رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفك الإيرانيون لغزهم بأفواههم، وبإصرار عجيب وربما مريب أيضا، فلم يعد يمر يوم إلا وتصدر عن المسؤولين والقادة الإيرانيين تصريحات تدفع المتردد إلى التصديق الكامل على وصف الدور الإيراني في المنطقة العربية، بالاحتلال الإيراني أو الصفوي أو الفارسي، وإذ لا يزال العرب في وضع الدهشة مما قاله نائب الرئيس الإيراني السابق محمد علي أبطحي بأنه لولا مساعدة إيران ما تمكنت أمريكا من احتلال العراق وأفغانستان – بما مثل اعترافا يسحب المشروعية عن شعارات العداء لها وقد وصل حد معايرة أمريكا - فيأبى القادة الإيرانيون إلا أن يكشفوا أوراقا بين فترة وأخرى وفي ذات الاتجاه أيضا، وعلى نحو يسود الصفحة أكثر فأكثر. لقد زاد الأمر عن حده، في الأيام الأخيرة، إذ خرج علي شامخاني أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، ليقول: إن إيران هي من أوقفت سقوط دمشق وبغداد وأن وجودها الآن صار هناك عند شاطئ البحر المتوسط وفي مضيق باب المندب، كما خرج مستشار الأمن القومي للرئيس الإيراني، ليقول إن إيران أصبحت اليوم إمبراطورية، كما كانت عبر التاريخ، وأن عاصمتها حاليا هي بغداد، التي وصفها بأنها "مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم، كما في الماضي". وهكذا أخرج المسؤول الإيراني الأول لسانه للعرب وأمنهم القومي، وتحدث بلغة المحتل المهيمن على دول الجناح الشرقي للمنطقة العربية، وبلغة صاحب القوة والقدرة العسكرية التي تتخطى حدود سيادة الدول الأخرى وتصل حد الغطرسة والتهديد بالحرب أيضا، هو تحدث بلغة التدخل العسكري المباشر في أربع من الدول العربية، وعن دور إيران الحاسم في قلب أحداثها، وبتحقيق انتصارات على الشعوب وثوراتها، وبمساندة المستبدين ولو قتلوا مئات الآلاف، وهو أرسل رسالة احتلال للدول والسيطرة على عواصمها، والمواجهة مع شعوبها.أما المسؤول الثاني، فقد أرسل رسائل أشد خطرا، في ذات الأسبوع أيضا، فهو تحدث بلغة الصراع الحضاري والتاريخي بإشارته إلى عودة الإمبراطورية الفارسية الساسانية التي انتهت حقبتها خلال صراعها مع المسلمين في فجر الإسلام وكانت نقطة الصدام هي العراق.. وهو تحدث بلغة الفرس الاستعلائية في صراعهم مع العرب، وأرسل رسالة مثل تلك التي أرسلها القائد الغربي، حين احتلت سوريا، حيث قال: ها قد عدنا يا صلاح الدين، هو تحدث عن الاستيلاء والاحتلال الحضاري حين تحدث عن أن عاصمة الخلافة باتت تحت السيطرة وحين جعل منها عاصمة وهوية للفرس، وحين تحدث عن أن "جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك"، وقد وصل الرجل حدا من الشعور بالقدرة والهيمنة لم يأت به أحد من قبله حيث قال: إن منطقة الشرق الأوسط إيرانية، وأن إيران في معركة مواجهة مع ما سماه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد وأضاف إليها الأكليشيه القديم "الوهابيون والغرب والصهيونية"!فما الذي يدفع إيران لتلك النقلة في العداء والصراع، وما الذي يجعلها تباهي بكونها قوة احتلال حضاري وعسكري؟ هل هو إعلان حرب شاملة من قوة تطورت قدراتها فباتت لا تخشى أحدا، أم أنها تسعى الآن عبر المعارك والتصريحات – كما سعت إسرائيل - لإظهار نفسها بمظهر القوة التي لا تقهر، لتحقيق الردع وإيقاع الهزيمة النفسية بالأغيار العرب؟يبدو الأمر بين هذا وذاك، فإيران قد قويت مرتين، مرة بنمو قدراتها الذاتية ومرة بضعف العرب، ولذا تشعر بأن الطريق بات مفتوحا لتشكيل إمبراطورية قوية – أتت التصريحات لتحدد هويتها الحضارية ومعالم سيطرتها، وهى تدفع الآخرين – في ذات الوقت - وعبر الحرب النفسية للانكسار أمامها والتسليم لها بالقيادة والدور، للتأثير على مصير المعارك الجارية الآن في مواجهتها في سوريا والعراق واليمن.وما يبدو في الأفق أن المنطقة لن تشهد أي نمط من الاستقرار في الفترة القادمة، وأن العرب من تركيا حتى اليمن – ويمكن القول السنة - باتوا محاصرين بين القوة الإمبراطورية الفارسية – الشيعية من الطرف الشرقي مدعومة من الولايات المتحدة، والقوة الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة – أيضا - في الغرب، تبدو تلك الكتلة في مواجهة حربين كلتيهما تجري على أسس حضارية ضمن صراع الحضارات.وفي ذلك يبدو جليا أننا أمام حرب شاملة تعود بالتاريخ والحضارة الإنسانية إلى ما قبل الفتح الإسلامي، وأمام إعلان إيراني بحرب السيطرة على كل الدول العربية من اليمن إلى تركيا، مع إشارات للهيمنة على بقية دول الشرق الأوسط.
1215
| 13 مارس 2015
تحقق انتصار الأمة على "نفسها"عبر وعيها الذي كان مفتقدا أو محصورا في نخب ضيقة ظلت معزولة لسنوات طوال تحت القمع، وبذلك استكملت الشرط اللازم لانتصارها على أعدائها وخصومها، وأصبح تحقيق النصر مسألة تتعلق بالوقت والخطط لا بالإدراك أو بالاستعداد للتضحية وبذل الدماء، ذلك أن أهم معالم الوعي ليس الفهم في حد ذاته، بل رهن النفس لتحقيق الهدف.وكل التجارب التي جرت وتجري مقترنة بكثافة عنف المواجهة وشدة إسالة الدماء، ليست إلا عنوانا لانتصار الأمة على نفسها واكتسابها الوعي على نطاق واسع وحاسم، فالشهداء لم يموتوا في حوادث الطرق بل في معارك الحرية والاستقلال. وما يشوب مرحلة التغيير الراهنة من تقلبات وهزائم وانتصارات وانتكاسات ليس إلا عنوانا لضعف التخطيط بسبب حالة الفعل العفوي الناتج عن حسم الوعي الجمعي وتوسع مساحة النخب المصممة على تحقيق الاستقلال والبناء الديمقراطي والإصرار على النهضة والنهوض، فالنخب الجديدة لا تملك خبرات الصراعات بعد. كما هو وضع طبيعي لمرحلة تعمقت فيها المواجهة وباتت ضارية بقرار من الأطراف القديمة الممسكة بأدوات القمع وآلات القتل، بحكم أنها لم تحقق الانتصار على الشعوب.لقد ترسخ الوعي في وجدان شرائح مهمة في المجتمع، وبات يدفع بموجات تلو موجات من الفعل الثوري، لن تتوقف إلا بتحقيق النصر، مهما كانت التضحيات، وذلك هو معنى تحقق الانتصار على النفس، ومهما تصور البعض أنهم حققوا انتصارات على الثورات عبر كثافة استخدام القمع، أو أن النظم القديمة انتهت إلى نصر وأعادت إنتاج نفسها في صور مزيفة خادعة أخرى، فهم واهمون إذ اكتساب الوعي هو الآخر عملية تطورية موجاتها المستقبلية أشد فتوة ووضوحا ويقينا، وإذا تصور البعض أن وجود نسبة من السكان لا تزال داعمة للديكتاتورية أو متخوفة من المستقبل ورافضة للتغيير، فهو لا يدرك أن الثورات والمقاومات لم تشترط لانتصارها إلا غلبة الداعمين لها على الرافضين والمعادين لها بحكم المصالح –خاصة في دوامة الثورات -أو بسبب الخداع الإعلامي أو الأبعاد النفسية لمكونات الإنسان أو غيرها، وإذ يروج البعض إلى هزيمة الربيع وثورات الحرية، فتلك دعايات من داخل عمليات خوض المعركة وهي تستهدف إخفاء حقيقة أن المعركة باتت محسومة استراتيجيا ضد النظم القديمة، هي دعايات تقدم شواهد على استمرار المعركة وليس العكس.يبدو التقدير السابق مغايرا ومتناقضا مع ما يروج له من انتصار الثورات المضادة، بل هو قد يبدو متصادما مع الظواهر التي نشاهدها ونتابعها، أو متناقضا مع المآسي التي تعيش الأمة فصولها وكأنها حالة بلا نهاية، غير أن القول بانتصار الثورات المضادة استنادا إلى أعمال القمع والقتل والتهجير ليس إلا محاولة لإيصال رسالة عقلية بالاعتماد التي التأثير النفسي الناتج عن هول المواجهة، لإخفاء ما حدث من تغيير جوهري وجذري في الأمة، وهي أقوال تتردد لتحقيق هدف عزل الجمهور العام عن النخب الجديدة التي تبذل التضحيات الجسام لتحقيق انتصار الشعوب. وفي كل، فالمستقبل لا يصبح حقيقة كلية إلا حين يتحقق الانتصار الناجز على الماضي.والحاصل أن بعض العقول لا تزال تائهة ولا تستطيع الإمساك بجوهر الحقيقة، بسبب زخم الأحداث وهول ما ينزف من دماء، بما يدفع دوما –في مراحل معينة من الصراع –لانكفاء الإنسان على نفسه عاطفيا، فيما الأمر يحتاج وعيا ثاقبا مستقبليا مليئا بالإيمان والفهم لطبيعة حركة الشعوب وضراوة ما تواجهه حين تسعى للتغيير، بل إن كل شعوب الدنيا لم تدرك ما تمكنت من تحقيقه –وهي صانعته باندفاع أسطوري -إلا بعد الانتصار النهائي. وكل شعوب العالم احتشدت في طوابير نصر صنعه المضحون بلا تردد، فيما كانت أدوار الواقفين في طوابير النصر،هي الأقل قدرا.حسمت معركة الوعي، وأصبح للوعي جسر عريض من عقول نخب متوسعة مجهولة لا تحظى بالشهرة والسطوة الإعلامية وتلك إحدى المشكلات، وكل الأمم استعادت وعيها عبر نخب ضيقة ظلت مطاردة يشيع اليأس من حولها، إلى أن تهيأت الظروف لإطلاق قطاعات عريضة لتحقق ما أفنى هؤلاء السابقون أعمارهم من أجله، لقد كانت شعوبنا مغيبة وغائبة لا ترى ضرورة لتقديم التضحيات لأجل حريتها أو في مواجهة أعدائها، عشنا كذلك سنوات طوال، وحين هبت رياح الوعي صانع التغيير، تكالب الأعداء ليجعلوا من وعي الناس واستعدادهم للتضحيات مآسي حتى يعودوا إلى حظائر التدجين.تلك هي الضفة الأخرى، التي يجري تغييب رؤيتها عمدا، ففي الضفة الأخرى لا عنوان للهزيمة، بل عنوان لمستقبل تقدم كل التضحيات لأجل صناعته موجة بعد موجة، وهو ماثل أمامنا الآن، بل إن كل عناوين شدة القتل حتى الجنون ليست إلا تأكيدا على أن الشعوب لم تخضع وأن الثورات المضادة لم تنتصر على الشعوب.
931
| 05 مارس 2015
عاد الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، إلى الحكم مجددا بعد تمكنه من الإفلات من أيدي خاطفيه الحوثيين والمغادرة إلى عدن. لقد أبلغ البرلمان بسحب استقالته، وصار يتحرك كرئيس للبلاد، وهو بات يتخذ مواقف مختلفة عما كان يفعل من قبل، بعد أن تحرر من الضغط العسكري الذي كان واقعا عليه هو وقراره. لقد أعلن بوضوح عدم شرعية ما اتخذ من قرارات وإجراءات منذ دخول الحوثيين صنعاء، وأشار إلى ما جرى باعتباره انقلابا، بما يعني إلغاء الكثير من القرارات والاتفاقات التي وقعت تحت تهديد سلاح تلك الميليشيات الطائفية المتوحشة.. وهو ما يتطلب رؤية أخرى جديدة لإدارة الصراع.كان هادي قد وصل للحكم محفوفا برؤية ونظرة تراه مجرد رئيس انتقالي مؤقت يعمل تحت الوصاية الدولية ومجرد منسق لما تتوافق عليه القوى السياسية اليمنية، وحين بدا أن الرجل قد اقترب من إنهاء المرحلة الانتقالية وآخرها إقرار الدستور، جرى الانقلاب عليه واختطافه واتخاذ إجراءات إقصائه من الرئاسة ومن المشهد السياسي في اليمن.ويبدو الأمر مختلفا الآن - بعد أن عاد رئيسا للبلاد - بحكم ما تعرض له من خطف واحتجاز وإكراه واعتداءات جسدية، ولأنه يعود للحكم محفوفا بمساندة شعبية وبتأييد من المتظاهرين في الشوارع وبمواقف القوى السياسية والحراك المجتمعي والقبلي والمناطقي، التي رفضت الانقلاب عليه وضغطت للإفراج عنه ورفضت منح الشرعية للمنقلبين عليه. فكل ذلك يجعل هادي في موقع فترة رئاسة ثانية مختلفة عن الفترة الرئاسية السابقة وفي مواجهة تحديات مختلفة وفي وضع مطالب فيه بقرارات جد مختلفة.فماذا سيفعل الرجل؟هو الآن يواجه تحدي المواجهة مع الحوثيين من موقع مختلف ومقاربة جديدة جد مختلفة، هادي يتعرض الآن لحملة يشنها الحوثيون ضده بادعاء عدم مشروعية وجوده أو بقائه رئيسا، وهم باتوا الآن في وضع التغلغل بطريقة أو أخرى وبهذا القدر أو ذاك داخل مؤسسات الدولة خاصة العسكرية والإعلامية منها. وهو الآن خارج العاصمة التي اضطر للخروج منها هربا من خاطفيه، بما يعني أنه يواجه تحدي إنهاء احتلال الحوثيين للعاصمة، وتحرير بقية طاقمه في الحكم ممثلا في الوزراء ورئيس الوزراء. وهو لم يعد قادرا –حتى لو أراد-أن يظل على نهجه السابق والالتزامات التي كبلته بل بات مطالبا بصياغة طريق جديد يواجه به التحديات المتحققة على الأرض، وينسجم مع أهداف ورؤى القوى الأخرى المتعددة الاتجاهات، التي اصطفت خلفه خلال محنة الأسر والاختطاف. فشباب الثورة الذي انحاز إليه ورفض انقلاب الحوثيين لا شك ينشد مواقف أخرى للرئيس، وكذا حال القبائل التي خاضت معارك عسكرية دفعت فيها الدماء، فهي لاشك ستطلب مواقف أشد قوة من الرئيس، والأمر كذلك من قبل القوى السياسية الحزبية وبعض الرافضين داخل جهاز الدولة للحوثيين وانقلابهم.وفي جانب آخر، فالرئيس اليمني واقع الآن تحت ضغط من القوى الانفصالية الجنوبية ويخوض حالة سياسية صعبة في داخل العاصمة المؤقتة حاليا.فكيف سيتحرك الرئيس هادي؟وسط تلك الظروف المعقدة، تبدو فرص الرئيس أقوى مما كانت عليه من قبل، على عكس ما يتصور الكثيرون.. وإذا كان أخطر ما يواجهه الآن هو حالة الحوثيين بكل ما يمتلكون من عوامل قوة عسكرية وما استطاعوا من السيطرة على بعض مؤسسات للدولة أو ما أضعفوه منها، فالواقع أنهم لم يكسبوا جديدا إذ هم كشفوا ما كان واقعا على الأرض يكبل الرئيس ويضعف مكانته، والآن خسائرهم أكبر. لقد وضعوا الآخرين في اليمن أمام أنفسهم وأظهروا حجم الخطر الطائفي المهدد لهوية اليمن وبقائه، وبذلك حددوا جبهة الحلفاء والأعداء أو هم دفعوا قطاعات واسعة إلى جبهة خصومهم، كما دفعوا الجمهور العام للدخول كطرف واسع التأثير في المعركة ضدهم، باعتبارهم أقلية سكانية وطائفية. وهم دفعوا القبائل والمدن العصية عليهم لاستجماع عوامل القوة والاحتشاد ضدهم، وفي الخلاصة دفعوا الآخرين للتمسك بالرئيس كواجهة شرعية وعلى أرضية المواجهة معهم. لقد تحقق للرئيس هادي ما لم يكن متحققا من قبل. لقد كان حاكما مكبلا بقرارات دولية وهو لم يكن سوى إحدى آليات المرحلة الانتقالية، كما كان واقعا تحت سطوة الباطل دون أن يملك القوة والقدرة لمواجهته، لكنه تحول الآن إلى وضعية الرجل القائد، الذي يملك تفويضا محددا بالمواجهة، تحت عين وبصر من قوى شعبية ومجتمعية، وبالاعتماد عليها.وإذا كان الرئيس هادي سيظل متحركا بين خطى المرحلة الانتقالية – بتوابعها السابقة وضغوطها الدولية – وخط مواجهة الأوضاع المنقلبة وما ترتب عليها، فلا حل أمامه الآن سوى أن يطرح برنامجا وطنيا عاما يقوم على العودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل التحرك والانقلاب العسكري للميليشيات الحوثية الطائفية،لا أن يغرق في لعبة المفاوضات.. وفي ذلك يجب أن يعتمد هادي على مزيج بين الأطر الرسمية والأطر الشعبية.
814
| 27 فبراير 2015
أحدثت الولايات المتحدة نقلة ثورية هائلة في استخدام الصورة والتلاعب بها تلفزيونيا وسينمائيا خلال الإعداد للحروب وفي تغطية وقائعها وتحقيق أهدافها، حتى صارت الحروب ممسرحة أو حالة متلفزة او سينمائية التقديم للمشاهد القابع أمام أجهزة التلفاز –الرأي العام وعموم المجتمعات على اتساعها في مختلف أنحاء العالم وبكل اللغات- لتنقل له رسائل الصدمة والترويع من جهة، وكل رسائل الحرب النفسية من جهة أخرى – بتحويله إلى وضعية المتواجد في أرض المعارك –حتى صار المشاهد في بيته جزءا مكونا من أعمال الحرب. مثل ذلك تطويرا وتوسيعا لمفهوم الحرب ونمطا من أنماط تطوير الجهد لإحداث التغييرات السياسية المستهدفة من الحرب. وكانت بداية انطلاق حالة مسرحة الحروب وتقديمها سينمائيا عبر التلفاز، حين جرى إطلاق قناة السي.إن.إن الأمريكية بالتزامن مع حرب العراق في مطلع التسعينيات، لتكون هي المرة الأولى التي يجري فيها تقديم العمليات الحربية وكأنها ألاعيب نارية – تشبه الاحتفالات - تنقل المتابع إلى قلب أرض المعركة ليرى ما يراد له أن يرى، حيث يرى حربا وقوة نارية ساحقة -بل يمكن القول مبهرة -دون أن يرى أي قتيل أو مصاب. لقد جرى نقل الرسالة الإعلامية (السياسية والنفسية) إلى أوسع قطاع ممكن من السكان لتقديم رسالة خوف من ذاك القادر على القصف والتدمير، دون ترك مسافة نفسية له للوقوف ضد الدمار والقتل، بل جرى السعي لاقتناص الإعجاب من المشاهد بما يرى أمامه.وقد توسع الأمر، وشهد اندفاعة كبرى، بعد ظهور القنوات الفضائية العربية ومع تنامي حالة ارتباط الجمهور بمواقع التواصل الاجتماعي. كما أصبح الإخراج المسرحي والتلفزيوني أكثر دقة وإبهارا إلى حد العمل السينمائي الهوليودي، حتى صار بالإمكان تقديم رواية كاملة التزييف للواقع والحرب، ليشاهد المتابع رسالة إعلامية طاغية على عقله لا يملك معها المقاومة ورفض المتابعة. لقد روى المراسلون خلال حرب احتلال العراق (2003)، كيف أنهم غطوا تلك الحرب من مكاتبهم أو من أماكن بعيدة عن ساحات القتال، إذ كانت الأفلام المصورة معدة من قبل مكاتب الجيش الأمريكي هي ما يصلهم في مقراتهم ليقوموا بنشرها في وسائل الإعلام التي وفدوا منها، دون أن يروا ويتابعوا شيئا في أرض المعارك.وقد ظلت الولايات المتحدة منفردة بتلك الحالة طوال وجود قواتها في العراق وأفغانستان –بما مكنها من تحقيق السطوة الإعلامية الكاملة -وكانت آخر الروايات المخرجة تلفزيونيا أو سينمائيا، هي رواية أو فيلم سجن أبو غريب، التي أعدت بإتقان شديد لترويج رسائل شتى، بعضها كان موجها لإرهاب المقاومة العراقية –رجالا ونساء –وبعضها جاء ضمن محاولة غسل سمعة الجيش الأمريكي مما لحق بها من عار ارتكاب أعمال قتل ممنهجة للمدنيين الآمنين. كانت الولايات المتحدة هي من كشفت الجرائم ونشرت الأفلام والصور، وهي من حولت مرتكبيها للقضاء. وكان لافتا في تلك المرحلة أن أظهرت الجماعات المعادية للولايات المتحدة تعلما واستخداما لنفس الطرق وإن كان بطرق بدائية في البداية بطبيعة الحال، إذ جرى الاكتفاء بالرسائل الصوتية أو المتلفزة التي لا تظهر سوى صورة من يتحدث، وكان أهم ما ظهر في تلك المرحلة رسائل الشيخ أسامة بن لادن وتسجيلات من شاركوا في أحداث 11 سبتمبر..إلخ.لكن الأمور تغيرت بعد انسحاب القوات الأمريكية، إذ صارت عملية إنتاج الأفلام واللقطات حالة يومية لتغطية حالات الاقتتال الداخلي التي جرى نشرها في الإقليم تحت إشراف القوة الأمريكية المحتلة، لنصبح أمام موجة واسعة وفي مناطق متعددة من الحروب الممسرحة والمتلفزة والمخرجة سينمائيا، إذ لم تجر أي عملية من أي نوع إلا وكان الإعلام ناقلها عبر مقاطع فيلمية، اعتمدت هنا على إبراز مشاهد القتل والذبح والدمار، لتوجيه المشاهد ضد مرتكبيها على عكس ما حدث في المرحلة السابقة. فبقدر انتشار وتوسع الحروب الأهلية –ما بعد نهاية الموجة الأولى من الربيع العربي- بقدر ما جرى التوسع في نشر اللقطات التي جاء التطور التكنولوجي للهواتف الجوالة ولكاميرات التصوير ليحدث دفعة هائلة لها. صار الإنسان وكأنه جزء متصل بواقع مجريات الحرب والصراع لحظة بلحظة، وهو ما سمح للمنتج الأكبر والأكثر حرفية، أن يدس أفلامه وسط هذا الخضم ليحقق أهدافه دون أن يضبط متلبسا.أصبح اللافت أن هذا التوسع أو الطوفان من اللقطات والأفلام السينمائية لدى كثير من الدول والجماعات والكيانات، صار مرسوما بدقة الحرب وحرفية السينما، وإن جاء حاملا لرسائل الحرب النفسية وبقدرة هائلة على تغيير مواقف الكتل السكانية والمجتمعات والدول، وفق دورة مفتوحة للنشر تجعل المتابع متأثرا بالتعود فلا يسأل عن مصدر ومكان وجهة إنتاج تلك الأفلام ومدى صدقيتها.وتلك أحد أخطر أدوات الفوضى!.
1740
| 20 فبراير 2015
يبدو السؤال القلق في اليمن، ولدى بعض دول الإقليم أيضا، هو هل يمكن هزيمة انقلاب الحوثيين وإفشال خطتهم للسيطرة على اليمن وتغيير وضعيتها واتجاه حركتها في المعادلات الإقليمية، دون الانزلاق بهذا البلد في أتون حرب أهلية مدمرة.هذا السؤال القلق لا يأتي بسبب هواجس أو مخاوف نفسية أو نظرية تخيلية، بل هو سؤال عملي تتوافر مقومات طرحه على نحو مباشر وحال، بل إن الحرب الأهلية باتت حالة تلوح في الأفق القريب.لقد جرى تحرك الحوثيين بالقوة المسلحة والانقلاب، وفق معادلة تخيير الرئيس والحكم والدولة والقوى السياسية والقبلية والمجتمعية، بين القبول بالحركة الانقلابية العسكرية والاستسلام أمامها دون مقاومة أو رفض، أو مواجهة الحرب بكل أشكالها.وبحكم ما جرى من ضعف وتفكك أجهزة الدولة، وبسبب تغيير التحالفات السياسية والمجتمعية سواء ما حدث بتحالف علي صالح وتمثيله السياسي والقبلي مع الحوثيين أو الحالة الانفصالية في جنوب البلاد فتلك الحرب ليست إلا الحرب الأهلية.وفي الانتقال من الرؤية الكلية، فكل الرؤى والمواقف والوقائع الجارية بشأن اليمن وفي داخله، تدفع جميعها نحو الحرب الأهلية، فضلا عن أن الحوثيين وحركتهم ليسوا سوى مشروع حرب أهلية، بل يمكن القول إن انقلابهم لم يكن سوى بداية اندلاع الحرب الأهلية، وأن تلك الحرب تجري فعليا على أرض الواقع في اليمن، لكن بوتائر بطيئة، وأن السؤال الحقيقي الآن، حول احتمالات تطور تلك الحرب المحسوبة إلى حرب مفتوحة تستمر لسنوات.ثمة قوتان خارجيتان تدفعان نحو الحرب الأهلية. إذ التجربة والمتابعة تظهر الرؤيتين الأمريكية والإيرانية في وضعية الحث والإلحاح على دفع القوى في داخل اليمن نحو الاقتتال، في تكرار لما شهدناه في العراق وسوريا وليبيا وغيرها، وهي وضعية اتفاق وتوافق إستراتيجي بينهما، حيث تستهدف الولايات المتحدة سريان حالة التفكيك والتقسيم، كما هاجس ولعبة الحرب على القاعدة هي إحدى أدوات أو آليات الحركة في دول الإقليم.وعلى الجانب الإيراني، فلا يقوى النفوذ الإيراني داخل الدول على تحقيق الأهداف الإيرانية إلا بامتشاق السلاح باعتبار الوجود الإيراني لا يقوم داخل المجتمعات على مكونات سكانية تمثل الأغلبية بل الأقلية. تلك القوتان حاضرتان في اليمن في إدارة المشهد وتوجيهه. تلك القوتان حاضرتان في إدارة المشهد اليمنى.وعلى الصعيد الداخلي، فقد جرت عملية مخططة لتدمير الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة اليمنية، كما جرت عملية استيلاء على مقدرات الجيش ومؤسسات الدولة، وانتهى الأمر إلى الإطاحة بالرئيس والحكومة وإخراج جميع المؤسسات المنتخبة من وضعية الحكم أو المشاركة في القرار. تلك الحالة هي ذاتها التي جرت في العراق وأن على يد الاحتلال الأمريكي – حين جرى حل جميع مؤسسات الدولة - وهي وضعية تفتح الطريق للتفاعلات والصراعات داخل المجتمع وبين قواه السياسية دون قوة الدولة الحاكمة أو المانعة لخروج تلك التفاعلات إلى مرحلة الاحتراب والاقتتال.وهكذا، فإن حالة الحرب الأهلية تأتي ضمن بنية دور ووجود الحوثيين، وأن مخطط الحرب كان بديلا جاهزا – ويمكن القول جاريا التحضير له- ضمن خطة سيطرة الانقلابيين الحوثيين، إذ رأت إيران – ومن خلفها الولايات المتحدة أيضا- أن المبادرة الخليجية التي قامت على فكرة الحوار والتوافق الوطني ستذهب باليمن نحو بناء سلطة مستقرة وحكم تعددي يستطيع إفشال خطط التقسيم والاحتراب، فحركوا الحوثيين ووفروا الحماية الدبلوماسية والغطاء الإعلامي لهم بهدف قطع الطريق على نجاح تلك المبادرة في اللحظة الأخيرة. واللحظة الأخيرة كانت لحظة إقرار الدستور الناتج عن الحوار الوطني وقد لاحظ الجميع أن لحظة التصعيد بدأت باختطاف مدير مكتب الرئيس حين حمل مسودة الدستور وذهب لتسليمها للرئيس لبدء الدعوة للاستفتاء عليها.رأت إيران أن إنفاذ نتائج الحوار الوطني وإقرار الدستور سيعيد الحوثيين إلى ما كانوا عليه، مجرد مكون داخل أحد أقاليم اليمن مع تسليم سلاحهم للدولة. ورأت أمريكا أن انطلاق الدولة اليمنية على أسس الحوار الوطني سيفقدها خطتها في التفكيك والتقسيم، ويفقد أمريكا وجود قوة قادرة على التحرك العسكري الفوري ضد القاعدة.الآن هل يمكن العودة إلى ما قبل انقلاب الحوثي المدعوم إيرانيا بغطاء أمريكي؟ نعم يمكن. وقد قدم الشباب اليمني والقوى المجتمعية النموذج خلال خلع علي صالح وهم الآن يعيدون اعتماد ذات الإستراتيجية في مواجهة الانقلاب العسكري للحوثيين. الحركة السلمية في الشوارع وحشد قوة المجتمع في مواجهة الدبابة والمدفع.وبقي أمر واحد... تشكيل إطار تنظيمي يجمع كل الرافضين للحرب الأهلية ولانقلاب الحوثيين.
960
| 13 فبراير 2015
تبدو العلاقات الأمريكية الإيرانية واحدة من أعقد وأغرب العلاقات الدولية. ونحن لا نتابع الآن مجرد تغييرات في علاقات البلدين، بل هندسة نظام إقليمي جديد، مختلف كليا عما كان قائما لعقود سبقت. ونحن نتابع عملية تطورية معقدة ستؤدى في نهاية المطاف لإدارة أمريكا للإقليم عبر قوتين إقليميتين (بالوكالة أو الشراكة) هما إيران في جانب، وإسرائيل في جانب آخر، وبينهما كتلة سنية – من اليمن إلى تركيا- واقعة تحت ضغط هائل خلال المرحلة المقبلة. هي علاقات كانت قد استقرت معادلتها من قبل خلال زمن الشاه. كانت إيران الوكيل الأهم للولايات المتحدة في الإقليم، فيما كانت إسرائيل دولة مشروع محاصر تقاتل جيرانها لفرض وجودها واستمرارها، وفي تلك المرحلة كان القاصي والداني يعلم أن إيران هي الوكيل الأكثر فائدة للولايات المتحدة والأقل نفقة أو الذي يمارس دوره المحدد أمريكيا دون خسائر لا مباشرة ولا غير مباشرة. وإذ جرت تغييرات في داخل إيران غيرت من طبيعة الحكم فيها، حدث اضطراب حقيقي في تلك العلاقات. صحيح أن إيران لم تخرج عن دورها الوظيفي – كمخوف لدول الخليج – بل صارت أشد عدوانية في أداء هذا الدور، غير أنها باتت تبحث عن مصالحها الاستعمارية الخاصة في الإقليم الذي عينتها الولايات المتحدة لحراسته، بما دفع الغرب للصراع معها لإعادتها إلى ذات الدور السابق كوكيل للغرب لا شريك.وهكذا جرت حالة الصراع بين "الوكالة" وطلب "الشراكة" والضغط لأجلها إيرانيا.. لقد سعت إيران لامتلاك عوامل القوة في داخلها عبر نظامها السياسي ومجمعها الصناعي العسكري وقامت بتطوير علاقاتها الخارجية باتجاه روسيا والصين والهند ودول في أمريكا اللاتينية وفي إفريقيا، والأهم أنها اندفعت لتسيطر على دول عربية بالقوة المسلحة عبر فيالقها التي تطورت قدراتها العسكرية وسط حواضنها الشعبية عبر دروب متعددة.وقد جاء اندفاعها في محيطها متزامنا مع خلخلة الولايات المتحدة لهذا الإقليم، على قاعدة تسمح لإيران بالتمدد والتوسع. وهكذا انجلت الأوضاع في الإقليم على أوضاع وتوازنات جد مختلفة، فتصورت إيران أنها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق وضعية السيطرة على الإقليم وإدارته لحسابها، فإذا بها تجد نفسها بكل ما فعلت، في مواجهة قرار غربي بعدم السماح بالخروج عن دور الوكيل الذي تحدد لها منذ زمن الشاه، فجرى الصراع بين الطرفين.. ضغطت الولايات المتحدة على إيران عبر إستراتيجيات وخطط محددة وصارعت إيران على حلفاء أمريكا- بأطيافهم المختلفة- للحصول على ما أرادت من سيطرة أو شراكة.. وانتهى الأمر إلى المفاوضات لحل الأزمة بين أحلام إيران والقرار الغربي التاريخي بحدود دورها، بما جعل الشراكة بنسب محددة لإيران حلا للأزمة بينهما.لقد جرى التعاون بين الولايات المتحدة وإيران خلال الحرب على أفغانستان. وقد اعتبرت الولايات المتحدة الدور والجهد الإيراني "مجرد عربون صداقة" ضد عدو مشترك، إذ كان لإيران خطتها في إنهاء وجود طرف إقليمي معاد هو طالبان مع توريط خصمها الأمريكي ليكون بحاجة أعمق لها. وتكرر ذات السيناريو في العراق، فكان الالتقاء والتنسيق أعمق مما جرى في أفغانستان، وهنا تحديدا بات على الولايات المتحدة أن تتعامل مع واقع جديد لإيران، وأمام ضرورات عملية لتغيير الحالة من الوكالة إلى نمط آخر من العلاقات. فحين اندلعت المقاومة العراقية لم تجد الولايات المتحدة أمامها إلا الاعتماد على إيران كمساند لها، تحت المراقبة، حتى لا تتخطى الوكالة إلى السيطرة. وهنا جرت حالة توافق وصراع، إذ استفاد الطرفان من بعضهما البعض لكنهما ظلا مختلفين على حدود الدور وطبيعة المصالح التي تسعى لها إيران والتي تسمح بها الولايات المتحدة. لقد استفادت إيران من الغزو والاحتلال الأمريكي في إطاحة النظام السياسي والعراقي، فيما استفادت أمريكا من الدور الإيراني – الخطير والمدمر- تجاه المقاومة العراقية.وفي ذلك لم يخرج الطرفان، كلاهما، أبداً عن مواجهة العدو المشترك الذي انتقل تدريجيا وتصاعديا من فكرة مواجهة المقاومة إلى فكرة تدمير السنة العرب، وهنا حصلت إيران على أوراق إضافية دفعتها لمزيد من طلب الشراكة لا الوكالة. وهكذا جرت أحداث سوريا، وخلالها أوضحت الولايات المتحدة مدى احترامها لقواعد وكالة إيران، غير أن الأمر تطور بعد ظهور تنظيم الدولة ووقائع وأحداث اليمن إذ أبرزت إيران مدى قدرتها على العمل كشريك في مواجهة القاعدة على الأقل. صار البلدان في حاجة عملية لتنظيم تلك العلاقة الجديدة في مواثيق واتفاقات. وتلك هي حالة المفاوضات الجارية.لقد تغيرت العلاقات بين أمريكا وإيران من الوكالة إلى الشراكة عمليا –بطريقة أو بأخرى- وبدى ضروريا ترويض مواقف الآخرين. وإذا نجح البلدان في الوصول إلى صيغة أكبر من الوكالة وأقل من الشراكة الندية يكون النظام الإقليمي الجديد قد استقر – بجناحيه الإيراني والإسرائيلي تحت قيادة أمريكية- وصارت الكتلة السنية محاصرة وواقعة تحت ضغط هائل.. فهل تتحرك الكتلة السنية نحو بناء شراكة وتحالف مضاد؟
1588
| 06 فبراير 2015
لم ينجح القتل والتدمير والسجن والتعذيب في حسم أي معركة ضد أي شعب مقاوم أو ثائر، ولو كان الترويع قادرا على تطويع أو كسر إرادة الشعوب، لكانت الولايات المتحدة، قد نجحت في إخضاع وكسر إرادة الشعب العراقي أو الأفغاني أو الفيتنامي أو الكوبي..إلخ. لقد أكدت تجارب الحروب والصراعات مدى قدرة القوات العسكرية المعتدية والمحتلة، على إحداث التدمير والقتل والهدم، كما أثبتت تعاظم تلك القدرة على إحداث التدمير بسبب التطوير التكنولوجي للآليات العسكرية –وهذا هو الفارق بين احتلال فيتنام في السبعينيات واحتلال العراق وأفغانستان 2003 –لكن التجارب أثبتت كذلك (وهذا هو الأهم) إن كل هذا القتل والتدمير والتعذيب والخراب والترويع، لم ينجح أبداً في تحقيق الهدف السياسي للمحتل في بقاء الاحتلال وسيطرته، قديما أو بعد كل هذا التطور الحادث في قدرة آلات القتل والتدمير.وإذ ليس هناك من هو أقوى قدرة على البطش والتدمير والتنكيل من الجيش الأمريكي، فقد كان طبيعيا أن تثبت التجارب أيضا، عدم قدرة الأنظمة الديكتاتورية –كما الديكتاتور بينوشيه في شيلي أو القذافي في ليبيا أو بشار في سوريا وأمثالهم في تاريخ العالم –على كسر إرادة الشعوب الثائرة وإخضاعها عبر أعمال القتل والترويع والهدم باستخدام القوة العسكرية.والملاحظة القاطعة الدلالة في هذا الشأن، أن نموذجا مثل الديكتاتور بشار، قد مارس كل أشكال القتل والتدمير والقمع والترويع باستخدام القوة العسكرية، حتى أحدث بسوريا نفس ما أحدثته آلة التدمير الأمريكية في العراق. فهو قصف شعبه بالطائرات الحربية ثابتة الجناح والهليكوبتر والصواريخ بعيدة المدى والدبابات ومدفعية الميدان. هنا تشابهت الوسائل التي استخدمها الديكتاتور مع الوسائل التي استخدمها المحتل الأمريكي وتشابهت النتائج التدميرية، لكن كلا من محتل العراق وديكتاتور سوريا لم يتمكن (كليهما) من إخضاع إرادة أي من الشعبين العراقي أو السوري. لكن ملاحظات هامة ترد هنا. أولها أن بعضا من البلدان لم يتوقف كفاحها عند عدم الركوع، بل هي انتصرت (فيتنام مثلا)، فيما دول أخرى توقفت طويلا عند عدم الركوع (العراق وسوريا مثلا) ولم تتمكن من إحراز النصر الناجز!وذلك ما يطرح التساؤل، عن الأخطر والأشد فتكا بالثورات والمقاومات، من أعمال القتل والهدم والترويع بالقوة العسكرية والأمنية، التي أثبتت التجارب فشلها؟ والإجابة ببساطة، في اعتماد المحتل والديكتاتور لعبة الاختراق الداخلي للجماعات أو الحركات أو الأحزاب المعادية له، ولعبة تعميم وتطوير حالات الانقسام بين القوى المقاومة أو الثورية ودفعها بطرق استخبارية مخططة للدخول في مشاحنات أو اختلافات أو أعمال اقتتال بينها وبعضها أو في مواجهة فئات من الشعب، ولعبة الثورات المضادة وعمليات تشكيل الحكومات العميلة للاحتلال..إلخ.تلك هي الأدوات الأخطر من أعمال الهدم والقتل والترويع والتعذيب. أو دعنا نقول، إن عمليات القتل والهدم والترويع ليست إلا أدوات يجري اعتمادها في المرحلة الأولى من الاحتلال أو الحكم الديكتاتوري، لكن تتلوها مرحلة وخطة ثانية لتفعيل نتائج خطة التدمير والقتل والترويع وتحقيق أهداف اعتمادها.لقد كان شرطا لنجاح المقاومات –ولا يزال-ضد المحتلين، ولنجاح الثورات ضد النظم الديكتاتورية –ولا يزال-أن تتجمع وتحتشد قوى المقاومة أو قوى الثورة، وأن لا تعيش حالة من الانقسامات والاختلاف الذي يصل بها لحالات الاقتتال.والأمر هنا لا يتعلق بأن الانقسام والتفتت يعرقل فقط، حشد الجهود، في مواجهة الديكتاتور أو الاحتلال، بل إن تلك الحالات من الانقسام والتشرذم والاقتتال، إنما تشوه الثورة والمقاومة أمام الشعب. وهذا هو بيت القصيد النهائي في لعبة نجاح أي احتلال وأي نظام ديكتاتوري.تلك هي النقطة الجوهرية. فكل خطط العدوان في أصلها تستهدف الوصول إلى تلك الحالة تحديدا. فالمقاومة حين لا تحظى بإجماع واحتضان شعبي تفقد صفة المقاومة التي أصلها فعل شعبي ومن داخل حركة الشعب وفي حالة تواصل مع الشعب وارتباط يومي به وليست تعبيرا عن حركة النخب أو أفكارهم فقط. وتلك هي النقطة الجوهرية في حالات ثورات الربيع العربي، إذ الهدف دوما من كل أعمال الثورات المضادة وأعمال التعطيل لحكومات الثورات ونشر الشائعات والتشويه وإدخال الأحزاب والقوى السياسية في الاختلاف والاقتتال أو طرح غرائب الأفكار والإتيان بغرائب الأعمال. الهدف هو عزل الناس عن الثورة أو المقاومة.. وهذا هو الأخطر من الترويع والقتل.
580
| 30 يناير 2015
يشتعل في منطقتنا صراع حربي، يتلوه صراع حربي جديد، إذ كل صراع حربي صار بمثابة فتيل إشعال لصراع حربي آخر، حتى وصلت الأمور إلى حد الاشتعال الكامل والدائم، وهو ما أنتج حالة معقدة من حروب الخطوط والمواقع المتداخلة التي تربك العقول وتثير حالة شاملة قاسية من الفوضى، تؤثر على فهم ما يجري وتحديد المواقف منه.هي حالة تحدث حين تندلع وتتطاول الحروب والصراعات داخل أكثر من بلد في ذات المنطقة، وحين تجري تلك الحروب بمشاركة أطراف عديدة خارجية دولية وإقليمية متضاربة المصالح والاستراتيجيات والأهداف. ما يجري في طول البلاد الأمة وعرضها يظهر أمام الناس وكأنه حالة فوضى عارمة، يصعب فهمها بحكم أننا تعودنا على أن الحروب تجري واضحة المعالم بين طرفين، فيما الحروب جارية الآن بين عشرات الأطراف المشتبكة في بلاد متعددة ووفق أهداف مختلفة وبمقاييس متضاربة للمواقف. وفي مثل تلك الحالة (الراهنة) يجري الانغماس في الحروب والصراعات دون تفكير في الاستراتيجيات العليا إذ تغيب الرؤى الكلية، بحكم أن الصراعات تجري على أسس قبلية وجهوية وحزبية وعلى طريقة أن الرشاش والمدفع يجب أن يصوب على شيء محدد يرى بالعين أو المنظار. وخلالها يكتشف كل طرف أنه حين يمارس العنف أو القتال فهو واقع في تماس أو تقاطع مصالح، مع قوى أخرى هو يرفضها أو يبغضها أو يراها عدوة له، وهو ما يزيد من حالة تشويش المشهد.لقد كان العرب في مواجهة حالة صراع واحدة في الستينيات (القضية الفلسطينية)، فدخلت الأمة في صراع حربي آخر مع إيران (الحرب العراقية الإيرانية)، ولم يمر وقت حتى جرى خلاف صراعي حربي في داخلها بعد غزو العراق للكويت. كانت تلك بداية مرحلة انهيار حالة المواقف الواضحة الموحدة والمحددة، وبعدها استهدفت الولايات المتحدة المنطقة لتفجر سلسلة من الحروب بإعلانها الحرب على الإرهاب وغزو أفغانستان والعراق (وانفجرت معها باكستان بحروب داخلية) وقبل أن تصل الحروب السابقة إلى أي نتائج حاسمة، انفجر الربيع العربي وتحركت الثورات المضادة له في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، فأعيد انقسام المواقف بين القوى والأحزاب والجماعات في داخل الدول العربية وعلى الصعيد الرسمي، واختلفت وتضاربت المواقف الإقليمية وصار من يأخذ موقفا في الصراع الحربي الجاري في دولة ما، يتخذ موقفا آخر مختلف أو متناقض في الصراع الجاري في دول أخرى. فإيران التي تقتل الشعب والربيع في سوريا والعراق، تعلن وقوفها مع الحركة الجارية في البحرين وتدعم الحوثيين تحت شعارات دعم الثورة والربيع اليمنى. ودول الخليج التي وقفت بقوة مع الربيع الليبي والسوري في بدايته، وقف بعضها في الموقع المضاد في مصر وفي تونس، وعادت ذات الدول لتغير موقفها من نتائج وتطور حالة الربيع في ليبيا -ويمكن القول في سوريا أيضاً –وهو أربك وشوش المشهد وأحدث انقساما وتضاربا بين تلك الدول.واختلطت الأوراق وتداخلت المواقع على نحو أشد وأخطر بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الذي غير مواقف دول في الحالتين السورية والعراقية، وغير سياساتها الداخلية ضد قوى إسلامية أخرى كانت محل رعاية ودعم في السابق، كما جلب ظهوره مخاوف أو تدخلات عسكرية من قبل دول في الإقليم وأخرى من أوروبا إلى كندا إلى أستراليا، وقبلهما الولايات المتحدة بطبيعة الحال..إلخ.الآن يجد المتابع للحرب في اليمن أن الحوثيين صاروا حلفاء لعلي عبد الله صالح الذي قاتلهم لست حروب، وهناك تجد الولايات المتحدة وإيران في موقع واحد، وتجد أبناء اليمن قد غير قطاع منهم وجهة نظره وصار ينظر للقاعدة كعنوان لإنقاذهم مذهبيا، وهكذا اختلطت الأوراق بعد أن صارت الأقلية الحوثية هي الحاكم بقوة السلاح، وبعد أن صنعت تماسا مع دول ترفض دور الإخوان أو السلفيين في اليمن وأخرى رأت في الحوثيين فرس رهان في الحرب على القاعدة، وبين هذا وذاك صارت القبائل تحمل السلاح لتدافع عن نفسها، كما الجنوب أصبح مصبا ومهبا لرياح لم تتحول بعد إلى عاصفة. وفي سوريا تجري أعقد الحروب المتداخلة وأشدها تشوشا، فتجد الأمريكي والروسي والإيراني والخليجي والمصري والأوروبي في وضع التغيير للتكتيكات والتحالفات حتى اقترب بعضهم من حالة التخلي عن الثوار والميل لإبقاء النظام، وتجد القوى الثورية الفاعلة على الأرض متناثرة التنظيمات والاتجاهات وبعضها في حالات اقتتال مع أخرى، وتجد تنظيم الدولة يخوض حربا ضد الخارج وحرب ضد ثوار الداخل وبينهم التنظيم الأصلي (القاعدة)، كما تجد معركة أخرى جارية على أساس انفصالي، كما هو حال الأكراد، فلا يواجهها إلا تنظيم الدولة والنظام أيضا.في مثل تلك الأوضاع بديهي أن تسمع أن القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية، صناعة أمريكية تارة وتركية تارة وإيرانية تارة ثالثة، وتجد أن انقلاب الحوثيين في اليمن جاء لمصلحة تنظيم القاعدة –الذي حصل على مشروعية جديدة-وتجد أمريكا وإيران أقرب إلى بعضهما البعض في العراق واليمن وفي وضع الخلاف في سوريا، وتجد حركة حماس تراجع موقفها من إيران (حيث الموقف العربي مخجل) وتجد المقاومة العراقية في وضع لا تعلن فيها رفضها أو قتالها ضد تنظيم الدولة –بحكم الاستهداف الأمريكي والإيراني للجميع- وتجد حزب نصر الله يعمل للتهدئة في لبنان مع ذات القوى التي يقاتلها في سورية. وهكذا اختلطت الأوراق في الإقليم وتداخلت الحروب والمواقع والمواقف.
1292
| 23 يناير 2015
جسد رئيس الوزراء الفرنسي السابق، دومينيك دوفلبان، صوت العقل والإدراك بحقيقة مصالح القارة الأوروبية والمخاطر التي تتهددها داخليا وإقليميا ودوليا، حين حمل السياسة الرسمية الغربية- التي وصفها بالغطرسة والتقلب-مسؤولية ما يجري في الدول العربية والإسلامية المشتعلة بالعنف والدمار حاليا. وكان لافتا وصف المسؤول الفرنسي السابق –وهو من رفع الفيتو في وجه أمريكا خلال غزو العراق- قرار الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، تشكيل تحالف دولي لمحاربة "داعش" بـ"الخطير والسخيف"، كما بدا الرجل حكيما إذ أشار إلى أن هذا القرار سيضاعف ما وصفه بالبؤر الإرهابية، وحين طالب أوروبا والولايات المتحدة بالتعلم من تجربة الحرب (العدوان)على أفغانستان والعراق.ولم يكتف دوفلبان بالضغط على مسؤولية الحروب العدوانية الغربية –الاعتداءات المباشرة-بل هو شدد على خطر خطط ما بعد العدوان حين تناول دعم الغرب (الديمقراطي) للحكومات الطائفية، مشيراً إلى ما قدم من دعم غربي لحكم المالكي في العراق.لقد جاءت كلمات الرجل وكأنها لحظة استعادة العقل في أوروبا، كما بدت وكأنها صرخة ما قبل الغرق، إذ تحدث بلغة الرفض القاطع لإشعال أي حرب جديدة محذرا من أن المنطقة تعاني الإرهاب وتشهد "أزمات هوية"، بما يجعل شن حروب عدوانية جديدة بمثابة "صب للزيت على النار"، بل هو اعتبر أن خوض حروب جديدة بمثابة تقديم خدمات لما وصفه بالجماعات الإرهابية من حيث لا تتوقع، إذ قال: "نحن بهذه الحرب نخوض مخاطرة توحيد العديد من الجماعات الإرهابية ضدنا ونقدم لهم خدمات لم يكونوا يتوقعوها". وفي سياق انتقاده للسياسات الغربية القائمة على شن حروب جديدة، قال دوفلبان: "كل حرب سنخوضها –وقد أشار إلى حرب قادمة ضد ليبيا -علينا أن نخوض أخرى لمعالجة عجزنا وعدم كفاءتنا في الرد على التهديدات الإرهابية..إلخ. هذا التقييم للسياسات الغربية بالغ الأهمية وهو يمثل رؤية مدققة للأخطاء والهاوية الإستراتيجية التي تقود الولايات المتحدة أوروبا للوقوع فيها بهدف إضعافها داخليا وخارجيا.فبعيدا عن أن كلام الرجل ينصف الرؤية العربية والإسلامية التي حملت الولايات المتحدة وأوروبا، مسؤولية ما وصلت إليه دول المنطقة، وذاك العداء المتصاعد من العرب والمسلمين ورد الفعل العكسي والمضاد، فكلمات الرجل تتطلب طرح مخاطر الارتدادات المحتومة لتلك الحروب العدوانية على المجتمعات الأوروبية "الأصلية" ذاتها من داخلها هي لا من قبل المهاجرين، إذ خوض الغرب لتلك الحروب العدائية على أرض العرب والمسلمين جاء مقرونا ومرتبطا بدوران عجلة الحملات الإعلامية والسياسية المبرمجة في داخل أوروبا لكسب دعم الرأي العام ومساندته، وهو ما أسهم في تصاعد المد العنصري والنازي داخل المجتمعات الغربية "الأصلية" ضد العرب والمسلمين في داخل أوروبا على خلفية العداء لمجتمعاتهم الأصلية.هذا التغيير بات يهدد أوروبا ذاتها بالاندفاع نحو حالة وخطر الانقسام والاحتراب الداخلي بين نخبها القديمة والنخب النازية والفاشية المتوحشة من جهة –وقد بات مهددا حقيقيا -وبين الأوروبيين عموما والمهاجرين من جهة أخرى (وفي أوروبا نحو 45 مليون مسلم). ولذا يبدو كلام دوفلبان بحاجة إلى استكمال، وإلى رؤية في اتجاه آخر من التفكير. كلام دوفلبان يتطلب طرح تساؤلات إستراتيجية عميقة، حول من يقف خلف ما يجري وما إذا كان مستهدفا إثارة التفكيك والاضطراب دول أوروبا وفي معالم قوتها على الخريطة الدولية –وهي الآن في اشتباك مع روسيا أيضاً عبر أوكرانيا-أو أن هناك من دخل على خط الأحداث وتداعياتها،لإنتاج وتفعيل آليات لتفكيك للمجتمعات الأوروبية ذاتها.هذا المعنى يبدو واضحا إدراكه من قبل النخب الألمانية، إذ شاركت المستشارة الألمانية والرئيس ونخبة من الوزراء في مظاهرة للمسلمين تحت عنوان توحيد المجتمع. ميركل وكثير من النخب الأوروبية باتوا في وضع الإدراك بأن هناك من يسعى لركوب موجة العداء للمسلمين والإسلاميين بهدف إدخال أوروبا في وضع إرباك داخلي شامل، عبر الدفع بالمسلمين نحو ردود فعل دموية –تحت ضغط القهر والإذلال- وتغذية التطرف لدى التيارات العنصرية والفاشية والنازية من جهة أخرى، وتلك دورة جهنمية لا تقل خطرا عن الحروب الأهلية أو الطائفية المصممة أمريكيا للمنطقة العربية –الإسلامية. وهنا تأتي أهمية وصف دوفلبان للدور الأمريكي بالخطير والسخيف،غير أن الأمر بحاجة إلى وضوح وشمول، إذ إستراتيجية الولايات المتحدة لا تقوم على حرب خصومها بل أيضاً على إضعاف حلفائها أيضا، وحين تشعل أمريكا الشرق الأوسط، فأول من سيكون في المواجهة وتحت الضغط هو أوروبا.
1214
| 16 يناير 2015
يكذبون.. يتمنعون.. يناورون.. يخادعون.. قل ما شئت في توصيف ما يجري الآن ضد ليبيا في أروقة الدول الغربية وربما الإقليمية أيضا. ذلك أن الحقيقة المؤكدة، أن كل التصريحات والزيارات والمؤتمرات الصحفية والاجتماعات ليست إلا ألاعيب تمهيدية وعملية مخططة لتشكيل غطاء مزيف،لإنفاذ قرار قد اتخذ بالتدخل العسكري الغربي في ليبيا، بقيادة فرنسا تحديدا، لكن وفق ذات الصيغة التي اعتمدت في تدخلها العسكري في مالي وإفريقيا الوسطى، أي تحت غطاء من الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وفي الحالة الليبية تضاف الجامعة العربية في المقدمة.كل ما نراه ونسمعه ليس إلا تكرارا لألاعيب خداع الرأي العام وعمليات التهيئة السياسية والدبلوماسية والإعلامية والنفسية، لإظهار التدخل العسكري وكأنه تلبية لمطلب قدمه الشعب الليبي، وليس إلا مناورات واتصالات وألاعيب تجري بين الدول الطامعة في ثروة ليبيا للوصول إلى اتفاق واضح فيما بينهم بشأن اقتسام الغنيمة قبل إنفاذ قرار القصف، وتحديدا بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة! ويمكن القول بأننا نشهد محاولة ترتيب عمليات التدخل والأوضاع التالية للقصف بين الدول الغربية، ودول جوار ليبيا.نحن أمام نفس السيناريو الذي رأيناه كثيرا، نقل الملف للجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، والادعاء بأن طلب التدخل لن يوجه إلا للأشقاء العرب –والكل يعلم أن الجامعة العربية لا تملك القوة ولا القدرة ولا ترغب وهي ليست إلا مؤسسة ملحقة بدوائر القرار الغربي والإقليمي ومثلها الاتحاد الإفريقي-ومن بعد يجري نقل الملف إلى القرار الدولي في مجلس الأمن أو تجري عملية مخططة لـ"زحلقة" القرار – وهذا هو المتوقع أكثر- بادعاء الحاجة لقرار عاجل مستعجل بالتدخل تحت عنوان "حادث كبير يجري في ليبيا" أو في جوارها ويتهم الثوار الليبيين بالمسؤولية عنه. وربما تجد فرنسا في عملية قتل الصحفيين والشرطة الفرنسية، مبررا يمكن استخدامه لتبرير التدخل، في تكرار لما جرى عقب أحداث 11 سبتمبر 2001.والحاصل،إن جماعة برلمان طبرق، ومن يدعمها أو يساندها أو يقف وراءها أو من تمثله على صعيد المصالح الدولية والإقليمية في داخل ليبيا، قد انتهوا، إلى تقدير بأن العمليات العسكرية لحفتر-وفق هذا النمط من التدخل الخفي للخارج - لم يعد بإمكانها تحقيق أهدافهم الانقلابية على الثورة وأن كفة ميزان الصراع باتت تميل بشكل متصاعد ويوما بعد يوم، لمصلحة الثوار، وأنه لا حل ممكن لتحقيق أهداف الثورة المضادة إلا بتدخل عسكري خارجي مباشر يغير التوازنات على الأرض.لذا بدأ برلمان طبرق وحكومته إدارة خططهم وفق هذا القرار، فجرت عملية كاريكاتورية رقى بها اللواء خليفة حفتر في رتبته العسكرية وأصبح من بعد قائدا لجيشهم، في إشارة إلى استعداد أعلى للتعاون مع الغزو والاحتلال القادم بسبب طبيعة الصلات والعلاقات الدولية لحفتر، خاصة مع الولايات المتحدة. وفي الاتجاه الآخر بدأ هؤلاء حملة علاقات عامة سياسية ودبلوماسية وإعلامية، فكانت الزيارة للجامعة العربية واجتماع المندوبين –في جلسة طارئة-والتصريحات التي خرج بها رئيس برلمان طبرق ليطلقها عن قبول تدخل الأشقاء ورفض التدخل الخارجي أو الغربي. تلك النغمة سبقتها فرنسا بإطلاق تصريحات من وزير دفاعها وحلفائها في دول الساحل والصحراء، حول الإرهابيين في ليبيا وضرورة التدخل العسكري الأممي والإفريقي باعتبار الأوضاع في ليبيا تهدد الاستقرار في داخل دول الجوار، وذهب الرئيس الفرنسي في اتجاه محدد بطريقة مخططة – وإن كانت مكشوفة للمتابعين-حين تحدث عن استبعاد الحل العسكري وضرورة الحوار السياسي، وكما هو معلوم فإن استبعاد التدخل أمر يفتح الباب له، إذ الرئيس الفرنسي لم يتحدث عن رفض التدخل بل استبعاده، بما يفتح الطريق للتدخل عبر استخدام "سلاح الوقت" الذي يجعل ما هو مستبعد، ضروريا في وقت لاحق.وهكذا فالأمور تشي باتخاذ قرار التدخل، وما يجري هو عملية إعداد وتهيئة سياسية وإعلامية، متوازية مع الترتيبات العسكرية المطلوبة لتحقيق هذا التدخل. ولاشك أن هناك من هو في وضع التردد، من أن يأتي التدخل بنتيجة معاكسة تماما لما خطط له من أهداف.
1151
| 09 يناير 2015
تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسيط لتبادل الشتم والسباب وبأقذع الألفاظ، فتغيرت صفتها من مواقع للتواصل إلى وسيلة لتخريب العلاقات داخل المجتمعات العربية، قيما وتماسكا وسلوكا وتربية وأخلاقا، لقد أصبح الإنسان الفرد معرضا بصفة يومية لكمية هائلة من الألفاظ الخارجة والجارحة التي لا تترك جزءا من الجسد أو القيم إلا وانتهكته. ولمن لا يعلم، فالمواقع الإخبارية والسياسية والصفحات وهوامش التعليق على المقالات والتصريحات والتدوينات صارت تشهد سبا وشتما وصل إلى درجة يصعب التغاضي عنها أو النظر إليها كحالة عابرة لما تخلفه من جروح غائرة وعادات رزيلة تغير النفوس والقيم وتثير أسوأ أشكال وأنواع الكراهية وتذهب عقول الشباب عن الاهتمام بالحوار واستخدام العقل والارتقاء وتدفع بهم إلى مستنقعات لا أول لها ولا آخر.وفي متابعة تلك الظاهرة الكريهة، يجد المتابع قصدا "سياسيا مع سبق الإصرار والترصد" في الوصول بالحوارات والنقاشات والآراء بين الناس إلى تلك الحالة، فهناك من يستهدف هدم صورة الشخصيات العامة والقادة، عبر ما يسمى بكسر الهيبة الشخصية وتشويه الصورة العامة –كما جرى الحال مع أول رئيس مصري منتخب بعد ثورة يناير – ومن يسعى لمنع الشخصيات القيادية الفكرية والسياسية والثقافية الرائدة في مجالاتها، من تقديم المساهمات المتميزة، حتى لا تتعرض لتلك الحالة من السباب ودفعها للنأي بنفسها عن الانزلاق في هذا المستنقع، وهناك من يعمل ليل نهار لتثبيت حالة الانقسام داخل المجتمعات لضمان استمرار جمهوره العام إلى جانبه أو في صفه، عبر السب لجلب السب المقابل من الطرف الآخر، وتلك أول أبجديات دفع الجمهور العام للاقتتال في الحروب الأهلية، ويبدو أن هناك من يستهدف التدني إلى هذا المستوى لإفشال محاولات أعمال العقل، فيما يجري من أحداث ووقائع وصراعات سياسية كبرى، إذ الحوار يمكن أن يؤثر على العقول، فيما السباب يمنع التواصل من الأساس ويجعله مخاطرة شخصية ونفسية، ويشكل دافعا مسبقا للدخول إلى تلك المواقع بقصد المهاترة والسباب. والمتابع جيدا يلحظ أن الشتائم والسب ليست حالات شخصية للتنفيس عن غضب غير منضبط أو حتى لممارسة أفعال ترتبط بسوء الخلق -وتعبير عن حالة جبن نفسي إذ يجري ممارسة السب تحت الشعور بعدم وجود حساب وعقاب -بل يجدها أعمال سب ذات طابع سياسي وطائفي ومذهبي وديني وجهوي وقبلي بل يجري تبادل السباب باسم شعب ضد شعب آخر، وهو ما يوجب رفع الاهتمام بأبعاد تلك الظاهرة، التي يجد البعض أنها محاولة مقصودة لإفساد الحريات التي وفرتها تلك المواقع وتقليل الاستفادة من درجة العلم والثقافة التي أتاحتها ولعبة خبيثة للتأكيد على عدم استحقاق الناس للحرية التي تتيحها، كما هي محاولة لإضعاف الاهتمام بالمواقع التي تطرح أفكارا وثقافة عامة أو دراسات ذات طابع رصين، ودفع للناس للانغماس والإقبال على تلك المساحات لمتابعة وصلات السب المتبادل. وقبل هذا وبعده، هي حالة ضمن حالات التجهيل للجمهور العامة، ومن يتابع أجهزة الإعلام فسيجد طوفانا من الخرافات والخزعبلات التي تنشر ويروج للاهتمام بها، لصرف الناس عن متابعة قضاياهم الحقيقية.تلك الحالة باتت تستفحل بين المشاركين فيها، حتى صرنا نشهد انغماس أناس لا يقبل منهم هذا الانجرار لمثل هذا السلوك، والوقوع في تلك الممارسات تحت دعوى الرد على الآخرين، أو تحت دعوى أن عدم الرد قد يكسب الآخرين قوة ومصداقية، بل يجب الإدراك بسوء النتائج على الجمهور العام، وأن الرد بالمثل - أيا كانت الأفكار حول أسباب تلك المشاركة- لا يحقق سوى تمكين الأطراف التي تقصد الذهاب بالجمهور العام إلى تلك الحالة عبر توسيعها وتعميمها وجعلها لغة سائدة. والبديل هو اعتماد الطرق "المحترمة" والأكثر فائدة في الرد على تلك الحالة القصدية، بما يحقق درء الفتن، وتفويت الفرصة على عملية قصدية تستهدف النمط القيمي السائد وتعمل على إكساب المواطنين عادات سوقية تفتح الطرق أمام الساعين لإلهاب المشاعر وتشكيل مظلات الأحقاد النفسية..إلخ.قد يتطلب الأمر شن حملات إعلامية لفضح الأهداف الحقيقية خلف إشاعة تلك الحالة المزرية، وقد يكون الأكثر فائدة في المواجهة هو التأكيد على الخلق وأدب الحوار مع أمثال هؤلاء، وفي كل الأحوال فإن عدم الرد: هو أبلغ رد.
1370
| 02 يناير 2015
انتهت الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية إلى عودة الحزب والنخبة التي ثار عليها الشعب من قبل، ويبدو المشهد وكأن ما تحقق لا يزيد على نجاح الإطاحة برأس النظام القديم، وتسليم الحكم إلى وجه جديد من ذات التعبير السياسي والاجتماعي للنظام القديم.غير أن الأمور ليست كذلك، ولا تحتاج إلى تلك الحالة من الغضب وربما اليأس الذي يجري التعامل به في كثير من الكتابات والبرامج الحوارية.لقد اختار الشعب التونسي الأفضل له ولتونس وتجربتها الثورية في تلك الأجواء الماطرة بالغم والهموم والانقلابات الإقليمية والدولية، ولو كانت قوى الثورة هي من وصلت للحكم الآن وسيطرت، لكانت تجربة الثورة ذاتها قد أصبحت تحت تهديد الفشل الحقيقي الذي يعرقلها لعشرات السنين.ولإدراك تلك الحقيقة ليس علينا إلا معرفة نقيض ما حدث، فنحن لا نعرف الأشياء بالعين أو العقل أو النفس إلا برؤية نقيضها.فلو فاز المعبرون عن الثورة في ظل ما خربه النظام السابق ووسط الأوضاع الإقليمية الراهنة وعنوانها غياب دولة كبرى داعمة للثورة مع وفرة في الدول المعادية لها، ولو فازوا في ظل هذه الأوضاع الدولية وعنوانها صراع ضار على الدول الصغرى وموقف موحد ضد الثورات، لكانت النتائج وخيمة على المجتمع والثورة، بل يمكن القول بأن وصول الثوار الآن، لم يكن له من نتيجة إلا الانقلاب عليهم وشدة اختلال المجتمع وتحول تونس إلى ما وصلت إليه غيرها من الدول، وهي دولة يحاصر وجودها بالأحداث الجسام في ليبيا والتجربة المأساوية- العشرية السوداء- التي عاشتها الجزائر خلال تجربتها السابقة في التحول الديمقراطي. وإذا تصور البعض أن سلمية الانتقال والتنقل في حركة الثورة التونسية، كانت دافعا يمكن استثماره، فذلك ليس إلا خيالا، ولو رأت النخب المسيطرة – ومن يناصرها في الإقليم والغرب - أن الأمور ستنقلب إلى ثورة سياسية واجتماعية شاملة تطيح بالنفوذ الغربي، لتحول الأمر إلى ما تحولت إليه ثورات دول الربيع الأخرى.وقد شهدنا ملمحا كانت تجب قراءته بتدقيق، إذ صار الرئيس الليبرالي – المرشح لولاية ثانية - متهم جمهوره بالتطرف والإرهاب، وجمهوره المقصود هو جمهور حركة النهضة التي تحركت ضدها ذات الاتهامات.تونس باختصار لا تستطيع قدراتها كدولة ومجتمع وجغرافيا، أن تمنحها القوة للوقوف وحدها في المواجهة في ظل التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة.هنا لا نحكم بما نحب أو نرغب أو نكره، نحن نحكم على موازين القوى الفعلية على الأرض. والآن يمكن القول بأن تونس حققت ما يمكن تحقيقه – وهو ليس المأمول بالطبع، إذ تراجعت ثورتها خطوات للوراء، لكنها لم تنكسر– ودخلت في وضعية يمكن البناء عليها خلال المرحلة القادمة، أو يمكن القول بأن تونس خرجت بعودة سيطرة النخب القديمة مع بقاء قوة الثورة (القوة الفعلية) على قدرتها، وهي، لاشك، تعلمت دروسا يمكن الارتكاز عليها لتطوير حركة التغيير إلى نمط أعلى في الفترة المقبلة، شرط أن تتوفر الإرادة والفهم لما هو جارٍ ومتابعة التغييرات الإقليمية والدولية بدقة.وأول تلك الدروس هو أن التحول الديمقراطي لا يزال متوقفا قطاره في المحطة التي يمكن أن تنقله إلى ديمقراطية حقيقية، ديمقراطية تسمح بحكم الإسلاميين. وأن الحكومات العربية والإقليمية الرافضة لحكم الإسلاميين لا تزال على درجة من القوة والتأثير، بما يتطلب تنسيقات ورؤى للتغيير في الإقليم، إذ الإشكالية الحقيقية للربيع العربي أنه لم يكن شاملا لكل الدول، بما أتاح لقوى رفض التغيير ممارسة التأثير في الدول التي شهدت التغيير. وأن الحكم على القوى السياسية ليس بتلك الشعارات البراقة التي ترفعها، فقد انكشفت وجوه كان البعض يتصور أنها لا تساوم على الديمقراطية أبداً حتى لو أتت بمخالفيهم.ظهر أن كثيرا من تلك القوى والوجوه تتحدث عن ديمقراطية تقصي الإسلاميين لا ديمقراطية تعددية وتنافسية حقيقية. وظهر أن هؤلاء مستعدون للتعاون مع الفاسدين ورجال الغرب إذا كانت نتيجة اللعبة الديمقراطية وصول الإسلاميين للحكم، أو إذا وصل للحكم من يقبل التحالف معهم من القوى الليبرالية أو الوطنية الأخرى، فالعداء للإسلاميين والإسلام أعلى عندهم من القيمة الإيجابية للديمقراطية.وقد ظهر للجميع أن معركة الديمقراطية لا يمكن فصلها عن معركة الاستقلال الوطني، وأن خصم القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية هو الغرب المتعاونين معه وليس عملاؤه في الداخل فقط.
1366
| 26 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...
1047
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...
999
| 07 يناير 2026
يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب...
744
| 05 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
597
| 08 يناير 2026
مع مطلع عام 2026، لا نحتاج إلى وعود...
546
| 06 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
546
| 09 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
525
| 11 يناير 2026
كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي...
501
| 05 يناير 2026
بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى...
456
| 06 يناير 2026
وصلتني صورتان؛ تختلفان في المكان، لكنهما تتفقان في...
432
| 06 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
405
| 09 يناير 2026
مساحة إعلانية