رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

معنى أن تكون شاعراً!

كل شاعر، مهما بدا هادئًا أو مطمئنًا في موقعه، يحمل في داخله جناحين قلقين، لا يطيقان البقاء طويلًا في أمان الجماعة. كأن الشعر نفسه لا يتنفس إلا في العزلة، ولا يضيء إلا في المسافة الفاصلة بين الصوت والصدى. تلك المسافة التي تفصل الطائر الشاعر عن السرب، وتمنحه في الوقت ذاته حريته وخوفه، مجده ووحدته، انتصاره وانكساره. ليس من المصادفة أن يشبَّه الشعراء بالطيور، فهما يشتركان في شهوة التحليق، وفي حاجتهما إلى العلو كي يريا الأشياء من زاوية مختلفة. السرب يمنح الطائر حمايةً ودفئًا، لكنه يسلبه خصوصية النغمة. أما حين ينفرد بالطيران، فإنه يعرّض جناحيه للريح، لكنه يستعيد صوته الأصيل، الذي لا يشبه سواه. تلك المفارقة هي قدر الشعراء منذ أول من قال بيتًا في البراري القديمة، وحتى آخر من همس بقصيدته في عتمة غرفة صغيرة. الشاعر، في جوهره، لا يحتمل التكرار. يرفض أن يقول ما قيل، أو أن يرضى بما اتُّفق عليه، أو أن يقتات على ما يراه الآخرون كافيًا. إنه كائن قلق، يختبر اللغة كما يختبر الطائر الهواء، يختبر مقاومته قبل أن يسلم له جناحيه. كل قصيدة هي تجربة طيران جديدة، وكل خطأ في المدى يُكسبه خبرةً في التحليق أعلى. لذلك لا يكتب الشاعر ليُعجب أحدًا، بل ليكمل نقصًا في الكون لا يراه سواه، أو ليمنح نفسه فرصة النجاة من ثقل الأرض. لكن الخارج من السرب لا يعود كما خرج. من يتذوق طعم الحرية اللغوية لا يستطيع بعدها أن يتكلم بلغة الجماعة. تصبح الكلمات عنده كائنات لها أرواحها الخاصة، لا تقبل القيد ولا تنصاع للعرف. وحين يعود إلى السرب، يجد أن النغم تغيّر، وأنه لم يعد يطيق ترديد ما يتردد على الألسنة. لذلك يُتهم الشاعر دائمًا بالغموض، أو بالغرابة، أو بالتعالي. وما هو في الحقيقة إلا أكثر الناس صدقًا في إنصاته إلى الأصوات الخفية في داخله، تلك التي يخاف الآخرون من سماعها. أن تكون شاعرًا يعني أن تعيش على الحافة بين الخطر والجمال. الحماية تغري، لكنها تُخدّر. الجماعة تمنح الطمأنينة، لكنها تسرق الصوت الخاص. أما الانفراد فهو مغامرة مفتوحة على الاحتمالات: قد يسقط الشاعر في فراغ المعنى، وقد يكتشف في ذلك الفراغ سماءه الحقيقية. وما يميز الشعراء الكبار عن غيرهم، ليس مهارتهم في نظم الكلام، بل جرأتهم في ترك السرب حين يضيق بهم، وثقتهم بأن أجنحتهم ستقودهم إلى حيث لا خرائط ولا أوامر طيران. كثيرون يرون في السرب رمزًا للأمان. لكن الشعر لا يزدهر في الأمان، بل في القلق الجميل الذي يرافق كل بحث عن صوت جديد. فحين يطمئن المرء أكثر مما ينبغي، يفقد دهشته. والشعر، في جوهره، دهشة متجددة. لذلك يظل الشاعر أقرب إلى الطيور التي تعرف أن الطريق إلى العلو محفوف بالتيه، لكنها تطير رغم ذلك، لأن التيه جزء من طقوس الوصول. ولعل أعذب ما في الشعر أنه يجعل من الغرابة وطنًا مؤقتًا. لا يكتب الشاعر ليكون مقبولًا، بل ليكون صادقًا. ولا يغرد خارج السرب من رغبة في التفرد فحسب، بل لأنّ ما يراه من موقعه المختلف لا يمكن أن يُرى من مكان آخر. كل شاعرٍ يحمل في صوته سرًّا لا يُقال إلا إذا ابتعد قليلاً عن الضجيج العام، ليستمع أولًا إلى الصمت. والصمت هو أول القصائد، ومنه تبدأ اللغة رحلتها نحو المعنى. ربما ينسى السرب سريعًا ذلك الطائر الذي غادرهم ذات فجر بحثًا عن نغمة جديدة، لكن القصيدة لا تنساه. القصيدة تحفظ له أثر الجناحين في الهواء، وارتجافة القلب حين قرر أن يخرج من الاصطفاف. وما الشعر في النهاية إلا تلك اللحظة التي يجرؤ فيها المرء على أن يكون وحيدًا من أجل أن يقول الحقيقة كما يراها هو، لا كما يتوقعها الآخرون. كل الشعراء طيور، نعم، لكنّ بعضهم يختار الغناء في مواجهة الريح، لا في ظلّها. هؤلاء وحدهم يخلّدهم الصوت، لأنهم حين غادروا السرب لم يغادروا الوفاء، بل عادوا إليه بأغنية أوسع من الأجنحة نفسها، وأعمق من فكرة الحماية، وأصدق من أي تصفيق يأتي من الخلف.

513

| 03 نوفمبر 2025

عن خيبة اللغة!

يحدث أحيانًا أن يجلس الكاتب أمام بياض الورق أو فراغ الشاشة كمن يقف في مفترق لا يعرف أي طريقٍ يسلك. الكلمات التي كانت يومًا تتدافع من بين أصابعه كجدولٍ صغير، تجف فجأة، ويتحوّل الحبر إلى غبار ولوحة المفاتيح إلى صخرة. إنها تلك اللحظة التي يسمّيها البعض “حبسة الكتابة”، ويسميها آخرون “خيبة اللغة”. غير أني أراها لحظةَ صدقٍ مؤلمة، حين ترفض اللغة أن تكون شاهد زور على ما لم ينضج بعد في الداخل. الكتابة ليست آلة تعمل بالأوامر، ولا فكرة تُساق بالعنف نحو الصفحة. إنها كائن خجول، يختبئ حين يشعر بأن الكاتب يطارده بعصبية أو خوف. أحيانًا يكفي أن نسترخي قليلًا، أن نكفّ عن التفكير في النتائج، أن نتوقف عن انتظار النص الكامل أو الفكرة العظيمة، وأن نبدأ من أبسط ما يمرّ بنا؛ رائحة قهوة، صوت جهاز تكييف، ظلّ شجرة على نافذة، أو حتى جملة عابرة قالها أحدهم في المقهى ثم مضى. الحبسة ليست عدوًّا كما يظن الكثيرون، بل هي طريقة اللغة في أن تقول لنا؛ «تمهّل، هناك شيء لم تفهمه بعد”. إنها تلك الوقفة التي تتيح للكاتب أن يستمع إلى ما لم يُقل، أن يلتفت إلى ما يتوارى خلف صخب اليوميّ. فحين تصمت الكلمات، يتكلم الشعور. وحين تتوقف الكتابة، يبدأ الوعي بالكتابة. جرب أن تكتب بلا خوفٍ من الخطأ، وبلا قلقٍ من المقارنة، وبلا محاولةٍ لإبهار أحد. اكتب كما تتنفس؛ ببطءٍ، بصدقٍ، بلا تكلف. اكتب ما تراه لا ما يُنتظر منك أن تراه. اكتب حتى لو كانت الجملة الأولى مرتبكة، وحتى لو بدت الثانية بلا معنى، لأن الكتابة تشبه الرياضة فعلًا؛ لا تعود العضلات إلى لياقتها إلا بالحركة، ولا تعود اللغة إلى سحرها إلا بالممارسة. في اللحظة التي تكتب فيها كلمة واحدة، تكون قد بدأت هدم الجدار بينك وبين ذاتك. كل كلمةٍ تفتح بابًا، وكل جملةٍ تُزيح غبارًا تراكم بينك وبين ما تشعر به حقًا. فلا أحد يولد كاتبًا، ولكن كلّ من تجرّأ على الصمت الداخلي وأصغى لنداءٍ خفيّ في داخله، صار واحدًا منهم. الكلمات ليست حجارة تبنى بها الجمل، بل كائنات حيّة تحتاج إلى هواءٍ ومسافةٍ وصبر. لا تُكرهها على الخروج، بل هيّئ لها المناخ المناسب لتأتي طواعية. لا تراقبها بعين المحاسب، بل احتضنها بعين المحبّ. فالحبسة لا تُهزم بالعنف، بل تُروّض بالرفق. وحين تشعر بأنك لا تملك ما تكتبه، اكتب عن ذلك الشعور نفسه، عن العجز، عن الخوف من العجز، عن محاولتك الفاشلة في الكتابة. ذلك وحده كافٍ ليعيدك إلى جوهر الكتابة وهو الصدق. ولعل أجمل النصوص وُلدت من لحظاتٍ كهذه، حين جلس كاتبٌ في الليل يحدّق في ورقةٍ بيضاء لا تقول شيئًا، فكتب عنها، فتكلمت معه، ثم تكلمت عنه. فلا تخف من الصمت، ولا من البياض، ولا من التوقف المؤقت. الكتابة كالحياة، لا تحتاج أكثر من أن تبدأ، والبداية أحيانًا ليست فكرة، بل نبضة. ولأن الكتابة تشبه المرآة أكثر مما تشبه النافذة، فإنها لا تُريك ما في الخارج بقدر ما تكشف لك ما في داخلك. وحين تتعثر يدك عن الكتابة، فربما لأنك لوهلةٍ لم تعد ترى نفسك بوضوح، أو لأنك تكتب بعينٍ تخاف الخطأ بدل أن تشتاق إلى الحقيقة. دع النص يرى وجهك الحقيقي، بارتباكه وضعفه وتردده، فالنصوص المدهشة لم تولد من اكتمالٍ مصطنع، بل من هشاشةٍ صادقةٍ قاومت الخوف وكتبت رغم كل شيء.

579

| 27 أكتوبر 2025

جمهور التفاهة!

لم نكن لنتخيل أن الغباء له هذا الحضور الطاغي بيننا، وأن التفاهة تملك هذا العدد الهائل من الأنصار. كنا نظنها حالات فردية تمرّ في الهامش، لا أثر لها سوى بعض الضحك العابر، حتى جاءت وسائل التواصل الاجتماعي وكشفت ما كنا نغضّ الطرف عنه طويلاً. أخرجت الناس من صمتهم، لكنها في الوقت نفسه أخرجت أسوأ ما فيهم. فجأة صار السخف مادة يومية، وصار الصوت الأعلى هو الذي يربح دائمًا، لا لأنه أذكى أو أصدق، بل لأنه أكثر ضجيجًا. لم تعد هناك حاجة للفكر أو المعرفة أو حتى الذوق، بل يكفي أن تثير ضجة صغيرة كي تتحول إلى “مؤثر”، ويكفي أن تقلد غيرك أو تسخر من شيء ما لتصبح “ترندًا”. تلك المنصات التي وُعدنا بأنها ستمنح الجميع فرصة التعبير، تحولت إلى مسرح كبير للعبث، يصفق فيه الجمهور لكل ما يثير الغرائز أو يقتل الوقت. لكن المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل فينا نحن. في جوعنا للانتباه، وفي رغبتنا أن نُرى مهما كان الثمن. كل شخص يحمل هاتفًا صار يظن أنه يملك جمهورًا ينتظره، وأن من حقه أن يملأ الفضاء بالكلام. ومع الوقت، تلاشت الحدود بين ما يستحق أن يُقال وما يجب أن يُترك في الصمت. صارت التفاهة أسلوب حياة، وصار الغباء خيارًا يُمارَس بوعي!. من يتأمل هذا المشهد لا يمكنه إلا أن يشعر بالأسى. لأن هذا الطوفان من اللاجدوى ليس مجرد تسلية، بل هو إضعاف حقيقي للوعي العام. حين يتعوّد الناس على المحتوى الفارغ، يصعب عليهم تذوّق أي شيء آخر. وحين يصبح المعيار الوحيد هو عدد المتابعين، تضيع القيمة، ويصبح كل شيء قابلًا للاستبدال، حتى العقل نفسه. تلك المنصات التي بدأت كمساحة للتواصل، تحولت إلى ساحة منافسة محمومة على الظهور. لم يعد المحتوى يعني شيئًا، بل المهم أن تكون حاضرًا، مهما كان ثمن الحضور. نرى أشخاصًا يبنون شهرتهم على الإساءة، أو على تقليد الآخرين، أو على عرض تفاصيل لا تخص أحدًا، ثم يتعاملون مع كل ذلك كأنه إنجاز. ومع الوقت، يصبح المشهد مألوفًا إلى حد الخطر، حتى لم نعد نستغربه. ورغم كل ذلك، لا بد من الاعتراف بأن وسائل التواصل لم تخلق هذه الحالة من العدم، بل كشفتها فقط. كانت موجودة منذ زمن، لكنها لم تكن تملك منبرًا بهذا الاتساع. ما نراه اليوم هو انعكاس لما كنا نرفض الاعتراف به: أن الثقافة العامة تعاني هشاشة حقيقية، وأننا تركنا الذوق الجمعي يتراجع حتى صارت الرداءة عادية، بل ومحبوبة أحيانًا. ربما نحتاج إلى شجاعة مضاعفة لنقول إن المشكلة ليست فيهم فقط، بل فينا أيضًا. في صمتنا الطويل، وفي تهاوننا مع القبح حين كان صغيرًا. كل مرة سكتنا فيها عن السخف، ساهمنا في تضخيمه. وكل إعجاب نضغطه بلا تفكير، يمنح الغباء عمرًا أطول. ومع ذلك، لا ينبغي أن نفقد الأمل. فكما أن هذه المنصات جعلت التفاهة مرئية، فقد منحت الوعي أيضًا فرصة لأن يُسمع. الفرق أن الوعي لا يصرخ، ولا يستعجل النتيجة، ولا يبحث عن تصفيق. الوعي يزرع، حتى في أرض صلبة. هناك دائمًا من يبحث عن المعنى وسط هذا الضجيج، ومن يقدّر الكلمة الصادقة حين يجدها. نعم، لولا وسائل التواصل الاجتماعي لما صدقنا أن جمهور التفاهة بهذا الحجم وهذه القوة وهذا الإصرار على ممارسة الغباء. لكنها في الوقت نفسه منحتنا فرصة نادرة لنرى حجم ما ينتظرنا من عمل طويل وشاق لاستعادة الذوق والعقل والاتزان. لا سبيل لذلك إلا أن نتوقف عن المشاركة في الكرنفال اليومي للسطحية، وأن نحمي أنفسنا من أن نصبح جزءًا من هذا الجمهور الذي يصفق لما يطفو، لا لما يستحق أن يبقى.

1014

| 20 أكتوبر 2025

عائدون..!

أتابع مشاهد العائدين إلى بيوتهم أو ما تبقّى منها في شمال ووسط غزة، وأشعر أن قلبي ينهض واقفًا أمام هذا الطوفان البشري المفعم بالعزم. رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ يسيرون في طرقٍ ربما لم تعد تعرفهم كما كانت وكما كانوا، بين حجارة فقدت ترتيبها، وجدرانٍ تهاوت لكنها ما زالت حية. كل خطوة من خطواتهم تشبه اعترافًا صامتًا بالحياة، وكل التفاتة نحو الخلف تقول: «ها نحن لم نُمحَ ولم نباد». ليست العودة هنا إلى البيوت فحسب، بل إلى معنى الوجود ذاته. فهؤلاء الذين غادروا تحت القصف، وعادوا تحت الهدنة، لم يعودوا كما كانوا. في عيونهم شيء من الرماد وشيء من الضوء، وفي أصواتهم ما يشبه صدى الأمهات اللواتي ما زلن ينادين أبناءهنّ من تحت الركام. كأنّ غزة كلّها تمشي الآن على قدمَي ذاكرةٍ تحاول أن تتذكّر شكلها قبل الألم. البيوت التي كانت قبل الحرب تحتضن أحلام الصغار، تحوّلت إلى خرائط من الغياب. ومع ذلك، ترى أهلها يقتربون منها بخشوعٍ غريب، كمن يزور مقامًا مقدّسًا، يلمسون الجدران المتهاوية بأطراف أصابعهم كأنهم يعتذرون منها عن الغياب، أو يشكرونها لأنها صمدت إلى هذا الحدّ. امرأةٌ تمسح على غبار نافذةٍ مهدّمة، كأنها تمسح على وجه ابنٍ لم يعد. طفلٌ يبحث بين الأنقاض عن لعبته القديمة، ربما لأنه يريد أن يقنع نفسه أن الطفولة ما زالت ممكنة ولو من شظية. أفكّر في هذا الصبر الذي لا تفسير له إلا أنه نسيجٌ من الإيمان والكرامة، لا يتعلّمه المرء في مدرسة، بل يُورّث كما يُورّث الاسم والتراب. هناك في تلك الأزقة الضيقة، يضع الناس على أكتافهم خساراتٍ أثقل من العمر، ومع ذلك يمشون برؤوسٍ مرفوعة، وكأنهم يعرفون أن الانكسار لا يليق بهم. لقد تعلّم الفلسطيني أن يحيا في قلب العاصفة، وأن يصنع من الألم جسراً يعبر عليه نحو الغد. رحم الله الشهداء الذين بدمائهم أوقفوا دوران القتل ولو إلى حين، وجعلوا لهذه الهدنة معنى يتجاوز السياسة، معنى يُشبه استراحة الروح من صخب الفقد. أولئك الذين رحلوا لم يذهبوا عبثاً، فها هم اليوم يفتحون الطريق للعائدين إلى بقايا بيوتهم، يرافقونهم بنسيمٍ خفيف يمرّ بين الركام، يذكّرهم أن الأرض تعرف أبناءها حتى وإن تغيّر وجهها. وها هو الشعب الجبّار يبرهن من جديد أن الحياة ليست نقيض الموت، بل امتداده في شكلٍ آخر. أن يُعيد المرء بناء بيتٍ سقط، أو يزرع زهرة في فناءٍ مهدوم، أو يرفع علمًا فوق جدارٍ مائل، كلّها أفعال مقاومة بقدر ما هي أفعال حبّ. فليس أعظم من أن يصرّ المرء على أن يعيش رغم كل ما يُفقده الحياة معناها. أمام مشاهد العائدين، أشعر أن العالم كلّه مدعوٌّ ليتعلّم من هذا الشعب درسه الكبير؛ أن الكرامة لا تُقصف، والأرض، مهما تهدّمت، تظل تلد أبناءها من تحت الركام. في وجوههم المضيئة برماد الحريق أرى ما هو أعمق من الانتصار العسكري وأصدق من الشعارات السياسية؛ أرى معنى الإنسان حين يتمسّك بحلمه الأخير، أن يكون حيّاً، فقط حيّاً، فوق أرضه التي تشبهه. وما بين رائحة الرماد وصوت المؤذّن في المساء، تنهض غزة كما تنهض القصيدة بعد آخر بيتٍ موجع. لا تطلب شفقة العالم ولا تصدر بيانًا للعزاء، بل تكتفي بأن تفتح عينيها على نهارٍ جديد، كأنها تقول للسماء: “ما زلتُ هنا”. هناك، حيث ينفض الناس الغبار عن أرواحهم قبل ثيابهم، تتجلّى البطولة في أبسط أشكالها: في امرأة تشعل موقدًا من حجارةٍ مهدّمة، في طفلٍ يضحك من قلب الفراغ، في رجلٍ يزرع نبتة صغيرة بجوار قبرٍ حديث. تلك ليست تفاصيل عادية، بل إعلان حياةٍ يتجاوز اللغة نفسها، كأن غزة تكتب بفعلها ما لا تستطيع البشرية أن تعبّر عنه بالكلمات.

399

| 13 أكتوبر 2025

في غزة.. الهدوء ليس استراحة

في غزة، ليس ثمة خيارات متاحة بالمعنى المألوف للكلمة، ولا مسارات آمنة يمكن أن يسلكها المرء ليتفادى كلفة القرار. هناك، كل خطوة محسوبة بدم، وكل نفس مرهون بإرادة لا تضعف، حتى حين تبدو محاصرة بين موتٍ معلن وحياةٍ مؤجلة. في غزة، الهدوء ليس استراحة، والهدنة ليست طمأنينة، والحرب ليست فقط ساحة رصاص وقنابل، بل امتحان مستمر لجوهر المعنى نفسه: معنى أن تكون، ومعنى أن تصمد، ومعنى أن تحمل الحقيقة على كتفيك ولو أثقلتك الأرض كلها. حين تُعرض على غزة هدنة طويلة، يُسأل أهلها عن ثمن الصمت؛ كيف يرضون بتجميد جرح مفتوح، وحين يرفضون الهدنة ويمضون في خيار الحرب، يأتي السؤال من الضفة الأخرى؛ ماذا عن دماء الشهداء الذين يسقطون كل ساعة؟ أما إذا قرروا أن يتشبثوا بصمود صامت، لا اتفاق فيه ولا هدنة ولا مساومة، فيُتهمون بأنهم يلقون بمصير الأبرياء إلى المجهول. غزة دائمًا في قفص الأسئلة. وكلما أجابت على سؤال، تفرّع منه سؤال جديد، بينما الذين يلقون هذه الأسئلة يجلسون في مأمن بعيد، لا يصل إليهم الدخان ولا يلامس وجوههم الرماد، ومع ذلك يوزّعون شهادات النصر والهزيمة وكأنها أوراق امتحان. لكن، من يملك حق وضع معايير النصر أصلًا؟ هل يكفي أن يتوقف القصف حتى يُقال إنهم انتصروا؟ أم أن النصر هو الثبات على الحق، ولو هُدمت البيوت فوق ساكنيها؟ أم أن الانتصار الحقيقي يتجلى حين تتحول الشهادة إلى معنى يتجاوز الموت، ويصير الدم مدادًا يكتب التاريخ بدل أن يُمحى به؟ في غزة، كل هذه الأسئلة تتشابك، حتى يفقد المرء القدرة على التمييز بين هدنة وانفجار، بين صفقة واستمرار، وبين ما يُكتب على الورق وما يُكتب بالدم. الهدنة قد تمنح لحظة تنفس، لكنها قد تحمل أيضًا سمّ الانتظار الطويل. والحرب قد تكون دفاعًا عن كرامة، لكنها تفتح أبواب الفقد على مصاريعها. والصمت قد يبدو حيادًا، لكنه في غزة يصبح لغة أخرى للمقاومة، لغة لا تُترجم بسهولة للغرباء. في غزة، لا تُقاس الأمور بميزان الربح والخسارة كما يفعل المحللون الباردون في نشراتهم المسائية، بل بميزان أثقل؛ بوزن الطفل الذي يعود جثةً بين ذراعي أمه، أو بوزن أمٍّ تقرأ أسماء أولادها على لائحة الشهداء، أو بوزن شيخٍ يفتح باب بيته المهدّم كأنه ما زال بيتًا، ويجلس أمامه ليعلن أن المكان ما زال قائمًا ما دام قلبه يخفق. ما لا يفهمه كثيرون أن غزة لا تبحث عن الانتصار في تعريفات الآخرين، ولا تنتظر ختمًا دوليًا يمنحها شرعية الصمود. غزة تعرّف النصر بطريقتها الخاصة؛ أن يظل طفلها يحلم، وأن تظل شوارعها قادرة على استقبال الأقدام ولو غمرها الركام. النصر في غزة لا يُقاس بالمساحات التي تُسترد، بل بالمعنى الذي يُسترد من قلب الموت.وربما لهذا السبب، لا يمكن أن تُحاصر غزة حقًا، حتى لو أحاطتها الجدران والأسلاك. فثمة مساحة في داخلها لا يستطيع أحد الوصول إليها؛ مساحة الإيمان بأن للحق وزنًا أثقل من كل الدبابات، وأن الدم حين يسيل يصبح ملكًا للتاريخ، لا لقاتله. هناك، يصبح الصبر لغة يومية، ويتحول الانتظار من فعل سلبي إلى طقس حياة، ويتحوّل الخوف نفسه إلى شجاعة متجددة. نعم.. لا يملك أهل غزة إلا أن يستمروا في اختبار هذه المعاني، مرة بعد مرة. يُدركون أن طريقهم مليء بالفقد، لكنهم يعرفون أيضًا أن لا شيء يضيع حين يتحوّل الموت نفسه إلى معنى جامع للحياة. فغزة لا تعيش لتنتصر بالمعايير الجاهزة، بل لتُبقي معنى الانتصار حيًّا، متجددًا، عصيًّا على المصادرة. هكذا، يظل المرء في غزة بين ثلاثة احتمالات؛ أن يصمد وينتصر، أن يستشهد وينتصر، أو أن ينتظر وينتصر. وكل احتمال منها، على قسوته، لا يُختصر بكلمة واحدة، بل يتوسع ليشمل تاريخًا كاملاً من المقاومة والمعنى. أما الآخرون، فسيظلون يسألون ويحللون، من بعيد، غير مدركين أن غزة ليست مجرد قضية مطروحة على الطاولة، بل تجربة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا. تجربة تُلزم كل من ينظر إليها أن يعيد النظر في معنى النصر، ومعنى الحياة نفسها.

663

| 06 أكتوبر 2025

في وداع لطيفة

هناك لحظات تفاجئ المرء في منتصف الطريق، لحظات لا تحتمل التأجيل ولا المجاملة، لحظات تبدو كأنها قادمة من عمق الذاكرة لتذكره بأن الحياة، مهما تزينت بضحكاتها، تحمل في جيبها دائمًا بذرة الفقد. كنتُ أظن أني تعلّمت لغة الغياب بما يكفي، وأنني امتلكت مناعة ما أمام رحيل الأصدقاء، لكن موتًا آخر جاء هذه المرة أكثر اقترابًا، أكثر إيغالًا في هشاشتي، حتى شعرتُ أن المرآة التي أطل منها على وجهي اليوم ليست إلا ظلًّا لامرأة كانت بالأمس بجانبي. قبل أيام قليلة رحلت صديقتي النبيلة لطيفة الثويني، بعد صراع طويل مع المرض، صراع لم يكن سوى امتحان صعب لجسدها الواهن وإرادتها الصلبة. كانت تقاتل الألم بابتسامة، كأنها تقول لنا جميعًا: لا تسمحوا للوجع أن يسرقكم من أنفسكم. لكن ماذا نفعل حين ينسحب أحدهم فجأة من حياتنا تاركًا وراءه فراغًا يشبه هوة بلا قاع؟ كيف يتهيأ القلب لاستيعاب فكرة أن الصوت الذي كان يجيب مكالماتنا لم يعد موجودًا؟ وأن الضحكة التي كانت تفكّك تعقيدات أيامنا قد صمتت إلى الأبد؟ الموت ليس حدثًا يُحكى، بل تجربة تنغرس في الروح مثل سكين بطيئة، تجبرنا على إعادة النظر في أبسط تفاصيل حياتنا. مع كل رحيل، يتقلص مدى الأمان من حولنا. نشعر أن الموت، ذلك الكائن المتربّص، لم يعد بعيدًا في تخوم الزمن، بل صار يتجوّل بالقرب منا، يختبر خطواتنا، ويتحرّى أعمارنا التي تتقارب مع أعمار الراحلين. وحين يكون الراحل صديقًا يشبهنا في العمر، ويشاركنا تفاصيل جيل واحد، تصبح المسافة بيننا وبين الفناء أقصر وأكثر قسوة. لم يعد الموت حكاية كبار السن، ولا خبرًا يخص آخرين، بل صار جارًا يتلصص علينا من نافذة الجسد والذاكرة. صديقتي الراحلة كانت تمتلك تلك القدرة النادرة على أن تراك من الداخل، وأن تمنحك شعورًا بأنك مفهوم بلا حاجة لتبرير أو تفسير. لهذا بدا غيابها ثقيلاً، ليس لأنها تركت مقعدًا فارغًا وحسب، بل لأنها حملت معها تلك المساحة الآمنة التي يصعب أن تجد بديلًا لها. أفكر الآن في كل ما تركته خلفها من أسئلة. لماذا نُفاجأ بالموت كل مرة وكأنها الأولى؟ أليس من المفترض أن نكون قد اعتدنا حضوره؟ ومع ذلك يظل الموت غريبًا في كل مرة، جديدًا في صدمته، جارحًا في اختباره، وكأنه يفتح جرحًا لم يلتئم أبدًا. هل نحن من نرفض التصالح معه، أم أنه هو الذي يتقن فنّ المداهمة حتى لو كان متوقعًا؟ ما يوجعني أكثر أن رحيلها كان درسًا لا يمكن تجاهله: أن العمر ليس سوى اتفاق مؤقت بين المرء وجسده، وأن الألفة مع الحياة قد تنكسر في لحظة. كل ابتسامة جمعتها بنا، وكل كلمة قالتها في محاولة لتهوين وجعها، تتحول الآن إلى شاهد على شجاعة نادرة. رحيلها يفضح ضعفنا أمام المرض، لكنه في الوقت ذاته يكشف جمال قدرتها على الصمود حتى اللحظة الأخيرة. إنها واحدة من تلك الأرواح التي تترك أثرًا أبعد من وجودها الجسدي. صارت بعد موتها أكثر حضورًا مما كانت عليه في حياتها. حضور من نوع مختلف، يحاورنا في صمت، ويذكّرنا بأن المحبة الحقيقية لا تموت، بل تعيد ترتيب نفسها في قلوبنا. وربما لهذا نشعر أن الغياب ليس غيابًا كاملًا، بل انتقالًا إلى شكل آخر من الوجود، وجود نراه في الذكريات، في نبرة الصوت التي لا تغيب، في اللمسة التي لا تزال عالقة في الذاكرة. أكتب عن لطيفة رحمها الله اليوم ليس لأحكي حكاية موتها، بل لأواجه موتي القادم. كلما فقدت صديقًا أدركت أن حياتي ليست طويلة كما كنت أتوهم، وأنني أسير في الطريق ذاته، بخطوات متفاوتة، لكن النهاية تظل مشتركة. وما بين بداية ونهاية، ليس أمامي إلا أن أعيش بشجاعة، أن أتمسك بالبوح كما كانت تفعل، وأن أبتسم رغم الألم كما كانت تبتسم. نعم.. الحياة ليست سوى فرصة قصيرة لتبادل المحبة، وأن أجمل ما يبقى بعدنا ليس عدد سنواتنا، بل نوع الأثر الذي نتركه في أرواح من أحببنا. هكذا فقط يمكن أن يتحول الموت من وحشة جارحة إلى معنى يفتح فينا شرفة أمل، حتى ونحن نغالب الفقد الثقيل. مثواك الجنة يا صديقتي.

4794

| 29 سبتمبر 2025

حين يحتضن المرء طفولته!

ليستْ مجرد صورةٍ عابرةٍ تلك التي يُنتجها الذكاء الصناعي لتُظهر المرء وهو يعانق طفولته. للوهلة الأولى تبدو اللعبة بريئة، ظريفة، وربما مثيرة للعاطفة؛ لكن ما إن يطيل المرء النظر حتى تتكشف طبقات من الرعب المختبئ في هذه التقنية التي تُعيد تركيب الأرشيف الشخصي على نحو يتجاوز الحقيقة. ما الذي يعنيه أن ترى نفسك جالساً إلى جانب طفلٍ كنتَه ذات يوم؟ أهو استدعاء للذاكرة أم اقتحامٌ لها؟ هل نحن أمام لحظة حنينٍ حميمة أم أمام تزويرٍ صامت للتاريخ الشخصي؟ الفارق بين تأمُّل صورةٍ قديمةٍ لك محفوظةٍ في صندوق العائلة، وبين رؤية صورةٍ أُقحِمت قسراً في سياقٍ جديد لم يحدث أبداً، هو الفارق ذاته بين شهادةٍ صادقةٍ وروايةٍ مُختلقة. صنعت لي إحدى المتابعات صورةً من هذا النوع. رأيت فيها نفسي أحتضنُ ذاتي الصغيرة، فارتجفت. لم يكن الخوف من فرط الغرابة بقدر ما كان من فرط الحقيقة المزوَّرة. بدت الصورة كما لو أنّها التقطت فعلاً في زمنٍ بعيد، كأنها أرشيفٌ مهمل عُثر عليه فجأة، مع أني أعلم يقيناً أنني لم أكنها يوماً. لحظة الارتباك تلك كافية ليفتح المرءُ أبواباً واسعة من الأسئلة حول علاقتنا بالذاكرة وبالصور. في الصور القديمة يبقى الأرشيف شاهداً صادقاً، حتى حين يفضح هشاشتنا ويكشف آثار الزمن على ملامحنا. أما في صور الذكاء الاصطناعي، فيُستدعى الأرشيف ليخضع لسيناريو جديد لا وجود له في السيرة. هنا لا نُستعاد ذواتنا بل نؤلّف نسخةً هجينة عنها، نصفها حلم ونصفها تزوير. إنها محاولةٌ لخلق «مصالحةٍ بصرية» مع الذات الطفلة، لكنها مصالحةٌ مشبوهة. كأن المرءَ يحتاج إلى برهانٍ ملموس على أنه ما يزال يحتفظ بصلته بالطفولة، في حين أن هذه الصلة الحقيقية تعيش في القلب والذاكرة، تلمع بلا إنذار، لا في صورةٍ مصطنعة. والمخيف أن هذه الصور قد تتحوّل بمرور الوقت إلى جزءٍ من أرشيفنا الفعلي، فيختلط الحقيقي بالوهمي، ويصبح تاريخُ المرء عرضةً للتلاعب الجمالي. فإذا ضاعَت الحدود بين ما كان حقاً وما كان مجرد تركيبٍ ذكي، فلن نعرف بعد سنواتٍ أيُّ الصور توثّق حياتنا حقّاً وأيها اختراع بارد. ولا يتوقف الأمر عند الذاكرة الفردية فحسب، بل قد يتسع ليطال الذاكرة الجماعية أيضاً. تخيّلوا أن يُعاد تركيب صورٍ لأحداث كبرى، أو أن تُزرع في الأرشيف البصري لشعبٍ ما مشاهدُ لم تقع أصلاً. عندها لا تكون القضية مجرد لعبةٍ عاطفيةٍ شخصية، بل مشروعاً خطيراً لإعادة كتابة التاريخ على مقاس الخيال المصطنع. ومع ذلك، لا يمكن إنكار جاذبية هذه الصور الغامضة. تستفز فينا حلماً دفيناً باللقاء المستحيل؛ أن يلتقي المرء بنفسه قبل أن يبتلعه العمر، أن يضع ذراعيه حول طفولته ليحميها من قسوة ما سيأتي. وربما لهذا السبب لا نقدر على تجاهلها سريعاً، رغم شعورنا بالقلق منها. إنها تجمع بين الرغبة في الاطمئنان والرهبة من الاصطناع، بين الحنين إلى الأصل والفضول تجاه النسخة. هكذا تتحول الصورة المولّدة بالذكاء الاصطناعي إلى اختبارٍ فلسفي لعلاقتنا بالذاكرة. هل نحتاج فعلاً أن نزور طفولتنا كي نتصالح مع حاضرنا؟ أم أن الأرشيف، بما فيه من فجواتٍ وندوبٍ ونقصان، أجمل حين يظلّ على حاله؛ صادقاً، هشّاً، وغير مكتمل؟ كأن الذكاء الاصطناعي حين يصنع لنا هذه الصور لا يُقدّم مجرد لعبةٍ بصرية، بل يضعنا أمام سؤالٍ وجودي ملحّ؛ هل نحن بحاجة إلى اختلاق صورةٍ لنشعر أننا ما زلنا نملك طفولتنا؟ أم أن الطفولة الحقيقية لا تُستعاد إلا بما تركته فينا من دهشةٍ وجرحٍ وحنين؟ ربما يكمن الجمال في أن تبقى تلك المسافة قائمة بيننا وبين صغارنا الذين كناهم يوماً، مسافة تجعل اللقاء مستحيلاً لكنه حاضرٌ أبداً في الذاكرة؛ لتبقى الطفولة حية لأنها ضاعت، لا لأنها استُعيدت في صورة مستعارة.

864

| 22 سبتمبر 2025

مرآة الكلمات وسرّ الذات

ثمة لحظة تتفجّر فيها الرغبة بالكتابة كما لو أنها حاجة جسدية لا تحتمل التأجيل. لحظة تشبه انفتاح نافذة في غرفة خانقة، يدخل منها هواء جديد يوقظ الروح من سباتها، ويمنحها فرصة أن تتأمل وجهها في مرآة اللغة. الكتابة ليست استعراضًا لغويًا ولا عرضًا لإبهار جمهور مجهول؛ إنها، قبل كل شيء، امتحان عميق للذات، ووسيلة لاكتشاف ما يختبئ في الزوايا المظلمة من وعينا، حيث تتكدس الأسئلة والخيبات والأحلام المؤجلة. حين يضع المرء قلمه على الورق، فإنه يتخلى عن كثير من الأقنعة التي يلبسها في الحياة اليومية. الكلمات تتسلل إلى ما وراء الحذر الاجتماعي والتمثيل المفروض، لتصل إلى جوهره الصافي. الكتابة بهذا المعنى ليست طقسًا من طقوس التجميل، بل فعل مواجهة. مواجهة مع الذات أولًا، ثم مع العالم. لكنها مواجهة بلا سيوف ولا شعارات، مواجهة حقيقية تحدث في صمت الورقة وهدوء اللحظة، حيث يكون الكاتب عاريًا من كل تزييف، محاطًا فقط بحروفه التي تحاكمه وتمنحه في الوقت نفسه فرصة النجاة. ما يكتبه المرء ليُرضي الآخرين يفقد حرارته سريعًا، لأنه لا يشبهه. يظل أشبه بوجهٍ مزيّنٍ بمساحيق مؤقتة، ينهار عند أول قطرة مطر. بينما الكلمات التي تنبع من الداخل، حتى لو جاءت بسيطة أو مرتجفة، فإنها تحمل صدقًا لا يمكن تزويره، وتظل قادرة على ملامسة الآخر، لأنها كتبت بدم صاحبها لا بحبر زائف. وحده الصدق يملك هذه القدرة السحرية على العبور من قلب إلى قلب، ومن تجربة فردية ضيقة إلى أفق إنساني واسع. الكتابة تشبه الرسم بألوان شخصية لا تتكرر. كل جملة لون، وكل فكرة خط، وكل صمت مساحة بيضاء تحتمل احتمالات لا حصر لها. الكاتب الحقيقي لا يستعير ألوان الآخرين، بل يصنع لوحته الخاصة، حتى لو لم تنل إعجاب أحد. فالإعجاب الخارجي زائل بطبيعته، أما اللوحة التي تخرج من عمق الذات فتبقى جزءًا من هوية المرء، شاهدة على أنه كان هنا ذات يوم، يحاول أن يقول شيئًا يخصه وحده. قد يظن البعض أن الكتابة وسيلة للتجمّل أمام القراء أو لادعاء الحكمة، لكن التجربة الحقيقية تكشف عكس ذلك. الكتابة تجعل صاحبها يكتشف ضعفه قبل قوته، ارتباكه قبل يقينه، وتردده قبل قراراته الكبرى. إنها مرآة بلا رحمة، لكنها أيضًا مرآة كريمة، لأنها تمنح من يتأملها فرصة إعادة التشكل، وترتيب الفوضى الداخلية بطريقة أكثر إنسانية. من يكتب لن يخرج من النص كما دخل إليه؛ يخرج مختلفًا، محمّلًا بمعرفة جديدة عن ذاته وعن معنى أن يكون حيًا في هذا العالم المليء بالتناقضات. لهذا، لا يجوز أن تُختزل الكتابة في محاولة كسب إعجاب عابر. إن أعظم ما تمنحه هو تلك اللحظة التي يرى فيها المرء صورته الحقيقية منعكسة على بياض الصفحة. صورة ربما لم يكن يجرؤ على مواجهتها في المرايا التقليدية. صورة تحمل شروخه الصغيرة، جراحه القديمة، وكذلك بقايا الضوء الذي لم ينطفئ فيه رغم كل شيء. في تلك اللحظة يدرك أن الكتابة لم تكن ترفًا، بل ضرورة وجودية، وأن كل نص يكتبه ليس سوى محاولة لإنقاذ نفسه من الغرق في صمت لا يطاق. إن الكتابة، في جوهرها، ليست سوى سعي دائم للعثور على الذات بين الكلمات. ليست درسًا في البلاغة ولا استعراضًا للنصوص المحفوظة، بل تجربة حميمة، تبدأ بجرأة الاعتراف وتنتهي بحكمة الاكتشاف. ومن يمارسها بصدق، سيكتشف أن النص الحقيقي لا يشبه إلا صاحبه، وأن أعظم جائزة يمكن أن ينالها الكاتب ليست تصفيق الآخرين، بل تلك الطمأنينة العميقة التي تأتيه حين يجد نفسه أخيرًا وجهًا لوجه مع صورته في مرآة الكلمات.

750

| 15 سبتمبر 2025

وما زال الكتاب مفتوحاً..!

.. وكأن الحلم كائن غامض من طينة سرية لا يموت تمامًا مهما أُجهِز عليه، بل يظل يتهيأ في أعماقنا على نحوٍ آخر، حتى إذا ظننّا أننا واريناه تحت تراب الخيبة، أطلّ فجأة من شقٍّ صغير في قلبنا ليعلن نفسه بطريقة أكثر جمالًا. نحن نظن أننا ندفنه، لكن الحقيقة أنه يغيّر جلده ويبدّل ملامحه ويعود منتحلًا هيئة أكثر نضجًا وأعمق إشراقًا، حتى ليبدو أن كل كسر نعيشه هو في الوقت نفسه بابٌ سري لبعثٍ جديد. كلما خسرتُ حلمًا، شعرتُ أنني أخسر قطعة منّي، غير أنني ما ألبث أن أكتشف أن تلك القطعة المفقودة سرعان ما تستعيد وجودها في شكل آخر أكثر حيوية. نحن نظن أن الحياة تعاقبنا حين تكسر حلمًا لنا، لكنها في حقيقة الأمر تختبر قابليتنا للولادة من جديد، لا كما كنّا، بل كما صرنا بعد التجربة. الحلم لا ينكسر إلا ليمنحنا درسًا في هشاشتنا وقوتنا معًا. هو المرآة التي تعكس ضعفنا حين نغرق في دموع الخيبة، لكنه في الوقت ذاته يكشف لنا أننا قادرون على التماسك والنهضة، حتى ولو كنّا نجرّ خلفنا أثقال الفقد. ولعل سرّ الإنسان، أو بالأحرى سرّ المرء، أنه كائن يتغذّى من خساراته أكثر مما يتغذّى من انتصاراته. الانتصارات تملأ الصدر بالزهو، لكنها سرعان ما تمرّ، أما الخيبات فإنها تتجذّر عميقًا، تدفعنا إلى إعادة ترتيب وعينا، وتفتح أبوابًا جديدة لأحلام لم تخطر لنا على بال. كم من حلم فقدناه ونحن نعتقد أنه كان محور حياتنا، ثم اكتشفنا لاحقًا أنه لم يكن سوى خطوة ضرورية لحلم أوسع وأرحب. كأن الخسارة في جوهرها ليست سوى انتقال من ضفة ضيقة إلى أفق أكثر اتساعًا، وإن كان هذا الانتقال مؤلمًا وصعبًا. نعم.. هناك أحلام تترنح أمامنا كجسور هشة، لكنها حين تنهار لا تدعونا للسقوط معها، بل تدفعنا إلى عبور غير متوقع نحو برّ آخر لم نكن نراه من قبل. أحيانًا نفقد حلمًا صغيرًا لنكتشف أن خسارته أنقذتنا من ضيق رؤيتنا. حلمتُ مرةً بمكان أرسو فيه وأستقر، لكن انكسار ذلك الحلم قادني إلى رحلة جعلتني أكثر وعيًا بأن الاستقرار ليس بالضرورة غاية، بل قد يكون قيدًا، وأن الحركة المستمرة هي ما يبقينا أحياء. وربما لهذا السبب يولد الحلم الأجمل دومًا من ضلوع حلم ميت، لأن في موته إشارة إلى أن الطريق لم يكن هناك، بل أبعد قليلًا، أو أعلى. الحياة تعرف كيف تضعنا على المحكّ، وكيف تجعلنا نعيد التفكير في قيمتنا ومعنى وجودنا. حين يُكسر حلم كبير، نصبح فجأة في مواجهة أنفسنا بلا أقنعة، ونكتشف أن ما حسبناه نهاية العالم ليس سوى فصل من كتابنا، وأن الكتاب ما زال مفتوحًا على احتمالات أخرى. تلك اللحظة، بكل ما تحمله من وجع، هي في الحقيقة لحظة تنوير، لأنها تعلّمنا أن الحلم الأجمل ليس ما نرسمه بوعي كامل، بل ما يتسرّب إلينا من خلف جدار الخيبة. الذين يظنّون أن الأحلام تموت حين تُكسر لم يتأملوا كيف يخرج العشب من بين شقوق الإسفلت. الخيبة لا تجهز على الحلم، بل تحوّله. الخسارة لا تلغي الرغبة، بل تهذّبها. والمرء الذي يظن أنه انتهى حين خسر حلمه الأول، سيكتشف أنه يبدأ لتوّه، وأن ما حدث لم يكن موتًا، بل تحوّلًا. أكتب هذه الكلمات وأنا أفكر في كل الضلوع الميتة التي حملت في جوفها بذورًا لولادة جديدة. وأتذكر أنني في كل مرة بكيت فيها على حلم انكسر، كنت أجهل أنني أبكي على لحظة انتقال إلى حلم آخر لم يحن أوانه بعد. ربما لهذا صرنا نحتاج أن نؤمن بأن ما ينهدم فينا ليس خسارة كاملة، بل إعادة ترتيب لبنائنا الداخلي. وما ينبُت تحت الضلع الميت ليس مجرد حلم جديد، بل هو نسخة أكثر صدقًا من ذاتنا التي قاومت ونجت، وها هي الآن تبتسم من بين دموعها. الحلم إذن ليس وعدًا بالنجاح بقدر ما هو وعد بالقدرة على التجدّد. ومهما انكسر لنا حلمٌ ومات، فإن في صمت الأرض الداخلية استعدادًا سرّيًا لأن تمنحنا حلمًا أجمل، كما لو أن الحياة، على قسوتها، لا تزال تملك قلبًا يعرف كيف يعوّضنا بما لم نتوقعه.

585

| 08 سبتمبر 2025

الاختلاف ليس ترفاً

لا أحد يُذكر لأنه كان نسخة مطابقة لغيره، ولا أحد يُخلّد لأنه اختار الطريق السهل حيث الأصوات متشابهة والخطوات متكررة. الذين يظلون في الذاكرة هم أولئك الذين امتلكوا الجرأة على الخروج من الصف، على أن يخطوا ببطء في طريق وعر لا دليل فيه إلا ما يوقظونه من بوصلة داخلية تصرّ على أن تكون مخلصة لصوتها، حتى ولو بدا نشازًا أمام الضجيج العام. التاريخ لا ينحني إلا لمن آمن بأن سرّ الحياة لا يكمن في التماهي مع الآخرين، بل في القدرة على أن يعيش المرء وفياً لما يؤمن به، مهما بدا ذلك غريبًا أو مثيرًا للريبة أو الاستنكار. ثمة أشخاص يسيرون بيننا وكأنهم أشجار غريبة نبتت في أرض لا تشبهها، لكنهم لا يحاولون اقتلاع جذورهم ولا استبدال أوراقهم لتتلاءم مع الغابة الكبيرة. يعرفون أن الصدق مع الذات أثمن بكثير من التصفيق المؤقت، وأن البحث عن معنى خاص يضيء لهم الطريق خير من ألف قنديل يوزعه الآخرون في مسالك مستهلكة. إنهم يرفضون أن يعيشوا حياة مؤجلة أو حياة مستعارة، ويختارون أن يكونوا على حقيقتهم، بكل ما في الحقيقة من هشاشة وصلابة، من عثرات وانتصارات. الذين يتذكرهم الناس بعد رحيلهم ليسوا بالضرورة الأكثر ثراء ولا الأرفع مكانة في السجلات الرسمية، بل هم الذين تركوا أثرًا إنسانيًا يُشعر الآخرين أن الحياة يمكن أن تُعاش بطريقة أعمق وأكثر صدقًا. إنهم الذين علّمونا أن الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع حين يجرؤ المرء على مواجهة خوفه من الاختلاف. تلك الحرية التي لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل، حين يتحرر الفرد من عبودية نظرات الآخرين وأحكامهم المسبقة. كل واحد منا يواجه لحظة فاصلة يسأله فيها قلبه؛ هل ستختار أن تكون نسخة محسّنة من الآخرين، أم أن تكون النسخة الوحيدة من نفسك؟ الإجابة لا تتحدد بالكلمات، بل بالأفعال الصغيرة التي يخطوها المرء كل يوم، حين يقول لا لما يتعارض مع قناعاته، وحين يرفض أن يساوم على جوهره في مقابل رضا جماعي زائف. ربما يبدو الطريق في البداية موحشًا، وربما ينال صاحبه نصيبًا من السخرية أو الاستهجان، لكن ذلك الثمن يظل أقل بكثير من الخسارة الكبرى؛ خسارة الذات. لقد اعتاد الناس أن يُثنوا على من ساروا وفق التقاليد، لأن ذلك يمنحهم شعورًا بالطمأنينة. غير أن الذين كسروا تلك القوالب هم وحدهم الذين فتحوا للآخرين أبوابًا لم يكن أحد يتخيل وجودها. الفلاسفة، المبدعون، المصلحون، وحتى أولئك البسطاء الذين عاشوا بصدق مع أنفسهم بعيدًا عن الأضواء؛ جميعهم أثبتوا أن المغامرة بأن يكون المرء نفسه ليست رفاهية، بل مسؤولية. مسؤولية أن يُضيف للعالم معنى جديدًا بدلاً من أن يكرر المعاني الباهتة. حين يفكر المرء في مصير حياته، لا بد أن يدرك أن الحشود لا تصنع تاريخًا إلا بقدر ما تمنح مكانًا للذين تجرأوا على السير خارجها. الجماعة تمنح الأمان، لكنها في الوقت ذاته تسلب الفرد حقه في المغامرة والاختيار. وحده المختلف يفتح نافذة يرى منها الآخرون اتساع الأفق، ووحده الذي قاوم ضغط التشابه يكتب سطرًا جديدًا في سجل الحياة. إن الشجاعة ليست دائمًا في رفع الشعارات الكبيرة أو في خوض معارك صاخبة، بل أحيانًا في اتخاذ قرار بسيط: أن أكون أنا، بكل ما فيَّ من اختلاف. أن أتحمل عواقب هذا القرار بصبر، وأتذكر أن أعظم انتصار يمكن أن يحققه المرء هو أن يظل صادقًا مع نفسه حتى النهاية. وما من إرث أبهى يمكن أن يُترك خلفنا سوى ذلك الأثر الخفي الذي يجعل الآخرين يهمسون: لقد عاش بصدق، لذلك لم يذهب عبثًا. بهذا المعنى يصبح الاختلاف ليس ترفًا ولا تحديًا عابرًا، بل جوهر الوجود نفسه. فمن لا يجرؤ على أن يكون مختلفًا، سيذوب في صفوف متراصة لا تُميز بين وجه وآخر. أما من يختار أن يكون ذاته، فإنه يكتب قصته الخاصة، قصة قد لا تكون مدهشة للجميع، لكنها تبقى صافية ونقية، وتمنح الآخرين شجاعة إضافية لأن يبحثوا عن قصصهم هم أيضًا. وإذن؛ ليست البطولة أن نُدهش العالم، بل أن نكون أوفياء لذلك الصوت الداخلي الذي يرفض أن يخفت. ذلك الصوت الذي يهمس للمرء كل صباح: لا تمشِ حيث سار الجميع، بل حيث يقودك قلبك، فثمة حياة لا تُكتشف إلا حين تجرؤ على أن تكون نفسك.

651

| 01 سبتمبر 2025

القراءة كرحلة هروب لأن الاطمئنان شقيق الوهم!

يقول العقاد: «نحن نقرأ لنبتعد عن نقطة الجهل، لا لنصل إلى نقطة العلم». جملة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأمل في معنى القراءة، وفي طبيعتها كفعل مقاومة قبل أن تكون وسيلة وصول. ثمة لحظة صامتة، يكتشف فيها المرء أن القراءة ليست مجرد فعلٍ يتباهى به أو عادة يدرجها ضمن أنشطته اليومية كما يفعل مع الرياضة أو المشي أو متابعة الأخبار، بل هي فعل خلاصٍ داخلي يخلّصه من ثِقَل الجهل أكثر مما يمنحه ادعاء امتلاك العلم. القراءة في جوهرها حركة انسحابية بطيئة من دائرة العتمة، وليست اندفاعة متعجّلة نحو منصة النور. إنها مقاومة مستمرة ضد الركود، وضد التواطؤ مع الجهل الكامن فينا وفي الآخرين، أكثر مما هي وصول إلى نهاية بعينها. حين يفتح المرء كتابًا، لا يفعل ذلك لأنه على يقين من أن الحقيقة الكبرى تنتظره في الصفحة الأخيرة، بل لأنه يتلمس مسافةً جديدة بينه وبين ضيق العالم. يقرأ ليبعد نفسه قليلًا عن ذلك الفراغ الثقيل الذي يتركه الجهل في الروح، يقرأ ليخفف من وطأة الغموض، ليمنح نفسه فرصةً للبقاء في فضاء مفتوح، لا يُسدل ستاره سريعًا على عقلٍ مغلق أو وعيٍ مكتفٍ بذاته. فالمعرفة في حقيقتها ليست رصيفًا نهائيًا تصل إليه القطارات، وإنما سككٌ متجددة لا تنتهي، تَعِد القارئ بمزيدٍ من الرحلة، لا بمزيدٍ من الاطمئنان. والقارئ الحقيقي لا ينشد الاطمئنان أصلًا، لأنه يعرف أن الاطمئنان شقيق الوهم. يقرأ لأنه يريد أن يتقلّص حجم الجهل في داخله، ولو بمقدار ذرة، ويترك مسافةً أرحب للتساؤل. فكل كتابٍ يفتحه المرء يُنقص شيئًا من جهله، لكنه لا يضيف بالضرورة يقينًا ثابتًا إلى رصيده. كأن القراءة ضربٌ من التخفّف، وليست تخمة. تخفّف من الأحمال الميتة التي يتركها الجهل على صدورنا، لا تخمةً بالمعارف الجاهزة التي نُخدّر بها فضولنا ونقفل بها أسئلتنا. ولذلك فإن الكتاب الجيد هو الذي يزعزع ولا يطمئن، يفتح ثغرةً جديدة للضوء بدل أن يغلق النافذة بمصطلحات لامعة أو ادعاءات شمولية. الكتاب الجيد ليس قاموسًا جامدًا يكدّس المعارف، بل سؤال متجدد يجعل القارئ في حالة حركة، كمن يسير على جسر طويل بين ضفتين لا يكتمل عبورهما أبدًا. إنه جسر يُبقيه دائمًا في الوسط، حيث المتعة الحقيقية في أن تكون مسافرًا لا واصلًا، متخففًا من الجهل لا متخمًا بالعلم. وكم هو بائس ذلك القارئ الذي يظن أن الكتب تصنع منه عالمًا في ليلةٍ وضحاها، فيتحول إلى نسخة متعالية من نفسه، متوهمًا أن المعرفة درعٌ لحماية كبريائه لا نافذة لتوسيع إنسانيته. القراءة، حين تُستعمل كأداة تزيينية للذات، تتحول إلى قشرة أخرى من الجهل، لكنها جهل مُتخفٍّ بثياب أنيقة. أما القارئ الذي يواجه الكتب بروح متواضعة، بروح الجائع إلى النور لا المتخم به، فهو الذي يدرك أن كل ما يحصل عليه ليس أكثر من مصابيح صغيرة على طريق مظلم، تكفيه كي يواصل السير، لكنها لا تكفي لإلغاء الظلام. لقد علّمتني الكتب أن الجهل ليس عدوًا يُهزم دفعة واحدة، وإنما شريكٌ ثقيل نحاول أن نضع بيننا وبينه مسافة. وربما لذلك يبدو القارئ الحقيقي دائمًا في حالة قلق، كأنه لم يعرف بعد ما يكفي، وكأن ما قرأه كلّه مجرد مقدمة لكتاب آخر، وكأن الحياة نفسها مكتبة مفتوحة لن تكفي أعمارنا كلها لقراءتها. تلك هي لذّة القراءة: أن تبقى دائمًا على مسافة من الاكتمال، أن تكون ناقصًا بشكل جميل، ناقصًا بما يكفي كي يظلّ فضولك حيًا، وناقصًا بما يكفي كي تتذكر أنك تقرأ لا لتصل، بل لتبتعد قليلًا عن نقطة العمى. ولعل أجمل ما في القراءة أنها لا تحتاج إلى تبرير. أنت لا تقرأ كي تصبح أفضل من الآخرين، ولا لتضيف لقبًا جديدًا إلى سيرتك الذاتية، ولا حتى لتكتشف كل الحقيقة. أنت تقرأ فقط لتمنح نفسك حياةً أوسع مما يتيحها لك جدار بيتك أو جدول عملك أو ضيق واقعك. تقرأ لتتسع، ولتتخفف، ولتبتعد. كل قراءة صادقة هي خطوة إضافية في هذا الابتعاد الجميل، ابتعاد عن الجهل الذي يثقل أرواحنا. إنها رحلة لا تنتهي، لكنها تُبقيك حيًا. فالكتب لا تنقذ المرء من موته، لكنها تمنحه حياةً أغنى داخل موته المؤجل. تمنحه متعة أن يكون في مواجهة نفسه كل يوم، ومتعة أن يعرف أنه لن يعرف كل شيء، لكنه على الأقل يعرف أنه لا يزال يبتعد، صفحةً بعد أخرى، عن الجهل!

402

| 25 أغسطس 2025

هل يمكن للكلمة أن تحمي نفسها؟

اللغة.. تلك الأداة التي اكتشفها الإنسان ليعبر عن أفكاره ومشاعره، يمكن أن تصبح في يد من يجيد التلاعب سلاحًا مزدوج الحد. كم من كلمة بريئة أُلبست ثوب الاتهام، وكم من حقيقة ناصعة جرى تسخيفها لتبدو مجرد رأي عابر، وكم من موقف نبيل جرى تشويهه ليظهر كأنه انحياز غير مبرر! وفي هذا العالم، لا يكفي أن تكون الكلمة صحيحة، بل يجب أن تحمي نفسها من الذين يملكون مهارة التلاعب بمعانيها. لكن، هل يمكن للكلمة أن تحمي نفسها؟ أم أن على صاحبها أن يظل واقفًا في وجه العواصف، مستعدًا للدفاع عنها كلما حاول أحدهم اقتلاعها من سياقها الطبيعي؟ هنا تكمن المعضلة، وهنا يبدأ الاستنزاف غير المجدي. فالمحاججة مع من لا يبحث عن الفهم، بل يسعى إلى ليّ عنق الحقيقة لتناسب قناعاته، ليست سوى عبث مرهق. فليست المشكلة في وضوح الفكرة، بل في نوايا المستمع الذي قد يختار عمدًا أن يفهمها بشكل مختلف، ثم يصرّ على جرّك إلى ساحة معركة وهمية، حيث عليك أن تشرح ما لا يحتاج إلى شرح، وتبرر ما لا يحتاج إلى تبرير. إنه اختبار قاسٍ، لكن الحل ليس في الدخول في معركة التفسيرات مع كل من يصرّ على تحوير الكلام، بل في إدراك أن بعض النقاشات ليست سوى فخاخ، لا تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، بل إلى استنزاف القائل وإرهاقه حتى يتخلى عن كلمته أو يشعر بأنه مسؤول عن تصحيح الفهم الخاطئ لدى الآخرين. والحقيقة أنه لا أحد مسؤول عن ذلك. فالكلمة الواضحة ليست بحاجة إلى شهادة حسن سلوك، وليست مطالبة بأن ترضي الجميع، ولا أن تلتوي لتناسب من لم يكن ينوي تقبلها منذ البداية. والأمر يشبه محاولة شرح اللون الأزرق لمن يصرّ على رؤيته أخضر. يمكنك أن تذكر كل التعريفات العلمية، أن تستعين بالمصادر، أن تضع الأدلة أمامه، لكنه إن قرر أن اللون ليس أزرق، فلن يراه كذلك مهما فعلت. هنا، يكمن الدرس؛ لا تجهد نفسك في الشرح حين يكون الإنكار مقصودًا، وحين يكون الفهم الخاطئ جزءًا من استراتيجية الآخر لإرهاقك وإفقادك الثقة بكلامك. والمرء الذي يعرف نفسه، ويثق في كلمته، لا يحتاج إلى أن يقضي عمره في تصحيح سوء الفهم المتعمد. يقول كلمته ويمضي، لأنه يدرك أن الصادقين سيفهمونها كما هي، وأن المخلصين سيقرأونها بنقاء، أما الآخرون، فليس مهمًا أن يقنعهم، لأنهم لم يأتوا ليقتنعوا، بل ليعيدوا تشكيل الحقيقة وفق ما يناسبهم. وهؤلاء، مهما اجتهدت في شرح وجهة نظرك لهم، سيظلون يدورون في دوائرهم المغلقة، يبحثون عن ثغرة، أو زاوية، أو حتى كلمة واحدة يمكنهم استغلالها ليعيدوا ترتيب المشهد كما يريدون. لهذا، لا ينبغي أن نكون أسرى لرغباتنا في أن يفهم الجميع ما نقوله، ولا أن نرهق أنفسنا في محاولة تصحيح كل سوء فهم متعمد. نقول كلماتنا بوضوح، وننطقها بثقة، ثم نواصل الطريق. فالوضوح ليس في عيون الآخرين، بل في يقينك الداخلي أنك قلت ما يجب أن يُقال، كما يجب أن يُقال، من دون تردد أو تبرير زائد أو استجداء لفهم من لم يكن ينوي الفهم أصلاً.

459

| 18 أغسطس 2025

أمانة في أعناقنا
أمانة في أعناقنا

هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية....

6831

| 20 يوليو 2026

إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد
إرثُ الأميرِ الوالدِ الخالد

هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...

3432

| 18 يوليو 2026

«يبا».. إلى أبي الحبيب
«يبا».. إلى أبي الحبيب

«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة،...

1914

| 19 يوليو 2026

قائد غير وجه قطر
قائد غير وجه قطر

شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

1089

| 18 يوليو 2026

سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن
سيظل إرثه حاضراً في كل إنجاز وطني وفي ذاكرة كل مواطن

في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...

813

| 17 يوليو 2026

قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر
قائد صاحب رؤية وقامة شامخة في تاريخ قطر

إن امتلاك حلم والسعي الحثيث لتحقيقه ليس بالأمر...

753

| 19 يوليو 2026

حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم
حفظ الله قطر وأميرها الشيخ تميم

حكمة لعمر بن الخطاب نقشت على خاتمه لتكون...

723

| 19 يوليو 2026

حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر
حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر

هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك قادة يمنحون المناصب...

675

| 18 يوليو 2026

إرث مستدام تركه باني قطر الحديثة رحمه الله
إرث مستدام تركه باني قطر الحديثة رحمه الله

بمشاعر من الحزن والأسى استقبل أهل قطر والخليج...

555

| 19 يوليو 2026

الأمير الوالد... سيرةٌ خالدة
الأمير الوالد... سيرةٌ خالدة

عندما أمسكت القلم لأكتب عن الأمير الوالد، أدركت...

552

| 20 يوليو 2026

الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني
الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني

- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه...

549

| 20 يوليو 2026

ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟
ماذا يبقى بعد رحيل القائد؟

من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي...

492

| 22 يوليو 2026

أخبار محلية