رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

قطر منا ونحن منها

محبّةٌ متبادلة بين الأرض وبين من أقام عليها. أصدق ما أفتتح به مقالي هذا هو نص رائع أرسله لي صديقي الأصغر عمرا والأكبر قدرا مبارك بن جهام الكواري كما أرسله لي كاتبه مقام ابني ماهر مذيوب مرفقا بصور جمعته مع نخبة من المثقفين والإعلاميين الذين استقبلتهم، سعادة السيدة الفاضلة لؤلؤة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي بكل حفاوة وتكريم حتى يعبروا لسعادتها ومن خلالها لشعب قطر وقيادته المتمثلة في حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى حفظه الله عن ولائهم لأرض قطر ولأني أجد بين كلمات هذا النص الصادق نفس إحساسي وشعوري بنفس محبته لأرض قطر وبنفس الأخوة التي جمعتني بالشباب القطري الذين منهم من كان طالبا أيام كنت أستاذا مساعدا بجامعة قطر العزيزة ومنهم من كان زميلي من جيل أول أفواج المتخرجين من الجامعات شرقها وغربها ثم تولوا أمانة التدريس أو رئاسة الأقسام أو عمادة الكليات وكنت دائما أشعر بأني واحد منهم مع العلم أني أتيت من مسقط رأسي الذي ابتلاه الله في ذلك الزمن برئيس بلغ أرذل العمر مع أنه أحد محرري تونس من الاستعمار (الحبيب بورقيبة) رحمة الله عليه وكما نعلم فهذا الزعيم الوطني تحول مع داء الخرف الى مجرد ذكرى الزعامة فتلاعبت به مع الأسف أيادي الطامعين في وراثته على رأس السلطة وكان ما كان من أمر الله فأصيبت الدولة التي أسسها بورقيبة نفسه بداء الفوضى بل وبلغت حالة الإفلاس. وأعود الى نص الوفاء بقلم ماهر مذيوب فنقرأ: «بالأمس فاحت في رحاب مكتبة الوزارة رائحةُ الأخوّة وامتلأت أرجاؤها بأصواتٍ لا تجمعها أرضٌ واحدة فقط، بل يجمعها قلبٌ واحد ووفاءٌ راسخ. وأعربت سعادة الوزيرة عن اعتزازها بزيارة وفد كريم من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين حملوا أقلامهم وضمائرهم وذاكرتهم وجاءوا في إطار مبادرة مضيئة تحمل اسمًا يختصر معنى الانتماء: «قطر منا ونحن منها». جاءوا من العراق والجزائر والسودان وسوريا وتونس والأردن ومصر واليمن ولبنان وتركيا وكل منهم يحمل في صدره حصة من قطر وفي ذاكرته نجد رصيدا من الذكريات العذبة التي تأبى النسيان. لم يأتوا زائرين عابرين، بل جاءوا كما يأتي المحب إلى من أحب طوعا وشوقا يحدوهم حنين دافئ ووفاء لا تفسره إلا النفوس الكريمة. جلسوا وفتح كلٌّ منهم كنزَ ذاكرته فانسكبت القصص وتدفّقت المشاعر وتزاحمت المواقف والصور. لم تكن كلماتهم مجاملاتٍ عابرة تُقال في المجالس وتُنسى خارج أبوابها، بل كانت شهاداتٍ حيّة نَبَعت من التجربة وتجذّرت في الوجدان: شهاداتُ أكاديميٍّ أمضى سنواتٍ في التدريس على هذه الأرض، ومثقّفٍ نشر أفكاره وهو يستنشق هواءها وإعلاميٍّ روى قصصها للعالم وهو يعيش بين ظهرانيها. وكان في حديث كلٍّ منهم معنى واحد: قطر ليست مجرّد مكانٍ أقمنا فيه بل هي المعنى الذي تعلّمنا فيه كيف نُقيم. تحدّثوا عن بلدٍ عُرف بعمل الخير قبل أن يُعرف بثروته. عن جمعياتٍ خيرية مدّت يدها إلى البعيد قبل القريب وعن قياداتٍ آثرت أن يكون العطاءُ هويّةً ‎ فعلى سبيل المثال شعار “علّم طفلًا» الذي بالفعل أضاء عقول الأطفال في القارات الخمس في الدول الفقيرة المحتاجة وجامعاتٍ فتحت أبوابها للجميع. وتحدّثوا عن دولةٍ صغيرةٍ بمساحتها واسعةٍ بإنسانيّتها أتقنت فنَّ التوازن بين الأصالة والتحديث في زمنٍ ضاعت فيه البوصلة لدى الكثيرين ممن ما يزالون ضائعين بلا هدى! وحين جاء الحديث عن المحن اشتعلت في العيون جذوةُ الإعجاب. قالوا بصوتٍ واحد: رأينا قطر تدخل الاختبارَ الأصعب فلا تنحني، ورأينا قيادتَها تمضي في دروب الشدّة مرفوعة الرأس كأن الضغوط تزيدها صلابةً فوق صلابة. وخرجت من تلك التجارب المضنية أكثر نضجًا وأوفر تجربةً وأعمق يقينًا بصواب مواقفها في الداخل والخارج! وختم كلٌّ منهم مداخلته بدعاءٍ نابعٍ من أعماق القلب جاء كأنه دعاء المتضرع لله رب العالمين وكأنه حديث الروح للأرواح يسري (نقلا عن شاعر باكستان محمد إقبال رحمة الله عليه) وفيه: « اللهم احفظ قطر واحفظ قيادتَها الحكيمة وما أجمل بلدًا يُدعى له بهذا الصدق وما أثمن دعاء يخرج من قلوبٍ لا يربطها بهذه الأرض عقدُ عمل فقط، بل يربطها الوفاء وحده بميثاق الإخلاص والمودة المتبادلة. وبعد أن غادروا مقر الوزارة بقي الدعاء يتردد صداه فشعر الجميع بالامتنان لهذا البلد الذي عملنا فيه وأحببناه. فما أجمل بلدا يزداد قوة كلما ألمت به الخطوب ويزداد تألقا كلما أراد أعداؤه طمس أنواره! وأنا أضيف لو سمح لي صاحبه الأصلي: ما أروع بلدا يؤلف الله سبحانه القلوب الأمينة حوله كأن في ذلك عملا بالآية الكريمة من سورة الأنفال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ولا ننسى أننا نعيش منذ أيام في قطر وفي جميع دول الشرق الأوسط حالة التوتر والحرب ولكننا جميعا نشعر بالأمان الذي اعتبرته القيادة خطا أحمر ومتأكدين أن القيادة العسكرية القطرية على درجة قصوى من الكفاءة والاقتدار بحيث تعلن يوميا أن قواتها الجوية تصدت بكل دقة لعدد من الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت هذا الوطن الأمن ففجرتها في الجو قبل أن تؤذينا وهو الشعور المشترك بين المواطنين والمقيمين بأننا نعيش في كنف دولة يرأسها قائد مسيرتها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أميرها المفدى نصره الله وهو الذي يضع أمن شعبه فوق كل اعتبار. ويكفي أن نقرأ كل صباح أخبار تلقي حضرة صاحب السمو من جميع قادة العالم تقريبا برقيات التضامن مصحوبة بالتنديد بالعدوان الذي تعرضت له قطر، وسر ذلك أن قطر بقيت منذ عقود على مسافة احترام وحسن جوار مع جميع الأشقاء والأصدقاء تمد إليهم أيادي المودة والتعاون وكانت من آخر هذه التعبيرات زيارة كريمة قام بها جلالة ملك الأردن عبد الله الثاني الى الدوحة بقصد البحث عن أنجع السبل لحماية أمن الشرق الأوسط وتجنيبه المغامرات غير المسؤولة بالإضافة الى مخطط مشترك لضمان تزويد العالم بالطاقة. ولعل آخر دعوانا العودة الى عنوان هذا المقال وهو (قطر منا ونحن منها) ومن جهتها أعلنت وزارة الدفاع القطرية أنها بفضل كفاءة طواقمها الميدانية تتصدى للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتصطادها في الفضاء قبل أن تصيب أهدافها. وآخر دعوانا لهذا البلد وقيادته وشعبه: رب اجعل هذا البلد أمناً.

816

| 20 مارس 2026

ثبات قطر على قيم السلام في الحرب والسلم

دخلت حرب إسرائيل وأمريكا على إيران أسبوعها الثاني بعد أن وقع اختيار السلطة لمرشدها الجديد وتصاعد مؤسف للقصف بين طهران وتل أبيب. ومن خلال التحرك القطري لاحظ المراقبون في المنطقة وفي العالم ما سموه ثبات دولة قطر على خدمة السلام بتوجيه من أميرها المفدى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي كثف مشاوراته مع جميع الأطراف وبنفس الإيمان بضرورة إيقاف الحرب وأولوية البحث المشترك عن حلول دبلوماسية تعطي لكل ذي حق حقه في توفير الأمن لشعبه وحقه في سيادة قراراته وفي هذا السياق تعددت اجتماعات المسؤولين القطريين مع قادة دول مجلس التعاون عن بعد وعن طريق شبكة الإنترنت بقصد التوصل الى بيان مشترك أشركوا فيه قادة دول شقيقة وصديقة أخرى يتقاسمون ذات التوجهات ويسعون الى إحلال السلام مع الحرص على ضمان تواصل تزويد العالم بالطاقة حتى لا تتحول الأزمة الراهنة الى حرمان كل الناس من نعمة الحياة. ولكن مع الأسف تأتي هذه الجهود في مناخ ما يزال يسوده السباق نحو "انتصار" مستحيل لأنه كما علمتنا تجارب التاريخ لا ينتصر طرف على طرف في أية مواجهة مسلحة إنما ينهزم الجميع حين تفقد شعوبهم أمنها وتنهار أسباب معيشتها وفي هذا السياق تسابق الجانبان في إعلان قرب انتصارهما "السريع" على الطرف المقابل مع إعلان كليهما أنه لن يركع ولن يستسلم باعتبار أن ما اندلع هو عدوان من الآخر وأنه لن يسلم شبرا من أرضه للعدو! وبالطبع ساعدت المواقف المبدئية القطرية على نشأة ثقة كانت مفقودة بينها وبين كل الأطراف، بل وهدأت صواريخ كانت تتجه لدول جوار إيران وشعر سكان قطر من مواطنين ومقيمين بارتياح متجهين بالدعاء للقيادة والثناء على جهودها الخيرة. وفي هذا السياق تلقى حضرة صاحب السمو أمير البلاد عديد الاتصالات من قادة دول شقيقة وصديقة أكدوا فيها تضامنهم الكامل مع قطر وإدانتهم لما تعرضت له أرضها من اعتداءات سافرة وغير مبررة من الجار الإيراني. وفي هذا السياق أﻛﱠﺪ ﻣﻌﺎﻟﻲ اﻟﺸﻴﺦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﺟﺎﺳﻢ آل ﺛﺎﻧﻲ، أن دولة قطر ستواصل جهودها الرامية إلى خفض التصعيد في الصراع القائم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والعمل على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة وحماية مصالح دول الخليج والدول غير المعنية بالصراع. قطر ملتزمة بالسلام في المنطقة، وتسعى عبر جميع قنواتها الدبلوماسية إلى حماية مصالح شعوب المنطقة، والعمل على إيجاد بيئة آمنة تسمح لجميع الدول بالعيش بسلام والتعاون المشترك بعيداً عن الصراعات. وكما قال معالي رئيس مجلس الوزراء إنه لا يمكن أن تبقى قطر في هذه الحالة، خصوصًا بعد الهجمات الصاروخية التي استهدفت الدولة، مشيراً إلى أن مجرد استخدام الصواريخ منذ اللحظة الأولى للحرب يعني أن هناك صواريخ إيرانية كانت موجهة إلى قطر عن سابق تصميم. وأكد معاليه أن قطر لم تكن بلداً ذا توجه عدائي تجاه إيران، وأنها حاولت دعم أي جهود دبلوماسية لإيجاد حلول سلمية ورفع العقوبات المفروضة على إيران، مشدداً على حرص الدوحة على استقرار الشعب الإيراني ورغبتها في أن يعيش الإيرانيون بسلام وازدهار بعيداً عن الصراعات والاضطرابات. وأشار معاليه إلى أن أي حل مستقبلي للصراع مع إيران يجب أن يتضمن “إزالة التهديدات التي تشكلها طهران على دول الخليج”، مؤكداً أن قطر ستستمر في التواصل مع الجانب الإيراني في إطار المساعي الدبلوماسية الهادفة إلى تهدئة الأوضاع ومنع أي تصعيد إضافي. رئيس الوزراء وجه عدة رسائل الأولى لأطراف الصراع هي إلى الإيرانيين، مطالباً بوقف هجماتهم فوراً، مشدداً على أن ما حصل يمثل هزة كبيرة في مستوى الثقة بين البلدين، وأن استمرار الهجمات سيجعل تقديم أي مساعدة أو دعم دبلوماسي صعباً، في ظل انشغال جميع الدول بالدفاع عن مصالحها وأمن شعوبها. والرسالة الموجهة إلى شركاء قطر الأوروبيين والأمريكيين تتضمن دعم جهود وقف التصعيد والعمل نحو حل دبلوماسي شامل يعالج قلق قطر وكذلك القلق الأمريكي من إيران، مؤكداً أن جميع الشركاء الأوروبيين يقدمون دعماً سياسياً ولوجستياً كبيراً، وأن بريطانيا قدمت دعماً ملموساً عبر خطوط الإمداد والتعاون العسكري المشترك، معرباً عن الامتنان لهذه الشراكة والتحالف، ومؤكداً أن الهدف من هذا الدعم هو تعزيز فرص الحلول الدبلوماسية ووقف التصعيد. ورسالته للأمريكيين تتمثل في الحرص على رؤية وقف التصعيد ونهاية هذا الصراع، عبر حل دبلوماسي شامل يحفظ أمن قطر ويأخذ في الاعتبار المخاوف الأمريكية تجاه إيران. وحذر معالي رئيس مجلس الوزراء من استهداف البنية التحتية الحيوية للبلاد ولكل الدول الجارة لإيران. ومن جهته تحدث د. ماجد الأنصاري عن ضرورة استقرار المنطقة مؤكدا أن قطر تدعم كل الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. ومن دواعي الاعتزاز بدولة قطر ما تواصله مؤسساتها الخيرية والاجتماعية من تقديم المساعدات أولا لتخفيف المصائب عن الشعب الفلسطيني وثانيا لكل الشعوب المحتاجة في العالم بأداء أمانة بناء المدارس والجامعات وإنشاء البنى التحتية من طرقات وجسور وإرسال المعونات الغذائية لأطفالها لضمان عيشهم وتمدرسهم.

534

| 13 مارس 2026

التميز في قطر خيار وتطبيق في كل المجالات

من المتعارف المثل المتداول (إنما تعرف الإخوان عند الشدة) هذا على مستوى الأفراد وهو صحيح وهو ما أطبقه شخصيا على الدول والشعوب لأن الشدة التي نعيشها معا كإخوة في هذا البلد الأمين هي التي تفرز الدول القوية من الدول الهشة وهي التي تؤهلنا للمناعة الصامدة وهو ما نوه به هذه الأيام حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى حين شاهدناه على شاشاتنا يقود بنفسه من مركز العمليات الجوية ويؤكد أهمية مواصلة رفع درجات الجاهزية والتنسيق. هذا المشهد وحده يدلنا على تقدم القائد جيشه في التصدي لصواريخ الغدر وتفجيرها في الهواء قبل بلوغها الأرض وحين نقول (غدر) فلأن قطر بتوجيه من أميرها المفدى تؤدي أمانة الوساطة الخيرة بين الأشقاء والأصدقاء منذ عقود وتلتزم الحياد الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون السيادية لأي طرف من الأطراف. ولهذا السبب فوجئ الشعب القطري باستهداف قطر من صواريخ دولة تعتبر شقيقة وتدرك أن الوساطة القطرية تبذل كل جهودها لخدمة الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط. وهنا لا بد من استحضار ذكريات شخصية ربطت مصيري بمصير دولة قطر فعندما زرت الدوحة لأول مرة من منفاي الفرنسي ودعيت من قِبَل الدكتور جمعة الكبيسي مدير جامعة قطر بالنيابة آنذاك كأستاذ زائر فاتصلت بصديقي القديم عميد الإعلاميين الخليجيين ناصر محمد العثمان وسعدت بأنه تسلم مسؤولية صحيفة (الشرق) الغراء وبعد الترحاب والسلام سلمت له أول مقال كتبته بصدق ومن القلب لتحية قطر وأميرها وولي عهده وزير الدفاع حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وأذكر جيدا أن المقال كان عنوانه: "رب اجعل هذا البلد آمنا". ولا تنسوا أيها القراء الأفاضل أن هذا كان في غضون عام 1991 يعني كانت الكويت الشقيقة محتلة ظلما وغدرا. واليوم وأنا أعيش في قطر وفي قلب أزمات إقليمية خطيرة أثبتت فيها دولة قطر قوتها الناعمة وتمسكها بقيم العدل والسلام دون التخلي عن حقها المشروع في الدفاع عن شعبها والرد على من يعتدي عليها بنفس وسائله. اليوم لا أجد أفضل من نفس العنوان لمقالي هذا أي (رب اجعل هذا البلد آمنا) بعد عقود من مقالي الأول وأفتتحه بهذا الدعاء الصادر من القلوب قبل الحناجر وهو متوجه إلى كل من في دولة قطر العزيزة من مواطنين ومقيمين ونص الدعاء هو: لا تنسوا إخوانكم في قوات الدفاع وسلاح الدفاع الجوي وموظفي الطوارئ في الدولة خاصة في دعائكم، تذكروا أنهم صامدون وقائمون على سلامتكم. اللهم سدّد رميهم وثبّت أقدامهم وأيّدهم بنصرك وأعنهم ولا تُعن عليهم. اللهم احفظ بلادنا وقيادتنا ورجال أمننا بعينك التي لا تنام ووفّقهم وسدّد رميهم وانصرهم على كل من عاداهم. اللهم اجعلهم درعًا حصينًا للدين والوطن. اللهم اربط على قلوبهم وارزقهم القوة والصبر واكفهم شرّ الفتن وأعدهم إلى أهلهم سالمين غانمين يا عزيز يا قدير يا رب العالمين. ولعل أفضل ما يلخص الموقف القطري من أحداث مطلع مارس 2026 هو البيان الصادر عن دول مجلس التعاون ودول صديقة أخرى منددة باستهداف هذه الضربات الإيرانية غير المبررة أراضي ذات سيادة وعرّضت المدنيين للخطر وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية المدنية وأضاف البيان أن التصرفات الإيرانية تمثل تصعيدًا خطيرًا ينتهك سيادة دول عديدة ويهدد الاستقرار الإقليمي وإن استهداف المدنيين والدول غير المنخرطة في الأعمال العدائية سلوك متهور ويزعزع الاستقرار. وختم البيان قوله بلغة تجديد العزيمة وجاء فيه: "نحن نقف صفًا واحدًا دفاعًا عن مواطنينا وسيادتنا وأراضينا ونؤكد مجددًا حقنا في الدفاع عن النفس في وجه هذه الهجمات ونؤكد التزامنا بالأمن الإقليمي ونشيد بالتعاون الفعال في مجال الدفاع الجوي والصاروخي الذي حال دون وقوع خسائر أكبر في الأرواح ومن الدمار. وندرك جميعا من خلال عبارات التعاطف مع قطر تلقاها حضرة صاحب السمو من العديد من قادة الدول الذين استشعروا أهمية الدور القطري في الوساطة الخيرة من أجل إحلال السلام في كل أرجاء العالم. واﻟﺘـﺄﻛــﻴــﺪ ﻋﻠــﻰ ﺿﺮورة اﻟــﻮﻗــﻒ اﻟــﻔــﻮري ﻷي أﻋﻤﺎل ﺗﺼﻌﻴﺪﻳﺔ واﻟﻌﻮدة إﻟﻰ ﻃﺎوﻟﺔ الحوار بما ﻳﺤﻔﻆ أﻣﻦ المنطقة وﻳﺤﻮل دون اﻻﻧﺰﻻق ﻧﺤﻮ ﻣﻮاﺟﻬﺎت أوﺳﻊ. وأعرب سمو الأمير ﻋﻦ ﺑﺎﻟﻎ ﺷﻜﺮه وﻋﻤﻴﻖ ﺗﻘﺪﻳﺮه واﻣﺘﻨﺎﻧﻪ لمشاعر اﻟﺘﻀﺎﻣﻦ اﻟﺼﺎدق من قادة هذه الدول ودﻋﻤﻬﺎ اﻟﺜﺎﺑﺖ ﻟﺪوﻟﺔ ﻗﻄﺮ وﺷﻌﺒﻬﺎ. ﻛﻤﺎ عبر سموه ﻋــﻦ ﺗﻀﺎﻣﻨﻪ ﻣﻊ اﻟـﺪول اﻟﺸﻘـﻴﻘﺔ اﻟﺘﻲ اﺳـﺘﻬﺪﻓﺘﻬﺎ اﻟﻬﺠﻤﺎت اﻹﻳﺮاﻧﻴﺔ، مؤكدا أنﱠ اﻟﺘﻨـﺴﻴﻖ مستمر للرد ﻋــﻠــﻰ ﻫــﺬا العدوان. وشدد سمو الأمير ﻋﻠﻰ ﺿــﺮورة اﺣﺘﻮاء ﻫﺬا التصعيد الخطير عبر الحلول الدبلوماسية واﻟﻮﺳﺎﺋﻞ السلمية بما ﻳﺤﻔﻆُ أﻣﻦ المنطقة واﺳﺘﻘﺮارﻫﺎ. وزارة اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ تقوم بدورها في طمأنة المواطنين والمقيمين مؤكدة أنﱠ اﻷوﺿﺎع داﺧﻞ دوﻟﺔ ﻗﻄﺮ ﻣﺴﺘﻘﺮة وآﻣــﻨــﺔ، وﻻ ﺗﻮﺟﺪ أي ﻣــﺆﺷــﺮات ﺗﺴﺘﺪﻋﻲ اﻟﻘﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻷﻣﻦ اﻟﺪاﺧﻠﻲ ﻓﻲ ﺿﻮء اﻟﻬﺠﻤﺎت اﻹﻳﺮاﻧﻴﺔ. ودﻋﺖ وزارة اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ إﻟﻰ اﺳﺘﻘﺎء المعلومات من المصادر اﻟــﺮﺳــﻤــﻴــﺔ المعتمدة وﻋــﺪم اﻻﻟﺘﻔﺎت إﻟــﻰ اﻟﺸﺎﺋﻌﺎت أو اﻟﺮﺳﺎﺋﻞ مجهولة المصدر، وﻋﺪم تداول المقاطع أو اﻷﺧﺒﺎر ﻏـﻴـﺮ الموثوقة، ﻣﺆﻛـــﺪة أﻧﻬﺎ ﺳـﺘﻮاﻓﻲ الجمهور ﺑﺄي ﻣـﺴـﺘﺠﺪاتٍ ﻋﺒﺮ ﺣﺴﺎﺑﺎﺗﻬﺎ اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ. وأوﺿﺤﺖ اﻟﻮزارة أنﱠ الجهات الأمنية المختصة تتابع الموقف ﻋــﻠــﻰ ﻣﺪار اﻟــﺴــﺎﻋــﺔ ﺿﻤﻦ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻋﻤﻞ ﻣﻴﺪاﻧﻴﺔ وﺗﺸﻐﻴﻠﻴﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ، وﺑﺎﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﻣﻊ الجهات ذات الصلة بما يضمن الحفاظ ﻋـﻠـﻰ اﻷﻣﻦ اﻟﻌﺎم وﺳﻼﻣﺔ المواطنين والمقيمين واﻟـﺰوار، واﺳﺘـﻤﺮارﻳﺔ الخدمات دون ﺗﺄﺛﻴﺮ. وأﻫـاﺑﺖ وزارةُ اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ بالجميع اﻻﺑﺘﻌـﺎد ﻋﻦ محيط المواقع اﻟﻌـﺴﻜﺮﻳﺔ واﻻﻟـﺘﺰام ﺑﺎﻟﺒﻘﺎء داﺧﻞ المباني ﺳﻮاء ﻓﻲ المنازل أو ﻏﻴﺮﻫﺎ وﻋﺪم الخروج واﻟﺘﺤﺮك إﻻ ﻟﻠﻀﺮورة اﻟﻘﺼﻮى تجنبا ﻟﻠﺘﻌﺮض ﻷي ﻣﺨﺎﻃﺮ. وأﻛـﺪت الجهات المختصة أن سلامة المواطنين والمقيمين واﻟـﺰوار تمثل أوﻟﻮﻳﺔ ﻗﺼﻮى، وأنﱠ ﻓﺮق اﻻﺳـﺘﺠﺎﺑﺔ ﺗﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺪار اﻟﺴﺎﻋﺔ لمتابعة المستجدات. وجاءت التصريحات القوية من ﻣﻌﺎﻟﻲ رﺋﻴﺲ ﻣﺠﻠﺲ اﻟـﻮزراء وزير الخارجية، لتعزز موقف الدولة من أنﱠ اﺳـﺘﻬﺪاف اﻷراﺿﻲ اﻟﻘﻄﺮﻳﺔ ﺑﺼﻮارﻳﺦ إﻳﺮاﻧﻴﺔ بالستية ﻳﻌﺪ انتهاكا صارخا لسيادتها اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ، وﻻ ﻳﻨﺴﺠﻢ ﻣﻊ ﻣﺒﺎدئ ﺣﺴﻦ الجوار، وﻻ يمكن قبوله تحت أي ﻣﺒﺮر أو ذرﻳﻌﺔ، وتأكيد معاليه أنﱠ دوﻟﺔ ﻗﻄﺮ ﺣﺮﺻﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﺪوام ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺄي ﺑﻨﻔﺴﻬﺎ ﻋﻦ اﻟﺼﺮاﻋﺎت اﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ، وﺳﻌﺖ إﻟﻰ ﺗﻴﺴﻴﺮ الحوار بين الجانب اﻹﻳﺮاﻧﻲ والمجتمع اﻟﺪوﻟﻲ، إﻻ أن اﺳﺘﻬﺪاف أراﺿﻴﻬﺎ ﻻ ﻳﻨﻢ ﻋﻦ ﺣﺴﻦ ﻧﻴﺔ وﻳﻬﺪد أرﺿﻴﺔ اﻟﺘﻔﺎﻫﻤﺎت اﻟﺘﻲ ﻗﺎﻣﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ بين اﻟﺒﻠﺪﻳﻦ. كما أدان ﻣﻌﺎﻟﻴﻪ اﻠﻬﺠﻤﺎت الإيرانية اﻟـﺘﻲ اﺳﺘﻬﺪﻓﺖ اﻷردن واﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ واﻟﻜﻮﻳﺖ واﻹﻣﺎرات واﻟﺒﺤﺮﻳﻦ وسلطنة عمان، ﻣﻌﺒﺮا ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺼﺪد ﻋﻦ ﺗﻀﺎﻣﻦ ﻗﻄﺮ اﻟﻜﺎﻣﻞ ﻣﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﺘﺨﺬه ﻣﻦ إﺟﺮاءات لحفظ ﺳﻴﺎدﺗﻬﺎ وأﻣﻨﻬﺎ واﺳﺘﻘﺮارﻫﺎ. ﻛﻤﺎ ﺷﺪد ﻣﻌﺎﻟﻴﻪ ﻋﻠﻰ ﺿﺮورة اﻟﻮﻗﻒ اﻟﻔﻮري ﻷي أﻋﻤﺎل ﺗﺼﻌﻴﺪﻳﺔ، واﻟﻌﻮدة إﻟﻰ ﻃﺎوﻟﺔ الحوار، وﺗﻐﻠﻴﺐ ﻟﻐﺔ اﻟﻌﻘﻞ والحكمة، واﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ اﺣﺘﻮاء اﻷزﻣﺔ بما ﻳﺤﻔﻆ أﻣﻦ المنطقة.

585

| 06 مارس 2026

التميز في قطر خيار وتطبيق في كل المجالات

راهنت دولة قطر على كسب معركة التميز ورفعت من أجل هذا الخيار العسير كل التحديات حتى أصبحت هده الدولة الصغيرة حجما والكبيرة طموحا أنموذج تفوق مستحق وريادة ساطعة لا في محيطها الجغرافي فقط، بل في العالم بأسره الذي جعلها مثلا لشعب يناضل من أجل التفوق ولم يكن ذلك متاحا لولا إيمان قيادتها بأن تلك المكانة المرموقة تستحق التضحية وهو ما عبر عنه حضرة صاحب السمو الأمير المفدى في عديد المحافل الإقليمية والدولية بكل ثقة في شعبه. ولعل من أبرز المرافق المتميزة في قطر هو الإعلام لأنه واجهة مضيئة للتعريف بقطر ولأنه فتح بجرأة أبواب الحرية الإعلامية فكان تأسيس قناة الجزيرة هو التأسيس الحقيقي لحرية التعبير في عالم تعود إعلامه حجب الرأي المخالف، بل والتطبيع مع قمع حرية التفكير والتعبير. كما أن وكالة الأنباء القطرية أطلقت في سبتمبر الماضي خدماتها الإخبارية بثلاث لغات جديدة باتت تقدم خدماتها الإخبارية بخمس لغات عالمية هي العربية ـ الإنجليزية ـ الفرنسية ـ الألمانية -الإسبانية. ونأتي للتميز الثاني الأكثر تأثيرا في مستقبل الأجيال حيث شهد نظام التعليم في قطر تحولًا استثنائيًا فانتقل من نموذج تقليدي إلى نظام تعليمي عالمي متطور بفضل الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية للبحث العلمي وتحديث المناهج الدراسية لأن قطر تسعى إلى بناء مجتمع قائم على المعرفة يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030 فنجحت الدولة في دمج التراث الثقافي مع المعايير الأكاديمية الدولية مما يضمن حصول الطلاب على تعليم عالي الجودة مع الحفاظ على القيم والتقاليد القطرية بدءًا من التعليم المجاني للمواطنين القطريين في المدارس الحكومية وصولًا إلى المؤسسات العالمية في المدينة التعليمية تم تصميم النظام التعليمي في قطر لتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة لمواكبة الاقتصاد العالمي المتغير. وفي القطاع الصحي الحيوي فإن قطر تعد واحدة من الدول الرائدة في مجال الرعاية الصحية في الشرق الأوسط حيث تحتل مراكز متقدمة عالميًا في جودة الخدمات الصحية من خلال الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الطبية والبحث العلمي والتقنيات الحديثة حيث استطاعت قطر بناء نظام صحي متكامل يخدم المواطنين والمقيمين على حد سواء. وفي إطار رؤية قطر الوطنية 2030 يواصل قطاع الرعاية الصحية تطوره من خلال التركيز على الرعاية الوقائية والحلول الرقمية والابتكارات الطبية. ولا ننسى التميز القطري في المجال الرياضي حيث شهدت قطر خلال العقدين الماضيين استثمارات ضخمة في البنى التحتية والبرامج الرياضية ما حولها من دولة صغيرة إلى قوة إقليمية وعالمية في المجال الرياضي. لقد نجحت قطر في الجمع بين إرثها الثقافي العريق من الرياضات التقليدية وإطلاق مبادرات عالمية للاستثمار في الرياضات الحديثة. بين الملاعب الأنيقة التي شهدت كأس العالم وسباقات الهجن في صحرائها الذهبية. تشكّل الرياضة جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية القطرية ورافدًا رئيسيًا للدبلوماسية الثقافية والاقتصادية. فدولة قطر كانت أول دولة عربية تستضيف البطولة الأهم في عالم كرة القدم ما أتاح لها بناء ثمانية ملاعب ذكية مجهزة بتبريد خارجي وبنى تحتية تتمثل في مواصلات متطورة وفنادِق ومنشآت ترفيهية تناسب ملايين الزوار. إلى جانب تأسيس (أسباير) أول مدينة للعلاج والتأهيل لجميع الإصابات الرياضية حيث أصبحت منارة عالمية في مجال تخصصها اعترف العالم بأهميتها وانفرادها بالريادة. ونأتي إلى أهم وأعظم تميز قطري وهو يتعلق بالتربية والتعليم لأن إنشاء أجيال متشبعة بالروح الوطنية قادرة على التفاعل الحي مع المستقبل يستحق التضحيات وضخ الأموال من أجل الاستثمار في الإنسان وصنع مصير الوطن الناهض. وفي هذا القطاع يعود الفضل أساسا إلى وعي القيادة القطرية وعلى رأسها حضرة صاحب السمو الأمير المفدى وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظهما الله تعالى وبخاصة جهود صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي أنشأت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع منذ عقود وعن المؤسسة قالت سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني: حقّ لنا جميعًا أن نفخر بالمنظومة التعليمية الذي استحدثناها في مؤسسة قطر على مدار 25 عامًا ونجاحنا في دعم الكفاءات التي تحتاجها دولة قطر ونحنُ ندرك أن حالة التعطّل التي يتسم بها العالم اليوم غير مستمرة، وكذلك هو الحال بالنسبة للتعليم. وأضافت سعادتها:» يَشهدُ عالمنا اليوم تغيّرات في الاتجاهات بشكل ديناميكي مع تزايد المتطلبات وتسارع وتيرة التغيير خاصة بسبب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها ما فرض علينا جميعًا ضرورة مواكبة التحديات لا سيّما في قطاع التعليم الذي وجد نفسه أمام خيارين: إمّا البقاء كما هو عليه والدخول في أخطار الركود أو المضي قدمًا في التحوّل نحو مزيد من الابتكار؟ ومن خلال هذه الرؤية اخترنا المضي قدمًا نحو المستقبل بخطوات مدروسة تأبى التسرع والمغامرة. ونصل الى تاج الميزات القطرية وهو التميز في علاقاتها الخارجية ودبلوماسيتها الذكية فمع مطلع سنة 2026، يتواصل التميز الساطع والريادي للدبلوماسية القطرية التي تبنت مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية والحوار والمساعي الحميدة كأولوية في سياستها الخارجية وهو التزام دستوري لدولة قطر إذ تنص المادة السابعة من الدستور الدائم الصادر في عام 2003م بأن تكون السياسة الخارجية القطرية قائمة على مبدأ تعزيز الأمن والسلم الدوليين من خلال التشجيع على فض المنازعات بالطرق السلمية والذي أصبح ركنا أساسيا من أركان السياسة الخارجية لدولة قطر. ولا شك أن دولة قطر خلال العقدين الأخيرين باتت تتمتع بسمعة عالمية كوسيط محايد وموثوق تتم دعوته من قبل الأطراف المتنازعة نتيجة تلك السمعة الطيبة والنتائج المثمرة. ولعل أبرز ما قامت به دولة قطر من دور كبير خلال عام 2025 هو دورها البارز مع الوسطاء في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية وتم التوقيع على هذا الاتفاق في قمة شرم الشيخ في شهر أكتوبر الماضي، كما أن الوساطة القطرية نجحت أيضا في التوصل إلى هدن إنسانية ساهمت في تخفيف المعاناة على الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال إيصال المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني الشقيق وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين. وستظل دولة قطر ملتزمة بنهجها كدولة وساطة وقيادة صانعة للسلام تكرس قيادتها الرشيدة جهودها لحل الصراعات بالطرق الدبلوماسية.

357

| 27 فبراير 2026

مؤتمر ميونخ للأمن ومشاركة قطر المتميزة

ضمن سياسة دولة قطر الثابتة المعتمدة على الحضور في مختلف اللقاءات الدولية المهتمة بالسلام الدولي شاركت بمستوى رفيع في أعمال مؤتمر ميونخ للأمن، حيث أوفد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى للمؤتمر معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الذي شارك في افتتاح أعمال الدورة الـ62 من مؤتمر ميونخ للأمن وسط حضور سياسي وأمني دولي واسع (70 ما بين رؤساء دول وحكومات ووزراء دفاع الى جانب حوالي 90 من وزراء الخارجية أو من ينوب عنهم). وناقش المؤتمر الذي استمر من يوم الجمعة الى الأحد ملفات الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان والأزمة الأوكرانية وتداعياتها على الأمن الأوروبي. كما بحث تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط لا سيما الحرب على غزة إضافة إلى التوترات بين القوى الكبرى ومستقبل النظام الدولي وأمن الطاقة والأمن السيبراني وتحديات الذكاء الاصطناعي. وأجرى معاليه سلسلة لقاءات دبلوماسية مكثفة على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، بحثت التطورات الإقليمية والدولية وحسب بيانات وزارة الخارجية القطرية فقد اجتمع الشيخ محمد بن عبد الرحمن في لقاءات منفصلة على هامش المؤتمر مع رئيس فنلندا (ألكسندر ستوب) والمستشار الاتحادي لجمهورية النمسا (كريستيان ستوكر) ورئيس إقليم كردستان العراق (نيجيرفان بارزاني) ورئيس وزراء ولاية شمال الراين - ويستفاليا الألمانية (هندريك فوست) واستعرض معاليه مع رئيس فنلندا علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها إلى جانب مناقشة المستجدات الإقليمية والدولية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. ولعلمكم فإن مؤتمر ميونخ للأمن واحد من أبرز المؤتمرات العالمية في مجال السياسات الأمنية إذ يجمع سنويا في مدينة ميونخ الألمانية مئات من صانعي القرار من مختلف دول العالم بما فيهم سياسيون ودبلوماسيون وعسكريون وباحثون لمناقشة التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه النظام الدولي وتتناول الدورة الثانية والستون للمؤتمر عام 2026 أبرز القضايا العالمية بما في ذلك الأمن والدفاع الأوروبي ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي وتعزيز التعددية والصراعات الإقليمية والتداعيات الأمنية للتقدم التكنولوجي. وللتذكير فإن مؤتمر ميونخ للأمن تأسس في خريف عام 1963 على يد الباحث الألماني (إيوالد فون كلايست). ويرأس المؤتمر الدبلوماسي الألماني (فولفغانغ إيشينغر) الذي شغل مناصب دبلوماسية رفيعة وكان سفيرا لألمانيا في عدد من العواصم الكبرى، من بينها لندن وواشنطن. وعلى مدى عقود مرّ المؤتمر بمحطات وتحولات متعددة وحمل تسميات مختلفة من بينها «اللقاء الدولي لعلوم الدفاع» ثم «المؤتمر الدولي لعلوم الدفاع» إلى أن استقر اسمه «مؤتمر ميونخ للأمن». ينعقد المؤتمر سنويا في مدينة ميونخ عاصمة ولاية بافاريا في ألمانيا وهي أكبر مدن الولاية من حيث المساحة وعدد السكان وإحدى أهم مراكزها الصناعية والسياحية كما تُصنف من بين أغلى المدن من حيث تكاليف المعيشة. وتميّزت بعض دورات مؤتمر ميونخ للأمن بطرح تصورات مستقبلية كان لها لاحقا تأثير ملموس في تغيير الخارطة السياسية التي مهدت لنهاية الحرب الباردة. ولعلمكم فإن مؤتمر ميونخ مر بمحطات مهمة في التاريخ الحديث وتناقش المشاركون فيه حول المخاطر المهددة للأمن العالمي حيث برزت حقائق دولية جديدة مثل مواقف الرئيس الأمريكي منذ سنتين وإرادة مقاومة أحادية القطب من القوى العملاقة التي تحن الى عظمتها التاريخية كما الصين وروسيا. وبحسب الموقع الرسمي للمؤتمر تُعقد الدورة الثانية والستون من مؤتمر ميونخ للأمن عام 2026 في مرحلة مفصلية في ظل تشكيل التحالفات القديمة وتآكل النظام الدولي القائم على القواعد وتصاعد النزاعات وعدم الاستقرار في مختلف أنحاء العالم. وتشمل المواضيع التي يناقشها المؤتمر الراهن مسائل الأمن والدفاع الأوروبي ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي وإحياء التعددية والرؤى المتنافسة للنظام العالمي والصراعات الإقليمية إضافة إلى التداعيات الأمنية للتقدم التكنولوجي على سبيل المثال لا الحصر. ومن المداخلات التي خرجت عن المألوف نشير إلى الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الصيني الذي اقترح ضمنيا إعادة صياغة «طريق الحرير» المرتبط تاريخيا بالصين ويتلخص في تعويض الصراعات بفتح الحدود بين الأمم ومد جسور التضامن والتواصل والتمتع جميعا بخيرات العالم. وهنا لا بد من التذكير بقوة قطر الناعمة ففي عالم يتأرجح بين صخب الصراعات وتقلب التحالفات استطاعت دولة قطر أن ترسم لنفسها مسارًا دبلوماسيًا متفردًا يجعلها في قلب الأزمات دون أن تكون جزءًا منها. هذه الدولة الخليجية الصغيرة في مساحتها الكبيرة في طموحاتها اختارت منذ مطلع الألفية أن تستثمر في أدوات جديدة للتأثير في تقدم العالم وأمنه أدوات تقوم على الحوار والانفتاح وتكريس موقعها بوصفها وسيطا موثوقا لدى جميع الأطراف. ولم يكن ذلك محض صدفة، بل نتاج رؤية استراتيجية وضعتها القيادة القطرية في صلب مشروعها الوطني وقدمت من خلالها نموذجا لتفعيل آليات دبلوماسية تتمثل في وساطة الخير والسلام التي هي قوتها الناعمة، مما يعطي أهمية لدراسة حالة الدولة كنموذج تطبيقي فريد عالميا لهذه المفاهيم التي لا تبعد كثيرا عن مسار طريق الحرير. ففي حين استهلكت قوى أخرى مواردها في صراعات مفتوحة أو استقطابات حادة كانت قطر تبني شبكة متماسكة من العلاقات الدبلوماسية والقنوات الخلفية وترسّخ صورتها الدولية كدولة حضور لا صدام وتأثير لا وصاية. فما الذي جعل من دولة قطر ودبلوماسيتها النشطة وسيطًا مفضلاً في نزاعات تمتد من كابول إلى غزة ومن بيروت إلى دارفور؟ وكيف تمكّنت من تحويل دبلوماسية الوساطة إلى رافعة استراتيجية لمنزلتها الإقليمية والدولية المحترمة والمرموقة؟ ونختم مقالنا بجملة مهمة وردت في البيان الختامي للمؤتمر وهي: هل نحن في بداية نظام عالمي جديد؟ أم على وشك أزمات دولية لا نتوقعها؟

390

| 20 فبراير 2026

لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر

جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران مستبعدة الحرب رغم أن ما رشح عن زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية من "توقعات" تفيد بأن هدف الزيارة هو دفع الرئيس الأمريكي الى شن حرب خاطفة تشل القوة الصاروخية الإيرانية وطبعا فهم الجميع أن خوف إسرائيل متصاعد من تهديدات إيرانية معروفة. وهنا لا بد أن نلقي نظرة تفاؤل على تحرك قطري في اتجاه السلام حيث جرى اتصال هاتفي بين حضرة صاحب السمو الأمير المفدى وبين فخامة الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) وتم خلال الاتصال تبادل وجهات النظر حول أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية لا سيما تطورات الأوضاع الراهنة في المنطقة والجهود الدولية الرامية الى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والسلم الإقليميين كما جرى التأكيد على مواصلة التنسيق والتشاور إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك ودعم المساعي الدبلوماسية الهادفة الى معالجة الأزمات عبر الحوار والوسائل السلمية. كما تم استعراض العلاقات الاستراتيجية بين البلدين الصديقين وسبل دعمها وتعزيزها في كل المجالات." أردنا افتتاح هذا المقال بالإشارة الى جهود حضرة صاحب السمو من أجل إطفاء فتيل خطير يكاد يشعل المنطقة والعالم بمخاطر حرب وغايتنا هي التأكيد على أن دولة قطر مؤهلة بفضل مبادئها ونجاح تجاربها السابقة في وساطات الخير والسلام. وفي نفس السياق أدى وزير الخارجية الإيراني زيارة للدوحة في طريق عودته من مسقط حيث تمت مشاورات بين واشنطن وطهران والتقى بمعالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية . وتمت مقابلة بين معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وبين السيد علي لاريجاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في ظروف عسيرة تهدد بأقسى المخاطر. وفي هذا الصدد أفادت الخارجية القطرية بأن الاجتماع استعرض الجهود المستمرة لخفض التصعيد في المنطقة وجددت خلاله الدوحة دعمها لكافة الجهود الرامية لخفض منسوب التوتر وإيجاد حلول سلمية بما يعزز الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره. وبدوره أكد وزير الخارجية الإيراني السيد (عباس عراقجي) من تركيا بأن إيران مستعدة لمفاوضات نووية مع الولايات المتحدة إن كانت هذه المفاوضات عادلة ومنصفة وعلى قدم المساواة. ونحن نبدأ مقالنا هذا بالإشارة الى رسالة الدبلوماسية القطرية التي تتمسك بتوجيه من حضرة صاحب السمو أميرها المفدى بقيم القانون الدولي وعلوية مبدأ الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ولو قرأنا مشهد المفاوضات الجارية في مسقط عاصمة السلطنة العمانية لأدركنا أن لغة المدافع أفسحت المجال -ولو مؤقتا- للغة الدبلوماسية في كل خطوة محفوفة بمخاطر الانزلاق نحو مواجهة لا يريدها أحد لكن الجميع يستعد لها. ورد ذلك في تقرير لصحيفة (نيويورك تايمز) أعده مراسلها للشؤون الدبلوماسية في برلين (ستيفن إرلانغر) ويقول فيه إن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) يجد نفسه مجددا أمام طاولة المفاوضات مع خصمه اللدود في طهران وذلك بعد التحول الدراماتيكي الذي يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وعاد (إرلانغر) ليقول إن مسار المفاوضات -الذي بدأ "بداية جيدة" وبمصافحات بروتوكولية- يواجه اليوم تحديات بنيوية! لأن الرئيس الأمريكي يدرك أن أي صراع طويل الأمد سيستنزف الاقتصاد ويغضب قاعدته الشعبية الرافضة للحروب حسب (أسوشيتد برس). وحول الهوة بين إستراتيجية طهران ورغبة واشنطن أشار مراسل الصحيفة الأمريكية إلى أن طهران تراهن -في هذه المرحلة- على إستراتيجيتها القديمة المتمثلة في "إطالة أمد التفاوض" لكسب الوقت، آملة أن يكون الرئيس الأمريكي مدفوعا برغبة ملحة في تحقيق "انتصار سريع" يعزز رصيده السياسي دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة. وفي المقابل يرى (إرلانغر) أن الرئيس (ترامب) يدرك أن أي صراع طويل الأمد قد يستنزف الاقتصاد الأمريكي كما أنه سيغضب قاعدته الشعبية الرافضة للحروب الأبدية المرهقة لأمنه ولرصيده المالي وهو ما اضطر سيد البيت الأبيض الى تفضيل اتفاق يمنحه لقب "صانع السلام" دون التورط في وحل الرمال المتحركة في المنطقة! ويوضح الكاتب أن "ضيق الطريق" يكمن في الفجوة الهائلة بين سقف التوقعات وبين المطالب فواشنطن لا تزال تصر على "صفر تخصيب" وتفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية وقطع أذرع إيران الإقليمية وهي مطالب تصفها طهران بأنها "دعوة إلى الاستسلام الكامل" وليست منطلقا للتفاوض بدون شروط مسبقة وعلى أساس حفظ مصالح وسيادة الطرفين. ويرى محللون من مختلف مراكز الأبحاث ووكالات الأنباء أن رئيس الولايات المتحدة يواجه معضلة حقيقية لأنه إذا قدم تنازلات تتعلق بنسبة التخصيب فإنه سيعيد إنتاج اتفاق 2015 الذي وصفه سابقا بأنه "الأسوأ في التاريخ" ثم قرر الانسحاب منه! وإذا تمسك بمواقفه المتشددة فإن المسار الدبلوماسي سيصطدم بجدار مسدود. ويرى (إرلانغر) أن إصرار الإدارة الأمريكية على أن يكون أي اتفاق جديد "دائما" وخاليا من "انتهاء تاريخ السريان" يضع المفاوض الإيراني في زاوية حرجة حيث يرى في ذلك مساسا بجوهر النظام وقدرته على الردع. علاوة على ذلك يقول التقرير إن مخاوف إسرائيل الحقيقية من هجومات محتملة عليها بصواريخ إيران تجعل رئيس حكومتها يدفع الرئيس الأمريكي الى الإسراع بضرب إيران وأذرعها خارج حدودها في حرب خاطفة تشل جميع ردود فعلها وهو ما يضع دولة الاحتلال في مأمن من قوة صواريخ إيران البالستية. وينسب الكاتب إلى محللين رأيهم القائل بأن الرئيس (ترامب) يواجه معضلة حقيقية لأنه يشعر أنه من الصعب، بل من المستحيل إرضاء جميع الأطراف التي هي: 1) رأيه العام الأمريكي 2) حليفته إسرائيل 3) مساندوه من داخل حلف الناتو 4) وبعد ذلك الأهم هي دول الشرق الأوسط التي ما تزال تثق في رعاية الولايات المتحدة لمسار السلام. ويخلص (إرلانغر) إلى القول بأن العودة إلى الدبلوماسية تبدو بمثابة "فرصة أخيرة" لتجنب الانفجار الكبير لكنها فرصة مكبلة بانعدام الثقة التاريخي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة منذ انهيار نظام الشاه بهلوي وقيام نظام الملالي عام 1979 وبالطبع تضارب المصالح الإستراتيجية بين الجانبين وعلينا ألا ننسى ارتباط قضية العلاقات الأمريكية الإيرانية بأزمات العالم وفي هذا السياق قالت المحللة السياسية في وكالة (أسوشيتد برس):"لا نستبعد أن تكون الصين منتظرة لاندلاع المواجهة المسلحة بين واشنطن و طهران لتحتل جزيرة تايوان كما لا نستبعد أن تكون كوريا الشمالية منتظرة أول ضربة لتحتل كوريا الجنوبية وكذلك قيام صراعات إقليمية لتغيير خريطة العالم مثل تهديد رئيس حكومة الاحتلال بضم الضفة الغربية الى ما سماه إسرائيل الكبرى! alqadidi@hotmail.com

456

| 13 فبراير 2026

الارتباط الوثيق بين الأزمات وعملات الدول

تعودنا منذ عقود على اعتبار العملة الخضراء مقياسا لوزن الدول. فالأقوى اقتصادا والأكثر تأثيرا في معاملات التجارة والصناعة هي التي تصمد عملتها الوطنية أمام الدولار سيد العملات وقاطرتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. واليوم يعيش العالم كله زلازل خطيرة تهدد لا قدر الله باندلاع حرب عالمية ثالثة لا تكون سوى نووية. وندرك طبعا بأن قادة كبارا يؤدون واجباتهم الأخلاقية في إطفاء فتيل الحروب القائمة المشتعلة وهي حرب بين روسيا وأوكرانيا وحرب في الشرق الأوسط وحروب أهلية في السودان واليمن وليبيا والاتحاد الأوروبي بين الولايات المتحدة والدنمارك حول ملكية (غرينلاند) وصراع خطير بين الهند وباكستان حول كشمير. هكذا هو الزمن الراهن بتحولاته الكبرى فما هي حالة العملات الوطنية وخاصة سيدها الدولار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ وللتذكير فإن عملات أخرى نافست العملة الخضراء وفرضت قيمتها مع الدولار. كان هذا هو حال اليورو منذ ظهوره مع بداية الألفية الجديدة كما كانت عملات دول الخليج الست والتي حافظت على قيمتها المرتبطة بالدولار والموازية له منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربي سنة 1981. ثم بفضل النهضة اليابانية وجهود اليابانيين الأسطورية تحول (الين) الى عملة صعبة. وربما تكون مفاجأة سنة 2026 بلوغ العملة الصينية (اليوان) هي أيضا منصة التتويج في نهاية السباق الصناعي و التصديري العالمي بينها وبين الولايات المتحدة. وهذه المنافسة كما نعلم تقض مضجع سيد البيت الأبيض. وفي نفس السياق كان متداولو العملة يتوقعون عاماً أكثر هدوءاً. لكن بعد عام 2025 المضطرب عندما أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) عن فرض الرسوم الجمركية المجحفة على صادرات الدول المنافسة وهو مما أدى إلى انهيار قيمة الدولار. لكن الأسابيع الأخيرة عكرت جو الارتياح حيث انخفض الدولار إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات مقابل سلة من العملات مسجلاً أدنى مستوياته منذ سنوات عديدة مقابل اليورو والجنيه الإسترليني إذ تراجع بنسبة 3 في المئة خلال أسبوع تقريباً! ويقول المحللون» إنه في حال استمرار هذا الوضع فإن ذلك يُنذر بتفاقم التضخم داخل الولايات المتحدة وحينها سيواجه الأمريكيون ارتفاعاً في أسعار الواردات» وطبعا أثارت هذه الانخفاضات أيضاً تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت مكانة الدولار كعملة عالمية رئيسية مهددة بعد أن ساعدت لعقود عديدة في الحفاظ على انخفاض تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة نسبياً. وهذه ظاهرة جديدة تتمثل في تراجع الدولار بعد أكثر من سبعة عقود من القوة وخاصة خلال العامين الأخيرين حيث ازدهر الاقتصاد الأمريكي وتراجعت البطالة بفضل سياسات الرئيس (ترامب) التي يعتبرها أغلب الأمريكيين «جريئة» بينما يصنفها المنافسان الصيني والروسي «متهورة ومغامرة» وحتى «مجنونة وفاقدة الضوابط»! كما استمرت الخسائر هذا الأسبوع وسط تكهنات بأن الولايات المتحدة قد تدرس اتخاذ إجراءات من شأنها إضعاف الدولار أكثر بما في ذلك بيع الدولار بالتزامن مع اليابان لدعم (الين) الذي كان يواجه بدوره موجة بيع. والسؤال هو: لماذا يواصل الدولار تراجعه؟ الجواب هو أن المحللين والخبراء يرون أن تراجع الدولار يعكس جزئياً قلق السوق إزاء سياسات إدارة (ترامب). وفي هذا السياق أشار (روبن بروكس) الباحث البارز في معهد بروكينغز والخبير الاستراتيجي السابق في سوق الصرف الأجنبي لدى (غولدمان ساكس) إلى أوجه التشابه بين ردود الفعل السلبية تجاه الرسوم الجمركية وقضية (غرينلاند): «في رأيي ما تتفاعل معه الأسواق هو ببساطة الطبيعة العشوائية للسياسات في هذه الإدارة المتمثلة في تعاقب عمليات التصعيد ثم التهدئة. وأضاف أن انخفاض الدولار «يعكس بشكل أساسي شعور الأسواق بأن هذا التذبذب الفوضوي يضر بالولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر. كما ساهمت تصريحات وزير الخزانة الأمريكي (سكوت بيسنت) التي نفى فيها تدخل الولايات المتحدة لمساعدة اليابان في استقرار الدولار هذا الأسبوع. ومن المتوقع أن يتجه المستثمرون العالميون أيضاً نحو تجنب الاستثمار في الولايات المتحدة حيث خفضت صناديق التقاعد في أمستردام والدنمارك حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية. مع ذلك صرّح (تيرنر) من بنك (آي إن جي) بأنه يعتقد أن الأسواق لا تزال بعيدة كل البعد عن سيناريو بيع الأصول الأمريكية بالكامل مشيراً إلى أن عمليات البيع المكثفة اقتصرت إلى حد كبير على الدولار دون غيره من العملات. وأشار هو وآخرون إلى أن سوق الأسهم الأمريكية لا تزال تحوم حول مستويات قياسية مرتفعة في حين أن تحركات سوق سندات الخزانة الأمريكية كانت محدودة نسبياً. ورغم ذلك يتوقع بنك (آي إن جي) انخفاض الدولار مرة أخرى بنسبة تتراوح بين 4 -5 في المئة هذا العام مع تحسن آفاق النمو خارج الولايات المتحدة! ويتساءل العديد من المراقبين: هل يريد الرئيس (ترامب) فعلاً انخفاض قيمة الدولار الأمريكي؟ أم فاجأته النتائج المالية السلبية التي أدت إليها سياساته الجمركية؟ لكن مستشاريه الاقتصاديين نصحوه بأن يشن حملة مكثفة للمطالبة بخفض أسعار الفائدة بشكل أسرع ومن المتوقع أن يعيّن شخصاً أكثر استجابة لهذه المطالب لقيادة البنك المركزي (فيديرال ريزرف) خلال الأشهر القليلة المقبلة قبل انقضاء عهدته الثانية والأخيرة. لكن البيت الأبيض قد يرى في ذلك أمراً إيجابياً إذ سبق أن رحّب (ترامب) ومسؤولون آخرون في البيت الأبيض بفكرة ضعف الدولار لما يوفّره ذلك من تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية. ونتذكر ما قاله (ترامب) في يوليو الماضي مخاطبا المواطن الأمريكي: «قد لا يبدو الأمر جيداً لكنك ستجني أموالاً أكثر مع ضعف الدولار... مقارنة بقوته». وبالفعل شعر دافع الضرائب الأمريكي بأن الانخفاض المستمر في قيمة الدولار أسهم في دعم الشركات الأمريكية التي تشغله لكنه حذر من أن العائد قد يكون محدوداً إذا حدث ذلك لأسباب خاطئة.

447

| 06 فبراير 2026

المنتدى السنوي لفلسطين بالدوحة .. لماذا ؟

انطلقت يوم السبت 24 يناير 2026 في الدوحة أعمال المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة التي ينظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال الفترة 24-26 يناير وهو دليل إضافي على التزام دولة قطر بتوجيه من أميرها المفدى بقضية العرب والمسلمين المركزية أي الشعب الفلسطيني الذي عانى وما يزال يعاني من ممارسات الإبادة الجماعية والتشريد والتنكيل. ويُعَدّ المنتدى السنوي لفلسطين أحد أبرز الفضاءات الأكاديمية المتخصصة عالميًا في القضية الفلسطينية لما يتميّز به من رصانةٍ علميةٍ في الأوراق البحثية المقدَّمة وتنوّعٍ منهجي في المقاربات النظرية والتحليلية ومشاركة نخبةٍ من الباحثين والباحثات من مختلف أنحاء العالم العربي والعالم. وتغطي أوراق هذه الدورة طيفًا واسعًا من القضايا المركزية المتصلة بفلسطين من التاريخ والتحولات البنيوية في المشروع الوطني الفلسطيني إلى موقع فلسطين في النظامَين العربي والدولي مرورًا بتحليل الاستعمار الاستيطاني ونظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) وحدود القانون الدولي وتحولات التضامن العالمي وأدوار الإعلام والمعرفة والجامعات في زمن الإبادة. وقد رسّخ المنتدى عبر دوراته المتعاقبة مكانته بوصفه رافدًا أساسيًا لإنتاج معرفة نقدية معمّقة حول فلسطين واكتسب سمعةً عربيةً ودوليةً مرموقة وجذب حضورًا واسعًا من الأكاديميين والمهتمين بقضيتها وسياقاتها الإقليمية والعالمية ليغدو فضاءً جامعًا للالتقاء وتبادل الرؤى والنقاشات المعمّقة. ومن الضروري التذكير بأن هذه الدورة الرابعة تكتسي أهميةً استثنائيةً لانعقادها في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث و في سياق تبعات حرب الإبادة غير المسبوقة في التاريخ الفلسطيني من حيث عمقها واتساع آثارها وما خلّفته من مستويات هائلة من القتل والعنف والدمار والتهجير في حقّ الشعب الفلسطيني ولا سيما في قطاع غزة إلى جانب تصاعد العنف الاستعماري (المسمى بالاستيطاني) في الضفة الغربية وفي سياق تحولات دولية جذرية تتّسم بتراجع المنظومات التقليدية التي تضمن حدا أدنى من المساءلة وتطبيق القانون الدولي. وعقَد المنتدى على مدار ثلاثة أيام وضمّ ثماني جلسات رئيسية تتوزع على مسارات متوازية إضافة إلى ثلاث ندوات عامة وثلاث ورشات عمل متخصصة من بينها محور خاص بإعادة إعمار قطاع غزة يُنظَّم بالشراكة بين إدارة السياسات العامة ومركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بما يعكس سعي المنتدى إلى الربط بين البحث الأكاديمي والتحليل السياسي والمسائل العملية الملحّة في مرحلة ما بعد الإبادة. واستهلّت (آيات حمدان) الباحثة في المركز العربي ورئيسة لجنة المنتدى السنوي لفلسطين أعمال اليوم الأول بجلسة افتتاحية أكَّدت فيها أن انعقاد هذه​ الدورة يأتي في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد يتزامن مع مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة. ومن جهته شدد (مجدي المالكي) في كلمته الافتتاحية على أهمية انخراط الباحثين العرب والمتخصصين في الكتابة والتحليل ولا سيما فيما يتعلق بالسردية الفلسطينية مؤكدًا أن المنتدى في دورته الرابعة أثبت بعد ثلاث دورات سابقة نجاحه في تحقيق غايته بوصفه فضاءً للتواصل والنقاش والتفاعل وتعزيز الإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية لدى الباحثين مشيرا إلى أن انعقاد المنتدى يأتي في سياق تحديات ومنعطفات غير مسبوقة تمر بها القضية الفلسطينية حيث تتواصل تداعيات حرب مدمّرة ووقفٍ هشّ لإطلاق النار في غزة إلى جانب تصاعد العدوان في الضفة الغربية واستمرار السياسات الاستعمارية الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض خارج إطار القانون الدولي وهو ما يعرقل بصورة مباشرة إمكان قيام دولة فلسطينية. وتناول (المالكي) واقع الحياة تحت الاحتلال بما فيها من تدمير البنى الصحية والتعليمية والمعيشية وسياسات خنق الحياة عبر قرصنة أموال الضرائب موضحًا دور المؤسسة في التوثيق المعرفي منذ بدء الإبادة من خلال إطلاق منصات رقمية متخصصة وإنتاج واسع للأبحاث وأوراق السياسات وفتح المجال أمام الشباب للتدريب والبحث. وختم بالتأكيد على أن استمرار هذا المنتدى هو رسالة إصرار وأن البحث العلمي في هذا السياق ليس استحقاقًا أكاديميًا فحسب بل واجب أخلاقي وبعث الأمل في استمرار المقاومة في زمن استهداف الحقيقة. هذا وعُقدت الجلسة الأولى في ثلاثة مسارات متوازية كان أولها بعنوان «القانون الدولي والقضية الفلسطينية»، وترأسته (عائشة البصري). وقدّم (نيكولا بيروجيني) ورقته «بين المقاومة والإبادة الجماعية: التحرير الوطني الفلسطيني وإبادة إسرائيل على حدود القانون الدولي»، متناولًا حدود الشرعية القانونية. وشارك (عبد الحميد صيام) بورقة «المحكمة الجنائية الدولية والقضية الفلسطينية». كما قدّم (حميد بلغيث) و(أسماء العلوي) ورقتهما المشتركة «سياسات الضم في ضوء التأويل المتطور لقواعد القانون الدولي: قدسية المبدأ ومسؤولية الدول الثالثة»، مسلطَين الضوء على التزامات الأطراف الدولية. أمّا المسار الثاني والموسوم «فلسطين في السياق الدولي»، فكان بإدارة (أدهم صولي) وشاركت فيه (رزان شوامرة) بورقتها «الوقائع المنفصلة: استراتيجية الصين في صناعة التصوّر وسرديات التحرر الفلسطينية». وتناولت (حورية بن علي) في ورقتها «من فضح الجريمة إلى تجريم الإدانة» محللة لكيفية توظيف الخطاب القيمي الرسمي في ألمانيا لتكريس الصمت عن الإبادة. كما ناقش (روفشان ممدلي) في ورقته «بين التضامن وغيابه» مواقف دول جنوب القوقاز من فلسطين خلال الإبادة الجماعية في غزة. أما المسار الثالث فكان بعنوان «حرب الإبادة على غزة في وسائل الإعلام الغربية» وترأّسته (لميس أندوني) وعرضت فيه (آمنة الأشقر) ورقتها بعنوان»عجلة الأخبار وانهيار الإطار» محللةً الفوضى البصرية الناتجة عن حرب الصورة. ومن جهتها ناقشت (ديانا بطو) و(نضال رافع) في ورقتهما المشتركة «كيف (لا) تتم تغطية الإبادة؟» مع تحليل تجارب الصحفيين الفلسطينيين المريرة في تغطية الحرب. وقدّم (جميل قروش) ورقته بعنوان «تأطير الأبعاد الإنسانية حول السرديات العاطفية في تغطية تبادل الأسرى لدى وسائل إعلام غربية كبرى» ثم قدمت عروض تاريخية لمراحل متعاقبة من ماضي فلسطين واختتمت الندوة بمقاربات تحليلية متكاملة تناولت التحوّلات البنيوية في السياسة الأمريكية إزاء فلسطين. واستعرض خليل جهشان، رئيس الندوة، في ورقته (دونالد ترامب) وحركة ماغا والقضية الفلسطينية: السعي للهيمنة الأمريكية في المنطقة» ملامح توجّه التيار الشعبوي اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية محللًا ما إذا كانت سياسات (ترامب) تجاه فلسطين وإسرائيل تمثل نزعة عابرة أم مسارًا مؤسسيًا طويل الأمد؟ ثم كان تاج المنتدى هو المتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن في خلاصة قدمها (عزمي بشارة) حوصل فيها أهم ما أضافه المنتدى من تعميق للدراسات الأكاديمية حول فلسطين ماضيها ومستقبلها. العجيب أن المحتل قتل عديد الشهداء الأبرياء بعلة «انتظار تسليم جثة آخر رهينة» قبل المرور الى المرحلة الثانية من اتفاق السلام! وأخيرا تسلم المحتل جثة رهينته وننتظر فتح معبر رفح والمعابر الأخرى لإنقاذ من تبقى حيا من الغزاويين!

363

| 30 يناير 2026

لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية حسب أشهر الجامعات الأمريكية

تعود مسألة «الإسلام الديمقراطي» إلى صدارة النقاش السياسي والفكري مجددًا وذلك على ضوء التجربة التونسية التي كانت نموذجًا للانتقال الديمقراطي السلمي بعد عقدين من نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي رحمه الله. وفي هذا الصدد حاورت (الجزيرة نت) الأكاديمي (أندرو مارش) الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة (ماساشوستس) ومؤلف كتاب (من أطروحة «الخلافة» إلى مفهوم «الديمقراطية المسلمة) مستعرضا بموضوعية أكاديمية كتب ونظريات الأستاذ راشد الغنوشي بغاية إعادة صياغة العلاقة بين الشريعة والديمقراطية في ظل واقع تعددي. وفي كتابه يناقش (مارش) التحولات الفكرية العميقة التي مرّ بها الغنوشي ليس فقط باعتباره فقيهًا سياسيًّا أو زعيمًا حزبيًّا بل بوصفه مفكرًا حاول إعادة صياغة العلاقة بين الشريعة والديمقراطية أي بين السيادة الإلهية والإرادة الشعبية في ظل واقع اجتماعي وسياسي تعددي ومعقد. ومن خلال حوار مطوّل جمعه بالغنوشي على مدى سنوات تمكّن (مارش) من تتبّع تطور هذه الأفكار وتفكيك التوترات القائمة بين المثال الإسلامي والبراغماتية السياسية. وفي هذا الحوار نستعرض مع (أندرو مارش) كيف بدأت علاقته بأفكار الغنوشي وما الذي جذبه إلى مشروعه الفلسفي والسياسي ثم ننتقل معه إلى تحليل أبعاد التحول من الإسلام السياسي إلى الديمقراطية المسلمة وأسئلة الشرعية والسيادة وصولا إلى مآلات التجربة التونسية السلمية في عالم عربي يزداد انغلاقًا. قال الأستاذ (مارش): «بدأت علاقتي بفكر الشيخ الغنوشي مصادفة عندما كنت أقرأ كتابه المهم «الحريات العامة في الدولة الإسلامية» في سياق بحثي في أصول الفقه والحداثة وبناء التشريع الإسلامي. لكن ما لفت انتباهي حقًّا هو مفهوم «الخلافة الشعبية»، الذي أصبح فيما بعد الفكرة المحورية التي بنيتُ عليها أطروحة كاملة حول تطور هذه الفكرة من التصور الإسلامي الكلاسيكي إلى ما بعد الربيع العربي في 2011 فاكتشفت في فكر الشيخ عمقًا لاهوتيًّا وفلسفيًّا يستحق أن يُدرس جنبًا إلى جنب مع النظريات السياسية الغربية وقررت في سياق عملي على سلسلة ترجمات سياسية مع جامعة (ييل) أن أقترح ترجمة كتاب الحريات العامة إلى الإنجليزية. وهكذا بدأت العلاقة المباشرة مع الشيخ الذي التقيته لاحقًا خلال فترة الانتقال الديمقراطي في تونس. وعندما أعلنت حركة النهضة عام 2016 التخلي رسميًّا عن «الإسلام السياسي» وتبني «الديمقراطية المسلمة»، زرت الشيخ راشد في منزله واقترحت عليه أن نعمل معًا على مشروع فكري مشترك. الهدف كان بسيطًا وواضحًا: أن نجمع كتاباته ومقالاته وأن نخوض حوارًا فلسفيًّا معمقًا حول التحوّلات السياسية والفكرية لأشهر المنظرين الإسلاميين وكيف أعلن أغلبهم نهاية التناقض المزعوم بين الإسلام والحريات العامة. وهناك أيضًا بعد ثقافي ومعرفي لهذا المشروع يتمثلُ في أن نقدّم حوارًا متكافئًا بيني كمفكر سياسي غربي وبين مفكر من الحركة الإسلامية مثل الشيخ الغنوشي. حوار لا ينتهي بكتاب من طرف واحد بل بنقاش حيّ حقيقي وصريح حول أسئلة التعددية والشرعية والسيادة ودور الشريعة في مجتمع ديمقراطي. مع ملاحظتي أن الغنوشي حافظ على هدوئه المعتاد خلال حديثنا حول تداعيات التحالف المعارض له الذي شمل طيفًا واسعًا من الأحزاب العلمانية ومنظمات المجتمع المدني إلى جانب أعضاء من حركة النهضة نفسها. وعلى مدار السنوات الماضية تطوّر فكر الغنوشي السياسي إذ كان في قلب جهود الوساطة بين أحزاب متناحرة أيديولوجيًّا وتولى مؤخرًا رئاسة البرلمان. وأدركت أن أهم ما يميز النظرية السياسية للغنوشي على مدى عقود هو تصوره لدور شعبي نشط ومتفاعل في الحياة الديمقراطية. وعلى عكس النظريات الغربية التي تؤكد على الفصل بين السلطات باعتباره ضمانة ضد الاستبداد، شدّد الغنوشي دائمًا على فضائل الشعب والرأي العام. كما خالف النظريات الإسلامية التقليدية التي تحصر تفسير الشريعة في أيدي الفقهاء في التصدي للاستعمار النصراني فقط دون بذل جهد في استنباط نموذج حي وعملي لمجتمع مسلم يحافظ على شريعته الإسلامية دون رفض الأديان السماوية الأخرى حسب المبدأ القرآني: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (سورة آل عمران). ولا ننسى أن النهضة كانت في الوقت نفسه أكثر الأحزاب شعبية وأشدها إثارة للجدل، وغالبًا ما استُخدمت فزاعةً انتخابية من قبل قوى النظام القديم التي أعادت ترتيب صفوفها بعد الثورة، خصوصًا بعد أهوال الحرب في سوريا. صحيح أن الكثير من أزمات الديمقراطية التونسية كانت ناتجة عن صراعات بين النخب وسعي بعضها للتهرب من المحاسبة على الفساد أو القمع في عهد بن علي، لكن لا يمكن تجاهل أن الانقسام الأيديولوجي متجذر في المجتمع التونسي نفسه رغم غياب الانقسامات الطائفية أو العرقية فيه. لم تكن هناك غالبية ساحقة متفقة على تصور موحد للنظام فيما بعد الثورة يمكن حشده ضد أقلية فاسدة. وإذا كانت المنافسة النخبوية قد عطلت مسار الحكم فإن قدرة هذه النخب واستعدادها لعقد الاتفاقات والتحالفات هو ما حافظ على الديمقراطية التونسية وسلمية الانتقال الديمقراطي بعكس ما وقع في سوريا خلال عهد حافظ ثم بشار الأسد. أبرز مثال على ذلك هو العلاقة الذكية التي نشأت بين الغنوشي والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي مؤسس حزب «نداء تونس» العلماني وأحد رموز النظام السابق الذي استندت حملته الانتخابية في 2014 إلى التخويف من التهديد الإسلامي. وبالرغم من العداء الظاهر فقد تكررت التسويات السياسية بين الخصوم في لحظات الأزمة مما أنقذ تونس من مصير شعوب ثارت على مستبديها لكنها وقعت في فوضى أخطر. وعودة سريعة لتحليل الأستاذ (أندرو مارش) من جامعة (ماساشوستس) الأمريكية الذي قال عن نضج تجربة الأستاذ راشد الغنوشي «إنها شكلت الوعي السياسي والفكري والحضاري قبل عودته إلى تونس سنة 2011 وقبل الاعتراف القانوني بحركة الاتجاه الإسلامي وهي التي شارك هو في تأسيسها سنة 1981 أثناء حكم الوزير الأول محمد مزالي رحمة الله عليه وهو السياسي المؤمن بالحريات للجميع وبأن الحركات الإسلامية ليست متطرفة ما دامت ملتزمة بالعمل الدستوري السلمي وهو الذي أقنع الرئيس بورقيبة بالاعتراف بثلاثة أحزاب مختلفة عن الحزب البورقيبي الأوحد! والمؤسف بعد إبعاد مزالي عن الوزارة الأولى في السابع من نوفمبر 1987 وإجباره على المنفى مع بعض رفاقه المقربين تم الزج بالأستاذ راشد الغنوشي في السجن وكان على قاب قوسين من حكم الإعدام.

324

| 23 يناير 2026

هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟

نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى لتحقيقه مخططون من خارج بلداننا أو من داخلها كما يقع في العديد من دولنا التي تعاني من صراع الإخوة الأعداء وتتذكرون أيها القراء الأعزاء ما صرح به رئيس وزراء إسرائيل في حوار أجرته معه القناة 12 الإسرائيلية حين قال: «نحن نرفض خريطة الشرق الأوسط التي رسمها سايكس عن بريطانيا وبيكوعن فرنسا»، وأضاف: «اليوم لسنا في سنة 1916 واختفت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية وأصبح القطب الأمريكي هو الأوحد والأقوى ومن الطبيعي أن يعيد رسم الخريطة وتحوير الجغرافيا حسب مصالحه وخدمة للنظام العالمي الجديد بشرق أوسط جديد». وفي هذا السياق يقول الكاتب محمد العرب على موقع (الجزيرة نت): «ليست الفوضى التي تضرب العالم العربي اليوم حدثًا طارئًا أو نتيجة أخطائنا العشوائية بل هي حصيلة مشروع طويل الأمد صُمِّم بعناية وتغذّى على هشاشة الداخل قبل أن يُغذّى بتدخل الخارج». وأضاف الكاتب: «حين ننظر إلى الخريطة العربية خلال العقود الأخيرة نكتشف أن ما جرى لم يكن مجرد صراعات قوى أجنبية متفرقة بل مسارًا متكررًا لتفكيك الدول العربية والمسلمة من الداخل وتحويلها من كيانات سيادية إلى ساحات مفتوحة للتجاذب والتجريب». وتساءل: «من المستفيد من أن تبقى الدول العربية ضعيفة متنازعة وممزقة بين الهويات الفرعية؟ من المستفيد من أن تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة صراع دائم بين مختلف الأعراق التي تشكلها؟». وحلل معضلة كل دولة على حدة مبتدئا بالعراق حيث لم يكن الغزو العسكري نهاية القصة بل بدايتها. فبعد إسقاط النظام الجامع بالرغم من كل أخطائه الكارثية وأفدحها احتلال الكويت الشقيقة جرى تفكيك مؤسسات الدولة لا إعادة بنائها فحُلَّ الجيش وتفكك الأمن وفُتحت الأبواب أمام الهويات الطائفية لتملأ الفراغ. وانتهى المحلل الواعي إلى الحقيقة الكبرى حيث أكد أن الهدف لم يكن تغيير نظام فاسد بل إعادة تشكيل وعي مجتمع كامل بحيث يصبح الانقسام هو القاعدة والوحدة استثناءً. وهكذا تحوّل العراق من دولة مركزية قوية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تُدار فيها المعارك بالوكالة. أما في سوريا فلم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا حيث بدأت الأزمة بمطالب سياسية واجتماعية لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية وانقسم المجتمع وتعددت الجبهات وتحوّلت الأرض إلى ساحة اختبار لموازين القوى. فلم تعد القضية فقط من يحكم بل من يملك قرار الحرب والسلم ومن يسيطر على الجغرافيا والموارد وحتى بعد رحيل الطاغية وهزيمة مشروع إيران في سوريا لا يزال هناك من يحاول خلق الفوضى والأزمات! واستعرض الكاتب الحالة في ليبيا التي كانت نموذجًا صارخًا لتحويل الدولة إلى فراغ فسقط النظام لكن الدولة تمزقت إذ تعددت الحكومات وتنازعت الميليشيات وتحوّل النفط من نعمة إلى لعنة! كل طرف خارجي وجد موطئ قدم وكل قوة رأت في الفوضى فرصة للنفوذ والنتيجة أمامكم: بلاد غنية بالموارد لكن فاقدة السيادة! وانتقل محمد العرب إلى تفكيك الحالة اليمنية حيث تتجلى المأساة بأوضح صورها: بلاد ذات تاريخ عميق وهوية متجذرة تمزقه الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية بين انقلابي ومتمرد يضعف الشرعية اليمنية وهنا لا تُستخدم الحرب فقط لإسقاط دولة بل لإعادة تشكيل وعي شعب بأكمله ودفعه إلى صراع طويل يُنهك الجميع بينما تتقاسم القوى المتدخلة الغنائم والنفوذ على حساب الدم اليمني المهدور! أما في فلسطين فتُختبر ذاكرة الأمة يوميًا لأن هناك لا تُقصف الأرض وحدها ولا يقتل البشر فقط بل تُحاصر الحقيقة وتُشوَّه الرواية ويُطلب من الضحية أن تبرر وجودها! فلسطين ليست مجرد أرض محتلة بل اختبار دائم لضمير العالم ومقياس لمدى قابلية البشر للإبادة وسحق الفلسطينيين واغتصاب أرضهم حين يُقدَّم بلغة قانون القوة! وحلل محمد العرب تفكك السودان حيث تتجلى الصورة بأكثر قسوة. فندرك أن السودان دولة ذات عمق تاريخي وإنساني عريق تُستنزف من الداخل عبر صراعات تتفاقم وتُدار بعناية فلم يكن الانقسام صدفة بل جاء نتيجة تراكمات استُثمر فيها التنوع للتقسيم فيتم تفكيك الدولة عبر إنهاك المجتمع حتى يصبح الوطن ساحة صراع لا مشروع حياة مع وجود طرف ميليشياوي انقلابي متمثل في (حميدتي) ومشروعه. وفي الأنموذج الصومالي وهو المثال الأوضح على ما يحدث حين تترك بلاد كاملة خارج معادلة الاهتمام العالمي بشعب أنهكته الحروب وتُرك للفوضى ثم قُدِّم للعالم كنموذج للفشل لا كضحية لتجارب دولية متعاقبة! ومع ذلك ظل الصومالي متمسكًا بكرامته يثبت أن الشعوب لا تموت حتى لو تآمر الجميع على نسيانها. واليوم نحن أمام مؤامرة إسرائيلية للتشطير واستغلال ما يسمى (أرض الصومال) بخيراته وموانئه والتصاقه بأفريقيا والشرق الأوسط! وتعرض المحلل إلى بقية الدول التي لم تنزلق إلى الحرب المباشرة مؤكدا أنها لم تكن بمنأى عن محاولات التفكيك الناعم! لأن الحروب اليوم لا تُخاض فقط بالسلاح بل بالإعلام والاقتصاد وإعادة تشكيل الوعي فتُضخ في مجتمعاتها سرديات تُفرغ الهوية من معناها ويُعاد تعريف الوطنية بوصفها عبئًا والانتماء بوصفه تهمة كما يُصوَّر الاستقرار على أنه استبداد والفوضى على أنها حرية. ويهتدي (محمد العرب) إلى أن المفارقة أنَّ كل هذا التفكيك المبرمج يحدث تحت شعارات براقة: الديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية الأقليات ومكافحة الإرهاب أي شعارات نبيلة في ظاهرها لكنها تُستخدم أحيانًا كأدوات ضغط لا كمبادئ إنسانية خالصة وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين تختلط القيم بالمصالح ويصعب التمييز بين الإصلاح الحقيقي والتفكيك الممنهج! ثم يطرح الكاتب السؤال الأهم وهو: من المستفيد إذًا من تفكيك دولنا؟ الجواب: «المستفيد هو كل من يرى في العالم العربي مجرد مساحة نفوذ وسوق سلاح وممر طاقة وساحة تصفية حسابات والمستفيد هو كل من يخشى قيام دول عربية قوية مستقلة القرار قادرة على إنتاج المعرفة والثروة وهو أيضًا من يجد في الانقسام الداخلي فرصة لتمديد نفوذه بأقل كلفة! ويستخلص المحلل العبرة التي تبعث الأمل في النفوس وهي أن التاريخ يثبت أن الشعوب التي تدرك مكامن الخطر قادرة على استعادة وعيها وأن المعركة الحقيقية اليوم ليست عسكرية فقط بل معركة وعي وإدراك أي حين يفهم المواطن أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج بل أحيانًا من السردية التي تزرع في داخله وعندما يعود هذا الوعي الضروري تبدأ أولى خطوات الخلاص. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء الإنسان وباستعادة معنى الانتماء وبفهم أن الخلاف السياسي لا يعني هدم الوطن فالدول لا تُحطَّم بالقنابل وحدها بل حين يفقد أبناؤها الإيمان بها.

447

| 16 يناير 2026

زلزال فنزويلا

كل أنظار العالم ما تزال متجهة نحو ما سماه الناس «زلزال فنزويلا»، وشعر مليارات البشر في القارات الخمس بصدمات ارتداد الزلزال، وخاضوا في الشرح والتفسير ما بين مبرر ومستنكر وخائف، لأن الحدث جلل رغم أنه يتم للمرة الخامسة، فعام 1989 نزلت كتائب من الجيش الأمريكي واختطفت رئيس بنما من قصره وأخذته الى الولايات المتحدة وحاكمته محكمة أمريكية بالمؤبد ومات في سجنه، والسبب الحقيقي كما أدرك الجميع هو إقدام الرئيس الجنرال (نورياغا) على تأميم قناة بنما وبالتالي حرمان الأسطول الأمريكي المدني من عبورها بلا دفع رسوم. وعام 2003 كما يعلم جميع العرب عندما تعنت صدام حسين رحمه الله ورفض الانسحاب من الكويت التي احتلها في الثاني من أغسطس سنة 1990 واستغرق الاحتلال حوالي أربعة أعوام شكل بعدها صدام حسين حكومة كويتية صورية وأعلن بنفسه قيام «الجمهورية الكويتية»!. واندلعت حرب الخليج بغاية تحرير الكويت وقام في العراق نظام أجنبي برئاسة (بريمر) الى أن تم إلقاء القبض على صدام وتنظيم محاكمته التي انتهت بإعدامه شنقا على أيدي قوى شيعية صباح عيد الأضحى. وعام 2024 نزلت قوة أمريكية الى عاصمة (هايتي) واختطفت رئيس جمهوريتها (أريستيد) وهو نفسه الذي فرضته واشنطن ليحكم عوضا عن سلفه. لكن فنزويلا ليست هايتي ولا بنما وهي أشبه بالعراق اتساعا وثراء أي دولتان غنيتان تحكمان شعبين فقيرين ممزقين شيعا وأعراقا بسبب سوء الإدارة والركون للأمزجة عوض استعمال العقل. ولعل ما يعزز التشابه بينهما هو وجودهما في بؤر توتر تتميز بتدخلات أجنبية من القوى العالمية والإقليمية التي تريد حماية مصالحها أو توسيع رقعة نفوذها مما لا مجال لتعداده في هذا المقال. ونعود الى رئيس فينزويلا (نيكولاس مادورو) الذي قال قبل سويعات من احتجازه خلال احتفال أمام القصر الرئاسي في كاراكاس عندما أدرك اقتراب حدث جلل لم يعرف تفاصيله: «سيكون ثمة سلام واستقرار وعدالة واحترام القانون فأنا رجل سلام وحوار»، وذلك في ختام انتخابات أجريت في أجواء متوترة وتحدثت خلالها المعارضة عن أعمال ترهيب ومخاوف من التزوير وشككت في نزاهتها وشفافيتها. جاء اعترافه متأخرا ولم يجنبه ما وقع على أيدي قوة خارجية لديها أجهزة مخابرات متمكنة وتعتمد بلا شك على أعوانها في الداخل ومن ذوي المناصب العليا في الدولة الفنزويلية تم تجنيدهم من وقت بعيد استعدادا للحظة الانقضاض. وفي منظور التحليل المنطقي فإن من أخطاء الرئيس (مادورو) القاتلة هي تحويل جمهورية بلاده الى «جملكية» أي إنه رشح نفسه للرئاسة للمرة الثالثة في خرق واضح للدستور الذي حدد عدد الترشحات باثنتين لا ثالثة لهما. وهذا كان عامل فوضى وتشتت يحرم معارضيه من إمكانية حكم البلاد وهو حقهم الدستوري غير القابل للتأويل. ونذكر أن المعارضة الفنزويلية السلمية أعلنت فوز مرشحها المنافس للرئيس (مادورو) وهو السياسي المعتدل المعروف (غونزالس أوروتيا) بنسبة 70% من أصوات المقترعين رافضة طبعا الاعتراف بإعلان المجلس «الوطني» الانتخابي عن فوز (نيكولاس مادورو) بولاية ثالثة، مع العلم أن أعضاء المجلس الانتخابي اختارهم (مادورو) وعينهم لمراقبة الانتخابات! وقالت زعيمة المعارضة (ماريا كورينا ماتشادو) في تصريحات للصحفيين «لقد فزنا.. وحصلنا على 70% من الأصوات»، مضيفة «لفنزويلا اليوم رئيس جديد منتخب هو السيد (إدموندو غونزاليس أوروتيا) ولم تنس القوة الأمريكية المحتلة لفنزويلا مواقف مختلفة لعديد الدول من انتخاب رجل يعتبره الرئيس (ترامب) دكتاتورا ومتهما بتجارة المخدرات وبتبييض الأموال الى جانب اختلاس 700 مليون دولار من أموال الشعب الفنزويلي وإيداعها في مصارف جنات ضريبية منها سويسرا. من هذه المواقف اللافتة لنظر واشنطن موقف الصين التي قال المتحدث باسم وزارة خارجيتها السيد (لين جيان) للصحفيين خلال مؤتمر صحفي إن «الصين مستعدة لتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع كاراكاس ورئيسها السيد (مادورو) بما يخدم شعبي البلدين ويعزز التحالف بين الدولتين اقتصاديا وسياسيا». وتوالت ردود فعل الدول بعد الهجوم الأمريكي على كاراكاس واعتقال الرئيس (مادورو) حيث صرح الرئيس الفرنسي (ماكرون) على سبيل المثال قائلا «بأنه لا يمكن فرض حل في فنزويلا من الخارج وأن الشعب وحده من يقرر مصير البلاد» لكنه أضاف: «مع العلم أن الشعب الفنزويلي سعيد بالتخلص من دكتاتور» وهو موقف يمسك العصا من وسطها فيرضي الحليف الأمريكي ويرضي القانون الدولي في نفس الوقت. ومن جهتها دعت جنوب إفريقيا إلى عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي عقب الهجوم الأمريكي على فنزويلا فيما قال الأمين ‌العام للأمم ‌المتحدة: «إنه ⁠سيكون ‌للعملية الأمريكية في فنزويلا تداعيات مقلقة محتملة ⁠على المنطقة بأكملها». كما قالت الصين إنها «تدين بشدة» الضربات الأمريكية على فنزويلا، ودعت روسيا الى إطلاق سراح الرئيس (مادورو) وزوجته في أسرع وقت. ومن الجانب الأمريكي بدأت تنكشف شخصية المتعاون مع المخابرات الأمريكية في أعلى رأس الدولة وهي التي فتحت أبواب القصر الرئاسي في كاراكاس ومكنت كتيبة (دلتا) من تنفيذ المهمة دون خسارة أي من الطائرات أو مقتل جندي واحد. وتبين من خلال تقارير ملاحظين من مختلف الدول أن الجاسوسة التي مثلت على رئيسها دور المخلصة الوفية له ولسلفه (شافيز) بينما هي تعرف جيدا أن الرئيس (مادورو) أقام دكتاتورية عائلية هشة لن تصمد أمام مخططات واشنطن وتعرف أيضا أن بلادها تمتلك أكبر مخزون للنفط في العالم وهو ما يثير طمع قوى عديدة في اقتناص تلك الثروة.

495

| 09 يناير 2026

جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل

أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس العاديين والمسؤولين الكبار وخبراء استشراف المستقبل ولم يعد هذا الموضوع يقال همسا أو بمنطق السخرية أو كأغلب المسلمين بتقبل المؤمن لقضاء الله وقدره مرددين الآية الكريمة: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون» (سورة التوبة) وهذه الحقيقة تحولت يقينا عندما نكون شهودا رغما عنا على حرب أوكرانيا تهز قلب أوروبا وهي «القارة العجوز» التي ظلت في مأمن من الحروب طيلة ثمانين عاما كأنما استخلص أهلها الحكمة من عبث الحروب وفوضى مقتل الملايين بلا سبب وبلا هزيمة أو نصر. والقتال بين أوكرانيا وروسيا الذي يدخل عامه الخامس هو الدليل القاطع الساطع لأنموذج الحرب العبثية كما قال حكماء غربيون بسبب محدودية معرفة رئيس أوكرانيا (وهو في الأصل فنان كوميدي ذاعت شهرته في البرامج الترفيهية للتلفزيون الأوكراني) تقدم للانتخابات الرئاسية وفاز حيث تفاجأ الجميع بفوزه وكان هو نفسه أول المتفاجئين ورغم أن عهدته الرئاسية تنتهي دستوريا سنة 2024 لكن تفاقم الأوضاع وبالنظر الى الأخطار المهددة لشعبه فإنه تشبث بالسلطة ووعد العالم بأن لقاءه مع الرئيس (ترامب) سيحدد مصيره ومصير أوكرانيا لكنه أراد إلحاق بلاده بالاتحاد الأوروبي والظفر بعضوية حلف الناتو وهو يعلم حق العلم أن الرئيس (بوتين) لن يسمح أبدا بأن تنقلب أوكرانيا فجأة من دولة روسية تعتبر قلب روسيا حسب عقيدة (ستالين) الى دولة غربية عدوة تنتصب فيها صواريخ الناتو العدو على حدودها لتهدد سلامة وأمن اتحاد الجمهوريات الروسية! ثم إن تغيير طبيعة العلاقات الدولية جعلت من الزعيمين (ترامب) و(بوتين) حليفين قررا إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية كما يريدان وبما يتناسب مع مصالحهما دون أي اعتبار لدول الاتحاد الأوروبي بل إن جميع اللقاءات الثنائية بين الرجلين تمت دون حضور الأوروبيين بينما ينشط الرئيس الفرنسي (ماكرون) في إقناع رؤساء دول الاتحاد بضرورة الدفاع عن أوكرانيا بل بحتمية تسليحها فاستجاب له أغلب القادة ورصدوا 90 مليار يورو لتمويل المجهود الأوكراني «لتحرير بلاده من المعتدي الروسي!!!» وأتذكر أنا حكماء الغرب الذين بلغ سنهم قرنا كاملا مثل (ناحوم شومسكي) عالم اللسانيات الشهير و(هنري كيسنجر) ثعلب الدبلوماسية الأمريكية وهما يؤمنان أن قدر أوكرانيا هو أن تبقى على الحياد وذلك أسلم وضع لها يخدمها ويخدم السلام ويجنب القارة الأوروبية ويلات الحرب. أما في بقية أنحاء العالم فقد أكد عام 2025 أن التطرف العنصري نفذ جرائم الإبادة الجماعية وأدانته الضمائر الحية ورأينا خروج مظاهرات مليونية من جامعة كولمبيا ومن كل عواصم الغرب تدين الإرهاب الرسمي وتترحم على أرواح 20 ألف طفل وعشرات آلاف النساء وكبار السن والأبرياء غير المسلحين الذين قتلوا بلا وجه حق. أهم ما يبقى في الذاكرة من تلك الكارثة هو أن المعتدي المحتل أصبح عبئا على أقرب حلفائه وطبعا على جيرانه المعتدى عليهم وأعتقد اصبح عبئا على الشعب الإسرائيلي نفسه ودليلنا على هذا هي المظاهرات الكبرى اليومية في تل أبيب وكل مدنهم منادية بوضع حد للحرب وإرجاع الرهائن الى أهاليهم والكف عن العناد والسباق من مرحلة الى مرحلة لمزيد تدمير القطاع والضفة بغاية منع إنشاء دولة فلسطين وهو المطلب الشرعي بضمان الأمم المتحدة المسمى بحل الدولتين. بمثل هذه الممارسات المارقة عن القانون يستمر توسيع رقعة الاستيطان ببناء آلاف المستوطنات وزرعها في قلب أرض فلسطين مثلما فعل الاحتلال عندما أقام جدار العار مقتطعا من أملاك المواطنين الفلسطينيين وأدانته منظمة الأمم المتحدة بل أمر مجلس الأمن بهدمه والمجلس كما تعلمون هو الذي لا اعتراض على قراراته وضرب به المحتل عرض الحائط. وخلال السنة التي نودعها نشطت الدبلوماسية القطرية لأداء رسالة الوساطة السلمية الخيرة وعدم الاكتفاء بالتنديد وتحملت من أجل مواقفها المبدئية قصفا غادرا غير متوقع لمقر اجتماع قيادات فلسطينية التأمت لإعداد رد مناسب على مقترحات أمريكية وإسرائيلية القصد منها إقرار السلام وتوفير الأمن والسعي الجاد لوقف النزيف والتمهيد لحل الدولتين وطي صفحات الماضي الأليمة. وطبعا بجرأة وصدق جاءت عبارات حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى من أعلى منبر الجمعية العمومية للأمم المتحدة تسمي إرهاب الدولة باسمه وتدين المروق عن الشرعية مع استمرار الوساطة بشروط خضوع المحتل للقانون الدولي. وفي سياقات أخرى عاشت شعوب عربية كوارث حروب أهلية مدمرة بسبب التدخلات الأجنبية واستعانة أهل البلاد بقوى معادية للتغلب على الخصوم مثلما يقع اليوم في السودان للعام الرابع بانقسام عبثي بين فصيلين فتح الأبواب للتدخلات الأجنبية المختلفة التي اغتنمت هشاشة اللاعبين السودانيين للتخطيط لاقتسام ثروات السودان الكبرى حين يسقط المتنافسون وتنتهي الحرب لكن بعد مقتل ألاف الضحايا وحصول أضرار بليغة تركت شقوقا في جدار وحدة الشعب ومرافقه وتعليم أجياله وجراحا لن تندمل. ونتمنى للشعب اليمني أن يتفق أهله على حلول عادلة وسلمية تبعد عنه أشباح الانقسامات وعودة الحرب الكارثية التي جربها اليمنيون منذ الستينات حين تدخل زعيم مصر جمال عبد الناصر رحمة الله عليه في شؤون اليمن ضد حكم عريق هو حكم الأئمة (آخرهم بدر وأحمد) ونصب المشير عبد الله السلال على رأس جمهورية لم تلبث أن انهارت وغيرت مسار تاريخ اليمن الحديث. ومن الأحداث المخيفة المؤسفة التي طبعت 2025 تلك المصائب التي نزلت على كل من سوريا ولبنان بسبب المطامع الإسرائيلية وبسبب التركيبة الأثنية والدينية لشعوبهما وهو ما فتح الأبواب مشرعة لعمليات قصف أجنبية بعلة حماية الدروز مثلا وأملنا جميعا أن تنجو سوريا مما يهددها من تقاتل أهلي وكذلك لبنان داعين بالصبر والقوة لرجلين متميزين هما أحمد الشرع وجوزيف عون ليعبرا ببلديهما الى سنة 2026 بسلام.

483

| 02 يناير 2026

 الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك.. لكن شخصًا يستخدمه قد يفعل
الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك.. لكن شخصًا يستخدمه قد يفعل

كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها،...

2700

| 10 يونيو 2026

«لا تغيب فيحضرون»
«لا تغيب فيحضرون»

يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً...

2604

| 09 يونيو 2026

كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟

السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد...

1110

| 07 يونيو 2026

الأسرة قبل القانون.. لكن ماذا لو غاب الوعي؟
الأسرة قبل القانون.. لكن ماذا لو غاب الوعي؟

يعتقد كثيرون أن القانون هو العدو الأول للأسرة،...

813

| 11 يونيو 2026

الإبداع موجود.. فمن يدعمه؟
الإبداع موجود.. فمن يدعمه؟

في كل مرة يُذكر فيها الشباب، تتكرر الأحكام...

762

| 10 يونيو 2026

بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟
بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟

في كل بيت تقريبًا، مشهد متكرر لحوار صامت...

756

| 07 يونيو 2026

رثاء في أخي عبدالعزيز
رثاء في أخي عبدالعزيز

أكثر من ستة أشهرٍ مضت يا أخي وما...

744

| 07 يونيو 2026

لا تُضيعوا الصلاة حتى لا تَضيعوا
لا تُضيعوا الصلاة حتى لا تَضيعوا

لقد أضاع الكثيرون طريق المساجد وأصبح العزوف عن...

699

| 08 يونيو 2026

الوعي بالتكنولوجيا المالية.. ركيزة الاستدامة الاقتصادية
الوعي بالتكنولوجيا المالية.. ركيزة الاستدامة الاقتصادية

لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد قطاع اقتصادي ناشئ...

696

| 10 يونيو 2026

خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية
خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

دائماً ما نجد أنه حين يتحدث الأكاديميون أو...

684

| 09 يونيو 2026

حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم

في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة...

642

| 07 يونيو 2026

طالت وتشمخت!
طالت وتشمخت!

يحمل العالم الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي الكثير...

633

| 07 يونيو 2026

أخبار محلية