رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

القراءة كرحلة هروب لأن الاطمئنان شقيق الوهم!

يقول العقاد: «نحن نقرأ لنبتعد عن نقطة الجهل، لا لنصل إلى نقطة العلم». جملة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأمل في معنى القراءة، وفي طبيعتها كفعل مقاومة قبل أن تكون وسيلة وصول. ثمة لحظة صامتة، يكتشف فيها المرء أن القراءة ليست مجرد فعلٍ يتباهى به أو عادة يدرجها ضمن أنشطته اليومية كما يفعل مع الرياضة أو المشي أو متابعة الأخبار، بل هي فعل خلاصٍ داخلي يخلّصه من ثِقَل الجهل أكثر مما يمنحه ادعاء امتلاك العلم. القراءة في جوهرها حركة انسحابية بطيئة من دائرة العتمة، وليست اندفاعة متعجّلة نحو منصة النور. إنها مقاومة مستمرة ضد الركود، وضد التواطؤ مع الجهل الكامن فينا وفي الآخرين، أكثر مما هي وصول إلى نهاية بعينها. حين يفتح المرء كتابًا، لا يفعل ذلك لأنه على يقين من أن الحقيقة الكبرى تنتظره في الصفحة الأخيرة، بل لأنه يتلمس مسافةً جديدة بينه وبين ضيق العالم. يقرأ ليبعد نفسه قليلًا عن ذلك الفراغ الثقيل الذي يتركه الجهل في الروح، يقرأ ليخفف من وطأة الغموض، ليمنح نفسه فرصةً للبقاء في فضاء مفتوح، لا يُسدل ستاره سريعًا على عقلٍ مغلق أو وعيٍ مكتفٍ بذاته. فالمعرفة في حقيقتها ليست رصيفًا نهائيًا تصل إليه القطارات، وإنما سككٌ متجددة لا تنتهي، تَعِد القارئ بمزيدٍ من الرحلة، لا بمزيدٍ من الاطمئنان. والقارئ الحقيقي لا ينشد الاطمئنان أصلًا، لأنه يعرف أن الاطمئنان شقيق الوهم. يقرأ لأنه يريد أن يتقلّص حجم الجهل في داخله، ولو بمقدار ذرة، ويترك مسافةً أرحب للتساؤل. فكل كتابٍ يفتحه المرء يُنقص شيئًا من جهله، لكنه لا يضيف بالضرورة يقينًا ثابتًا إلى رصيده. كأن القراءة ضربٌ من التخفّف، وليست تخمة. تخفّف من الأحمال الميتة التي يتركها الجهل على صدورنا، لا تخمةً بالمعارف الجاهزة التي نُخدّر بها فضولنا ونقفل بها أسئلتنا. ولذلك فإن الكتاب الجيد هو الذي يزعزع ولا يطمئن، يفتح ثغرةً جديدة للضوء بدل أن يغلق النافذة بمصطلحات لامعة أو ادعاءات شمولية. الكتاب الجيد ليس قاموسًا جامدًا يكدّس المعارف، بل سؤال متجدد يجعل القارئ في حالة حركة، كمن يسير على جسر طويل بين ضفتين لا يكتمل عبورهما أبدًا. إنه جسر يُبقيه دائمًا في الوسط، حيث المتعة الحقيقية في أن تكون مسافرًا لا واصلًا، متخففًا من الجهل لا متخمًا بالعلم. وكم هو بائس ذلك القارئ الذي يظن أن الكتب تصنع منه عالمًا في ليلةٍ وضحاها، فيتحول إلى نسخة متعالية من نفسه، متوهمًا أن المعرفة درعٌ لحماية كبريائه لا نافذة لتوسيع إنسانيته. القراءة، حين تُستعمل كأداة تزيينية للذات، تتحول إلى قشرة أخرى من الجهل، لكنها جهل مُتخفٍّ بثياب أنيقة. أما القارئ الذي يواجه الكتب بروح متواضعة، بروح الجائع إلى النور لا المتخم به، فهو الذي يدرك أن كل ما يحصل عليه ليس أكثر من مصابيح صغيرة على طريق مظلم، تكفيه كي يواصل السير، لكنها لا تكفي لإلغاء الظلام. لقد علّمتني الكتب أن الجهل ليس عدوًا يُهزم دفعة واحدة، وإنما شريكٌ ثقيل نحاول أن نضع بيننا وبينه مسافة. وربما لذلك يبدو القارئ الحقيقي دائمًا في حالة قلق، كأنه لم يعرف بعد ما يكفي، وكأن ما قرأه كلّه مجرد مقدمة لكتاب آخر، وكأن الحياة نفسها مكتبة مفتوحة لن تكفي أعمارنا كلها لقراءتها. تلك هي لذّة القراءة: أن تبقى دائمًا على مسافة من الاكتمال، أن تكون ناقصًا بشكل جميل، ناقصًا بما يكفي كي يظلّ فضولك حيًا، وناقصًا بما يكفي كي تتذكر أنك تقرأ لا لتصل، بل لتبتعد قليلًا عن نقطة العمى. ولعل أجمل ما في القراءة أنها لا تحتاج إلى تبرير. أنت لا تقرأ كي تصبح أفضل من الآخرين، ولا لتضيف لقبًا جديدًا إلى سيرتك الذاتية، ولا حتى لتكتشف كل الحقيقة. أنت تقرأ فقط لتمنح نفسك حياةً أوسع مما يتيحها لك جدار بيتك أو جدول عملك أو ضيق واقعك. تقرأ لتتسع، ولتتخفف، ولتبتعد. كل قراءة صادقة هي خطوة إضافية في هذا الابتعاد الجميل، ابتعاد عن الجهل الذي يثقل أرواحنا. إنها رحلة لا تنتهي، لكنها تُبقيك حيًا. فالكتب لا تنقذ المرء من موته، لكنها تمنحه حياةً أغنى داخل موته المؤجل. تمنحه متعة أن يكون في مواجهة نفسه كل يوم، ومتعة أن يعرف أنه لن يعرف كل شيء، لكنه على الأقل يعرف أنه لا يزال يبتعد، صفحةً بعد أخرى، عن الجهل!

405

| 25 أغسطس 2025

هل يمكن للكلمة أن تحمي نفسها؟

اللغة.. تلك الأداة التي اكتشفها الإنسان ليعبر عن أفكاره ومشاعره، يمكن أن تصبح في يد من يجيد التلاعب سلاحًا مزدوج الحد. كم من كلمة بريئة أُلبست ثوب الاتهام، وكم من حقيقة ناصعة جرى تسخيفها لتبدو مجرد رأي عابر، وكم من موقف نبيل جرى تشويهه ليظهر كأنه انحياز غير مبرر! وفي هذا العالم، لا يكفي أن تكون الكلمة صحيحة، بل يجب أن تحمي نفسها من الذين يملكون مهارة التلاعب بمعانيها. لكن، هل يمكن للكلمة أن تحمي نفسها؟ أم أن على صاحبها أن يظل واقفًا في وجه العواصف، مستعدًا للدفاع عنها كلما حاول أحدهم اقتلاعها من سياقها الطبيعي؟ هنا تكمن المعضلة، وهنا يبدأ الاستنزاف غير المجدي. فالمحاججة مع من لا يبحث عن الفهم، بل يسعى إلى ليّ عنق الحقيقة لتناسب قناعاته، ليست سوى عبث مرهق. فليست المشكلة في وضوح الفكرة، بل في نوايا المستمع الذي قد يختار عمدًا أن يفهمها بشكل مختلف، ثم يصرّ على جرّك إلى ساحة معركة وهمية، حيث عليك أن تشرح ما لا يحتاج إلى شرح، وتبرر ما لا يحتاج إلى تبرير. إنه اختبار قاسٍ، لكن الحل ليس في الدخول في معركة التفسيرات مع كل من يصرّ على تحوير الكلام، بل في إدراك أن بعض النقاشات ليست سوى فخاخ، لا تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، بل إلى استنزاف القائل وإرهاقه حتى يتخلى عن كلمته أو يشعر بأنه مسؤول عن تصحيح الفهم الخاطئ لدى الآخرين. والحقيقة أنه لا أحد مسؤول عن ذلك. فالكلمة الواضحة ليست بحاجة إلى شهادة حسن سلوك، وليست مطالبة بأن ترضي الجميع، ولا أن تلتوي لتناسب من لم يكن ينوي تقبلها منذ البداية. والأمر يشبه محاولة شرح اللون الأزرق لمن يصرّ على رؤيته أخضر. يمكنك أن تذكر كل التعريفات العلمية، أن تستعين بالمصادر، أن تضع الأدلة أمامه، لكنه إن قرر أن اللون ليس أزرق، فلن يراه كذلك مهما فعلت. هنا، يكمن الدرس؛ لا تجهد نفسك في الشرح حين يكون الإنكار مقصودًا، وحين يكون الفهم الخاطئ جزءًا من استراتيجية الآخر لإرهاقك وإفقادك الثقة بكلامك. والمرء الذي يعرف نفسه، ويثق في كلمته، لا يحتاج إلى أن يقضي عمره في تصحيح سوء الفهم المتعمد. يقول كلمته ويمضي، لأنه يدرك أن الصادقين سيفهمونها كما هي، وأن المخلصين سيقرأونها بنقاء، أما الآخرون، فليس مهمًا أن يقنعهم، لأنهم لم يأتوا ليقتنعوا، بل ليعيدوا تشكيل الحقيقة وفق ما يناسبهم. وهؤلاء، مهما اجتهدت في شرح وجهة نظرك لهم، سيظلون يدورون في دوائرهم المغلقة، يبحثون عن ثغرة، أو زاوية، أو حتى كلمة واحدة يمكنهم استغلالها ليعيدوا ترتيب المشهد كما يريدون. لهذا، لا ينبغي أن نكون أسرى لرغباتنا في أن يفهم الجميع ما نقوله، ولا أن نرهق أنفسنا في محاولة تصحيح كل سوء فهم متعمد. نقول كلماتنا بوضوح، وننطقها بثقة، ثم نواصل الطريق. فالوضوح ليس في عيون الآخرين، بل في يقينك الداخلي أنك قلت ما يجب أن يُقال، كما يجب أن يُقال، من دون تردد أو تبرير زائد أو استجداء لفهم من لم يكن ينوي الفهم أصلاً.

468

| 18 أغسطس 2025

لماذا نهرب من الحقيقة.. أحياناً؟

هناك لحظات لا تحتاج فيها الحقائق إلى من يبحث عنها، إذ تأتيك وحدها، بكامل ملامحها الواضحة، كما لو أنها تقف أمامك وتقول؛ أنا هنا. ورغم ذلك، يختار المرء أحيانًا أن يدير وجهه عنها، كأنه يخشى أن يلتقي بعينيها فيكتشف في انعكاسهما شيئًا لا يريد الاعتراف به. ذلك الاختيار ليس دائمًا بدافع الجهل، بل قد يكون وليد خوفٍ من يقينٍ لا يترك مساحة للهرب، أو من مسؤوليةٍ ستثقل الكتف إن أقرّ بها. إن الوضوح، على قسوته، أرحم من العيش في منطقة الظلال. لكن النفس البشرية بارعة في ابتكار ستائر كثيفة، تخفي بها ما تعرفه مسبقًا، لتبقى في مساحة بينية، تتظاهر فيها بالبحث عن الحقيقة وهي تعرف جيدًا أين تقف. هناك مثلا من يفسّر علامات الطريق على هواه، لا لأنه لا يفهمها، بل لأنه لا يريد الوصول إلى المحطة التي تشير إليها. والتجاهل، بهذا المعنى، ليس غيابًا عن الوعي، بل فعل وعيٍ مضاد، يلتف على نفسه ليصنع منطقة آمنة مؤقتة، تمامًا كما يغمض الطفل عينيه ظنًا منه أن الظلام سيجعل الخطر يختفي. لكن في حياة الكبار، لا يختفي الخطر حين نغمض أعيننا، بل يزداد رسوخًا، ويستقر في زوايا حياتنا حتى يصير جزءًا من هوائها. المفارقة أن الحقائق التي نتظاهر بعدم رؤيتها لا تغادر، بل تنتظر بصبرٍ لا يُصدق. قد تطرق بابك مرةً في لحظة هدوء، ثم تعود لتطرق في قلب عاصفة، ثم تقرر أن تجلس أمامك، حتى وأنت تواصل الانشغال عنها. هي تعرف أنك تراها، وأنك لم تخدع أحدًا إلا نفسك. ولعل أشد أنواع الإنكار إيلامًا هو ذاك الذي يدرك فيه المرء أنه يرى الحقيقة بوضوح، لكنه يصر على تصنيفها في خانة الشك، كي يحتفظ لنفسه بحق البقاء حيث هو. يظن بعضنا أن تجاهل ما هو واضح يمنحهم فسحة أمان، لكنه في الواقع يؤجل فقط لحظة الاصطدام. والاصطدام المؤجل أقسى من المباشر، لأنه يأتي محملًا بوزن الأيام التي قضاها المرء في بناء قلعته الورقية، معتقدًا أنها منيعة. وعندما ينهار كل شيء في لحظة، يدرك فجأة أن كل ذلك الجهد كان مكرسًا لحماية وهم، لا لحماية نفسه. ليس الاعتراف بالحقيقة عملًا سهلًا، لكنه في جوهره فعل تحرير. أن تواجه ما تعرفه، حتى لو كان موجعًا، يعني أنك اخترت أن تمشي على أرض صلبة بدلًا من أن تواصل الدوران على رمال رخوة. والمرء حين يفتح عينيه على اتساعهما، يكتشف أن الوضوح لا يقتله، بل يمنحه قوة لم يكن أن يتصور أنه يملكها، لأن الشجاعة الحقيقية ليست في خوض معركة ضد خصم مجهول، بل في مواجهة ما تعرفه جيدًا وتخشى أن تنطق باسمه. وثمة حقيقة لا بد من الاعتراف بها؛ نحن لا نتهرب من الواقع لأنه غامض، بل لأنه واضح إلى حد يربكنا. فالغموض يترك للخيال مساحة للترتيب والتأويل، أما الوضوح فيحشرنا في زاوية ضيقة، لا يسعنا فيها سوى أن نقرر؛ إما أن نعترف ونمضي، أو نستمر في تجاهل لا يحمي أحدًا من تبعاته. ويظل السؤال معلقًا: ما الذي نكسبه فعلًا حين نغض الطرف عما نعرفه؟ ربما لحظات قصيرة من سلامٍ كاذب، لكنها تنقضي، تاركة وراءها صدى الحقيقة يزداد قوة مع كل تجاهل جديد. وما إن يحين الوقت الذي لا يعود فيه ممكناً التهرب، نكتشف أن مواجهة الحقيقة في بدايتها كانت أيسر ألف مرة من مواجهة تراكماتها بعد أن تضخمت وصارت جبلاً لا سبيل لتجاوزه إلا بتسلقه، حجرًا بعد حجر، وجملة بعد جملة، حتى نصل إلى قمته ونرى العالم من علٍ، خاليًا من كل تلك الستائر التي علّقناها بأيدينا يوم اخترنا ألا نرى.

588

| 11 أغسطس 2025

لقد فعلتها.. أخيراً!

ثمة أيام تبدأ بثقلٍ لا يُطاق، كأنك تجرُّ خلفك سلسلة من الأسئلة المؤجلة والقرارات المعلّقة التي ظللت تهرب منها طويلاً. تسير كأنك تحمل على ظهرك حجارة لا يراها أحد، لكنك تشعر بثقلها في كل خطوة أو تنهيدة، بل في كل لحظة صمت تفرض نفسها عليك في زحام اليوم، حتى يجيء ذلك الصباح المختلف. صباح لا يختلف في ملامحه عن غيره من الصباحات، لكنك تستيقظ فيه بروحٍ أخرى، لا لأنك أصبحت أكثر قوة فجأة، ولا لأن الأمور أصبحت أوضح، بل فقط لأنك تعبت من المماطلة. تنهض من سريرك وفي قلبك شيء يشبه الحسم. لا هو يقين تام، ولا هو اندفاع أعمى. إنه فقط قرار. القرار المؤجل منذ أسابيع أو شهور أو ربما سنوات. القرار الذي كنت تراقبه من بعيد وتتمنى لو أن أحداً آخر يتخذه عنك، أو أن الحياة تعفيك منه بطريقة ما. لكن لا أحد أتى بدلاً عنك، ولا الحياة منحتك معجزة. فقط أنت وحدك أمام المرآة، بوجهك الشاحب من القلق، وعينيك التي باتت تعرف ثقل الانتظار. حسناً.. اتخذت القرار ببساطة، من دون أن يرفّ جفن، بصوت داخلي خافت بالكاد تسمعه، وربما برسالة واحدة أرسلتها في لحظة هدوء، أو مكالمة قصيرة وضعت فيها نقطة النهاية، أو حتى بحركة عادية جداً كانت إعلاناً صامتاً عن بدء صفحة جديدة. لكنك تعرف جيداً ما فعلت. تعرف أن شيئاً ما تغير إلى الأبد. ومع أنك لا تعرف إلى أين سيقودك هذا القرار، إلا أنك تشعر بشيء من الخفة. كأنك أخيراً وضعت حقيبة ثقيلة عن كتفيك. لقد حررت نفسك من الانتظار الطويل. تمضي اليوم بوجه أكثر صفاء وبخطى أكثر ثباتاً وصمت أقل توتراً. ليس لأنك مرتاح تماماً، بل لأنك أنهيت مرحلة الإنكار.. ومضيت. لكن لا شيء سهل. الخفة التي تشعر بها لا تلغي الغصة تماماً، فربما كان القرار يعني خسارة، أو فراقاً، أو تخلياً عن حلم قديم، أو حتى مواجهةً كنت تتهرب منها. والغصة هنا لا تعني الندم، لكنها اعتراف مؤلم بأنك اخترت طريقاً تعرف أنه ليس معبّداً، وأنك وافقت على أن تخوض معركتك من دون ضمانات. ومع ذلك، فإن في هذه الغصة ما يشبه النُبل. إنها دليل على أنك لم تتخذ قرارك بتهوّر، بل بشجاعة فيها حسٌ عميق بالمسؤولية، وأنك لم تكن تافهاً أو لا مبالياً، بل صادقاً مع نفسك إلى الحد الذي جعلك تختار ما تعتقد أنه الأصح، ولو كان مؤلماً. الغصة تذكّرك بأنك إنسان، وأن المشاعر لا تُلغى بجرّة قلم، ولا تختفي بقرار واحد. والذين اعتادوا تأجيل قراراتهم، يعرفون هذا الشعور جيداً. يعرفون كم من الوقت يمكن أن يضيع في التفكير والتردد وصناعة المبررات وإقناع النفس أن “الوقت لم يحن بعد”. يعرفون مرارة العيش على الهامش، في منطقة رمادية، لا قرار فيها ولا انسحاب، ويعرفون أيضاً أن الحياة لا تنتظر، وأن الأبواب لا تظل مفتوحة إلى الأبد. والشجاعة ليست في أن تكون متأكداً من كل شيء، بل في أن تختار، وأن تتحمل نتيجة اختيارك. وما أجمل تلك اللحظة، حين تمضي في يومك بعد أن اتخذت قرارك، وتشعر بأن العالم لم يعد ثقيلاً كما كان. ربما لا تزال غصتك حاضرة، لكنها لا تشلّك. بل تعلّمك أن تمضي، وأن تنظر للأمام، وأن تتنفس بعمق، وتقول في سرك: “لقد فعلتها. أخيراً فعلتها «.

423

| 04 أغسطس 2025

معارك الكلام الميتة

لستُ من أنصار الهروب، لكنني أيضاً لا أؤمن بأن كل معركة تستحق عناء الدخول فيها. وهذا ينطبق على المعارك الحقيقية ومعارك الكلام أيضا! هناك نوع من النقاشات يولد ميتًا، لا لأن الفكرة فاسدة، بل لأن النية فاسدة. وهنا، لا يعود النقاش سبيلاً للفهم، بل يصبح ملعبًا للكيد والمراوغة واستعراض البلاغة على جثث المعاني. والمرء، إن أراد أن يصون طمأنينته، عليه أن يتقن فن الانسحاب المهذب، لا بالصمت وحده، بل بما هو أبلغ من الصمت: جملة طيبة، تخمد نار السجال كما تخمد قطرة ماء جمرًا يتوهج. كم مرة قلت فيها لشخص كان على وشك الانفجار؛ “أقدّر وجهة نظرك، وأتمنى لك التوفيق”، ورأيت كيف ارتبك؟ وكيف تلعثم؟ وكيف أعاد حساباته فجأة؟ اللطف لا يعني الضعف، كما أن الرد العنيف لا يعني القوة، وبين الردود يوجد دائماً خيار ثالث، الخيار الذي لا يلغي ذاتك، لكنه لا يحوّلك إلى مرآة لغضب الآخر. هو خيار النضج، حين يكبر المرء كفاية ليرى أن ليس كل قذيفة تحتاج إلى درع، فبعض القذائف تسقط من تلقاء ذاتها حين لا تجد أرضًا تتلقى ارتطامها. واللطف ليس مناورة ولا تجميلاً للموقف. اللطف سلوك وجودي، يتطلّب وعيًا عميقًا بالكرامة الشخصية. أن تقول شيئًا نبيلاً في حضرة من يستدرجك للسقوط، يعني أنك اخترت الوقوف على ضفة أخرى، حيث لا يعلو الصوت بل يعلو المعنى. وقد يبدو هذا خيارًا صعبًا، خصوصًا حين يكون الآخر متسلحًا بكل قبح الممكنات، لكنّك، حين تقول عبارة تفتح باباً بدلاً من أن تُغلقه، فإنك لا تُنقذ نفسك فقط من الغرق، بل تنقذ الآخر أحيانًا من نفسه. كم من النقاشات لم تكن بحاجة سوى لكلمة لطيفة تنهيها قبل أن تتورم، وكم من الخصومات الطويلة بدأت من جملة لم تُقَل، أو من ابتسامة بخلنا بها، أو من نبرة ساخرة حسبناها دعابة فاستقبلها الآخر طعنة. لا أقول إن المرء مسؤول دومًا عن نوايا الناس، لكنه مسؤول تمامًا عن شكل حضوره في العالم، وعن اللغة التي يختار أن يبلّغ بها وجوده. في كثير من الأحيان، يُساء فهم اللطف، لأنه يربك من لا يجيده. فبعضهم يظنه ضعفًا أو تواطؤًا أو تنازلًا عن الحق، لكنه في حقيقته قدرة على التحرر من القيد الذي يفرضه الآخر، وعلى ألا تكون ردّ فعل، وأن تكون فاعلاً في طريقتك بالرد، حتى لو اخترت ألا ترد كما يتوقع الآخر. وهذا، في ذاته، فعل جمالي وإنساني عميق، يُذكّرنا بأن الجدال ليس إلا حقل ألغام لمن لا يعرف أين يضع قدميه، وأن العبارة اللطيفة قد تكون أحيانًا عصا موسى التي تفرق بحر الغضب إلى ضفّتين: ضفّة هدوئك، وضفّة فيها خيبة من حاول إشعالك. تعلّمت، متأخرًة ربما، أن الأسلوب أحيانًا أبلغ من المحتوى، وأن الطريقة التي تقول بها ما تقول، قد تغيّر مسار الحوار بأكمله. وليس أجمل من أن تقول شيئًا ناعمًا في لحظة صلبة، شيئًا يُظهر أنك قادر على الحدة، لكنك آثرت ألا تستخدمها. ففي النهاية، نحن لا نُعرَف فقط بما نقوله، بل بما اخترنا ألا نقوله حين كان بمقدورنا أن نقول كل شيء. اللطف ليس ترفًا سلوكيًا، بل هو فعل مقاومة في زمن التعصب، وهو الموقف الأعلى حين يتهاوى الآخرون إلى درك النزق. هو سلاحك حين تريد أن تربح نفسك لا خصمك، أن تنجو بسلامك الداخلي لا أن تقتل سلام الآخر. وإذا كان هناك من يسأل عن حسم النقاشات العقيمة، فلا أنصح بأن ننتصر فيها، بل أن نتجاوزها، بكلمة جميلة، تريح الآخر أمامنا وتشعره بالرضا وربما بالخجل ولو مؤقتاً.. !

432

| 28 يوليو 2025

ليست كل الخسائر هزائم!

ثمّة خسائر تشبه الشفاء، تنسلّ من روحك كما ينسلّ السمّ من الجرح، وتتركك أخفّ، أنقى، وربما أكثر قدرة على التنفس من جديد. لطالما توهّمنا أن العلاقات، كل العلاقات، أشبه بعقود أبدية. نتمسّك بها حتى وهي تفتك بنا وتستنزف أعصابنا وتفتّت أرواحنا وتشوّش بوصلة سلامنا الداخلي. نربّي في صدورنا أحيانًا صداقة سامة أو علاقة حب خانقة، فنُقنع أنفسنا أن الصبر فضيلة، وأن الاحتمال شكل من أشكال الإخلاص، حتى نجد أنفسنا نتقوقع حول قلق لا يهدأ، وحزن لا يُبرر، وجسد لا ينام إلا مرهقًا من التفكير، وروح لا تفرح إلا حين تهرب. نعم.. بعض الخسائر لا تُقدّر بثمن، لأنها ببساطة تستردّ منك ذاتك التي كنت قد أودعتها لدى من لا يستحق، وتنازلت عنها وأنت تظن أنك تُحب، أو تَصل رحمًا، أو تَصنع معروفًا. ثم يأتي الفقد، فجأة أو بالتقسيط، ليذكّرك أنك كنت تضحّي بأهم ما تملك؛ نفسك. قبل أيام تعرفت على سيدة تبدو وقد تجاوزت الستين من عمرها. التقيتها في حفلة عرس. كانت تضحك وترقص بخفّة لا تشبه عمرها، وحين سألتها عن سرّ تلك الخفة المغرية، قالت بمرح: “طردت من حياتي كل من جعلني أشكّ في قيمتي، أو أخجل من نفسي، أو أبكي أكثر مما أضحك.” لم تكن تقصد الطرد حرفيًا، بل تقصد أنها وضعت لكل علاقة سقفًا، ولكل قلب مفتاحًا، وأنها أعادت توزيع مساحاتها على من يستحقون فقط. لا شيء شخصيا، فقط مسألة صحة نفسية. ولعلّ أجمل ما في الأمر، أن المرء حين يتخلّص من أول علاقة مرهِقة، يشعر برعشة حرية تشبه الرجوع من منفى طويل. ثم تتوالى «الخسائر الجميلة»! كما لو أن جسده الداخلي أصبح لديه جهاز مناعة جديد، يرفض العدوى ويتنبّه للأذى قبل أن يستفحل. ليس انتقامًا، بل نضجًا. وليس تعاليًا، بل حفظًا لكرامة النفس التي أُهدرت كثيرًا باسم الوفاء. أحيانًا لا تكون المشكلة في الآخر بقدر ما تكون في المرء ذاته. في خوفه من أن يكون وحيدًا، أو من أن يبدو قاسيًا، أو من أن يُتّهم بالأنانية. ولهذا يتحمّل ويتنازل ويبرّر، حتى يتورّط في شبكة عنكبوتية من التناقضات لا يُفكّها إلا فقدٌ كبير، أو وعي مفاجئ، أو انهيار يوقظه على فداحة ما فرّط فيه. إن خسارة الأشخاص لا تعني دائمًا أن الخطأ فيهم، كما لا تعني أن الخطأ فيك. أحيانًا لا تناسبنا القوالب، وأحيانًا أخرى نتغير ببساطة، وتفشل العلاقة في مواكبة هذا التغيّر. تمامًا كما يحدث مع الثياب التي كنا نحبها في صغرنا، ثم صارت تقيّد حركتنا حين كبرنا. لا نكرهها، ولكن لا نعود نرتديها. كل ذلك لا يعني أن نتحوّل إلى كائنات بلا حنين، أو أن نقطع علاقاتنا بالجملة، أو أن نُقدّس العزلة. بل أن نتحلّى بالجرأة الكافية لنقول؛ هذه العلاقة لم تعد تشبهني، هذه الصداقة تؤذيني أكثر مما تُسعدني، هذا القرب يستنزفني، هذه الرفقة تمضي بي إلى الخلف. وأن نقول ذلك من دون شعور بالذنب. لقد خُلقت الروح لتسكن في الطمأنينة، لا في التوتّر الدائم. وكل ما يهدد هذه الطمأنينة، يجب أن يُعاد النظر فيه. فسلام النفس ليس رفاهية، بل ضرورة. والصحة النفسية ليست شعارًا، بل حياة كاملة يجب أن نعتني بها كما نعتني بقلوبنا وأجسادنا. وهكذا، حين تقرّر أن تُنقذ نفسك من علاقة سامّة، لا تنظر خلفك كثيرًا. لا تسأل عن الرأي العام، ولا تفتش عن مبررات. فقط كن صادقًا مع نفسك، وضع هذه الخسارة في سجل المكاسب. وثق أن الحياة بعد ذلك ستمنحك ما هو أطيب، وربما تمنحك نفسك من جديد… نقية، خفيفة، ومليئة بإمكانية الفرح.

609

| 21 يوليو 2025

مجرد فضفضة..!

تبدو الكلمات أحيانًا مجرد جسور عابرة، لا تُفضي إلا إلى الضفة التي نُريد أن نظهرها للعابرين، لا إلى أعماقنا حيث تقيم الحكايات الحقيقية. نحن نتحدث كثيرًا، نتبادل الأحاديث مع من نعرف ومن لا نعرف، نناقش ونُعلّق ونُعلِّم ونُجادل ونبتسم ونصغي ونتظاهر بالاهتمام أحيانًا… ولكن، هل كل حديث هو فضفضة؟ وهل كل من نتحدث إليه يجدر بنا أن نُسميه صديقًا؟ الحقيقة التي كثيرًا ما نهرب منها، أو نُخفيها خلف ضحكاتٍ مصطنعة، أن الفضفضة ليست ترفًا لفظيًا، بل طقس روحي خاص، لا يُمارَس إلا في حضرة من يُحسن الإصغاء من دون أن يُدين. وحدهم الذين نكاشفهم بالقلب قبل اللسان، هم الذين لا نُخجل منهم حين تنكسر أرواحنا، ولا نرتبك أمامهم إذا تلعثمت مشاعرنا، ولا نخاف من صمتهم لأن صمتهم ملاذ لا محكمة. الفضفضة، ببساطة، هي تلك الحالة التي تخلع فيها النفس عباءتها الثقيلة، وتجثو على ركبتيها كطفلٍ يُريد أن ينام في حضنٍ آمن. هي ليست مجرد حديثٍ طويل، بل هي إفشاء أسرار الداخل، وإعلان هدنة مع الذات، ومناشدة دفءٍ إنساني لا يُشترى ولا يُطلب. ولهذا، لا يُمكن للمرء أن يُمارسها مع الجميع. الفضفضة فعل نخبوي خاص، يستحقه من ينصت ويحافظ على ما يُقال كما لو أنها صلاة سرية لا يجوز كشفها. كم من مرة تحدّثنا إلى غرباء، وخرجنا من حديثنا كما دخلنا.. مثقلين! وكم من مرة جلسنا إلى أصدقاء العمر وخرجنا وقد تضاعف الألم! لأن الحديث لا يعني دائمًا البوح، والكلمات ليست دائمًا مفاتيح للراحة. هناك من يتحدث كثيرًا ويظل غريبًا عن نفسه، وهناك من يصمت طويلًا ثم يُلقي في حضرة من يحب كل ما في جوفه دفعة واحدة، وكأنه كان ينتظر هذا الحضن العاطفي كي ينهار. والقلوب، حين تُحب، لا تسأل كثيرًا، لكنها تُنصت أكثر مما نظن، وتلتقط خبايا الوجع بلا حاجة إلى تفصيل. ولذا، لا عجب أن كنا نفضّل الصمت على الإفصاح حين نفتقد هذا النوع من القلوب، فنمشي بين الناس كأننا نؤدي أدوارًا محفوظة، بينما الجزء الأصدق فينا يظل ساكنًا في الأعماق، لا يُخاطب إلا حين يُطل من نُحب. في تفاصيل يومنا، أشياء لا تُقال، لا لأنها تُخجلنا، بل لأنها لا تستحق أن تُقال إلا لمن يعرف كيف يراها بعين القلب. تلك التفاصيل الصغيرة والبسيطة والتي لا تعني لأحد شيئًا، لكنها تحمل لنا معنى العالم كله، لا نفصح عنها إلا لأرواح تشبهنا، أرواح عرفناها ربما مصادفة لكننا أحببناها عمدًا. هؤلاء، هم الذين نكتب لهم نصوصنا غير المكتوبة، ونُهديهم لحظاتنا الموشاة بالصمت، ونُشاطرهم اتساع قلوبنا حين تضيق الدنيا. نعم.. يبقى دائما بحاجة إلى هذا الواحد الذي لا يُشبه غيره. الواحد الذي نُحب أن نُحادثه قبل أن ننام، لا لنتحدث عن قضايا العالم الكبرى ولا عن مسارات الحرب التي نسمع ضجيجها حولنا، بل لنسرد له كيف علقنا ملابسنا على المشجب فانقطع منها زر مهمل، وكيف نسينا المفاتيح فاضطررنا للعودة، وكيف شعرنا بالحزن من كلمة عابرة، أو بالفرح من أغنية في الطريق. نبوح له بكل هذا وكأننا نعترف، لا لأنّ ما نبوح به عظيم، بل لأن الإصغاء في وجدانه يُعطي لكل شيء أهمية. أن تفتح قلبك لأحد، يعني أنك منحته مفاتيح العزلة، وأذنت له بأن يُقيم في منطقة لا يصل إليها غيره. ولهذا، لا أحد يستحق هذه المفاتيح إلا من أثبت أنه لن يستعملها إلا ليُضيء المكان.

927

| 14 يوليو 2025

نعم للحب.. لا للتعلق!

يحدث أحيانًا أن نمسك بشيء لا يُمسك، كخيط من دخان. شيء لا نراه تمامًا، ولا نستطيع الاستغناء عنه. هذا هو التعلّق. هو ذلك الشعور الغامض الذي لا يعلن عن نفسه صراحة، لكنه يزحف بخفة ولؤم إلى داخل القلب، يستقر في زواياه، ويتمدد في تفاصيل الحياة حتى يصبح جزءًا منها. والمتعلق لا يقول «أنا متعلق»، بل يُعرف من طريقة الانتظار، ونبرة الصوت عند الحديث عن شخص، ومن رعشة اليد عند ذكر مكان أو ذكرى. التعلّق ليس حبًا، رغم شبهه الشديد به. فالحب شعور حر ناضج ، ومن يشعر به ويعيشه قادرة عادةً على الاكتفاء والتسامح. أما التعلق فهو حبٌّ خائف، مأسور، ومشروط بالبقاء والاستمرار. وهو لا يريدك سعيدًا فقط، بل يريدك قريبًا، دائمًا، كما أنت، لا تتغير، ولا تغيب، ولا تفلت. فرق آخر بين الحب والتعلق نستطيع رصده؛ الحب يمرض عندما يتحوّل إلى خوف من الفقد أكثر من كونه فرحًا بوجود من نحب. أما التعلّق، فلا يرضى بالقليل، ولا يعرف التوازن، بل يملأ كل المساحة ويطلب المزيد. وغالبًا ما يبدأ التعلّق في لحظة ضعف، حين يشعر الإنسان أنه ليس كافيًا بمفرده، أو حين يتلقّى دفعة من العناية والاهتمام لم يعرفها من قبل. فنتشبث بمن أعطانا هذا الدفء، كما يتشبث طفل بأطراف ثوب أمه في الزحام. هذا التعلق لا يكون في الأشخاص فقط، بل في الأماكن والذكريات والأصوات التي تُشعرنا بالأمان، وحتى في الألم أحيانًا. نعم.. قد نتعلق بما يؤلمنا، إذا كان يربطنا بشيء أعمق، أو يُشعرنا أننا أحياء. وفلسفة التعلق تحمل في طياتها سؤالًا أبديًا: هل نحن متعلّقون لأننا لا نمتلك، أم لأننا لا نعرف كيف نعيش بدون ما نمتلك؟ وهل التعلّق ضعف، أم أنه مجرد نتيجة طبيعية للحاجة البشرية للارتباط؟ هل نُلام على تمسكنا بأشياء تمنح حياتنا طعمًا ومعنى؟ أم نُلام على عدم قدرتنا على المضي وحدنا؟ وأسوأ ما في التعلق أنه في لحظة ما يتحول إلى قيد، فيجعلنا نعيش على أطراف أعمارنا، مرتهنين لردة فعل، أو لرسالة، أو لحضور أحدهم. فيسرق منا حريتنا العاطفية، ويجعلنا نُعيد حساباتنا بناءً على احتمالات الآخرين، إذ نُضحي بأحلامنا، ونؤجل قراراتنا، فقط لنحافظ على هذا الخيط الواهن. لكن، رغم كل ذلك، نحن لا نشفى من التعلق بسهولة. لأننا في لحظاته نُحِس بالحياة بشكل مكثف. فنغرق في التفاصيل الصغيرة، ونُضخم اللحظات الجميلة . نعلّق قلوبنا بعبارات عابرة، ونكتب رسائل لا نرسلها، ونعيش في خيالاتنا مئات السيناريو للقاء منتظر أو وداع متوقع. وهذا يعني أن التعلق يخلق داخلنا عالمًا موازيًا وغنيًّا ومزدحمًا ومثيرًا لكنه هش. إذ ينهار عند أول تَجاهل. والحل لا يكون دائمًا في القطع الحاد، ولا في اللامبالاة المصطنعة، بل في وعي الذات. أي في القدرة على الاعتراف بمعاناتنا من التعلق. مثلاً.. نراقب مشاعرنا كمن يشاهد فيلما يعرف نهايته، لكن يقرر الاستمتاع بتفاصيله من دون أن ينسى أنه مجرد فيلم. وأن نحاول أن نحب من دون أن نحاول امتلاك من نحب، وأن نرتبط من دون أن نتشبث بقوة، وأن نتذكر من دون أن نبكي في كل مرة نشعر بحاجتنا للبكاء. وأن نكون قادرين على الوقوف في منتصف المشاعر من دون أن نغرق. وكلما ازددنا فهمًا لأنفسنا، تضاءلت حاجتنا للتشبث بما وبمن هو خارجنا. وحين نصل إلى تلك اللحظة، لحظة الاكتفاء الداخلي، لا يعود التعلّق يُخيفنا، بل يُذكّرنا فقط بأننا بشر، وأننا مررنا من هنا، وارتبطنا، وتألمنا، وأحببنا، ثم كبرنا وتجاوزنا وصرنا نعرف أن الحب لا يعني الامتلاك، وأن الفقد لا يعني النهاية، وأن المرء يمكنه أن يحب بعمق من دون أن يتعلّق حتى الاختناق.

582

| 07 يوليو 2025

.. فاطمئن!

في لحظة ما من العمر، وأنت تنظر إلى ما تبقى منك بعد خيبة موجعة أو فقدٍ قاسٍ أو بابٍ أُوصد في وجهك، قد تتمتم بغير وعي: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ لماذا هكذا؟ أسئلة تتدافع في روحك، لا تنتظر إجابة بقدر ما تبحث عن كتفٍ يستوعب ثقلها، عن حضنٍ لغضبك الصامت، عن معنى ينقذك من الغرق في اللاجدوى. هناك، تحديداً في قلب هذا الارتباك الوجودي، تأتي تلك الآية كأنها نُطقت خصيصاً لك: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. ليست مجرد آية تتلى، بل ضوء خافت في آخر نفق طويل، يدٌ رفيقة تمسح على روحك المرتجفة، صوت هادئ يقول: «تمهّل… ثمة خير لم تره بعد». هذه الآية ليست خطاباً دينياً بارداً، ولا درساً في الصبر يُلقَى من أعلى برج عاجي. إنها الحبل الذي يتدلى إليك حين تكون على وشك السقوط، الكلمة التي تفهمك حين تعجز عن التعبير، البلسم الذي لا يدّعي إزالة الألم، لكنه يعلّمك كيف تعيش معه من دون أن تنكسر. هي آية تربّت على شعورك بالنقص لا لتزيده، بل لتقول لك إنك كامل بما تعيشه، قوي بما تتجاوزه، إنسان بما تشعر به. تتسلل إليك وأنت تظن أنك أصبحت شفافًا، لا يُراك أحد. وإذا بها تُنطَق في لحظة ما على لسان شخص لا تعرفه، أو تظهر أمامك في مصحف فتحته عشوائيًا، أو تمر في أذنك من مقطع عابر، فتخترقك... كم مرة كرهنا أشياء وقلنا: «لو أن هذا لم يحدث، لكنت بخير»؟ ثم مرت الأيام، وكشف الزمن عكس ما ظننا. كم مرة رأينا الرفض خيبة، ثم تبين أنه نجاة؟ كم مرة حسبنا الفقد موتاً، ثم وجدنا فيه بعثًا جديداً لذواتنا؟ نحن لا نعرف. لا نملك خارطة الطريق، ولا نُدرك المغزى في لحظته. نعيش التفاصيل بينما يُرتب القدر الصورة كاملة، ونحن نغرق في الظن، بينما الحقيقة تُصاغ بعيدًا عن مدركاتنا. والجميل في الآية أنها لا تعدك فقط بأن ما تكرهه فيه خير، بل تفتح لك بابًا لتوسيع نظرتك للحياة كلها. تذكّرك بأن الخير لا يشبه دائمًا ما نتمناه. أنه أحيانًا يتخفى في هيئة ألم، أو شتات، أو خسارة. وكأنها دعوة أن تكون مرنًا مع الحياة، أن لا تجعل تصوراتك الضيقة عن الخير هي المعيار الوحيد للحكم. فربّما، في لحظة ما، يصبح ما كنت تظنه خرابًا، هو البذرة التي نمت فيها أعظم ملامح نضجك. أحيانًا لا يكون الألم في ما نعيشه فقط، بل في عجزنا عن تغييره، في شعورنا بالضعف أمامه، في عدم قدرتنا على مقاومة التيار. نشعر وكأننا أقل من أن نواجه كل هذا الثقل، وكلما أوشكنا أن نبوح، خاننا الصوت. وكلما حاولنا أن نشرح، استعصى علينا التعبير. وهنا، تصبح هذه الآية نوعاً من الفهم العميق الذي لا يحتاج إلى كلام، تقول لك: لست وحدك. لا مشاعرك خطأ، ولا ضعفك عار، ولا عجزك نهاية. كل هذا مفهوم، وكل هذا يمكن أن يحمل في طياته ما لا تراه الآن. قد لا يتغير شيء بعد أن تسمع الآية. لن تختفي الأحزان فجأة، ولن تُمحى الخسارات من ذاكرتك. لكنّ شيئًا داخلك سيتبدّل. ستشعر بأن ما تعيشه له معنى، وإن كان غامضًا الآن. ستبدأ بالنظر لما يحدث لك بطريقة مختلفة، كأنك تقف قليلاً خارج المشهد، وتقول: «ربّما ما أظنه كُرهاً ليس إلا غطاءً لشيء أكبر». ومع الوقت، ستدرك أن أعظم مراحل التغيير فيك لم تحدث وأنت منتصر، بل وأنت محطم، تنزف، وتعيد بناء نفسك من الصفر. هذه الآية لا تطلب منك أن تتوقف عن الشعور، ولا أن تبتسم رغم الألم، ولا أن تصطنع الرضا. هي فقط تمنحك مساحة لأن تكون كما أنت، وتذكّرك بأن لكل لحظة معنى، حتى وإن لم تفهمه بعد. تقول لك ببساطة: كل ما يحدث لك الآن، يحمل في طياته ما سيحدث لك لاحقًا… فاطمئن.

513

| 30 يونيو 2025

حتى آخر لهب!

كنت وحدي، أو هكذا خُيِّل لي. وفجأة، انتبهت لحركة صغيرة تُقاطع سكوني. كانت فراشة. فراشة صغيرة، كأنها هاربة من كراسة رسم، تتهادى في الهواء بخفة لا تُصدّق، وتحوم حول الموقد بإصرارٍ لا يشبه الكائنات الطيّعة، بل يشبه أكثر أولئك الذين يسيرون نحو مصيرهم المحتوم بإرادتهم الكاملة. كنت أتابعها بعينٍ تملؤها الدهشة، قبل أن أحاول إبعادها، فتعود. أنفخ عليها قليلاً فتختفي لوهلة، ثم ما تلبث أن تعود لتدور في فلك النار، كأنما خلقت لتكتشف حدود الألم بلمسة جناح. لم تكن تطير عبثًا، بل بشيء يشبه الإيمان. إيمانٌ عجيب لا أعرف مصدره؛ أتؤمن بالضوء؟ أم تؤمن أن الضوء بداية خلاص؟ أم لعلها لا تعرف أنها تقف على حافة الهلاك؟ مرّ وقتٌ وأنا أراقب هذا الكائن الرقيق العنيد، وكلما عادت إلى النار، شعرت أن شيئًا في داخلي يُريد الصراخ؛ «عودي إلى العتمة، ففيها نجاتك!»، لكني سكتُّ. ربما لأنني شعرت أن هذا المشهد ليس مجرد مواجهة عشوائية بين فراشة ولهب، بل هو مرآة لحكاية أوسع بكثير، لعلها مرآتي أنا. كم من مرةٍ كنت أنا الفراشة؟ كم مرة طرتُ بإصرار نحو أشياء أحببتها وظننتها ضوءًا، فإذا بها تحرقني؟ كم من مرة اقتربت من فكرة، من شخص، من حُلمٍ، وأنا أعلم تمامًا أن النار تحته مشتعلة، ومع ذلك، واصلتُ التحليق، لا لأني لا أعلم، بل لأني كنت أحتاج أن ألمس اللهب كي أتيقّن أنني ما زلتُ حيّة. ليست الفراشة غبية، وليست ساذجة، هي فقط مؤمنة بشيءٍ ما، لا نراه نحن الذين نحذر كثيرًا ونحسب خطواتنا ببرود المنطق. الفراشة مخلوق آخر غير البشر، وعيها لا يشبه وعينا، وخوفها لا يشبه خوفنا، واختيارها للموت ليس عبثًا بقدر ما هو استجابة لنداء لا نفهمه نحن أبناء الحسابات الدقيقة. ربما لهذا أحببتُها، وربما لهذا شعرتُ أنني مدينة لها بهذا التأمل الليليّ العميق. كانت تدور وتدور، ولا تعلم أنها تُعلّمني أشياء كثيرة. تُعلّمني أن بعض الخسارات تُرتكب بكامل القلب، وأن بعض الاقترابات القاتلة لا تحدث إلا لأن فينا شيئًا أعند من النجاة. فينا شوقٌ حارق لا تهزمه التحذيرات، بل تفتنه، ويقوده توقٌ للتماهي مع الضوء حتى ولو كان آخر ما نراه. في تلك الليلة، لم تعد الفراشة وحدها تحت اللهب، كنت معها، بل كنتُ هي. كل دوراننا حول من نحب، كل تكرارنا للخطأ نفسه، كل اندفاعنا إلى فكرة نعرف أنها ستكلفنا الكثير، كل هذه ليست غباءً ولا اندفاعًا محضًا، بل تعبير عن ذلك النبض الداخليّ الذي لا يرضى بالحياة الباهتة، ويصر على أن يُلامس الضوء، حتى ولو احترق لأجله. عندما احترق جناح الفراشة أخيرًا، وانكفأت في زاوية الموقد، شعرتُ بوخزة في قلبي. لم يكن حزنًا فقط، بل كان أيضًا من هذا الكائن الصغير الذي قرّر نهايته بنفسه، من دون تردّد، وبلا بكاء. فراشة اختارت قدرها، ومضت. في حين نقضي نحن حياتنا نهرب من أقدارنا، ونتوسل السلامة، ونخشى التجربة، ونرتعش من فكرة الخسارة. من قال إن العاقل لا يقترب من النار؟ من قال إن النجاة في الابتعاد فقط؟ بعض الأرواح خلقت لتجرب، لتغامر، لتكسر السياج، وتطير نحو النهاية، لا لأنها لا تخاف الموت، بل لأنها تؤمن بالحياة التي تبدأ بعد كل احتراق. حين وقفتُ لأغادر، كان الموقد قد خفّت نيرانه، والفراشة تحوّلت إلى رماد، لكن في داخلي اشتعل نار أخرى؛ إدراكٌ حادّ أن الحياة لا تُقاس بالمدة، بل باللحظة التي نحلّق فيها بكل إرادتنا، حتى لو كانت الأخيرة. وهكذا، بقيت صورتها تحوم حولي. فراشة صغيرة… خفيفة… حرة… علّمتني أن بعض النهايات لا تُهزم، لأنها كانت نابعة من قناعة عميقة بأن الحياة لا تُعاش إلا كاملة، حتى آخر لهب.

750

| 23 يونيو 2025

رحلتي لم تبدأ من مطار!

كل شيء بدأ هناك، في تلك الزاوية الحميمة التي لا تُقاس باتساعها، بل بما احتوته من بذور الأحلام الأولى. لم تكن تلك المساحة التي بدأت منها واسعة بالمعنى الفيزيائي، لكنها كانت رحبة بما يكفي لتحتضن بداياتي، وهادئة بما يتيح لي أن أُصغي لصوتي الداخلي قبل ضجيج العالم. لم تكن مجرد مكان للإقامة العابرة، بل كانت عالمي الأول، منبع التأمل، ومختبر التساؤلات الكبرى. في تلك البقعة المألوفة، فهمت أن الجغرافيا الحقيقية لا تُقاس بخطوط العرض والطول، ولا تحددها خرائط المدن والدول، بل تبدأ من الداخل، من الذات حين تُوقظ وعيها، وتفتح نوافذها على الآخر المختلف. تعلّمت أن المسافة بيني وبين أبعد نقطة في هذا العالم يمكن أن تنكمش إلى لحظة تأمل، أو إلى سطر في كتاب، أو إلى صوت عابر يوقظ في القلب دهشة. كنت أطلّ على هذا العالم لا من نافذة تطل على منظر مدهش، بل من نافذة الروح التي ترى ما لا يُرى. لم أكن بحاجة إلى أفق واسع كي أرى العالم، كنت بحاجة إلى خيال متّقد، وإلى فضول لا يشبع. كنت أقرأ، وأحلم، وأتخيل، وأصغي، وأجمع ما يعبر أمامي من ملامح وصور وعبارات، كما يجمع المسافر شتات طرقه في حقيبة صغيرة. رحلتي لم تبدأ من مطار، ولم أكن أحتاج إلى حقيبة ثقيلة. بدأت من الداخل، من سؤال بسيط: من أنا؟ وامتد السؤال ليصير: ماذا أرى حين أفتح عيني؟ من هو هذا الآخر؟ ولماذا يُدهشني؟ كنت لا أبحث عن إجابات جاهزة، بل عن فهم أعمق، عن مساحة إنسانية مشتركة تربطني بالعالم. وكلما ازداد هذا الفهم، اتسعت مساحتي، وكبرت خارطتي التي لا تُرسم على الورق، بل تُخطّ بالقلب. حين خرجت من مساحتي، خرجت بأفكاري أولاً، ثم بتجربتي ومشاعري. كل لقاء جديد كان بمثابة عبور نحو ضفة مختلفة من الذات. كل حوار صادق كان بمثابة لغة جديدة تُضاف إلى معجم القلب. حتى الخيبات، تلك التي تؤلم ولا تُنسى، كانت دروسًا في تضاريس الروح، وفي خرائط العاطفة، وفي مواسم النفس الداخلية. شيئًا فشيئًا، أدركت أن الانتماء ليس إلى مكان بعينه، بل إلى أثر يتركه المكان فيك. كل موضع وطأته قدماي، ولو بالصدفة، فتح داخلي نافذة جديدة، وزرع بذرة تأمل. لم تكن المساحة الضيقة عائقًا، بل كانت حافزًا لتوسيع المخيلة، ولإعادة تعريف معنى الرحابة. ومن هناك، أيقنت أن المعنى لا يُمنح، بل يُكتشف بالتجربة، وبالاصطدام، وبالحنين إلى المجهول. الآخر لم يكن نقيضًا، بل امتدادًا. كان مرآتي التي أتعرف عبرها على ملامحي من زوايا جديدة. لم أكن أقترب منه لأذوب فيه، بل لأزداد وعيًا بنفسي من خلاله. وكلما تعمقت في هذا الوعي، ازداد يقيني بأن الذات ليست قيدًا، بل مفتاحًا؛ وأن المساحة التي بدأت منها ليست حدودًا، بل نقطة انطلاق تتجدد كلما قرأت كتابًا، أو أنصتُ لوجهٍ جديد، أو تذكرت لحظةً نائمة في الذاكرة. واليوم، حين أستعيد تلك البداية، لا أراها بعين الحنين، بل بعين الامتنان. لقد منحتني تلك المساحة الصغيرة أعظم امتياز: أن أُبصر ما وراء الجدران، أن أُدرك أن العالم لا يحتاج إلى خطوات كثيرة كي يُستكشف، بل إلى قلب منفتح، وروح يقظة. فالعالم، بكل تنوعه وتناقضه، لم يعد مجرد أماكن تُزار، بل صار شعورًا يُعاش، وانتماءً يُصاغ، وخريطة نابضة تُرسَم من الذات وإليها. وفي كل مرة أُصغي فيها لحكاية جديدة، أو أكتب فكرةً تطرق الباب من بلا موعد، أشعر أن نقطة جديدة تُضاف إلى خريطتي الخاصة، تلك التي لا تحدها الحدود ولا تُقيدها السياسة، بل تنبض بالصدق، وتُرسم بنبض الإنسان. وهكذا، تستمر الرحلة.

1431

| 16 يونيو 2025

لابوبو.. وعقلية القطيع!

دمية بلا ملامح واضحة، لا ذكاء في تصميمها، ولا جمال في صناعتها، ولا حتى قصة خلفها تُروى. ومع ذلك، اجتاحت الأسواق كالإعصار، واقتحمت أرفف المحال، وتسللت إلى غرف الأطفال، بل حتى إلى قلوب الكبار. اسمها؟ لابوبو. وما لابوبو هذه إلا مجازٌ صارخ لعقلية القطيع في أبهى تجلياتها. في البدء، لم تكن “لابوبو” شيئًا يُذكر. دمية عادية، برأس كبير وجسد صغير، لا تمتاز بشيء سوى أنها ظهرت في الوقت المناسب، وسط جيل يبحث عن ضجة تُخرجه من صمته، أو نكتة يتداولها ليشعر بوجوده. شيئًا فشيئًا، بدأت تنتشر. لم يكن انتشارها نتيجة إعلان ذكي، ولا حملة تسويق عبقرية، بل بفعل التقليد الأعمى وحده. شخص ما التقط لها صورة، كتب تعليقًا ساخرًا، ثم شاركها… ففعل الآخرون مثله. وهكذا بدأت الدمية تتحول إلى ظاهرة. لكن أيّ ظاهرة هذه؟ وما الذي يجعل الناس يحتشدون حول منتج لا يملك أي قيمة جمالية أو فكرية أو حتى ترفيهية تُذكر؟ هنا تبدأ الحكاية الحقيقية… حكاية عقلية القطيع. عقلية القطيع ليست مفهومًا نفسيًا مجردًا فحسب، بل هي سلوك يومي نراه يتكرر في المشهد الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، وحتى الاستهلاكي. إنها لحظة يتخلى فيها الإنسان عن فردانيته، عن حسّه النقدي، عن بصيرته، ليذوب في اختيارات الجماعة، خوفًا من أن يُقال عنه: “غريب”، أو أن يُتهم بأنه لا يواكب “الترند”. ولأننا نعيش في زمن تهيمن فيه خوارزميات الشهرة على قراراتنا، يصبح اللاشيء، فجأة، كلّ شيء! اللافت أن “لابوبو” لم تدخل قلوب الناس من باب الحاجة، بل من باب الضحك والاندهاش. شيءٌ يُشترى فقط لأن الجميع اشتراه، ويُهدى فقط لأن الجميع أهداه. وكأن لسان حال الناس يقول: “لا نعرف لماذا نحبها، لكن لا نريد أن نكون وحدنا خارج الدائرة”. وفي هذا الاختيار التافه، تكمن مأساة كبرى: لقد صار الذوق الجمعي هشًّا، يُقاد كالغنم، يلهث خلف أي “صرعة” جديدة دون مساءلة، دون تأمل، دون تفكير. قد يرى البعض أن الموضوع بسيط، وأن الأمر لا يعدو كونه موضة تافهة ستمرّ كما مرّ غيرها. لكن المسألة أخطر من ذلك بكثير. “لابوبو” ليست مجرد دمية. إنها تجلٍّ صارخ لعصر يتعطل فيه العقل أمام “الترند”، وتُستبدل فيه الأسئلة الجادة بتفاهات الشاشة، ويصبح السائد مقدّسًا لمجرد أنه سائد. اللافت أيضًا أن هذا النوع من الظواهر ينجح دومًا في المجتمعات التي تعاني من فراغ روحي أو ثقافي. فحين يغيب المشروع الثقافي الحقيقي، تملأ الفراغ دمية. وحين تغيب القدوة، يصبح أي شيء محط أنظار. في غياب المعنى، تصبح “لابوبو” هي المعنى! أليست هذه مفارقة؟ أن نخاف من أن نُتّهم بالاختلاف، فنتماهى مع “دمية” خاوية، وأن نشتريها لا لأننا نحبها، بل لأننا لا نريد أن نبدو وحدنا؟ أليس هذا قمة القطيعية؟ لكن لا شيء يُخيف “القطيع” أكثر من الفرد الحر. ذلك الذي لا يشتري لأن الآخرين اشتروا، ولا يضحك لأن الجميع يضحك، ولا يصفّق لأن الصفّ كله يصفّق. الفرد الحر ليس بالضرورة غريبًا، لكنه يتمسك بحريته في الرؤية والاختيار. يراقب من بعيد، يبتسم أحيانًا، يعارض غالبًا، ويصمت حين يكون الصمت موقفًا. وهكذا صارت “الدمية” رمزًا، والمعنى زينةً سطحية، فأصبح التفكير فعلًا ثوريًا. أن تقول “لا” حين تصرخ الجموع بـ ”نعم” هو الشجاعة بعينها. أن تتأمل قبل أن تنفعل، أن تسأل قبل أن تُساير، أن تتريّث قبل أن “تشارك”… كلّ ذلك مقاومة راقية لعقلية القطيع. لسنا ضد الضحك، ولا نُحرّم التسلية، ولا نجرّم الظواهر الطريفة. لكننا نخاف أن يتحوّل المرح إلى فخ، والموضة إلى سجن، والدمية إلى مرجعية. نخاف من لحظة يصبح فيها الإنسان مجرد مستهلك لما يُقدَّم، دون أن يسأل نفسه: لماذا؟ ولأجل مَن؟ وماذا بعد؟ لابوبو ليست العدو، لكنها الجرس. والجرس لا يُخيف إلا النائم. فهل نُفيق؟ أم نُكمل الحكاية… كدمى؟

1908

| 09 يونيو 2025

ارحموا أهل العزاء
ارحموا أهل العزاء

هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...

8382

| 03 أغسطس 2026

تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة
تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة

سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...

4821

| 05 أغسطس 2026

السيجار.. ولغة النخب
السيجار.. ولغة النخب

تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...

990

| 02 أغسطس 2026

شكل الأرض.. الحقيقة التي ما زالت تدهش العقول
شكل الأرض.. الحقيقة التي ما زالت تدهش العقول

منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم...

954

| 06 أغسطس 2026

كيف حالكم يا قوم؟ لنسأل اللغة: هل ما زلنا أقواماً؟
كيف حالكم يا قوم؟ لنسأل اللغة: هل ما زلنا أقواماً؟

لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى...

882

| 05 أغسطس 2026

سيأتي الربيع...
سيأتي الربيع...

في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...

834

| 05 أغسطس 2026

رحلة القطار
رحلة القطار

رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل...

654

| 04 أغسطس 2026

طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم
طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم

ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات...

624

| 04 أغسطس 2026

 من ظلمة الجب إلى سدة الحكم
من ظلمة الجب إلى سدة الحكم

من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...

594

| 02 أغسطس 2026

كرسي الحلاق!
كرسي الحلاق!

بعض الموظفين يحاولون جاهدين الوصول لمناصب أعلى مما...

561

| 03 أغسطس 2026

القروض المبكرة..  هل آن أوان إعادة النظر؟
القروض المبكرة.. هل آن أوان إعادة النظر؟

من الظواهر التي تستحق الوقوف عندها، اندفاع بعض...

549

| 06 أغسطس 2026

في رثاء المغفور له الأمير الوالد
في رثاء المغفور له الأمير الوالد

في رثاء المغفور له الأمير الوالد الشيخ حمد...

528

| 02 أغسطس 2026

أخبار محلية