خلق آلاف الفرص الوظيفية للمواطنين، وتمكين رواد الأعمال، ودعم الشركات الناشئة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتوطين المعرفة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهذا بدوره يسهم في استقرار المجتمع ويعزز ثقافة الإنتاج والابتكار لدى الأجيال القادمة. ولا شك أن المنافسة مع الشركات الدولية الكبرى تطرح تحديات، إلا أن هذه التحديات يجب أن تُرى كفرص لتحسين الأداء وتطوير المعايير ورفع مستوى الاحترافية، فالدولة تمتلك الإمكانات، والشباب القطري يمتلك الطموح والقدرة، والشركات الوطنية تمتلك الخبرة والمكانة، وما تحتاجه المرحلة هو برنامج وطني شامل يدفع هذه القدرات نحو التكامل والتعاون مع الجهات الحكومية لتحويل هذه الرؤية إلى حقيقة ملموسة. وفي هذا السياق، فإن نجاح الشركات الوطنية ليس نجاحًا اقتصاديًا فقط، بل هو نجاح وطني يعكس قدرة قطر على قيادة مسيرتها التنموية بنفسها، ويؤكد أن الاعتماد على القدرات المحلية هو الطريق الأكثر استدامة والأكثر ضمانًا للحفاظ على مكتسبات الدولة وتعزيز قوتها الاقتصادية، كما يعكس هذا النجاح ثقة القيادة الحكيمة في أبناء الوطن وقدرتهم على بناء دولة مزدهرة يُشاد بها عالميًا. إن قطر اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب توسيع دور القطاع الخاص وترسيخ الشراكات الفاعلة بين الدولة وشركاتها المحلية، ليس فقط لتنفيذ مشاريع البنية التحتية، بل للاستثمار في المستقبل، وتطوير الصناعات الوطنية، وتعزيز الابتكار، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتوسيع الدور الإقليمي للشركات القطرية، وبذلك تستمر قطر في بناء نموذج اقتصادي متكامل أساسه الاعتماد على الذات، وشراكته بين الدولة والمواطن، وهدفه تنمية مستدامة تحفظ الحاضر وتبني المستقبل بثقة وعزيمة. وهكذا تمضي الدولة في مشروعها لإشراك الشركات الوطنية بوصفها شريكًا رئيسيًا في مسيرة التنمية، ليس فقط لبناء منشآت وطرق ومرافق، وإنما لبناء اقتصاد ومجتمع وثقة وطنية راسخة تؤمن بأن مستقبل قطر يُصنع بأيدي أبنائها وشركاتها ومؤسساتها الوطنية القادرة على الإبداع والتغيير وتحقيق الريادة في جميع المجالات.
384
| 04 ديسمبر 2025
يقول المثل الشعبي «يِبِي يكحّلها عماها» وهي عبارة تُقال حين تكون النية صادقة والهدف نبيلا، ولكن النتيجة تأتي بغير المقصود، لا انتقاصًا ولا تجريحًا وإنما تنبيه لطيف بأن حسن النية قد يحتاج إلى حسن اختيار التعبير حتى يصل المعنى كما يجب، ومؤخرًا شاع إطلاق مسمى «أصحاب القدر» على المتقاعدين بحسن نية ورغبة في تكريمهم وتعزيز مكانتهم واحترام دورهم، إلا أن هذه التسمية رغم رقتها ومقصدها الطيب حملت في طياتها ما قد لا يعكس حقيقة واقع فئة كبيرة منهم، فالمتقاعد ليس بالضرورة كبيرًا في السن عاجزًا عن العطاء بل قد يكون في مرحلة قوة وخبرة ونضج فكري تجعله في موقع أعلى من مجرد توصيف يرتبط بالعمر أو الضعف، خصوصًا أن شريحة واسعة من المتقاعدين اليوم لم تتجاوز الخمسينيات والكثير منهم ما زال قادرًا على الإنتاج والإبداع وبإمكانه أن يضيف للوطن خبرات لا تقدر بثمن، والمتقاعدون في مجتمعنا ليسوا فئة خارجة عن مسار الحياة بل هم جزء أصيل من نسيج الدولة ومساهم مهم في بناء حاضرها ومستقبلها فقد قدموا سنوات طويلة من العمل وخدمة المؤسسات والقطاعات وشاركوا في رسم خطط التنمية وبناء الإنسان والمجتمع، والتقاعد اليوم ليس نهاية العطاء بل بداية مرحلة جديدة تعيد تشكيل مسار الفرد وتفتح أمامه أبوابًا مختلفة للإنجاز، فمنهم من دخل عالم الأعمال الحرة ومنهم من اتجه للاستشارات والتدريب ومنهم من اختار التطوع وخدمة المجتمع بل إن بعضهم واصل دراساته العليا وشارك في المبادرات والمجالس الوطنية والأنشطة العامة ما يؤكد أن المتقاعد لا ينبغي النظر إليه على أنه انتهى دوره بل هو في طور مختلف من العطاء وربما أكثر نضجًا واتساعًا، ومن هنا تأتي أهمية استخدام المصطلحات بعناية، فالكلمة ليست مجرد صوت أو كتابة بل رسالة وصورة ذهنية وانطباع اجتماعي قد يرفع من شأن الفرد أو يقلل من حضوره دون قصد، فحين نقول «أصحاب القدر» بنية التكريم قد نفهمها بمعنى المكانة والهيبة لكن الكثيرين قد يستقبلونها بمعنى آخر يرتبط بالعمر والشيخوخة والضعف وهذا يتعارض مع حقيقة المتقاعدين الشباب الذين كانوا ولا يزالون جزءًا من قوة المجتمع الفاعلة، ومن الواجب أن ننوّه هنا بأن النقد ليس موجّهًا لمن أطلق هذه التسمية فالنية بلا شك طيبة والمقصد كريم ولكن واجبنا أن نتحدث برؤية أكثر شمولًا تليق بجميع المتقاعدين كبارًا وشبابًا وأن نؤكد أن التكريم اللغوي والمعنوي ينبغي أن يكون متوازنًا وواعيًا بتنوع الفئات والقدرات، وفي هذا السياق لا بد من الإشادة بمبادرة مركز إحسان في افتتاح «مجلس كبار القدر» في كتارا وهي خطوة رائدة تعكس قيم المجتمع القطري ورؤيته الإنسانية وحرصه على رعاية كبار السن والمتقاعدين وتوفير بيئة لهم للتواصل وتبادل الخبرات والاستمتاع بوقتهم في مكان جميل وراقٍ يعزز قيم الاحترام الاجتماعي والترابط الإنساني، فكل الشكر لهم على هذه المبادرة الراقية، ونتطلع لأن تتوسع مثل هذه المبادرات لتشمل برامج وأنشطة تستثمر خبرات المتقاعدين وتمنحهم الفرصة للمشاركة في التنمية الوطنية المستمرة، فالمجتمع الذي يحترم أبناءه هو الذي يعرف أن القيمة ليست في العمر بل في التجربة وأن الخبرة رأس مال لا يفنى وأن الوطن لا يُبنى بالطاقات الشابة فقط بل يتقدم حين تتكامل حكمة الكبار مع حماس الشباب، فالمتقاعد الذي قدم زهرة عمره في الخدمة العامة يستحق أن يشعر بأنه ما زال جزءًا حيًا من مسيرة البناء وأن مكانته لا تُختزل في لقب أو توصيف بل تُترجم في الفرص التي تمنح له والتقدير العملي قبل اللفظي، وعندما نمنح المتقاعد دورًا في اللجان والاستشارات والأعمال المجتمعية ونفتح له أبواب التدريب والتوجيه فإننا نرسخ ثقافة الوفاء ونستثمر عقلًا وتجربة لا تأتي من الكتب بل من سنوات طويلة في الميدان، إن تغيير المصطلحات ليس هدفًا في حد ذاته وإنما وسيلة لتعزيز صورة إيجابية تحفظ للمتقاعد احترامه وتعكس حقيقة دوره لذلك فإننا ندعو إلى أن تكون التسمية أكثر شمولية وواقعية وأن نختار مفردات تعبر عن العطاء المستمر والخبرة المتراكمة لا عن العمر وحده، فالمتقاعدون أصحاب قيمة وليسوا مجرد أصحاب قدر وهم شركاء الوطن في أمسه ويومه وغده، وما نقدمه لهم اليوم هو انعكاس لما نتمنى أن يُقدم لنا حين نبلغ مواقعهم ومن زرع عمره في خدمة وطنه يستحق أن يبقى مكرمًا فاعلًا حاضرًا في مشهد العطاء.
462
| 30 نوفمبر 2025
في زمن تعددت فيه وسائل الإعلام وتنوعت فيه المنابر الإذاعية والتلفزيونية والرقمية أصبحت قصص الموتى تُروى على الهواء دون تدقيق أو مراعاة لمعاني الحديث الشريف “اذكروا محاسن موتاكم” الذي جاء توجيهاً نبوياً واضحاً يرسم للناس منهجاً أخلاقياً رفيعاً في التعامل مع من غادروا الدنيا، فهذا الحديث ليس مجرد عبارة تتردد أو حكمة تُذكر في مجالس العزاء، بل هو مبدأ شرعي يقوم على حفظ حرمة الميت وصيانة عرضه وحماية مشاعر أهله وذويه. والإنسان بعد رحيله يصبح عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، ويكون ذكره أمانة في أعناق من بقي من قومه، ولذلك فإن أي كلمة تقال عنه يجب أن تكون بقدر المسؤولية والاحترام اللذين يليقان بإنسان رحل إلى ربه. ومع تزايد البرامج الإذاعية التي تستضيف قريباً أو صديقاً أو زميلاً للمتوفى نجد أن بعض هذه اللقاءات – دون قصد أحياناً – تتحول إلى مساحة مفتوحة لاسترجاع تفاصيل شخصية أو ذكر مواقف قد تحمل شيئاً من العيوب أو الزلات التي كان يجدر سترها لا نشرها، فبدلاً من أن تكون الإطلالة الإعلامية باباً للدعاء للميت وذكر ما يحبه الله ورسوله من مكارم الأخلاق تتحول إلى سرد قصص لا فائدة منها إلا إثارة الجدل أو زيادة المشاهدات، وكأن الموت أصبح مادة من مواد التسويق الإعلامي والصخب الذي لا يناسب قدسية الموت ولا حرمة من غادر الدنيا. إن الحديث الشريف يعلّمنا أن ستر الإنسان بعد وفاته أحق وأوجب من ستره في حياته، فالميت لا ذنب له بعد أن يغادر هذه الدنيا ولا ينتفع من مدح مادح ولا يتضرر من ذمّ ذام، لكن الذكر الحسن صدقة جارية على لسان الناس، أما كشف العيوب فليس فيه إلا أذى للميت وإساءة لأهله الذين يكفيهم ما هم فيه من حزن وفقد، وما من إنسان إلا وله لحظات ضعف وزلات سترها الله عنه في حياته، فكيف تُكشف بعد موته وهو بين يدي ربه؟ وإن من أعظم الوفاء أن يُترك ما ستره الله وأن يُقال الخير الذي يرفع قدره ويجبر خاطر أهله في مصابهم. ولأن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة فإنه مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يلتزم بالضوابط الأخلاقية المستمدة من ثقافتنا وديننا، وأول تلك الضوابط أن نُحسن الحديث عن موتانا وأن نبتعد عن تحويل سيرتهم إلى مادة للتحليل أو السرد أو الاستجواب الذي لا يليق، فالموت ليس مناسبة لتصفية الحسابات ولا فرصة لنبش الخصومات ولا مساحة لاستعراض ما طواه الزمن، بل هو لحظة اعتبار وتذكير، ولحظة رحمة ودعاء، ومحطة يتوقف عندها الإنسان متأملاً حاله وحال من حوله. ومن الواجب على الضيوف الذين تتم دعوتهم للحديث عن المتوفى أن يدركوا أن كلماتهم تُوثَّق وتُعاد وتُستمع من آلاف المتابعين، وأنها قد تبقى محفوظة ما بقيت المنصات الرقمية، فكل كلمة تُقال ستكون لها آثار تمتد طويلاً وقد تجرح أبناء المتوفى أو تسيء إلى سمعته وهو بين يدي رب العالمين. ولقد كان السلف الصالح يحرصون على ألا يذكروا عن الميت إلا خيراً ويعدّون ذكر عيوبه نوعاً من الغيبة المحرمة التي لا تجوز، حتى قال بعضهم: “الميت لا يملك أن يرد عن نفسه فمن ذكره بسوء فقد ظلمه مرتين”، وهذا مبدأ يُفترض أن يكون حاضراً بقوة في كل منصة إعلامية تستضيف أحداً للحديث عن الموتى. إن الوفاء الحقيقي للميت يكون بالدعاء له والتصدق عنه وذكر فضائله وما كان يقدمه من خير لا بذكر زلاته أو كشف خصوصياته التي سترها الله عليه، ولذلك فإن الأصل في الحديث الإعلامي أن يلتزم بالحديث النبوي الشريف وأن يكتفي بالدعاء والذكر الحسن وأن يتجنب الإسهاب في السرد الذي لا يعود بنفع على أحد. إن احترام الميت هو احترام لأنفسنا ولثقافتنا ولأخلاق ديننا، وكل مجتمع يعظم حرمة الموتى هو مجتمع يحفظ كرامة الأحياء أيضاً، فكم من كلمة غير محسوبة تحدثت عن عيب دفين فسببت ألماً كبيراً وأسهمت في خلق صور غير عادلة عن ذلك الراحل، وهنا تتأكد الحاجة إلى توعية الإعلاميين والضيوف معاً بضرورة تحري الدقة والتثبت والالتزام بقاعدة “اذكروا محاسن موتاكم” لأنها ليست مجرد عبارة بل هي منهج حياة وضابط أخلاقي يحمي العلاقات ويصون المجتمع من التراشق والكراهية. وفي زمن تتسع فيه المنصات لكل رأي يصبح التمسك بالأخلاق الشرعية ضرورة لا رفاهية، فالميت بين يدي ربه ينتظر دعوة صادقة أو كلمة خير لا حديثاً يعيد نبش ما طواه الزمن، ولذلك فإن السلوك الإعلامي الرشيد هو أن يكون الحديث عن الميت حديث رحمة وسكينة، وأن تُروى محاسنه ليكون ذلك عزاءً لأهله وصدقة جارية له، وأن يُترك الحديث عن العيوب لأنها لم تعد تُصلح شيئاً بعد أن انتهت حياته، فذكر العيب لا يغير الماضي ولكنه يجرح الحاضر ويظلم المستقبل. وهكذا يبقى الأصل أن الموت موطن رحمة لا موطن كشف، ومناسبة دعاء لا مناسبة حديث عن الزلات، وأن الوفاء الحقيقي هو أن نصون ذكرى الراحل وأن نترك للناس ما يطمئن أنفسهم ويجبر خواطر أهله، وأن يكون الإعلام باب خير لا باب تشهير، وأن تكون الكلمة التي نؤديها عنه صدقة ننال بها الأجر لا وزراً نحاسب عليه.
402
| 27 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...
3969
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...
2325
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...
1914
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...
1713
| 24 مارس 2026
هناك تجارب لا تُختصر في العناوين، ولا تُفهم...
882
| 25 مارس 2026
من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...
687
| 22 مارس 2026
حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة...
585
| 25 مارس 2026
ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة...
585
| 25 مارس 2026
أدى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد...
540
| 27 مارس 2026
في لحظات الوداع، تعجز الكلمات عن مداواة القلوب،...
513
| 23 مارس 2026
ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ...
507
| 27 مارس 2026
في ظل التصعيد الإقليمي المتزايد، تبرز تساؤلات مهمة...
492
| 24 مارس 2026
مساحة إعلانية