رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كم ستصمد حكومة " الحمد الله " قبل أن يعود فياض ؟

كلف رئيس السلطة المؤقتة في رام الله " محمود عباس " الدكتور الأكاديمي " رامي الحمد الله " بتشكيل حكومة السلطة خلفا لحكومة " سلام فياض " الذي استقال قبل خمسين يوما على خلفية صدامه مع حركة فتح وتحكماته المالية فيها.. حكومة " الحمد الله " هذه ولدت ميتة.. أما فياض فلن يطول بقاؤه خارج اللعبة ؛ سيعود ولكنه ؛ لن يكون عودا حميدا.. حكومة " الحمد الله " ولدت ميتة لأنها ولدت بلا اقتصاد، وبحجم ديون خلفها لها " فياض " يتجاوز حتى آخر إعلان " ملياري دولار " ديونا خارجية ومثلها تقريبا ديونا داخلية، وأكثر من ثلاثين مليون دولار عجزا شهريا.. هذا - بالطبع - سوى ما سيفرضه العدو عليها من حصار وعجوزات إضافية لإفشالها وإلجاء عباس وفتح لإعادة فياض لسدة رئاستها..  حكومة " الحمد الله " ولدت ميتة لأنها بلا قاعدة انطلاق شرعية ولا شعبية ؛ أما من حيث الشرعية فلأنها لن تنال ثقة المجلس التشريعي ولن تعرض عليه أصلا، كما أن الرئيس عباس ذاته الذي تستمد منه شرعيتها انتهت ولايته منذ 2009 وإنما يقوم في مقامه ويمارس مهامه ب" واقع الحال ورعاية الاحتلال " بالتالي فحكومة " الحمد الله " منعدمة شرعيا ودستوريا.. وأما من الناحية الشعبية فلأنها غير مرحب بها من الشعب الفلسطيني ومن فصائله ومقاومته الذين بادروا بمجرد الإعلان الأولي عنها لرفضها واعتبارها قاطعة طريق على حكومة المصالحة التي كانت قاب قوسين أو أدنى..  حكومة " الحمد الله " ولدت ميتة من دون هوامش مناورة كالتي كانت لفياض.. ف" الحمد الله " تابع لعباس مائة في المائة ومضطر أن يتتبع مراداته وسياساته شبرا بشبر وذراعا بذراع.. المشكلة هنا مشكلتان في الحقيقة ؛ الأولى: أن وجود السلطة مرهون باستمرار الدعوم الخارجية، والثانية أن هذه الدعوم لا يستطيع جلبها واستقطابها إلا جهة واحدة.. هي حتى الآن " سلام فياض " وهذا ما كان يردده عباس في لقاءاته مع حماس إلى درجة جعلته يضع فياض في كفة وكل المصالحة والوحدة الوطنية في الكفة الأخرى..  من الجدير هنا التنويه بحقيقة هامة لا يمكن فهم مكان ومكانة أي رئيس حكومة للسلطة بالنسبة للاحتلال إلا في ضوئها.. القضية في نظري أبعد بكثير مما يظن براجماتيو القيادة الفلسطينية الذين يتوهمونها في التبعية للاحتلال وفي تقديم رأس حماس والمقاومة له، أو فيما يتعهدون به له أيا ما كان الذي يتعهدون به..  القضية أن الاحتلال لا يقبل أن يكون على رأس السلطة إلا من صنعوا على عينه ومن تربوا في رعايته وعنايته ويعيشون في هواه.. من نوع الفلسطيني الجديد الذي لا لون وطنيا له ولا رائحة ثورية مسّته ولا طعم عروبة به.. هذا الاتجاه في إستراتيجية الاحتلال برز وتأكد يوم شكل " روابط القرى " أوائل الثمانينات والتي فشلت لأنها ولدت في حضن الاحتلال وكنقيض للثورة، وبرز وتأكد يوم شكل دولة سعد حداد جنوب لبنان في نفس الفترة.. ولكن فشله في هاتين التجربتين جعلتاه يتسلق إلى مراده هذه المرة بصناعة السلطة في حضن المنظمة ورئاسة عرفات – رحمه الله - حتى نالت شرعيتها الثورية والوطنية منه، ثم ها هي تسحبها شيئا فشيئا حتى صيرتها أقرب لروابط القرى ولجيش جنوب لبنان تقوم بأدوارهم وتنقلب على شعبها " عباس اعترف الأسبوع الفائت بالتنسيق الاستخباري ضد المقاومة حتى في ظل توقف التسوية "..  حكومة " الحمد الله " ليس قدامها إلا ثلاثة خيارات ؛ الأول: أن تتقطع في هوى الاحتلال فتخسر ذاتها وتزيد ورطتها ولن يرضى عنها " اليهود ولا النصارى "، أو تواجه الاحتلال فتقع تحت مزيد من الضغوط الصهيونية التي لم تعدّ ولم تجهز لتحملها بما سيؤدي لانهيارات اقتصادية وتنظيمية وإدارية وهو ما لن يقبله الاحتلال ولن يستطيع عباس المضي فيه وتحمل الضغوط بسببه.. أو أن تقال هذه الحكومة ويعود " فياض " وتقبل به فتح مرة أخرى ليس عن قناعة ولا عن مصالحة ولكن عن قاعدة أخف الضررين وأهون الشرين.. وهنا المشكلة الحقيقية ؛ لأن فياض تعرض بإبعاده عن الحكومة لإهانة كبيرة من فتح ولن يقبل العودة من دون إخضاعها وتدفيعها أثمانا بالغة وتقييدها باشتراطات لها أول وليس لها آخر.. وكلها تصب في اتجاه عزل فتح عن السلطة واستكمال التحول الإستراتيجي الذي ما أتي به من صندوق النقد الدولي إلا لأجل تحقيقه ولن يعود للسلطة إلا في سبيله..  آخر القول: حكومة " الحمد الله " ولدت ميتة لأن القائمين عليها رضوا أن تصنع وفق محددات الاحتلال واتفاقاته وأن تولد على تقاطع خلافات فتح الداخلية وخلافاتها مع فياض ومع حماس ومع الانقسام.. والسؤال.. سيعود فياض ولكن كم ستصمد حكومة " الحمد الله " قبل ذلك؟ 

417

| 06 يونيو 2013

هل فهم الشعب الفلسطيني .. ما يدور من وراء الكواليس؟

الناطق العسكري لكتائب شهداء الأقصى – الفتحوية – رفض اعترافات رئيس السلطة بالضفة محمود عباس على هامش فعاليات المنتدى الاقتصادي في الأردن التي اعترف فيها بالتنسيق الأمني بين سلطته والاحتلال منذ 2007، وأنهم أعادوا للاحتلال (96) جنديا صهيونيا خلال هذه الفترة (معززين مكرمين)!! وقال الناطق العسكري: "تصريحات عباس تخصه فقط، وكتائب شهداء الأقصى تختلف تماما معه، واصفا هذه التصريحات بأنها "خاطئة". وأقول: ما القيمة العملية لرفض هذا الناطق لتصريحات عباس؛ واعتباره إياها تخصه فقط، وقوله إنهم يختلفون معه تماما؟ ما معنى وصفها بكلمة "خاطئة"؟ هل يريد أن يقول للشعب الفلسطيني إن عباس لا يشاور منظمته وإن "ديمقراطية السكر زيادة" التي طالما كنا ندعيها قد صارت مالحة وحامضة زيادة أو صارت بلا طعم؟ هل يريد أن يقول إنهم في الكتائب عاجزون عن لجم هذا الخرف السياسي الذي بات يغزو مؤسسات القرار الفتحوي؟ أم هي زمزمة وهمهمة كزمزمة وهمهمة الكهان يخدعون بها السذج والبسطاء الذين لا يزالون يصدقونهم؟ ولنا أن نسألهم: هل سيعقدون المجلس الثوري - مثلا – لمحاسبة رئيسهم وقائدهم ورمزهم ثم لإكراهه على التراجع عنها؟ وإن كانت مؤسساتهم لا تحتمل إجراءا كهذا باعتباره فيهم (القائد الأعلى، ورئيس الدولة، ورئيس السلطة، ورئيس المنظمة، ورئيس فتح، ورئيس اللجنة التنفيذية) فهل سيقومون باختطاف جنود صهاينة ليبرهنوا على هذا الاختلاف؛ أم هم فقط يسجلون موقفا يحرزونه ويعدونه للاستثمار السياسي التنافسي مع فصائل المقاومة في المستقبل؟ عباس اعترف بلا مواربة ولا مناورة وبلغة صريحة معلنة أنهم ملتزمون بالتنسيق الأمني – وأنه لا يخجل من ذلك ولا ينكره – وحدد رقمين تفصيليين في إطار هذا الاعتراف؛ الأول أن التنسيق مرتبط بست سنوات وتحديدا منذ العام 2007، والثاني أن عدد الجنود الصهاينة الذين أرجعوا بهذا التنسيق هو 96 جنديا احتلاليا مسلحا.. وأقول: أما تحديد التنسيق الأمني بما بعد 2007 ورغم أنه مجاف للحقيقة وأنه ولد مع ولادة السلطة واستمر منذ قامت في عام 1993؛ ومع ذلك فلو قبلنا هذا التوقيت فإنه يحمل دلالات خطيرة يجب على فتح وعلى كتائب الأقصى أن تخجل منها وأن تحاسب عليها.. من مؤشرات هذا التوقيت؛ أولا: أن فتح لم تعد تستطيع إنكاره أو الزعم بأنه في حدود التنسيق الإداري والإجرائي أو الاعتيادي كما زعمت دائما، الدلالة الثانية: هذه الفترة تميزت بتصعيد صهيوني ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته في غزة والضفة؛ وفيه وقعت الحربان الكبيرتان على غزة 2008 – 2009 و2012 ما يؤكد مصداقية الأخبار التي قالت إن السلطة منعت المظاهرات في الضفة إبان الحرب الأولى على غزة بما أظهر الضفة في حالة سياسية مزرية عمقت الانقسام، كما يشير لمصداقية دعوى حماس بأنها ألقت القبض على بعض منتسبي فتح في غزة ممن كانوا في تلك الحرب يتجسسون على المقاومة لصالح رام الله ثم لصالح الاحتلال ويزودوه ببنك أهداف.. هذه الإشارة فيها تفاصيل ليس الموضع للاستغراق في ذكرها وتحليلها.. الدلالة الثالثة: بما أن هذه الفترة تميزت بزيادة عمليات التهويد والاستيطان والصراخ الفلسطيني الشعبي من الاعتداءات الصهيونية على المساجد والمزارع والبنية الاقتصادية والإنسانية، وتميزت بتعطل عملية التسوية.. فإن السلطة إذن تقدم هذا التنسيق الأمني مجانا وذاتيا ودون ربطه بمميزات التسوية.. فإنه يكشف عن الوجه الحقيقي للسلطة وعن الدور الذي تقوم به في تسويغ الاحتلال وتسويقه وخدمته صارفة النظر عن العوائد الوطنية أو السياسية.. السؤال هنا: من هي هذه السلطة بالضبط؟ وأما أن السلطة أعادت (96) جنديا صهيونيا تائها مكرمين معززين (تماما كما يكرمون ويعززون الفلسطينيين!!) فهذا يعني أن عباس وسلطته وفتحه قد فوتوا على الشعب الفلسطيني في ست سنوات 96 ألف فرصة إفراج عن أسير من ذوي المحكوميات العالية والمؤبدة؛ أو فوتوا على الشعب الفلسطيني إخلاء السجون الصهيونية من الأسرى الفلسطينيين عشرين مرة على الأقل.. إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن حماس وهي في نظر عواجيز فتح ومخضرميها لا تفهم في السياسة ولا تجيد الدبلوماسية ومع ذلك استطاعت بخطف جندي واحد ومبادلته تحرير أكثر من ألف أسير من ذوي المحكوميات المؤبدة والعالية.. وإذن فأين قضية الأسرى في وجدان هذه السلطة وزعاماتها؛ أم هي مجرد ورقة إعلامية وسياسية يرددونها ويتحدثون عنها ويشكلون لها وزارة من قبيل ذر الرماد في العيون وأن "شطارتهم" فقط على الشعب الفلسطيني وليس على العدو. آخر القول: كم "ست سنوات" أخرى يجب أن ننتظر؛ وكم ألف وثيقة رسمية يجب أن تسرق من مكتب صائب عريقات، وكم مرة يجب أن يعترف عباس بالتنسيق الأمني مع الاحتلال أو يتنازل عن صفد أو يجرم المقاومة.. ليفهم الشعب الفلسطيني ما يدور عليه من وراء كواليس الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية؟

461

| 30 مايو 2013

تشكيك بالثورات .. وليس بقطر

الدعم القطري للثورات العربية الجارية – وكما هو مشاهد - يتجاوز حدود التعاطف المعنوي إلى المادي والمالي والإعلامي والسياسي إلى التبني الكامل.. والأصل أن نحسن الظن في هذا الدعم وفي غاياته خاصة أننا لا نملك شبهة ولا قرينة فضلا عن أن يكون دليلا لإدانة هذا الدعم، والأصل في المسلمين العدالة والبراءة وأن الأخوة القومية والدينية قادرة على صياغة هذه المواقف والدعوم.. ولكن سيئي الظن والذين يعتقدون أن مؤامرة كونية مطبقة علينا ولا فكاك من طلاسمها يتشككون في غايات هذا الدعم.. والقضية في نظري تتجاوز اتهام قطر كدولة أو كسياسة أو كموقف شخصي إلى التشكيك في الثورات العربية التي أعادت لنا الكثير من ذاتنا، وفتحت لنا على الأمل بابا واسعا - بالأخص نحن الفلسطينيين.. أقول هذا لأن الذين يثيرون هذه الشبهات وتطول ألسنهم في الاتهامات هم المتضررون من الثورات والمعنيون بقطع طريق دعمها والذين يخشون أن تصل تردداتها عروشهم.. من هنا أرى ضرورة مناقشة هذا الموضوع وفي مخيلتنا هذا البعد الاستراتيجي للموقف.. وأقول :  الذين يتهمون الثورات يزعمون أن قطر تدعم الثورات لهدفين ؛ أحدهما لصالحها، والثاني لصالح القوى الكبرى أو النافذة.. أما الذي لها فيقولون قطر تريد أن تأخذ أدوارا قومية وإقليمية تتوسع بها على حساب مكانة ودور الدول الأكبر منها في المنطقة (بالتالي يصنف هذا الهدف في الأنانية النفعية وفي الاعتداء) وأما الذي لصالح القوى الكبرى والقوى النافذة فهو أن قطر تسعى لاحتواء هذه الثورات وللسيطرة على تداعياتها وعلى قرارات ومواقف النظم الناشئة بها حتى لا تتصرف خارج المنطق المعتاد والمبرمج لعشرات السنين الماضية.. وأقول : ابتداء هذه الاتهامات – كما قلنا – لا دليل عليها – ثم هي تسقط قيمة ومضمون الأخلاق الوطنية التي نعتز بها ويجب أن نصدق أي شخص أو حزب أو جهة تدعيها ما دامت أعماله تعزز أقواله.. وهل يصح عقلا أو دينا أو أخلاقا أن نتهم من يحسن لمجرد أن خصومه وأعداءه يتوهمون شبهة أو يفترونها ويلقونها عليه؟! وإذن من منا سيسلم عرضه أو سيوثق به!؟ لا لن نصدق الطاعنين البائسين حتى يثبتوا لنا عكس ما نعتقده ولن نقبل إلا الدليل القاطع..  وأما القول بأن قطر تريد أن تحتل دور من هم أكبر منها.. فإن صح ذلك فهل هي مشكلة قطر أم مشكلة الكبار الذين رضوا أن يتقزموا عن مواقف الشرف والنخوة والعروبة؟ وإذا خلت الساحة من الكبار هل علينا أن نظل صغارا تائهين؟ وما المشكلة أن تسابق قطر وأي دولة على الأدوار ما دامت أدوارا نظيفة ومحترمة ومن أجل نصرة المظلوم؟ بالعكس.. فيا ليت كل دولنا وكل نظمنا تسعى لتنافس كهذه المنافسة وفي هذا الاتجاه!  ومع ذلك فإن وضع هذه الفضيلة في موضع الشبهة والتهمة لا نسلّم به لأنه منطق كاذب وتجاهل وطمس للحقائق على الأرض.. فلماذا تقصد قطر أن تستولي على دور غيرها؟ أمن حاجة؟ أم تريد مالا؟ أم جاها؟ أم أمانا؟ أليس كل ذلك موفورا لها؟ المنطق يقول : لو كانت قطر تريد دور غيرها أو تصغير غيرها لوقفت مع الساقط حسني الذي اختزل التاريخ المصري في ثلاثين سنة من حكمه، والذي كفأ مصر على داخلها فلم تعد يعنيها في فترة تسلطه أكثر من الرضا الصهيوني والأمريكي.. ولو كانت قطر تريد دور غيرها لوقفت مع المجرم الهارب ابن علي الذي أخرج شعبه وبلده من التاريخ ومن المنطقة كلها! وقل مثل ذلك عن ليبيا وعن اليمن وسنقول مثله عن سوريا وغيرها إن شاء الله ونرجو أن يكون قريبا..  وأما أن قطر تريد السيطرة على قرار الثورات لصالح أمريكا أو غيرها.. فهذا أبعد ما يكون عن ذهن قطر ووجدان سياستها وقادتها.. والمنطق والتجربة تحكم هذه المسألة ؛ فالذين يتلقون هذه الدعوم يؤكدون أن قطر لم تطلب منهم أي بديل أو ثمن، وأنها حتى تتحرج من مجرد تقديم اقتراحات على مواقفهم كي لا يفهم ذلك كبديل أو كثمن.. وقديما قالوا : إذا كان المتكلم مجنون ليكن السامع عاقلا!! هنا أقول: لو كانت قطر تدعم الثورات – حماس مثلا – لتسيطر على قرارها لصالح أمريكا وإسرائيل؛ ألم يكن أنسب وقت لاستثمار هذا الدعم واستيفاء هذا الثمن يوم الحرب الأخيرة على غزة؟! فلماذا تركت حماس تقصف تل أبيب والمستوطنات والقدس؟  ثم إن قطر – كما قلنا - تقف مع الثورات وليس العكس ؛ ولئن صدق بعض الناس أن القذافي أو بشار أو علي صالح كانوا ضد أمريكا وإسرائيل – ولا نسلّم بهذه الدعوى - فبالتأكيد لا يصدق أحد أن المتصهين حسني والمجرم ابن علي كانا على عداء معهما حتى تسمحا لقطر أن تدعم خصومهما.. ثم إن قطر تعلم كما يعلم كل من يعرف حماس والثورات العربية الأخلاقية المبدئية أن هذه الثورات لا يمكن السيطرة على قرارها.. ولو أخذنا دليلا على ذلك موقف حماس مع سوريا ؛ فالنظام السوري طالما دعم حماس ووقف معها في فترات حاسمة وفارقة لكنها فورا ابتعدت عنه عندما تورط في حرب لا أخلاقية ضد شعبه.. ذلك يؤكد أن قطر لا تسعى ولا تطمع ولا تراهن من وراء دعمها للثورات على السيطرة على قرارها..  بقي أن نسأل : من الذين يتهمون قطر ونيتها وغايات دعمها.. أليسوا هم فلول مصر وتونس وليبيا واليمن، أليسوا هم حزب الشيطان الطائفي   والنظام السوري والإيراني الطائفيين ا ؟ وهل هؤلاء   عدول حتى نقبل شهاداتهم فضلا عن أحكامهم وتحليلاتهم..  آخر القول : التشكيك في دعم قطر للثورات العربية، يراد منه اتهام الثورات والتشكيك في مصداقيتها وطهوريتها ونزع جلباب النزاهة والشرف والوطنية عنها وصولا للتشكيك في النظم الثورية وإشغالها بالمعالجات والردود التي تصرفها عن المنتظر الحقيقي والأكبر وهو تغيير صورة الصراع مع العدو الصهيوني لصالح المقاومة.. أما الهدف الأكبر والأخطر من هذا التشكيك فهو توجيه ضربة استباقية لقدرة قطر وإعلامها على تسويق أي ثورة قادمة..        

397

| 23 مايو 2013

القرضاوي في فلسطين .. نعم الزائر والمُزار

اشتد وتصاعد هجوم السلطة الفلسطينية على حركة حماس وحكومة غزة على خلفية الزيارة التي قام بها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وإخوانه العلماء لقطاع غزة، وأعلنت وزارة داخلية رام الله أنها أرسلت لجميع الدول التي تعترف بها كدولة، رسائل مفادها أن القرضاوي يحمل جواز سفر فلسطينيا مزورا " وطالبت – حسب قولها - جميع هذه الدول بـ ‘اتخاذ الإجراءات القانونية من أجل ضبط حامل الجواز واسترداده وفق القانون الدولي.. وكان السيد "هنية" قد منح القرضاوي الخميس الماضي جواز سفر فلسطينيا، إلى جانب تقليده عددا من الأوسمة والدروع مع بداية برنامج جولته لقطاع غزة.. السلطة وصفت الزيارة بـ’المشبوهة’ وقالت عن المنحة: (عطاء من لا يملك لمن لا يستحق) فيما رحبت بها حماس ووصفتها بـ ‘الزيارة التاريخية’ وأقول:  الجواز الفلسطيني كالسلطة الفلسطينية تماما؛ لا يمكن أن يكون وطنيا أو يحمل قيمة اعتبارية إذا استند في شرعيته وإصداره واعتماده وقوته على الاحتلال.. ولنستمع لوكيل وزارة داخلية سلطة رام الله "حسن علوي" الذي قال يوم 3 / 12 / 2012 الماضي أثناء حديث له مع "القدس دوت كوم" في معرض كلام عن التحولات الضرورية بعد حصول فلسطين على صفة دولة مراقب.. قال: "إن الاحتلال يسيطر على جميع منافذ ومعابر الدولة وما زلنا نخضع بجميع وثائقنا بشكل شبه مباشر للاحتلال"، لاحظ قوله " في جميع وثائقنا" وقوله "شبه مباشر"، السؤال المنطقي والحقيقي والمضاميني والوطني هنا: هل جواز غزة الذي منحه هنية للقرضاوي من هذا النوع الذي يسيطر عليه الاحتلال ككل وثائق السلطة؛ أم هو جواز الثورة والمقاومة والجواز الوطني؟ وإذن فمن الأولى بوصف الشرعية؛ ومن الأولى بوصف اللاشرعية؟  وبنفس المنطق الموضوعي والوطني الحقيقي وبعيدا عن كل الشكليات والإشكاليات.. أليس الأصل في المواطنة المسوغة لاكتساب الجواز والجنسية هو الولاء للوطن ونصرته والدفاع عنه؟ أليس بهذا المعنى تَمنح الدول جوازها الوطني لغير مواطنيها؟ أليس هذا هو الأصل أيضا في سحب الدول جوازها الوطني من الذين يخونون أوطانهم.. وعلى ذلك أليس القرضاوي بما قدم للقضية الفلسطينية طيلة عمره أحق بالجواز الفلسطيني من كثيرين ممن هم اليوم في سدة قيادة الشعب الفلسطيني، ويتنقلون بجوازات دبلوماسية فلسطينية وينهبون ميزانية الثورة؛ وما حقهم الصحيح إلا أن يقدموا لمحاكمات ثورية مدانين بالتنسيق مع الاحتلال وبالفساد الأخلاقي والسياسي والأمني؟ ثم أليس الشيخ القرضاوي هو نفسه القرضاوي الذي خاض المعارك طولا وعرضا دفاعا عن العمليات الاستشهادية في فلسطين وعاداه من عاداه في ذلك من أشخاص وكتاب وأحزاب ودول منعته من دخولها؟ أليس الشيخ القرضاوي هو نفسه القرضاوي الذي فكر العدو في اغتياله على إثر موقفه العظيم البارع في فضح عدوان 2008 - 2009؟ أليس الشيخ القرضاوي هو نفسه القرضاوي الذي لم يفتر لحظة يدافع عن المقاومة والقضية ويحرض على نصرتها بالمواقف والخطابات والمؤتمرات والمنتديات والمهرجانات والمواقف والعزائم والفتاوى وعشرات الكتب والقصائد والمفاهيم؟  وفي نفس السياق لنا أن نسأل: هل المخرج السوري المؤيد للنظام المجرم "نجدت أنزور" الذي منحه عباس الجواز الفلسطيني أولى من القرضاوي به؟ علما بأن "نجدت أنزور" هذا من الموالين للنظام المجرم الذي يقتل شعبه وينتهك كرامته.. وهو - أنزور - صاحب محاولات إحداث الفتنة في المهرجانات بين الفنانين السوريين وأشقائهم المصريين.. وحتى لو اعتبرنا جواز أنزور نوعا من التشجيع للفن المتصل بالقضية أليس أولى منه المخرج السوري "حاتم علي" - مثلا - الذي قدم لنا مسلسله البديع "التغريبة الفلسطينية"؟! أم لأن " حاتم علي " انحاز للإنسان العربي السوري وقدم فيلماً وثائقياً جميلاً بعنوان " تهريب 23 دقيقة " سجل فيه معاناة المسجونين القدامى في معتقلات الأسد؟ أم لأن زوجة "حاتم علي" هي الناشطة الحقوقية والممثلة والكاتبة دلع الرحبي، التي سجلت سيرتها الذاتية البديعة "عصي الدمع" لتناصر ثورة شعبها؟ عباس منح الجواز أيضا يوم 20 / 4 / 2013 الماضي للصحفي "غسان بن جدو" مؤسس شبكة الميادين الفضائية الذي يوالي النظام السوري أيضا ويسخر نفسه ولسانه وقناته في نصرة ظلمه وطائفيته النتنة؛ فهل هذا أيضا أولى بالجواز الفلسطيني الدبلوماسي من القرضاوي؟ الواضح أن الجواز الفلسطيني يراد له أن يغرد بعيدا عن مصالح ووطنيات الشعب الفلسطيني وأن يظل حكرا لتسلقات القيادة الفلسطينية على دماء الأهل والإخوة والجيران في سوريا؟  وأما أن هنية لا يملك شرعية إصدار الجوازات.. فلن أتوقف كثيرا عند حقيقة انتهاء شرعية السلطة برمتها قبل 15 سنة منذ 1998 حسب القانون الفلسطيني، ولن أتوقف عند حقيقة انتهاء ولاية عباس قبل أربع سنوات منذ 2009 أيضا حسب القانون الفلسطيني، ولن أتوقف عند حقيقة عدم شرعية حكومة رام الله التي لم تعرض على المجلس التشريعي ولم تنل ثقته أيضا حسب نص القانون الأساسي في المادة 79 منه التي تقول (لا يجوز لرئيس الوزراء أو لأي من الوزراء ممارسة مهام منصبه إلا بعد الحصول على الثقة به من المجلس التشريعي).. أقول: لندع كل هذا حتى لا نغوص في مناكفة بلا طائل.. ولنرجع للهدوء.. وأقول كمثقف لا كمختص وفي حدود معلوماتي حتى الآن.. لا يوجد نص صريح ولا ضمني في القانون الأساسي القديم للسلطة ولا في الصيغ الأربع المعدلة له يحدد إصدار الجوازات ومنح الجنسية بالرئيس أو غيره.. وكل ما هو موجود هو فقط عبارة من أربع كلمات في القانون المعدل 2003 ومكررة في التعديلات التالية والمادة هي رقم 7 من الباب الأول.. وتقول: (الجنسية الفلسطينية تنظم بالقانون).  الجدير ذكره أن السلطة وضعت هذا القانون وأنجزته منذ 1995 ولكنها لم تقدمه للتشريعي ولم يعتمد حتى الآن لأسباب سياسية واحتلالية حسب دراسة أعدتها "الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن" وعليه فمسألة اختصاص الرئيس بإصدار الجوازات هي مجرد وهم وكلام مرسل وادعاء لا ينبغي الالتفات إليه وليست له أي قيمة موضوعية..  فإذا تجاوزنا كل هذه الشكليات وذهبنا إلى المعنى الأعمق والأصدق في ميزان الشرعية الثورية في بلد ثوري كفلسطين؛ لنا أن نسأل: أيهما أثقل في ميزان الشرعية؟ ما تمثله حماس والمقاومة من التضحية والصدام وردع العدو؛ أم ما تمثله السلطة والقائمون عليها المستمدة من التنسيق الأمني والسياسي مع الاحتلال ومن اتفاق أوسلو البارد البليد المعتوه المؤسس لها؟ وإذا ذهبنا إلى المعنى الأعمق والأصدق في ميزان الأصالة والأخلاق الفلسطينية والعربية في بلد عشائري محترم يحسب الكلمة ويثمن أثرها كفلسطين؛ هل من المروءة أو اللياقة الأدبية أو الاحترام أن يُنعت ضيف فلسطين الكبير وإمام المجتهدين في زمانه بالمزور وبالذي لا يستحق؟  آخر القول: زار القرضاوي فلسطين "المقاومة والمقاومين" ونعم الزائر العالم الرباني الكريم المجاهد ونعم الكوكبة من أوفى العلماء وأكرمهم الذين رافقوه.. ونعمت الزيارة التي وقعت رغما عن الاحتلال وبدون تأشيرة صهيونية ولا تحت جناح التنسيق الأمني والسياسي، ونعم المُزار – غزة وفلسطين أرض العزة والجهاد والصبر والشرف، لقد استحق القرضاوي هذا الشرف واستحقت فلسطين هذه الزيارة.. فنعم الزائر والمزار.

1750

| 16 مايو 2013

السلطة.. مع الاحتلال، أم أزمتها أعمق من أزمته ؟

هذه الأزمات حدت بالرئيس الأمريكي " باراك أوباما " أن يخرج عن المألوف في جلساته الخاصة ويدلي بتصريحات يوم 14 / 1 / 2013 الماضي.. نقلتها الصحف الصهيونية، وقال فيها (إن رئيس الوزراء " نتنياهو "جبان، ولا يفهم ما هي مصالح " إسرائيل " السياسية، وتصرفات حكومته ستقود " إسرائيل " إلى عزلة دولية شديدة ستشكل تهديدا وجوديا عليها في المدى الطويل " أضافت " هآرتس " فإن الرئيس الأميركي يؤمن بأنه (إذا أصبحت "إسرائيل" منبوذة ستبتعد عنها حتى الولايات المتحدة، ولن تصمد ولن تستطيع البقاء.. "وأقول:  في هذا السياق جاءت زيارة أوباما الأخيرة للمنطقة التي اختتمها يوم السبت 23 / 3 / 2013 والتي غلب عليها صيغة التطمينات الأمنية للكيان وفي ذات السياق أيضا تبعتها زيارة وزير الخارجية الأمريكي محاولا تفكيك هذه الأزمات وتبريد بعضها وتأخير بعضها الآخر وإن أمكن تشكيل جبهة مواجهة ضد إيران تقودها تركيا..  الوزير الأمريكي فشل في اختراق وتهديم الموقف التركي رغم أن العدو قدم كل التنازلات والاشتراطات التركية ؛ فاعتذر عن الاعتداء على سفينة مرمرة، وتعهد بالتعويض.. مع ذلك لم نسمع أن تركيا أعادت مياه التنسيقات الأمنية والعسكرية إلى مجاريها، أو أنها وافقت على قيادة جبهة المواجهة المذكورة، أو أنها عقدت اتفاقيات جديدة أو أحيت اتفاقات قديمة مع الكيان..  لكن – مع كل الأسف – وبقدر ما فشل كيري مع تركيا فقد نجح مع السلطة.. وقد كان نجاحا باهرا ونصرا ظاهرا، ففي خطوة غير مبررة على الإطلاق سحبت السلطة مشاريع قرارات إدانة ضد الاحتلال كانت تقدمت بها إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة " اليونسكو" على خلفية انتهاكات العدو وتدميره المناطق الإسلامية والأثرية والتاريخية في القدس.. ووجدناها – أي السلطة - تقدم للعدو وبموجب اتفاق تعهدا أن تمتنع عن تقديم أي شكاوى جديدة لليونسكو لمدة عام كامل.. وها هي تتراقص إعلاميا ودبلوماسيا مع أنغام إطلاق جديد لعملية التسوية.. العجيب والمؤسف والمضحك في آن معا هو أن السلطة وضعت كل هذا الخذلان للقدس وكل هذا التسيب تحت عنوان " العمل على حماية القدس".  السلطة بالتأكيد لا تنقصها الخبرات الدبلوماسية، ولا مهنية العمل السياسي، ولا التصور الصحيح لقدرات الأطراف المختلفة وتموضعاتهم ولا ينقصها الدهاء والقدرة على المناورة.. وبما أنها لا مبرر لقبولها إطلاق المفاوضات من جديد ولا منطق لتنازلاتها فلماذا تقبل بأن تبدو أكثر حرصا على المفاوضات وعلى تسهيل إطلاقها من نتنياهو الذل لم يتنازل عن جوهر اشتراطاته بل راح يكررها ويذكر بها وهو المأزوم كما عرضنا أعلاه؟ فهل يريد السيد عباس أن يغير العناوين السياسية لصرف الرأي العام الفلسطيني عن التفكير في انتفاضة ثالثة على أثر حالة الركود السلبي فيمنطقة اللامقاومة، واللامصالحة، واللامعالجة لمشكلات فياض والميزانية والفساد؟ أم لأن التسوية بالنسبة للسلطة ومنظمة فتح صارت شرط البقاء والشرعية وهي الطعام والشراب والجاه والأمن والحياة كلها بالتالي فهي لا ترد يد لامس؟  آخر القول: السلطة كان يفترض فيها أن تستغل أزمات الكيان وعزلته الدولية وتخوفات أمريكا عليه لتصر على شروطها التي ظل عباس يؤكدها لأكثر من خمس سنوات ويسميها التزامات مبدئية.. وهذا ما تقتضيه المهنية السياسية فضلا عن الأخلاقية الوطنية.. ولكنها لم تفعل ؛ فهل يدل ذلك على أنها متوافقة مع الاحتلال أم أن أزمتها أعمق من أزمته؟

422

| 09 مايو 2013

خلاصات فكرية من التجربة الإخوانية

في ضوء الوصول السلمي للسلطة الذي حققه "الإخوان المسلمون" عبر صناديق الاقتراع في بلاد الربيع العربي وقبل ذلك في فلسطين وتركيا وما تبشر به نجاحاتهم في بلاد أخرى.. وفي ضوء الحرب المفتوحة والمنفلتة التي يخوضها ضدهم خصومهم والتي تجاوزت كل معاني الوطنية إلى استعداء وتحريض الخارج والداخل ضدهم.. وفي ضوء ضعف أداء إسلاميين آخرين يعملون على ذات الساحة منذ عشرات السنين، وانحياز بعضهم إلى هؤلاء الخصوم.. ثمة خلاصتان – وأكتفي بهما - لا يجوز أن تشردا عن الملاحظة أوتغيبا عن التنبيه.. الخلاصة الأولى: أن تجربة "الإخوان المسلمون" في العمل الإسلامي والسياسي وما تمخضت عنه من إنجازات ونجاحات، ثم قدرتهم على مواجهة رياح ومؤامرات الثورات المضادة دون أن يقدموا تنازلا جوهريا واحدا ودون أن يعقدوا اتفاقات من تحت الطاولة ولا من فوقها مع المهيمنين على المنطقة المتحكمين في تفاصيلها.. هذه التجربة يجب أن يضعها على بساط الدرس والبحث مع التواضع وعدم الإنكار إسلاميون آخرون لم يحققوا الكثير من النجاحات وربما لم يتجاوزا مرحلة إثبات الوجود بعد عشرات السنين من العمل والجهد والجهاد وأسباب النجاح والتشابه في البيئات والتحديات وتلقي بعضهم الدعوم من نظم وقوى رسمية مقتدرة.. 1- تجربة "الإخوان المسلمون" التي وصلوا عبرها إلى قصر رئاسة الجمهورية في أكبر وأمنع بلد إسلامي علماني مخضرم كتركيا، وأكبر وأمنع بلد عربي علماني مخضرم كمصر، ورئاسة جمهورية السودان، وإلى رئاسات وزارة في بلاد أخرى لا تقل عنفا واستهدافا للإسلاميين.. يجب أن يدرسها الإسلاميون الذين اشتغلوا على قضية الخلافة وهي قضية مهمة ومع كل اليقين بإخلاصهم وكل الاحترام لجهودهم وجهادهم وعواطفهم ثم ظلوا يؤصلون لها ويدورون حولها ويتخيلون ما بعدها دون أن يقدموا فكرة عملية واقعية واحدة لكيفية تحقيق هذا الوصول.. 2- تجربة "الإخوان المسلمون" وقناعة الناس بهم ليس كدعاة وخيرين فقط بل وكسياسيين وسطيين موثوقين، وقدرتهم على حشد الملايين في الدفاع عنهم وعن برنامجهم وإنجازاتهم ومواقفهم يجب أن يدرسها ويستفيد منها إسلاميون ظلت أفكارهم ومناهجهم رغم عمقها وعلميتها مجرد نخبوية (صالوناتية) ولو عرضوا على صناديق الاقتراع ما فازوا بقليل ولا بكثير.. 3- تجربة "الإخوان المسلمون" وثقة الناس بعدالتهم ووعيهم وبقدرتهم على الجمع بين الإسلامية الواعية والعالمية الواسعة وعلى التخطيط والتنفيذ وإدارة الدولة والحفاظ على مقدراتها والحرص على إنجازاتها.. جديرة أن يدرسها إسلاميون ارتبطت صورتهم النمطية بالإرهاب والخوف بسبب تصريحاتهم الفجة ومغامراتهم غير المحسوبة أو العنف الذي مارسوه أو اتهموا به ظلما وزورا.. 4- تجربة "الإخوان المسلمون" وقدرتهم على الانتقال السريع والنوعي والواعي من بيئة وأفكار ونفسية السجون والمعتقلات والإقالات إلى سدة الحكم والعمل السياسي الرسمي والعلني وأن تسعى إلى مجاملتهم والبحث عن تقاطعات معهم أحزاب ونظم ممتدة يجب أن يدرسها وأن يفهمها إسلاميون ظنوا أن النجاح لا يصير ممكنا إلا إذا تخلوا عن كذا من الإسلام أو تساهلوا في كذا من مفاهيم الحاكمية لله أو كانوا تحت جناح فلان الظالم أو علان المستبد..  الخلاصة الثانية: وعلى "الإخوان المسلمون" أن يدرسوا تجربتهم بعجرها وبجرها، وأن يستمعوا للنصح من الأولياء بقدر ما يستفيدوا من نقد وتشهير الخصماء والأعداء.. بعيدا عن الرفض والإنكار وعن الغرور والانبهار..خاصة أن: 1- "الإخوان المسلمون" يحملون مشروعا إصلاحيا تغييريا، وأن الصورة الذهنية عنهم ارتبطت بالإسلام ذاته وشرفه ونزاهته وكماله والثقة فيه.. 2- مركز انطلاق "الإخوان المسلمون" في برنامجهم هو الإخلاص واتهام الذات والإحساس الدائم بالخوف من عدم القبول (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون). 3- " الإخوان المسلمون " بشر يجتهدون، وقد يكونون تسرعوا فيما كان حقه التريث، أو أحسنوا الظن فيما كان حقه الحذر، أو اختصوا أنفسهم بأشياء كان يمكن تعميمها، وقد يكونون استفزوا خصوما كان ممكنا التوود إليهم وكسبُ قلوبهم ومواقفِهم أو بعضها، أو يكونون قدموا أمورا كان حقها التأخير أو أخروا أمورا كان محلها التقديم، ولعلهم رأوا أمورا على أنها أساسية وخاضوا عليها صراعات وفقدوا بسببها ولاءات وما هي إلا فرعية تائهة.. هذه التجربة بكل مالها وما عليها يجب أن تشكل منعطفا في طرائق التفكير والإصلاح وعقد التحالفات وخوض المغامرات بالنسبة للإخوان وبالنسبة لغيرهم.. 4- وعلى "الإخوان المسلمون" أن يدرسوا تجربتهم لأن الإسلام أغلى وأعلا من كل ذواتنا وأحزابنا واتجاهاتنا، وهو أكبر من أن يكون موقفا شخصيا أو مناورة سياسية، ولأن الحياة معه ليست هبة ريح لا تكاد تثور حتى تهدأ، ولكنه مسار طويل والتمكين له شاق ومرير، وليس ينفع فيه الاستعجال ولا النزق.. ولأن للمواجهة مع الخصوم قوانينَها وعدتها وأصولها ومناوراتِها وما تقوم على أساسه من الولاء والبراء والتجرد للحق والأخذ بالأسباب وحسن التخطيط والحرص على عدم الانجراف أو الانجرار للصدام ما أمكن تجنبه.. وكل ذلك ممكن فيه الخطأ والاستعجال..  آخر القول: إن تجربة "الإخوان المسلمون" وكل تجربة أخرى إن كانت إسلامية أو إنسانية، وبالأخص عندما تكون ناجحة كتجربة " الإخوان المسلمون " وتحت نفس الظروف.. يجب على كل الإسلاميين والإصلاحيين والتغييريين المخلصين لفكرتهم ولأنفسهم دراستها وأخذ خلاصاتها على أنها الحكمة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) و " الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها "

679

| 02 مايو 2013

الشرعية إنجازات وقناعات وليست دعوى بدون بينات !!

مصادر تركية أعلنت أن رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" مصر على القيام بزيارة لقطاع غزة في مايو القادم لإحياء الذكرى السنوية الثالثة العدوان الصهيوني على سفينة "مافي مرمرة" التركية التي كانت تحمل 581 متضامنًا من "حركة غزة الحرة" معظمهم من الأتراك فجر يوم 31 مايو 2010 أثاء وجودها في المياه الدولية للبحر الأبيض المتوسط.. هذا الإعلان جاء في ضوء تقارير عن طلب وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" من أردوغان تأجيل الزيارة، وتقارير عن اعتراض الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" – عليها بذريعة أن الزيارة تعزز الانقسام وتقلل من قيمة وجوهر معنى التمثيل الرسمي للمنظمة.. وأقول: أولا: موقف الوزير الأمريكي متوقع وطبيعي؛ فأمريكا لم تكن يوما إلا معبرة عن الكيان الصهيوني الاحتلالي العنصري، وهما مع كل قضايانا وبالأخص القضية الفلسطينية شقان لمعادلة سياسية وإستراتيجية واحدة.  ثانيا: خوف السيد عباس والسلطة وفتح على التمثيل الرسمي للمنظمة هو أيضا طبيعي وله مبرراته المنطقية والواقعية في ظل وجود حماس كقوة أثبتت وجودها على الأرض وبهرت الناس والشعب بأدائها (فازت في الانتخابات التشريعية 2006 وشكلت الوزارة، مسيطرة على إقليم غزة منذ فتنة "محمد دحلان - نصر يوسف - تينت"، قصفت تل أبيب والمستوطنات وزغرد لذلك خصومها قبل حلفائها، تفوز دائما على كل الفئات والفصائل الأخرى بما فيها فتح أو تتساوى معهم على الصعيد الانتخابي وصناديق الاقتراع للبلديات والجامعات والجمعيات، لها تاريخ نضالي حاشد بالتضحيات والانتصارات ويرى الشعب الفلسطيني أنها قدمت قادة الصف الأول وأبناءهم وذويهم، تواصل التقدم على كل الصعد المحلية والإقليمية، صار يزورها ويؤيدها زعماء ووزراء ومتضامنون رسميون وغير رسميين، استطاعت رغم استمرار الحصار والحروب والاستهداف أن توفر حدا معقولا من الاكتفاء والاستقرار لغزة التي تحكمها في أحلك الظروف.. كل ذلك وسواه في مقابل ما تعانيه وما تفتضح به السلطة في الضفة!!).. وإذن فتخوف قيادة المنظمة من رواج حماس وقدراتها واتساع رقعة علاقاتها باطراد هو وضع طبيعي.. بالأخص إذا جمعنا مع هذا المشهد ثورات الربيع العربي التي عززت حماس واتجاهها وعلاقاتها وتحالفاتها.  ثالثا: حماس ليست زاهدة ولا بعيدة عن الوصول لقيادة المنظمة وحمل مسؤولية التمثيل الرسمي للشعب الفلسطيني، بل هو مطلب وأمل لها ولأنصارها الذين يعترضون على المنظمة ومواقفها وتنازلاتها وطريقة إدارتها.. لكن الأهم من هذه الرغبة هو أنها تطلب الأمر من بابه الشرعي – صندوق الاقتراع – وأنها لم تطلب من أحد أن يتصدق عليها بهذا التمثيل، ولم تقطع طريق أحد عنه باتفاق أو بتنازل أو بإغراء أو بإغراق لا خفي أو صريح، والأهم أيضا أنها لم تنازع في هذه المسألة أحدا في أي وقت.. أما سوى ذلك مما يقال في سياق المناكفات الإعلامية.. فخصومها أدرى الناس بعدم صحته.  رابعا: ولكن تهديد شرعية المنظمة، هو ما يفعله الذين يمثلون هذه الشرعية عندما يجعلونها سببا لاستمرار الحصار على غزة والمقاومة، وعندما يستخدمونها في ذم أصدقاء وحلفاء الشعب الفلسطيني والمتعاطفين والمتضامنين معه، وعندما يقبلون أن تعتدي السلطة وفتح تحديدا على قراراتها ولا يدافعون عنها، وعندما تصدر تصريحات عن رئيس المجلس الوطني الفلسطيني "سليم الزعنون" الذي قال ذات مرة وفي اجتماع رسمي للمجلس: "إن السلطة تحاول سرقة قرار المجلس الوطني، وأن أحد أعضاء اللجنة التنفيذية – ألمح لياسر عبد ربه - قال أمامه "بدنا نزور! لأن أبو عمار كان يزور!!) - عمان 21/8/2008 – هذا هو الذي يهدد شرعيتها.. ويهددها أيضا أن تنحاز لفصيل رئيسها في صراعه مع بقية الفصائل، وأن تصدر التصريحات المسيئة للمقاومة والوحدة الوطنية على لسان متحدثيها الرسميين، وأن تتعطل كل محاولات واتفاقات إصلاحها، وأن تجتمع رئاستها ورئاسة السلطة ورئاسة الوزارة ورئاسة الدولة ثم رئاسة فتح في شخص واحد وتنظيم واحد مهما كان هذا الواحد وحيد دهره وفريد عصره أو طنت بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار.. لأن لكل واحدة من هذه الرئاسات معادلاتها وفروقها وهوامشها واحتمالاتها.. الشعب الفلسطيني من حقه وهو يقوم هذه الشرعية أن يتساءل: لأي هذه الرئاسات ينسب القبول الرسمي الفلسطيني بالحد المشاهد من الاحتلال، وبالتنسيق الأمني، وكسر الكثير من قواعد العمل السياسي والنقابي، واستبدال حق تقرير المصير بالرأي العام الدولي وما تسفر عنه المفاوضات، ومشاركة - فياض – كرئيس وزراء رسمي في مؤتمر هيرتزيليا الصهيوني.. وكل هذا وغيره من المفاهيم المقلوبة والمنقلبة على الشرعية؟  آخر القول: من حق قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أن تتخوف على بقائها في الشرعية الفلسطينية، لأن الشرعية إنجازات وقناعات ؛ وليست دعاوى من دون بينات، ولكن الذي ليس من حقها ولا منطق لها فيه: هو أن تعلق خوفها وإرهابها هذا على مشجب غيرها أو تستخدمه ذريعة لإبقاء الحصار على غزة.

468

| 25 أبريل 2013

حقوق المرأة أقدس من أن نتنازع عليها !!

أقرت هيئة الأمم المتحدة في 19/3 الماضي وثيقة تتعلق بالمرأة تحت عنوان "إلغاء ومنع كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات"، الوثيقة تتكون من 18 صفحة وهي وثيقة تعنينا بالتأكيد، لأنها تتعلق بنا كثقافة ثم كإطار عالمي مرجعي لحقوق المرأة ولأننا لسنا في جزيرة معزولة عن العالم، ثم إن دولنا شاركت في مؤتمرها بوفود رسمية.  هذه الوثيقة ورغم عنوانها الجميل إلا أنها تخل بالشريعة الإسلامية في كل بند من بنودها وتعطي الانطباع بأنها تستهدف الثقافة الإسلامية كما وكيفا وبشكل صريح.. من بنودها وعلى سبيل المثال: التساوي في الميراث بين الذكر والأنثى، إلغاء التعدد، وإلغاء العدة التي تمكثها المرأة من دون زواج بعد الطلاق أو وفاة الزوج، إلغاء ولاية الأب في تزويج ابنته، إلغاء المهر، إلغاء إنفاق الرجل على الأسرة، السماح للمرأة بأن تتزوج بمن تشاء دون التفات لفرق الدين، سحب سلطة التطليق من الزوج ونقلها للقضاء، اقتسام كافة الممتلكات بعد الطلاق، إلغاء حق الزوج في أن تستأذنه زوجته إذا أرادت السفر أو العمل أو الخروج أو استخدام وسائل منع الحمل، منح الفتاة الحرية الجنسية في الممارسة وفي اختيار الشريك، وما إن أرادتها علاقة طبيعية أم شاذة، توفير وسائل منع الحمل للمراهقات وتدريبهن على استخدامها، إباحة الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه - تحت اسم الحقوق الجنسية والإنجابية - مساواة أبناء الزنا بالأبناء الشرعيين مساواة كاملة في كل الحقوق.. إلى غير ذلك من المخالفات التي هي إفرازات المجتمعات المتحللة والقائمة على الإباحية والتي لا تليق بمجتمعاتنا القائمة على الشريعة الإسلامية والطهارة وحماية النسب والعرض وصون المرأة عن الاستغلال وعلى عدم الاعتراف بالزنا.  هذه الوثيقة استنكرها الأزهر الشريف واستنكرها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيانين منفصلين، كما تحفظت عليها دول كثيرة، منها إيران ومصر والسعودية وقطر وليبيا ونيجيريا والسودان، بالإضافة إلى هندوراس والفاتيكان.  العجيب والغريب أن من المسلمين أو المحسوبين على الإسلام والعمل السياسي والمتصدرين للدفاع عن حقوق المرأة في بلادنا من صرح بأنه معجب بها وزعم أنها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية وأنها تحظى بالإجماع.. ثم خاضوا في سبيل الدفاع عنها حربا إعلامية واستماتوا في محاولة ترويجها وتقبيح رفضها أو الاعتراض عليها.. وأقول:  1- يذكرنا المدافعون عن هذه الوثيقة والمروجون لها بقوله تعالى: (واللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا). 2- المنافقون – وحاشاكم الله وأجلكم – ومهما تخفوا وراء الشعارات البراقة ودعاوى الحقوقية والأخلاق والإنسانية لا بد أن تأتي لحظات ومواقف بعينها تكشفهم.. وتكشف أهدافهم وقناعاتهم الحقيقية.. حدث ذلك مرات في زمنه، صلى الله عليه وسلم، واليوم هذه واحدة من الكواشف عمن يريدون إخراج المرأة من عفتها وطهارتها إلى ما يريدون من الفساد والفاحشة، والله تعالى يقول: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون). 3- إذا كان المدافعون عن حقوق المرأة – أقصد هؤلاء تحديدا - لا يفهمون الشرع ولا يعرفون حدود الحلال والحرام فيه، فإن موقف الأزهر الشريف واتحاد علماء المسلمين، إضافة للجماعات والجمعيات الإسلامية والنخب والاتجاهات والمستقلين الذين استنكروا هذه الوثيقة البائسة ورفضوها علامة لهم وحجة عليهم. 4- ونتساءل: لماذا يصرون على أن تكون حقوق المرأة موضع نزاع ومصادمة للدين؟ هل يطمعون أن يؤدي ذلك لنبذ الإسلام؟ أم يظنون أن علماء الإسلام سيخجلون مما شرع الله فيحرفونه كما فعلت يهود؟ أم هم بالفعل مقتنعون بأن الإسلام أخطأ في حق المرأة وأن أخلاقه وطهارته لا تناسبهم ولا تناسب المرأة التي يدافعون عنها؟ فإن كان الجواب في الأولى لا، وفي الثانية لا، وفي الثالثة لا.. فالأكيد إذن أنهم مجرد منتمين لثقافة غير واقعية وأنهم يعيشون في أوهام حقبا تاريخية غابرة تكونت أساسا على التصادم مع الإسلام والتحلل ثم قلبها الوعي وعفت عليها الصحوة الإسلامية ولم تعد مناسبة لعصرنا. 5- ولنا أن نتساءل كيف وصل هؤلاء إلى المواقع والمنابر والجمعيات التي يتبوأنها؟ وإن كانوا وصلوا تحت جناح الأنظمة المتهرئة التي ترعرعوا في ظلالها ورضعوا لبانها فهل يجب أن يظلوا حيث هم بعد الثورات العربية التي أسقطت تلك النظم وبعد أن صارت للشعوب كلمتها ورأيها وثقلها؟  آخر القول: إن قضية المرأة وحقوقها أقدس وأعظم من أن يخترقها المشبوهون فكريا، المشوهون خلقيا، وإن بعض جمعيات ومجالس حقوق المرأة في بلادنا لا تعبر عن الأمة وثقافتها ورسالتها وعقيدتها وشريعتها؛ فإن أراد هؤلاء أن ينصفوا المرأة حقيقة، فليعتزلوا عن إدارة حقوقها؛ أو ليعزلوا هذه القضية عن أن تكون موضع نزاع فكري تحمّل عليه التناقضات السياسية والرغبة في التغريب والتخريب.

648

| 18 أبريل 2013

في ظل الحكومة الجديدة .. لبنان إلى أين؟

حالة الاستقطاب السياسي والفئوي الحاد في لبنان وتغلغل الحالة السورية في أخص خصوصياته الأمنية والسياسية إضافة للتهديد الصهيوني والحرب الأهلية التي استمرت أكثر من خمس عشرة سنة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي والتي لم تجف ذكرياتها وإفرازاتها الحزبية والولائية وما وصلت الأحداث إليه من اغتيالات مستهدفة وتمردات على الجيش واشتباكات على الحدود مع سوريا وأخيرا سقوط حكومة "نجيب ميقاتي" بعد انتقال الأكثرية إلى أقلية وبالعكس.. على خلفية هذا الكم الهائل والمعقد والشائك والمفتوح على كل وعلى أسوأ الاحتمالات اعتمد البرلمان اللبناني بأغلبية 80 عضوا من الـ128 السيد "تمام سلام" الذي ينتمي لتيار المستقبل لتشكيل ورئاسة الحكومة القادمة. السيد "سلام" صدرت عنه تصريحات يمكن أن تكون مطمئنة، وأن تفتح نافذة أمل في أن يستطيع المرور بلبنان إلى بر الأمان شريطة أن يظل مقبولا لدى الفريقين وأن يكون قاصدا ما صرح به ويصر عليه.. فقد أعلن أنه يميل إلى التوافق وأنه يأخذ بالحسبان خطورة الحالة الراهنة.. لكن وفي كل الأحوال لا يمكن أن يكون رئيس الوزراء الجديد وحده ومهما كانت وسطيته وحرصه على التوافق الرهان الوحيد لهذا المرور الآمن ما لم يحسن الفرقاء اللبنانيون المختلفون والمتداخلون الإقليميون والخارجيون المتناقضون تقدير الموقف ويتنبهوا لخطورة الحالة اللبنانية وأولوية الاستقرار في هذه المرحلة وما لم يتجنبوا الانزلاق إلى مستنقع الكيدية السياسية في تشكيل الحكومة وفي التعاطي معها ومع الملفات المتفجرة بين يديها.. وأقول: أما السيد "سلام" وبصفته ودوره الجديد فإن عليه أن يخرج من كولسات تياره السياسي "المستقبل" ومقتضيات تحالفاته الإقليمية غير البريئة.. وأن يتجنب المنازعات وتصفية الحسابات القديمة مع المقاومة وسلاحها مهما كان موقفه السابق وقناعاته تجاه هذه القضية.. وذلك لسببين؛ الأول؛ أن ملف المقاومة وسلاح الحزب ملف تناقض لا توافق، والثاني: أن هذا الملف يمكن تأجيله بالأخص مع وجود العدو الصهيوني وغدراته واختراقاته المستمرة.. فلا يجوز أن يسقط هذا العدو من الاعتبار في أي وقت وتحت أي ظرف لا مع لبنان ولا مع غيره وقد أثبتت التجربة والتاريخ القريب أن ما يستطيع أن تقوم به المقاومة الشعبية كحماس وحزب الله في مواجهة العدو لا تستطيعه لا الدولة اللبنانية ولا السلطة الفلسطينية وربما ولا غيرها من الدول والجيوش الرسمية.. هذه المعادلة التي جمعت حزب الله بالوطنية اللبنانية ثم بمواجهة العدو الصهيوني لا يجوز أن تمس مهما ادعى رافضو سلاح الحزب غير ذلك ومهما رفعوا من اللافتات التي تتجاهل هذه الخصوصية التخوف أن تغري تبدلات الوزن السياسي والشعبي لصالح فريق رئيس الحكومة الحالي في لبنان، وظواهر تحالف تيار المستقبل مع الثورة السورية، ونشوة ما تحقق من انتصارات وربما تسقط النظام السوري قريبا، إضافة للضغوطات من هنا وهناك "من أمريكا وإسرائيل ومن تبقى من دول الاعتدال العربي تحديدا"، أن تغري السيد "سلام" بالاحتكاك بسلاح الحزب، غافلا عن خصوصية الحالة اللبنانية، ومتجاهلا قوة الحزب الحالية واحتياج لبنان لها في هذه المرحلة على الأقل.. فإن انهزم الحزب فلن يكون إلا لصالح إسرائيل في المنطقة، وإن تكن الأخرى فهي الفتنة والحرب الطائفية التي قد تمتد تداعياتها وتفاعلاتها خارج لبنان. هذا ما على رئيس الحكومة الجديد وعلى فريقه، وفي مقابله فإن على الحزب وفريقه وداعميه في المقابل ألا يعطوا مبررا لأحد أن يتآمر عليهم أو أن يستهدفهم، وعليه أن يخرج سلاح المقاومة من نتن الصراع المذهبي، ومن مكرهة المناكفات الحزبية، ومن مغامرات الرهان على طول عمر النظام السوري الفاسد البائد الفاشي المتلاشي، وألا يجعل سلاحه الثوري المقدس أداة لتهديد الداخل اللبناني أو التأثير على نسبه ومقوماته.. هذا وإلا فما رأيناه حتى الآن من خسارة الكثير من الوجاهة الوطنية والثورية والإسلامية ومن تفرق الحلفاء والرأي العام عنه خير شاهد ومحذر.. على الحزب إن شاء أن يحتفظ بسلاحه أن تكون نظرته أبعد مدى، وأن يحتفظ ببقية من قيم الوطنية واللياقة الثورية، وأن يعتزل التطرف الشيعي الذي جمع إيران والنظام السوري ونظام نوري المالكي العراقي، وعليه أن يرى هذا التحالف الشيطاني الاستبدادي العفن كما هو عليه من الحقيقة وعلى أرض الواقع، وعليه أن يكون صريحا في إعلان نفسه جزءا من الحالة اللبنانية ثم القومية، وأن يستعيد خطاب المقاومة، وأن يرمم علاقته مع الثورات العربية وطموحات الثوار.. فالمفاهيم الثورية لا تتجزأ ولا يمكن أن يكون أحد أو حزب ما ثوريا ضد ظلم ومتعاطفا، بل متحالفا مع ظلم آخر. سيكون الحزب ساذجا إذا توهم أن دعمه للنظام السوري سيطيل عمر هذا النظام، أو سيؤخر سقوطه في مواجهة الشعب السوري وثورته الممتدة في طول وعرض سوريا ومدنها ومحافظاتها، وبعد أن وصلت إلى المزة وجوبر والمهاجرين والحجر الأسود بدمشق.. ويجب أن يفهم أن النظام السوري لا تنقصه العدة العسكرية ولا البشرية ولكن تنقصه الشرعية الوطنية والأخلاقية، وعليه فلو قدم الحزب للنظام كل العشرة أو العشرين ألف مقاتل الذين لديه فلن يغير قدره وما بات يحيق به. يجب أن يفهم الحزب أن قوة منطقه في الدفاع عن سلاحه ومقاومته إنما تحصلت من أخلاقية مواجهته الاحتلال الصهيوني، وأنه سيبددها ويخسرها إذا نقلها من هذه المواجهة المقدسة إلى مواجهة نتنة عفنة ظالمة مدسسة – كما نرى - ضد شعبه وضد الشعب السوري وضد الثورات المصرية والليبية والتونسية واليمنية وضد الربيع العربي وضد نتائجه وفكرته، وكما نرى في الافتراءات على "الإخوان المسلمين" التي صار لا ينفك يرددها ويخترعها ويحرك فيها إعلامه ليل نهار.. فإن أصر إلا الاعوجاج وإلا الجري وراء الطائفية وولاءاتها وأزماتها فإن عليه أن يلاحظ فروق الوزن النسبي في الدعم والتأييد السياسي الذي أسقط حكومته "ميقاتي" وأن يقارن ما آل إليه حاله بما كان عليه عامي 2000 و2006. آخر القول: يجب أن يمر لبنان من المرحلة الحالية دون خسارات أكبر.. وليس أمام رئيس الوزراء الجديد "تمام سلام" إلا أن ينجح في مهمته، وعلى الفرقاء اللبنانيين أن ينجحوا في توفير أجواء التفاهم وأن ينعزلوا بهموم لبنان وحاجاته عن التجاذبات الداخلية والتناقضات الخارجية.

467

| 11 أبريل 2013

المبادرة القطرية بين قبول حماس وتردد فتح

في مؤتمر القمة العربية الأخير اقترح سمو أمير قطر عقد قمة عربية مصغرة في القاهرة في أقرب فرصة ممكنة برئاسة مصر الشقيقة وبمشاركة من يرغب من الدول العربية إلى جانب قيادتي « فتح » و« حماس »، ورأى سموه أن تكون مهمة هذه القمة تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية وفقاً لخطوات عملية تنفيذية وجدول زمني محدد، وعلى أساس اتفاقي القاهرة 2011 والدوحة 2012 ».. ودعا سموه أن يشمل هذا اللقاء الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية من المستقلين للإشراف على الانتخابات التشريعية والرئاسية والاتفاق على موعد إجراء تلك الانتخابات ضمن فترة زمنية محددة وأن " من يتخلف أو يعرقل فسيتحمل مسؤوليته أمام الله والوطن والتاريخ ". وأقول: إن دعوة سمو الأمير هذه إنما تأتي انسجاما واتساقا مع مواقفه العروبية والأخلاقية المستمرة من الشعب ومن الهمّ الفلسطيني، واستشعارا من سموه بخطورة استمرار الانقسام وانعكاسات ذلك على القضية ومستقبلها.. وبالتدقيق في هذه المبادرة وفيما ورد بها من محددات نجدها قد حملت كل أسباب نجاحها بقدر ما نفت كل أسباب ومداخل الاعتراض عليها أو التلكؤ من أي طرف في قبولها ؛ فالمبادرة أبقت لمصر دورها وقيادتها حتى لا يزعم أحد أن قطر تحاول الالتفاف على دور مصر، والمبادرة أفسحت المجال لمن يشاء أن يشارك فيها من الزعماء حتى لا يتذرع أحد بأنها احتكارية أو يثير من حولها الشكوك والشبهات، والمبادرة جعلت مرتكز المؤتمر على الاتفاقات السابقة في القاهرة ثم في الدوحة.. حتى لا يتذرع أحد بأن الاتفاقات السابقة تكفي أما حركة حماس وعلى لسان متحدثيها الرسميين كالدكتور سامي أبو زهري فقد أعلنت فورا وبدون تردد ولا تلكؤ قبولها بالمبادرة، فيما ترددت حركة فتح فمرة قبلتها على لسان الرئيس محمود عباس أمام مؤتمر القمة العربية الأخير، وبعد يومين رفضتها على لسان عزام الأحمد ونمر حماد بذريعة أن الاجتماع مع حماس في قمة عربية ينتقص من التمثيل الرسمي للرئيس عباس، ثم عادت وقبلتها مشروطة بالمحافظة على ميزة عباس في المؤتمر كرئيس لا كمدعو على قدم المساواة مع ممثلي حماس.. وراحت تطلق – كما نرى - متحدثيها ورموزها يسوقون على المبادرة أطنان الاعتراضات والتشككات والشروط والملاحظات.. وأقول:  واضح أن المبادرة القطرية قد حشرت حركة فتح في الزاوية وكشفت إلى حد بعيد موقفها الحقيقي من المصالحة والتخوف من عقابيلها.. ولقطع الجدال حول هذه الحقيقة التي يعرفها الشعب الفلسطيني أُذكّر بجملة الحقائق الآتية التي رصدها الشعب الفلسطيني منذ الانقسام ؛ 1- المصالحة كانت دائما مطلبا لحماس فيما كانت فتح ترفضها ونتذكر كيف ظلت سنتين بعد الانقسام تقول لا مصالحة مع الانقلابيين.. 2- الأربع مرات التي قبلت فيها فتح بالمصالحة كانت في كل مرة قد خسرت رهانا ما كانت تراهن عليه ضد حماس أو كانت تناور إعلاميا لنفي تهمة.. فالانطلاقة الأولى كانت بعد حرب الفرقان في 2009 وبعد أن سقط رهان هزيمة حكومة حماس وإخراجها من اللعبة السياسية بالقوة الصهيونية، والانطلاقة الثانية كانت في مطلع 2011 بعد سقوط نظام حسني الذي سقط معه الرهان على حيفه وجوره وانحيازه وتحكماته فيما سمي (الوثيقة المصرية)، والانطلاقة الثالثة كانت في أواخر العام 2011 بعد صفقة شاليط التي حققت من خلالها حماس رواجا منقطع النظير أمالت به الكفة الوطنية والثورية لصالحها فجاءت تلك الانطلاقة كمناورة من فتح لاستغفال الرأي العام وللدخول في طرف صورة ذلك الانتصار.. أما الجولة الحالية والأخيرة فهي التي انطلقت بعد حرب (حجارة السجيل) وبعد قصف حماس تل أبيب ومستوطنات الضفة وفرضت شروطها لإنهاء الحرب ما فهم محاولة من فتح لامتصاص النقمة الشعبية على موقفها السلبي من حماس.. 3- بعد كل نجاح في جمع الفرقاء للمصالحة كانت تستجد مشكلتان وكلاهما من جهة فتح؛ الأولى: إطلاق العدو وأمريكا إغراءات وتطميعات بمفاوضات مجدية واعتقاد السلطة وفتح بأنها ستكون مختلفة عما سبق لعشرين سنة فتتعثر المصالحة، والثانية: انطلاق حملات الاعتقال والملاحقة الأمنية ضد حماس وتصريحات عدوانية تبدد ما سبق أن تحصل.. 4- لا بد من الإقرار بأن المصالحة بالنسبة لفتح والسلطة ليست حلا لا بالنسبة لوضعها الداخلي ولا بالنسبة لالتزاماتها مع العدو بل هي مشكلة حقيقية لا تستطيع حلها وسلعة غالية جدا لا تملك دفع ثمنها؛ فالسلطة مكبلة باتفاقات ملزمة لا تستطيع تغييرها، وهي تحت الاحتلال المباشر وقياداتها من الرئيس إلى أصغر موظف فيها يعترفون بأنهم لا يستطيعون التنقل بين مدينتين إلا بإذن (إسرائيلي) بينما تتشكل أجهزة أمنها من فئة ما يسمى بـ" الفلسطيني الجديد " الذين صنعهم الجنرال الأمريكي (كيث دايتون) والذين يسيطر عليهم ويحركهم (سلام فياض) الذي لا تملك حركة فتح عليه حولا ولا طولا، وبينها وبينه – خصوصا هذه الأيام - ما صنع الحداد.. هذا كله فضلا عن أن تنظيم فتح مكشوف وأن من السهولة الوصول لقياداته إضرارا واستهدافا.. أقول: إذا أرادت فتح أن تنفي هذه الحقيقة فإن عليها أن تجيب على ثلاثة أسئلة بعيدا عن كل التهويشات الإعلامية؛ الأول: هل تستطيع أن تفرض على أجهزة سلام فياض وعلى العدو دمج قوات حماس في بنيتها التنظيمية والإدارية؟ والثاني: هل تستطيع أن تغطي قصف تل أبيب لو فكرت حماس في ذلك بعد المصالحة؟ والثالث: هل تستطيع أن تعيد لحماس مؤسساتها الخيرية والمجتمعية وأموالها المصادرة؟ فإن كان الجواب في المرات الثلاث (لا) فالحقيقة بكل موضوعية وبساطة أنها أو أنهما (حركة فتح والسلطة) لا تريدان المصالحة ولا تستطيعان دفع ثمنها وإنما تريدان جهودا إعلامية مقطعة ودعاوى للوحدة الوطنية غير ناضجة ولا ملزمة.. 5- في المقابل فإن حماس قادرة على دفع ثمن المصالحة؛ فهي قادرة على دمج فتح في أجهزتها الأمنية إن أرادت، وقادرة على إدخالهم لغزة إن أرادت، وقادرة على تغطيتهم عسكريا وأمنيا وسياسيا إن أرادت، وهي لا تخشى انتفاضة ثالثة بل ترغب فيها وتعمل على إطلاقها أيضا.. لهذا كله وإضافة لما تتحمله من جهود ونفقات ومعالجات في إدارة غزة وما تتعرض له من حصار يمكن أن تفككه المصالحة؛ فهي ترغب فيها وتعمل على استثمار وتكبير أي فرصة لها، ولذلك أيضا سارعت لقبول المبادرة القطرية.  آخر القول: لقد وضعت المبادرة القطرية النقاط على الحروف وعلى أشقاء الشعب الفلسطيني وأصدقائه أن يصروا عليها.. ونتمنى من حركة فتح أن تقبلها وأن تتوقف عن التلكؤ في قبولها وعن محاولة قصقصتها وتحريفها والتملص من إلزاميتها - كما تفعل حتى الآن وللأسف.

403

| 04 أبريل 2013

البوطي .. هل ندعو له بالرحمة؟

مساء الخميس الماضي 21 / 3 / 2013 نقلت وسائل الإعلام أخباراً وصُوَراً عن مقتل الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي" وآخرين في تفجير استهدف مسجد الإيمان بدمشق؛ وللتنويه فالشيخ البوطي كان من أكبر علماء الشام الأحياء، أما موقفه من النظام السوري والثورة الحالية فقد كان هو والمفتي أحمد بدر الدين حسّون من أكثر مشايخ سوريا حماسة لبشار الأسد ونظامه وإدانة للثورة حتى إنه قال قبل أسابيع من مقتله - " إنّ الأسد وجنوده وضباطه في جهادهم ضد الإرهاب والتآمر لا يقلُّون منزلةً وأجراً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تصدَّوا للردة! " .. بعد مقتل الشيخ تكلم أناس من النخبة والكُتاب فضلا عن دهماء الناس وعامتهم في ذلك وخاضوا واختلفوا في قتله بين مجيز قتله بحد الحرابة باعتباره يؤيد قتلة شعبه ويخرب بفتاواه الإصلاح الثوري، أو مجيز قتله باعتبار الخلاف معه عقديا ودينيا وفقهيا كونه يؤيد نظاما طائفيا نصيريا محكوما عليه لدى جمهرة علماء الإسلام بالكفر والردة، ومنهم من لم يجز قتله معتبرا فتاواه اجتهادا من مؤهل إن أصاب وإن أخطأ .. الناس اختلفوا أيضا في نسبة المسؤولية عن القتل ؛ فمنهم من نسبها للثورة تماشيا مع دعوى النظام ومؤيديه، ومنهم من نسبها للنظام .. حتى اشتبك حق قليل بباطل كثير .. ما يقتضي وضع النقاط على الحروف في هذه المسألة التي قد تتجاوز ذات يوم الشيخ البوطي والثورة السورية بل وكل سوريا، وقد تشوه المفاهيم التي لا يجوز أن تختلط أو أن يُشتط في تأويلها ..  وقد رأيت أن أوضح جملة من الملاحظات هي في نظري حقائق ومحددات تصلح معيارا في هذه القضية وفي سواها مما قد يخبئه القدر .. وأقول:  ثمة حقيقة لا بد من توضيحها وتأكيدها تحوطا منذ البداية ؛ وهي أن هذه القضية التي نتناولها لها شق علمي دقيق مبني على فهم أصول الفقه وليست قضية انطباعية أو مجرد ثقافية، ثم إنها تتعلق بعالم من علماء الإسلام المعاصرين وأهل الرأي فيهم ما يعني أن الحكم عليه قد ينساب على غيره من علماء يحكمون في الخلافات ويقودون الرأي العام، وتتعلق بدم فالكلام فيه على غاية من الخطر والمسؤولية، ثم إن القضية في بعض أطرافها مختلطة وما يعلمه أحد ليس بالضرورة يعلمه كل أحد .. وعليه فلا بد من الموضوعية ومن البعد التخصصي في التناول ؛ كما لا بد من فرز الشبهات على الحقائق، وتشخيص الحالة والتوصيف لإنزال الأحكام منازلها ..  وأقول: إن الخلاف بين البوطي والثورة السورية خلاف على تقدير الموقف ثم جر وراءه خلافا حول الموقف ذاته.. بمعنى أن البوطي نظر للثورة وتقدير المصلحة من زاوية غير الزاوية التي ينظر منها العلماء الذين كان يختلف معهم "حولها .. وما سمعناه منه من موقف ومن تبريرات في تأييد النظام إنما كان يدور في محيط المصالح والمفاسد وليس حول حقائق العقيدة وأصول الأحكام .. أما الثورة فقد كانت في نظره عملا مدسسا بالخيانة واللاوطنية .. وبصرف النظر عن هذا التقدير – والله حسيبه – وبصرف النظر عن كونه مجرد استجابة لدعايات النظام في حربه على الثورة .. فإن الخلاف الذي بنى عليه موقفه السياسي هو خلاف في توصيف الحالة وفي تحقيق المناط - كما يقول الأصوليون – وخلاف في تنزيل النصوص على الوقائع وبالتالي فهو خلاف سياسي وليس مخالفة في أصل عقائدي أو فقهي..  جدير التنويه إلى أن البوطي في فهم السياسة ليس بالضرورة هو ذات البوطي الذي ألّف كتاب " ضوابط المصلحة في الفقه الإسلامي " وألف كتاب " المرأة بين طغيان النظام الغربيّ ولطائف التشريع الربانيّ " ولا هو البوطي الذي كتب في السيرة وفي الحضارة وفي الفكر.. ولكنه البوطي الذي رأى نظاما داعما للمقاومة ومعاندا للمشروع الصهيوني والأمريكي في المنطقة ورأى في مقابل ذلك ثورة تقاتله وتريد إسقاطه ودولا وأحزابا تدعمها كان بعضها إلى وقت قريب في المربع الصهيوني.. فانطلت عليه الحيلة وصدق أبواق النظام ولم ير المشهد العام بفروقه وتفاصيله ..  مشكلة البوطي وبوطينيين غيره أنهم لا يحدّثون معلوماتهم ولا يراجعون قناعاتهم، وأنهم يأخذون من رصيد النظام الفاجر في ملف المقاومة إلى ملف الاستبداد فيغسلون الثاني بالأول .. مشكلته أن قناعاته ظلت واقفة عند مشهد تحالفه مع مصر في 1973، ومشهد دعمه لحماس وحزب الله بالأخص في حربي 2006، 2008 ولم يتنبه إلى أن من الدول التي كانت تدعمه وكانت وإياه في خندق المقاومة انصرفت عنه بعد أن صار يقتل شعبه ويهلك الحرث والنسل، ولم يلحظ ابتعاد حماس عنه، كما لم يتنبه إلى أنه استعاض عن كل هؤلاء بالنظام الطائفي البغيض المركب أمريكيا في العراق، السؤال: هل البوطي وحده من وقع في هذا المستنقع؛ أم أن قيادات فكرية ومقاومية ومتخصصة لا يشك في إخلاصها وقعت مثله أو ترى ضرورة الصبر عليه كما الصبر على نظم أخرى قد تكون أكثر استبدادية فوق أنها متهرئة وطنيا وقيميا وأخلاقيا ودينيا.. وإذن فالبوطي عالم متأول والخلاف معه فقط في زاوية النظر .  ذلك يعني ألا نسمح بأن يُنصِّب عامي من الناس وممن لا يحسنون النظر الشرعي مهما كانت ثقافاتهم الأخرى – أنفسهم قضاة بين العلماء يحكمون على آرائهم واجتهاداتهم ويفرحون بمقتلهم .. فمن يتكلم اليوم في البوطي لا يبعد أن يتكلم غدا فيمن هم أطهر وأشرف وأحسن منه وعندها لن يستطيع أحد تعليمهم أو الاعتراض عليهم أو ردهم.. فالعامة لا يجوز أن يصلوا حدود الحلال والحرام ومواطن المشتبهات (وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) ...  أما عن المسؤولية عن قتله ومن تنسب له هذه الجريمة فالله تعالى وحده يعلم من الذي سيتحمل دمه وخصومته يوم القيامة ؛ ولكن الخبراء في هذا المجال عادة ما يطرحون أسئلة تقرب الاشتباه والاتهام ؛ فيسألون عن المستفيد من الجريمة؟ ويسألون عن دلالات التوقيت والمكان والطريقة، وإن كانت الجريمة لها علاقة بالرأي العام فيسألون عن أثرها على هذا الرأي العام حسب تصور الجاني..  وبنظر ذلك يمكن القطع الثورة السورية ليست المستفيد من قتله بقدر ما إنها لم تكن متضررة من حياته.. فالرجل لم يتسبب في انهيارات فكرية وثقافية في صف الثورة لتقرر قتله درءا للفتنة ولم يقدم غراما واحدا من الشرعية للنظام؛ ليس منذ الثورة الحالية بل قبل ذلك منذ مجزرة الإخوان على يد الهالك حافظ وأخيه رفعت أسد مطالع ثمانينيات القرن الماضي.. البوطي أيد الهالك إذ ذاك ومن يومها لم يعد له تأثير إلا على شريحة الكسالى والمترخصين والمغفلين من الناس الذين يبحثون عن الذرائع للتخلف والمبررات للركون إلى الخوف.. وعليه فلا يتوفر لدى الثورة السورية الداعي لقتله!! حتى القاعدة ومع بسر فهمها وعسر منطقها فهي لم تعلن مسؤوليتها عن قتله وقد اعتادت أن تفاخر بعملياتها لا أن تنكرها!!  في المقابل فإن نظام بشار أسد هو المستفيد من هذه الجريمة بل هو المستفيد الوحيد .. إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه بات يلعب بآخر أوراقه (الكيماوي والإرهاب والأكراد..) قتل البوطي يأتي في سياق اتهام الثورة بالتطرف والإرهاب وأنها لا منطق ثقافيا لديها؛ ذلك في نظر النظام ومن يسمعون خطابه يشوه صورتها ويخيف الناس مما ستأتي به من ثارات ودماء وأنها لا ترعى مسجدا ولا عِلما ولا عالما ولا حرية رأي ولا اجتهادا ممكنا.. ثم إن الشيخ البوطي " كردي العرق " ولبعض الأكراد اعتراض بل اشتباك مع الثورة ومصلحة النظام في إثارتهم وتمكينهم من حجة لدى بني جلدتهم بادية جوهرية ..

1136

| 28 مارس 2013

هل أفاقت حركة فتح أخيرا؟

استقالة وزير مالية رام الله "نبيل قسيس" ألقت الضوء على عمق الأزمة والشكوك المتبادلة بين ديوان الرئيس عباس ومكتب رئيس وزارته في رام الله "سلام فياض" وأثارت الكثير من التداعيات وتصاعد المنافكات بينهما.. أعضاء مركزية " فتح " وعلى خلفية هذا التصعيد سارعوا إلى عقد اجتماع مع عباس فور عودته من الأردن وأخبروه بضرورة ثني "الوزير قسيس" عن الاستقالة وأنهم ينوون تقديم استقالات جماعية للضغط على فياض في حال لم تتم تسوية هذه القضية؛ إلا أن عباس رفض موقفهم. النائبان عن حركة "فتح" جمال أبو الرُّب ونجاة أبو بكر اتهما فياض بالتعجرف والتعالي على الرئيس وبأن تعاطيه – أي فياض - مع الأزمة برمتها كان غير مقبول وغبر مبرر، وأضاف أبو الرُّب: "نحن في "فتح" طالبنا الرئيس عباس صراحة بمعاقبة فياض بسبب تجاوزه للأعراف الدبلوماسية.    وأقول: بداية لا بد من توضيح أن وزير المالية بأصل دوره ووظيفته يراقب ويتحكم في حركة الأموال الداخلة للسلطة والخارجة منها، وهو ما لم يرق لسلام فياض الذي كان يمارس عليه التكبيل ويخلق أمامه العقبات ويتجاهل صلاحياته ويعتدي على صلاحياته ويبرمج المدراء العامين بوزارة المالية الذين يدينون له بالولاء – أي لفياض - في هذا الاتجاه، وإنما كان يهدف إلى إيصاله للاستقالة من أجل أن يعود إليه ملف المالية الذي كان معه قبله والذي لم يتخل عنه إلا بعد ضغوط كبيرة وشديدة من حركة "فتح" التي كانت تتهمه دائما بأنه يبتزها ماليًّا.     الأصل أن استقالة وزير مالية أو حربية لم تكن لتثير كل هذه الخلافات والتراشقات الإعلامية بين فريقين يفترض أنهما متحالفان لأكثر من سبب وخشية أكثر من نتيجة.. ولكن واضح أن "سلام فياض" لم يعد ذلك الموظف أو الواجهة المعني بمجاملة حركة فتح أو بالتنازل لها، وواضح أيضا في مقابل ذلك أن حركة فتح بدأت تستشعر الاستهداف من هذا الرجل ومن فوقه الاحتلال فصارت هي أيضا لا تفرط بالقليل الذي قد يغري بالكثير.    والحقيقة أن صراعا مستحكما بين ميزانين وفريقين بدأ يتطاير شرره خارج الكواليس؛ أحد هذين الفريقين هو حركة فتح ليست قيادتها الرسمية ولكن قواعدها الثورية والشعبية وما تبقى لها من أجندة وطنية يعتقدون أنهم من أضفى على السلطة الشرعية والوطنية وأنها بالتالي يجب أن تظل ملك أيمانهم وتحت أيديهم.. الفريق الآخر هو الاحتلال الذي يريد أن يضرب ضربته الأخير لفتح وللشعب الفلسطيني بتجيير السلطة له على التمام والكمال لتساعده على خيار تقطيع الزمن وتهويد المزيد دون منغصات أو اشتراطات.    العدو يرى أن على السلطة أن تتأجند في خياراته، ويرى أن الوقت قد حان للدخول في هذه المرحلة؛ يشجعه على ذلك متغيران اثنان قد طرآ لصالحه منذ فترة؛ أحدهما طرأ على فتح، والآخر طرأ السلطة؛ أما على فتح فنزولها عما كانت تمثله يوم منحها المميزات من شرعية وتأثير وقدرة على تسويق الالتزامات والانحشارات التي يلجئها إليها.. وأما على السلطة فوصولها إلى المرحلة الثالثة والأخيرة التي "طبخها على نار هادئة" ويرى أنها هيأت له أن يستعيدها وأن يتخلى عن أية التزامات تجاهها.    أما متغير حركة فتح فخلاصته ثلاثة تحولات ونقائص أصابت الحركة؛ هي 1- فقدانها ما كسبت به شرعيتها في سنوات الأوج من ثورة ووطنية وشخصيات ومواقف ذات ثقل معنوي وخصوصا بعد رحيل عرفات – يرحمه الله تعالى – وما كان يمثله من شخصية محورية وقدرته الاستثنائية على لملمة الحالة الفلسطينية في كل الظروف خلال الخمسين سنة الأخيرة هي كل عمر الحركة حتى الآن 2- أن الذين يقودون الحركة اليوم لم يكونوا مؤهلين لقيادة بهذا الحجم وبهذه الظروف والتبعات ولا مؤهلين لمواجهة احتلال هو أبشع احتلال إحلالي تصفوي عنصري عرفه التاريخ، ومؤهلين لحماية ميراث حركة مترهلة مريضة من تسرقات أعوان الاحتلال داخلها وداخل التوليفة الإدارية المختارة منها للسلطة  3- أن حركة فتح لم تعد تمتلك التفوق العام على الحركات والمنظمات الفلسطينية في ظل وجود حماس والجهاد وفي ظل تغير مفهوم الثورة إلى أكثر من حمل بندقية وتسجيل المواقف، وفي ظل وجود السلطة وتنافساتها وإزاحاتها والعجز عن السيطرة عليها، وفي ظل الانقسام بين شقي الوطن.. العدو يرى هذا المتغير ويرى من ورائه أنه لم يعد يراهن على خدمات فتح فضلا عن أن يلتزم أمامها بشيء.    المتغير الثاني المتعلق بالسلطة؛ هو أنها مرت وبالتوازي مع متغيرات فتح بمرحلتين من قبل وهذه الثالثة من بعد وهي التي نحن بصددها والتي من علاماتها الصراع الذي يحتدم اليوم بين السلطة "المحشّدة والمدعّمة" وفتح "المسنفرة والمخضّعة" المرحلتان السابقتان هما 1- مرحلة تنصيب السلطة تحت فتح لإكسابها الشرعية الثورية والوطنية التي لن تقوم ولن تقبل بدونها فيما هي تقوم بما كانت تقوم به روابط القرى وأعوان الاحتلال 2- مرحلة تخفيض قيمة وقدرة قيادة فتح بإزاحة عرفات وتنصيب الورثة الذين أشرنا لضعفهم وسهولة هزيمتهم ثم ومن خلالهم تعظيم السلطة وتخفيض فتح.. 3- أما المرحلة الثالثة فتتمثل في إخراج السلطة من عباءة فتح وإبقاء هذه الأخيرة مجرد – سكراب قطع غيار - حوالي السلطة لدعمها حين اللزوم من ناحية ولضمان سلميتها معها من ناحية ثانية.. هذه هي المرحلة هي التي كانت في ذهن العدو وطالما حذرت منها حماس والمثقفون الفلسطينيون.    هنا وفي هذه المرحلة الثالثة للسلطة والثالثة الموازية لها في حركة فتح يأتي دور "سلام فياض" وتسليمه مقاليد السلطة بعجرها وبجرها وأبيضها وأسودها.. "سلام فياض" هذا؛ ميزته – بالنسبة للاحتلال - أنه لا حزب له بالمعنى الحقيقي فمن السهل جعل السلطة حزبه، وأنه لا أجندة مناقضة لديه فمن السهل ملؤه بأجندة الاحتلال، وأنه لا امتداد شعبيا له فمن السهل ابتزازه.. كل هذه الميزات لا تنطبق على فتحوي مهما تهرأ في هوى الاحتلال أو تقطع في خدمته.    آخر القول: هل اكتشفت حركة فتح أنها دخلت مرحلة الاستبنة للسلطة؟ وهل تتنبه قبل ولات مندم أن العدو بدأ يحصد سنوات صناعة السلطة وحمايتها والإنفاق عليها.. لست في وارد التشكيك في غيرة أبناء فتح ولا في وارد زيادة متاعبها.. ولكني بالتأكيد أمتلك نصحا أسديه لها وتوقعا لما هو أسوأ أخافه عليها ورأيا في ضرورة المسارعة للتحرك وتصحيح المسار أقدمه لها.

426

| 21 مارس 2013

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

4311

| 29 سبتمبر 2026

نريد إعلاماً بحجم الرياضة الخليجية
نريد إعلاماً بحجم الرياضة الخليجية

لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...

2583

| 02 أكتوبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1173

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1104

| 27 سبتمبر 2026

التوظيف.. بين الوزارات وشركات الوساطة
التوظيف.. بين الوزارات وشركات الوساطة

التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...

1095

| 01 أكتوبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

1089

| 29 سبتمبر 2026

كل شيء سيمر
كل شيء سيمر

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...

924

| 30 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

720

| 29 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

684

| 27 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

531

| 27 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

528

| 25 سبتمبر 2026

حمد الطبية
حمد الطبية

في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...

495

| 28 سبتمبر 2026

أخبار محلية