رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التفاوض بين الدول لا يختلف عن التفاوض بين الأفراد، وبهذا كلّما كان الشخص (الفرد) حكيما وعادلا وصافيا كانت المفاوضات معه سلسة وهيّنة، وكلّما كان مشاغبا وظالما وملوّثا كانت المفاوضات معه معقّدة وصعبة! وهكذا الحال مع الدول والكيانات (الشخص المعنوي) كلّما كان زعماؤها يمتازون بالحكمة والحنكة والنقاء والعدالة، كانت المفاوضات معهم سليمة وسريعة وصافية ومريحة وبخلاف ذلك ستكون المفاوضات مربكة وبطيئة ومشوّشة ومرهقة! وهنالك بعض الدول تُناصر القضيّة الفلسطينية بالسبل الحكيمة والقانونية والإنسانية، ومنها دولة قطر التي عُرِفت بمواقفها المساندة لفلسطين وأهلها في أوقات السلم والحرب! وبعد «طوفان الأقصى» سَعَت الدبلوماسية القطرية جاهدة لترطيب وتهيئة أجواء التفاوض بين المقاومة الفلسطينية و»إسرائيل». وبعد مراحل من التواصل والتنسيق تمكّنت من وقف لإطلاق النار إلا أن الجانب «الإسرائيلي» ضرب الهدنة، ومع ذلك لم تيأس الدبلوماسية القطرية وبقيت، حتى اللحظة، تُناور وتُحاور للوصول إلى اتّفاق جديد، وإيقاف شلال الدم والخراب في غزّة! ورغم الجهود الدبلوماسية القطرية النبيلة لكنّها لم تَسْلَم من الحملات «الإسرائيلية» المضادّة لدورها الإنساني والعروبي في مساندة غزّة! وقد استُهْدِفت الدبلوماسية القطرية لعدّة مرّات من الطرف «الإسرائيلي» ولكنّها لم تلتفت لتلك الهجمات ومَضت قُدما في سعيها لوقف نزيف الدم وإزهاق الأرواح البريئة في غزّة. والغريب أن «إسرائيل» تتفاوض مع الفلسطينيين، حتى الساعة، عبر الوسيط القطري والمصري وفي ذات الوقت تهاجم الدبلوماسية القطرية. وقد بلغت الجرأة «الإسرائيلية» لمستويات عجيبة وغريبة ولدرجة أن وزير الشتات «الإسرائيلي» عميحاي شيكلي انتقد، يوم 10 أيّار/ مايو 2025، خلال بودكاست «Melting Pot» بشدّة «أيّ تعاون مع قطر، بما في ذلك الرحلات التي يقوم بها مسؤولون إسرائيليون كبار، مثل رئيس الموساد، إلى الدوحة». وزعم أن مثل هذه «الرحلات تُضْعِف موقف إسرائيل»، وذلك وفقا لصحيفة «إسرائيل اليوم» العبرية. وأكّد شيكلي، الذي سبق وأن اتّهم قطر يوم 23 نيسان/ أبريل 2025 بتمويل احتجاجات الجامعات الأمريكية، بأن شبكة الجزيرة هي «كيان إعلامي معاد للسامية بشكل كامل»! ولا شكّ بأن وزير الشتات ليس شخصا عاديّا بل هو شخصيّة مسؤولة وجزء من حكومة بنيامين نتنياهو، ولهذا فهو يمثّل الموقف الرسمي «الإسرائيلي» بهذا الخطاب الهادف لقلب الحقائق، والمليء بالكراهية والحقد تجاه دولة قطر الساعية لنشر السلام، وإنهاء حرب غزّة بكافّة الطرق الدبلوماسية! وسبق لوزارة الخارجية القطرية أن ردّت في الثالث من أيّار/ مايو الحالي على تصريحات لبنيامين نتنياهو وأكّدت « إيمانها الراسخ بأنّ السلام الحقيقي لا يتحقّق إلا من خلال تسوية عادلة وشاملة، تستند إلى قرارات الشرعيّة الدوليّة، وتُنهي الاحتلال، وتكفل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلّة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية». وهذه المرّة تجاهلت الخارجية القطرية تصريحات «شيكلي»، ولم أجد على موقعها الرسمي أيّ بيان رسمي بهذا الخصوص. إن محاولات تشويه جهود الدبلوماسية القطرية لن يكتب لها النجاح، والدور القطري الهادف لوقف الحرب، وفتح المعابر، وحماية المدنيّين معلوم للقاضي والداني، وما هذه الحملات الصهيونية إلا دليل قاطع على نجاح تلك المبادرات الدبلوماسية القطرية في رفد وضمان حياة الناس في الأراضي المحتلّة ممّا أثار حفيظة زعماء الاحتلال «الإسرائيلي»! واليوم تستمرّ قطر في العمل الدبلوماسي الشاقّ وبدعم واضح وكبير من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أشاد بدورها في نشر السلام. وقال الرئيس ترامب، الأربعاء الماضي من الدوحة، لسمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني: «عملنا معا على أعلى المستويات لإحلال السلام في هذه المنطقة وعبر العالم»! الثقل الدبلوماسي القطري بَرَز في العديد من الملفّات الحسّاسة في المنطقة، والعالم وهذه علامة مضية تستحقّ التقدير والاحترام! لا يُمكن تصوّر التخلّي القطري عن غزّة، وستبقى أحوال أهلها من أولويّات الدبلوماسية القطرية، والانفاق القطري السخي لأهل غزّة جزء من الوفاء لانتمائهم العربي والإسلامي والإنساني الأصيل.
558
| 16 مايو 2025
«الشاباك» هو «جهاز الأمن العامّ الإسرائيلي»، وبموجب القوانين «الإسرائيلية» يتكفّل «الشاباك» بعدّة مهامّ، ومنها حمايته للكيان الصهيوني ومؤسّساته من «تهديدات الإرهاب، والتجسّس، والتخريب السياسي، وتسريب أسرار الدولة». ومهام «الشاباك» قد تكون خارجية، ومنها التجسّس على الدول والوكالات الاستخباراتية الأجنبية والأفراد وتجنيد العملاء من مختلف دول العالم، ورصد العمليّات الهادفة لضرب العمق «الإسرائيلي»، وكذلك تفعيل أمن تكنولوجيا المعلومات «الأمن السيبراني»! وقد تكون مهامّ «الشاباك» داخلية ضمن الأراضي المحتلة حيث يتكفّل بمهامّ حماية الشخصيات المهمّة والسفارات الأجنبية، والمطارات وغيرها من مفاصل الأمن الضرورية لحماية الكيان الصهيوني! والذي يعنينا هنا أن متابعة كافة الأوضاع والتطورات السياسية والأمنية والمجتمعية داخل قطاع غزّة تقع على عاتق «الشاباك»، ومن هنا وجدنا الحرج الكبير الذي وقع فيه قادة وضبّاط «الشاباك» بعد الهجوم الكبير الذي شنّته المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023! وللتغطية على الفشل الواضح في عمله والخروقات المتنوّعة لبرامجه حاول جهاز «الشاباك» خلال الأسبوع الحالي ترتيب خطّة صهيونية جديدة تتمثّل بمحاولات زرع الفوضى في غزّة. وقد شهدت غزّة، وتحت وطأة الجوع القاتل والحصار القاسي المفروض من الاحتلال الصهيوني والغلاء الفاحش في أسعار الموادّ الغذائية، بعض عمليّات السطو خلال الأيّام الماضية في عدّة مناطق داخل القطاع. وذكرت منصّة أمن المقاومة الفلسطينية (الحارس) على التلغرام (t.me/alhares) بأن رجال الأمن في غزّة اعتقلوا عددا من المتورّطين في جرائم سطو، وقد أظهرت التحقيقات أن بعضهم موجّه من «الشاباك»! وسبق لرجال المقاومة أن ضبطوا مُتَخَابِرِين اعترفوا بأنهم سرقوا شاحنات مساعدات وبضائع بتوجيه من «الشاباك»، وبمرافقة طائرات «كواد كابتر»، كما اعترف متخابر آخر بأن «الشاباك» طلب منه سرقة معدّات وأجهزة تقنية من مقرّ في غزّة قبل أن تقوم طائرة حربية بقصفه. وأكّد «حذيفة»، الضابط في أمن المقاومة، تهديد «الشاباك» لمخاتير عائلات فلسطينية، لأنها ترفض المشاركة في جرائم السطو على المخازن والشاحنات الداخلة لغزّة. وهذه الخطّة الشرّيرة من «الشاباك» جُوبِهت بمقاومة مجتمعية كبيرة، وقد أبدت العديد من الشخصيّات الفاعلة داخل القطاع رفضها القاطع لهذه الجرائم، وأكّدت وقوفها مع محاولات فرض النظام، وتأديب عصابات السطو وافشال مخطّطات العدوّ الهادفة لزرع الفوضى داخل القطاع بعد فشله في هزيمة المقاومة الفلسطينية على أرض الميدان! ويبدو أن الغاية الأدقّ من وراء هذه العمليّات، المغلّفة بغطاء السرقة بدافع سدّ الجوع، هو تتبع أماكن تواجد رجال أمن المقاومة ليتسنى للعدوّ استهدافهم بطائراته المسيّرة وصواريخه العبثية وقالت وزارة الصحّة في غزّة أن ما لا يقلّ عن 65 ألف طفل ظهرت عليهم أعراض سوء التغذية، وأن 57 شخصا على الأقلّ، غالبيتهم من الأطفال، توفّوا بسبب سوء التغذية منذ اغلاق «إسرائيل» للمعابر بداية مارس 2025! والفشل الجديد لخطّة «الشاباك» بخصوص محاولات زرع الفوضى في غزّة تُضاف لسلسلة عمليّاته الفاشلة، ومنها فشله في التحذير من هجمات السابع من أكتوبر 2023، وقد نشر «الشاباك» مساء 4/3/2025 نتائج التحقيق الخاصّ به بطوفان الأقصى.وخلص التحقيق إلى إعلان «فشل الجهاز، في نهاية المطاف، رغم تحقيقاته الداخلية التي أظهرت قوّة حماس». وأكّد «الشاباك» أن الصعوبات التي واجهها على أرض غزة، أدّت إلى «فجوات في تجنيد وتشغيل عملاء كان يمكن أن يشهدوا تحرّكات استثنائية»! وكان «رونين بار» مدير «الشاباك» قد اعترف بتقصير جهازه بخصوص طوفان الأقصى قائلاً: «للأسف لم نتمكّن من توفير تحذير كافٍ كان من شأنه أن يسمح بإحباط هجوم حماس»! إن الصدمة الكبرى «لإسرائيل» من ملحمة الطوفان أثبتت فشل منظومة الدفاع الصهيونية، وَسَقم أجهزة المخابرات والاستخبارات التابعة للكيان الصهيوني، وإلا لو كانت هذه الأجهزة على درجة جيدة من التنظيم والترتيب لتنبهت لهذا الهجوم قبل تنفيذه على الرغم من أن غزّة تحت عيون الكيان منذ عام الانسحاب «الإسرائيلي» منها 2005 حتّى الساعة!
792
| 09 مايو 2025
يُعرّف الخبراء «الكارثة الطبيعية» بأنها ظاهرة طبيعية ذات مخلّفات وعواقب دراماتيكية وخيمة، وقد يكون ضحايا من عموم الكائنات الحيّة فضلا عن الأضرار المادّيّة وغيرها من المخلّفات. وتتنوّع الكوارث الطبيعية إلى أنواع مختلفة، وفي مقدّمتها الزلازل، والثورات البركانية، والفيضانات، والجفاف، والأعاصير، وموجات الحرّ والبرد، وحرائق الغابات، والأمطار الغزيرة، والعواصف الرملية، والانهيارات الثلجية وغيرها من الكوارث التي تُرعب الإنسان، وتلقي بظلالها وآثارها على الطبيعة والكائنات الحيّة! وجميع هذه الكوارث الطبيعية مخيفة ومُرْعبة للإنسان والحيوان، ولكنّ الزلازل تختلف عن غيرها من حيث الرعب والخوف الذي تنشره في المكان الذي تنزل فيه! ويذكر العلماء أن الزلزال هو اهتزاز مفاجئ وسريع للأرض بسبب تحرّك طبقة الصخور تحت سطح الأرض، أو بسبب نشاط بركاني. وتقع الزلازل في لحظات غير محدّدة من النهار، أو الليل، وحتّى الساعة، ورغم التطوّر العلمي الهائل، لم يتمكّن العلماء من تحديد وقت حدوث الزلازل، وهي تقع فجأة من دون سابق إنذار، وفي جميع أوقات السنة. ويمكن أن تتسبب الزلازل بوفيّات وإصابات وأضرار في الممتلكات الخاصّة والعامّة، وضياع المأوى، وسبل العيش، وتخريب وتعطيل البنية الأساسية الحيوية، وقد تخلّف مئات الآلاف، أو عشرات آلاف الضحايا من القتلى والجرحى بحسب قوّة الزلزال وشدّته! وترجع معظم وفيّات الزلازل إلى انهيار المباني والتداعيات الثانوية للزلازل ومنها الانزلاقات الأرضية، والحرائق، وأمواج التسونامي والفيضانات، وانهيار وتَضرّر مخازن الموادّ الكيميائية والسامّة وغيرها! وهكذا، وحينما يكون الإنسان في لحظة هدوء وسكون وبهجة، تقع الكارثة، ويجد الإنسان نفسه في لحظة ما يتحرّك ذات اليمين وذات الشمال، ويَنقلّب إلى أضعف الكائنات في الأرض، إنّها لحظات الزلزال، التي لا تدوم إلا لبضع ثوان! وقد قادتنا الأقدار إلى الاستقرار في مدينة تقع على خطّ الزلازل، ومنذ أن نزلنا بها قبل أقلّ من عقد من الزمان ونحن نسمع بزلزال كبير قد يقع في أيّ لحظة! وقبل أسبوع وقع الزلزال الرهيب الذي هزّ المنازل والقلوب والأرواح، وكانت النساء يصرخنّ في الشوارع من شدّة الزلزال، والحكومة أرسلت رسائل تحذير على كافّة الأجهزة الخلوية، وبقيت تطمئن المواطنين أولا بأوّل وتطالبهم بأخذ الحيطة والحذر وعدم الاقتراب من المباني المتضرّرة! وأخطر الزلازل تلك التي تقع في الليل لأن غالبيّة الناس في المنازل، وربما، في نوم عميق! والمخيف في الزلازل هي الهزّات الارتدادية التي لا يُمكن التكهّن بقوّتها، وربّما، تكون، مدمّرة وقاتلة! ووفقا لعلماء الزلازل فإن شدّة تلك الهزّات الارتدادية تتفاوت مع مرور الوقت فتكون قوية خلال الـ(48) ساعة الأولى بعد الزلزال الأول، لكنّها، دوما، تحدث بدرجات أقلّ منه، ثمّ تستمرّ بانخفاض شدّتها بدرجات متفاوتة. إن الرعب العامّ الذي تحدثه الزلازل يقتلع قلوب النساء والأطفال من الصدور! والدروس التي يتعلّمها الإنسان من الزلازل كثيرة وفي مقدّمتها أنه، وفي لحظات الزلازل، يتساوى الناس في أغلب الأوضاع حيث يتساوى المسؤول والمأمور، والغني والفقير، والمؤمن والكافر، والنقي والخبيث، وجميعهم يَتخلّون عن قصورهم ومنازلهم والبنايات والممتلكات التي يعشقونها! وفي لحظات الزلزال تكون غاية أحلام الأغنياء والفقراء خيمة في قلب الفلاة، ويُحْسَد ساعتها البدويّ الذي يسكن في قلب الصحراء على الأمان الذي يعيش فيه، وربما، لا يعرف قيمته! وبعد ساعات الزلزال تكون العديد من الممارسات اليومية عبارة عن أمنيّات كبيرة ومنها الطعام في المكان المعتاد، واستخدامات المياه المختلفة، والنوم العميق، والملابس المرتّبة وحتّى النظيفة وغير ذلك من الفعّاليّات التي لا ننتبه لأهمّيّتها بسبب سلاسة القيام بها! إن الزلازل تُبيّن للإنسان مدى نعمة الاستقرار على الأرض والسكون في الأماكن والهدوء على كافّة المستويات الحياتية! الزلازل تجربة مخيفة مُرَوِّعة تدفع الإنسان لمزيد من التواضع والحبّ والتعاطف والتعامل الإنساني لأن الناس في نهاية المطاف هم «أولاد تسعة» أشهر كما يقول المثل الشعبي الجميل والحكيم!
702
| 02 مايو 2025
الإنسان الراشد العاقل المتكامل العافية لا يمكنه العيش بسلاسة دون طعام وشراب، ولو لأيّام، أو ربما لساعات معدودة؛ لأن الجسم البشري تماما مثل أيّ آلة يحتاج إلى طاقة، ووقوده الذي يَسْتمدّ الطاقة منه هو الطعام والشراب. والمجاعة بعبارة مركّزة هي فقدان الإنسان للأمن الغذائي في منطقة ما نتيجة للعديد من الظروف الطبيعية والبشرية، ومنها الفيضانات والكوارث الطبيعية والحروب. ومحنة أهلنا في غزّة لم تتوقّف عند القتل والتدمير والتخريب ومحاولات التهجير القسري بل وصل مداها إلى جريمة التجويع المتعمّد الذي تمارسه «إسرائيل» على جميع المدنيين في القطاع. والجوع يجعل الإنسان العاقل الراشد في حالة ضعف نفسي وعقلي، وقد يَجعله مثل ذرّات الرمال التي تتطاير من هَول الصواريخ العشوائية التي تطلق في أرجاء غزّة. والأتْْعَس في المؤامرة أن القتل المباشر بالقنابل والطائرات المسيّرة والصواريخ، وكذلك القتل غير المباشر بالتجويع والترهيب طال الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب لهم إلا أنّهم وُلدوا في غزّة في زمن الاحتلال! لقد سحق الجوع الناس في غزّة، ودفعهم من شدّته وقسوته لأكل السلاحف وغيرها من الحيوانات البّريّة والبحرية والبرمائية التي، ربّما، لم يفكّروا في يوم من الأيّام الاقتراب منها، فضلا عن تناولها! إنه الجوع، ذلك الشبح الذي لا يَعْرِف قسوته إلا الذين عانوا من أمواجه العاتية، وبراكينه القاتلة، ومُزِجت لقمة عيشهم، إن توفّرت، بالعرَق والرعب والدم! كيف يمكن التعبير عن حال رجل يلتقط بقايا الطعام من الأرض والحاويات ليسدّ رمقه؟ وهل يمكن لإنسان نبيل أن يلومه وهو الذي يحاول أن يَهرب من سطوة الجوع، وقسوة معركة الأمعاء لعلّه ينجح في تهدئة جسده وتزويده ببعض الطاقة، ولو كانت من «القمامة»؟ ويُجْمِع الأطباء على أن الإنسان النشيط البالغ يمكن أن يمتنع عن الطعام لثمانية أسابيع بشرط ألا يتزامن ذلك مع انقطاع الماء، وهذا الوقت يختلف من شخص لآخر، أما بالنسبة للأطفال فإن بعض الدراسات الطّبّيّة تؤكّد بأنهم يمكنهم مقاومة الجوع لسبعة أيّام فقط! واليوم هنالك في غزّة أزمة غذائية تتعلّق بالأطفال قبل الكبار، حيث ذكر تقرير للمركز الفلسطيني للإعلام يوم 20 نيسان/أبريل الحالي من مدينة خان يونس جنوبي القطاع أن مستشفيات الأطفال، وأجهزة الإنعاش فيها، تُكَافح لإبقاء «هذه الأرواح الصغيرة على قيد الحياة في ظلّ الحرب الإسرائيلية المستمرّة للشهر التاسع عشر، ولم تدخل لغزّة، ومنذ سبعة أسابيع، أيّ شحنات غذائية وطبّيّة مخصّصة لحديثي الولادة»، ويواجه المستشفى أزمة خانقة في توفير الحليب المناسب للأطفال، إضافة إلى نقص حادّ في المستلزمات الأساسية، وبالمقابل تتكدّس إمدادات الغذاء والدواء والوقود عند معابر القطاع! وتشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» إلى أن الأطفال والرضّع في غزّة «ينامون جائعين»، في وقت توشك فيه الإمدادات الأساسية في القطاع على النفاد التامّ! وتؤكّد منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة في الشرق الأوسط «اليونيسف» أن لديها «آلاف الشاحنات المحمّلة بالمساعدات المنقذة للحياة تنتظر دخول غزّة»! ومن جانبها قالت صحّة غزّة، الثلاثاء الماضي، إن» منع إسرائيل دخول تطعيمات شلل الأطفال يُهدّد حياة 602 ألف طفل»! وهكذا تتنوّع الأسلحة «الإسرائيلية» ضدّ أهالي غزّة، ومنها أسلحة التجويع التي لا تختلف عن الطائرات المسيّرة والصواريخ لأنها جميعها تفتك بالإنسان وتسحقه! إنها مأساة غزّة، ولو تصوّرنا مقابلها العبث بأنواع الأطعمة في غالبيّة دول العالم، وبالذات دول الجوار لفلسطين لبقينا في حالة ذهول تدفعنا لاحترام النّعَم، والتوقّف عن التبذير، وتدفعنا للتفكير، مُجرّد تفكير، بالجائعين في غزّة! كيف يَطيب لنا الطعام والشراب وعموم العيش وأهلنا في غزّة يموتون، ويعانون، ويصارعون الجوع نتيجة الحصار «الإسرائيلي» القاتل والشديد؟!
573
| 25 أبريل 2025
فنّ الكتابة من الفنّون الأدبية المشهورة قديما وحديثا، وهو فنّ عُرِف باسم النثر، وله مميّزات تحسينية، وضوابط يُفترض الالتزام بها قَدْر الإمكان. ويسمّى هذا الفنّ بالعديد من الأسماء، ومنها فنّ الكتابة، وفنّ التعبير، وفنّ الإنشاء، وفنّ كتابة النصوص، وفنّ التأليف، وفنّ المقالة، وجميعها يقصد بها قطعة نثرية إنشائية يُعَبر فيها كاتب ما عن وجهة نظره لمعالجة قضيّة محدّدة، أو عدّة قضايا مترابطة في كيان واحد يسمّى المقال، أو المقالة، أو القطعة النثرية. والكتابة تسري على كافة جوانب الحياة الإنسانية، والكاتب يكتب في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنّية والفكرية والرياضية والعلمية وغيرها. وهذا لا يعني أن الكتابة نتاج إنساني فوضوي لا يَلتزم بالضوابط التي وضعها علماء اللغة والأدباء والمفكّرون على مَرّ العصور. ومن أبسط ضوابط الكتابة اللغة العربية السليمة، أو أي لغة يكتب بها الكاتب، والخالية من المفردات الشاذّة إلا عند الضرورة، أو لبيان شذوذها. ويعتبر فنّ الإملاء من الفنّون الواجب إتقانها من الكاتب، فضلا عن أغلب قواعد النحو والصرف وبقية العلوم المرتبطة بالكتابة. ويمكننا ذكر بعض خصائص الكتابة الرصينة أو المقال الرصين، ومنها الترابط الموضوعي، والفكرة الواضحة، واللغة السليمة، والإيجاز غير المخلّ، والأسلوب الجذّاب، وقدرة الكاتب على إبراز شخصيته بالمقال عبر رأي رصين قائم على التجارب والقدرات العلمية. وفي عصرنا الحالي، ومع انتشار وسائل الإعلام الشعبية، مواقع التواصل الاجتماعي، وسهولة استخدام البرامج والنشر الذاتي في الصفحات الشخصية، وكذلك في صفحات الآخرين، جميع هذه الاختراعات، أو الآفات جعلت الكتابة الأصيلة والنافعة في موقف لا تُحسد عليه، بل، ربما، يمكن القول بأن غالبية أحوالها تستحقّ الأسى والزعل. ورغم أن الكتابة اليوم صارت لكل من هبّ ودبّ، ولكل من لا علاقة له حتى بالموضوع الذي يخوض في أعماقه، لكنّنا نحاول تسليط الضوء على الكتابة الصحفية والإعلامية الموضوعية والرصينة والهادفة. ونحاول في هذه المقالة المركّزة أن نسلّط الضوء أو على الأقلّ التوقف عند نوع واحد من الكتابة وهو الكتابة المعارضة سواء أكانت تلك الكتابة سياسية، أو تقويمية، أو اقتصادية وفي أيّ مجال من المجالات المرتبطة بالحكومات، أيّ حكومة، سواء اتّفقنا معها أم اختلفنا. ولا خلاف بأننا أمام حكومات بشرية يمكن أن يقع منها الصواب والخطأ، وهذا ديدن كافّة الحكومات منذ قيام أبسط حكومة على الأرض وصولا للحكومات الإلكترونية في الغرب، وفي بعض دولنا العربية. ينبغي بداية على الحكومات الحكيمة أن تقبّل الانتقادات البنّاءة المكتوبة بقلب محبّ، ولسان نقي، وروح صافية، وفكر أصيل، ومداد مخلص، لأن هذا النوع من الكتابة لا يقلّ أهمّيّة عن أفكار المستشارين والخبراء القانونيين والمفكّرين، وهي بالنتيجة نصيحة مُحِبّ يرى القضية من زاوية أخرى، وقد يكون مصيبا، وقد يكون مخطئا. والحكومة النبيلة يفترض أن تكون لديها مجموعة إعلامية تدرس وتقرأ الكتابات النقدية، وبعدها ترتبها بملفّات محدّدة بحسب المواضيع، وتُقدّم لرئيس مجلس الوزراء للاطلاع عليها على أقلّ تقدير. وبالمقابل يفترض بالكاتب الحقيقي والوطني والأصيل أن تكون كتاباته قائمة على أساس علمي وموضوعي، ومبنية على معلومات دقيقة وليست خيالية، وهادفة للتصحيح والتقويم وليس التخريب والتشهير. وهذه الكتابة يجب أن تكون خالية من السبّ والشتم والطعن بالأعراض، وبعيدة عن الفوضى الهادفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المشاهدين، أو القراء، ولو على حساب شرف المهنة وموضوعية القلم والرأي. لنجعل من الكتابة الرصينة والموضوعية والدقيقة بوابة واسعة لتقويم الإنسان، أي إنسان، دون أن تكون كتاباتنا مزوّرة للواقع، وساعية لتلميع صور القتلة والمجرمين والسراق. أيها الكتاب: اهتمّوا بأقلامكم فإنها الأساس المتين لبناء الوطن والناس.
591
| 18 أبريل 2025
كثيرة هي الحوادث الطبيعية والحياتية التي لا تَستأذن في وقوعها، وهي، وإن تعدّدت أسبابها، قد توقع الضرر على الإنسان والحيوان والكون! وتتنوّع الحوادث الطبيعية والبشرية ما بين الزلازل والأعاصير والبراكين والحروب وحوادث الطائرات والسيّارات والقطارات، وغيرها من سلسلة الحوادث التي لا حصر لها على كوكب الأرض! ونجد في جميع تلك الحوادث الكثير من صور التكاتف الإنساني لتقديم العون والمساعدة لتقليل الآثار، وترميم الضرر، وتقديم الدعم المادّي والمعنوي. وهذا الدعم قد يكون على مستوى الداخل ضمن المؤسّسات الرسمية، أو على مستوى الخارج ضمن المعونات الدولية البشرية واللوجستية، وهذه جميعها صور نبيلة تزرع الأمل، وتسقي شجرة المحبّة والتعايش على الأرض! وسط هذه الظروف تبرز كارثة الحروب البشرية التي تقتل الإنسان، وتُبدّد الأحلام، وتسحق الطفولة، وتسرق الأمل، وتُخلّف الخراب والدمار وصرخات اليتامى ودموع الأمّهات والزوجات، تماما مثلما هو الحال في غزّة! ما يجري في غزّة منذ شهر تقريبا، ومنذ أن قرّرت «إسرائيل» ضرب المفاوضات والعودة للغة الحديد والنار يُعَدّ مأساة بشرية، حيث تسقط كلّ يوم مئات الصواريخ على أجساد عارية وخيّام ممزّقة، وكأنّها حرب لمحو الإنسان والأرض! عادت «إسرائيل» لتحرق الناس والمنازل والخيّام والمساجد والتكايا والمدارس والمستشفيات وسيّارات الإسعاف وكلّ ساكن ومتحرّك في غزّة! هذا التوحش «الإسرائيلي» دفع أصحاب الضمائر النقية في العالم للوقوف مع غزّة في دعوات المقاطعة الاقتصادية والمظاهرات والدعوة للإضراب العالمي يوم السابع من نيسان/ أبريل الحاليّ، وهذه دلائل كبيرة على صحّة النضال الفلسطيني وبطلان المشروع «الإسرائيلي»! والضَّمِيرُ، وفقا لقواميس اللغة، هو استعدادٌ نفسي لإِدراك الخبيث والطيّب من الأعمال والأقوال والأفكار، والتفرقة بينها، واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها. ويقال وَخْز الضَّمير، وعذاب الضَّمير، وتأنيب الضَّمير ويُقصد بها ما يَحسّه الفردُ من عذاب، أو ندم، أو اتّهام لذاته بارتكاب غلطة، أو خطأ نتيجة سلوك قام به، ولهذا يقال عنه يَتصرّف دون وازع من ضميره، وبأنّه فاقد للضَّمير، أو معدوم الضَّمير! ومقابل الضَّمير الفردي والمحلي هنالك الضَّمير العالمي ويتمثّل بالمشاعر الصافية في النفوس الرافضة للظلم التي تهتدي إلى مبادئ الأخلاق بعفويّة وتلقائيّة، وتقف إلى جانب المظلومين والمستضعفين! وهذا ما لمسناه في عشرات المدن التي أيّدت غزّة ووقفت ضدّ الطغيان «الإسرائيلي»، وهكذا، ومن قارّة إلى قارّة، تنتقل صرخات الضمير العالميّ المتلاحم والمتكاتف مع غزّة والرافض للقسوة الصهيونية في سياستها الإرهابية لمحو القطاع! التلاحم الإنساني في مواجهة القتل والدمار الصهيوني سيرسم أروع لوحة عالمية تُعبّر عن التضامن والتكاتف الإنساني في مواجهة الهمجية «الإسرائيلية» التي لا تعترف بإنسانية الإنسان، ولا بوجود قوانين دولية ضابطة للدول الأصيلة، أو «الكيانات اللقيطة»! وتحاول «إسرائيل» تطبيق خطّة التهجير التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولكن بأسلوب فاحش، تكون فيه غزّة عبارة عن أرض فارغة ومليئة بأكداس البشر وآلاف أطنان الحديد والحجارة! وهذا ما أكّده بنيامين نتنياهو بعد لقائه ترامب يوم 7 نيسان/ أبريل الحالي بأنهما تحدّثا عن خطّة ترامب «الجريئة» لإخراج الفلسطينيين من غزّة «بما في ذلك أن تَقبل الدول الفلسطينيين بإرادتهم الحرّة»! وتسعى «إسرائيل» المتخلفة إلى أن تُثْبت للعالم، ولو بمحو غزّة وأهلها، أن المقاومة أخطأت في استهداف مناطق غلاف القطاع، وكأنها صاحبة الحقّ والأرض، وهذا قمّة الاستخفاف بعقول الناس، وقمّة الاستهتار والتلاعب بالقوانين الدولية والإنسانية. يبدو أن إنسانيتنا، أو ما تبقى من إنسانيتنا، بحاجة لمزيد من الوعي بأهمّيّة الحفاظ على كيان الإنسان وزرع الرحمة في القلوب وطرد الكراهية والأحقاد! الوقائع تؤكّد بأن غزّة لا تَنْكسر ولا تَموت رغم كلّ الصواريخ والطائرات المسيّرة، وستبقى غزّة النبع الذي يُغذّي الكرامة لفلسطين والأمة والضمائر الإنسانية العالمية.
561
| 11 أبريل 2025
العيد ذلك الزائر الذي يَصرّ على نشر الأفراح والارتياح والانشراح والسعادة والسرور والغبطة والمرح والمسرّة والهناء والابتهاج والاستبشار أينما حلّ ولو في أصعب الظروف وأقسى الأزمان! والعيد هو يوم الجائزة والاحتفال والوليمة والاحتفال والفرح والتسامح والصفح واللين والرفق والعفوّ! وبعد القفزات العلمية الهائلة في عالمنا اليوم لا يُمكننا أن نقارن بسهولة بين أعياد الماضي وأعياد الحاضر، وحينما نقول «أعياد الماضي» لا نعني قبل مئات السنين، بل قبل 40 سنة تقريبا، حيث كانت الأعياد بسيطة جدا! بالأمس، الماضي، كان العيد يتمثّل ببضعة مراجيح للأطفال، ودواليب الهواء الصغيرة المتقلّبة، وبضع عربات تجرّها الخيول لجولة بسيطة في الشوارع الترابية، ورغم هذه البساطة كانت السعادة تملأ الزمان والمكان ولا يمكن التعبير عنها إلا مِمّن عايشوها لأنها من الأمور الذوقية التي لا يمكن التعبير عنها بسهولة، ومهما كانت قدرات الكاتب البلاغية والانشائية! كان الناس يَستعدّون للعيد منذ أيّام وأيّام، وكانت العوائل تشتري الجديد للأطفال والنساء من الملابس وبقية الكماليات، وكان الأطفال يحاولون لبس ثيابهم الجديدة في ليلة العيد وينامون بها على الرغم من رفض الأمّهات لهذه التصرّفات لكنّهم، ولفرط فرحتهم، يُصرّون على النوم بملابسهم لأنهم لا يُريدون أن يَهْرُب العيد منهم، بحسب ظنّهم، وهم نائمون! كان أطفال الأمس يمتازون بالقناعة في كل شيء، وهم رغم فقرهم في قمّة السعادة والسرور، بينما غالبيّة أطفال اليوم لا يفرحون بملابس العيد لكثرة الملابس التي يمتلكونها، وكذلك لا يفرحون بالذهاب لمدن الألعاب، الملاهي، لأن غالبيّتهم مولعون بالألعاب الإلكترونية في الهواتف المحمولة وبقيّة أجهزة التسلية! بالأمس كانت الأمّهات يَتسابقنّ لعمل حلويّات العيد، التي تختلف مسمّياتها من بلد لآخر، فهي المعمول، والكليجة، والكعك وغيرها من المسمّيات، بينما غالبية العوائل اليوم تشتري حلويّات العيد جاهزة من المخابز بعيدا عن الحفاظ على العادات والتقاليد الموروثة! بالأمس القريب كان العيد يوم التزاور والتراحم، والتبريكات، وكلّ مَنْ لديه مظلمة، أو خلاف ومشاحنة مع أحد يَجد في العيد مناسبة راقية لبداية جديدة من التعايش الإنساني، وهذه العادات تراجعت اليوم بقوّة، واكتفى غالبية الناس بالرسائل النّصّية عبر «الهواتف المحمولة»! وبعيدا عن مسألة الاختلافات والفروقات بين أعياد الأمس واليوم، لا أدري كيف يمكن أن نحتفل بالعيد وأهلنا في غزّة يعانون من هول الحروب والصواريخ والطائرات المسيّرة والدمار والحصار؟ والصاعق والمفاجئ والعجيب أن الفلسطينيين اللاجئين والمحاصرين في غزّة يصرّون على استقبال العيد رغم كلّ الهموم والأتراح! وذكر تقرير لوكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا»، يوم 28 آذار/ مارس 2025، من مخيّم الشاطئ للاجئين شمال غرب غزّة، «تعدّ مجموعة من النساء والفتيات كعك العيد «المعمول»، قبل أن» يخبزنّه على فرن الحطب، لاستقبال عيد الفطر، رغم استمرار حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي»! وأغرب كلمة وردت في التقرير قالها المواطن «فتحي أبو شاب»: «ماذا سأفعل هذا العيد وأنا لا أملك أيّ نقود لأعيّد أخواتي وأبنائي؟ كانوا ينتظرون العيد كلّ سنة لأمنحهم بعض الفرح، أما اليوم، فأنا بلا عمل، وبلا مال، وبلا قدرة على إسعادهم»! وهذه الصور المؤلمة تنحر فرحتنا بالعيد لأن أخوتنا في غزّة لا يعرفون أيّ طعم للحياة، فضلا عن العيد! وهكذا تستمرّ، مع هذه المعاني الجميلة والناعمة للعيد، معاناة غزّة، وربّما هذا هو العيد الرابع منذ السابع من أكتوبر وحتّى اللحظة الذي يمرّ على غزّة وهي لم تلبس بعد ثوب العيد والسلام والأمن! ولكن، ورغم مشاهد الهدم والتدمير لكافة أركان الحياة، ورغم ضياع عشرات آلاف الأنفس من الشهداء، ومثلهم من الجرحى إلا أن الصمود الفلسطيني النادر يصنع الأمل ويتحدّى الصعاب! هذا الحلم الفلسطيني والإصرار على التمسك بالحياة والأرض والاحتفال بالعيد هو السّرّ الأكبر الذي لا يمكن تفهّمه من قبل أعداء فلسطين! وهكذا تتواصل أعيادنا بين الذكريات والمخاوف! كلّ عام والجميع بخير.
597
| 04 أبريل 2025
جاء في بعض قواميس اللغة أن الإنسانيَّة جُمْلَة الصفات التي تُميِّز الإنسان، وهي مجموع خصائص الجنس البشريّ التي تُميّزه عن غيره من "الأنواع القريبة، وهي ضدّ البهيميّة والحيوانيّة". وبالمقابل هنالك مصطلح "اللا إنسانيَّة" ويُراد به إهدار قيمة الإنسان وحقوقه، والإيمان بالعنصريّة، والقسوة في معاملة الآخرين. والإنسان، أي إنسان، قيمة عليا في الأرض، ولا بُدّ أن يُحترم كيانه وفكره دون النظر إلى سلالته وعرقه ولونه ولغته، وغيرها من عناصر التناحر البشري الشكلية والعرقية والعشائرية والقبلية والعنصرية والمالية والسلطوية والمجتمعية. والإنسان سواء أكان من الحكام أم المحكومين، ومن السود أو البيض، ومن الفقراء أو الأغنياء، وسواء أكان من الرجال أم النساء، والصغار أو الكبار يجب أن يُحترم، وألا تُمسّ إنسانيته بما يَخدشها، وألا يُتَعرض له إلا في الأحوال التي تتعارض فيها "إنسانيته" مع إنسانية الآخرين، إنسانية المجتمع، وهنا تكون الكلمة الفصل للقانون والقضاء. والمبادئ الإنسانية النبيلة قائمة في الأنظمة الصّحّية الكريمة، التي تَحترم إنسانية الإنسان وتحافظ عليها بما تَمْلُك من قدرات قانونية وأمنية ومالية وفكرية وتربوية وعلمية، وحتى الرياضية والفّنّية. وخلافا لتلك الأنظمة الراقية هنالك الأنظمة الهابطة التي تُحارب الإنسان وتسحقه وتتلذّذ بقتله، وتخريب مدنه وممتلكاته ومجمل حياته، وهذه الحالات "اللا إنسانية" قائمة في الأنظمة السقيمة، ومنها الكيان الصهيوني وطريقة تعامله الهمجي مع الفلسطينيين! والتصرفات الصهيونية "اللا إنسانية" تتمثّل حاليا بأبشع صورها في الجرائم المستمرّة لسحق الشعب الفلسطيني في غزة، وخصوصا بعد أن عادت "إسرائيل"، قبل أسبوعين، لقتل المدنيين العزّل بعد أن ضَرَبت بهدنة وقف القتال عرض الحائط، واستندت إلى قوتها وهمجيتها في تعاطيها مع أهالي غزة!. وهنالك اليوم مئات الصور الإنسانية الراقية حول العالم، التي تنادي بضرورة التعامل الإنساني مع أهالي غزة، والوقوف في وجه الهمجية "الإسرائيلية". ومن هذه الصيحات الحرّة "الكلمة الإنسانية" التي هزّت أركان البرلمان الإيطالي، يوم 21 آذار/مارس 2025، والتي أطلقتها المحامية وعضو مجلس النّوّاب "ستيفّانّيا أسكاري" وممّا قالته: عندما استيقظت هذا الصباح رأيت صورة طفل فلسطيني قُتِل الليلة في القصف "الإسرائيلي" على غزة، وكانت تنام بجانبي طفلتي، ومباشرة احتضنتها، وقد انتابني إحساس عميق بالألم لما يعيشه الآباء في غزة، وأبشع كابوس ممكن أن يعيشه الأهل هو موت ابنهم، إن كل ما يحدث أمر مروّع فقد قتل في ليلة واحدة 400 شخص، بينهم 130 طفلا!. هل أُصِبْنا بالجنون، وهل هؤلاء الأطفال إرهابيون أم أبرياء؟ وختمت كلمتها بالقول: "لقد فقدنا كل شيء، وضاعت الحقوق، وضاعت العدالة، وفقدنا التمييز والإدراك، وفقدنا الضمير الحيّ والأهم من ذلك فقدنا الإنسانية، لِنَعُد إلى إنسانيتنا"!. وفي اليوم التالي انهارت الدكتورة الأمريكية "تانيا الحاج حسن"، من منظّمة أطباء بلا حدود، وبكت بمرارة خلال جلسة الأمم المتّحدة عندما تحدّثت عن غزة، وخاطبت العالم: "نحن لسنا مجهولين، نحن أُناس خلقنا الله. لا يستطيع أهل غزة أن يتحدّثوا عن أنفسهم ويدافعوا عن غزة هنا لأن" النظام الذي نعيش فيه حاليًا لا يعترف بحقّهم في الحياة"! وغيرها العديد من المواقف الرافضة للوحشية "الإسرائيلية"، كون أحوال غزة الحالية تُمثّل انتهاكًا صارخًا لأبسط المبادئ الإنسانية. ما أحوجنا اليوم إلى إحياء القيم الإنسانية الأساسية التي تاهت وسط ضجيج الديمقراطية والإرهاب، وما يجري في غزة حالة متوحّشة بعيدة عن القوانين والأعراف والتقاليد والأخلاق الإنسانية النبيلة!. الجرائم "الإسرائيلية" تخطّت جميع الخطوط الحمراء، وضربت كافّة القوانين والأخلاق، المدنية والعسكرية، وهذه حالة خطيرة لا يمكن أن تخلو من تداعيات مستقبلية ليس فقط في فلسطين والمنطقة، بل، وربّما، في غالبية الدول الغربية! حافظوا على الإنسان، وانصروا القضايا العادلة حتى تستمرّ حياتنا على الكوكب بعيدا عن الإرهاب والخراب والضياع!. @dr_jasemj67
957
| 28 مارس 2025
يَحلم آلاف الشباب العرب وغيرهم أن يدخلوا إلى تخصصات الطّبّ البشريّ وذلك كون هذه المهنة من المهن التي تدرّ الأموال الطائلة وتمنح أصحابها «مكانة اجتماعية رفيعة»! ويُفترض بالعاملين بالمجالات الطبية من الأطباء والممرّضين والصيادلة وحتى سائقي الإسعاف أن يَمتازوا بقدر جيّد من الرحمة والرأفة والرفق بالناس، لأن مهنتهم تتعلّق بالإنسان الضعيف، والمريض المحتاج لأبسط اللمسات الإنسانية الراقية المخففّة للآلام والأوجاع! ولكن، مع الأسف، صارت مهنة الطّبّ لدى نسبة ليست قليلة من الأطباء بوّابة لسحق أموال المرضى، الذين، ربما، يضطرّون لبيع أغلى ممتلكاتهم للتخلّص من الآلام والأسقام! ومع هذه الأجواء السقيمة تَبرز لنا العديد من الصور السليمة في العالم، التي تُظْهِر ثُلّة من الأطباء الذين نَذروا أنفسهم لخدمة الناس، وبالذات الفقراء منهم، دون أيّ مقابل مادّيّ! وهذا الأمر متوقّع وممكن ولكن حينما يتعلّق الأمر بالحياة والموت والعمل في ظروف إنسانية قاسية فهنا تكون مرحلة التمايز الحقيقي! والطبيب الإنسان يعمل في أوقات السلم والحرب، ولكن الأطباء الأوفياء هم الذين يعملون في مناطق القتال وبإرادتهم ورغبتهم، وهم قلّة قليلة! وعند المقارنة بين ظروف السلم والحرب لَكَ أن تتخيّل غالبية العيادات الطّبية العامّة والخاصّة وهي تنعم بالرفاهية والأجهزة الحديثة والديكور والأثاث المميّز، وبقية صور التنعّم والترفيه، وبالمقابل لَكَ أن تتخيّل مستشفيات غزّة وأوضاعها المأساوية تحت نيران الدبابات «الإسرائيلية» والصواريخ الدقيقة وبعيدة المدى والطائرات المسيّرة، وفي ظلّ هذه الأجواء المليئة بالخوف والرعب والموت نجد ثلّة من العاملين في المستشفيات قرّروا الصمود والثبات ومعالجة الجرحى في أوضاع صعبة لدرجة أنهم اضطرّوا في مراحل طويلة إلى إجراء العمليات الجراحيّة دون تخدير موضعي أو عامّ! وقد أكّدت وزارة الصّحّة الفلسطينية مقتل أكثر من 1000 طبيب وعامل في القطاع الصحي، وكذلك اعتقال أكثر من (350) فردا من كوادرها منذ 7 أكتوبر 2023، استشهد ثلاثة منهم داخل السجون «الإسرائيلية»! ولا خلاف بأن كلّ فرد فلسطيني في غزّة يستحقّ أن يُذْكر وباسمه وبالفخر والاعتزاز، ولكن، ولصعوبة هذا الأمر، سنركّز على الجانب الصحي، وسنلخصه بحكاية الطبيب «حسام أبو صفية»! والرجل طبيب فلسطيني مختصّ بطبّ الأطفال، وكان يُدير مستشفى «كمال العدوان» شمالي غزّة! وقد قرّر، ومعه رفاق المهنة، الثبات والصمود في مواقعهم، وهذا الموقف يعلمه قادة الاحتلال الذين حذّروه لأكثر من مرّة! وقد عانى عموم أهالي غزّة، ومنهم العاملون في القطاع الصحي من الحصار «الإسرائيلي» الذي فُرِض بداية تشرين الأول/ أكتوبر 2024 ومنعوا عنهم الطعام والماء، وكثّفوا عليهم هجماتهم العشوائية الجنونية! وبعد الحصار بثلاثة أسابيع اقتحم الاحتلال مستشفى العدوان، واعتقلوا «أبو صفية» ومئات المصابين والطواقم الطبية، ثم أفْرِج عنهم بسبب الضّجة الإعلامية التي تَلَت فعلهم الهمجي! ورغم إصابته بجروح خطيرة بعد استهدافه بطائرة مسيّرة، ورغم استشهاد ابنه في غارة جوّية، ورغم جميع الصعوبات والتحدّيات رفض «أبو صفية» مغادرة المستشفى، وبَقِي صامدا كصمود بقيّة الفلسطينيين! وفي نهاية المطاف اعتقلت «إسرائيل» الطبيب «أبو صفية» قبل نهاية العام 2024 بثلاثة أيام بعد أن سار إليهم بنفسه وسط الركام، وأخذوه بدبّابة لوحده، وحتى اليوم هو رهين الحبس والاعتقال! وهذه التصرفات الصهيونية خلاف القاعدة (28) من القانون الدولي الإنساني العرفي، والمؤكدة على وجوب «احترام وحماية الوحدات الطّبية المخصّصة لأغراض طبّية»! وظهر «أبو صفية»، يوم 19 شباط/ فبراير 2025، من داخل المعتقل في مقطع مصوّر نشرته القناة «13» العبرية، وهو مكبّل اليدين والقدمين ويبدو عليه الإرهاق والتعب! وهكذا تستمرّ قناعة الأحرار بأن سبيل التحرير مُعَبّد بدماء الشهداء، وثبات رجال المقاومة، والأطباء وعموم المواطنين الفلسطينيين! استهداف «إسرائيل» المستمرّ للكوادر الطّبية سيُضاف لسجلاتهم المليئة بالانتهاكات الإرهابية، وبالمقابل سيَكتب التاريخ مواقف أهل غزّة بمداد البهجة والفخر والاعتزاز!
711
| 21 مارس 2025
ليس من الهيّن الحديث عن الأمل في مراحل اليأس، والنور في زمن الظلمة، والسلام تحت نيران الحروب والفتن، والبناء في عصر الخراب. وهكذا فإن المشاهد المخيفة التي خلفتها آلة الحرب الوحشيّة للنظام السوري تذكرنا بدمار الحربين العالميتين الأولى والثانية وغيرهما، وخصوصا في هيروشيما اليابانية، وجورنيكا الإسبانية، وروتردام الهولندية، وبرلين ودرسدن في ألمانيا، ولندن وكوفنتري في بريطانيا، وستالينجراد الروسية، وهوي الفيتنامية، والفلوجة العراقية وغزة الفلسطينية وغيرها!. والثورة الشعبية السورية أظهرت نظام بشار الأسد على حقيقته، وكانت مناسبة لبيان مدى حقده على الشعب وسعيه الحثيث لسحقه وإنفاقه لغالبية الثروات الوطنية لشراء الأسلحة القاتلة للمواطنين والمدمرّة للوطن عبر هجمات عشوائية وهمجيّة استمرّت منذ عام 2011 ولغاية نهاية عام 2024!. وسبق لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNITAR) أن أصدر يوم 17 آذار/ مارس 2019 دراسة مَسْحيّة للدمار الحاصل في نحو 16 مدينة وبلدة سورية. وذكرت الدراسة أن حلب أكبر المدن المتضرّرة، وقد وصل عدد المباني المدمرّة فيها إلى نحو 36 ألف مبنى، تلتها الغوطة الشرقية بـ 35 ألف مبنى مُحطم!. وجاءت مدينة حمص في المرتبة الثالثة وفيها (13778) بناء، ثمّ الرقة (12781) بناء مدمّراً، وحماة (6405) أبنية، ودير الزور (6405) أبنية، ومخيّم اليرموك (5489) بناءً!. ومن المؤكد أن هذه التقديرات تقريبية، نتيجة صعوبة الحصول على إحصائيات دقيقة، حينها، بسبب سطوة النظام والعمليّات العسكريّة القاتلة التي لا تفرق بين المدنيّين والمسلّحين. ولا أحد يَعْرف كم حجم الدمار العامّ اليوم، وقد تظهر، قريبا، إحصائيات «دقيقة» لأعداد البنايات والمنازل والمزارع والبساتين السورية المدمرّة، ولهذا لا يمكن تحديد تكلفة الإعمار حتى الساعة كون الموضوع بحاجة لخبراء ودراسات وإحصاء وغيرها من ضروريات إعادة البناء. وهنالك تقديرات أممية في عام 2018، تؤكد أن اعمار سوريا بحاجة إلى 300 مليار دولار، فيما صرّح المبعوث الروسي ألكسندر لافرنتييف نهاية عام 2021، بأن تقديرات الإعمار تصل إلى 800 مليار دولار!. وقدّر نائب الممثّل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، محمد مضوي، يوم 24 كانون الثاني/ يناير 2025، تكلفة إعادة الإعمار بين 100 و300 مليار دولار تقريباً، وغيرها من التقديرات المتقاربة والمتباعدة. ويفترض بخطط إعادة الإعمار ألا تقتصر على البنايات والمنازل، وينبغي شمولها لشبكات الكهرباء والماء والطرق والجسور والمرافق الصحية والخدمية والتعليمية، وهذه جميعها أصابها الدمار والخراب بنسب متفاوتة. إعمار سوريا، يتطلّب مئات مليارات الدولارات، ولكن، وبعيدا عن لغة أرقام الأموال، فإن الثروة السورية الأكبر تتمثّل بالإنسان، وقد تابعنا العديد من التقارير التلفزيونية والإخبارية والصحفية، قبل أيّام، وهي تظهر عودة مئات السوريين المستقرّين في أوروبا وأمريكا وبقيّة دول العالم البعيدة والقريبة، وهذه دلائل قاطعة على التعلّق بالوطن والحرص على إعادة البناء والإعمار والصبر والتحمّل من أجل وطنهم الجديد. وقد لاحظنا بعض المدارس في حمص عادت إليها الحياة وهي مدمّرة، وطلابها بمدارس نصفها مُهَدّم، وهذه أدلة قاطعة على حبّ السوريين للعلم والعطاء. ولكن، وللأسف الشديد، رأينا أن بعض القوى «الموالية» للنظام السوري حاولت، قبل أسبوع، خلط الأوراق لتشتيت المشهد السياسي والاجتماعي!. وشهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس مواجهات قاسية بين بقايا «فلول النظام السابق» وقوّات الأمن السورية خلّفت عشرات القتلى والجرحى، كادت أن تقود لفتنة يستفاد منها «الغرباء»!. ولاحقا شكّلت الرئاسة السورية «لجنة وطنية مستقلّة» للتحقيق في «أحداث الساحل» ومحاسبة كافة المقصرين، هذه الأحداث الخبيثة لا ترشد للخير والأمن والتلاحم الاجتماعي بل تقود للشّرّ والفوضى والتناحر المجتمعي. عَمّروا سوريا بالأمن والعلم والمحبّة وستجدون، حينها، أن المال هو آخر التّحدّيات قياسا بالأمل المدهش للسوريين وحُبّهم الخرافي لوطنهم.
1098
| 14 مارس 2025
دَعت القوانين السماوية والأرضية لحماية الإنسان، أيّ إنسان، في الظروف الطبيعية البعيدة عن الحروب، وكذلك حماية "الخصوم" من العسكريين والمساندين لهم في مرحلة الوقوع في الأسر أثناء الحروب! ويكفل القانون الإنساني الدولي حماية الأشخاص الذين يقعون في الأسر أثناء النزاعات المسلّحة، وقد نظّمت اتّفاقيّة جنيف الثالثة لعام 1949 معاملة أسرى الحرب! وهذه المعاملة تشمل عدم استعمال الأسر والاحتجاز حجّة للانتقام وسوء المعاملة، أو التعذيب للحصول على معلومات من الأسرى، وأيضا ضرورة حصولهم على الرعاية الطّبّيّة والطعام والسكن وغيرها من الضروريات! وبعد حرب غزّة، وانطلاق المرحلة الأولى من اتّفاق وقف إطلاق النار وبداية عمليات تبادل الأسرى لاحظ العالم الفرق الهائل بين أوضاع الأسرى الصهاينة لدى المقاومة الفلسطينية والأسرى الفلسطينيين لدى "إسرائيل" من حيث القدرات البدنية والعقلية والنفسية! ومع ذلك حاولت حكومة بنيامين نتنياهو قلب الحقائق والادعاء بأن أوضاع الأسرى الصهاينة سَيّئة جدا! وخلافا للافتراءات الصهيونية أعلن طبيب بمستشفى شيبا "الإسرائيلي" الذي نُقِلَت اليه الأسيرات الثلاث بعد الإفراج عنهنّ من غزة، يوم 20 كانون الثاني/يناير 2025: "أنا سعيد بإبلاغكم بأنّهنّ في حالة مستقرّة!" وبالمقابل فإن شهادات عشرات الأسرى الفلسطينيين المُفْرَج عنهم أكّدت بأن الاحتلال تعمّد حرمانهم من الرعاية الصحّيّة والطعام والنوم، تماما مثلما تعامل مع المدنيين العزّل في غزة، ونشر بينهم الموت والاعاقة والدمار والخراب فضلا عن حرمانهم من الغذاء الماء والدواء والخيام! وهنالك عشرات الأسرى المُفْرَج عنهم، وفقا للهلال الأحمر الفلسطيني، نقلوا إلى المستشفيات "المتهالكة" داخل غزّة بسبب "وضعهم الصّحّيّ الصعب"! وتفاوتت أوضاع الأسرى الفلسطينيين السيّئة بين الهزال الكبير، وفقدان الذاكرة، والصعوبة في المشي والتحرّك، والأمراض الجلدية، وخصوصا الجرب، وغيرها من الأمراض الجسدية والنفسية! وأظهرت تقارير المستشفيات الفلسطينية أن بعض الأسرى من مرضى السّكّرّيّ، عانوا من الإهمال التامّ ممّا تسبّب ببتر قدم أحدهم، ويد الآخر! ولم يتوقّف الأمر عند الإهمال الصّحّيّ والغذائي بل أكّد العديد من الأسرى الفلسطينيين بأنهم كانوا يتعرّضون إلى التعذيب والتنكيل في سجون حكومة نتنياهو! ويمكن اختصار الحقد الصهيوني بالإبقاء على الأسير، المُفْرَج عنه، "كاظم زواهرة" في الأسر رغم أنّه في حالة غيبوبة، وفقا للهلال الأحمر الفلسطيني! وتعمّدت "إسرائيل" معاملة الأسرى بوحشية وهمجية عند تسليمهم للصليب الأحمر الدولي، الذي أعرب عن غضبه بسبب "اقتياد الأسرى الفلسطينيين بعد رفع أيديهم المكبّلة بالأصفاد خلف رؤوسهم وهو وضع مؤلم"! لقد أثبتت المرحلة الأولى من عمليّات تبادل الأسرى بأن إنسانية المقاومة الفلسطينية مُتقدّمة بدرجات كبيرة على همجيّة قوّات الاحتلال في التعامل الإنساني رغم أن الظروف في غزّة كانت مليئة بالموت والقتل الجماعي والإرهاب العشوائي الذي استخدمه قوّات الاحتلال والمتمثّل بتدميرها لأكثر من ٨٠% من القطاع، ومع ذلك كانت الظروف الإنسانية "الجيدة" للأسرى الصهاينة لا تُقارن بالحالات المؤلمة التي ظهر فيها غالبيّة الأسرى الفلسطينيين! منطقيّا لا يمكن توقّع أن الظروف الإنسانية التي يَتواجد فيها الأسرى الصهاينة في غزة صحّيّة وآمنة، ورغم ذلك أظهرت الصور المنقولة لأرجاء العالم، الأسرى الصهاينة، المُفْرَج عنه، وهم يرتدون ملابس جديدة ونظيفة ويتمتّعون بصحّة تامّة! فكيف حافظت المقاومة على حياتهم، فضلا عن صحّتهم، وطعامهم وبقيّة احتياجاتهم الضرورية؟ قوّات المقاومة، أيّ مقاومة، التي تُقاتل لاسترجاع الحقوق الأصيلة، الإنسانية والتاريخية، دائما تُحْسِن معاملة الأسرى، والقوّات المحتلّة والمليشيات دائما تُسْيء معاملة الأسرى! النضال الفلسطيني الأصيل، ورغم التحدّيات، مُتمسّك بالقيم والمبادئ الإنسانية النبيلة، وهذا دليل على الترابط التاريخي الجامع بين المقاومة والحقوق الأصيلة التي تقود في نهاية المطاف إلى تحقيق النصر والخلاص التامّ من الاحتلال ومشاريعه التوسعية التخريبية! @dr_jasemj67
1245
| 07 مارس 2025
مُلِئَت كتب التاريخ والسياسة ببعض المصطلحات البغيضة، التي كنّا نعتقد أنه قد انتهى عهدها ومنها الرجعية والامبريالية الكولونيالية، الاستعمارية، وغيرها من المصطلحات المرتبطة بالاستعمار وتدمير الدول وسحق الحقوق الإنسانية والتاريخية من طرف القوى المتسلّطة! وتوهّمنا بأن غالبية الميادين السياسية، والعقول التي تُدير العالم، وقواميس العلاقات الدولية، والصالونات الثقافية قد غادرت تلك المصطلحات التوسعية، كونها قائمة على سياسات «همجية سقيمة» أرهقت الشعوب الفقيرة والمغلوب على أمرها، ولكن يبدو أن الواقع الفلسطيني الحالي أعاد تلك المصطلحات المقيتة للواجهة السياسية، وخصوصا الإمبريالية! وتُعرّف الإمبريالية (Imperialism) بأنها دعوة لبسط السلطة والهيمنة عن طريق الاستحواذ المباشر على الأراضي، أو بفرض السيطرة السياسية والاقتصادية على دول أخرى. والإمبريالية سياسة توسعية استخدمتها الدول القوية الكبرى للسيطرة على مُقدّرات الدول الضعيفة الهشّة، ونَفّذتها بالتدخّل العسكري الكلّيّ المباشر أو التحكّم الجزئي غير المباشر عبر دعم الانقلابات العسكرية في الدول المُستهدفة! والامبريالية الاستعمارية برزت في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتمثّلت بالاستعمار والاحتلال التامّ لدول آسيوية وأفريقية والهند وغيرها. وهذه الإمبريالية «الشائعة» تَحوّلت، لاحقا، إلى الإمبريالية الاقتصادية المتمثّلة بالشركات المتعدّدة الجنسيّات، وقروض البنك الدولي، والتحكّم بالأسواق العالمية وبغالبية مصادر الموارد الطبيعية وأسواقها، والتلاعب بالعقول بواسطة الإمبريالية الثقافية والفكرية والتكنولوجية وغيرها! وحقبة الامبريالية والكولونيالية كانت واضحة لغاية خمسينيّات القرن الماضي ثُمّ تراجعت بوضوح. ولاحقا، وتحديدا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والتفرّد الأمريكي بقيادة العالم، ظهرت سياسات توسعية قائمة على القوّتين العسكرية والاقتصادية، وكانت بأدوات خفيّة، أو بترتيب لأسباب حقيقية ووهميّة لتبريرها! وعادت «الإمبريالية» اليوم بصورة علنية وغريبة من خلال السياسة الأمريكية الخارجية القائمة على القوّة، والمتمثّلة بقرارات الرئيس دونالد ترامب وفريقه «الحيوي» المستوعب تماما للأفكار «الترامبية»! وهذه المعاني السياسية المرهقة تتّضح عبر السياسات المتوائمة والمتوافقة ما بين واشنطن و»إسرائيل»، وبرزت بشكل أبرز وأقوى بعد دخول الرئيس ترامب للبيت الأبيض بداية العام الحالي، والتعاطي «المتحيز» مع ملفّ المفاوضات وتطبيق وقف إطلاق النار بين المقاومة و»إسرائيل»! وبهذا الباب حذّرت افتتاحية صحيفة «أوبزرفر» البريطانية، يوم 23 شباط/ فبراير 2025، من أن حقبة جديدة من «إمبريالية القوّة العظمى التي يُغذّيها الاستبداد والقوميّة المفرطة تَتَكشّف بسبب سلوك الرئيس ترامب الذي عَزّز الإجماع القائم بين السياسيين والدبلوماسيين والمحلّلين الغربيين على أن حقبة جديدة من إمبريالية القوّة العظمى تَتَكشّف»! وكشفت الصحيفة بأن السياسة العالمية الأمريكية الجديدة «غير المستنيرة» تمثّلت بالطلب المضطرب، الذي لم يلتفت إليه أحد، بإطلاق سراح جميع المحتجزين «الإسرائيليين»، وكذلك الاقتراح «غير القانوني بالاستيلاء على غزّة، وطرد الفلسطينيين لم يزد الأمور إلا سوءا، فضلا عن تعريضه لوقف إطلاق النار، الهشّ أصلا، للخطر»! وهكذا يبرز بأن عالمنا «المتحضّر» يمشي بخطوات ظاهرة ومتسارعة للعودة لمرحلة الإمبريالية والتغوّل والتسلّط وفرض إرادة القوّة على بعض الدول والشعوب! إن العلاقات الدولية السليمة يفترض أن تقوم على السيادة المتساوية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتجريم استخدام القوّة في العلاقات الخارجية، وضرورة إنماء العلاقات الدولية على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لجميع الشعوب حقّ تقرير المصير وبدون هذه المبادئ لا يمكن أن تكون تلك العلاقات متينة وصلبة! التعاطي الأمريكي «المشوّه» مع ملفّ غزة، والانحياز العلني «لإسرائيل» أثبت ضرب البيت الأبيض لغالبية المبادئ الإنسانية التي «ضَمنها الدستور الأمريكي»! أمريكا، بلا شكّ، قوّة عظمى، ولكنّنا نأمل أن تكون قوّتها لنصرة الشعوب المظلومة ودعمها بعيدا عن سياسات الميل لطرف دون آخر في الموازين الدولية! نأمل ذلك، ولكنّ الواقع مختلف تماما ولا يتغيّر بالأمنيات فقط!
741
| 28 فبراير 2025
مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني...
2397
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل...
1896
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
714
| 25 يناير 2026
ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...
609
| 26 يناير 2026
بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت...
603
| 25 يناير 2026
-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...
528
| 29 يناير 2026
لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني...
489
| 27 يناير 2026
لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت...
471
| 25 يناير 2026
سوريا ليست بلدًا قاحلًا، أو منزويًا في الخريطة...
417
| 23 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه الهموم وتتشابك فيه الأزمات،...
378
| 23 يناير 2026
-«مغربية وسط سكة تلاقينا» عندما أكتب، بكل تقدير،...
378
| 25 يناير 2026
تقع دول الخليج تقريبًا في منتصف المسافة بين...
372
| 26 يناير 2026
مساحة إعلانية