رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

العراق.. انتصاران وثلاث معارك جارية!

وسط دوامة التعتيم والإرباك والتشويش الجارية حول ما جرى ويجري في العراق، فالأصل أن العراق حقق انتصارين كبيرين هما بالضبط ما حققهما الشعب الفيتنامي ليتحرر، لكنه يخوض الآن ثلاث معارك كبرى في وقت واحد. وتلك الحالة هي ما تتيح لأجهزة الدعاية والحرب النفسية أن تنتج حالة التشويش على الانتصارات التي تحققت من قبل، وأن تربك مشهد المعارك الجارية. لقد حقق العراق انتصارا كبيرا على قوات الاحتلال الأمريكية، وهو انتصار لم ينتج عنه جلاء القوات الأمريكية من الأراضي العراقية فقط، بل الأهم أن تلك القوات قد تعرضت لهزيمة وإنهاك وإجهاد، جعلت الولايات المتحدة تعيد التفكير في قدرتها التي كانت متصورة على خوض حرب ضد المقاومة خلال الاحتلال العسكري المباشر على الأرض. ولذا هي تقف الآن غير قادرة على ممارسة الحرب البرية، فيما هو جاري اليوم على أرض العراق، حتى يمكن القول بأن عقدة العراق التي جاءت تالية لعقدة فيتنام –وفي نفس اتجاه عدم القدرة على ممارسة الاحتلال المباشر -قد غيرت الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي، خاصة وقد تكرر الأمر في أفغانستان، إذ تعرضت تلك القوات لهزيمة قاسية أدت لرحيل القسم الأكبر منها، فيما طالبان لا تزال تواصل قتالها بخطوات ثابتة على أرض بلادها.وحقق العراق انتصارا ثانيا، حين وجه الضربة القاضية لسلطة وحكم المالكي وجيشه. لم يكن نظام المالكي وجيشه إلا نظاما سياسيا شكله الاحتلال وجيش دربته وسلحته القوات الأمريكية، إذ لم يترك الجيش الأمريكي العراق لأهله ليقرروا مصيرهم بعد الانسحاب، بل شكل نظام حكم –وفق نفس خطة الجلاء عن فيتنام – ليتواصل الصراع بعد الانسحاب. لقد حقق أهل العراق نفس ما حققته المقاومة الفيتنامية، حين أنهت وأسقطت السلطة التي تركها الاحتلال بعد انسحابه، ولولا دخول إيران على خط الحرب والاحتلال بكل قوتها، لكان العراق قد تحرر من الاحتلال ومن السلطة التي تركها بعد سحب قواته، فما رأينا ظواهر مثل داعش أو الحشد الطائفي..إلخ.حقق العراق انتصارين كبيرين –هما بالدقة ما حققهما الشعب الأفغاني-غير أنه يخوض اليوم ثلاث معارك دفعة واحدة. أولاها، معركة في مواجهة الاحتلال الإيراني، الذي صار بديلا للاحتلال الأمريكي، وتلك هي حقيقة المعركة الجارية الآن على الأرض العراقية.هي حرب تحرير وطنية في مواجهة الاحتلال الإيراني.وثانيها معركة في مواجهة مخطط التقسيم، إذ إن أخطر ما تركه الاحتلال الأمريكي ليس الاحتلال الإيراني فحسب، بل فعل التلاقي بين خطتي الاحتلال الأمريكي والإيراني، على تقسيم العراق. لقد شكل الاحتلال الأمريكي خلال وجوده العسكري نمط الحكم في العراق قام على أساس المحاصصة الطائفية والجهوية، والانقسام والتفتيت الداخلي عبر زرع مقولات المناطق المتنازع عليها، ثم جاءت إيران –بحكم طبيعة خطتها الطائفية- لتشعل نيران الحرب الطائفية بما فعل أعمال التقسيم والتفكك ووسع أعمال هدم الأطر المجتمعية.وثالثها حرب ضد الإرهاب، فالعراق لاشك في ذلك، واقع في مستنقع من الإرهاب الميلشياوي الطائفي على تعدد مصادره وأسماء تنظيماته في مختلف مناطق العراق.تلك المعارك الثلاث هي ما يشكل الحالة العراقية الآن، وهي ما يشوش المشهد أيضا، إذ المعارك تجري في ثلاثة اتجاهات في وقت واحد، بما يربك المشهد أمام المتابع، خاصة وهي، كلها، معارك ذات طبيعة إستراتيجية تتخطى العراق حدودا وشعبا وترتبط وتتفاعل مع ما يجري في الإقليم.وتحت ضغط تشويش المشهد وتداخل الوقائع والأحداث، قد يبدو لبعض المتابعين أن العراق ماض إلى معارك لا نهاية لها، وأن العراق ضاع وسط هذا التطاول الزمني للمعارك، وذاك التداخل المعقد بين الأطراف المشتبكة في الخارج والداخل، لكن من يتابع المعارك الجارية في العراق وفي الإقليم يدرك أن العكس هو الصحيح وأن العراق يسير الآن نحو تغيير التوازنات القائمة بما يفتح الطريق لتحقيق انتصارات في معاركه الثلاث.فرغم تعدد المعارك، وما تثيره من اضطراب وقسوة وما تحدثه من ضغوط جد قاسية ومروعة على المجتمع العراقي، فقد تحقق للعراق الآن أهم أسباب النصر، إذ انكشفت إيران كدولة محتلة وصار الصراع العسكري يجري مع ميلشياتها بشكل مباشر في عموم الإقليم-تحت غطاء مواجهة النفوذ الإيراني-كما تعرضت وتتعرض قوتها المليشياوية على أرض العراق لوضع إنهاك خطير –ولا تزال- فضلا عن ضياع هيبة نظام حكم الاحتلال القائم وتفكك عوامل التواصل بين مكوناته. وفي مثل هذا الوضوح لطبيعة الصراع، فإن الظواهر الإرهابية لن تبقى طويلا، فالحرب مع إيران ستعيد ترميم الحالة الوطنية العراقية اليوم أو غدا.الأمر ليس سهلا بطبيعة الحال،غير أن توحد المعارك في فكرة المواجهة مع الاحتلال الإيراني تغير أوضاع المعركة، وتجعل الانتصار ممكنا في ظل الهزائم التي يمنى بها حلفاء إيران على الأرض العربية.

529

| 05 يونيو 2015

الرمادي والروهينجيا.. وبينهما تدمر !

تمر الطوابير، من بشر يزحفون.. خائفين.. مروعين.. منهكين.. مشوشين، من الرمادي إلى بغداد.. فيطلب منهم الحاكم الطائفي وميليشيات القتل، أن يكتبوا أوراقا ليحددوا من يتحمل مسؤوليتهم الأمنية، قبل أن يدخلوا عاصمة بلادهم.. وقد كانوا يذهبون ويعودون منها وإليها في كل يوم. تمر الطوابير من العجزة والأطفال والنساء والرجال وكأنهم ماضون في زمن النكبة الفلسطينية.. وكأنهم يتحركون من حدود دولة إلى حدود أخرى. تمر طوابير المأساة، فيما العالم صامت، فلا يرى إلا ما تريه له أمريكا وإيران: داعش وحدها في المشهد العالمي تسد الأعين، فلا ترى الإنسانية المظالم والمآسي. داعش وحدها ما يفكرون فيه، فيما الميليشيات الإيرانية تقتل وتذبح ليل نهار.وتمر سفن الموت المؤجل، المبحرة على غير هدى،لا يدفعها إلا الخوف– تنزلق على المياه وهي مشفقة على من تحمل-إذ تعلق بها هاربون من جحيم القتل والإبادة والحرق أحياء في وطنهم الذي يتحول اسمه بين ميامار وبورما دون أن تتغير مأساة من بداخله. تتحرك السفن والقوارب بأبناء الروهينجيا المسلمون فتوصد أبواب دخولهم للدول، إذ يدير العالم ظهره للسفن ومن عليها حتى ليلقوا مصرعهم، فلا يجدوا منقذا لهم إلا صيادي الأسماك الذين انخلعت قلوبهم بفطرة الإنسان، لهول ما يرون من نساء وأطفال وكبار السن يصارعون موتا في المياه وقد هربوا من موت على البر.وبين المشهدين ثالث آثار الدنيا وأوقف العالم على قدم وساق. مدينة تدمر الأثرية التي سقطت في أيدي داعش، فيا ويلتاه على تراث الإنسانية الذي سيهدر.. اهتموا بالتراث وتركوا الحاضر.. تركوا الإنسان الحي الخائف المروع. اهتموا بالآثار – ولا ضير في ذلك بل هو واجب - لكنهم لم يهتموا بمن صنعوا الآثار ومن يعيشون إلى جوارها. لم يستطيعوا العدل والإنصاف في الاهتمام والحركة والفزع بين الإنسان الحي وآثاره، فهم حريصون على آثارنا القديمة لما قبل الإسلام، أكثر من حرصهم على حياتنا كمسلمين. لم يظهر بعض من مثل هذا الفزع والمساجد تدمر والأقصى يحرق ويقتحم ويهدد بالهدم.تلك معالم الإنسانية الآن أو تلك ملامح ضميرها. وهذا حالنا نحن. نحن في نظرهم أقل أهمية من أثر. إذ الأثر مهم، لا جدال ولا مراء في ذلك، فتراث الإنسان هو ما بقي من الإنسان، لكن بقاء الإنسان عندهم، أقل أهمية من آثار أسلافه !وتلك المشاهد كاشفة على نفاق السياسة الدولية واستمرار خضوعها للغة القوة لا للغة الحفاظ على الحياة، وحرصها على احتلال الأرض لا الحفاظ على من يعيش عليها.في الرمادي اختزل أمر الأنبار في داعش، وفي الأرض لا البشر. لم يلق بالا إلى مشاهد تعيد الإنسانية إلى طوابير أسرى الحرب العالمية الثانية تحت سياط النازيين والفاشيين ومحارقهم. تباحث الأمريكي والإيراني ومن يتبعهما أو يعمل لأجلهما على أرض العراق، حول قتل وإجلاء داعش ليستحوذوا على الأرض، دون ذكر أو اهتمام بطوابير واقفة على حواجز رفض الدخول والإذلال، على يد من حولوا مداخل بغداد إلى أسوار، يدخل منها الإيراني والميلشياوي محاطا بهالات العظمة ويرفض دخول العراقي إليها، وهي عاصمته.وفي مأساة الروهينجيا، اختصر الأمر في البحث عن صحة أو عدم صحة قيام صيادي الأسماك بإنقاذ ونقل من واجهوا الموت، دون التفات لصانعي الموت والقتل والحرق ضد هؤلاء الفارين المروعين، لم يتحرك العالم الحر لا في مواجهة القتلة المجرمين ولو بمجرد توجيه الاتهام لهم "وهم أجرموا ما فاق ما فعله الخمير الحمر"، الذين قلبت أمريكا أوضاع العالم رأسا على عقب بسببه. وهناك في نيويورك ظل حضرة الأمين العام للأمم المتحدة، ممسكا بسيف الأسى والقلق ولم يزد عليه ما يوحي حتى بالغضب.أما في حالة تدمر، فلولا أن فهم البعض أن الأسد ترك تدمر لكي يعود للحديث باللغة التي يعرفها الغرب، لغة الأثر باعتباره أهم من البشر.. ولولا أن قادة داعش لم يبدأوا من فورهم في هدم الآثار، لكانت قوات الأطلسي قد هرعت ومعها قوات روسيا والصين لحماية الأثر. فالأثر أهم من البشر إن كانوا مسلمين.لكنا نحن أو بعضنا هو من أخطأ. نحن الذين دفعنا أنفسنا لكل هذا الهوان. وما لم نخرج من تلك الحالة.. سنظل في طوابير الإذلال نخرج من طابور في بلد إلى طابور في بلد آخر!

274

| 29 مايو 2015

إستراتيجية أمريكا..."الأصدقاء الأعداء" المزدوجة!

كان الدرس العراقي والأفغاني مروعا في تأثيراته على القدرات الأمريكية، أكثر مما تصور العرب، حتى يمكن القول إنه غير الرؤية الإمبراطورية للولايات المتحدة، ودفعها إلى تعامل إستراتيجي مختلف مع وجودها ودورها في قضايا الشرق الأوسط. لقد قررت الولايات المتحدة اعتماد إستراتيجية جديدة تقوم على إبقاء قواتها بعيدة عن الخطر- إذ لم يعد بقدرتها التعرض إلى حالة استنزاف خطرة في الوقت الراهن-وقررت أن تترك أو تدفع الآخرين لعدائهم مع بعضهم البعض، استنفاذا لقدراتهم وللوصول إلى موازنة صراع القوة، دون أن لا يضر ذلك بالمصالح الأمريكية. وتقوم الرؤية الراهنة على أن تدير الولايات المتحدة ما يجري من صراعات بين الآخرين، عبر المناورات الدبلوماسية وإمدادات السلاح والأعمال الاستخبارية والقصف من الجو إن تطلب الأمر ذلك، بشرط أن يكون القصف محل إجماع وعبر تحالف وتوافقات تشمل كل الأطراف الرئيسية وإن كانت متصارعة.تحركت الولايات المتحدة عبر مختلف الأدوات لتنسج علاقات مختلفة في الإقليم، فحولت أعداءها إلى موقع صداقتها وشراكتها ونقلت من كانوا في موقع التحالف معها إلى موقع الصداقة والشراكة، دون أن تغلق الطريق- بل ربما وسعته - ليدخل هؤلاء وأولئك في صراعات واقتتال، حتى صار المتقاتلون في موقع التعامل أو الصداقة معها، إذ هي استهدفت المحافظة على مصالحها مع كل الأطراف.قررت الولايات المتحدة الانتقال من سياسة "الركائز المزدوجة" ومن سياسة "الاحتواء المزدوج" –كما جرى الحال بين إيران والعراق من قبل- إلى سياسة أو إستراتيجية "الأصدقاء الأعداء المزدوجة" (حسب وصف روبرت ساتلوف-المدير التنفيذي لمعهد واشنطن)، وخلالها تحول حلفاء واشنطن العرب السابقون (في الخليج) إلى مجرد أصدقاء أو شركاء يجري التعاون معهم حسب طبيعة كل ملف على حدة، كما تحول خصومها وأعداؤها السابقون (إيران) إلى أصدقاء وشركاء حسب كل ملف على حدة أيضا، فيما تؤدي هي دور الطرف القائم على فرض التوازن الحساس والدقيق بين هذه المتناقضات وتلك القوى المتصارعة بعمق، للحفاظ على مصالحها لدى كل الأطراف!هذا هو ملخص الرؤية الإستراتيجية الأمريكية الحالية، وهذا هو جوهر إدارة أوباما لأزمة تراجع الولايات المتحدة في العالم، وهذا هو ما يفسر مواقفها من البرنامج النووي الإيراني ومن بشار الأسد وفي الحرب الجارية في العراق وبشأن عاصفة الحزم في اليمن..إلخ.لا تنتظروا أمريكا، ولا تعولوا عليها في حل الملفات ولا في التصدي لإيران ولا في إسقاط بشار..إلخ... فالولايات المتحدة في موقع الصداقة والشراكة مع إيران، وفي موقع الصداقة والشراكة مع الخليج – حسب كل ملف على حدة -وهي تتعاطى مع كل الأزمات والصراعات والحروب لتحقيق مصالحها على حساب الجميع، بما في ذلك المعركة ضد تنظيم الدولة، إذ ترى ما يجري عملية مناسبة لتحقيق إنهاك كل الأطراف – ولذا قالت منذ البداية وبوضوح ستستمر الحرب على تنظيم الدولة عدة سنوات- وهي ترى أن وجود بشار الأسد واستمرار الاقتتال في سوريا، هو ما يحقق لها التأثير على إيران وروسيا من جهة وعلى العرب وتركيا من جهة أخرى. وهي في الحالة اليمنية لم تكن مع انطلاق العاصفة وهي تعمل الآن لأجل أن لا يجري ولوج حرب شاملة تضعها هي في موضع الخيار الحاد والحاسم، ولذا تتحدث عن المفاوضات وبلغة إنسانية وتعمل لأجل إبقاء المعركة محتجزة، وفي الأغلب هي من يقف دافعا لبعض الأطراف العربية للحديث عن ضرورة إشراك علي عبد الله صالح في حكم اليمن مجددا!هل أدركنا أبعاد تلك السياسة أو الإستراتيجية الأمريكية؟ يبدو في الأمر بعض مهم من ذلك. وقد حمل تحرك عاصفة الحزم ملامح من التعامل الإستراتيجي مع هذا التغير، من خلال السير نحو حالة الاعتماد على الذات، كما حمل التحرك نحو صياغة ونسج تحالفات واسعة مع دول الإقليم لسد الثغرات المفتوحة التي تتسرب منها المناورات الأمريكية، ملمح آخر بالغ الأهمية، غير أن المشوار لا يزال طويلا. وقد يكون المطلوب أن نتحول نحو حركة مستقلة أخرى لحسم أسرع للمشكلات التي تفت في عضد القوة العربية وأن يجري التصدي للبعض الذي يعمل لإطالة أمد النزاعات الداخلية. وقد يكون ضروريا الضغط على إسرائيل كركيزة للولايات المتحدة في الإقليم!

676

| 22 مايو 2015

هل انتهت الحرب العالمية الثانية؟!

ما تزال الحرب العالمية الثانية ممسكة بكل شيء في الإدارة السياسية لعالم اليوم، رغم مرور نحو 70 عاما على انتهائها بإعلان الحلفاء تحقيق النصر على دول المحور، وانعقاد مؤتمر يالطة لتقسيم العالم بين المنتصرين.لا نقصد استمرار تأثيرات الحرب فقط، بل تحيزاتها وتحالفاتها أيضا. ويمكن القول إن الخلاصة الجديدة الأهم في خبرات الدول التي تحاربت أو ارتكبت أكبر مذبحة في تاريخ البشرية، هو أن قررت ألا تتقاتل مباشرة بجيوشها مع بعضها البعض، وأن يجري التقاتل والصراع على مناطق النفوذ التي كانت أهم أسباب اندلاع الحرب، عبر وكلاء لكل منها على أرض الغير، أو بين جيوشها والدول الصغرى. ذاك هو الجديد الذي أصبح قاعدة أساس في العلاقات والصراعات بين الدول الكبرى منذ نهاية الحرب عند منتصف أربعينيات القرن وحتى الآن... بل هو ما يلخص تاريخ العالم من تلك الحرب الواسعة إلى كل تلك الحروب المجزاة البعيدة عن حدود وجيوش ومدنيي الدول الكبرى، وفي ذلك جرت الحروب في الشرق الأوسط وآسيا وحرب الانقلابات والحروب الداخلية في إفريقيا. كما التهمت روسيا أفغانستان وأجزاء من جورجيا وأوكرانيا، والتهمت الولايات المتحدة العراق وأفغانستان والتهمت فرنسا العديد من دول إفريقيا..إلخ.لم يذهب الزمن بتحيزات الحرب وتحالفاتها، بل السنوات تعيد إنتاجها. فالغرب الذي ظهر كغرب في الحرب العالمية – وهو لم يكن على هذا النحو قبل الحربين الأولى والثانية- ظل على حاله في ممارسة الاستعمار وفي المواجهة مع الآخرين على هذا النحو ولم يتغير تحالفاته القديمة. والصين وروسيا إذا كانتا الأقرب إلى بعضهما البعض خلال الحرب العالمية وما تلاها في الحرب الكورية بعد سنوات قليلة، عادا إلى تحالفهما بعد مرحلة من تراجع العلاقات واختلال التحالفات.الآن تمثل روسيا والصين عمود محور التحالف الآخر في العالم.واليابان التي قصفت نوويا واحتلت أمريكيا ما تزال على تحالفها مع الولايات المتحدة والغرب ولم تستطع الفكاك مما فرض عليها رغم ما حققته من طفرة اقتصادية وتكنولوجية وعلمية، بل إن بعض الساسة اليابانيين يعمقون نتائج الحرب على صعيد العلاقات مع أمريكا والغرب أو على صعيد العداء مع الصين وروسيا على خلفية احتلال جزر أو الهيمنة عليها خلال الحرب.لقد تغيرت بعض الامور،كما حالة توحيد ألمانيا،غير أن ما فرضته الحرب الثانية عليها ظل قائما كعنوان دائم ومستمر، إذ لا تزال ألمانيا -وإن قويت وعادت دولة محورية في أوروبا –شبه محتلة عسكريا وواقعه تحت الحماية الأمريكية.وروسيا عادت إلى حالتها السابقة كدولة تطلب نفوذا ودورا عالميا،وكأن ما حدث خلال وبعد نهاية الحرب الباردة من ضعف وتفكك وخفوت في دورها الدولي كان مرحلة طارئة وانتهت، لتعود لاحتلال مكانتها التي احتلتها بعد الحرب الثانية.وأوروبا الشرقية التي كانت قد تخلصت بعد الحرب الباردة، من سيطرة الشيوعيين السوفيت عليها خلال الحرب، عاد الكثير منها إلى نمط من الاقتراب والتحالف مع روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي وبعضها أعيد بالقوة المسلحة. ومجلس الأمن الذي كان وليدا لتلك الحرب،هو والأمم المتحدة التي تشكلت بديلا لعصبة الأمم -التى كانت عنوانا للحرب العالمية الأولى-ما يزال على حاله، فإذ أصبحت الدول الكبرى المنتصرة في الحرب صاحبة فيتو على بعضها في داخل مجلس الأمن فالحال كذلك دون تغيير. وإذ تجرى إرهاصات هنا أو هناك حول ضرورة إدخال دول كبرى جديدة للمجلس،فلا تقدم يحدث بسبب ثأرات الحرب. حيث لا مكان لليابان بسبب فيتو صيني..إلخ.ما تزال الحرب العالمية ممسكة بخناق العالم إذن.. وكأن البشرية قد اعتمدت وبشكل نهائئ، حالة استخدام القوة والقتل أساسا لتغيير التوازنات وتحديد معالم السيطرة على القرار الدولي، وأن ما تفرزه الحرب لا دور للدبلوماسية ولا الاقتصاد في تغييره.فهل تستمر الأمور على هذا النحو؟ وهل تسقط البشرية في جريمة ارتكاب مذبحة بشرية أشد إجرامية لكي تتخلص من نتائج وأحكام الحرب العالمية الثانية،أم أن ثمة طريق آخر؟الإجابة لدى طرف واحد في العالم.. لدى الولايات المتحدة، إذ تتعلق كل الأمور ببقائها وبقوتها وضعفها وباستمرارها كحالة قوة إمبراطورية.

527

| 15 مايو 2015

النسخة الإيرانية .. من صناعة الإرهاب

لم يجر تدخل أو تكثيف للنفوذ والدور الإيراني في أي من الدول العربية والإسلامية، إلا واستهدف نشر التشيع في أوساط السنة دون غيرهم.ولم يجر نشر التشيع أو تغيير حالة التشيع العربي إلى النمط الإيراني-الفارسي (ولاية الفقيه)، إلا وجاء مرتبطا "باستيراد" مواطنين عرب وإعادتهم إلى دولهم في صورة ميلشيات طائفية مسلحة سرعان ما تدخل في اقتتال مع السنة باعتبارهم العدو– في العراق قاتلت الميلشيات في صف الاحتلال ضد المقاومة العراقية بوصفها سنية - إلى درجة يمكن القول معها، إن إيران اعتمدت في تحقيق هيمنتها في الإقليم، على بناء مفاعلات إنتاج الطاقة النووية، وعلى تشكيل معامل عقائدية وإستراتيجية لتصنيع حركات الإرهاب الطائفي التي لعبت الدور الأخطر في اختراق المجتمعات والدول، ودفعها لأتون الحروب الأهلية والطائفية. وتظهر تطورات المرحلة الأخيرة، أن إيران وجدت نفسها بغير حاجة لإكمال مشوارها لإنتاج سلاحها النووي باعتبارها أنجزت بالنووي الميلشياوي، أضعاف ما كانت تستهدف تحقيقه باستخدام الأسلحة النووية، التي هي أعلى كلفة اقتصاديا وسياسيا.لقد اعتمدت إيران فكرة تغيير العقائد بالحوار على أرضها – في معامل غسيل العقول وبناء شبكات المصالح والتدريب العسكري والاستراتيجي- وعلى تغيير التوازنات لمصلحتها مع دول المحيط باستخدام القوة لهدم قدرات الدول، عبر تلك الميلشيات المسلحة.صحيح أن إيران نشطت للغاية في مجال التشيع في الخارج من خلال مراكزها الثقافية وسفاراتها وعناصرها الاستخبارية وعبر العمل الإعلامي من خلال عشرات القنوات الفضائية، وأنها لم تترك حركة سياسية ولا فكر ولا شخصية قيادية واعدة، إلا وبحثت كيف تستثمر في العلاقة معها – فيما كان العرب في حالة استرخاء – إلا أن الهدف النهائي والخطة الإستراتيجية الإيرانية قامت كليا على تصنيع الميلشيات والدفع بها لداخل الدول لإحداث حالة اضطراب وتقاتل ودمار.هل يعود الأمر إلى أن المجموعات المرتبطة بإيران تشكل أقليات عددية داخل الدول الأخرى، بما يدفع إيران لتدريبها على السلاح – لحماية نفسها-بقدر ما تتطور عمليات غسل العقول التي تتعرض لها؟ ولم هذا الموقف العدائي المسبق؟ أم أن عقدة المظلومية التاريخية هي ما دفعت إيران مسبقا للربط بين تغيير أفكار مجموعات من أبناء الدول الأخرى ومسألة إعدادهم بالسلاح وتدريبهم؟وهل الظلم السياسي الذي تتعرض له الأقليات التي استهدفتها إيران بنشاطها هو ما دفعها للربط بين الضخ العقائدي والتدريب على السلاح؟ أم نقول إن إيران اعتمدت إستراتيجية الغزو والاحتلال، منذ الثورة الخومينية تحت عنوان تصدير الثورة؟ واقع الحال أن التجارب تثبت الاحتمال الأخير، وتؤكد أن لإيران خطة إستراتيجية لإضعاف الدول الأخرى واحتلالها وتغيير عقائدها، وإن كل العوامل المتعلقة بالمظلومية والقلة العددية والتعرض لعمليات تفرقه بينها والأغلبية في وضعية المواطنة لم تكن إلا عوامل جرى توظيفها ضمن تلك الخطة.ففي مراجعة تجارب تشكل الميلشيات الإيرانية، نجد الكثير منها تشكل على خلفية تماس مع أعمال الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي، غير أن التدقيق في كل تلك الحالات يكشف أن تشكيل الميلشيات كان فكرة سابقه وعملية جارية قبل أعمال الغزو والاحتلال، وأن تشكيلها لم يجر على أساس دفاع عن الوطن ضد الاحتلال بل للتعاون مع الاحتلال والعمل تحت رعايته.لقد جرى تشكيل الميلشيات الإيرانية في العراق قبل الاحتلال الأمريكي للعراق وقد كان تشكيلها أحد أسباب الصراع الدامي بين العراق وإيران وهي كانت ولا تزال داعمة للاحتلال الأمريكي والإيراني. وفي الحالة اليمنية نحن أمام الحقيقة ناصعة الوضوح إذ لم يتعرض اليمن إلا للاحتلال الإيراني عبر الميلشيات الحوثية. وإذ جرت صناعة حزب نصر الله على أرضية الحرب الأهلية اللبنانية وفي تماس مع الاحتلال والقتل الإسرائيلي، فقد انقلب دوره بعد نهاية الاحتلال للأرض اللبنانية، وأظهر ارتباطه بالإستراتيجية الإيرانية الطائفية.نحن إذن أمام تكامل في الأدوار، غير أن الطبعة الإيرانية من النسخ الإرهابية المصنعة في معامل طهران تأتي دوما متميزة، ومتطورة باتجاه أن تكون نسخة مكتملة الملامح من الحرس الثوري الإيراني، لتصبح أداة حكم إيران للدول العربية!.

936

| 08 مايو 2015

من منكم ..قابل عراقيا ..يبتسم ؟

وكأن ما يجرى، هدفه الحقيقي هو تدمير وتحطيم بنية المجتمع وإبدال الإنسان العراقي بآخر.لقد جرى تركيز الاهتمام على الدولة والسياسة منذ الحرب العراقية الإيرانية وحتى الآن،دون انتباه كاف إلى أن الأشد خطرا في نتائج كل ما جرى عبر ما يزيد على الثلاثين عاما،هو أن المجتمع والإنسان العراقي واجه حربا وقتلا دائما،وتفكيكا وتدميرا وتحطيما بلا توقف.والأمر هنا لا يتعلق بالجانب الإنساني –وكثير من طرحه يأتي ممجوجا للأسف وبعضه يستهدف توفير الغطاء لاستمرار ما يجرى – بل بالنتائج السياسية والاقتصادية وعوامل قوة ومعالم وحدة المجتمع..أو بقائه مجتمعا ومعالم ثقافة وطرق تفكير وحياة الإنسان أو ما بقى منه. لقد انغمس المحللون والساسة بالحدثين السياسي والحربي في متابعة الحرب المتواصلة على العراق،وبحثوا دوما تأثيراتها على توجهات وتشكيلة الحكم وعلى العلاقات الإقليمية،دون انتباه إلى مؤثرات وإفرازات ما دفعه العراق من ثمن -بات يفوق ما دفعته ألمانيا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية –على الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والنفسية.وفي ذلك لم تعد الوطنية والهوية والسياسية هي ما تشكل أوضاع المجتمع وفكر الإنسان في العراق وحدها،بل نتائج كل هذا التدمير الإنساني المجتمعي أيضا.إنسان العراق عاش جيل كامل منه لا يرى إلا دوامة الحرب والاقتتال الخارجي والداخلي دون شعور – ولو للحظة واحدة على مدى ثلاثين عاما -لا بالأمن السياسي ولا الاجتماعي ولا الاقتصادي ولا النفسي ولا الوطني.عاش يتخطفه الموت والخوف..عاش مطاردا بالموت ساعيا لإنقاذ النفس والأهل..ساعيا وباحثا عن مجرد البقاء على قيد الحياة! لقد عاش إنسان العراق –ولا يزال –داخل أسوار مذبحة بشرية متواصلة بلا انقطاع،حتى لا يكون من المبالغة القول،بأن دماء العراقيين صارت بقدر ما توفره جغرافيته من مياه.عاش شيعة العراق والكرد مأساة دفعوا خلالها ثمنا للخلافات والصراعات بطريقة أو بأخرى.لكن معاناتهما توارت لتخلي مكانها لمذبحه بشرية هائلة لسنة العراق.دفع المجتمع العراقي ثمنا باهظا من أرواح إنسانه خلال الحرب العراقية الإيرانية وخلال حرب إخراج قوات صدام من الكويت المحتل وخلال حرب التدمير الممنهجة للمجتمع والإنسان والمدن والاقتصاد والنمط الحضاري التي جرت أثناء الحصار ثم خلال الغزو والاحتلال الأمريكي،وما ارتبط بها من حرب التدمير المخطط للمجتمع لكسر إرادته التي عبرت عنها المقاومة،وفي ذلك تواصلت أعمال الترويع عبر أربع حروب.بعدها انتظمت حرب إبادة طائفية للسنة –وهم من تحملوا تبعات مقاومة الاحتلال - بدعم إيرانى مارستها وما تزال الميلشيات الطائفية.جرى ويجرى القتل عشوائيا على صعيد اختيار البشر ومخططا على صعيد تحديد الكتل السكانية المستهدفة وواسعا وكثيرا بقدر ما تتمكن آلات القتل من العمل،فلم يعد لإنسان أن يأمن لا في الشارع ولا العمل ولا المنزل،فمجرد وجوده بمنزله هو سبب كاف لقتله فمنهم من يختطَف ليلقَى به جثة هامدة في شوارع ليل دائم الإظلام ومن كان واعيا بذهابه إلى الموت لحظة وصول الميلشيات وقرر الرفض فقبره صار منزله،هو، ومن كان يود الحياة معهم من زوجة أو أطفال أو أب أو أم.ومجرد مروره بمكان هو سبب كاف لقتله عبر السيارات المفخخة او إطلاقات رصاص القناصة أو كواتم الصوت،وذهابه للصلاة سبب كاف لهدم المسجد فوق رأسه بقذيفة أو بتفجير أو بسيارة مفخخة عند انتهاء الصلاة.وهكذا اندفعت الحالة في العراق إلى نمط القتل الأشد همجية.وصار الإنسان محصورا ومحاصرا بين القتل من الحشد الطائفي –والحرق والسحل وحرق المسكن والطرد من الأرض –وبين تنظيم الدولة بما يفرضه على من يتمسك ببقائه على أرضه،وفوق القتل السابق قتل آخر من أعلى عبر الطائرات الأميركية أو مجازر الإعدام الجماعي.صار الإنسان أمام خيار في الموت لا خيار في الحياة.تلك الصورة يجب تأملها جيدا،وإدراك مغزى أن لا أحد استطاع حصر القتلى والمغدورون بقصف الطيران أو الرشاشات أو الدبابات أو في السجون والمنافي أو حرقا عبر زمن امتد لنحو 25 عاما سجل فيه العراق الرقم الأعلى في عدَّاد الموت في العالم.عاش إنسان ومجتمع العراق ويعيش مقتلة ومذبحة بشرية ممتدة بلا انقطاع وبلا توقف..ويكون منطقيا أن نسأل الجميع: من منكم..قابل عراقيا..يبتسم؟!

883

| 01 مايو 2015

ثوار سوريا: انتصارات إستراتيجية

دخلت الحالة السورية مرحلة ووضع الحركة بوتائر متسارعة لتحقيق تغيير حقيقي وكبير على الأرض لمصلحة الثوار، فالمعارك العسكرية الجارية في مناطق سوريا المختلفة تظهر تقدما كبيرا للثوار، وهناك من الانتصارات ما يحقق اختراقات إستراتيجية للأوضاع العسكرية على حساب نظام بشار، بل يمكن القول إن بعض تلك الانتصارات صار يعكس دوران الحركة الإستراتيجية للأوضاع العسكرية في اتجاه مضاد وعكسي للمرحلة التي تحقق فيها للنظام بعض من التقدم بعد تدخل حزب نصر الله والميلشيات الطائفية العراقية والحرس الإيراني في الحرب لمصلحة النظام.وإذ يبدو تحرير إدلب هو درة هذا التغيير الإستراتيجي، فالأمر ذو الدلالة أيضا هو أن تحريرها بات نقطة تطوير إستراتيجي باتجاه مناطق أخرى أو بالدقة باتجاه الضغط على اللاذقية، التي كان ابتعاد الثوار عن الوصول إلى أطرافها أحد مقومات بقاء النظام لرمزيتها وباعتبارها الخزان البشري لقوات النظام، والحال في دمشق ليس أقل أهمية، إذ المعارك الجارية هناك الآن، تظهر تعاظما في القدرات الإستراتيجية للثوار على أبواب العاصمة أو بالانتقال من ضواحيها إلى مراكز الدولة، إذ بات الثوار في وضع المتحرك للوصول إلى نقاط الضغط المباشر على قلب نظام ودولة وقصر بشار، وهناك أن المعارضة باتت تحرز تقدما تصاعديا وبوتائر لا تحيد عنها في معارك الجنوب، كما تحرز تقدما مطردا في معارك القلمون في مواجهة مباشرة مجموعات حزب نصر الله الذي مثل تدخلها في معارك تلك المنطقة تحديدا، عامل تأثير حاسم في نتائج المعارك السابقة.. إلخ.والأهم في تأثير ودلالات تلك المعارك، أنها تحمل وضعا مختلفا للثوار، بما يجعل منها تحولا إستراتيجيا هاما ومؤثرا على اتجاه حركة الصراع الحالية والمقبلة. في تلك المعارك، يظهر الثوار متحدين إذ يخوضون معاركهم بتشكيلات مشتركة ثابتة وبأعداد كبيرة، وهو أمر يمثل تطورا لافتا في رؤاهم السياسية بقدر ما يظهر تطور فكرهم العسكري، إذ نحن لسنا أمام مجرد عملية حسابية لتجميع أعداد أكبر من الثوار لخوض معركة واحدة، بل نحن أمام دراسة وتوزيع للقوات والأسلحة وتكتيكات الحركة بين فصائل متعددة في جيش موحد خلال خوض كل معركة.وتظهر تلك المعارك أنماطا جديدة من قدرات الثوار على التخطيط والحسم في تنفيذ الخطط، إذ لم تستغرق معركة إدلب سوى ثلاثة أيام، ومعركة السيطرة على المعبر الحدودي الأخير للنظام مع الأردن سوى عدة ساعات..إلخ.وتظهر تلك الانتصارات التي حققها الثوار أنهم في وضع التطور والتوحد فيما جيش بشار وميلشياته في وضع تراجع القدرات واضطراب التحالفات التي أدت لإبقاء النظام، وتلك هي النقطة الحاسمة في الصراع، فالأنباء الواردة من ساحات المعارك تتحدث عن حالة من الاضطراب في علاقات نظام بشار وحلفائه، وأن الارتباك قد وصل في بعض الأحيان إلى نمط من الإرباك خلال خوض المعارك، وتناثرت أنباء عن وقوع تصفيات فيما بينهم.لكن اللافت أكثر هو أن المعارك صارت وحدها في الساحة، إذ توقف كل حراك سياسي ودبلوماسي، وفي ذلك دلالات أخرى، أولها أن النظام وحلفاءه قد وصلوا الآن إلى مرحلة اليقين بفشل خطتهم العسكرية التي اعتمدوها من قبل، حين تصوروا قدرتهم على تغيير التوازن الإستراتيجي العسكري على الأرض تمهيدا للدخول في مفاوضات يفرض فيها النظام ما يريد.. الآن هم صامتون سياسيا وإعلاميا لمراجعة أبعاد ما وصلوا إليه. وثانيها أن القوى الدولية والإقليمية باتت هي الأخرى في وضع الصمت، بما يشير لحالة انتظار لما يجري من عملية حازمة لتغيير التوازنات على الأرض، تجبر النظام على تقديم التنازلات.. وثالثا، فالأمر الظاهر والواضح هو أن رياح العاصفة التي هبت في اليمن وصلت بالفعل إلى سوريا.والقادم مختلف بإذن الله.

1088

| 24 أبريل 2015

عاصفة الحزم: البعد الثالث

يظل البعد الثالث في عاصفة الحزم هو البعد الأبعد أثرا في حسم معركة وقوف المجتمعات والدول على أقدامها، ومنع الانزلاق إلى وضعية الاضطراب السياسي والمجتمعي العنيف، الذي يدفع الدول العربية دفعا إلى التدخل العسكري لحماية الشرعية وإعادة الاستقرار. وهو البعد الذي يحقق المنعة ضد كل محاولات الاختراق الخارجي سواء كان إيرانيا أو غربيا أو حتى صهيونيا. ذلك أن العمليات العسكرية تتعامل مع نتائج الاختراق وتهدف إلى إعادة الأمور لما كانت عليه، فيما تحقيق المنعة ضد الاختراق ووأد محاولات إيصال المجتمعات إلى النقطة لا يمكن حلها إلا بالعمل العسكري، ليس عملا عسكريا ولا أمنيا ولا استخباريا، بل هو عمل سياسي ومعرفي وفكري وحقوقي ومجتمعي، يتعلق بتحقيق العدل والتصدي لمنظومات الفساد وتحقيق الحرية والديمقراطية وبناء الدول على أسس وطنية تعددية حقيقية لا هزلية، وهو ما يحقق قوة الدولة وقوة وتماسك المجتمع.الآن تستمر المعركة ضد الحوثيين وصالح ومجموعات المصالح المرتبطة به. القصف الجوي متواصل والمقاومة الشعبية تواصل دورها، ومجموعات القبائل المسلحة تحتشد، فيما تتنامى وبشكل فاعل عمليات إعلان الولاء للشرعية داخل صفوف القوات المسلحة اليمنية، وعلى الصعيد السياسي تتنامى عمليات تشكيل إدارة الدولة ومؤسساتها، وعلى الصعيد الدولي فقد صدرت القرارات الدولية التي تحاصر الحوثيين ومجموعات صالح، وهكذا تسير العمليات العسكرية مستندة إلى تطورات سياسية داخلية وخارجية، لتحقيق الحسم والحزم المستهدف لإعادة الشرعية ودحر الانقلاب العسكري. وإذ يمكن القول بأن عاصفة الحزم ببعدها العسكري كانت ضرورة وحالة طبيعية لمواجهة الانقلاب العسكري على الشرعية، باعتبارها ردا عسكريا عربيا وإسلاميا مضادا لعمل عسكري، تم بدعم خارجي إيراني، فهذا البعد العسكري لاشك يرتبط ببعد ثان يتعلق بمرحلة ما بعد انكسار الحوثيين وأزلام صالح. فهناك بناء الجيش الوطني اليمني وكافة مؤسسات الدولة، وهناك البناء السياسي لنظام الحكم، وتفعيل نتائج الحوار الوطني أو مخرجاته، وإقرار الدستور الجديد. وفي ذلك يبدو اليمن أمام خارطة طريق واضحة لمرحلة ما بعد سقوط الانقلاب والعودة لمسار بناء الدولة وتحقيق الاستقرار مجددا.غير أن ثمة بعدا ثالثا لا يقل أهمية من العمليات العسكرية ومن إعادة الأمور إلى النقطة التي انفرط عندها عقد اليمن، هذا البعد يتعلق بتغيير المعطيات الفكرية والسياسية والقانونية والمجتمعية التي تمنع اليمن من تكرار وصوله ما وصل إليه الآن، ولعدة مرات من قبل، إذ شهد في عصره الحديث العديد من الحروب تحت عناوين متعددة من الانفصال إلى معركة الوحدة إلى معارك الحوثيين الستة ضد الجيش اليمني، بل إن هذا البعد لا يتعلق باليمن وحده، بل بكل الدول المعرضة لانفراط العقد –وفق أوضاعها الخاصة –حتى لا نعود للبحث مجددا عن ضرورات القيام بعمليات عسكرية وعاصفة حزم جديدة لمعالجة تدهور الأوضاع في دول أخرى. ذلك أن إيران لم تتوغل في اليمن –أو في الإقليم-إلا لأسباب تتعلق بضعف البناء المجتمعي والنظم السياسية والفساد وغياب العدل. بل يمكن القول بأن أمر الخلل في الدول والمجتمعات كان العامل الأساسي في حدوث التدخل والاحتلال وليس قدرة وقوة أو مهارة إيران، إذ تعاني إيران ذاتها من حالات اختلال مجتمعية وسياسية وحالات ضعف تجعلها عرضة لمثل ما جرى في دولنا وربما أكثر. فحين تدخلت إيران في العراق وفرضت دورها ونفوذها في داخل العراق ودفعته للاحتراب الداخلي، لم يكن الأمر ناتجا عن عوامل قوتها بل عن الوهن الذي أصاب العراق على يد قوات الاحتلال الأمريكية، إذ ظل العراق صامدا في مواجهة إيران لسنوات طوال دون قدرة إيرانية على هزيمته. كان العجز الإيراني ناتجا عن قوة الدولة العراقية، غير أن قوة الدولة بجيشها وأجهزتها الأمنية ليست كافية وحدها، إذ كان غياب العدل وضعف قدرة البناء السياسي على استيعاب متناقضات المجتمع وغياب حيوية الحياة الفكرية في المجتمع العراقي، هو ما مكن إيران من اختراق المجتمع العراقي قبل الغزو والاحتلال الأمريكي، إلى درجة تشكيل ميلشيات عراقية الأسماء للتدخل العسكري وإثارة الاضطراب في المجتمع العراقي. كانت إيران جاهزة بميلشياتها بسبب ضعف العراق ولم يكن الاحتلال وحده سبب قدرتها على الاندفاع الفوري للمساهمة فيما جرى من هدم الدولة وتفكيك المجتمع. والأمر نفسه في سوريا، وللأسف فالحال كذلك في كثير من الدول، وإن بدا الأمر غير ذلك في المظهر.البعد الثالث في عاصفة الحزم يتعلق بدول أخرى كثيرة معرضة بطريقة أو بأخرى للدخول في أوضاع ستنتهي إلى ضرورة تشكيل عاصفة حزم جديدة، ولذا يبدو الدرس الأول في عاصفة الحزم، هو كيف نطور أنظمة الحكم وثقافة المجتمعات حتى لا نحتاج إلى عواصف أخرى للحزم!.

902

| 17 أبريل 2015

ما بعد عدن !

كشف ما جرى من قتال ضار في عدن فور مغادرة الرئيس هادي، دقة التقديرات السياسية والعسكرية والاستخبارية لدى قيادة عاصفة الحزم والرئيس هادي، حين اتخذ قرار إجلاء الرئيس من عدن مبكرا.وتكشف المعركة الجارية في داخل عدن الآن وحولها، أهمية تلك المحافظة ورمزيتها في الصراع، حتى باتت تظهر وكأنها جوهر الحرب الجارية وأنها تقدم ملخصا لخطط الحرب والصراع السياسي لطرفي الصراع، ولملامح المعركة التالية، إذ كل الدلائل تشير إلى أن معركة عدن صارت النقطة المفصلية والحاسمة في الحرب والصراع الجاري في اليمن، والحالة الكاشفة لطبيعية الاستراتيجيات المعتمدة من قبل طرفي الصراع المحتدم.لقد بدأ صالح والحوثيون المعركة حول عدن مبكرا، حين قصف الطيران الخاضع لهم مطار عدن والقصر الرئاسي. كانت حالة محمومة تستهدف اغتيال الرئيس هادي بأي ثمن، كما أن تطورات المعركة التي اندلعت عقب مغادرة الرئيس، أظهرت شدة إصرار الحوثيين وأنصار صالح واستماتتهم في خوض معركة عدن بعد مغادرته، حتى أصبحت نقطة جذب لكل احتياطياتهم الإستراتيجية من مختلف المناطق. لقد اعتبر صالح والحوثيون معركة عدن، نقطة الارتكاز الاستراتيجي في مشروعهم الانقلابي، وهم نظروا لتلك المعركة باعتبارها حالة حسم مبكرة للحرب، واعتبروا أن الانتصار فيها يمثل الخطوة الحاسمة في إستراتيجية الإطاحة بالرئيس هادي، إذ تمكنهم السيطرة على عدن – والجنوب بطبيعة الحال- من الادعاء بتحقيق الانتصار وأنهم باتوا مسيطرين على عاصمتي الشمال والجنوب. كما استهدفوا تجنب وجود الرئيس على أرض الجنوب وسط بيئة سياسية واجتماعية حاضنة ومؤيدة له، بما يعمق رمزية شرعيته ويحقق حالة من ازدواج السلطة ويؤسس "لانقلاب" هذا الازدواج لغير مصلحتهم بحكم ما يحظى به الرئيس من دعم سياسي ومالي وعسكري من دول الخليج.وفي الجانب المقابل، تظهر مؤشرات المعركة الجارية في عدن، أن تحالف عاصفة الحزم والرئيس هادي، بات يركز جهوده المباشرة على دعم المقاومة الشعبية في عدن. هذا التركيز يشير إلى تقدير لدى التحالف بأن تحرير عدن- وليس صنعاء أو غيرها- هو نقطة البداية لتحرير اليمن وإسقاط الانقلاب. لقد جرت وتجري أعمال التسليح والإمداد للمقاومة الشعبية، كما يواصل تحالف عاصفة الحزم أعمال القصف الممنهج لقطع طرق الإمداد والتموين لقوات صالح والحوثيين، استثمارا للخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه صالح والحوثيون، حين قرروا خوض المعركة الأهم وسط بيئة مجتمعية وسياسية معادية لهم، بما يصعب المعركة عليهم، خاصة والمعركة الجارية، هي من نمط حرب الشوارع وأعمال المقاومة التي تتحدد نتائجها على أساس البيئة الحاضنة، وحين اختاروا منطقة قتال بعيدة عن مناطق تركزهم –دون استعدادات مسبقة-بما يجعل إمدادات من صنعاء وصعدة، تحت رحمة التفوق الحاسم لطيران عاصفة الحزم.وبذلك تعتبر معركة عدن حاسمة وذات تأثير كبير وخطير، خاصة، وهي تجري متزامنة مع معارك أخرى في محافظات الجنوب، بما يجعل انتصار التحالف والمقاومة الشعبية لمعركة عدن بمثابة بداية التداعي الكبير والاستراتيجي لقوات صالح والحوثيين. فمن ناحية ستكون الأرض باتت مهيأة لبدء الشرعية اليمنية قيادة المعركة سياسيا وعسكريا على الأرض –وقد تنامى انحياز قطاعات متزايدة من الجيش اليمنى للشرعية-، ومن ناحية أخرى، فإن تطهير عدن سيمكن قوات التحالف من إنزال بعض القوات المدربة لحماية عدن، مع الدفع بالقوات اليمنية الموالية للرئيس هادي للحركة – تحت حماية طائرات الهليكوبتر-انطلاقا من المحافظات المحررة للالتحام مع قوات القبائل في محافظات الشمال، بما يسهل ويسرع وتيرة حسم المعارك في مختلف المحافظات في الجنوب وتلك الشمالية القريبة منها على الأقل في وقت قصير.تحرير عدن وبقية محافظات الجنوب والتحام القوات مع تلك الرافضة للانقلاب، سيحرر كتلة شعبية هائلة، ويفتح جبهات واسعة للمواجهة العسكرية على الحوثيين وأنصار صالح ويقلص من مناطق سيطرتها بما يسهل عمليات الضغط عليها وإجبارها على الدخول في سلسلة تراجعات وأعمال انسحاب ستكون جميعها مكشوفة لطائرات عاصفة الحزم. ما بعد تحرير عدن لن تكون المعارك كما كانت قبل تحرير عدن.

716

| 10 أبريل 2015

ماذا لو لم يحدث تدخل عسكري في اليمن ؟

جرى إطلاق مسمى عاصفة الحزم، على التدخل العسكري في اليمن، للدلالة على نفاذ الصبر بعد طول انتظار في مربع الحوار السياسي، الذي تحول إلى غطاء خداعي لتمرير مخطط الانقلاب والاحتلال. وتحدد للحملة هدف وشعار مساندة الرئيس والسلطة الشرعية، بوجه الانقلاب العسكري الذي قام به الحوثيون بالتحالف مع مجموعات المصالح المرتبطة بالرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح. وهكذا، جاء إخراج الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من عدن إلى الرياض ليغادر إلى شرم الشيخ المصرية بصحبة خادم الحرمين الشريفين لحضور القمة العربية، كإعلان مباشر وعملي على وحدة الموقف السعودي، القائد لعملية عاصفة الحزم، والرئيس الشرعي لليمن وليكون الاعتراف بالرئيس والعملية وشرعيتهما عربيا على صعيد القمة. بعدها انتقل الاهتمام الإعلامي لمتابعة وتغطية وقائع القصف والإجابة على تساؤلات حول موعد وضرورات التدخل البري.وفي كل ذلك، لم يقدم إجابة عن السؤال الأهم لجمهور الشعب اليمني، وهو ماذا لو لم يحدث تدخل عسكري؟ إذ المواطن اليمني الذي يتابع أعمال القصف والمعارك الجارية، قد ينسى قصص السياسة والحوار الوطني تحت ضغط ما يراه ويعيشه على الأرض المشتعلة. كما أن عدم الإجابة على هذا السؤال، قد تتيح الفرصة وتفتح المساحة وتهيئ المناخ لتضخيم نتائج القصف، فيما هي أقل مما لو لم يحدث التدخل العسكري. ومن قبل، فإن الإجابة عن هذا السؤال هي ما تظهر دور أهل اليمن وتحض عليه وعلى الإسراع في حسم المعركة الجارية.وبقراءة معادلة الصراع التي شهدها اليمن منذ بدء الحوثيين ومجموعات مصالح صالح حركتهم العسكرية للسيطرة على البلاد، يظهر جليا أنه لولا التدخل بعاصفة الحزم، لواجه اليمن ما عاشته وتعيشه سوريا. فاصل أزمة سوريا أن قام فيها حكم أقلية طائفية، ومثله لا يستطيع فرض نفسه في السلطة إلا بالقوة المسلحة والقهر. وإذ جرت في اليمن محاولة تشكيل حكم الأقلية الطائفية عبر انقلاب عسكري، في أعقاب ثورة مجتمعية تنشد التعددية والحكم الديمقراطي، فلم يكن لليمن إلا الوقوع في ذات حالة التدمير والإبادة السكانية التي تعرض لها المجتمع السوري، بل إن الحالة اليمنية كانت مرشحة لوضع أشد مأساوية من السورية، إذ إن الانقلابيين في اليمن قاموا بانقلابهم خروجا على الشرعية وعلى التعددية وعلى البناء المؤسسي التعددي وعلى حوار وطني وصل إلى نتائجه الأخيرة.ولولا التدخل الحازم بالعاصفة لأصبح اليمن محتلا، لقد جاء التدخل لينقذ البلاد من الوقوع في فخ الاحتلال الإيراني، وقد رأينا كيف تسللت إيران إلى سوريا حتى انتهى الحال بها إلى احتلال هذا البلد، وقد كان لجوء الحوثيين وأتباع المصالح الموالين لصالح السلاح والانقلاب العسكري هو تكرار تطبيق ذات الوصفة التي طبقتها إيران لتعميق وجودها واحتلالها، في كل من سوريا والعراق.ولولا التدخل الحاسم، لعاش اليمن لسنوات طوال في حرب أهلية فوضوية، إذ جرى الانقلاب بقوة السلاح وعبر أدوات القهر والترويع للقوى السياسية وللمواطنين المتظاهرين في الشوارع، لم يكن للحوثيين ومجموعات مصالح صالح أن يسيطروا على اليمن، إذ كان القتال هو عنوان مواجهة انقلابهم والقتل عنوان حركتهم. وقد شهدت البلاد من يوم هذا الانقلاب وحتى لحظة إطلاق عاصفة الحزم قتالا في كل أرضها، بين المنقلبين وأنصار الشرعية في الجيش اليمني، ومن القبائل والقوى المجتمعية والأحزاب السياسية، بما فتح كل جغرافيا البلاد السكانية على جحيم لم يكن أحد يعلم – إلا الله- أين سينتهي بها في ظل الصراعات الطائفية والسياسية والجهوية والقبلية. لقد جاء التدخل الحاسم ليبعد شبح وكابوس الحرب الأهلية عن اليمن.وقد جاء الحزم ليرد التقسيم عن اليمن، فلو لم يحدث التدخل العسكري، لكان اليمن قد صار منقسما، والشاهد على الأمر كان واضحا وجاريا، لقد كان الجنوب في وضع التأجيج الداعي للانقسام، ومع زحف الحوثيين تعالت أصوات القوى الانفصالية لمواجهة الحوثيين ليس فقط باعتبارهم انقلابيين بل أيضاً باعتبارهم شماليين. كما صدرت تهديدات أخرى بالانفصال كشكل من أشكال مواجهة انقلاب الحوثيين.وهكذا، فالأصل أن التدخل العسكري الذي جاء لدعم الشرعية، مثّل إنقاذا لليمن من الاحتلال الإيراني ومن عمليات إبادة سكانية مجتمعية على أسس طائفية، ومن حرب طائفية فوضوية ومن وقوع البلاد في فخ تقسيم البلاد.

933

| 03 أبريل 2015

عرب ..ما بعد القومية !

لم تخسر أية فكرة خلال الصراعات التى شهدها الإقليم طوال الستين عاما الماضية ،كما خسرت فكرة العروبة (القومية العربية) ،حتى وصلت الخسارة والاستنزاف الذى تعرضت له حد القبول بمشروعية التساؤل ،عن ما إذا كان هناك ما تبقى منها ،كنمط من أنماط البناء المجتمعي وعلى صعيد علاقات الدول مع بعضها البعض (التنظيم العربيى الجامع -الجامعه العربية) فضلا عن الأبعاد النظرية للفكر ،كما أن الخسارة لم تعد ظاهرة في بعدها السلبي (التآكل ) بل فيما صار يبنى على أسس مختلفة عنها – ومضادا لها-من تحالفات جرت في الإقليم ،ويضاف إليها ما هو ملموس ومؤلم من حالة غياب حقيقية لقوة الموقف العربي ومن ضياع القيمة الفعلية والاعتبارية للجامعه العربية ،في أعين المواطنين العرب والقوى المجتمعية والسياسية ..الخ.وإذ يحتار المراقب فى بحثه لتحديد متى كانت نقطة الانكسار .هل كانت هزيمة عام 67 ،أم يوم نهاية النظام الناصرى ،فهناك من يرى أن الانكسار كان واردا من داخل الفكرة والمنظومة ولم يأت مستجدا عليها.وإذ يحتار فى جمع وتحديد الخسائر التى منيت بها الفكرة وتياراتها والممارسات العملية لها ،فالمؤكد الآن أن الأمر قد تخطى التاريخ وبات يحفل بزخم جارٍ مضاد للفكرة -وما تفرضه من علاقات وتحركات -بما يتطلب إعادة توصيف ما يجرى حاليا فى الجهة المقابلة او فى ظل سيادة مناخ مضادة لفكرة العروبة ،إلى درجة يمكن القول معها :ان المنطقة تعيش فعليا مرحلة ما بعد القومية !.لقد غادرت كثير من الممارسات الشعبية فكرة العروبة-بل حتى الوطنية وحالة الولاء للدولة- حين التحقت مساحات واسعة من الجمهور العام بالفكرة الطائفية وصارت تخوض حربا تجرى بكل الوسائل لتثبيت تلك الفكرة كولاء وانتماء حتى بلغ الأمر ببعضها حد تخطى الانتماء العربي (العروبي –القومي) والعمل ضمن ارتباط وانتماء –ولنقل احتماء-بقوميات أخرى أهمها الفارسية. كما نشطت الأقليات غير العربية (فى الدول العربية) وعادت لتطرح فكرة قومية أو عرقية خاصة بها ،فى مواجهة القومية بل والوطنية وإلى درجة فك الارتباط بالدولة (القُطْرية) سياسيا وقانونيا .وقد انتهت الممارسات على الصعيد الرسمى بكل نظم الحكم التي رفعت شعارات القومية العربية (في الخمسينات والستينات) من ناصرية وبعثية إلى الانهيار،والأخطر إن لم تجر نهايتها أو سقوطها، لا لمصلحة بقاء وانتعاش الدولة القُطْرية ولا لمصلحة الفكرة والكيان العروبي الأوسع ،بل جاء التغيير على حساب الدولة القطرية والفكرة العروبية معا،بما جعل الفكرة والرؤية القومية متراجعة بخطوات أبعد مما ساد فى أية مرحلة سابقة.وعند مراجعة تطور حركة الصراع ،يتضح أن تراجع الفكرة والحالة القومية العربية لم يجر كحالة عامة تشمل كل حالات الانتماء القومي في الإقليم ،بل إنها وصلت إلى حالة الانحدار تحت ضربات قومية أخرى هى القومية الفارسية ،التى ظهرت كقومية متصارعة أو معادية للقومية العربية ،ووصلت الآن حد احتلال ثلاث دول عربية ، بما يدفع للقول ان التراجع جرى للفكرة العروبية لا للفكرة القومية على إطلاقها فى الإقليم،وإننا نحن من نعيش مرحلة ما بعد القومية (العربية) فيما يعيش غيرنا مرحلة ازدهار وانتصار قوتهم ورؤيتهم القومية!كما تظهر التطورات الجارية أن لا أفقا مستقبليا لنهوض الفكرة القومية فى الأمد القريب أو المتوسط ، إذ بعض من رموزها وتياراتها بات في موقع المساندة للنظم الديكتاتورية المنبعثة حاليا بممارسات دموية كانت السبب الحقيقي والفاعل في ما أصاب الفكرة القومية أو العروبية وتجربتها إلى ما انتهت إليه –وكان البعض انتهى إلى دعم القُطْرية على حساب القومية-وهو ما يعني تكرار ذات المواقف والاستمرار في نفس الممارسات ،ونتيجته المؤكدة هي ضياع كل أمل في استعادة الحالة القومية .صرنا نعيش حالة ومرحلة ما بعد القومية ،لكن الخطر على الأمة صار أبعد ،حيث البديل الإسلامى الذي ظهر متصارعا مع الفكرة القومية عند بداية القرن الماضي ،تحت عنوان الجامعة الإسلامية في مواجهة الجامعة العربية ،والذى كان مفترضا أن يكون البديل والراية الآن ،صار ملاحَقا ويواجه حربا ضارية ،إذ أصبح متهما بالإرهاب من جهة –وهو اتهام توسع تعميمه حتى بات يشمل جميع فصائله –ومتهما بالطائفية ،والمساهمة فى التفكيك هو الآخر !فهل من فكرة أو رؤية مهندَسة وراثيا تستطيع تلافي كل أعمال التشويه لتصبح رؤية جامعة وراية واسعة تحشد الطاقات مجددا ؟.وكيف لها أن تستعيد ما فقدناه في العراق وسوريا واليمن -الجارية فيه معركة ضارية- لصالح الفكرة والرؤية القومية الفارسية؟!

572

| 27 مارس 2015

ميراثك.. فى الارض المقاومة !

كان اللقاء الأول على غير موعد ولا ترتيب وبدون سابق معرفة مباشرة ،وكان التصرف فيه إنسانيا محضا مع أننا لم نلتق إلا على وحدة الموقف .فما إن لمحت ظهوره حتى تحركت بعفوية شديدة نحو مصدر قدومه ،وفى لمح البصر تحرك الرجل تجاهى بحفاوة وبشر روحه قبل ملامحه ،حتى تحرك الهواء ليملأ تلك العباءة التي لم تفارق ظهوره العربي المهيب.لاحظ حركتى المباشرة لتقبيل رأسه باسم أمة الصفاء والخير والصمود والمقاومة،فقال جملا وكلمات عفوية .وكان العناق حارا وكأننا نعرف بعضنا منذ سنوات طوال ،عشنا فيها وافترقنا وحان اللقاء على غير موعد .تبادلنا الكلمات ،فقلت أنت عنوان لأمة تجدد عطاءها فى أنقى صورة وفى مواجهة أخطر حالة احتلال وقتل وإجرام شهدتها البشرية ،وقال ما قال .لحظتها جرت حركة لافتة من قبل المحيطين ومن لفت نظرهم هذا اللقاء وتحرك كثيرون لملاقاة الرجل .وقد سألنى أحد من كانوا يجلسون إلى جوارى في تلك القاعه المهيبة التي شهدت المؤتمر القومي الإسلامي بالدوحة:منذ متى لم تلتق الدكتور؟ وحين أجبته إنها المرة الأولى التي نلتقي فيها ،نظر إليَّ مذهولا.وهكذا ومنذ ذاك اللقاء ،صار نجله أخي وصار هو الوالد والراية ودام التواصل بيننا ،دون أن تتاح لي فرصة اللقاء المباشر به إلا مرة واحدة من بعد.لحظتها أدركت كيف أصبح التواصل عبر الفضائيات عنوانا للقاء إنساني شديد العمق وإن لم يجر لقاء مباشر،وأدركت كيف لوحدة الموقف أن تصنع نمطا إنسانيا راقيا من علاقات البشر.فإذا كان الرجل قد تابع مواقفي المساندة والداعمة للمقاومة العراقية ،التي كان هو رمزها الصافي ،فقد كانت معرفته بي من خلال متابعة مشاركاتي فى برنامج الاتجاه المعاكس وصاحب امتيازه الدكتور فيصل القاسم ،وعقب نهاية أحد لقاءات البرنامج ،هاتفني قائلا كنت أنت العراقي ،ردا على قول محاوري العراقي المدافع عن الاحتلالين الأمريكي والإيراني:إنت مو عراقي .وهكذا كنت أتابع كل البيانات والتصريحات والاجتماعات التي يبث فيها الرجل صمود المقاوم ،عروبته وإسلامه ،والقدرة على التضحية والصبر والعقل المتفتح على العالم والأمة .ومنذ لحظة إبلاغي بانتقاله من عالم الحياة ،والحزن يسيطر على نفسي ،أن ظل العالم الافتراضي هو نمط لقاءاتي بالرجل .وكم أحزنني أن حاولت التواصل معه قبل الوفاة بأيام ولم يتركه المرض قادرا على التواصل معي عبر الهاتف.كان عنوانا لعقل عربي ونفس مليئة بالصمود والخير والقوة والمثابرة والتقدم لمواجهة ما يعجز الآخرون عن مجرد التفكير في مواجهته.وكنت أدركت منذ شاهدته على إحدى الفضائيات في ظهوره الأول ،أن الأمةأانجبت قامة قائد يملك كل مقومات عقل ونفس الفارس العربي الإسلامي الذي ارتقى إلى مقعد القيادة .ورأيته خلاصة قدرة أهل العراق الذين انتظروا طويلا حتى يعاد إنتاج تلك النسخة الإنسانية والعقائدية والفكرية والاستراتيجية والسياسية من الإنسان العربي المعاصر ،دون تكلف ولا تعقيد .غادرنا شيخ المجاهدين ،قائلا فى أيامه الأخيرة إنه يحمد الله أنه سيغادر الدنيا إلى لقاء ربه قبل أن يرى العراق مقسما .غادرنا بجسده تاركا لإخوانه مواصلة الطريق فهو من القلائل الذين أدركوا أهمية المؤسسية .لم يكن الرجل عنوانا فرديا على تفرده ،بل كان عنوانا لهيئة علماء المسلمين ولكتائب التخويل ولكتائب ثورة العشرين ،وللعراق المقاوم حضاريا لا سياسيا ولا عسكريا فقط ،وقد كان وجوده في نفسه عنوانا لإرادة العراق والأمة .غادرنا وقد أسس خطا لا تفريط فيه ولا غلو .غادرنا ولم ير النصر النهائي ،إذ لم يتحرر العراق كاملا وهو من كان يكرس كل جهده ودوره لبناء العراق بعد تحريره .يكفي الرجل أن شهد انكسار القوة الأكبر فى عدوانيتها على العالم ،شهد في حياته ما كان عنوانا له:هزيمة المحتل.ويكفيه أن يباهى أن خلَّف للعراق علماء وقادة وكوادر،تدرك كيف يكون للمقاومة تاريخ مشرف في علاقاتها بالمواطن والإنسان لا بالسياسة والعسكرية فقط .غادرنا الدكتور الشيخ المجاهد حارث الضارى .فيا من رحلت :ميراثك في الأرض المقاومة، عنوانا لإعادة بناء أمة لا الوطن فقط.ويا من حباكم الله بشرف الانتماء لدور الرجل وتاريخه ومؤسسته ووطنه وأمته :أنتم عنوان ثورة ومقاومة أمتكم ،من بغداد إلى القدس وبينهما دمشق وصنعاء .

708

| 20 مارس 2015

2874

| 28 يناير 2026

alsharq
«السنع».. ذكاؤنا العاطفي الذي لا يُدرّس في هارفارد

تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...

2112

| 28 يناير 2026

alsharq
الشيخ جوعان.. قامة وقيمة و«قيم أولمبية»

-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...

1035

| 29 يناير 2026

alsharq
إرث لا يرحل

برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...

732

| 25 يناير 2026

alsharq
المتقاعدون ومنصة كوادر

بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت...

621

| 25 يناير 2026

alsharq
أثرٌ بلا ضجيج.. أم ضجيجٌ بلا أثر؟

ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...

618

| 26 يناير 2026

alsharq
العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 2-2

..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds:...

579

| 30 يناير 2026

alsharq
البذخ في أعراس النساء وغياب الهوية!

لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت...

522

| 25 يناير 2026

alsharq
عنق الناقة وعنق الكلمة

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...

510

| 27 يناير 2026

alsharq
من الدوحة إلى آسيا.. رؤية قطرية تعيد رسم مستقبل الرياضة القارية

في محطة تاريخية جديدة للرياضة العربية، جاء فوز...

483

| 29 يناير 2026

alsharq
التغيير المقبل في إيران

لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...

462

| 01 فبراير 2026

alsharq
العمل حين يصبح إنسانيًا

بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة،...

426

| 28 يناير 2026

أخبار محلية