رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يأتي الحديث هذه الأيام عن إرهاب "إسرائيل" في سياق فعاليات أسبوع مقاومة "الأبارتهايد" الصهيوني ضد الفلسطينيين، وبعد تصريحات رئيس الوزراء التركي "أردوغان" أمام منتدى تحالف الحضارات الأممي في فيينا قبل أسبوعين التي ذكر فيها الحاضرين والمتحالفين بعنصرية وجرائمية الصهيونية وقارنها بمعاداة السامية وفوبيا الخوف من الإسلام.. وما تبع ذلك من ردات فعل مؤيدة له أو معقبة عليه أو رافضة ومستنكرة لما أدلى به.. وأرى أن موضوع الإرهاب الإسرائيلي لا يجوز أن يظل رهن التذكر أو النسيان وأحيانية التوسع والتضيّق أو حسب الاهتمام وعدمه فإرهاب "إسرائيل" إرهاب أصيل ولابد من تناوله بما يستحق من التأصيل والتفصيل وأن يكون ثقافة الناشئة حتى لا تتكرر العثرة في الأجيال القادمة كما هي في جيلنا والذي سبقه.. وأقول: إرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " ليس لاقترانه بوقت الأصيل الذي يستطيب الشعراء التغني به دون بقية الأوقات فهو يتجاوز التوقيت ليل ونهار، وهو أصيل ليس من الأصالة التي تعني شرف الأصل فما هو ولا أصله إلا عفونات متراكبة وقذارات منفلتة.. ولكن من التأصل بمعنى التوطن والثبات والديمومة كما تتأصل النباتات أو الحيوانات في مكان بعينه، وكما يقال " فلان أصيل في جهته أو في عرقه " أي قادر على تصدير الطباع والعادات لورّاثه وأتباعه.. ومن هذه الوجهة فقط يمكن وصف الإرهاب " الإسرائيلي " بأنه أصيل لأنه بلا شك متأصل في صفاتهم وسلوكهم ووجدانهم وأدمغتهم كما تتوطن النباتات والحيوانات موطنا لا تغادره، ولأن له القدرة على التسلسل من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء والأحفاد حتى سوَّد وجه تاريخهم كله وشوَّه علاقاتهم بكل من واطنهم وعايشهم قبل الذين ناكروهم وعادوهم. إرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " بشهاداتهم أنفسهم فقد نشرت الصحف " الإسرائيلية " قبل أربعة أشهر تقريبا استطلاعا للرأي أشار إلى أن 58% من الإسرائيليين اليهود يؤيدون نظام " الأبارتهايد " في حال ضمت " إسرائيل " المناطق المحتلة – للعلم فالأبارتهايد: تسمية إفريقية لنظام الفصل العنصري الذي حكمت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من خلاله في الفترة بين (1948 – 1993) نتائج الاستطلاع المشار إليه أثارت القلق لدى القيادات العربية بقدر ما أخزت بعض أوساط الليبراليين اليهود غير المتدينين.. والحقيقة أنه لا جديد في هذا الاستطلاع لأنه مجرد كشف للقناع عن المعنى الحقيقي لدولة يهودية مذهبية وإن من ميزة فيه فإنه أظهر قذارة العنصرية المتفشية في شرائح واسعة في هذا الكيان العنصري البغيض. وإرهاب " إسرائيل " إرهاب أصيل.. لأنه ليس مجرد فكرة طارئة على ثقافتهم في لحظة انفلات وعدم اتزان ولا هو بتأثير مفكر استثنائي أو زعيم سادي مر على حياتهم ووصم تاريخهم كموسوليني أو لينين.. ولكن لأنه تجاوز دائما كل القواسم وكل تشابك المصالح وكل تقارب بين الثقافات وكل المصالح وكل مقتضيات المعايشة والمجاورة ولأنه احتفظ دائما بالحد الأعلى من العدوانية والكراهية.. والنموذج ماثل اليوم في معزل عن كل ثقافة السلام والانفتاح والعولمة والحريات وحقوق الإنسان وحيث يفشلون كل مساعي السلام والتسوية منذ عشرات السنين ويحرجون كل من يقترب منهم أو يتوقع سلمهم رغم زهادة المطلوب وعظم المأمول!! وإرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " لأنه ينبع من أفكار ظلامية تخيلوها ونسجوها وكتبوها منذ تاريخهم الأول حتى صارت عقيدة فكرية وهوية تاريخية من السابق إلى اللاحق ومن السلف إلى لخلف.. مثال على ذلك - مجرد مثال دون استقصاء - جاء في سفر الأعداد من توراتهم المحرفة 7 – 18 ( سخط موسى وقال لهم : هل أبقيتم كل أنثى حية؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلا بزواج.. ) وفي سفر يشوع 28 – 34 يتحدث عن مدن أعدائهم فيقول: (فنزلوا عليها وحاربوها وضربوها بحد السيف.. هي وكل نفس بها حتى لم يبق منها شارد) لاحظ عبارات اقتلوا كل ذكر وكل امرأة! وعبارة كل نفس بها! التي تؤصل فيهم عقيدة الكراهية وسلوك التطهير العرقي وجرائم الحرب.. فهل هذا كلام رب أو حتى أناس أسوياء أم كلام وسواس خناس وشيطان رجيم؟ إرهاب " إسرائيل " أيضا إرهاب أصيل لأنهم مارسوه على أنبيائهم قبل أن يمارسوه على أحد سواهم؛ فهم الذين قال القرآن فيهم (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) ووصمهم بأنهم حرفوا دينهم ووسخوا عقيدتهم – دينهم هم وعقيدتهم هم – فقال: (يحرفون الكلم عن مواضعه) وأثبت أنهم حاولوا قتل النبي عيسى - عليه السلام - لولا أن ألقى الله تعالى شبهه على يهودي منهم فقتلوه بدلا منه فقال: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وبين أن قباحتهم ووقاحتهم وصلت أن طعنوا في رب العزة ذاته جل قدره وعلا شأنه وأنهم قالوا ( يد الله مغلولة ) وقالوا ( إن الله فقير ونحن أغنياء ).. ولولا أن الموضع لا يحتمل الاستفاضة في نقل الشواهد والنصوص التي تدمغهم بالإرهاب المتأصل المتوارث لأفضت وأفضيت وأوفيت.. وإرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " لأنه استمر في المراحل الثلاث لكيانهم منذ قيام هذا المسخ إلى توسعة مرحلة التسوية ومحاولة الاندماج في المحيط الديموغرافي حوله فقد قام على التهجير وهدم مئات القرى وعلى المجازر الجماعية؟ ثم توسع فاحتل كل فلسطين وأراضي من سوريا ومصر ولبنان والأردن احتلالا كولونياليا استيطانيا غير عابئ بحقوق الإنسان والمعاهدات والمؤسسات والرأي العام العالمي الحافظ لها! ثم هو يمارس يوميا ولحظيا ضد المدنيين العزل كل أنواع وأشكال الإرهاب من قتل ممنهج ومستهدف وعقاب جماعي وتضييق على الحريات والحقوق الإنسانية والاجتماعية والصحية والاقتصادية والأمنية ومن انتهاكات حقوق الملكية الخاصة ومصادرة الأراضي وإقامة المستعمرات العسكرية والأمنية والاقتصادية والديموغرافية، ومن إذلال الناس على الحواجز العسكرية وعرقلة حركتهم ومنعها، ومن تخريب زراعتهم وتعويق ترميم البنى التحتية لمدنهم وقراهم التي لا يقوم أي مجتمع إنساني في أبسط صوره إلا عليها.. وحتى الأمم المتحدة التي حضنت هذا الكيان العاقّ الإرهابي ومنحته النسب وشهادة الميلاد وجدناه يحتقرها ويعادي مؤسساتها لمجرد أنها جاملت القيم الأخلاقية أحيانا فطاولته بنقد خجول ولسان متلجلج. وإرهاب " إسرائيل " إرهاب أصيل لأنها في زمن الانفتاح والعولمة والتسامح الإنساني تبني أسوارا مادية ومعنوية حول نفسها وشعبها وتقرر عزل مواطنيها من اليهود في أتوبيسات منفصلة عن الأعراق الأخرى، ولأنها في زمن الوطنيات والإقليميات والعلمانيات تنادي لنفسها بدولة يهودية دينية توراتية عنصرية متطرفة.. ولأنها في زمن التوسع الإعلامي وانفتاح الآفاق والأجواء ليس على القارات السبع فقط بل وعلى الكواكب من حول الأرض تمارس كل أنواع الفظائع وكل ألوان التخريب والتدمير الممنهج للإنسان.. ولأنها في زمن المساواة والتبادل الثقافي تصف غير اليهود بالصراصير والأفاعي والجراذين والعقارب ويفتي حاخاماتها بقتل الناس على جنسهم وجنسياتهم.. ليراجع في ذلك ما ورد أكثر من مرة على لسان السادي المأفون " عوفاديا يوسف " الحاخام والرمز الديني.. آخر القول: لا يجوز أن يظل الحديث عن الإرهاب " الإسرائيلي " رهن التصعيد والتخفيض حسب حالة المواجهة ونوع الملفات المطروحة على الطاولة أو التفرغ والانشغال.. ولا يجوز أن يظل هذا الموضوع الإستراتيجي والخطير خاضعا للأحيانية ولكن يجب أن يظل على أجندة كل كاتب وكل وطني وأن يتحول لمنهجية بنائية.. هذا – بالطبع - إن أردنا أن نعرف عدونا.
442
| 14 مارس 2013
تصريحات رئيس الوزراء التركي السيد أردوغان - يوم الأربعاء الماضي 27 / 2 أمام منتدى تحالف الحضارات الأممي في فيينا بخصوص "تجريم الصهيونية وتجريم التخويف من الإسلام" هي تصريحات تستحق التوقف عندها وكذا ردات الفعل عليها أيضا تستحق التوقف. فالرجل اختار موضوعات حساسة ليتحدث فيها تتعلق بالصهيونية التي تحظى بعلاقات رسمية مع بلده منذ قيام تركيا العلمانية وتحظى برعاية ودعم أصدقاء وحلفاء تاريخيين لتركيا فليس من السهل تجاهل مواقفهم أو تحدي قناعاتهم.. كأمريكا وأوروبا وهو ما يعني أن الرجل لو كان يخاطر فإنما يخاطر بمس خطوط حمراء مرعية ومحصنة مما يسمى المجتمع الدولي وبالتأكيد لذلك ما له من الحسابات والحساسيات.. ولولا أن الرجل مطمئن لمعادلاته الداخلية وكذلك الخارجية لما اقترب منها جديرة الإشارة إلى أن أردوغان وحزبه ورغم كل التعويق والتشويه والإقصاء الذي واجهوه من العلمانيين الإلحاديين ولعشرات السنين قد وصلوا إلى السلطة وإلى الرئاسة ورئاسة الوزراء وحازوا على أكثرية البرلمان التركي بعد مائة سنة من حكم الفاسدين المفسدين الذين جرفوا تركيا تجريفا وأسلموها لديون دولية كان الظن أن تقتلها وأن ترهن قرارها السيادي لمئات السنين وأن تجعل (أعزة أهلها أذلة) قلما جاء هؤلاء أعادوا تركيا لدورها الإقليمي المعبر عن وزنها الجيوسياسي والأيديولوجي والتاريخي وانتشلوها من الفقر والتهرؤ إلى أن تسدد كل ديونها وأن تتحول إلى دائن لصندوق النقد الدولي لا مدين له.. وإذن فما قاله أردوغان ليس مجرد ظاهرة صوتية " ولا هو جعجعة من دون طحين " كما حال آخرين لدينا ممن كلما ارتفع زعيقهم كان ما يخفونه من التهرؤ أعظم وأخطر، فالإشادة بهذا الرجل ليس لأننا نومن بالرجال أكثر من المواقف والأحوال، ولكن لأنه أثبت إخلاصه لأمته الإسلامية بعد أن أثبت إخلاصه لبلده، فهنيئا لشعبه به وهنيئا لنا نحن "العرب والفلسطينيون" به وببلده تركيا معه فما ترك موقفا معنا ومع قضايانا إلا وقفه وما ترك نصرة لنا إلا سبق إليها سابقا وأحيانا معاكسا لمواقف أقربين يفترض أنهم أكثر التصاقا بنا وبقضايانا! ولن ننسى توبيخه لبيريز – رئيس الكيان - في ملتقى دافوس الاقتصادي يوم 29 / 1 / 2009 على أثر المجازر الصهيونية ضد أهل غزة.. قبل أن يغادر الجلسة المتلفزة بينما ظل أمين عام الجامعة العربية – عمرو موسى - جالسا مرتخيا بين لا ينبس ببنت شفة!! فإن شئنا أن نترك أردوغان لإخلاصه ومميزاته وجهاده – والله حسيب سره وجهره – فلنا أن نتساءل عن موقف الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" الذي يفترض أنه أممي لا صهيوني ولا متعاطف مع الصهيونية والذي حشر أنفه في المكان الخطأ من هذه المجادلة وانضم للحملة على تصريحات أردوغان فقال عبر متحدث باسمه واصفا التصريحات بأنها "جارحة ومثيرة للشقاق" ونتساءل عن موقف وزير خارجية أمريكا الذي اعتبر التصريحات "عدائية على نحو خاص" وأنه سيكون لها "تأثير مضر على العلاقات الأمريكية التركية".. وأقول: بالتأكيد لسنا في وهم أن أمريكا أو الأمم المتحدة ومعهما العالم الغربي – الرسمي - في العموم سيتخذون مواقف مؤيدة لأردوغان فهم حلفاء الكيان الصهيوني وهم داعموه وهم مسلحوه ومثبتو وجوده.. ولكن هل عجزت قريحة هؤلاء عن نصرة الكيان الصهيوني إلا بما يسقط دعاواهم الأخلاقية والقيمية؟ ألا يرون أن المُجدي أكثر لقطع ومنع وتوقي هكذا تصريحات هو لجم الكيان عن التمادي في استفزاز الآخرين؟ ألا يرون ما يفعله الكيان من غطرسة وفوقية لا أخلاقية ليس على العرب والمسلمين فقط ولكن على كل الأمم بما فيها هم أي العالم الغربي؟ ألا يرون جرائم الصهيونية؟ ألا يعلمون أن العالم اليوم لم يعد عالم الأمس؟ ألا يعرفون أن سياساتهم وانحيازاتهم وازدراءاتهم وتشنجاتهم ضد شعوبنا هو الذي أسهم بشكل أساس في سقوط عملائهم وأذنابهم وتسبب في كل هذه الخسارات الاستراتيجية التي منوا بها وتهدد ما تبقى من رهاناتهم؟ فلماذا إذن يقفون مع هذا الكيان إلى هذا الحد وبهذا الافتضاح؟ وبمنطق المصالح العليا الأمريكية ومصالح الكيان الصهيوني وليس مصالحنا التي نعلم أن أمريكا لا تحرص عليها.. لماذا لا يحكِّمون نظرات العقول وميزان مصالحهم ولا يفكرون في ضرورة أن تكون لهم في مقابل دعومهم له كلمة ترشيد وتفاهم معه ولو على الحد الأدنى من الأخلاق والسلم والمنطق؟ فهل من الرشد أن تسمح أمريكا لرجل الأعمال اليهودي الصهيوني الذي يحمل الجنسية الأمريكية والذي يقيم على أرضها المدعو "سام باسيل" بأن يكتب ويخرج الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام ثم ليثير موجة الاحتجاجات الكبيرة التي رأيناها ورأينا كيف تحوّلت إلى مظاهرات غضب عارمة ودموية؟ وهل هذا لمصلحة أمريكا أو لمصلحة الغرب أو لمصلحة الكيان؟ وهل من الحكمة أن تترك أمريكا الحاخام الأمريكي المأفون " مانيس فريدمان " يدعو إلى قتل كل العرب رجالا ونساء وأطفالا، وإلى تدمير مقدساتهم كما نشرته مجلة " مومنت " (Moment) الأمريكية تحت عنوان "اسألوا الحاخامات"؟ ألم تسمع أمريكا بفضائح الكيان الصهيوني في هاييتي حيث تقوم البعثة الطبية الصهيونية باستغلال معاناة منكوبي الزلزال وسرقة أعضاء المصابين والقتلى كما يروي الناشط الأمريكي المدافع عن حقوق السود" تي ويست "؟ وهل من الصواب أن تستخدم أمريكا الفيتو لحماية كل جرائم الصهيونية بحق الفلسطينيين والعرب وضد معاهدة جنيف الرابعة واستيلائها على أراضي الفلسطينيين والسماح للمستوطنين بالعربدة ضدهم وهتك مساجدهم واستفزازهم وتهديدهم ليل نهار وتقوم بنقلهم بشكل كثيف إلى الأراضي غير المختلف على أنها محتلة في خرق فاضح لهذه المعاهدة التي أقرّها المجتمع الدولي؟ نعم.. لأمريكا والغرب ولكل دولة أن تتخذ من الحلفاء من تشاء وأن تحميهم إن قدرت على ذلك، ولكن إلى متى سيظلون يدورون حول سياسات وضعت ونسقت قبل مائة عام، وقبل كل هذه الخزايا الصهيونية، وقبل أن يتلبس الكيان الصهيوني بكل هذه العنصرية الطائفية الإرهابية؟ وإلى متى سيظلون يغامرون بالرأي العام الشعبي الدولي والعالمي بصرف النظر عن المستجدات وعن ردات الفعل التي لم تكن ناضجة أو مؤثرة في يوم كما هي اليوم.. آخر القول: أعتقد أن على الذين ردوا على تصريحات أردوغان واعتبروها تعديا وظلامية وتوعدوا تركيا بالثبور وعظائم الأمور أن يعلموا أن تركيا اليوم غير تركيا الأمس، وأن يجتهدوا بدل ذلك في توعية الكيان الصهيوني ورده عن فجوره وعن سيره إلى حتفه، فإن أصروا أن يعتبروه ابنا أو في مقام الابن فليعتبروه ابنا سفيها يوقع الضرر على نفسه وعليهم.. أما أردوغان فهنيئا لنا ولأمته وشعبه به.
493
| 07 مارس 2013
المساجلات الكلامية والمناكفات الإعلامية ومعوقات المصالحة عادت لتكون هي عنوان المرحلة بين فتح وحماس، وما أكتبه اليوم ليس من قبيل المشاركة في هذه المواجهات ولا لزيادة طينتها بلة ونارها تأججا ؛ ولكن لأن الكثير مما يقع الآن من التناقض ومحاولات ومن إعادة التذكير بالثارات القديمة قد وقع مثله في كل المرات التي انطلقت فيها حوارات المصالحة الوطنية منذ أربع سنوات وفي كل مرة كاد يتحقق اختراق حقيقي في المواقف المتشنجة.. هذا يعني أن بث الأمل وحده والتبشير بإمكانية المصالحة وحده أو التغطية على الحقائق بحجة عدم تسميم الأجواء لم يعد يجدي ؛ وعلى العكس من ذلك فإن علينا - نحن الكتّاب – أن نكون أكثر صراحة وصرامة ووضوحا من السياسيين المجاملين في تحميل المسؤولية وتشخيص الحالة التي بدأت تتحول إلى حالة دائمة وبدأت تحول الانقسام إلى انفكاك تاريخي مع طول زمانه وترسخ وقائعه وكثرة المستثمرين فيه ومع كل فشل في تجاوزه وإنهائه.. وإذن فلنكن صرحاء ولنكن مباشرين ولنترك دعوى الحياد الذي لا يجوز ولا يصح أن نتدارى به عندما تكون المراجحة – كما هي اليوم - بين طرفين أحدهما المصالحة والوحدة الوطنية والمقاومة والآخر الانقسام والتزييف وإغراق القضية في الحسابات الشخصية والفصائلية.. نعم ؛ يجب أن نحدد ماهية أزمة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ابتداء، ثم نقرر ما إن كانت طروحات صندوق الانتخابات بعد هذه الأزمة وما ترتب وانبنى عليها تصلح مدخلا للحل كما تصر عليه فتح والسلطة أم أن هذه الانتخابات هي مجرد دعاية للانصراف عن الأزمة الحقيقية ولمزيد من الإيغال في الانقسام والإصرار على بقائه.. ثم لنقرر نهاية مسؤولية أي من الفصيلين عن هذه الأزمة، وصولا للدور المطلوب منه لإنهائها.. وأقول: أما أزمة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني فأرى أن لها أوجها عدة أهمها ؛ 1- تشتت البعدين العربي والإسلامي عن القضية ونقصان أو انعدام الدعم الحقيقي لها، 2- خلو يد الفلسطينيين – في الضفة - من أية مناورات أو إمكانات لتصعيب الاحتلال على العدو وتكليفه ثمنا غاليا عنه وجعل العدو لا يحس بجدوى المراوحة أو المزاوجة بين عملية التسوية وضرب المقاومة، 3- تنكر العدو الصهيوني للتسوية وإصراره مع ذلك على بقاء التنسيق الأمني الاستخباري مع السلطة لمنع المقاومة وعلى إلحاق الاقتصاد الفلسطيني باقتصاده عبر اتفاقات مقررة وموقعة سابقا، 4- استمرار الاستيطان والتهويد والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والاعتداءات المتكررة على المساجد والمزارع والآمنين الفلسطينيين التي قلبت حياة أهل الضفة حتى من هم تحت سلطة السلطة إلى جحيم حقيقي وإلى احتلال مباشر، 5- الحصار المفروض على غزة، 6- الانقسام بين غزة والضفة وما تسبب فيه من تشتت الجهد الفلسطيني عن مواجهة الاحتلال وعن مشروع التحرير وتوفير فرص للعدو للتداخل على المعادلات الفلسطينية الداخلية.. وبنظرة ماسحة وتذكرية وترتيبية لعلاقة الانقسام بما سبقه وما لحقه يمكن الخلوص للحقيقتين الآتيتين ؛ الحقيقة الأولى: أن الانقسام وقع متأخرا زمانا ومكانا وأثرا عن كل أوجه الأزمة الخمسة ؛ بالتالي فهو نتيجة لها ولا يمكن إنهاؤه ما لم يتم الاتفاق على برنامج سياسي " الحد الأدنى " لا يسمح بعودته لمواجهة الأزمة، وأذكّر هنا بالمؤتمر الصحفي الذي عقده السيد عباس في ستراسبورغ بعد لقائه مع أعضاء البرلمان الأوروبي في بدايات حوارات المصالحة وأجاب يومها على سؤال: كيف ستتصرفون لو أن حماس قبلت بالانتخابات وفازت بالتشريعي والرئاسة ثم قررت أن تقصف " إسرائيل بالصواريخ " من جديد؟ فقال: (سنمنعهم ولو عاد الانقسام من جديد) وإذن.. فما قيمة مصالحة تتبعها انتخابات ويتبع الانتخابات فوز أو خسارة.. ما دام منع الصواريخ هو الأصل؟ ولنا أن نسأل هنا: هل ستستطيع المقاومة قصف تل أبيب بعد المصالحة؟ وأليس من حق حماس والمقاومة حينئذ أن تتخوف من هكذا مصالحة؟ وإن تخوفت وتهربت منها ومن مترتباتها وتعثرت بذلك مساعيها فمن المسؤول عن هذا التعثر؟ وهذا كله بالطبع مع افتراض أن حماس ستثق بشفافية ونزاهة وجدوى هذه الانتخابات.. الحقيقة الثانية: وبالنظر لأوجه الأزمة الخمسة السابقة على الانقسام يمكن القطع وبكل ثقة أن منظمة التحرير الفلسطينية وفي الرأس منها حركة فتح التي كانت تقودها ثم السلطة من بعد هي المسؤولة عن كل ذلك، ليس لأنها ليس لها تاريخ نضالي ولكن لأنها ضيعت هذا الرصيد في المناورات والتنازلات، ولأنها لم تستثمر وجودها في سدة القيادة وكونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن باستطاعتها وفق هذا الاعتبار وبهذه الصفة وبشبكة العلاقات والمصالح حول العالم وفي مؤسساته الدبلوماسية والقانونية والوجاهية ما لم يستطعه غيرها.. صحيح أن منظمة التحرير أولا ومنظمة فتح ثانيا والسلطة ثالثتهما لا تستطيع كل شيء ولا يجوز عدلا ولا أخلاقا تحميلها كل المسؤولية ففي القضية ملفات وإشكالات أكبر منها ومن حماس ومن كل الشعب الفلسطيني.. ولكن لا شك أنها تلام من ناحية ما كانت تستطيعه ولم تفعله "وهو كثير وعلى صعد كثيرة "، وتلام من ناحية أنها أعطت المبرر في كثير من الحالات لمن يكيدون للشعب الفلسطيني ومن يتآمرون عليه.. ولنتذكر هنا تجربة المنظمة وسلوكها في الأردن ولبنان وفي المشكلة بين العراق والكويت وفي المفاوضات مع العدو وتوقيع الاتفاقات التي حشرت الشعب والقضية تحت سقوف الاحتلال.. كل ذلك إنما تلام فيه المنظمة وليس حماس. وإذا كنا بصدد تحميل المسؤولية بوضوح وصراحة – كما قلنا – فإن حماس والمقاومة وعلى العكس من المنظمة وفتح والسلطة يشاد بها وقد كسرت التابوات المغلقة وأبدعت الجمع بين السلطة والمقاومة وضربت تل أبيب ومستوطنات الضفة وحققت انتصارات كبيرة وصمودا أكبر في وجه هذا العدو.. آخر القول: بالنظر لملفات الأزمة الفلسطينية وعدم حصر المعالجة في الانقسام المترتب عليها، لا يمكن التسوية في تحميل المسؤولية عن فشل المصالحة بين المنظمة وفتح والسلطة ومن صنع الخلاف ولا يزال يسبح في بحره ويصر على أسبابه واتجاهاته ومترتباته من جهة وبين حماس والمقاومة الذين قدرهم أن يفرض عليهم الانقسام وأن يدفعوا وحدهم ثمنه.
561
| 28 فبراير 2013
القناة الثانية في تلفزيون العدو ذكرت خبرا قبل أيام كان يمكن أن يكون عاديا وأن يندرج في مكائد العدو وتخابثاته ضد المقاومة وضد المصالحة الفلسطينية.. لولا أن طرفا بعينه من متحدثي السلطة استغلوه لاستهداف سمعة المقاومة ولمحاولة تبرير تهرؤاتهم به، ولولا أن استهدافهم هذا يأتي في سياق حملة لتعكير أجواء المصالحة الفلسطينية. الخبر بسيط وطبيعي ومفاده حسب تلفزيون العدو "أن مفاوضات - عبر الوسيط المصري - جرت في القاهرة بين وفد أمني صهيوني ووفد آخر من حركة حماس لتخفيف الحصار على غزة"؛ وإلى هنا انتهى الخبر الذي لم يذكر البناية أو الطابق الذي عقدت فيه المفاوضات ولا قرب أو بعد ما بين اللقاءات أو النتائج التي خلص إليها. السيد "خليل الحية" عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" من جهته تناول هذا الحدث يوم السبت الماضي "16 فبراير" فأكد أن حركته قدمت للجانب المصري تقريرا بالخروقات والاعتداءات الصهيونية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير في قطاع غزة مشفوعا بالوثائق والتوقيتات، وأن وفد حركته التقى مسؤولين "مصريين" لتقييم تطبيق بنود الاتفاق مع إسرائيل.. ثم أضاف: "سمعنا من الإعلام أنه كان هناك في القاهرة وفد إسرائيلي ونحن ننتظر نتائج هذا اللقاء من الجانب المصري". أقول: بالنظر للخبر ولنفيه من جهة حماس يتضح أن مفاوضات "غير مباشرة" وعبر الوسيط قد حدثت، وأنه لم يتفق على اعتبارها مفاوضات ففي حين تريد إسرائيل أن تروج لها ويحاول متحدثو السلطة أن يستهدفوا منها المقاومة – عدوهم اللدود – لا تعتبرها حماس مفاوضات لأنها مجرد مخاطبات للجانب المصري وأن حماس حتى غير متأكدة من وجود الوفد الصهيوني في ذات الوقت في مصر. في هذه الحدود جاء الخبر وجاء الرد عليه، وهذه حدود موقف المقاومة.. وهو موقف - كما نرى - ضروري إذ لا بد أن تقدم المقاومة اعتراضاتها ورفضها للخروقات الصهيونية ولا بد أن تقدم رؤيتها وتهديداتها لمنع تكرارها ولا بد أن توقف الجانب المصري الضامن لاتفاق وقف النار على مسؤولياته؛ فما العيب في ذلك وما الحرج وما النقد!؟ اللهم إلا أن يكون ذلك قد أغاظ العدو وهو أمر مفهوم من عدو تعود أن ينقض الاتفاقات وأن يتخلى عن الالتزامات دون معقب لحكمه ولا حتى لائم!! واللهم أيضا إلا من فئة لا تعجبها نجاحات حماس وأداءاتها في المفاوضات كما أداءاتها في المقاومة.. أما من جهتنا فالمفترض بل الواجب والمطلوب أن تفعل حماس ما فعلت؛ وإلا فهل عليها أن تلتقي العدو ومفاوضيه وجها لوجه كما تفعل السلطة بسبب وبدون سبب؟ أم أن عليها أن توكل بحقوقها ومفاوضاتها السلطة التي لم تشارك في وضع الاتفاق أصلا فضلا عما وصف مفاوضيها به الإرهابي "شمعون بيريس" رئيس الكيان عندما شبه قربهم منه وتوافقهم معه في جولات المفاوضات السابقة بأنه كان كمن يفاوض نفسه!؟ العجيب والمدهش بل المضحك إلى حد القهقهة أن يأتي نقد هذه المفاوضات "غير المباشرة" ليس حركة الجهاد الإسلامي ولا الأحرار ولا كتائب المقاومة.. ولكن من نفر عودونا أن يدافعوا عن شعار "المفاوضات حياة، والحياة مفاوضات" والعجيب أن يصروا على وصف ما تم عبر الوسيط المصري بـ"المفاوضات المباشرة" وأن يتخيلوا لها طابقا ووقتا تمت فيه، وأن يزرعوا في الخبر من ألأكاذيب ما استغلوه بشكل بائس ساذج بعد ذلك.. ثم ليخلصوا أخيرا إلى أن حماس خانت القضية، وأنه لم يعد من حقها بعد اليوم أن تتكلم في المقاومة". وأقول أيضا: لو اعتبرنا هذا الذي قالوه قاعدة في قياس الوطنية، وفي الحكم على أحقية الكلام في المقاومة؛ فأين سيكون هؤلاء أنفسهم؟ وأين ستكون السلطة التي يدافعون عنها؟ وإن كانوا رغم انسلاكهم في المفاوضات وانسلاخهم عن الروح الوطنية في التهتك بها وبالتنسيق المخابراتي لضرب القضية الفلسطينية.. وكانوا لا يزالون يتكلمون في المقاومة بكل أنواعها وأشكالها فأين يجب أن نضع كلامهم هذا إذن؟ أم ما يحق لهم سوؤه لا يحق لغيرهم حسنه؟ وأيضا أقول: وبجامع الخبرة السابقة مع الخبر الذي ذكره تلفزيون العدو ومع تولّدات وتوليدات متحدثي السلطة حوله وربط كل ذلك بالمحطة التي وصلت إليها المصالحة: يمكن القطع بأن ما كان يقع عادة سيقع هذه المرة أيضا.. ففي كل مرة كانت تتقدم فيها المصالحة شبرا أو توشك أن تحقق حلم إنهاء الانقسام الدموي البائس وأن تغادر المربع الوسخ الذي جرجر الشعب الفلسطيني إليه ذلك الشيطان الخبيث - قائد فرق الموت في غزة – كانت تنطلق حملة ضد أنصار ومنتسبي حماس في الضفة وكنا نرى أصابع العدو وعملاءه في ذلك عيانا بيانا.. وإلا فلماذا الاعتقالات في حين أن المقاومة لم يطرأ عليها في الضفة أي تغير لا تكتيكيا ولا استراتيجيا، وفي حين أن ثمة تفهما من طرفي المصالحة كل لاعتبارات الآخر وحدود إمكاناته؟ ما يؤكد أن هذه الحملة على حماس تأتي في سياق تخريب جهود المصالحة هو أن نشاط الأمريكان والصهاينة في تقديم الإغراءات والتقدم بالمراودات للرئيس من أجل ثنيه عن المصالحة إلى التسوية هو الآخر انطلق كما كان ينطلق عادة.. وأعتقد أنه في هذا الإطار يمكن فهم تصريح الرئيس بـ " أنه كما أنجز " حلم الدولة " سينجز تحرير الأسرى "!! ألا سأل أحد نفسه: إن كان العدو يعطي لله تعالى بقرة فلماذا يعطي السيد عباس هذه الأعطية؟ ومن أين له - للرئيس – بكل هذه الثقة؟ آخر القول: لو عدنا إلى كل جولات المصالحة السابقة منذ نهاية حرب الفرقان فسنجد أنها كانت دائما تتعرض لضربتين يكفلان توقفها وربما انتكاسها للأسوأ ؛ أما إحداهما فتصعيد السلطة وأجهزتها الأمنية ومتحدثيها ضد حماس، وأما الثانية فإغراءات التسوية التي تجعل المراجحة دائما على حساب المصالحة التي دائما يقع عليها التأجيل ودفع الثمن.. فهلا تنبه القائمون على الشأن الفلسطيني إلى اعتبار السلطة طرفا ثالثا لا بد من إخضاعه وضمان التزامه قبل أي حديث عن المصالحة وأي ثقة بإمكانيتها..
488
| 21 فبراير 2013
واضح أن رئيس الوزراء العراقي " نوري المالكي " وحزبه ومن يشايعهم يتوهمون أنهم في مأمن من الربيع العربي ؛ ربما لأن لهم حجما وثقلا من دعم طائفي كبير يتمتعون به في الشارع والبرلمان فيوهمهم ذلك بأنهم في مأمن من السقوط على طريقة الثورات العربية أو بالديمقراطية والانتخابات، وربما لارتكانهم للسطوة الإيرانية المتغلغلة في الحالة العراقية واعتمادهم على الحماية الأمريكية واستشعارهم بقوة التحالف معها وما ترتب على ذلك من قوة التواجد في الجيش والأجهزة الأمنية وإرهاب الخصوم فيوهمهم ذلك أن لا أحد يستطيع منازلتهم طائفيا أو سياسيا أو عسكريا، ولعل خفوت الروح الطائفية عند أهل السنة وما يتراءى في الظاهر من التجانس والتكامل الاجتماعي داخل البنية الوطنية طيلة عقود مضت يجعلهم يظنون أنهم في غفلة من التاريخ صار متاحا لهم ما كان ممنوعا لمئات السنين دون ضجة أو مقاومة تذكر.. وربما وربما.. لهذا وجدنا نوري المالكي وحزبه وأشياعه يتصرفون باستخفاف بل باحتقار للمكون السني خصوصا وتحديدا على مستوى العملية السياسية داخليا وعلى مستوى صورة نظام الحكم وعلاقاته الإقليمية والدولية.. رأينا ذلك يتجسد في عدم توازن علاقاته بإيران وحزب الله والنظام السوري في مقابل علاقاته بالمنظومة العربية والإقليمية، ورأيناه في كيفية ونوعية إدارته للحكم وارتكازه على طائفته خصوصا في الوظائف العامة وأجهزة الأمن والجيش، ورأيناه في استهدافه لمناطق السنة ورموزهم وشخصياتهم ورجالهم ونسائهم حتى لم يسلم من ذلك شركاؤه في العملية السياسية كالهاشمي والعيساوي.. كما رأيناه في موقفه تهريبه أموال العراق وبتروله وفي الفواتير الطائفية التي يدفعها لإيران وسوريا وروسيا.. ولعلنا لم ننس بعد تعليقات المالكي على مظاهرات واحتجاجات محافظات الأنبار والموصل وصلاح الدين التي لم يجد في كل حكمته الدبلوماسية وخبراته اللغوية ما يصفها به إلا " الارتزاق بمائة دولار " وأنها مظاهرات حقيرة ووسخة " وإلا وصف المحتجين بالغوغاء وأعداء العملية السياسية والتنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية وأزلام النظام السابق.. وأقول: أولا وبداية: لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها وتشخيصها بأوصافها لأن الحالة العراقية صارت قاب قوسين أو أدنى أن تلحق بحالات أخرى للأسف انساقت إلى التصعيد الطائفي في منطقتنا.. وإذن فلنشخص الحالة العراقية ولا نتحرج من تفصيل الكلام في الطائفية البغيضة التي تحوم حول العراق اليوم وتكاد تكسر بابه كما حامت حول غيره وكسرت.. وحتى لا يظن ظان أنني أتحدث بنفس طائفي أذكر بأنني طالما كتبت في الدفاع عن حزب الله اللبناني والنظام السوري وعن إيران وتحديدا عن برنامجها النووي في سياق الدفاع عن جبهة المقاومة ونصرة القضية الفلسطينية وإنصافا لما كنت أراه الحق والحقيقة وحتى لا تخلو الساحة من المقاومة وصرفت في سياق ذلك النظر عن اتجاهها الروحي أو مذهبها العقدي واعتبرت احتفاظها بالسلاح واستقطابها الدعوم حقا سياديا ومنطقيا لمواجهة عدو تحت يده - تقريبا - كل أنواع وتشكيلات ومخازن أسلحة العالم.. لذا فإن تحدثت عن الطائفية اليوم ومثلي كتّاب آخرون لا يتهمون في مصدرهم ولا في موردهم فلأننا نسعى للتحذير منها وحتى لا نكون كالمريض يتجاهل علته حتى تفتك به.. وليس لأننا عرفنا شيئا لم نكن نعرفه ولا لأننا لا نعرف ما صنعت أو ما هدمت الطائفية تاريخيا، ولا لأننا نجهل حجم وعمق الخلافات الفقهية والعقدية بين المذهبين.. ولكن من جهة الانشغال بالأهم عن المهم وبالممكن عن المستحيل ومن قبيل التسديد والتقريب ومن قبيل التصويب على الحرب الكبرى مع العدو المشترك والأخطر، ولأننا نأخذ الناس بظواهرهم ونترك سرائرهم ليوم تُوفّى فيه (كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).. ثانيا: في هذا السياق التوضيحي والتصريحي لا بد من التذكير بحقيقة ليس من الموضوعية تجاهلها عند نظر هذه القضية مهما أعطت من انطباعات سلبية غير مقصودة ؛ هي أن الشيعة حققوا انتصارات منذ الثورة على الشاه وحرب الثماني سنوات مع صدام ثم إسقاطه والوصول للحكم في أكثر من بلد ما جعل المالكي كما النظم في إيران وسوريا ومعهم حزب الله اللبناني يحسون بأنهم قادرون على حسم كل مسائل الخلاف مع أهل السنة والثارات المتأخرة والمنتظرة التي يحدثون بها أنفسهم ويربون عليها أجيالهم ليل نهار منذ ألف وأربعمائة سنة.. فأعلنوا ما كان دائما تقية ومداراة وجاهروا بما كان مخبوءا من أحكام مذهبية خاصة جدا وعدائية جدا فخربوا الكثير من العلاقات مع الجوار.. في حين أن الأصوب كان في أن يزيدوا مطامنة وتواضعا ومجاملة للسنة وأن يتذكروا أن لكل نصر من تلك الانتصارات معادلاته ومتغيراته التي لا تحسم دائما بغفلة أهل السنة عن النوازع الطائفية ولا بالارتكان على احتلال أجنبي كالأمريكي مثلا.. ثالثا: السيد المالكي كان أعلن عشرات المرات في سياق الحديث عن الصراع بين الأمة والعدو الصهيوني أن العراق الجديد مكتف بحدوده الوطنية وأنه لن يتدخل في شأن أحد.. ومع أن هذا الموقف يعتبر تقصيرا جليا بحق القضية الفلسطينية ومقتضيات الأخوة الدينية والقومية والإنسانية، ويصنف في الانسجام مع المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة وفي عراق ما بعد صدام تحديدا إلا أننا كنا نعول على أنها أزمة لا تلبث أن تمر ولا يلبث العراق أن يعود لمساره وحاضنته العربية والإسلامية.. ما فاجأنا هو أن المالكي وخلافا لما تعهد به عشرات المرات خرج عن حدود العراق ولكن ليس للقيام بدور وطني وقومي وإسلامي في الصراع الاستراتيجي للأمة ولكن لدعم نظام بشار أسد الطائفي البغيض المأفون الذي يدمر سوريا ويقتل شعبها ويهتك أعراض حرائرها، رابعا: على المالكي ومن يدعموه داخل العراق وخارجه أن يروا المشهد السياسي بالأخص في العراق من زوايا أربعة1- من زاوية أن أهل السنة بجملتهم لم يفطنوا بعد للصراع الطائفي ولم يغرقوا بعد في الفتنة المذهبية ؛ ولكنها الشرارة التي إن انطلقت فلن ينجو منها أحد ولن يقر قرار لا لمشروع شيعي ولا سني ولا لدول ولا لأحزاب حتى تأكل الأخضر واليابس.. جدير التذكير هنا بالمستشرق الصهيوني الأمريكي " برنارد لويس " الذي عاش حتى الآن أكثر من تسعين سنة ينظّر ويبشر بضرورة إشعال الحروب الطائفية في منطقتنا كضمانة 2- أن الشعوب لا تحكم بالحديد والنار وأن أي نظام تسقط قيمته الأخلاقية والوطنية بالمعنى الجامع هو نظام محكوم بالزوال مهما ظن أنه متأبد أو أنه آمن، ومهما اعتمد على معادلات بقاء خارجية أو داخلية رأينا ذلك في الاتحاد السوفييتي ثم رأيناه في نظم الساقطِين " علي، وابن علي، ومبارك، والقذافي حتى الآن " وما النظام السوري ببعيد لا عن الزمان ولا عن المكان ولا عن النوع وبالتأكيد ولا عن المصير.. وعلى المالكي أن يقرر في ضوء ذلك إن كان يريد حكما مستقرا أو سقوطا وتفككا.
633
| 14 فبراير 2013
بعد أن خاضت " جبهة الإنقاذ " في مصر معاركها ضد الرئيس والإخوان وحلفائهم " معركة النائب العام، والتأسيسية، والدستورية، والاستفتاء، ومحاولة استجلاب التدخل الأجنبي على غرار ما فعل البرادعي والكاتب اليساري " علي سالم ".. هم اليوم يحاولون جر الجيش المصري للمشهد من جديد بالطلب المباشر كما يفعل الإعلامي " عماد الدين أديب " على قناة السي بي سي أو غير المباشر من خلال التصعيد وإثارة الفتنة واستفزاز الطرف الآخر للرد على الحرق بالحرق وعلى القتل بالقتل وعلى تشكيل المليشيات المسلحة بمثلها.. وأقول: لا شك أن المشكلة كبيرة، وأن المنعطف الذي تمر به مصر جد وعر وجد خطر، وأن مصر كلها مفتوحة اليوم على مصراعيها أمام كل مخابرات العالم الموالية لمصر ولا خوف منها والمعادية لها ويجب الحذر منها وترصدها.. ولا شك أن أسوأ السيناريوهات يصير ممكنا ومتوقعا في ظل هكذا صراع أحد طرفيه والمبادر فيه منفلت من كل القيم الوطنية والأخلاقية.. ومع ذلك لا بد من نظر وتثمين ثلاث حقائق يجب وضعها في الاعتبار والثقة بأنها ستجنب مصر السقوط في مستنقع ما يفضله أعداؤها وما يسعى إليه بعض من هم في داخلها من الفتنة والانفلاج – لا قدر الله – والحقائق الثلاث يعبر عنها المثل المصري الذي يقول " المهم من يضحك في الآخر ".. أما الحقيقة الأولى فهي: أن الطرف الآخر من معادلة الصراع – أقصد الرئيس والإسلاميين وحلفاءهم الثوار – يعرفون الهدف الحقيقي وراء كل هذا التصعيد.. وأن المراد منه هو الجرجرة إلى تصعيد مقابل بغاية نهائية هي إفشال التغيير وتعطيل مشروع الإسلاميين وشغل الرئيس وإهدار فترته كلها بالصراعات بعيدا عن أية رؤية استراتيجية ليكون في نظر الشعب لم يوفّ بما وعد فلا ينتخب مرة أخرى.. هذا ما فهمه الرئيس والإسلاميون منذ البداية لذلك وجدناهم وحلفاءهم لا ينجرون لهذه المعارك.. رأينا ذلك منهم يوم الاتحادية إذ استشهد منهم تسعة، ويوم حرق الـ 28 مقرا للإخوان، ويوم حوصر مسجد الشيخ المحلاوي بالإسكندرية.. كما رأيناه في خطابهم التبريدي والتصالحي المستمر.. بالتالي فالأمور غير مرشحة للفلتان في ظل ما يتوقع من استمرار تعقل الطرف الآخر وطول صبره وكثير احتماله.. الحقيقة الثانية هي: أن الشعب المصري عرف قيمته وثقله ووزنه ودوره ولم يعد يقبل أن يتأله أو يتربب عليه عدو خارجي ولا طاغوت داخلي ولا بالزور والباطل والإرهاب ولا بالمجاملة والخديعة والتسويف بعد أن أسقط " الساقط " وأخرج المجلس العسكري الذي ولاه " الساقط " لقطع طريق الثورة من المشهد، وبعد أن انفضحت أمامه تحالفات من يدّعون الإنقاذ مع المال الفاسد والرموز الفاسدة.. هذه الضمانة أو " المعرفة " هي التي غيرت نسب الانتخابات والرأي العام بين ما حصل عليه رموز جبهة الإنقاذ مضافا لهم أبو الفتوح وأتباعه وعمرو خالد ومريدوه والبلطجية وأموالهم.. الذين لم يجمعوا في الاستفتاء الأخير على الدستور أكثر من 34% من أصوات الناخبين وهم الذين كانت مجموع نسبة ما حصلوا عليه قبل ذلك بستة أشهر في انتخابات الرئاسة يتجاوز الـ 75%.. الحقيقة الثالثة: هي أن الجيش انسحب من الحياة السياسية بعد أن اقتنع بأن الانقلابات العسكرية لم يعد لها منطق في ظل ثورة شعبية وفي ظل ضعف المؤسسة الشرطية والأمنية المدنية ولم ينسحب عن طواعية أو عن رغبة ذاتية.. بالتالي فهو لا يفكر في العودة لما اقتنع أنه لا يستطيعه.. ولنتذكر أن الجيش كان في السلطة وأن المجلس العسكري كان يرسم لتأبيد بقائه فيها وأن المشير طنطاوي أصدر من الإعلانات الدستورية ما يؤكد هذه النية.. ومع ذلك خرج من المشهد بالانتخابات التي كان يستطيع تزويرها، ولما أقيل المشير طنطاوي والفريق عنان وكلف السيسي بقرار رئاسي سكت الجيش ولم ينبس ببنت شفة.. فهل كان ذلك إلا بضغط الثورة والمتغيرات بها.. لهذه الحقائق وتفاعلاتها وجدنا الثورة تحقق أهدافها تباعا، ووجدنا الهزائم الحقيقية تتوالى على خصومها في كل المعارك التي خاضوها، ووجدنا الرئيس وإن أبدى مصالحة ومصانعة لخصومه ثابت الاتجاه يحصد النتائج الإستراتيجية، وما ذلك – من وجهة نظري – إلا لأنه يحس بالمسؤولية الدينية والتاريخية تجاه منع الفتنة، ولأنه لا يريد كسر مفاهيم الثورة في التعبير عن الرأي والرغبة في التغيير وإن اعتراها أخطاء من معارضة مستجدة على أجواء ثورة حقيقية سقوفها عالية، ولأنه مؤمن بأن المشروع الإسلامي لا يجوز أن يشارك في إسقاط مصر تحت أي ظرف.. من هنا فأصوات بعض " الدعاة والغيورين والوطنيين والثوار الحقيقيين " الذين انجروا للاستفزاز وقاموا يدعون الرئيس لاستعمال صلاحياته الدستورية في مواجهة الخصوم ووصل ببعضهم في لحظة غفلة عن الحصيلة النهائية للتصعيد والتصعيد المقابل أن يتهموا الرئيس بالضعف والتردد، وأن يهددوا بأنهم سيأخذون على عاتقهم تأديب هؤلاء الذين " بيخافوا ما بيختشوش " - كما يقولون – أقول: هؤلاء إن كانوا جادين فيما يقولون وليس من قبيل الحرب الإعلامية والتهويش عن بعد إنما يغرقون وينجرون من حيث يدرون أو لا يدرون إلى مرادات وأداء مصر وأداء ثورتها.. آخر القول: في مثل هذه اللحظات الحاسمة والحرجة التي تمر بها مصر على الناس أن يحتكموا للعقلاء لا للانفعاليين، وأن ينظروا في مآلات الأمور التي يجب أن تحكم المقدمات وأن تتحكم في المواقف ؛ ولئن كان الآخرون مغامرين بمصر ومصيرها فلا يجوز أن يكون الإسلاميون والغيورون على مصر مجرد منفعلين بالأحداث منقادين لمشاعر الغضب ؛ فهم أم الولد والخاسر الأكبر إذا انفلتت الفتنة لا قدر الله.
402
| 07 فبراير 2013
المولد النبوي الشريف مرت مناسبته يوم الخميس الماضي 12 / ربيع الأول ولكن الكثيرين منا إما يتجاهلون المناسبة خشية أن يقعوا فيما يرونه بدعة الاحتفال بالمولد أو يكتفون من كل المناسبة باحتفال لساعة ويظنها غاية الحق الذي عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاهلا أو متجاهلا أن المولد النبوي كمعنى لا كحدث يتجاوز ويجب أن يتجاوز الزمان والمكان والمناسبة.. هذا التجاهل وتلك الاحتفالات تناسب تماما ما صرنا في الأعم الأغلب نعاني منه ؛ العطالة والبطالة والشكلية الدينية.. وأقوله وأنا أرى قنوات الساقط حسني وبلطجيته التي تحاول ليل نهار جر البلاد والعباد إلى فتنة سياسية ومذهبية وتتفنن في اصطناع الإشاعات والأكاذيب غير عابئة بمصير مصر ومكانتها واقتصادها وأمنها.. أقوله أيضا عندما أرى بعض الكتاب والنخب الذين لم نعرفهم إلا معادين لفكر الإسلام ومنهجه ودائما وصفوا شريعة الله بكل سوء وتقص.. أراهم يتسابقون إلى الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف، ويحاولون بساعة احتفالية واحدة أن يسرقوا ضمير الدهماء والبسطاء من الناس والغوغاء فيما هم طوال العام أعداء لله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه وقداسته على الحقيقة!! ". هذا الذي الاحتفاء بهذه الطريقة النفاقية تجعله فوق أنه بدعة في نظر جمهور العلماء وفوق أنه تزهيد في المناسبة هو أيضا نوع من العدوان على رسول الله صلى ألله عليه وسلم.. وقد سبقهم إليه أبوهم الروحي والتاريخي " عبد الله بن سلول زعيم المنافقين " الذي كان والمنافقون معه يأتون عند النبي صلى الله عليه وسلم ويبادرونه بالقول (نشهد إنك لرسول الله) فرد الله تعالى نفاقهم بقوله (والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) ثم حذره منهم بقوله (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون).. وإذن فالمسألة ليست أن يقول البعض ساعة من المدائح النبوية وكثير من السياسة المنحرفة والموجهة ثم يعيش سنة قبل ذلك وأخرى بعدها على أسوأ طوية وأخبث نية! مشكلة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أنه فوق كونه صار بابا للغدر بالإسلام وتكئة لنفاق منافقين يجب أن تظل الأمة حاذرة منهم ؛ أن بعض الجهلة الذين ربما لا تنقصهم النية الحسنة بقدر ما ينقصهم العلم الحقيقي والرشاد الصافي يخلطونه بأقوال من الشرك وأفعال من الرقص والهز المسف والإسراف المذموم في الطعام والشراب المبالغ بما ينزع عن المناسبة طهارتها وعن صاحب المناسبة وقاره وطهارته وتوقيره.. بعضهم لم يلفته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولده وحقه وعظمته إلا حمرة وجنتيه، ودقة مسربته (أي شعرات صدره)، وشثن كفيه (أي ضخامتهما)، وبلج (أي بياض) جبينه، ودعج عينيه (سوادهما في سعة).. فيتغنون ويترنمون بل يتغزلون بذلك تغن أقرب للمجون والسفه منه إلى المديح والتوقير والتعزير.. وبعضهم يرددون أشعارا لا يجوز أن نختلف في رده ورفضه وبدعيته وهو إلى الكفر والشرك أقرب منه للإسلام والإيمان.. كقصيدة " البردة " لمحمد البوصيري التي صارت تلاوتها جزءا لا يتجزأ من احتفالاتهم.. وفيها قوله مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم " أي إن حل بالبوصيري حادث عمم ومصيبة جلل فإنه – حسب قوله – لا يجد أحدا يدعوه أو يلوذ أو يستجير به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم!! والسؤال فأين الله تعالى في ذهن البوصيري؟ والله تعالى يقول سورة البقرة - 186 - (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، وفي بردة البوصيري أيضا قوله " ومن علومك علم اللوح والقلم " أي أن النبي صلى الله عليه وسلم في نظر البوصيري وعقيدته يعلم كل ما في اللوح المحفوظ وكل ما قدره الله تعالى من الأزل إلى الأبد.. أليس هذا افتراء على عقيدة قررها القرآن الكريم وحسمها بعشرات الآيات مثل قوله تعالى في سورة الأنعام الآية 50 (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إلى قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ).. هؤلاء نسألهم: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن ما اتهمت به أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما من الفاحشة هو محض افتراء وكذب؟ فإن قالوا لا فقد انتهت حجتهم وإن قالوا نعم فقد اتهموه صلى الله عليه وسلم بأنه قصر في نصرة زوجته ورضي بظلمها وسمح ببلبلة الرأي العام شهرا كاملا – وحاشاه –! أليس من أبسط معاني الشرف الإنساني والخلق السوي - فضلا عن أن يكون الخلق النبوي - أن يدافع عن زوجته وهو يعلم أنها مظلومة.. هذا – بالطبع - لو كان يعلم براءتها؟ مثل ذلك يقال عن أحداث كثيرة لو كان يعلمها مسبقا لم يكن فعله فيها مبررا ولا مقبولا.. فهل كان يوم بدر يعلم أن منزل الجيش قبل مشورة الحباب بن المنذر ليس الأفضل؟ فلم فعلها إذن؟ وفي يوم أحد هل كان يعلم أن الذين على جبل الرماة سينزلون عنه ويتسببون في هزيمة إخوانهم؟ وإن كان يعلم فلم تركهم يفعلون؟ وفي أحد أيضا هل كان يعلم بأمر الحفرة التي كان حفرها مكيدة الفاسق أبو عامر الراهب؟ ولماذا سقط فيها؟ وهل وهل وهل.. أحداث كثيرة لو كان يعلم الغيب ما عملها ؛ ولو عملها لكان – حاشاه - خائنا لجماعته وصحابته بل لنفسه.. العجيب أنه في حين يشرك مسلمون عندما يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدنا من غير المسلمين من يحسن فيما أساؤوا فيه.. من هؤلاء " عبد الله بوركي " صاحب ورئيس مجلة الصفاء السورية نصراني الذي يقول في مدحه صلى الله عليه وسلم: "إني مسيحي أجلّ محمدا، وأراه في سفر العلا عنوانا، وأطأطئ الرأس الرفيع لذكر من صاغ الحديث وعلم القرآنا، إني أباهي بالنبي لأنه صقل النفوس وهذب الوجدانا " ومنهم " غاندي " زعيم الهندوس الذي قال وأحسن فيما قال " ليدرس الهندوس الإسلام كما درسته، فسيحترمونه كما أحترمه، ولقد أصبحت مقتنعا أن الإسلام لم يأخذ مكانته في الوجود بحد السيف، بل أخذها بالبساطة وإنكار الذات والشجاعة التي اتصف بها النبي محمد " ومنهم " برنارد شو " الفيلسوف والكاتب المعروف الذي يقول " إني أعتقد أن رجلا كمحمد لو تسلم زمام الحكم المطلق في العالم أجمع لتم له النجاح في حكمه ولقاده إلى الخير، ولحل مشاكله على وجه يكفل للعالم السلام والسعادة المنشودة.. ".. آخر القول: من هان عليه في سبيل منافعه الذاتية أن يتحالف مع السراق والفلول والساقطين، وهان عليه كل مقدس ديني ووطني.. لا يمكن أن يكون محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مهما ادعى ذلك أو توهمه، فحبه صلى الله عليه وسلم يجب أن يتجاوز المشاعر إلى الشعائر، ويتجاوز الدعاوى إلى البينات، ويتجاوز التغني المسف في مظهره إلى اتباع سنته واستلهام سيرته والقبول بل الدفاع عن شريعته (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم) وأزعم لو أننا أخذنا في كل شهر خلقا واحدا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم لنجعله شعارا لشهرنا وبرنامجا في بيوتنا وسلوكا في وظائفنا وحديثا في مجالسنا.. لصار أحدنا في سنة واحدة قرآنا يمشي على الأرض.. ولكن يبدو أننا – وللأسف - كلاميون فقط..
623
| 31 يناير 2013
زيارة رئيس وزراء ماليزيا " محمد نجيب " لغزة يوم الثلاثاء قبل يومين تأتي بعد - وفي ذات سياق - زيارة حضرة صاحب السمو " أمير قطر " لها، ثم زيارة رئيس وزراء مصر " السيد هشام قنديل "، والثلاثة عشر وزيراً عربياً ووزير خارجة تركيا الذين زاروها، وفي نفس سياق زيارة السيد " خالد مشعل " وأعضاء مكتب حماس السياسي لها.. هذا الحراك السياسي الذي تشهده غزة وحكومة المقاومة يسترعي الانتباه ويدلل على جملة من الحقائق لا بد من رصدها والاعتبار منها.. وأقول: بداية لا بد من تقرير حقيقة أن هذه الزيارات لا يمكن قطعها عن سياقها السياسي ومستجدات ما بعد حربي الفرقان 2008 وحجارة السجيل الأخيرة وصمود حماس وإبداعاتها فيهما.. كما لا يجوز عزلها عما جرى في مصر بعد خلع الساقط ونظامه الذي كان يحاصر غزة ويمرر سياسات الاحتلال ضدها.. ثم إن الذين قاموا بالزيارات وبما يختلف عن كل محاولات كسر الحصار السابقة هم رجال سياسة وزعماء رسميون وليسو رموز عمل خيري.. صحيح أن في الزيارات دعما ماديا ولكن هذا الدعم يعطيها قيمة عملية وليس هو الأهم فنحن لا نتكلم فقط عن مشاريع أو عن أموال تأتي. زيارات المسؤولين العرب هذه تؤكد أن المقاومة يمكن أن تهزم العدو سياسيا أيضا، ويمكن أن تكسر الطوق الذي يحاول يائسا فرضه عليها وعلى الشعب الفلسطيني منذ سنوات بقدر ما هي قادرة على الصمود في وجهه وإخافته وردع تعدياته ومنع احتلاله.. هنا لا بد من التذكير بأن المقاومة ولدت في رحم الحصار والإغلاق وفي بيئة التجاهل العربي والتناسي العالمي للقضية، وأنها – أي المقاومة – استطاعت هذا الذي استطاعته في فترة قصيرة في عمر الثورات، وبإمكانات محاصرة ومع معاكسة التيار الرسمي الفلسطيني الذي – ودون التوغل في نقده في هذه الفترة بالذات - اختار التسوية وقدم في كل اتفاق تنازلات كثيرة ومقتضيات أمنية ثم تبين بعد عشرين سنة أنها كانت في غير موضعها وأن العدو لا يحترمها وأنها الضريبة التي تدفع لمجرد البقاء أو لبقاء بعض الامتيازات.. الوفود والزيارات الرسمية التي تؤم غزة وتقدم دعمها واحترامها للشعب الفلسطيني ومقاومته اليوم جاءت بعد أن واجهت هذه المقاومة لحظة الانحراف العام عن أهداف التحرير فصححت المسار، وبعد أن عبرت ماديا وميدانيا وبدمها وفلذات كبدها عن إمكانية إهانة كبرياء هذا الكيان المتعجرف الذي لم يكن يحسب حسابا بقليل ولا بكثير لأي قيمة أخلاقية أو إنسانية أو لحرمة أي دولة جارة أو بعيدة.. هذه الزيارات جاءت أيضا بعد أن أثبتت المقاومة أن العدو يمكن هزيمته ليس فقط في الميدان العسكري وحرب الاستنزاف وقصف عاصمته ولكن على الصعد السياسية والدبلوماسية والقانونية والقضائية أيضا فضلا عن الإعلامية، لذا فلم يعد مقبولا أن يقول البعض " إنه يقبل بالمقاومة السلمية ثم يكتفي من كل هذه السلمية بالمظاهرات التي عدتها وسدتها المتضامنون الأجانب والمواطنون البسطاء فيما هو غافل أو متغافل وعن قصد أو من دونه عما يمكن فعله – كما تفعل حماس في غزة.. لقد أثبتت هذه الزيارات أن الرأي العام الدولي والعالمي ليس حكرا حصريا على الغرب وأمريكا ودوائر الاستغلال والاستكبار العابرة للحدو كما كان يُسوّقُ دائما لتبرير الخضوع له... أثبتت أنه لا داعي لمواجهة المقاومة بمقولة " لسنا في جزيرة معزولة " أو مقولة " لا نريد أن نحرج أصدقاءنا في العالم.. " وأثبتت أن الدائرة الأهم قبل الرأي العام العالمي الذي طالما خطبنا وداده وهو منافر شموص هو الرأي العام الإقليمي والعربي والإسلامي الذي يحتضن بحنان الوطنية والقومية والمشاعر الإسلامية الموقف الفلسطيني ويعضده ويحميه وأنه ينبغي المراهنة عليه وحشده.. وهنا لا بد من أربع إشارات: الأولى: أن المقاومة وحكومتها كانت على قدر عال من الرشد السياسي وتفهم المقتضيات والتحولات في خطابها الإعلامي وفهم ما يمكن وما لا يمكن من استقطاب لهذا الرأي العام ثم استثماراته.. ما جعل دولا غير متهمة بدعم الإرهاب ولا بالخصام مع دوائر القرار العالمي كقطر وتركيا وتونس.. بل ومن الغرب نفسه تستقرب إمكانية الاندفاع بخطوة تقارب مع حماس ومع المقاومة وإلى البحث في إمكانية التواصل معها.. الإشارة الثانية: أن الإسلاميين وبالأخص الممتازين بالوسطية والانفتاح وبالقدرة على التفاهم والتفهم والعزيمة على المقاومة والصمود - كحماس- يمكن أن ينجحوا فيما أخفق فيه الآخرون ودون أن يأخذهم ذلك إلى الغرور أو الاستبداد أو إقصاء الآخرين.. ذلك فعلته حماس في غزة ويفعله الإخوان في مصر.. ودعك مما يقوله الخصوم الذين لا تعنيهم الحقيقة إلا بقدر ما تخدم غاياتهم ورغباتهم.. صحيح أن تجربة الإسلاميين قصيرة وأن إنجازاتهم لا تزال محدودة ؛ ولكن المكتوب يقرأ من عنوانه.. وإذن فليعط الإسلاميون الفرصة كما أعطيت لكل من هب ودب، وليكن في الذهن أن ذلك ليس لفائدة الإسلاميين وحدهم ولكنه أيضا لفائدة الشعوب والأمة وحتى لا تحرم البلاد والعباد من إبداعاتهم وإمكاناتهم.. الإشارة الثالثة: لم يبق مسوّغ لمن لا يزالون يتلكأون – حتى الآن – في التواصل مع غزة وفك الحصار عنها أو لا يزالون متخلفين رجعيين يدورون حول مقررات مؤتمر شرم الشيخ الأمني 1996 من القرن الماضي الذي كان يستهدف المقاومة وسمعتها.. ولئن فات هؤلاء السبق والريادة فلا أقل من أن يكونوا من الذين اتبعوا السابقين والرواد بإحسان.. ولست أدري بعد اليوم كيف يغمض جفن من يدعي عروبة أو إسلاما ثم هو يساهم في استهداف المقاومة أو يحاول إحياء أهواء وأحلام الصهاينة العاثرين بتآمر أو بتخاذل! الإشارة الرابعة: أن التفاهم الوطني الفلسطيني يجب أن يكون على برنامج (سياسي أساسه التحرير) وعلاقات المقاومة المستجدة والمتصاعدة مع المحيطيْن العربي والإسلامي ؛ فالتحرير وليس المفاوضات وركوب الصعاب وليس الخطابات هو من جمع هؤلاء الأنصار حول المقاومة وهو الذي جعلهم يراهنون عليها.. وإذن فالخطوة الأولى التي يجب أن تبقى ثابتا فلسطينيا كما هي ثابت عالمي وأخلاقي وإنساني ومنطقي أن انتزاع أي حق من الاحتلال وأي كيان سياسي لا يكون إلا عبر المقاومة الحقيقية وعلى الرأس منها وليس في ذيلها المقاومة المسلحة.. آخر القول: لقد تأكد اليوم أن المقاومة وردع العدو لا يتناقضان مع العمل الدبلوماسي والقانوني والسياسي، وأن حصار غزة صار شيئا من الماضي الذي تجاوزه الفلسطينيون ولا يجوز أن يستعيدوه تحت أي ظرف وأي مقاربة سياسية أو وطنية أو قومية.. وأن المقاومة ووجاهتها وكسر الحصار عنها يجب أن يكون نقطة الانطلاق لأي عمل سياسي وأي أفق مستقبلي..
423
| 24 يناير 2013
الملف الأمني وتشكيل وترسيم العقيدة القتالية للأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية وعلاقة كل ذلك بالمقاومة كان منذ البداية هو سبب الانقسام وهو منذ اليوم الأول لحوارات المصالحة المحك الحقيقي والمعبر الوحيد عن قدرة كل من الحركتين - فتح وحماس - على اجتراح الحلول والتوافقات وإمكانية الوصول للمصالحة أو عدم قدرتهما ثم البقاء في حيص الخلافات وبيص الانقسام وتلبكات الافتراق.ولست أبالغ إن قلت إن هذا الملف – الأمني - هو ملف المصالحة الأساسي والوحيد؛ وأن ما سواه لا يعدو أن يكون جزءا من البيئة الحاضنة لاتفاق المصالحة وليس أهم ما فيها.. الملف الأمني هو أعقد الملفات ولذلك كان الفريقان كلما اقتربا منه سارعا للابتعاد عنه وترحيله حتى لا يقعا في فشل يضفي يأسا على الحوارات ويصدر رسالة سلبية عن إمكانية المصالحة.. ولتوضيح ذلك ثمة أسئلة أظن أن مريدي وجمهور الفريقين - فتح وحماس - وكل الشعب الفلسطيني كانا ولا يزالان يطرحانها على القيادتين في الطرفين؛ هل ستقبل حركة فتح أن تقاسمها حماس أجهزة الأمن في الضفة؟ وهل ستقبل بإعادة البنية التحتية لتنظيم حماس من جمعيات ومؤسسات وأموال وحريات..؟ وهل ستوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال؟ وعلى فرض أنها قبلت بكل ذلك أو فكرت جديا فيه فهل هي على استعداد لدفع الثمن الذي قد يكون دما بوزن دم عرفات أو ربما وجود السلطة ذاتها وأن تصير مطاردة للاحتلال كما حماس؟ وإذا تمت المصالحة ورجعت فتح إلى غزة كسلطة قائدة أو كفصيل كبير له برنامج ويلتزم باتفاقيات – مع الاحتلال من جهة ومع حماس من جهة أخرى – فكيف ستوفق بين الاتفاقين أو بين الاتفاقات في الجهتين؟ وهل ستقبل ببقاء أجهزة الأمن وجيوش المقاومة التي أنشأتها وتقودها حماس وحكومة غزة؟ وهل ستخوض مواجهات وتحقق انتصارات مثل كنس الاحتلال في 2005، وخطف شاليط في 2006 والمحافظة عليه في عملية أمنية معقدة لأكثر من خمس سنوات ثم مبادلته بأكثر من ألف وخمسمائة أسيرا معظمهم من المحكومين بالمؤبدات؟ وهل هي مستعدة أو قادرة على رد وصد عدوان كعدوان 2008 – 2009 وكعدوان 2012 الأخير؟ وهل ستقبل بقصف أو بالمشاركة في قصف تل أبيب والكنيست ومستوطنات الضفة وأن تستقدم وتصنع الصواريخ وأن تزرع بها الأرض ليل نهار.. كل ذلك على غرار ما تفعله حماس والمقاومة في غزة الآن؟ الحقيقة أن حركة فتح قد أجابت قبل يومين على هذه الأسئلة في حواراتها الأخيرة مع حماس – في القاهرة – فقد ذكرت مصادر مطلعة في السلطة لجهات صحفية أن مفاوضي فتح يصرون على إبقاء الأجهزة الأمنية العاملة بالضفة الغربية على ما هي عليه من حيث تركيبتها وعقيدتها وقياداتها ومهامها – بعيدا عن حماس وفصائل المقاومة – واعتبار هذه الأجهزة " الوحيدة حصريا " العاملة على كل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحصر حق حمل السلاح بها.. المصادر قالت أيضا: إن حركة فتح تصر - في سياق هذه الرؤية وفي سياق الخوف من ردة فعل الاحتلال - على حل " كتائب عز الدين القسّام " الجناح العسكري المسلّح لحماس وعلى حل جميع القوى المسلحة التابعة للفصائل في غزة.. ذات المصادر نقلت عن القيادة المصرية تخوفها أن يؤدي هذا الخلاف الحاد والجوهري بين الفصيلين الفلسطينيين إلى تفجير مساعي المصالحة كلها.. وأقول وبعيدا عن التشاؤم وكثير من الواقعية: إن هذه المحددات التي وضعتها السلطة لن تقبلها حماس ولن يقبل بها الشعب الفلسطيني ولا الشعوب العربية من حوله بأي حال، فوق أنها محددات لا تتناسب مع إنجازات حماس في المقاومة ولا مع مكانتها كفصيل كبير، ولا مع انتصاراتها، ولا مع المقارنة الموضوعية التفاضلية بين حالي الحركتين من حيث الإمكانات والواقع والمستقبل والتحديات.. لكن هل هذا يعني أن الانقسام صار على الشعب الفلسطيني وطموحاته قدرا مقدورا وحتما محتوما؛ أم أن ثمة ما يمكن الدوران حوله والوصول من خلاله؟ وأقول: إن الوقائع على الأرض من افتراق واتفاق وأسبابهما ومن تداخلات وظروف واعتبارات لدى كل من الحركتين لا تسمح بتحقيق المصالحة في يوم وليلة أو بمجرد توفر الرغبات والنيات مهما كانت صادقة ومخلصة.. فلابد قبل توهم إمكانية مسح خمس سنوات من الانقسام الفعلي وأكثر من أربعة أضعافها في مقدمات الانقسام؛ لا بد من فترة زمنية حقيقية تتوقف فيها الحملات الإعلامية وتتغير فيها لغة الخطاب بين الحركتين ويتوقف فيها الاعتقال السياسي وتصفى فيها كل أسباب الانقسام الفكرية والسياسية.. وهذه كلها لم يتحقق منها شيء حتى الآن!! قد يقال: إن مساعي المصالحة مستمرة منذ أربع سنوات وليس ضروريا انتظار أربع أو عشر أخرى، وقد يقال إن الاستيطان والتهويد لا يسمحان بفرص كثيرة للمناورة أو اللف والدوران بعيدا عن المصالحة!! وأقول: لنتفق على أن من الخطأ عد السنوات الأربع الماضية في سجل المصالحة مهما تعددت فيها اللقاءات والرسائل السياسية بين الفريقين ؛ وذلك لأن كلا الطرفين ظلا طيلتها متمترسين في مربع الخلاف والتناقض ولم يستجمعا قليلا ولا كثيرا من مؤهلات المصالحة، اللهم إلا السماح الأخير المتبادل في مناسبة احتفالات الانطلاقتين في الضفة وغزة ؛ لنتفق أيضا على أن مصالحة حقيقية عميقة دائمة هي الطريق المختصر وبالتأكيد لسنا نريد استعجالا يؤول للفشل والرواح والمجيء والدوران حولها . ولنتفق أيضا ؛ على أن العدو لن يسمح لفتح بمصالحة تأتي بحماس إلى الضفة أو تذهب بها للمقاومة في غزة، وعلى أن العدو يملك أوراق ضغط كثيرة داخل السلطة وحواليها برز بعضها يوم اغتيال عرفات ويوم استطاع أن يمرر الأمر على فتح وعلى الشعب الفلسطيني كما يريد العدو وربما أزيد مما كان يتوقع.. وأيضا لنتفق على أن مصلحة الشعب الفلسطيني في الثورة والمقاومة وحماية مكتسبات الحربين 2008-2009. 2012 أكبر بكثير من مصلحته في المصالحة وبالأخص إذا كانت ستسير في هوى الاحتلال وتحرم الشعب الفلسطيني من أمل التحرير ومن احترام الأمة الذي نالته بالكثير من الدماء والتضحيات وهو ما يعني عمليا إضاعة ربع قرن من الجهد السياسي والإبداع الثوري للمقاومة عموما ولحماس خصوصا، وعليه فلا يجوز وضع الشعب الفلسطيني بين تناقضية المقاومة أو المصالحة لأنه سيختار المقاومة ومنجزاتها دون أدنى شك.. آخر القول: على فتح تفهم ما طرأ على الشعب الفلسطيني في غزة منذ الانقسام وما طرأ على حماس من قوة ومزيد شرعية ثورية – هذا صحيح ؛ وصحيح أيضا أن على حماس تفهم واقع وحال فتح في الضفة وأنها تحت الاحتلال المباشر، وأن كثيرا من المطلوبات منها نظريا أكبر بكثير من قدرتها على تحقيقه عمليا.. لكن ما يجب أن تراعيه فتح وحماس هو أن يكون التفهم في الجهتين في سياق برنامج خارطة طريق للتقارب صعودا نحو المقاومة كحق مشروع وكتجربة ناجحة وكإنجازات وطنية عامة وليس نزولا عند التسوية العاثرة والمفاوضات البائسة.
450
| 17 يناير 2013
قبل يومين وتحديدا يوم الثلاثاء 8/1 وفي الوقت الذي كان يؤكد فيه نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"السيد موسى أبو مرزوق أن "وفدًا من الحركة بقيادة رئيس مكتبها السيد خالد مشعل سيصل إلى القاهرة للتباحث بشأن المصالحة.. كان الأخ عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح يصرح بنفي وجود أية ترتيبات تتعلق بعقد لقاء بين مشعل وأبو مازن في إطار زيارتهما للقاهرة التي سيصلانها بناء على دعوة من الرئيس المصري.. تصريح عزام الأحمد لم يأت كإضافة أو كتعقيب لا بد منه على إجابة سؤال وجه إليه.. وكان باستطاعته أن يتجنب النفي أو الإثبات احتراما لاحتمالية أن يلتقي الرجلان.. وما المانع أن يقع في ذهن الناس – إن حدث اللقاء – أنه كان معدا قبلا، وأن القائدين يتحركان وفق رؤية واضحة وترتيبات مسبقة؟! أليس يلفت النظر هذا التصريح أولا بكون مطلقه هو السيد عزام الأحمد – عضو اللجنة المركزية لفتح - في حين أن مطلق تصريح حماس هو عضو لجنتها ثم نائب رئيس مكتبها؟ وثانيا: أليس لفرق الرتبتين التنظيميتين دلالة على استعلاء واستكبار في غير موضعه فيما يفترض منه أن يطرح نفسه كشريك مساو في الحوار والمصالحة؟ اللهم إلا إذا كان " الأحمد " لا يرى السيد مشعل كفئا لعباس، أو أنه أراد توجيه رسالة لجهة ما بأن أي مصالحة ستكون يد فتح والسلطة فيها العليا!! ربما يعتبر البعض أن ما قاله "الأحمد" مجرد تصريح شرود وأنه لا يستحق كل هذا التحميل أو التحامل! وأن البحث في فروق سياقه ومنطوقه ومفهومه وقائله والمقول له تعلل وتعنت في غير محله! وأقول: إن تصريح "الأحمد" ومهما أحسنّا الظن فيه لا يتناسب مع ضرورات بناء الثقة على أساس الاحترام والتكافؤ بين الحركتين بعد أكثر من ست سنوات من الفصام والخصام والانقسام والاستعلاء المتبادل، ولا يتناسب مع الإنجازات والانتصارات التاريخية التي حققتها وتحققها على أرض الواقع لنفسها وشعبها وأنصارها، ولا مع أجواء الوئام الناشئ بين الحركتين بعد مهرجانات الانطلاقتين في الضفة وغزة، ولا مع واجب رد التحية على حماس بمثلها إن لم يكن بأحسن منها بعد أن قامت بالإفراج طوعا وتقربا عن فتحويين مدانين بأعمال إجرامية، وبعد أن سمحت لفتحويين آخرين هاربين منذ الحسم بالعودة لغزة، وبعد أن سمحت لفتح بالاحتفال بانطلاقتها وأمّنت لها المكان والزمان.. الحقيقة أن ما جاء على لسان " الأحمد " لا يمكن قطعه عن استهداف السلطة لحماس بعد مهرجانات الحركتين التي بشرت بالمصالحة، فقد عادت الاعتقالات وعاد التضييق الأمني على حماس من جديد ؛ فمنذ بداية هذا الأسبوع – فقط – اعتقلت أجهزة أمن السلطة عشرات القيادات والرموز كالشيخين حماد العملة وخضر غنيمات، والأسرى المحررين أمثال طارق فضل وطارق دعيس وعبد الرحمن هندية، وال18 طالبا جامعيا وثانويا الذين قادوا احتفالات انطلاقة حماس.. ذلك يعيد طرح السؤال الدائم: هل السلطة معنية بالمصالحة؟ وإذا كانت معنية – وأنا أشك في ذلك وعن تحليل منطقي وموضوعي لا عن سوء ظن - فلماذا إذن تعاكسها وتتلكأ بها وتناور حولها؟ وأقول: لا أعتقد أن فتح ترفض المصالحة بالمطلق ولكنها تريد مصالحة تعيدها إلى غزة، وتجير لها منجزاتها، وتكسبها مساحة أخرى للشرعية الدولية، وهي تتمنى أن يأتي يوم تكون فيه كما أي نظام يستهدف ما يسميه الإرهاب – الحركات السياسية الإسلامية – وهي لا تريد مصالحة تعيد حماس ومؤسساتها وفعالياتها إلى الضفة.. وفي هذا السياق تأتي كل محاولاتها لجعل الانتخابات التجسيد الوحيد للمصالحة ثم نقطة أول السطر.. علما بأن التصالح لا يقوم على المغالبة التي تقوم عليها الانتخابات، وعلما أيضا بأنها – أي فتح – لا تزال ترفض تفعيل المجلس التشريعي الذي جاءت به انتخابات 2006 التي هي تعترف بأنها كانت نزيهة وشفافة وحقيقية.. فتح لا تريد مصالحة تعيد حماس للضفة وهي لا تضمن قدرتها على تنفيذ أي اتفاق على ذلك ؛ ثم إن المصالحة بمنطق التبادلية والتكافؤ بالنسبة لفتح وللسيد عباس مرفوضة لأنها إن حملت مطمعا بمد النفوذ لغزة فهي مشوبة بثلاثة أخواف ؛ هي: خوف أن تفضي المصالحة لإنفاذ يد حماس في الضفة بما يؤول لاحقا لسيطرتها عليها كما سيطرت على غزة وبما يعطي الاحتلال مسوغ الاجتياحات وأن يحول ذلك العناوين السياسية إلى عناوين مقاومة وثورة وسلاح ومواجهات هي لم تتحضر لها ولم تعد تستطيع المنافسة فيها، وخوف أن تنطلق الانتفاضة الثالثة حتى لو اكتفت حماس بالعمل في الضفة ضمن حراك سلمي تظاهري متفق عليه.. أما الخوف الثالث فهو متعلق بنفوذ " دحلان " وأنصاره في غزة وهو ما ينغص المكسب الوحيد لعباس والسلطة إن عادت إليها.. فإذا كان الخوف أشد تأثيرا وأكثر أسرا لصاحبه من الطمع إذا وضعا في الميزان ؛ فكيف بخوفين مقابل طمع واحد، وكيف إذا كان هذا الطمع مشوبا بخوف ثالث؟! ومع ذلك فإن على السيد عباس ألا يظل مستسلما لخوفه الشخصي وحساباته الذاتية والحزبية والآنية، فثمة أخواف وتحديات أخرى لا يستطيع أن يتجاهلها إلى الأبد ؛ فاستمرار الانقسام ومفاعيله خوف وتحد، وتعطل عملية التسوية وفقدان المشروع الأساس للسلطة خوف وتحد، وما سيترتب على خطوته باتجاه الأمم المتحدة من تحديات العدو وتأزيماته خوف وتحد، واستمرار التهويد وتصاعد اعتداءات المستوطنين خوف وتحد، وما تقوم به أجهزة أمن السلطة من توحيد الحال مع الاحتلال وانحيازها لسلام فياض على حساب فتح خوف وتحد، وأجواء الثورات العربية التي يمكن أن تنساح وتنداح في الأراضي الفلسطينية رغما عنه خوف وتحد، ووجود وتمردات محمد دحلان وأنصاره واحتمالية أن يتواصل مع حماس وأن يقدم لها تنازلات قد تقبلها تحت ضغط الرغبة في التصالح - وهو ما بدأت تقوله إشاعات صحافية - هو الآخر خوف وتحد. آخر القول: يبدو أن الحوار الفلسطيني سيظل يراوح مكانه لأن السلطة لم تحسم موقفها باتجاه المصالحة بعد، ولأن حماس ومهما أوتيت من الرغبة في المصالحة لن تستطيع أن تقيمها وحدها.
439
| 10 يناير 2013
في مطلع العام الجديد تختلف الآراء في تقدير حالة الربيع العربي واستشراف ما سيكون عليه هذا العام قربا أو بعدا من تحقيق غايات وطموحات الثورات أو نقص ذلك أو عدمه ووقوع انهيارات اقتصادية كبيرة واستحرار القتل والقتال واستشراء التدمير في بلاد هذه الثورات.. بعض المحللين وهم أصلا يحسنون الظن في هذه الثورات يتجاوزون الوقائع على الأرض فيتوهمون أن النصر وراء الباب ؛ فيما فريق آخر يكرهون الثورات إما عن جهل بمضمونها أو عن سوء ظن بها أو عن فساد وتورط ضدها وإما انحيازا لانتماءات شخصية وحزبية تنافسية معها فهم يرونها تهددهم فيبالغون في البحث عن نواقضها ونواقصها والمنفرات عنها والمشوهات لها.. لكن ما تجب ملاحظته هو أن جميع المحللين تلتقي تحليلاتهم على أن الثورات صارت حقيقة واقعة بذاتها في بعض البلاد وبمفاعيلها وتأثيراتها في سواها من البلاد التي لا تزال تحلم بالتغيير.. وأقول: الأكيد أن على من يتصدى للتحليل السياسي أن يكون صادقا مع نفسه وموضوعيا محايدا في نظرته.. فليس يصح أن تتحكم فيه النوازع الشخصية والمماحكات الحزبية ليرسم صورة متمناة أكثر منها مقنعة وهو وحده الذي يراها وليس بالضرورة أن غيره مثله أو مثل من هم على شاكلته.. وأقول: الثورة في فلسطين أنجزت بضربها تل أبيب ومستوطنات الضفة وبصمودها في مواجهة العدوان مضافا لتحرير الأسرى قبل عام، ذلك أفضي بالضرورة إلى مزيد من استقرار المقاومة وتجذر معادلاتها والقناعة بها، بقدر ما قرر في ذهن العدو أن مواجهتها تعني المزيد من الإحباط والفشل والخزي له ؛ وبقدر ما تقرر في ذهن السلطة أن لا سبيل لإنهاء الانقسام بين الضفة والسلطة من جهة وبين المقاومة وغزة من جهة أخرى إلا على قاعدة الاعتراف بالمقاومة ورفض كل التدخلات الضاغطة للاشتباك معها والتنسيق ضدها.. هذا الناتج إذا أضفناه لما تعانيه السلطة في الضفة من العدو بسبب الخطوة تجاه الأمم المتحدة وبسبب الاستيطان النشط وتعطل عملية التسوية.. فإن استشراف المستقبل على هذا الأساس يقول إن التغيير في محيط العام الجديد سيتجاوز غزة إلى الضفة وسيتجاوزهما إلى مجمل المشهد الفلسطيني في كل تفاصيله وأداءاته؟! وفي مصر ؛ بعد أن كان مكر أحمد الزند وتهاني الجبالي والنائب العام والمجلس العسكري ومن لف لفيفهم من قادة أجهزة ومن فلول وبلطجية.. بعد أن كان مكرهم لتزول منه الجبال.. إذ بهم اليوم وبتوفيق من الله تعالى للثورة وبحنكة من الرئيس في حمايتها وبوعي من الشعب المصري في رفدها والالتفاف حولها ؛ إذ بهم – خصوم الثورة - يخسرون كل معاركهم ضدها حتى الآن على الأقل.. ألم يقبل الشعب المصري الدستور ويمرره؟ ألم تتفكك كثير من مكونات ما تسمى جبهة الإنقاذ حتى من المؤسسين؟ ألم تنحز أغلبية الثلثين للرئيس رغم كل الحروب الإعلامية والترويجية والمالية التي خاضها الإعلام المضاد؟ ألم تحل الهزيمة بالمتآمرين؟ أين أقوى رجلين في المجلس العسكري " طنطاوي وعنان "؟ وأين المجلس العسكري كله من المشهد السياسي الحالي؟ وأين رموز الثورة المضادة؟ أين تهاني الجبالي؟ وأين عبد المجيد محمود " النائب العام " السابق الذي لم يكن همه النيابة عن الشعب بقدر ما كان تعطيل مفاعيل الثورة وحماية الفلول؟ وأين مليونيات ميدان التحرير وقصر الاتحادية.. ولماذا وعلام انفضّوا؟ كل هذه مؤشرات واقعية لا يختلف على وجودها اثنان ولا يتناطح في الإقرار بدلالاتها كبشان، فالثورة المصرية تواصل انتصاراتها.. فإذا رمينا النظر إلى أبعد مما يجري الآن وحاولنا استشراف المستقبل ؛ فإلى أي الاتجاهين تسير الأمور؟ وأي الفريقين في اتجاه البقاء وأيهما في اتجاه التفكك والتلاشي والانفضاض؟ لنسترشد بنتائج الاستفتاء الأخير.. حيث اجتمع كل خصوم الرئيس وخصوم الثورة وخصوم مصر (من ليبراليين وقوميين وناصريين وعلمانيين.. مدعومين من الخارج وغير مدعومين، و– للأسف - بعض الإسلاميين، ومعهم الغوغاء والفلول) في صعيد واحد ثم لم يحصلوا إلا على نسبة الثلث وهم الذين في انتخابات الرئاسة قبل ستة أشهر كانوا يمثلون مجتمعين أكثر من %75.. الحقيقة أن من لا يرى ورطة هؤلاء هو لا يرى الشمس في رابعة النهار.. وفي سوريا ؛ ها هو النظام المعادي شعبه.. ها هو يفقد كل يوم مواقع جديدة، إن على صعيد المواجهة العسكرية والميدانية أو على صعيد السياسة والدبلوماسية أو على صعيد التقبل الفكري لدى الرأي العام.. وها هو الشعب السوري الذي ظل لأكثر من خمسين سنة يتجرع الآلام ويعتصر المرارات ويفتقد لأبسط درجات الأمن النفسي والوطني.. ها هو يثور! وها هو يصنع قياداته! وها هو يتواصل مع العالم كله كما لو كان عمر ثورته عشرات السنين.. أعتقد أن انكسار هيبة النظام السوري، وانكشاف شرعيته القانونية والأخلاقية والوطنية والقومية، واستمرار الثورة ضده وتصاعد وتائرها.. قد أنجز حصيلة إستراتيجية لا تجوز الغفلة عنها أو عن آمادها في المستقبل ؛ هي أن الشعب السوري لن يقبل بهذا النظام ولا بجزء منه لا كأشخاص ولا كأيديولوجية ولا من أجل مصالحة ولا من أجل وساطة ولا ضمن تسوية.. وعليه فأي هزيمة لشعب هذا حاله واتجاهه؟! وأي بقاء لنظام هذا خسرانه وافتضاحه؟ آخر القول: صحيح أن التحديات التي تستهدف الثورات العربية وتحاول القضاء عليها وإرباكها وتحريفها لن تتوقف ؛ لكن صحيح أيضا أن هذه الثورات تكاد تصل خط النهاية، وربما لن ننتظر حتى نهاية العام الحالي ليتحقق ذلك..
427
| 03 يناير 2013
لا شك أن الأستاذ "عمرو خالد" الداعية المعروف قد حقق شعبية جارفة قبل سنوات من خلال برنامجه الدعوي الذي ارتكز على القصص النبوي والتحليل الفكري والتربوي لأحداث السيرة.. ولعل لرحيله عن مصر مدة ثماني سنوات قضاها في انجلترا وقيل إن أسبابها أمنية وسياسية قد رفع من رصيده الشعبي لأن من يعادي نظاما متصهينا أو يعاديه نظام متصهين كنظام حسني لا بد أن يكون على قدر من الخير والموثوقية والمبدئية". لكن عودة الرجل إلى مصر بصورة مفاجئة في 2010 وبدؤه هذه العودة بإقامة ندوة في جمعية أهلية بالإسكندرية يرأسها اللواء "محمد عبدالسلام محجوب" مرشح الحزب الوطني الحاكم لانتخابات مجلس الشعب آنذاك ضد مرشح الإخوان القيادي صبحي صالح قد استنزف الكثير من هذا الرصيد الشعبي، وألقى على عودته وأسبابها وأبعادها الكثير من التشكيك حتى إن الدكتور سليم العوا قال معقبا عليها: "أحد الدعاة استخدمه الحزب الحاكم في الدعاية له ولمرشحيه رغم ما يروجه هذا الداعية بأنه من المغضوب عليهم من الحكومة". وأقول: صحيح أن من الدعاة من سقط بانحيازه ضد الثورة – وهم ولله الحمد قلة ولكن أكثرهم سرعان ما استوعبوا القضية واهتدوا إلى الصواب فيها فحاولوا ونجحوا إلى حد ما في استرجاع ما فقدوا من الاحترام.. فمنهم من تغيرت لهجته ومنهم من اعترف بخطئه.. لكن الأستاذ "خالد" وبدلا من أن يستثمر عدم تنبه الناس لعلاقاته ببعض رموز الحزب المنحل ويزيد من الابتعاد عنهم؛ إذ به يتقرب منهم أكثر فأكثر، وإذ به يحاول تسويقهم على أتباعه ومريديه من خلال " منتدى أهل مصر " ذلك التجمع الاقتصادي الذي شكله كبيت للخبرة الإدارية والتنموية وضم إليه العديد من رجال الأعمال والوزراء السابقين ورموز الحزب المنحل.. وإذا به أيضا وفي سياق الانتخابات الرئاسية يصرح لـ"سي بي سي" أن التنافس بين الدكتور "مرسي" وجنرال الفلول "الهارب" إنما هو أشبه بالفتنة بين علي ومعاوية! وبأنه – أي عمرو خالد - اختار أن يجسد موقف عبدالله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – من تلك الفتنة – باعتزالها وعدم التحيز أو الخوض فيها.. ثم عندما وقعت معركة الدستور الفاصلة والتي استقطبت وفرزت الأفكار والأحزاب والاتجاهات وأنطقت من به بكم وأسمعت من به صمم إذ به ينحاز لمجموعة الرافضين الدستور مع البرادعي وعمرو موسى والعلمانيين والقوميين والصليبيين في مواجهة الإخوان والسلفيين والجماعة الإسلامية وجمهرة الشعب المصري الذين اختاروا الـ" نعم".. وأقول أيضا: بالتأكيد لا يمكن اختزال عمرو خالد ومواقفه والحكم عليه في أربعة أو خمسة مواقف سيئة تورط فيها، وبالتأكيد ليس ممنوعا على عمرو خالد أو سواه من الناس أن يعملوا بالسياسة وأن يقبلوا أو يرفضوا الدستور، وبالتأكيد ليس موقف الإخوان والسلفيين من الدستور وتداعيات الاختلاف عليه هي المحدد الأوحد لقياس الصواب والخطأ في هذه القضية.. لكن؛ وبنفس القدر من الإصرار والضرورة لا يمكن تجاهل أن الخلافات بين من اختار أن يقف معهم الأستاذ عمرو خالد ومن اختار أن يعاديهم ليس الفارق بينها بسيطا أو صغيرا أو عائما يمكن أن تضل فيه الأفهام أو تزيغ عنه العقول.. وبالتأكيد والضرورة أيضا أن مواقفه هذه ومهما بدت صغيرة أو قليلة إلا أنها تأتي في بداية عمله السياسي وفي لحظة فرز وتمايز كبيرين لذا فهي تعبر عن نقطة ارتكاز وجهة انطلاق، وهي تتأسس على مفهوم الولاء والبراء العقدي الذي عليه يقوم جوهر فهم وتطبيق الإسلام، أوثق عرى الإيمان.. بالتالي فإشكالات الرجل تطاول الأصول ولا تكتفي بالفروع وهي في المبادئ والأساسات لا على الأطراف والمكملات. وأقول: إذا كان الأستاذ عمرو خالد لا يزال محتارا بين مرسي وخصومه، وإذا كان لا يزال يرى الجنرال "الفاسد الهارب الذي تطارده أكثر من 35 تهمة جرائمية" أحد اثنين من الصحابة الكرام "علي أو معاوية" وإذا كان لا يزال مصرا على أنه هو عبدالله بن عمر لهذا الزمان وفي هذه "الفتنة".. فإن لنا أن نسأله: هل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليقبل التماهي مع من يعتبرون نصرة مرسي لغزة وأطفالها ومستشفياتها ومدارسها في وجه العدو الصهيوني تهمة يجب أن يتخلص منها وعارا يجب أن يدفعه عن نفسه؟ وهل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليقبل أن يكون في سواد الكاذبين والفاسدين والمجرمين ومن يرفضون الشريعة ويعتبرونها تخلفا ورجعية؟ وهل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليكون في حلف من يرفضون الدستور بسبب أن من يكتبونه لا يؤمنون بالهلوكوست اليهودي المزعوم؟ وهل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليحتار في التفضيل بين "مرسي" الإسلامي الذي يحفظ القرآن الكريم ويصلي الخمس ويؤدي العشر أو نصف العشر ويقوم الليل ويصوم الاثنين والخميس، وفلول الفاسدين والمجرمين والذين تحالفوا معهم ووصل تحالفهم إلى إراقة الدماء وقتل الأبرياء ومحاولة تهديم كل إنجازات الثورة؟ الحقيقة أن على عمرو خالد وكل من نال شعبية لدى الجمهرة الطيبة من الناس أن يعلموا أنهم إنما نالوا ذلك بكونهم في نظر الناس العلماء الفضلاء والدعاة الكرماء والقدوات الكاملة، وبما يرونه فيهم من علو فهم وعمق فقه وكثرة خبرة ونصاعة نزاهة وشدة استقامة.. وأنهم إن نطقوا فبنص مثبت.. وإن اختاروا فباجتهاد محكم.. لذا كانت سقطة العالم سقطة أمة، وكان خطؤه على حد عال من الخطورة والفداحة. والحقيقة أيضا أن على الناس فهم أن العلماء والدعاة مهما بلغوا من الفهم وتحصنوا بالفقه، وأيا كان ما وطنوا أنفسهم عليه من العصامية والمعصومية وكل الشفافية والطهارة؛ فإنما هم بشر ككل البشر، فإن كانوا يصيبون عادة فلا يمنع ذلك أن يخطئوا، أو كانوا مستقيمين دائما؛ فلا يمنع أن ينحرفوا، وإن كانوا عالمين عارفين فلا يمنع أنهم قد يجهلون.. ولست أقول ذلك لتسويغ خطيئة ولا لتسويق خطأ.. ولكنها الحقيقة التي لا بد أن تذكر كلما رأينا سقطة أخلاقية لأحدهم أو شائهة آرائية أو ضلالة مواقفية من بعضهم.. آخر القول: لست متفاجئا بالأستاذ عمرو خالد وبالتأكيد لن أكون متفاجئا بسواه من الدعاة أو العلماء مهما بلغت بهم المنازل أو هملجت بهم البراذين، والظن أن مشكلة هؤلاء في الأعم الأغلب هي من جهة العلم والفهم واستيعاب خير الخيرين وشر الشرين لا من جهة الإخلاص والنية والرغبة في النجاح.. وليس كل من يحسن القول يحسن العمل، ولا كل من ينبغ في فن يجيد غيره، ويبقى أن خط الإسلام ومنهاج النبوة هو ما يجب أن يظل العدة والعتاد (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).. نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الخطل والزلل وأن يعيذنا من الحَوَر بعد الكَوَر.. آمين.
997
| 27 ديسمبر 2012
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3033
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2214
| 23 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1038
| 27 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
726
| 23 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
726
| 28 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
567
| 27 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
519
| 22 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
459
| 25 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
429
| 23 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
417
| 28 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية