رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ما أعجب هذا الدين! ينظر الناس إلى القشور، ويجعلون من حُطام الدنيا موازينهم، أما الإسلام، فهو ينفذ إلى الجوهر، ويزن الأمور بميزان الحق، لا بميزان المصالح والأهواء! ولقد كانت الأيام حبلى بالمواقف التي تَكشفُ النفوسَ وتُعرّيها، ويظهر فيها الصادق من المدعي، والمصلح من المتاجر بالمقدسات. وكان من هذه المواقف ما كان من سرية عبد الله بن جحش الأسدي، ابن عمة النبي ﷺ، حين اختاره رسول الله ليرأس ثمانية رجال، وأعطاه كتابًا مختومًا، وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يبتعد مسيرة يومين، فيا لعظمة هذا القائد الذي يُخفي خططه حتى على جنوده، حتى يكون الاحتياط في أعلى درجاته! فلما أتموا المسير يومين، فتح عبد الله الكتاب، وإذا فيه: «اذهب إلى بطن نخلة بين مكة والطائف، ولا تُكره أحدًا من أصحابك على المسير، فمن شاء أن يبقى، فليبقَ». إنه منهج الإسلام في الجهاد، لا يخرج الرجل فيه إلا طائعًا، ولا يُساق إليه كما تُساق الأنعام، لأن الجهاد عند المسلمين ليس انتهازًا ولا عدوانًا، بل هو طهارة النفوس، وسمو الأرواح، لا يكون إلا بمن طابت نيته، واستقامت سريرته. ولم يكد القوم يصلون إلى بطن نخلة حتى كان القضاء قد سبق، وضاع بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غزوان، فتنحّيا يبحثان عنه، وبقي عبد الله ومعه ستة نفر. ثم ها هم قد أبصروا عيرًا لقريش، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فاشتجروا معهم في قتال، وكانت الغلبة للمسلمين، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين، وفر الثالث، ثم عادوا بالغنائم والأسرى إلى المدينة. ولكن ها هنا كانت المفاجأة، فقد تبين لهم أن القتال قد وقع في أول رجب، وهو من الأشهر الحرم، فتلقف المشركون واليهود الخبر، وملأوا الدنيا صياحًا وضجيجًا، وقالوا: «كيف يزعم محمد أنه يحترم الأشهر الحرم، ثم يقاتل فيها؟!» ولم يكن النبي ﷺ يعلم بالأمر، فلما بلغه الخبر، تألم وأبى أن يمس الغنائم أو الأسرى حتى يُفصل في القضية بوحي الله. وهنا جاء اليهود بخبثهم المعتاد، وجعلوا يُمنّون قريشًا بالنصر، ويتفاءلون لها بهذا الحادث، وقالوا: «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله... فعمرو: عُمِّرت الحرب! والحضرمي: حضرت الحرب! وواقد: وقدت الحرب!» وكأن الأمر قد انتهى! وكأن الإسلام هو البادئ بالعدوان! وكأن قريشًا لم تكن تطارد المسلمين وتؤذيهم وتصادر حقوقهم وتُشردهم من ديارهم! ولكنّ القرآن جاء بكلمته الفاصلة، فجاء الوحيُ ليقرر ميزان العدل، ويبين أن الفرق عظيم بين من اعتُدي عليه، ومن اعتدى، وبين من دافع عن نفسه، ومن سفك الدماء بغير حق، وأنه لا مجال لأن يتخذ المجرمون قدسية الزمان والمكان متراسًا يحمون به إثمهم، ويتسترون خلفه ليمارسوا طغيانهم. {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل}. فأي ظلمٍ أعظمُ من أن يُصدَّ الناس عن دين الله، وأن يُشرَّدوا من بيوتهم، وأن تُنتهك أعراضهم، ثم إذا انتصروا لأنفسهم في ساعةٍ من الزمن، صاروا هم المعتدين، وصار المجرمون أبرياء؟! إن الإسلام لا يظلم أحدًا، ولا يبتدئ أحدًا بقتال، ولكنه لا يسمح أبدًا بأن تُتخذ المقدسات ذريعة لحماية الباطل، وأن يُجعل الدين ستارًا تُرتكب باسمه الفظائع! ولقد كان هذا الدين من عظمته أنه جعل للفضيلة حرمةً، ولكنه لم يجعل للفجور قداسة! ومن أجل ذلك كان التحريم للغيبة، ولكنه مع ذلك قرر: «لا غيبة لفاسق»، فكيف تكون هناك حرمةٌ لمن لا يرعى الحرمات؟! إن الحق فوق كل شيء، لا يعلوه زمان، ولا يُخفيه مكان، وإن الحرب في الإسلام ليست قنطرةً إلى الأهواء، ولكنها ميزانٌ تُوزن به العدالة، فمن كان معتديًا، فليتحمل جريرة عدوانه، ومن كان مظلومًا، فلابد أن يُنتصف له. فهكذا يُقيم الإسلام الموازين، وهكذا ينطق الحق في محكم التنزيل!
624
| 26 مارس 2025
«وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ** فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ». هل تأملت كيف يبتلي الله عباده بحكمة؟ وكيف يجعل من الصبر طريقًا إلى الرحمة والفرج؟ هذا نبي الله أيوب عليه السلام، أصابه المرض فطال عليه البلاء، لكنه لم يجزع ولم يتبرم، بل رفع يديه إلى السماء بدعاء قصير يحمل كل معاني التوكل: «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ». لم يكن في دعائه شكاية، بل كان فيه أدب العبد مع ربه، فجاءه الجواب سريعًا: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ». يا له من كرم إلهي! شفاء بعد المرض، وعطاء بعد الحرمان، ورحمة تتجلى لمن يصبر ويحتسب. ثلاثة عشر عامًا قضاها أيوب في البلاء، ابتعد عنه الناس إلا رجلين من أصحابه، بل ظن البعض أن ما أصابه كان بسبب ذنب! لكن الله يبتلي عباده ليختبر صبرهم، ويكافئهم بعد ذلك بأعظم الجزاء. وعندما بلغ به البلاء مبلغه، أوحى الله إليه: «اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ»، فنبعت عين ماء اغتسل منها، فعاد إليه عافيته، وأكرمه الله برزق وفير. العبرة هنا ليست فقط في الشفاء، بل في الرضا والثقة بالله. فالمؤمن يرى الخير في كل حال، إن أعطاه الله شكر، وإن ابتلاه صبر، وفي الحالتين هو رابح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ...». فكم من بلاء ظنه صاحبه شراً، فإذا هو يحمل له الخير كل الخير! وكم من محنة ظنها الإنسان ضيقاً وخسارة، فإذا هي بابٌ لرحمة الله التي لا تنقطع! فالله يُربي عباده بالابتلاء، ويمتحن قلوبهم بالصبر، ومن ثبت في الامتحان رُفع مقامه، وجازاه الله بأحسن الجزاء. والصبر ليس مجرد احتمال المصائب، بل هو مرتبة عالية من الإيمان، فيها تسليم كامل لله، وثقة مطلقة برحمته. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد ابتلي في أهله وأصحابه، وحوصر في الشعب ثلاث سنوات، وواجه الأذى من قومه، لكنه لم يتزعزع، بل كان صبره زادًا له في طريق الدعوة، حتى جاءه النصر من الله. فلنتعلم من قصة أيوب كيف يكون الصبر، وكيف يكون اليقين برحمة الله، فإن مع العسر يسراً، وبعد الشدة فرجاً، ورحمة الله وسعت كل شيء. ولا ننسَ أن البلاء مهما اشتد، فإنه لا يدوم، والليل مهما طال، فإن فجره آتٍ لا محالة، فطوبى لمن صبر واحتسب، ونال من الله أعظم الجزاء.
525
| 24 مارس 2025
الدنيا بأسرارها المكنونة وأحوالها المتضادة مسرح للناس، يتقلبون فيها بين نور وظلمة، وبين صفاء وكدر، وبين حق يزهق الباطل، وباطل يركب موج الزخرف ليخدع الأبصار. فيها الرجل الصادق الذي صدقت نيته، فوافق ظاهره باطنه، لا يبتغي غير مرضاة الله، وفيها المخادع المتملق، صاحب اللسان الذلق، الذي يُظهر خلاف ما يبطن، كأنما الدنيا خُلقت له وحده، فهو ميزان الحق في زعمه، والناس من حوله رعية أفكاره، يجمل وجهه بالكلام المنمق، ويسوق الأيمان الغليظة كأنما بضاعته الصدق، وما هو إلا ألدّ الخصام، وأعظمهم كذبًا وافتراءً! إن دعي إلى الحق أعرض عنه مستكبرًا، وإن بُصر بالصواب استنكف أن ينزل عن عناده، كأنما أخذته العزة بالإثم، لا يرده واعظ، ولا يثنيه ناصح، فهو ماضٍ في طريقه، يخرب ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، يقطع زرع الخير ويحرق سنابله، وينشر الفساد في الأرض كأنما لم يخلق إلا ليهلك الحرث والنسل!. أما المؤمن الصادق، فهو رجل باع نفسه لله، لا يستبقي منها شيئًا، قد جاد بها في سبيل مولاه، وطرح الدنيا وراء ظهره، وآثر رضا ربه على هواه، فسار على درب الفداء، لا يبالي بما يلقى في سبيله، وهؤلاء هم من أحاطتهم رحمة الله، فلم يصلوا إلى مقامهم إلا بعناية الله ورأفته، لا بكدهم واجتهادهم وحده، فهم عباد اصطفاهم الله بقدرته، ولرأفته بهم صاروا كذلك، لا لأنهم استوجبوا رأفته بأعمالهم. وهذان هما النموذجان اللذان يشكلان صلب الجماعة البشرية، وإن نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، فهما عنوانان بارزان على خطين لا يزالان يتكرران في الناس. أما الأخنس، فكان رجلًا حسن المنظر، حلو المنطق، يزعم الولاء للنبي ﷺ، ويدّعي الإسلام، ثم ارتد على عقبيه، ومضى يفسد في الأرض، فمر على زرع للمسلمين فأتلفه، وعلى دوابهم فقتلها، فكان ممن يخرب ولا يبني، ويدّعي الخير وهو للشر بؤرة وسندان. وأما صهيب، فكان صورة ناصعة للمؤمن الذي جعل الله بغيته، وترك الدنيا وراءه. خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، فتبعه نفر من قريش يريدون منعه، فوقف لهم بسيفه وقوسه، وقال: والله لا تصلون إليَّ حتى أفني سهامي، ثم أضرب بسيفي، فإن شئتم بعد ذلك فافعلوا. فقالوا: دلنا على مالك، وخلِّ بيننا وبينك، ففعل، فلما بلغ النبي ﷺ قال له: "ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع!". هذان صنفان من الناس: صنف غطى زيفهم لمعان القول، وزينوا وجوههم بأصباغ الخداع، وهم في الحقيقة قلوبهم أشد مرارة من الصبر، يتخذون الدين تجارة، والدنيا غاية، يُظهرون اللين، ويُبطنون الخداع. أما الصنف الآخر، فهم الذين اشتروا أنفسهم لله، وباعوا دنياهم بآخرتهم، فكانوا أعزّاء وهم فقراء، وكانوا في عين الخلق مغبونين، لكنهم في ميزان الحق رابحون، والله رؤوف بالعباد.
354
| 21 مارس 2025
ما زال الإنسان، مذ كان، مبتلى بتقلّب الأمور، تتغير عليه السنن، وتبدّل عليه الأحوال، حتى كأنما هو في بحر هائج، لا يثبت له قرار، ولا يأمن فيه السكون. وما كانت الدنيا إلا دار ابتلاء، تفتن فيها القلوب، ويميز بها الخبيث من الطيب، ومن ذلك ما أراده الله لعباده في تحويل القبلة، إذ كان لهذا التحول شأن عظيم، أظهر الله به أهل اليقين من أهل الشك، وأهل الطاعة من أهل العناد، وجعل منه فرقانًا بين من يعبد الله حقًّا، ومن يعبد عاداته وألفه. لقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، امتثالًا لأمر الله، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يودّ لو أن الله يوجّهه إلى الكعبة، بيت الله الحرام، الذي رفعه إبراهيم وإسماعيل على التوحيد، فكان يتطلع إلى السماء، تضرعًا واستبشارًا، وكأنما ينتظر الفرج، حتى جاء الأمر الإلهي، وحُسمت المسألة، فكان التحول من الشام إلى الحجاز، ومن بيت المقدس إلى البيت الحرام. وهنا كانت الفتنة، وبدأت الألسنة الخبيثة تهمس همس السمّ الزعاف، تقول: «ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟» كأنما يريدون أن يلقوا في القلوب قلقًا، وفي النفوس شكًّا، فجاء الرد الإلهي قاطعًا، لا يدع لمتشكك سبيلًا، ولا لمن في قلبه مرض مخرجًا: «قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». لقد كان في تحويل القبلة امتحان عظيم، امتحان للقلوب، وابتلاء للعقول، حتى يُنظر من يكون إيمانه ثابتًا راسخًا، لا يغيّره تبدل الأحكام. أما اليهود، وقد ركبهم الحسد، وأكلهم الغيظ، فقد رأوا في هذا التحول إعلانًا لاستقلال الأمة الإسلامية، وانفصالها عن قبلتهم التي كانوا يعدّونها ميزان الحق والباطل، فشقّ عليهم أن يروا الإسلام يخرج عن دائرتهم، وينفصل عن تراثهم، فكان لا بد لهم أن يثيروا الشبهات، وأن يحاولوا زلزلة الصفّ الإسلامي، ولكن هيهات! لقد كان في ردّ الله عليهم «وما كان الله ليضيع إيمانكم»، تثبيتًا للمؤمنين، وتطمينًا لقلوبهم، ليعلموا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن صلاتهم التي كانت إلى بيت المقدس محفوظة عند الله، مقبولة منه، فإنما القبول على نية الطاعة، لا على جهة المكان.
507
| 19 مارس 2025
للنفاق وجوهٌ تتعدد، وألوانٌ تتبدل، لكن جوهره واحد لا يتغير، فحقيقته التلوُّن والخداع، ومنهجه الالتواء والمراوغة، وديدنه التقلب بين الصفوف، لا يرسو على شاطئ، ولا يستقر على مبدأ. والمنافق هو الإنسان الذي باع يقينه بالوهم، وارتضى أن يكون وجهًا بوجهٍ، ولسانًا بلسان، فحياته ازدواجٌ في السلوك، وتناقضٌ في القول والعمل، وسعيٌ بين الناس بالباطل، لا إلى هؤلاء ينتمي ولا إلى هؤلاء. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ هكذا دأب المنافقين، يُحسنون القول وهم عنه أبعد الناس، يزخرفون ألفاظهم حتى يُظنّ أنهم في الصف الأول من المؤمنين، وهم في حقيقتهم أبعد ما يكونون عن الإيمان. كان عبدالله بن أبيّ سلول يُجيد فنَّ التمثيل أمام الصحابة، فيُثني على أبي بكر في مجلسه، ويذكر فضله، ويُحيي عمر بكلماتٍ عذبةٍ تُظهر المودة، ويمدح عليًا بما يُوهم السامعين أنه من المحبين له، حتى إذا انصرف عنهم، عاد إلى وجهه الحقيقي، وقال لأصحابه: «إذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت!»، فهو في مجلس المؤمنين رجلٌ من الصالحين، وفي مجلس المنافقين سيد أهل الغدر والخداع. وهكذا هي طبيعة المنافق، يُجيد التلوُّن كما تتلون الحرباء، يتخذ لكل موقف وجهًا، ولكل محفلٍ قناعًا، فإذا أُثني عليه، وظنّ أنه أحكم الخديعة، تبجّح بنفسه، ونظر إلى الناس بعين المحتال الذي يظن أن المكر ذكاء، والغدر حنكة!. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ في الخلوة تسقط الأقنعة، وينكشف المستور، فالخداع لا يدوم إلا بقدر ما تحتمله العيون والأسماع، فإذا جنَّ الليل على المنافقين، وارتحلوا إلى زواياهم المظلمة، خلوا إلى شياطينهم يفضون إليهم بسرائرهم، وينقلبون على أعقابهم. وشياطينهم في هذا السياق هم الذين يسندون نفاقهم، ويُمدّونهم بأسباب الفتنة، وكانوا في المدينة من اليهود الذين أغرتهم فكرة تفريق صفّ المؤمنين، وإثارة الفتن بينهم، فوجدوا في المنافقين ضالّتهم، ووجد المنافقون فيهم ملاذًا يحتمون به. فإذا خلت بهم المجالس، قالوا لهم بصريح العبارة: «إنا معكم!»، أي نحن على دينكم، ونحن على عهدكم، وما نظهر من الإيمان إلا استهزاءً وسخريةً بالمؤمنين، نُداهنهم لنأخذ أسرارهم، ونمشي بينهم لنُضعف صفوفهم، ونخدعهم حتى يُحسبونا منهم!. لكن الحقيقة الغائبة عنهم أن ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ألا ما أبأس من كان الله هو المستهزئ به!، وما أشد خسارته يوم ظنَّ أنه قد بلغ المكر غايته، فإذا به ينقلب على نفسه، ويجد أن كل خدعةٍ حاكها لم تكن إلا شَرَكًا وقع فيه!. سبحانه «يمدهم في طغيانهم يعمهون»، أي يزيدهم إمعانًا في الضلال، ويفتح لهم الأبواب التي ظنوا أن فيها النجاة، فإذا دخلوا، لم يجدوا إلا الهلاك. وكأنهم في هذه الدنيا عُميٌ يتخبطون، لا يهتدون إلى طريق، ولا يدركون أن الفخ الذي نَصبوه لغيرهم، كانوا هم أول من وقع فيه!. النفاق آفة المجتمعات ومصدر البلاء وما أشدّ خطر المنافقين على المجتمعات، فهم يُوهمون الناس أنهم مع المؤمنين، ثم يكونون أول من يطعنهم في الظهر، وهم بين الصفوف نارٌ مستترة، تلتهم كل ما حولها دون أن يشعر بها أحد، حتى إذا اشتدت الريح، اشتعلت وأحرقت كل شيء! ولهذا كانت عقوبتهم عند الله أشد من عقوبة الكافرين، لأن الكافر واضح العداء، لا يختبئ وراء الكلمات المزيّفة، وأما المنافق فهو حرباء تتلون، وسيفٌ مسمومٌ يُغرَس في خاصرة الأمة، ولهذا قال الله عنهم: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» [النساء: 145] لأنهم كانوا في الدنيا في القاع من الأخلاق، فلم يكن لهم إلا القاع في العذاب، وكانوا في حياتهم مظاهرًا زائفة، فكان لابد أن يكون عقابهم أشدّ من كل من ضلّ وأضلّ.
582
| 18 مارس 2025
لقد كانت مكة نائمةً تحت ركام الجاهلية، تتنفس الظلام كما يتنفس الصبح ندى الفجر، وكان الناس فيها أموات القلوب وإن دبّت فيهم الحياة، فلما أذن الله أن تُبعث الأرض من سباتها، أرسل الملك إلى النبي في الغار فقال له: اقرأ جاءت الآية الأولى كالنور الخاطف الذي يشق الليل البهيم، "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، فإذا القراءة لا تُطلب لذاتها، وإنما تُطلب باسم الله، وإذا العلم لا يُلتمس من عقول البشر وحدها، بل يُلتمس من نور الوحي الذي يهديها. لقد نزلت عليه الكلمة الأولى، التي لم تكن أمرًا بالعقيدة، ولا تفصيلًا للشريعة، بل كانت أمرًا بالقراءة: "اقرأ"! وماذا يقرأ وهو لم يتعلم حروف الدنيا؟ لذا لما قال له الملك: "اقرأ"، أجاب بصدق الفطرة: "ما أنا بقارئ"، إذ لم يكن حمل القلم ديدنه، ولكن الله أراد له علمًا ليس كعلم البشر، وأراد له مدادًا لا ينفد، فكان من رحمة الله أن غطّه الملك حتى بلغ منه الجهد، ثم أطلقه، فأعاد الأمر: "اقرأ"! كأنما هو نفخٌ في روحه ليبعث فيها سر الحياة الحقيقية. عاد النبي إلى بيته وهو يحمل على كتفيه أمانةً أثقل من الجبال، ترجف بوادره من هول ما لقي، احتضنته خديجة بكلماتها التي لم تكن مجرد تعزية، بل كانت شهادةً بحق رجلٍ أعده الله لحمل هذه الرسالة، فقالت: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". ومن هناك، من بيتٍ صغيرٍ في مكة، ومن قلبٍ واحدٍ رجف من خشية الله، بدأ النور يشع، وبدأت الآيات تتنزل، وبدأ الكون يتغير، ليشهد هذا العصر مولد الرسالة الخالدة، التي ستملأ الأرض بعدلها، وتنير القلوب بحكمتها، وتعيد الإنسان إلى مقامه الذي خلق له: عبدًا لله، حرًا عن غيره، قارئًا في كتاب الكون، سائرًا على هدى الحق المبين. إنها ليست مجرد كلمة، بل هي مفتاحُ الكون، ومفتاحُ النفس، ومفتاحُ الحياة. إنها الكلمة التي فصلت بين عصرين، وجعلت للإنسان شأنًا جديدًا. كان الناس يقرؤون الدنيا بغير نور، فكانت أبصارهم مفتوحة وقلوبهم مطموسة، فلما قال له الملك: "اقرأ"، كان ذلك إيذانًا بأن الحياة الحقيقية تبدأ من هذه اللحظة، وأن هذا الوجود إنما يُفهم باسم الله، وأن القراءة لا تكون علمًا حتى تكون عبادة، ولا تكون معرفةً حتى تكون لله.
426
| 16 مارس 2025
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}. تحكي آيات الله في كتابه الكريم قصة من قصص الأنبياء العظام، وهي قصة نبي الله زكريا عليه السلام وزوجه وولده يحيى عليه السلام. في هذا السياق، وصف الله سبحانه وتعالى عبادة هؤلاء الأنبياء وتقربهم إليه ودعاءهم بقولهم: «وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا.» ففي هذا الوصف، يتجلى المعنى العميق لعبادة المؤمن، حيث يظهر الرغَب الذي هو الطمع في جنة الله وفضله، ويظهر الرهَب الذي هو الخوف من عقابه وناره. وهكذا، يجسد هذا الدعاء التوازن الدقيق في قلب المؤمن الذي يسعى إلى النجاة، فيجمع بين رغبة في رحمة الله، وخوف من عذابه. إن العبادة عند أهل السنة تشتمل على أصلين عظيمين، هما: المحبة والتعظيم. فالمحبة تولّد الرجاء، والتعظيم يولّد الخوف، وهكذا فإن المحبة تدفع العبد للعمل، والخوف يمنعه من تجاوز الحدود. ولا تعارض بين الحب والخوف والرجاء، بل تتكامل هذه المعاني في عبادة المؤمن. يؤسس القرآن الكريم قاعدة عظيمة في هذا الباب، لتمثل توازنًا مطلوبًا في حياة المؤمن الذي يريد الظفر والنجاة، كما قال تعالى: «نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ». وقد حذر أهل العلم من أن الخوف والرجاء لا ينفك أحدهما عن الآخر، فخوف بلا رجاء يفضي إلى اليأس والقنوط، ورجاء بلا خوف يقود إلى الغرور والأمن الكاذب. إن السلامة في أن يتوازنا، ويعتدل الجانبان، حتى يصبحا كالجناحين للطائر الذي يطير بهما في استقامة. وعن ابن حجر في فتح الباري، في باب الرجاء مع الخوف، قال: «يستحب ألا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يؤدي ذلك إلى المكر في الأول، أو القنوط في الثاني، وكل منهما مذموم. والمقصود من الرجاء أن يحسن العبد ظنه بالله إذا وقع في تقصير، ويرجو أن يغفر له، كما يرجو قبول الطاعة». أما من انغمس في المعصية دون ندم أو إقلاع، فهذا في غرورٍ عظيم، كما قال أبو عثمان الجيزي: «من علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن لا تُقبل طاعتك، ومن علامة الشقاء أن تعصي الله وترجو أن تنجو». إن خشية الله عز وجل، وطاعته، هما السبيل للنجاة من النار والفوز بالجنة، وهي ما ينقلب فيه الخوف إلى طاعة، والرجاء إلى غفران.
717
| 14 مارس 2025
تلك حقيقة الحياة، مسرح تتصارع فيه النفوس، وتتقاتل عليه الأهواء، ثم لا تلبث أن تتكشّف خفاياه لطائفة من الصالحين، عرفوا أن هذه الدنيا لا ينبغي أن تعمر قلوبهم، ولا أن تكون غايتهم، وإنما هي مزرعة يغرسون فيها، ليحصدوا في دار البقاء. لقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم صورة الزهد في أبهى معانيها، فقد كانت الدنيا في يده، ولكنه آثر ما عند الله، مُعلّمًا أمته أن الزهد ليس فاقةً يُرغم عليها المرء، بل هو تَرَفُّع بعد مَلكٍ، وعزوف بعد قُدرة، كما قال مالك بن دينار: «الناس يقولون: مالك زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، الذي أتته الدنيا فتركها». ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أروع الأمثلة، ليُبَصّرهم بحقيقة الدنيا، فلا يغترّوا ببريقها الخادع، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق، فرأى جدياً ميتاً، صغير الأذنين، فأخذه وقال: «أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟» قالوا: «ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟!» فقال: «أتحبون أن يكون لكم؟» قالوا: «والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه، فكيف وهو ميت؟» فقال: «فوالله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». وهكذا، يتجلى للمرء الحق حين يدرك أن الدنيا ليست سوى ظل زائل، وسراب خادع، فهي بالنسبة للآخرة كنقطة ماء في محيط لا ساحل له، كما جاء في الحديث الشريف: «ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بمَ يرجع!». فأي عقل راجح ينشغل بفانٍ عن باقٍ، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ إن الزهد هو البلسم الذي يُهوّن المصائب، فلا تهزّ صاحبها، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات». وهو مفتاح الحكمة، كما قال مالك: «بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى إلا نطق بالحكمة». بل هو الطريق إلى حلاوة الإيمان، يقول الفضيل بن عياض: «حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا». فالزاهد الحق، هو من يملك الدنيا بين يديه، لا في قلبه، فإن جاءت إليه لم يُفتن بها، وإن زُويت عنه لم يتحسر عليها، فهو الغني وإن قلّ ذات يده، وهو المالك وإن لم يكن بيده مال، لأنه ملك زمام قلبه، فأصبح حرًا، وملك شهواته، فأصبح سيدًا.
543
| 10 مارس 2025
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ الغني والفقير، صنفان من الناس لا تخلو منهما البشرية، قد وُجدَا منذ أن نشأت الحياة، وسيظلان ما بقيت الأيام، للأول بسطة في المال يسطو بها على غيره، وللآخر ضَعَة في الحرمان تنكسُ رأسه بين الناس. هذا شأن الدنيا إذا غاب عنها شرع الله، أو ضاع فيها الإيمان، أو فُقِدَ منها الضمير الحي. لكن لما جاء الإسلام، جعل للفقير في مال الغني حقًّا معلومًا، بل فريضة مفروضة لا يمتنّ بها الغني، ولا يتفضل بها اختيارًا، بل إن لم يعطِها طوعًا، أُخِذَت منه عَنوةً، وكان ذلك صونًا للعدالة، وحفظًا للتوازن بين القادر والعاجز. فطرةٌ قد جُبِلَ عليها الناس، فمنهم من يُسرع إلى العطاء، يُخرجه طائعًا مختارًا، لا يُماطل ولا يتردد، ينفق ليلاً ونهارًا، سرًّا وعلانية، لا يحول بينه وبين البذل حال، ولا يمنعه عنه مقال، فإنما يُنفق وهو موقنٌ بأن الله هو الغنيُّ المطلق، وأنه سبحانه قادرٌ على أن يستبدل بالقوم البخلاء آخرين، يفيضون من رزقه في سبيله، كما قال الحسن: "إن لله عبادًا اختصهم بحوائج الناس، يعطيهم الله ما أعطَوا الناس، فإن منعوا العطايا عن الناس، منع الله العطية عنهم". وهنا يقف الإسلام موقف التأديب والتهذيب، ليعلِّم من تصدَّق أن الصدقة ليست بالمَنِّ والأذى، وأن العطاء لا يكون كماله إلا إذا اقترن بالتواضع ولين القول. فما المنُّ إلا ذِكرُ النعمة على سبيل التعديد والتقريع، وما الأذى إلا السَّبُّ والتشكِّي، وكلاهما يُفسد الصدقة، ويذهب بأجرها، ويُحيل النعمة إلى نقمة. ولذا قال زيد بن أسلم رضي الله عنه: "لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ عليه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم عليه". ما أعظمها من عبرة، وما أرقاها من حكمة! فإنّ بعض الناس يُعطي، لكنه يُتبعه بنظرات الامتنان، وكلمات التفضل، حتى ليشعر الفقير بأن حاجته أضحت قيدًا في عنقه، وأنه لوى رأسه للغني ليجود عليه. وهنا يقف الإسلام ليقول: إن لم تكن الصدقة مقرونة بالرفق، فالإعراض عنها أولى. فما أبلغها من كلمة، وما أعمقها من حكمة! إن العطاء إن لم يكن مصحوبًا بالرحمة، تحوَّل إلى استعلاء، وإن لم يكن مغلفًا بالرفق، صار بابًا للأذى. فما أعظم الإسلام حين جعل الصدقة تزكيةً للروح قبل أن تكون سدًّا للحاجة، ورفعةً للمعطي قبل أن تكون يدًا ممتدة إلى الآخذ!
306
| 09 مارس 2025
لله ما ألطف هذا البيان وما أرقَّه! إنّه ليشهد بمكانة الرسول الكريم ﷺ عند ربه، ويكشف عن نفحة من أنوار العناية الإلهية التي تغمره في كل حال. هذه آيةٌ تُسرِّي عنه، وتواسي قلبه، وتقول له بلسان الوحي: نعلمُ ما قالوا فيك، ولكنهم ما قالوا إلا من أجلنا، ولأجل حديثنا فيك. لقد كنت فيهم ذا جاه عظيم، وكانوا يسمّونك "محمدًا الأمين"، فلما أنزلنا عليك هذا الأمر تغيرت قلوبهم عليك، فما أصابك من مكروه إنما هو في سبيلنا، ولن يضيع عندنا أجرك. وحالك فينا كما قال الشاعر: أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ... وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربا فاصبر؛ فإن من سار على هذا الدرب، وثبت على ما أصابه، فلن يخسر أبدًا تجارته معنا، ولن تخفى علينا حاله، بل سنجزيه جزاء الأوفياء. وهذه الحادثة التي جرت في قريش، والتي بلغت أسماع النبي ﷺ، تبرز لنا حقيقة موقف القوم من نبوّته، ذلك الموقف الذي لم يكن عن شك أو ريبة، بل عن عناد واستكبار! وكان بطلا هذه القصة: الأخنس بن شريق، وأبو جهل بن هشام. فهيا بنا نقترب بأرواحنا وننصت إلى حوارهما: قال الأخنس: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هنا من يسمع كلامك غيري. فأجاب أبو جهل، وقد غلبه الصدق رغم أنفه: والله إن محمدًا لصادق! وما كذب قط! ولكن، إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ وقيل إن الحارث بن عامر، وهو من سادات قريش، قال: "والله يا محمد، ما كذبتنا قط فنكذبك اليوم، ولكن إنْ نتَّبعك نُتَخَطَّف من أرضنا!". وكان هذا شأنهم جميعًا: يعلمون صدقه، ولكن تحجزهم المطامع، ويمنعهم الجحود والعناد. يروي أبوميسرة أن رسول الله ﷺ مرّ بأبي جهل وأصحابه، فقالوا: "يا محمد، إنا والله ما نكذبك، وإنك عندنا لصادق، ولكن نكذب ما جئت به". فهل بعد هذا البيان من بيان؟ قريش كلها تعلم أنه النبي، ولكنها تتعامى عن الحق، كما قال تعالى: "وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ". فإذا كان هذا شأن القوم الذين كذبوه، فما حال الذين صدقوه وآمنوا به؟ ألا فلينظر كل مسلم في أمر نفسه! كم منّا من يؤمن بالحكم ولا يطبقه؟ وكم منّا من يدرك الحكمة ولا يهتدي بها؟ الإسلام لا يحتاج إلى أقوال باردة، بل إلى تصديق بالأفعال. فيا ليت شعري، متى نتحرك بالإسلام؟ متى ننقل محراب المسجد إلى محراب الكون؟ متى تكون حياتنا وأعمالنا ومعاملاتنا كلها بالإسلام وللإسلام؟ إن الإسلام نور لمن حمله، ورحمة لمن صدقه، وسعادة لمن جعل منه منهاج حياته. فهلموا، يا أبناء الإسلام، لنكون له كما أراد، فيكون لنا كما نريد.
333
| 07 مارس 2025
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). هو لقمان بن عنقاء بن سدون، الحكيم الذي أوتي الحكمة فكان كأنه نور يمشي بين الناس، يلقي على ولده دروس النجاة كما تسكب الشمس ضياءها على الأرض، فافتتح الله حديثه عنه بهذه الآية العظيمة: «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ». والوهن، كما قال المفسرون، هو المشقة والجهد والضعف، وهي معانٍ تتكاثف في قلب الأم كما تتكاثف السحب في جوف السماء، تتحمل لأجل وليدها عناءً لا يطيقه إلا قلب أمٍّ جبلت على الفداء، وكلما ازداد الجنين نموًا، ازداد الضعف بها حتى كأنها تسير على جسر من الآلام. ثم يجيء النداء الرباني الرحيم: «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا»، فتلك هي الحكمة العليا، أن يكون الولد للوالدين برًّا، ولكنه في دينه ثابت كالجبل، لا تزلزله ريح ولا تهزه عواصف، فإن هما ألحّا عليه ليشرك بالله، لم يكن له أن يطيعهما في ذلك، لكنه مع ذلك لا يقسو ولا يجفو، بل يمضي في صحبتهما بالمعروف، متحليًا بالصبر، متوشحًا بالإحسان. وكيف لا يكون برُّ الوالدين عظيمًا، وقد قرن الله شكره بشكرهما في قوله: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ»؟ فالشكر الذي يُرفع إلى السماء، لا يكتمل حتى يعبر على أرض الوالدين، فمن جحد فضلهما، فكأنما جحد نعمة الله نفسها. ولذا قال ابن عباس، فقيه الأمة وترجمان القرآن: «ثلاث آيات مقرونة بثلاث، لا تُقبل إحداها إلا بأختها: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول»، فمن أطاع الله ولم يطع رسوله لم يُقبل منه، و»وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة»، فمن صلى ولم يزكِّ لم يُقبل منه، و»أن اشكر لي ولوالديك»، فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يُقبل منه». وهذا المعنى الجليل تجسّد في حديث المصطفى ﷺ: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين»، فكأنما الوالد باب إلى الجنة، من أحسن الدخول إليه سعد، ومن أعرض عنه خسر. وكان سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، هو صاحب القصة التي نزلت فيها هذه الآية، وكان بارًّا بأمه برًّا لا يُوصف، فلما أسلم ضاقت بذلك صدرًا وقالت: «يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتُعَيَّر بي، فيُقال: يا قاتل أمه!». ولكن سعدًا كان قد استمسك بعروة اليقين، فقال لها في أدب الابن البار، وثبات المؤمن الصادق: «يا أمه، لا تفعلي، فإني لا أدع ديني هذا لشيء». ومضت أمه يومًا وليلة لا تأكل، حتى أشرفت على الهلاك، ولكنه لم يلن ولم يضعف، بل قال لها في قوة الإيمان: «يا أمه، والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئتِ فكلي، وإن شئتِ فلا تأكلي». فلما رأت صدقه أذعنت، وأكلت. فهكذا ترتفع معاني البر إلى ذروتها، حيث يكون القلب ممتلئًا حبًّا ورحمة، ولكنه في الحق لا يعرف التردد، يوقّر الوالدين في غير معصية، ويحسن إليهما وإن أضمرَا له العداء، فيكون في وداعته كالغدير، وفي عزمه كالطود الشامخ، فلا تُزحزحه العواصف، ولا تغريه العواطف عن طريق الحق والهداية.
1020
| 06 مارس 2025
«وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» الإيمانُ ليس كلمةً تهيمُ في أجواء الخيال، ولا هتافًا تذروه الرياح، ولا شعارًا يُرفع دون تكاليف وأمانة، بل هو حقيقة تملأ القلب، وتُحكِم سلطانها على الجوارح، وتنهض بصاحبها إلى ميادين العطاء والتضحية، فيسير بها مستسلمًا لربه، منقادًا لطاعته، مستيقظًا لها في ليله ونهاره، باذلًا لها نفسه وماله، لا يريد بها إلا وجه الله، ولا يسعى بها إلا إلى رضوانه. غير أن فِئَامًا من الناس ضعُفت نفوسهم، وقلَّ يقينهم، فلم يقووا على حمل تبعات الإيمان، ولم يطيقوا ما يقتضيه من بذل وجهاد، فاختلقوا لأنفسهم المعاذير، يجمِّلون بها حالهم، ويبرِّرون بها تقاعسهم، فما هم في حقيقتهم إلا كمن رأى النور بعينيه، ثم اختار العمى، وعرف الحق بقلبه، ثم آثر الباطل. وهذه الحجة الباطلة قديمة، قد تشبث بها فريق من مشركي قريش حين غلبهم الحياء أن يجاهروا بالتكذيب، ولكنهم لم يستطيعوا أن يَسلموا للحق، ولا أن يفارقوا ما ألفوه من ضلال آبائهم، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعترفون بصدق دعوته، ثم يلقون بين يديه العذر في عدم اتباعه، كما رُوي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل وناسًا من قريش جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث: «إنا لنعلم أن قولك حق، ولكنا نخاف إن اتبعنا الهدى معك أن يتخطفنا العرب من أرضنا، ولا طاقة لنا بهم، وإنما نحن أكلة رأس»—يعني أنهم قلة لا تقوى على مواجهة أعدائها. فما أشبه حال هؤلاء بمن يكابرون اليوم عن نصرة الحق، فلا يجرأون على إنكاره، ولا يملكون دافعًا للانتصار له، فيُلقون بالأعذار الواهية، ويستترون خلف مخاوف مصطنعة، ولو أنهم تأملوا قليلاً لرأوا أن قريشًا، وهي يومئذ قلة في العدد والعدة، قد أكرمها الله بحرم آمن، لا تمتد إليه أيدي المعتدين، ولا تُطاول مقامه سيوف الغزاة، وكان يجبي إليه ثمرات الأرض كلها، فيعيش أهله في رخاء وأمان، فكيف يخافون على أنفسهم من العرب، وربهم الذي آمنهم من قبل قادر على أن يؤمنهم بعدُ إن استجابوا لدعوته واتبعوا رسوله؟! والتخطف: مبالغة في الخطف، وهو انتزاع الشيء بسرعة، والمراد: يأسرنا الأعداء معهم إلى ديارهم، فرد الله عليهم بأن قريشاً مع قلتهم عدّاً وعدة أتاح الله لهم بلداً هو حرم آمن يكونون فيه آمنين من العدو على كثرة قبائل العرب واشتغالهم بالغارة على جيرتهم، وجبى إليهم ثمرات كثيرة قروناً طويلة، فلو اعتبروا لعلموا أن لهم منعة ربانية وأن الذي أمنهم في القرون الخالية يؤمنهم إن استجابوا لله ورسوله. إن أقسى الناس غفلةً من يرتدُّ عن أداء حقوق الله بمثل هذه الدعاوى الفارغة، التي لا تدل إلا على ضعف العقيدة ووهن اليقين، وما علموا أن الخوفَ لا يدفعه إلا التسليم لله، وأن الأمن لا يُنال إلا بالاعتصام به، فمن مضى في سبيل الله غير هيّاب، ولم يخشَ في الله لومة لائم، أيده الله ونصره، ومكَّن له في الأرض، وجعل له العاقبة الحسنة، ووقاه من كيد أعدائه، إذ الحق لا يُخذل أهله، ولا يُضيِّع الله من توكل عليه. أما من ركن إلى غير الله، واعتمد في أمره على سواه، فذاك عبدٌ ألقى بنفسه في أيدي أعدائه، وأسلمه الله إلى من توكل عليه، فلا يزيده ذلك إلا ضعفًا، ولا يكون مآله إلا الهلاك.
273
| 05 مارس 2025
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...
1929
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
807
| 03 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
771
| 04 مايو 2026
على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...
690
| 30 أبريل 2026
في خطوة غير مسبوقة في عالم التعليم العالي،...
648
| 30 أبريل 2026
جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...
627
| 30 أبريل 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
603
| 05 مايو 2026
تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...
501
| 03 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
465
| 04 مايو 2026
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...
447
| 01 مايو 2026
تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم...
417
| 30 أبريل 2026
مساحة إعلانية