رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خصوم الإسلاميين .. قفوا وفكروا واستعيدوا توازنكم !!

السيناتور الأمريكي "كارل ليفن" صرح قبل أيام لمجلة أخبار الأسبوع الأمريكية بأن قوة الرئيس المصري ظهرت في دعمه لقطاع غزة دون النظر إلى الضغط الأمريكي عليه ما جعل أمريكا ودولة "صهيون" تتسولان وساطته لوقف إطلاق النار.. " وقال السيناتور " ليفن ": ولهذا تدعم الإدارة الأمريكية المعارضة المصرية في الآونة الأخيرة لإسقاط أو لإضعاف الرئيس "مرسي" فهي لا تريد زعيما عربيا قويا يقف ضد مصالحها ولن تهدأ حتى تسقطه أو تضعفه بمعارضة تعمل لصالح الغرب".  وأقول: بالتأكيد لا يمكن اتهام السيناتور "ليفن" بمحاباة الرئيس مرسي فهو ليس من وزرائه ولا هو من السلفيين ولا ممن بايعوا مرشد الإخوان المسلمين على السمع والطاعة، وتصريحه ليس بدعا من الفهم ولا النقل فقد وافق كل المنصفين الذين نظروا الحالة الاعتراضية في مصر ووصفوها وشخّصوها ؛ لكنه إن أضاف فقد أضاف معلومة مهمة كانت مجرد تحليل توقعي لعلاقة المعارضة بأمريكا ومخابراتها وغاياتها في المنطقة.. ولعلاقة ما يقومون به من مشاكسات لا متناهية ضد الرئيس بموقفه من العدوان على غزة.. لقد أجاب على سؤال تردد في ذهني كثيرا هو: لماذا كانت دائما ما تنزلق ألسن هؤلاء المعارضين للحديث عن غزة وعن الأنفاق بينها وبين سيناء حتى لو كانوا يتحدثون عن سعر كيلو الطماطم في الصعيد؟ وأجاب على سؤال آخر هو: لماذا أدخلوا الهولوكوست اليهودي المزعوم في أزمة الدستور؟ حقا لقد فكك السيناتور " ليفن " بهذا التصريح ألغازا لا لغزا واحدا وأبان سبب وماهية وهوية هذه المعارضة ووضع النقاط على الحروف..  العجيب أن هؤلاء الذين رضوا أن ينسقوا مع أمريكا وأن يتسخروا في غاياتها الإستراتيجية هم الذين طالما صدّعوا رؤوسنا باتهام الإسلاميين بالعمالة للأجنبي والارتباط بالخارج، والعجيب أن هؤلاء المعارضين لكل شيء وبغير حجة ويسيرون إلى المجهول ويجمدون على مقولات لمجرد القول وعلى معارضات لمجرد المعارضة.. هم الذين كانوا دائما ينعتون الإسلاميين بالظلامية والحجرية والجمود والتخلف والغباء السياسي والتوهان الوطني!  خاب فألهم وانتكس طالعهم وبار ولله الحمد مكرهم وكيدهم.. ثم ها هي الشعوب الواعية تسقطهم، وها هي تختار الإسلاميين عنهم، تختار الإسلاميين اليوم فتجدهم كما صبروا من قبل على ظلم ذوي القربى وتحريض ذوي البعدى، وكما واجهوا كل ذلك بمزيد من الصمود والشموخ والاستمرار في البذل والحكمة.. تجدهم وقد تمكنوا من الحكم ووصلوا إلى الشرعية يصبرون على الإساءات ويكشفون ببراعة ووعي وحكمة المؤامرات ويقدمون سلامة الوطن على سلامة ذواتهم وأحزابهم ومقراتهم.. فيما تسقط أقنعة الآخرين فيلوذون بالفوضى ويلجأون للعبث ويتحالفون مع الجريمة، ويبيعون الوطن بأموال الارتزاق، ويستدعون الاستعمار الأجنبي، ويستنجدون بالعسكر، ويرفضون الاحتكام لصناديق الاقتراع.. ولسان حالهم نارك يا حسني وجهنمك يا إسرائيل أهون من حكم الإسلاميين.  لقد انكشف الغطاء وثبتت الحجة وبانت المحجة؛ انكشف قضاة يفترض أن ميزتهم وأهليتهم ومهنتهم الأساسية هي حماية القانون والتظلل بالدستور فكانوا أول من يكسر القانون وأكثر من يحتقر الدستور وأوقح من يتمرد على الشرعية.. لا يتحرجون من التحالف مع البلطجية والفاسدين والمجرمين وأصحاب السوابق ويستبدلون أقدس معاني العدالة بأوسخ أشكال المناورات والمؤامرات والارتزاق.. وانكشف إعلاميون يفترض أنهم الناقلون الحقيقة.. انكشفوا إذ "يفبركون" الأخبار ويصنعون الأكاذيب ويدلسون على الرأي العام وينتهكون خصوصيات المخالفين كما يفعل السوقة والوضعاء والجهلة والمنحرفون! وانكشف ليبراليون يفترض أن أيديولوجيتهم ونحلتهم تقوم - كما يزعمون- على الديمقراطية والحرية؛ انكشفوا إذ يرفضون التحاكم لصندوق الاقتراع، وإذ يحتقرون الشعب ويجاهرون بالمطالبة بمنع عامة الناس من حق الانتخاب (لأنهم جهلة) حسب رأيهم!!  ولنا أن نسأل هؤلاء - المنتسبين للمعارضات- في مصر أو في غيرها.. ونخص مصر لأنها حلبة الصراع اليوم ولأنها أظهر نماذج القياس والتقصي؛ نسألهم وعلى فرض أن ما يأتون به من طامّات سياسية ومن موبقات وطنية هو مجرد أخطاء غير مقصودة واجتهادات غير محسوبة.. نسألهم: ألا يفكرون في غد؟ وإذا كان الناس قد أسقطوهم وهم جزء من الثورة وقبل أن يتودكوا بكل هذه الافتضاحات فهل سينتخبونهم بعد ذلك؟ وبمنطق الربح والخسارة نسألهم: ألا يفكرون في كسب ود الناس ورضاهم؟ أم يظنون أنهم مستغنون عن الرأي العام فيسيئون إليه كل هذه الإساءات؟  فإن كانوا يراهنون على أن الثورة انقسمت وأن هذا سيشجع الجيش على انقلاب عسكري يوصلهم أو يعيدهم إلى الحكم، أو يراهنون على تدخل غربي وأمريكي وعلى (إسرائيل) فلا ينبغي أن ينسوا أن الانقسام كان قائما منذ الثورة، وأن الجيش كان معهم دائما، ولكنه مع ذلك تنازل عن الحكم بعد أن كان في سدته! وفشل في الاستيلاء على الثورة بعد أن كان يرسم لنفسه البقاء في الحكم وكان يتخذ من الإعلانات الدستورية والصور الإعلامية ما يبقيه فيه! وعليهم أن يتذكروا أن المشير والفريق سكتا عندما أقيلا ولو استطاعا لتكلما وهما من هما في السطوة والسلطة وكان من ورائهما من العسكر والقوات الضاربة من ورائهما؟  وأما التدخل الأجنبي فلو كان ينفع أحدا يقف في وجه الثورة لنفع ولي نعمتهم حسني مبارك الذي كان معه سوى الغرب أكثر من مليون ونصف المليون بين عسكري أمن وعسكري جيش، ولأنقذ نظام الساقط ومنع أن تهان كرامته ثم يحاكم ويجرّم ويسجن هو وأبناؤه وتصادر أموالهم وهم الكنز الإستراتيجي له؟!  آخر القول: فليتركوا الوهم، وليعودوا إلى حقائق الواقع! وليعملوا على كسب ود شعبهم، ولينهجوا العدالة والوطنية، وليسعوا للممكن بالممكن وليسعدوا به تحت القانون وفي إطار الدستور، وليفكروا بطريقة منطقية محترمة وواعية قبل أن يخرجوا من التاريخ وقبل أن تتجاوزهم الأحداث وقبل أن تقلبهم التغييرات.. وعلى كل من لا يزالون يراهنون على الخارج أو الفوضى أو الانقلاب في وجه الإسلاميين أن يقفوا وأن يفكروا وأن يستعيدوا توازنهم.

474

| 20 ديسمبر 2012

من يدفع هؤلاء عن العناد ومن يردهم إلى الرشاد؟

كان واضحا منذ البداية أن " كرازايات " مصر يريدون دولة الثورة بدون برلمان ولا دستور ولا مجلس شورى ويريدون رئيسا مكبلا بلا صلاحيات ولا قدرة على إعلان قرارات دستورية لتكون مصر في نهاية المطاف بدون اقتصاد ولا استقرار ولا تنمية ولتنتهي فترة الرئيس " الإسلامي " ويتمادى عليه الزمن من غير إنجازات ترفعه وحزبه لمنافسة أخرى على موقع الرئاسة .. والمحصلة النهائية أن يكتسبوا ما لم يستطيعوا اكتسابه بصناديق الانتخابات وليستعيدوا النظام القديم ويحموا مصالحهم ومصالح من "يدزهم". أما ما قاموا به من انفلاتات وممارسات لا أخلاقية من عنف ودموية وحرق لمقرات الإخوان وحزب الحرية والعدالة فالهدف من ورائه أن يستفزوا الإسلاميين والإخوان منهم على الخصوص للرد بعنف مماثل يجعل تدخل الجيش وتقبل الشعب لذلك مخرجا من دائرة العنف والعنف المضاد.. وهو ما فهمه الإسلاميون واحتاطوا له كثيرا حتى سكتوا على قتل تسعة منهم وهم قادرون على فعل الكثير لو لحقوا نزواتهم وانساقوا مع ردّات فعلهم.    هذه التصرفات من المعارضة جعلتهم في مواجهة الثورة مباشرة وفي مواجهة الرأي العام ، وجعلت حيصهم وبيصهم مقالة على كل لسان.. وجمعت لهم من الأوصاف والنقائص ما لم يجتمع للأحزاب يوم الأحزاب ؛ فصاروا إذ الفلول في الذؤابة منهم لا مبدئيين ، وإذ يرفضون كل دعوة للحوار والتفاهم متعجرفين صداميين، وإذ يضعون أيديهم في أيدي المجرمين والمسجلين سوابق وإذ يشترون الذمم بالمال لا أخلاقيين، وإذ يرفضون التحاكم لصناديق الاقتراع ويتهمون الناس بعدم التأهل للاستفتاء استبداديين ولا ديموقراطيين وإذ يتوكؤون على أعداء مصر المتربصين بها الشانئين لاستقرارها في الخارج لا وطنيين، وإذ يمتطون القضاء ويغرقون في الكذب الإعلامي وإذ ينهشون أعراض الشرفاء في المناكفات الصغيرة رعناء ونزقين، وإذ لا يزالون يدورون حول أنفسهم وبقايا شعاراتهم في مسألة الدستور والاستفتاء عليه " كما يدور الحمار في الرحى " ويرددون نفس المقولات وذات الشعارات وإذ لا يحتفظون بجانب ذلك بهوامش للمناورة أو التراجع والتصويب عند اللزوم قصيري النظر وتفكيرهم نمطيا وصاروا في نظر الناس مجرد " بلطجية " بلا استراتيجية ولا رؤية!. ما ضاعف أزمة هؤلاء وكان بمثابة القاضية التي ليس لها من باقية هو إلغاء الرئيس الإعلان الدستوري الذي كان أصدره في21/11 والذي استمروا يتذرعون به وعلى وجوده بنوا استراتيجيتهم .. فاجأهم الرئيس بمرونته التي قلبت موازينهم وبالتوافق مع قوى المصالحة الوطنية وأحزاب وشخصيات الوسط أطلق الإعلان الدستوري الجديد فاستقطب به معظم هذه الأحزاب والشخصيات من المنطقة المحايدة.   للحظة كنت أظن "هؤلاء الكرازايات" وحيث انفضّت عنهم قوى الوساطة والوسط أن يكونوا أكثر ذكاء وأدهى دهاء وأن لا يظلوا وجها لوجه ضد النخب المحترمة والرأي العام.. كنت أتوقع وكنت أخشى أن يلجأوا لمناورة ما يغيرون بها المشهد كله فيقبلوا مثلا بوساطة الوسطاء ولو من لإفساد جمعهم وتعطيل حراكهم من الداخل، أو أن يوافقوا على الاستفتاء من أجل القيام بحركة "خبيثة" لتخريبه.. ولكنهم لم يفعلوا.. لم يفعلوا ليس لنزاهة أخلاقية عندهم ولا لحرص على الوطنية في وجدانهم، ولا لحماية بقية من سمعة القضاء الذي دنسوه، ولا للاحتفاظ بقليل من اللياقة والحياء التي فقدوها.. فقد تخطوا كل الحدود في ذلك واجترحوا كل موبقاته؛ لكنهم – لحسن الحظ – لأنهم كانوا أغبياء بليدين وأغبياء باردين.    وأقول: لا شك أن معارضة من هذا النوع يتمناها كل نظام مستبد – بالطبع سوى نظام الثورة في مصر لأنه غير مستبد – أما لماذا يتمناها النظام المستبد فلأنها ببساطة من السهل اجترارها إلى اللا منطق ليبدو هو نظاما منطقيا، وإلى اللا وطنية ليكون هو الوطني، وإلى اللا نظافة ليكون هو النظيف، وإلى معارك هو يرسمها لينتصر فيها وليجعل رقابهم تحت رحمة سيفه ويجعل قانون العدل معه.  الخطير الذي يجب أن نخشاه ويجب أن يعمل الجميع على توقيه هو أن تصل المعارضة بالصراع السياسي والجماهيري إلى استثارة الطرف الآخر وتيئيسه من الديموقراطية وتثوير حرب أهلية؛ وعند ذلك ستغرق مصر – لا قدر الله - في بحر من الدماء الحزبية والاتجاهية والمذهبية وتتحول لدولة فاشلة وتنهار قدراتها وتخرج من التاريخ لمائة سنة قادمة ليهنأ الاحتلال الصهيوني الذي يفترض أنه بات يعدد أيامه في فلسطين.. هذا الذي نقوله ليس مجرد وهم ولا أضغاث أحلام تنتهي بالاستيقاظ.. ولكنها مخططات وخرائط طريق معدة في دوائر استخبارات دول كبرى.. ومن شاء فليقرأ ما كتبه "برنارد لويس" حول ذلك.    ولماذا لا نتوقع ذلك ما دامت المعارضة مستعدة للتحالف مع الشيطان كما رأينا؟ ولماذا لا نتوقع ذلك وبين أيدينا في الحالة المصرية عقائديين لا يمنعهم حتى الآن من التصعيد إلا ما تربوا عليه من الحرص على الوطن والصبر على الأذى والمراهنة على استقرار قريب؟ ولماذا لا نتوقع ذلك ومصر على حدود دولة العدو وعلى ضفاف بل في قلب المشروع الأمريكي الغربي الشرق أوسطي الذي للأسف صار يبشر به "مزيف الليبرالية" الذي دمر العراق بتقاريره لمجلس الأمن حول البرنامج النووي العراقي من غير حياء ولا خجل، بل قد جاء من مخبئه هناك لأجله؟ ولماذا لا نتوقع ذلك ونحن نرى في المعارضة من يلتقي بوزيرة خارجية العدو السابقة "تسيبي ليفني" ويعدها بتخريب الاستقرار، ومن يلتقي بقادة الحرب الأهلية اللبنانية، ومن صار يستجدي الانقلاب العسكري والتدخل الأجنبي؟ ولماذا لا نتوقع ذلك ولسان حال العدو فلتدمر مصر إن كان للإخوان وللإسلاميين دور ورأي ومعادلة فيها ولتتفكك ولتدخل في دماء لا ترقأ وانهيارات لا تتوقف..    آخر القول : لقد رأينا كيف يعطي الغرب بشار الفرصة تلو الأخرى ليدمر سوريا وليرجعها خمسمائة سنة إلى الوراء، ومثل ذلك جرى للعراق.. فإذا كانت مصر هي الرأس المتبقي لمثلث الرد والصد عن الأمة عبر التاريخ.. فإن من المنطقي أن يتجه التفكير إلى ضرورة إخراجها من ذات المصير.. ولنا أن نتساءل: أليس فيمن حول هذه المعارضة الدموية العدمية والبليدة المستهترة من يرى بعين العقل ومن يتحاكم لمنطق الوطنية ومن يفكر أبعد من أرنبة أنفه ومن يؤمن بالثورة ليدفعهم عن العناد وليردهم إلى الرشاد؟

386

| 13 ديسمبر 2012

لتصفو الثورة وتنبني على صلابة

حسب موقع "نافذة مصر" - المعروف - فإن برقيات دبلوماسية مسربة في القاهرة كشفت قيام السفارة الأمريكية بالاجتماع والتمويل لعدد من المعارضين الذين أمدوها بمعلومات وقراءات حول مستقبل مصر السياسي بعد ثورة 25 يناير وأن ذلك يقع ضمن مخطط لضرب الأغلبية "الإسلامية" وإحداث وقيعة بين الشعب وحكومة الثورة الحالية التي شكلها رئيس الجمهورية الدكتور "مرسي".. البرقيات كشفت بالتفصيل أسماء رموز من فلول النظام السابق وجهاز القضاء والتيار الناصري ومن مرشحين – ساقطين – في انتخابات الرئاسة - وأقول: الأكيد أن المعارضة في مصر ليست كلها على هذه النسق من العمالة والنذالة؛ ولكن لا ينكر أيضا أن المعارضة اليوم تضمهم وتحتضنهم.. وإن من عجب أو عتب فلا عجب ولا عتب على شخص يصرح لـ"دير شبيجل الألمانية" أن سبب دعوته لإسقاط تأسيسية الدستور كونها تضم أناسا يرفضون الاعتراف بالهولوكوست "اليهودي – النازي" هذا الشخص لم نعرفه إلا من خلال تقاريره لوكالة الطاقة الذرية التي أسندت الاحتلال الأميركي للعراق وتسببت في تدميره وإعادته خمسمائة سنة إلى الوراء، ولا عجب ولا عتب على شخص آخر تناقلت الأخبار اجتماعه بتسيبي ليفني وزيرة خارجية الاحتلال السابقة خلال زيارته لفلسطين يوم 4/11 الماضي قبيل العدوان الأخير على غزة.. لينسق معها مخطط إرباك الرئيس "مرسي" وهل يستغرب ذلك من شخص ظل عشر سنوات وزير خارجية لنظام حسني - سوزان وكان مرضيا منهما إلى أن قدماه بعد ذلك ليكون ولي فسادهم وتدخلاتهم في المحيط العربي، ولا عجب ولا عتب أيضا على أولئك الفاسدين من فلول الحزب الوطني المنحل الذين أسقطتهم الثورة ووضعت رقابهم تحت أو قرب سيف العدالة في جرائم وطنية وجنائية فيدفعهم الخوف والثأر لمعارضة تحرق الأخضر واليابس.  لكن العجب والعتب على صنف آخر رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وهم الذين طالما انتسبوا للوطنية وطالما دافعوا عن القومية وعن المقاومة.. أن يحتضنوا أولئك الفاسدين والعملاء والمنبوذين، وأن يوطئوا لهم أكنافهم حتى صيروا أنفسهم مطية وحصان طروادة يدخل المرجفون من خلالهم إلى ميدان التحرير ويطمعون بالعودة على أكتافهم إلى القصر الجمهوري.  هذا إذ نتحدث عن المعارضة العدمية العبثية التي تعمل على إدخال مصر في فراغ دستوري وعلى تكبيل يد الرئيس لمجرد إفشاله، ولسنا نتحدث عن العلمانية كفكرة ولا عن الليبرالية كمذهب إنساني ولا عن القومية كتيار وطني فهؤلاء بالتأكيد ليس كلهم على شاكلة أولئك.. وفي جهة الثورة والرئيس منهم محترمون ووطنيون.. لكن ومع ذلك وتحت هذا الفرز فقد صار على كل اتجاه وعلى كل مصري اليوم أن يختار أحد خيارين اثنين ولا تحتمل الحالة المصرية والتدخلات الخارجية أن يكون معهما ثالث؛ فإما لمصر ودستورها واستقرارها وشرعيتها ونيلها وأهراماتها وإلى العدالة والحرية إما إلى الضياع والفلتان والدولة الفاشلة.  وللإسلاميين أقول: إن أعداء فكرتكم لم يقبلوا أن يكون منكم رئيس بلدية، وقد رأيتم كم كانوا يزورون الانتخابات أو يغيرون القوانين لأجل الحؤول دون ذلك! فهل تتوقعون أن يقبلوا اليوم منكم رئيس جمهورية؟ وأن يكون ذلك في مصر التسعين مليونا وعلى حدود "إسرائيل" وضفاف الاستراتيجية الأميركية الغربية لهذه المنطقة بالذات! وأقول: ألم يقل لنا رب العزة ذات يوم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)؟ لاحظوا التعبير بكلمة "ودّوا" التي تمثل حالة نفسية لدى أعدائكم تعبر عن شدة قصدهم ومكنون رغبتهم وعن عمق الغش والمشاققة والعداوة في ضمائرهم.. وإذن فالمسألة ليست خلافا على مادة في الدستور، ولا على صياغة لغوية لفكرة حسنة أو سيئة، صائبة أو خاطئة، ولا المسألة بحثا عن لقيا.. بالتالي فخلافهم لا ينتهي بتنازل هنا ولا بمهادنة هناك، وخذلانهم لا يتوقف على القبول بحوار ولا على التذكير بحق الوطن.  ومن ينظر في سنن الله تعالى ويتبصر ترشيدات القرآن العظيم ثم ينزل ذلك على الثورة في مصر وما تحقق من نصر لهذا الشعب العظيم المظلوم حتى الآن يقتنع أيما اقتناع بأن ما يجري هناك من خصومة وتمحيص لا بد أن يجري ولا بد أن يقع ؛ فقد اختلط في الثورة فاسدون ومزيفون وعملاء قبيحون بالإسلاميين والوطنيين وبالثوار والأحرار ورفعوا ذات الشعارات، ونافسوا على ذات المنصات، ومنهم من لبس مسوح الوطنية والثورية منذ اليوم الثاني بل من عشية ليلة انتصار الثورة، وقاموا يزايدون على الأصلاء.. فساووهم وربما رجحوا بما أوتوا من لحن القول وذرابة اللسان ودراية بالميديا والتأثير على بعضهم.. حتى كادت الجماهير لطبعها الطيب وتسامحها الأصيل أن تنسى خستهم ونذالتهم وخبثهم فنالوا وجاهة وتسويقا لذواتهم وتياراتهم لم يكونوا يستحقونها.. ولو استمرت وتصاعدت فقد تودي بالثورة كلها كفكر واتجاه ثم كإنجاز وتحصيل.  جاء قدر الله تعالى بفرز هؤلاء عن هؤلاء وتمييز أولئك عن أولئك ليرحم مصر منهم وليجنبها شرور ما ينتوون لها وليحبط ما يتآمرون عليها ويمكرون بها.. فتأتي الأحداث تظهر مواقفهم الحقيقية وتعزلهم إلى حيث يجب أن يكونوا على الحقيقة لا على التزوير وبالشواهد والقطعيات لا بالظنون والتوهمات.  هذا الفرز كان لا بد منه، وهو شرط النصر المتبقي لتصفو الثورة ولتنبني لبناتها الأولى على ولاء ولتقوم على صلابة لا تهدمها عثرة ولا تغلبها خباثة ؛ فسبحان من جمع الفاسدين المقبوحين بالاستبداديين الظالمين مع العملاء المتهرئين (ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون) و(ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب).  آخر القول: ما يجري في مصر اليوم من فرز وحزازات بين محب موال للثورة ومن معارض معاد لها هو بالتأكيد ليس رغبة من الإسلاميين والوطنيين في جريانه، ولكنه يعبر أيضا عن فرز في الجهتين، وهو تمحيص وتشخيص لا بد منه ولا تستغني ثورة عنه.. والنصر ليس وراء الباب وليس يتحصل بالنوايا الطيبة فقط ولا بمجرد الأدعية المأثورة.. لكنها عزائم الرجال وتراكمات الأجيال حتى تنضج التجربة ويصفو الماء ويعظم الانتصار.

493

| 05 ديسمبر 2012

حماس قامت بما عليها .. فأين الأمة ؟

لقد فهمت حماس أن العدو هو أحرص الناس على حياة وفهمت أن الوصول إلى قلب مدنه وتهديد حياته فيها وأن تجعل الصهاينة يتوقعون الموت من كل جانب وفي أية لحظة هو الذي سيفكك انتصارات هذا العدو وسيعيد الأمور إلى جوهرها وأولها، لذا أبدعت ذات يوم الأحزمة الناسفة التي تتنقل على خصر مجاهد استشهادي بين المحطات والحافلات والمقاهي والمكتظات.. ما أدى إلى أن يسجل أكثر من 270 ألف مغتصب صهيوني للهجرة إلى خارج الكيان الصهيوني.. ولما منعت هذه العمليات وضيق عليها وصار استمرارها يعني الدخول في حرب صراعية دموية مع إخوة في الوطن ارتضوا أن يكونوا في مواجهتها وأن يتسخروا لمنعها.. أوجدت حماس بل أبدعت البديل، وها هي صواريخها تحقق ذات الهدف ولكن دون مغامرة بالدم والوحدة الفلسطينية.. إن الذي حققته حماس والمقاومة الفلسطينية حتى الآن من إنجازات ومن صد العدوان على غزة وأن تصل صواريخها قلب تل أبيب والقدس الغربية وتطاول عشرات المستوطنات في الضفة التي طالما عاثت في البلاد والعباد إفسادا وقتلا وتخريبا، جعلت العدو يبحث عن تهدئة بعد 48 ساعة فقط من بداية العدوان، وجعلت باراك يقدم استقالته من كل العمل السياسي فاشلا خاسئا مخزيا، وجعلت نتنياهو وكما نقلت الصحف الصهيونية يفعل كما الخمسة ملايين صهيوني الذين فروا إلى الملاجئ كالفئران المذعورة، وجعلت أكثر من ألف مصنع صهيوني تتوقف عن العمل جنوب فلسطين وحدها..  هذا كله إبداع لا يملك منصف يحترم عقله وسامعيه وينتمي لهذه الأمة إلا أن يحترمه أيما احترام وأن يقدره أيما تقدير وأن يعجب به أيما إعجاب..  أقول: ولنتخيل كيف كان حال القضية الفلسطينية بل حال المنطقة كلها لو أن حماس قبلت التخلي عن المقاومة، ولو أن المنطقة ذهبت بالكامل إلى التسوية الفاشلة ثم لنكتشف بعد عشرين سنة من المفاوضات أن سبيل التسوية غير مجدٍ ثم لتبدأ من جديد تفكيرا استثنائيا لإيجاد المقاومة من عدم أو لبعثها من موات.. هل سيكون الأمر واقعيا؟ لا أظن!  هذا ما فطنت له حماس وما فهمته باكرا قبل سياسيين ومفكرين ومنظرين ومحللين انخدعوا كثيرا بالتسوية وبالوعود الخيالية وظنوا أن الضوء في نهاية النفق وأنهم في الربع ساعة الأخيرة! أستطيع الجزم بأنه لولا الله تعالى أولا، ولولا وجود الإسلام في المعركة ثانيا، ثم لولا ما رزق الله تعالى حماس والحركة الإسلامية والمقاومة الباسلة من بصيرة وجرأة وفعل وجهاد لكان لنتنياهو وقادة " إسرائيل " أن يهنأوا بإنجازاتهم، ولكان قد تحقق الكثير من المشروع الصهيوني بكل تطرفه وإرهابه، ولكنا أقل مروءة وإحساسا بالمسؤولية تجاه شعبنا وأمتنا وإخواننا وبلداننا من نملة سليمان عليه السلام التي خافت على ربعها وعشيرتها من النمل، فبادرت تحذرهم وتنصرهم وتبعدهم عن الخطر.. قال تعالى: (حَتى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).  هذا ما فهمته حماس والجهاد وكتائب المجاهدين وهو الذي صنع الفرق، وهو ذاته الذي فهمته الأمة الإسلامية منذ واجهت أبا جهل وأبا لهب وكفار الجزيرة ثم الصليبيين والتتار بعد ذلك، ثم الاستعمار الأجنبي أوائل القرن الماضي.. وهو ذاته الذي تفهمه حماس اليوم.. وما يجب أن يفهمه من لا يزال يبخل بإطلاق مجرد إدانة لما يقوم به العدو، ومن لا يزال يرفع علم الكيان الصهيوني على عاصمته ويحتفظ حتى الآن بعلاقات رسمية معه، ولا يزال يتلكأ في الاعتراف بفشل عملية التسوية وبضرورة رد وردع العدو..  مخطئ بل خاطئ من يظن أن العدو وهو يقوم بتدمير غزة على مرأى ومسمع مئات الملايين من الأمة يستهدف غزة وحدها أو الفلسطينيين وحدهم.. الحقيقة أن العدو إذ يفعل ذلك فإنما يهين ويتعدى ويتحدى كل الأمة، ويستهين بما يمكن أن تقوله أو تفعله في الرد عليه.. وإنما يحتقر ما يجمع هذه الأمة من روابط الإخوة ووشائج الولاء والقرابة..  وأقول: جميل أن نفرح بإنجازات المقاومة وأجمل منه أن نبتهج بوصول صواريخها لقلب الكيان.. لكن ؛ هل هذا كل ما علينا أن نقدمه للمقاومة؟ وإلى متى ستظل المقاومة وحدها في الميدان؟ وإلى متى سيظل هذا الشعب العظيم يعدد شهداءه ويبدد الموازنات لتعويض الأضرار؟ وهل نحن محترمون إن كنا نقبل بذلك؟ وهل ننتمي للأمة التي وصفها الله تعالى بقوله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله (وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الناسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وقوله (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)، وقوله (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وقوله (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، وقوله (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)؟  آخر القول: لقد فعلت حماس ما عليها ولا أظن أحدا يطالبها بأزيد مما قدمت وتقدم، وإذ هي تعوض ما نقصه الناقصون وتحمي ما تخلى عنه الكثيرون، وإذ هي تؤدي أداء عجزت عنه جيوش جرارة.. وإن في الأمة اليوم " حماسات " – جمع حماس - وثورات وتغيرات وجبهة مقاومة ممتدة في طول بلاد العرب والمسلمين وعرضها، وهي إنما تقيم الحجة الدينية على كل المنافقين، والحجة الوطنية على كل الخائنين، والحجة الأخلاقية على كل المنحرفين والمتواطئين.. وهي إذ تفعل ما عليها فإنه لم يعد مقبولا ولا جائزا أن تظل الأمة معطلة جامدة أمام وهم أن الفعل العسكري مغامرة قاتلة لا يجوز التفكير فيها.

392

| 29 نوفمبر 2012

نحو إستراتيجية .. في ظل معطيات غزة والتحولات العربية

إن ممارسات الكيان الصهيوني تجعله مصبا لكراهية شعوب العالم حتى في الدول التي كانت تصنف تاريخيا كحلفاء إستراتيجيين له (يشير إلى ذلك استطلاع الرأي الذي أجرته أخيرا مؤسسة " آفاز " في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا ونشرت نتائجه صحيفة الجارديان البريطانية "، فعندما يصير الإنسان - كإنسان - لا يساوي لدى الكيان أكثر من الرصاصة أو القذيفة التي تقتله، فإن العالم - المحب منه والمبغض - سيراه غاية التهرؤ الأخلاقي الذي لا تبرره الحروب حتى المقدسة منها ولأجل منع هذه الدموية التي برزت كثيرا في الحرب العالمية الثانية فقد جاءت مواثيق حقوق الإنسان صريحة ومنضبطة في ذلك. الكيان الصهيوني وإذ هو يخسر مبرر وجوده القانوني والأخلاقي كما نرى فهو يتقدم بسرعة إلى حتفه ونهايته.. ليس بالضرورة أن يتحقق ذلك اليوم أو غدا فلربما تسعفه القوة المادية والدعم الغربي الرسمي – الأمريكي والبريطاني والفرنسي تحديدا - لكن؛ وكما هو معروف، فالقوة العسكرية والمادية والاتكاء على الآخرين ليست هي العامل الوحيد في قيام الدول أو موتها.. ولقد تفكك وسقط الاتحاد السوفييتي ثم زال وهو يمتلك عشرات آلاف الرؤوس النووية، وفي التاريخ القديم زالت إمبراطوريتا فارس والروم خلال سنوات لا تزيد على عشر.. ومن عجيب القدر أن زوال هاتين الإمبراطوريتين كان على يد القلة المسلمة .. فإن كان السؤال؛ ما المطلوب وما الممكن؟ فأقول: أولا: مطلوب ابتداء الحيطة والحذر من أن تخرج غزة عمليا من الثورة بالتهدئة الطويلة الأمد التي يسعى إليها العدو ؛ ففلسطين ليست غزة فقط، والشعب الفلسطيني يبني آمالا وطموحات كثيرة وكبيرة على غزة ومقاومتها بالأخص بعد هذا الذي رأيناه من قدرات ومبادرات.. هذا المحدد لا بد أن تأخذه حماس وقوى المقاومة بنظر الاعتبار وهي تقرر ما تقبل وما لا تقبل وما تشترط لأي اتفاق تهدئة وما تدفن فيه من مكامن أمنية وسياسية..  ثانيا: وأيضا قبل الحديث عن المطلوب والممكن؛ لا بد من تذكر أن الحالة العربية والإقليمية باتت يمكن التعويل عليها للقيام بدور فاعل وحقيقي وصارت لدينا نظم عربية ثورية وطنية ولها مكانة دولية وإقليمية واستحقاقات قانونية وعلاقات دبلوماسية يمكن استثمارها كمصر وليبيا وتونس واليمن.. ودول أخرى داعمة أساسا لمعسكر المقاومة كقطر وتركيا والسودان وإيران.. ثالثا: أما الممكن بل الواجب فكثير ومنه على سبيل المثال وبما يحضر الذهن في هذه اللحظة: 1- تسليح المقاومة علنا وسرا؛ بالأخص إذا كانت الأسلحة نوعية لمواجهة الدروع والطيران الحربي فقد أثبتت المقاومة أنها غير هيابة بقدر ما أثبتت الأحداث اليوم إمكانية ضرب تل أبيب والقدس الغربية والمستوطنات.. كما أن الأحداث أثبتت أن العالم يتقبل هذه المقاومة كحق طبيعي للشعب الفلسطيني. 2- من المجدي التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب لإعادة النظر في إمكانية إنتاج قرار أممي تاريخي بإدانة الصهيونية وتجريمها ويستعيد قرارا سابقا دمغها بالعنصرية وكان قد صدر في نوفمبر 1975 تحت رقم 3379، والذي - للأسف - نجح " العدو " عام 1991 بدعم غربي وتقصير عربي في إلغائه.. هذا القرار لم يُلغ بسبب تخلي الصهيونية عن عنصريتها، ولكن نتيجة تغير الظروف التي أتاحت إصداره. 3- أن تحافظ المقاومة على عنصر الردع وألا تظهر الحرص المبالغ فيه على عدم التوتير أو الاكتفاء والانكفاء على المعادلات الداخلية.. يحضرني هنا ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، وأن الهلاك الذي تحذر منه الآية هو الانشغال بالزرع والضرع والدنيا.. فالصمود والاستعداد للتضحية والبروز بمظهر المغامرة هو ما يجب أن يميز الثورة كما كل الثورات التي واجهت مستعمرين أقوى منها.. وإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه المقاومة من خطأ هو أن يفهم العدو أنها فقدت سلاح المغامرة، وأنها لم تعد مستعدة لتقديم الخسارات الكبيرة، وأنها صارت تحسب الحسابات السياسية كما الدول والنظم الرسمية. 4- أن يعمل الشعب الفلسطيني – وبالأخص المقاومة – في المساحات المشتركة مع كل من يدعمها ولكن بشرطين؛ الأول: ألا تسيس هذه الدعوم وهو ما حافظت عليه حماس - على الأقل - بدليل أنها لم تستجب لإيران وسوريا في أهوائهما السياسية والدموية والطائفية مهما دعمتاها.. والشرط الثاني: عدم نسيان أو تجاهل المربع الإستراتيجي الذي ينتمي إليه من يرغب في دعم المقاومة فلا تمكن في هذا السياق التسوية مثلا إيران – أيا كان الخلاف معها - وأمريكا وبريطانيا. 5- عدم انجرار المقاومة إلى ولاءات داخل مربع غيرها بمعنى ألا تفقد استقلال قرارها وفي هذا يستوي أمام الشعب الفلسطيني التشيع والقومية والعلمانية والاتجاهات الليبرالية والتسووية.. 6- تحكيم قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " بطريقة واعية وموضوعية بعيدا عما يراه الجبان ضرورة ويراه المتهور بطولة.. التحكيم هنا لوصف الضرورة بإقرار المعتدلين من أهل العلم وأهل الحل والعقد والمخلصين للمقاومة.. 7- أن يتنبه الشعب الفلسطيني ومقاومته إلى أن دورانه مع الحلفاء والداعمين هو فقط المساحات المشتركة بينهم دون الولوج لتبايناتهم وتناقضاتهم لأن ذلك أغرق منظمات وتنظيمات سابقة حتى فقدت البوصلة الوطنية. 8- العمل على إطلاق انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية - وقد باتت كل مؤهلاتها ماثلة؛ الانغلاق السياسي، والضغط الاقتصادي، واستكلاب المستوطنين، والبيئة السياسية من حولنا.. هذه الانتفاضة صارت ممكنة وهي المعول عليه أن يقلب كل الحالة المتهرئة والعاجزة التي تمر بها القضية.. 9- إصلاح الحالة الفلسطينية بإرادة حقيقية وجهود جدية بما في ذلك كل عناوين هذه الحالة؛ المنظمة، والانقسام، والانتخابات، والتفاهمات الداخلية، والمقاومة بكل صورها، والحشد الفلسطيني الشعبي والرسمي والحزبي.. وكل ذلك على قاعدة بأن الخارطة السياسية والفكرية والفصائلية تغيرت كثيرا ما بين حالة الانطلاق وحالة الوصول وعلى قاعدة أن عملية التسوية وتجربة السلطة قد باءتا بالفشل. 10 - تطوير وإنضاج فكرة الزحف الشعبي إلى حدود فلسطين التي شاهدنا باكورتها في ذكرى يوم الأرض الماضي.. صحيح أن الفكرة لم تصل أفقها ومخططها في ذلك الوقت وسقوط العشرات بين شهيد وجريح قد يبدو ثمنا غاليا بالنظر للعائد السياسي والميداني؛ لكن الفكرة كفكرة رائدة ومن بعدها سيكون المستقبل طموحا ومختلفا.. ولك أن تتخيل الثمار إذا نجحت فكرة اجتياح مئات الآلاف من كل الجهات لحدود الكيان.. بالتأكيد سيعفي ذلك الجيوش الرسمية مما لم تستطعه حتى الآن.  آخر القول: إن على المثقفين والكتاب والمفكرين والنخب والأحزاب الفاعلة وعلى الجامعات والإعلاميين وعلى أهل الحل والعقد في الأمة أن يجتهدوا في بناء إستراتيجية مواجهة جديدة باتت تتطلبها المرحلة ورؤية النظم الثورية الجديدة؛ إستراتيجية تقوم على " الواقع الحالي كقاعدة انطلاق، وتطوير الممكن وصولا للمعركة الكبرى والتحرير في المستقبل كنقطة وصول"، إستراتيجية تحمل في طياتها كل أبعاد ومؤهلات النصر والحشد السياسية والاقتصادية والفكرية والإعلامية والعسكرية.. وهو ما حاولت تلمسه في هذا المقال.

583

| 22 نوفمبر 2012

في ذكرى رحيله.. من يؤبن عرفات؟

انهت السلطة الفلسطينية أمس برنامجا أعدته ونفذت فعالياته لإحياء الذكرى الثامنة لرحيل عرفات – رحمه الله - وأعطت بذلك الانطباع بأنها الأخلص للرجل والأولى به والمعنية بذكراه.. وهنا – من وجهة نظري - إشكال حقيقي يجدر تفصيل القول فيه ؛ هذا الإشكال أتحدث عنه لا لعداوة مع أحد ولا لتجريح أحد ولا مشاركة في حملة على أحد لسبب أو لظرف أو لموقف أو لدافع ما.. ولكن لأن تركة عرفات السياسية والوطنية والثورية دفع ثمنها كل فلسطيني وكل من دعم القضية الفلسطينية وكل من ضحى من أجل فلسطين حتى صارت حقا وامتيازا وطنيا عاما بقدر ما صار عرفات نفسه رمزا وطنيا وشخصية عامة.. للأسف أن هذا الميراث الذي تركه الراحل لشعبه وأمته قد صار من بعده في يد فئة أحاطت به وبمشروعه ورؤيته في آخر حياته وواجهته وضايقته واقتطعت صلاحياته وأعانت على حصاره، ثم مات وهو عليها غاضب ولها ولمسلكها كاره ورافض! لما مات مشى هؤلاء في جنازته ولطموا الخدود وشقوا الجيوب كما لو كانوا عصبته فصاروا بذلك وٌرَّاثه وأولياء دمه.. ولما انتهى الحلم الذي عاش ومات على أمل تحصيله والفرص التي صنعها بسعي الليل والنهار والمواجهة والعناد ودفع حياته ثمنا لها تحت أيديهم ضيعوها بألاعيبهم وتنازلاتهم فانهارت وها هي تنهار وتتبدد الواحدة تلو الأخرى..  وأرى أنني قبل التوغل في تفصيل القول حول ذكرى الرجل وتأبينه ومن يحق أو لا يحق له أن يتصدى ويتصدر ذلك.. أرى أن عليّ الاعتراف بأن الحديث في عرفات - رحمه الله تعالى – وادعاء الحرص على تركته يحمل من الحساسية والانفعال ما يحمله بالأخص في ذكرى وفاته، وبأخص الأخص عندما يصبح التزلف له والتقرب منه بضاعة الهالكين البائرين المتسلقين، وعندما يكون المتحدث عنه ممن لم يدّعوا يوما الفناء في حبه والهيام في مشروعه بل وكثيرا ما كتبوا في نقده والاعتراض على اجتراحاته وتنازلاته – مثلي –.  لكن للرجل صفحات مشرقات يمكن الدفاع عنها! والرجل قد مات – أو قتل – تحت الحصار! وقد انقلب هو ذاته في السنوات الثلاث الأخيرة على مشروعه وسلطته التي رأى أنها تحولت لهيئة وظيفية خاضعة لالتزامات ومقتضيات الاحتلال - فإن نبكيه فنحن صادقون لأننا نبكي الرجل الذي حول أجهزة السلطة إلى مقاومين يَقتلون ويُقتلون، وإن نؤبّنه فنحن صادقون لأننا نؤبّن الرجل الذي شكّل وموّل وسلّح كتائب شهداء الأقصى وكلّفها أن تقاتل جنبا إلى جنب مع إخوانها في حماس والجهاد والمقاومة حتى صار الدم والغاية والرؤية والمصير واحدا موحدا وطريقا بيّنا محددا للشعب الفلسطيني ولكل فصائله.. وإن نحتفي بذكراه فنحن صادقون لأننا نحتفي بذكرى مرحلة وإن قصرت زمنيا لكنها كانت خاتمة حياته ومليئة بالحرص على الوحدة الوطنية وحاشدة بمحاولات إخراج الشعب الفلسطيني من تحت السقوف السياسية المنخنقة التي اعترف هو أنه تسبب فيها.. وإن نحزن على الرجل فإننا صادقون ومنسجمون مع أنفسنا وقناعاتنا لأننا نحزن على رجل تخلى عنه أقرب أتباعه وعاندوه وواجهوه وارتبطوا بمشاريع خارج وطنية وخارج ثورية، فلما رآهم كذلك لم يخضع لهم ولم يخنع لمؤامراتهم ولم يستسلم لتهويلاتهم وتهويناتهم بل طردهم وفضحهم وقلاهم وكرههم وحذر منهم وأبعدهم وربما لطم بعضهم..  هذه هي الفترة التي نبكيها ويبكيها كل مخلص، وهذا هو الرجل الذي نؤبّنه اليوم ويؤبّنه كل حر، وهذه هي مبررات الدفاع عنه وعن تركته.. ولهذا لا أجدني وأنا أفعل ذلك متزلفا كذبا ولا منفصما عن نفسي وقناعاتي التي عشت بها ولها وعليها.. فقد عارضناه يوم عارضناه وانتقدناه يوم انتقدناه وكتبنا ما كتبنا وخاصمناه ما خاصمناه على أساس واحد هو " الولاء لفلسطين وشعب فلسطين " ؛ فالحقيقة إذن واحدة ولكن الحال هو الذي تغير.. وهذا بالضبط هو الموضع الذي ينصبّ عليه اهتمامي في هذا المقال..  وأقول: إن الذين يؤبنونه اليوم من هؤلاء وإذا تجاوزنا ما يزعمون لأنفسهم من ولائه ومن حب وهيام فيه ونظرنا عوضا عن ذلك لنهايات ما وصلوا وأوصلوا قضيتهم وشعبهم إليه.. فإن جملة مساحات الفرق ودرجة الانحراف تصل إلى النقيض تماما لما كان عليه الراحل.. ولنسأل الأسئلة الافتراضية الآتية:  لو أن عرفات لا يزال حيا.. هل كان سيتجاهل رموزا كان يقود بها فتح والسلطة وكانت تمثل لديه قيمة وطنية وثورية كنبيل شعث وهاني الحسن (الذي توفي شبه مفصول من منظمته لرأي قاله واعتراض اعترضه) وأين فاروق القدومي وأين مروان البرغوثي.. أين هم منذ غاب عن الدنيا؟ ولماذا لم يعد لهم دور ولا قيادة ولا تأثير على مواقف وقرارات فتح والسلطة؟  ولو أن عرفات لا يزال حيا.. وهو الذي رفعوا في وجهه شعار " السلطة المطلقة مفسدة كاملة " اعتراضا عليه واستقطاعا لسلطاته.. هل كان سيسمح أن تجتمع (رئاسة السلطة، ورئاسة المنظمة، ورئاسة فتح، ورئاسة الدولة، في شخص واحد هو رئيس رئاسات الشعب والقضية والحاضر والمستقبل الفلسطيني " عباس "؟  ولو أن عرفات لا يزال حيا هل كان ليبقي على كل هذا التنسيق الأمني " أو التعاون المخابراتي " المجاني مع الاحتلال رغم تعطل التسوية واستمرار الاستيطان واستكلاب المستوطنين وتهويد القدس وتهديم أحيائها؟ وهل كان سيسمح بهذا التعقب الدموي الذي يطاول المقاومة ويستأصل شأفتها؟ وهل كان سيسمح لأحد مهما ادعى " هذا الأحد " لنفسه من وطنية وواقعية أن يجاهر ليل نهار بأنه لن يسمح بانتفاضة ثالثة وأنه لا يملك الحق في سكنى صفد أو يبنا أو عكا أو الجورة؟  ولو أن عرفات لا يزال حيا هل كان سيسمح لأشخاص اعتبروا منذ أول يوم من محاسيب واستقطاعات " أمريكيا تحديدا " أن يتصدروا السلطة وأن يحتلوها وأن يملكوا صادرها وواردها وإفقارها وإغناءها وعلاقاتها وتنسيقاتها وتسييراتها وتسهيلاتها وموازنات الفصائل المنضوية والمسيّرة داخل المنظمة؟  ولو أن عرفات لا يزال حيا ومع أنه اختلف مع فصائل المقاومة واستهدف حماس والجهاد في حدود تقبلتاها واحتملتاها ودون أن يفرط في شعرة معاوية - رضي الله عنه - هل كان سينساق في حملة على المقاومة تصل إلى الانقسام الدموي الذي تعاني منه القضية الفلسطينية كلها اليوم؟ وهل كان سيسمح بتفكيك كتائب شهداء الأقصى – الفتحوية – وأن تباع أسلحتها وأن يتحول بعض رموزها لممثلين من الدرجة العاشرة على مسارح مدينة جنين؟  آخر القول: ميراث عرفات ليس منصبا ورثه الوارثون، ولا مالا استولى عليه الشاردون، ولا هو ادعاء يدعيه المدعون، وهو لا يتأتى بالقرابة النسبية ولا بالصداقات الشخصية، ولا حتى بمجرد المشاركة الحزبية.. ولكنه بإحياء ما مات عليه وبحفظ وصون ما دفع حياته ثمنا له، بالتالي فعلى كل الفلسطينيين أن يؤبنوه وأن يبكوه.. اللهم ما عدا أولئك النفر الذين صيروا مشروعه وإنجازاته مسخة وعيبة في وجه التاريخ العربي وسبة في وجه القضية الفلسطينية.. 

453

| 15 نوفمبر 2012

حماية لمنظمة التحرير.. وليس هجوما عليها!!

التصريح الأخير لمحمود عباس " رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دولة فلسطين " الذي أعلن فيه تنازله عن حق العودة إلى صفد وفلسطين الـ48 وأنه لن يسمح بانتفاضة ثالثة.. هو بالتأكيد ليس مجرد تصريح شخصي يتعلق به وبأهل بيته، كما لا يمكن ترقيعه بمقابلة في أي تليفزيون آخر تنثر فيها تعبيرات الوفاء للوطن والقضية أو تلقى فيها قنابل صوتية أو تثار فيها سواتر دخانية من نوع الهجوم على حماس لتغيير عناوين الاهتمام.. وبالتأكيد ولا بتصريح من ليبرمان يحاول فيه إعادة الاعتبار له وإعادة تصفيفه في أعداء "إسرائيل".. تصريح محمود عباس ليس خاليا من دلالات الزمان والمكان واللغة والسياق، فالزمان هو يوم 2 / 11 حيث ذكرى وعد الوزير البريطاني "بلفور" المشؤوم الذي قدمه سنة 1917 ومنح فيه أرض فلسطين لليهود والذي طالما قلنا عنه " وعد من لا يملك لمن لا يستحق " لقد جاء هذه المرة من رجل هو في سدة الصدارة الرسمية ويمسك بتلابيب كل المؤسسات والممثليات الرسمية.. وأما من حيث المكان واللغة فكونه عبر تليفزيون العدو وباللغة الإنجليزية إنما يؤكد أنها رسالة مقصودة، وأنها موجهة للعالم الغربي خاصة وللشعب الصهيوني بأخص الخصوص.. ما ينفي أنها زلة لسان.. وأما السياق فالكلام يأتي في ظل " طنطنات " الوزير الصهيوني ليبرمان ضده وتهديده إياه بالقتل، وفي ظل تعطل عملية التسوية، وفي ظل التحضير للذهاب إلى الأمم المتحدة طلبا لاعتماد السلطة كمراقب في هيئتها العامة.. ذلك كله يصنف التصريح في خانة الثمن المدفوع سلفا للسلامة الشخصية للرجل، ولمقايضة إطلاق عملية التسوية، وللخطو نحو الأمم المتحدة.. وكله ينفي دعوى المدافعين عنه – عن عباس – وعن سلطته وادعاءهم أن التصريح لا جديد فيه وأنه حُمِّل أكثر مما يحتمل..  القضية – في نظري - أخطر من تصريح فهمه الناس بطريقة ما (صحيحة كانت أو خاطئة) وأكبر من لقاء تليفزيوني وأوسع من الخصومة مع الرجل أو عليه.. القضية أن الرجل تجتمع فيه كل أسباب إدانته وتتضافر كل تصريحاته ومسيرته ومفاجآته في اتجاه واحد هو التنازلات وتجاوز الثوابت التي قامت القضية عليها منذ وجدت، والقضية أنه يصرح بمناسبة وبدون مناسبة بأنها حدود برنامجه وبرنامج منظمته وسلطته ودولته.. وأخطر من ذلك أن تشكل برنامج المنظمة التي تمثل كل الفلسطينيين بموافقهم ومعارضهم ومن يعترف به ومن لا يعترف.. والقضية أن يقع هذا كله وهو فاقد الشرعية الانتخابية بانتهاء ولايته قبل سنوات، وفاقد الشرعية التوافقية بصدامه مع الفصائل المهمة والأكبر التي تمثل أغلبية الشعب الفلسطيني، وفاقد الشرعية الثورية عندما يطارد المقاومة، وفاقد الشرعية الوطنية عندما يناصر الاحتلال سياسيا وأمنيا كما حدث مع تقرير جولدستون والتنسيق المخابراتي..  أقول: في لحظة ما يصير إعلان الموقف مساويا في القيمة والأهمية للموقف ذاته، بقدر ما يصير عدم إعلان الموقف مساويا لعدم وجود الموقف أصلا.. وعليه فالذين لا يزالون يقنعون أنفسهم بأن وجود "محمود عباس" وزمرة مستشاريه ووزرائه على رأس المنظمة والسلطة ليس أبديا؛ وأنه بالتالي لا يجوز أن تكون سياساته ومواقفه ووجوده سببا في حدوث افتراق إستراتيجي داخل الشعب الفلسطيني.. هؤلاء ليس عليهم أن يتوقفوا كثيرا أمام التخوف من أن تؤدي مفاصلته لهدم المؤسسات التي يترأسها..  بالتأكيد لست أدعو للمفاصلة مع المنظمة، ولا لإسقاط شرعية تمثيلها.. ولكننا في الآن نفسه لا يجوز أن نتجاهل أنها صارت حكرا لمجموعة قليلة من الشعب الفلسطيني تحتكر تمثيلها لذاتها وأهاليها ومحاسيبها ومشاريعها، وأن ما تقوم به هذه المجموعة صار يتعدى وجودها في الشعب الفلسطيني زمانا ومكانا وجيلا..  لا أحد يريد إنهاء المنظمة ابتداء.. ولكن ماذا لو صارت المفاضلة بينها وبين القضية؟ وماذا لو صارت المقايسة بين عباس وبين فلسطين؟ وماذا لو صارت المراجحة بين السلطة وبين الثوابت الفلسطينية؟ وإذا لم تستطع هذه الهيئات الرسمية أن تلجم خطاياه وأن توقفه أمام مسؤولياته الوطنية، وإذا لم تستطع استثمار مكانتها وتمثيلها لحماية أهم وأخطر الثوابت؛ فإلى أي مدى يجب أن تظل هذه المؤسسات صنما يدور حوله البلهاء؟  وحركات - حماس والجهاد الإسلامي وكتائب العودة وغيرها من فصائل المقاومة - التي تملك الكثير من نقاط القوة والشرعية والتمثيل والتي تشرب من ذات النبع الثوري والتحرري والتغييري الذي تشرب منه الثورات العربية.. هل عليها أن تظل واقفة بالباب عسى أن يفتح أو لا يفتح أبداً لها؟ وإلى متى سيظل بحث نزع شرعية هذه المنظمة خطا أحمر فيما المصريون نزعوا شرعية نظام مبارك " كنظام لا كشخص "؟ وهكذا فعل التونسيون مع نظام بن علي كنظام وكمنظومة لا كأشخاص، وفعل مثله الليبيون واليمنيون.. وهكذا يفعل السوريون مع نظام الأسد!!  فإذا كان ما وقع في طول وعرض البلاد العربية وشعوبها هو نزع لمنظومات اختلط فيها الشخصي بالوطني والخاص بالعام حتى صحت تسميتها ثورات وحتى غيرت كل شيء.. فإن ذلك تماما هو ما يجب أن ينضج باتجاهه الشعب الفلسطيني، وما يجب أن تصل إليه رؤية هذا الشعب الذي حقق الكثير حتى الآن..  آخر القول: يجب أن يستقر في ذهن عباس ومن معه أنهم إذ يتحصنون بمنظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة الشعب الفلسطيني، وعندما يقصفون من على أسوارها حلم الفلسطينيين بالعودة والتحرير وتقرير المصير، وإذ يحولونها لصنم أجوف، فإنهم يغامرون بآخر ما تبقى منها وأن الشعب الفلسطيني لن يظل يطوف حولها كما كان يطوف البلهاء باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

542

| 08 نوفمبر 2012

قيادات في السلطة.. والخطأ للمرة الألف!!

بعد الزيارة التي قام بها سمو الأمير لغزة قال متحدثون في السلطة الفلسطينية كلاما كثيرا في نقد هذه الزيارة ورفضها وتأويلها وتلمس سوء الظن حولها.. وبصرف النظر عما قالوا فقد لفتني في ذلك أمران اثنان ؛ الأول: جرأتهم على الإساءة للزيارة والزائر والمزار وأن يكون ذلك في الإعلام الرسمي وبتعبيرات فجة بعيدة كل البعد عن اللياقة والذكاء الدبلوماسي فيما هو أشبه بحرق السفن مع الجميع.. والثاني: انصباب تعليقاتهم وتحليلاتهم على المقارنة بين فتح وحماس وبين السلطة والمقاومة على أساس إنكار وجود حماس كمشروع وكرؤية تؤطر مسيرة وإنكار أن غزة يمكن أن يكون لها مستقبل من دونهم وأنها لن تكون إلا ميتة سياسيا وأمنيا واستراتيجيا.. بالتالي فهي لا تستحق الاهتمام الرسمي بالأخص من العرب الداعمين للقضية.. وأقول: بداية لا بد من تأكيد أن الشعب الفلسطيني إنما حقق ما حقق من مكان على الخريطة السياسية ومن مكانة في الاهتمام العالمي ليس بالرضا الصهيوني ولا بالمناكفات والانفكاك بين حركة فتح وبقية الفصائل وبالأخص حماس، ولا بتسيدها عليهم.. ولكن باستثمار كل دعم لأي فصيل مهما كانت جهته أو غايته أو حجمه وتجيير ذلك من بعد من فصائلي واتجاهي خاص إلى ثوري ووطني عام عبر منظومة قيم ثورية ورؤية وطنية جامعة وباجتماع غزة مع الضفة واجتماع الخارج مع الداخل وتلاحم الاتجاهات والفصائل فكان ابن أي فصيل فيه جنبا إلى جنب مع أخيه في الفصيل الآخر، يخاف عليه ويحميه ويطببه " ويقطع اللقمة عن رقبته ليطعمه " في صيغة ملحمية تلاحمية صاغها قادة استراتيجيون فهموا الواقع ومعادلات بقاء الاحتلال فلم ينشغلوا بالقليل عن الكثير ولا بمواضع الاختلاف عن أوجه وإمكانات الاتفاق.. فتجلت الهوية الوطنية الفلسطينية في أزكى صورها وأعظم تجسداتها ما أكسبها وأكسبهم ثقة الأنصار واحترام الخصوم، وصار الاحتلال يحسب ألف حساب لكل يوم يزيد في عمر هذا التلاحم الوطني والأخلاقي.. وليس ينسى الشعب الفلسطيني ما كان يردده " الهالك " رابين في تبرير لجوئه للتسوية وتقديم التنازلات بأن كل محاولاته إخضاع الشعب الفلسطيني باءت بالفشل..  ولم يتحول حال الشعب الفلسطيني إلى ما نراه اليوم ليصير بلا وزن ولا قيمة، ولم تتلاش البرامج السياسية والمنظومات الفكرية الداعمة لمشروع تحرره، ولم يرتح العدو ويصبح احتلاله أرخص الاحتلالات التي عرفها التاريخ إلا بعد أن أزيحت تلك القيادات بالاغتيال أو أهملت وتجوهلت وركنت كعرفات والقدومي وهاني الحسن ونبيل شعث وأمثالهم.. فيما تصعّدت أو أصعدت شخصيات كانت دائما ثانوية ؛ انشغلت بعد ذلك بالصغائر، ودارت حول ذواتها ومشاعرها وشهواتها، ولم نرها تحسن إلا القدح والردح في جهة الوطن، بقدر ما تجيد المجاملة والموادعة في جهة العدو المحتل الخبيث.. فدفعت الفصائل والاتجاهات – التي لا تعتمد في وجودها عليهم - دفعا لمنافستها ومناكفتها وخوض المعارك الجانبية والبينية ضدها.. وصار يتسلى العدو بالنظر إليها ويشغل إعلامه وعملاءه في استغلالها والتصيد فيها.. وصولا للانقسام البائس..  هؤلاء هم الذين أطلقوا التصريحات الأخيرة " المسيئة " ضد قطر، وهم الذين يحرقون سفن المصالحة مع حماس، ويبدو أنهم يحضّرون لحرق سفنهم مع مصر أيضا..  المشكلة في هؤلاء أنهم دائما لا يستوعبون الأمور، وإن فهموها فمتأخرا.. ولنا أن نتساءل: هل كان أداؤهم في التعامل مع زيارة سمو الأمير لغزة هو أفضل ما يمكن وأحسن ما يستطيعون؟ وهل رفضهم أن يرافق السيد " عباس " سمو الأمير في الزيارة قد عاد على القضية وعلى السلطة وعليهم بخير ما؟ أليس لو جاء معه لناله ونالهم ونال سلطتهم شيء وربما كثير من خير هذه الزيارة؟ أليس كانت مرافقته ستقرب من المصالحة؟ أليست كانت ستضع الأمير في صورة رام الله وزيارتها ورفع ميزانها؟ أليست كانت الأربعمائة وخمسين مليون دولار التي قدمت لغزة ستقدم لهم - أو على الأقل - سيشاركون في الإشراف على قبضها وإنفاقها؟ وهل يليق أن تقدم لسواهم في حال وجودهم؟ وهل كانت الزيارة ستحمل معنى دعم الانقسام - الذي يدعون – إن كانت تحمله؟ أم كانت لتحمل معاني الوئام والالتحام والمصالحة والمحبة؟ وهل كان سيأتي أحد من الرسميين لغزة - من بعد - إلا برفقة السيد " عباس " الذي سيكون قد اختط رفقته كسُنَّة ماضية في مثل هذه الزيارات؟ ثم تلك التصريحات الرسمية وشبه الرسمية المسيئة والمسفة التي أطلقوها عبر وسائل إعلامهم ؛ هل أخافت قطر منهم أو من تكرار الخطوة تجاه غزة في المستقبل ؛ أم ستدفعها " لو كانت تنطلق من ردات الفعل " إلى المزيد من تبني غزة ومشروعها ومقارباتها؟  لست أدري كيف يقع هؤلاء في أخطاء وخطايا استراتيجية كهذه! ولا أدري كيف يقوّمون الأمور، ولماذا لا يراجعون أنفسهم! ولا أدري علام يعوّلون! أتمنى ألا يتوهم أحد أن سفاهاتهم هذه تنطلق في موقف وطني أو تستند لإحساس بالرجولة والثورية، أو أنها تأتي في سياق رفض بيع المواقف!! على العكس تماما فقد تجاوزت هذه القيادات كل معاني الثورة والرجولة في مكان آخر ومنذ زمن بعيد يوم ألقت رحالها في حضن الاحتلال، ويوم صارت مجندة يهودية عمرها تسع عشرة سنة تتحكم في سفر وتنقلات كبرائهم، ويوم صارت موازناتهم وكل مشروعهم تفضلا من الاحتلال وما يتكرم به ؛ كما قالوا هم في تصريحات رسمية - أيضا -..  وأما مقارنتهم غزة بالضفة توصلا إلى أن غزة وحكومتها ومقاومتها لا تستحق الدعم والمراهنة.. فالأكيد أيضا: أنهم لا يقرأون الوقائع بمصداقية مع أنفسهم وأنصارهم.. فالعداء في غزة للاحتلال ليل نهار، وأمل أبنائها في المقاومة للتخلص منه لحن نشيدي يغنونه ويترنمون به صباح مساء، وما يزور حكومتها أحد من أطراف الدنيا الأربعة إلا وتذكره وتذكر عبره العالم بقضيتها ومظلمتها، والحكومة هناك لا تقيم علاقة ولا تدشن مشروعا أو بنية تحتية إلا في سياق هذه المواجهة.. ولئن بحثت عن الميثاق الوطني الفلسطيني الذي توارثته الثورة عبر كل أجيالها، والذي يعتبر فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها ومن رفح إلى لبنان إقليما واحدا، والذي يعتمد الثورة والكفاح المسلح طريقا أوحدا للتحرير وتقرير المصير فلن تجده إلا عندها.. أما إن سألت عن النزاهة والشفافية وعن التضحية والعدالة في شخوص القائمين عليها فلن تجد عثرة واحدة تسجل على أنها انحراف ممنهج " يطبطب عليه " أو ترمم وجاهة من يمتهنه.. ثم يطلع علينا أخيرا من يوزع التزكيات والوطنيات على هواه ووفق مكان تواجده، وعلى ميزان مصالحه يرجح نفسه المهزومة المأزومة الأكالة الشرابة على المقاومة، وليتوهم أنه الوحيد دهره والفريد عصره الذي طنت بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار النحرير الذي لا يشق له غبار، وليقول إن المقاومة لا تملك مشروعا ولا مشروعية!  آخر القول: للأسف ألف مرة أن الإخوة في قيادة السلطة لا يزالون لا يرون أبعد من أنوفهم، ولا يزالون يقعون في ذات الأخطاء ونفس الخطايا منذ عرفناهم ؛ فقد ظلوا زمنا ينكرون وجود حماس، ثم لما اعترفوا بوجودها قاموا يتهمونها بأنها صنيعة الاحتلال.. فيما الشعب الفلسطيني كان ينحاز كل يوم لها ولفكرها وأيديولوجيتها حتى جاءت انتخابات ال2006 التي فازت فيها بالتشريعي والحكومة فذهلوا عن أنفسهم ووقع لهم من الحيص والبيص ما لم يحسنوا لملمته فأوغلوا في دماء المقاومة التي ظنوها لا تأخذ في أيديهم إلا " غلوة " (فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ) ووقع الانفصال.. ثم قاموا يحرضون عليها ويرفضون كل صلح معها حتى فاجأتهم بنصر 2008-2009 ونولها الاحترام والاهتمام ففطنوا بعد ذلك لا قبله للمصالحة.. ثم ظلوا يتلكأون ويناورون حتى سقط حسيبهم وولي أمرهم في مصر وقامت دولة الثورة وتعززت حماس وصارت تستقبل الزعماء ويستقبلها الزعماء.. فلا أحد يصدق عليهم والحال هذه إلا قوله تعالى (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) وقوله (إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)..

423

| 01 نوفمبر 2012

بورك الكبار إذ يرسمون التاريخ.. وبوركت الزيارة القطرية لغزة

زيارة سمو أمير دولة قطر وعقيلته المكرمين لقطاع غزة لا يمكن قطعها عن اعتبارات المكان والزمان والضيف والمضيف ؛ أما من حيث المكان فالزيارة لغزة الصمود والمقاومة والعزة والنصر والوطنية والثورية.. ولغزة الحصار والفقر والحاجة والعراء والبلاء.. وغزة ليست هي المكان الأفضل للاستجمام ولا شواطئها هي الأجمل التي تستقطب سياحة الملوك والزعماء والأعيان.  وأما من حيث التوقيت فهي تأتي في وقت يعاد فيه تصفيف معادلات المقاومة على ضوء الأزمة السورية التي نقلت سوريا وإيران عن دعم المقاومة إلى العداء لها لأنها لم تقبل بالمنطق البغيض للطائفية والاستبداد والدم الذي " تتلبطان به " فكانت الزيارة القطرية لغزة بمثابة التوثيق والتأكيد ورسالة الوفاء لها وللمقاومة ؛ رسالة فهمها أصدقاء الشعب الفلسطيني وخصومه على حد سواء.. وهي تأتي – من حيث التوقيت أيضا - في وقت تنشغل فيه النظم والشعوب العربية والإسلامية كل بمشكلاته وتحدياته الداخلية، وإذ يتطلع الفلسطينيون حواليهم في الجهات الأربع فلا يجدون التعاطف والنصرة إلا من غربيين يغامرون بأنفسهم في محاولات متتالية وغير يائسة لكسر الحصار عنهم..  وأما من حيث الضيف ؛ فهو الشيخ حمد الذي مواقفه في دعم القضية الفلسطينية بكل فصائلها وتفاصيلها أشهر وأكثر من أن تحصر في مقال أو ترصد في بيان وليس ينكرها إلا جاهل أو جائر.. الشعب الفلسطيني لن ينسى قولة الشيخ الفذ المكرم يوم قال " حسبنا الله ونعم الوكيل " وهو يحاول جمع الصف العربي في الدوحة للوقوف في وجه العدوان الصهيوني على غزة وإذ يحول خبث ومكر أنصار المشروع الصهيوني في المنطقة دون ذلك.. ولم ييأس فجمع من وافقه منهم ليقول وإياهم قولتهم وليسجلوا في التاريخ أنهم الوحيدون الأحرار والوحيدون الذين وقفوا مع الشعب الفلسطيني والوحيدون الذي أناروا ببياض مواقفهم وأدفئوا بصدق اخوتهم ليل الفلسطينيين بل ليل العرب والمسلمين البارد الطويل في أحلك الظروف وأقساها..  وأما من حيث المضيف فهي المقاومة ورموزها وحكومتها التي هي الحكومة الوحيدة المنتخبة شرعيا وحقيقة وجديا في طول وعرض كل المنطقة العربية – طبعا قبل الثورات الحالية التي غيرت الموازين وأسقطت بعض الفاسدين الكاسدين - من هنا فالزيارة القطرية تؤكد على شرعية المقاومة وعلى أن غزة محررة بالفعل وأن فيها حكومة حرة تستقبل وتودع زوارها دون الإذعان الفلسطيني والإذن الصهيوني.. وهو ما لا تستطيع مثله السلطة التي دأبت في سياق التبرير لخضوعها للاحتلال واختراقه لها وتخويفه إياها على الزعم بأن " غزة كالضفة وأنها ليست محررة ".  هذه الزيارة في ميزان الفعل الحقيقي والتأثير العملي وبكونها بادرة غير مسبوقة من زعيم عربي لغزة منذ ست سنوات وبالأخص بعد عدوان 2008 – 2009 تعد في قمة المطلوب وأوج المأمول وغاية غايات الوطنية والقومية والإسلامية ؛ رغم ذلك فقد قامت فئة من الكتّاب أغلبهم من أقلام وألسن السلطة الفلسطينية الذين أكلت نار الغيرة قلوبهم وأحرقت أعصابهم فلم ترق لهم فقاموا يفتشون في ثناياها عن انتقاد هنا أو هناك ليتعلقوا بحباله أو ليتعللوا به، وإذ لم يجدوا راحوا يجترون كلاما بعضه يستحق الرد وبعض منه لا يلتفت إليه ولا من الحكمة الانشغال به..  مما قالوا ويرد عليه: إن في الزيارة معنى الاعتراف بالانقسام وبحكومة حماس " المقالة " وتعلية لها – أي لحماس - على السلطة وللسيد هنية على عباس وفياض ولقطاع غزة على الضفة بما يضرب التمثيل الرسمي للسلطة وللمنظمة.. وهي – أي الزيارة - بمثابة التعزيز لما تجسده حماس من خروج على الشرعية الفلسطينية.. وتساءلوا أيضا: لماذا قطر دون كل الدول؟ ولماذا أمير قطر دون كل الزعماء؟  وأقول: أما أن الزيارة تضرب التمثيل الرسمي للسلطة والمنظمة ؛ فأمير قطر لم يأت البيوت إلا من أبوابها ؛ فقد دعا السيد عباس لمرافقته في هذه الزيارة لكن الأخير رفض ؛ وهو رفض تدينه بالتأكيد اتجاهات المصالحة، وتشينه حاجة غزة للدعم السياسي والمعنوي، وكان يفترض أن يبرره ويحفزه قرار فك الحصار المعتمد عربيا ومشروع الإعمار المعتمد دوليا.. ثم إن قطر لم تسحب اعترافها بالمنظمة ولا بالسلطة ولا بعباس ولم تسلخ اعترافا بديلا لا على حماس ولا على غزة، ولم يسبق أن تعرضت قطر للفروق الخاصة بين هنية وعباس وفياض لا في الجوانب الشخصية ولا الاعتبارية ؛ بل ظلت في مقابل ذلك على موقف واحد ثابت منذ الانقسام ومنذ ما قبله هو السعي في المشتركات والجوامع والمصالحة وفي دعم استراتيجية كل فريق دون التدخل في تفاصيل موقفه وقناعاته وخلافاته مع غيره..  الحقيقة أنه ليس على قطر ولا على أي أحد سواها أن يوقف تواصله مع المقاومة أو مساعيه لفك الحصار عن غزة لمجرد أن السلطة لا تحبذ ذلك أو لأنها لا تجد مصلحتها فيه أو لأنها تتخذ منه موقفا! فإن كان السيد عباس والسلطة يفهمون أو يشعرون بأن هذه الزيارة أو ما سيتبعها من زيارات مسؤولين عرب أو غير عرب تضغط عليهم ؛ فالأحسن والأليق ليس أن يدينوا ذلك ويظهروا بموقف المؤيد للحصار والرافض للمصالحة والمغامر بمصالح شعبه ولكن أن يأتوا للمصالحة وأن يخرجوا من تحت هذا الضغط؟  وأما التساؤل لماذا قطر دون غيرها ؛ فالجواب في السؤال المقابل: ولماذا لا تكون قطر ؛ وهي التي لم تبتعد لحظة عن الهم الفلسطيني؟ وإذا كان تسعون مليون مصريا هم كل الشعب المصري - باستثناء الفلول - قد فرحوا بزيارة أمير قطر لبلادهم واستبشروا منها خيرا ؛ فهل على حماس أن ترفضها أو تمتعض منها؟ ثم أليست السلطة ووزير أوقافها هم الذي أفتوا بزيارات العلماء والرموز لهم في رام الله وخطبوا في سبيل ذلك ودهم وبرروا بأنها نصرة للقضية ؛ اللهم إلا إذا كان الحلال لهم حراما على غيرهم؟  والحقيقة أن على فتح والسلطة أن تعلما أن الأحداث والأحوال تتحرك من حواليهما فيما هما الوحيدتان الباقيتان على خيارات بل مضى عليها عشرات السنين ولم تحقق شيئا ولم توصل لنتيجة إلا خدمة الاحتلال وتمضيته وتسهيله.. وعليهما أن تعلما أن الأحداث تجاوزتهما وستتجاوزهما أكثر فأكثر ما أطالا المكوث في اللافعل واللاثورة واللاوحدة وفي الحرد السياسي والبكاء على الأطلال.. وعليهما أن تعلما أن حماس التي عرفاها قبل عشرين سنة ولم يقدراها حق قدرها وانتهتا معها إلى ما تريانه قد أقنعت الشعب الفلسطيني باستراتيجيتها وأقنعت المتضامنين من أنحاء العالم بمواقفها واستحقاقاتها، وها هي اليوم تستقطب الزيارات والوفود الرسمية..  الحقيقة أيضا أن الزيارة القطرية قد سلطت الضوء على التخاذل العربي الذي لم يعد له ما يبرره، ولست أدري بعد اليوم كيف يغمض جفن من يدعي عروبة أو إسلاما وهو يساهم في حصار غزة بتآمر أو بتخاذل! (فلا نامت أعين الجبناء)! وهل يقبل حر أو يرضى بذلك ذو شرف!؟ وعلى من يقبل بذلك أو يسوّغه متعللا أو مترخصا أن يقرأ عن حصار السوفييت لبرلين عام 1948 التي لم يكن عدد سكانها إذ ذاك يتجاوز عدد سكان غزة هذه الأيام.. ليقرأ كيف مد الغرب لها جسرا جويا زودها من خلاله بملايين الأطنان من الغذاء عبر أكثر من 270 ألف رحلة طيران ما اضطر السوفييت لفك ذلك الحصار بعد سنتين من محاولة فرضه!!  آخر القول: بورك الكبار إذ يرسمون التاريخ وبوركت الزيارة القطرية لغزة، وليس على قطر أو سواها من أشقاء وأصدقاء الشعب الفلسطيني في ظل تعطل عملية التسوية والحصار الخانق للمقاومة وتبدل ألوان الولاءات أن يتوقفوا كثيرا عند تفاصيل الخلافات الفصائلية الفلسطينية..

410

| 25 أكتوبر 2012

الإسلاميون.. بين الأيديولوجية العامة والوطنية الخاصة

قبل يومين وفي معرض مناقشة موضوع تحت عنوان "الإسلاميون بين الأيديولوجية والوطنية" حاورت عبر إحدى المحطات الإذاعية – دكتورا - مقيما في لندن ولديه مركز دراسات ويصنف في الإسلاميين.. ادعى أن الرئيس المصري " مرسي " ومعه جماعة " الإخوان المسلمون " ومثله الرئيس التركي " أردوغان ".. لا يمثلون الإسلام في شيء؛ وقريبا من وصمهم بالكفر والخروج من الملة قال: هم ليسوا إسلاميين وما هم إلا " علماسيون " يقصد نحت مصطلح يصفهم به يجمع العلمانية والإسلامية.. متداخل آخر من فلسطين تبنى مقولات المتحدثين باسم أحد التنظيمات الفلسطينية العلمانية ضد حماس والمقاومة فادعى أن الإسلاميين لا يؤمنون بالوطنية ودلل على ذلك بأن حماس لا تؤمن بالتمثيل الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأنها سعت للانقسام باكرا منذ بدايات الانتفاضة الأولى.. وأقول: أولا وتعليقا على هذين المتداخلين: يبدو أن بعض الناس يخلطون بين ما هم عليه من حقيقة صغيرة هم يرونها كبيرة وبين الأفكار الكبيرة والمعاني المثالية والمطلقات المحترمة. فيصبحون بعد فترة وبعد صراعات للدفاع عن هذا الادعاء على وهم أنهم يمثلون هذا الشيء الكبير من الأفكار وهذه المثالية في المواقف في حين أنهم على الحقيقة لا يمثلون إلا أنفسهم وفهومهم المحدودة ونظرتهم الجزئية وأنهم مجرد أشكال خارجية أكثر منهم الحقائق التي يدعون.    ثانيا: وأما أن مرسي والإخوان وحماس وأردوغان لا يمثلون الإسلام وأنهم "علماسيون"، فالقضية ابتداء ليست قضية شخص مشوه الفكر نرد عليه، ولا هي من أجل الدفاع عن أشخاص من تطاولهم باتهاماته؛ ولكنها وعلى الحقيقة لتصفيف المعادلة بطريقة صحيحة وبسيطة.. فالتحدي اليوم على فهم الإسلام، وعلى منهجية وموضوعية تنزيله على الواقع، والتحدي حول مواجهة ما يترتب على مواقف هؤلاء المبتسرين مما قد يودي بصورة الإسلام كله إذا لم نحسن إرجاعهم لقراءة صحيحة وموضوعية للإسلام ثم الترويج له.. لقد رأينا من هؤلاء الظانين أنهم إسلاميون وأنهم ممتازون متفوقون على غيرهم من يفجر عاصمة بلده ويقتل الصالحين والوطنيين ومن دونهم، ورأينا منهم من يلعق دماء المجاهدين الخلص قبل أن يمس دماء الصهاينة والمعتدين والمحتلين في ذات البلاد.. وعليه فالقضية تستحق الاهتمام والتركيز.  ثالثا: وفي الرد على ذلك الإسلامي المتداخل من لندن أقول ولا أدري ما الإسلام الذي يريده: فإن كان يريد أن الرئيس المصري وحماس وأردوغان غير مسلمين.. فذلك لا يقوله إلا مبطل جائر وسفيه جاهل؛ فظاهر القوم – وهو ما بيننا وبينهم - يقيمون الشعائر وتلك بيوتاتهم من أحسن البيوت، وما منهم إلا داعية قضى زهرة شبابه وسنوات وسنوات من عمره في سجون الطواغيت وفي العمل المجتمعي والسياسي وغيره في نصرة الإسلام وخدة أبناء وطنه.. فهل لأحد أن ينفي عنهم الإسلام في أشخاصهم أو أفكارهم أو صفاتهم بعد ذلك؟ وأما إن كان يعتبرهم مسلمين ولكنهم مقصرون في تحكيم الشريعة.. فهم يسعون لذلك ويواجهون في سبيله منذ ولوا الحكم " العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " ولكن.. أليس من منهج الإسلام ومن الحكمة أن يمرحلوا أهدافهم؟ وألا يخوضوا بالإسلام ما لا يلزم من المعارك العمياء؟ وهل من الضروري أن يستفزوا الناس في كل كلمة يقولونها؟ وهل عليهم أن يحسموا كل معارك الإسلام والوطنية المتراكمة منذ مئات السنين بين عشية وضحاها؛ في حين أن مجرد وصولهم للحكم لا يزال وربما سيبقى لسنوات موضع تردد واعتراض!؟  لا أدري كيف لمثقف فضلا عن أن يكون " إسلاميا " يفترض أنه يستقي الحكمة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والميراث الحضاري للأمة.. كيف له ألا يفهم مرحليات الدعوة والدولة التي كانت ألف باء التخطيط النبوي الكريم!!  رابعا: أما ذاك من فلسطين الذي اتهم الإسلاميين وحماس تحديدا باللاوطنية ودلل على ذلك بأنهم لا يؤمنون بالمنظمة.. إلخ.. فما أسرع ما نسي أو تناسى التاريخ القريب الذي سطر فيه الإسلاميون أروع آيات التضحية والفداء الوطني! ونسي أن حماس قدمت في نصرة الوطن قادة الصف الأول - المؤسس أحمد ياسين، والصقر الرنتيسي، وعضو مكتبها السياسي إسماعيل أبو شنب، ومفكرها إبراهيم المقادمة، وقائد الكتائب صلاح شحادة، والوزير سعيد صيام، والعلامة نزار ريان.. سوى الآلاف الذين قضوا ولم يغيروا ولم يبدلوا عما انطلقوا به منذ اليوم الأول، أليست هذه قمة الوطنية؟ وهل يسوّى بهم أولئك الذين تسمنوا على القضية ونهبوا المليارات من أموال الثورة أو تزوجوا الفنانات أو قتلوا أمام الفنادق في باريس وغيرها؟ ثم هل المنظمة في عافية حتى يكون من لا يؤمن بها خارجا على الوطنية؛ أم أن كل الفلسطينيين – طبعا سوى صاحبنا والذين يفهمون الوطنية على طريقته – يعتبرونها بيتا آيلا للسقوط ويطالبون بإصلاحها وتفعيلها بما في ذلك أبناء فتح ذاتها مع أنهم أكثر المنتفعين بها ومنها؟ وأما أن الإسلاميين سعوا للانفصال؛ فهو يعلم والشعب الفلسطيني أيضا يعلم أن الذي انفصل عن الشعب والوطنية هم أولئك الذين - وخلافا للميثاق الوطني الفلسطيني - اعترفوا بدولة العدو، وأقاموا مع العدو التنسيقات الأمنية والسياسية، والذين التفوا على الانتفاضة الأولى بل وعلى وفدهم المفاوض وعلى رئيسه حيدر عبد الشافي يوم وقعوا في أوسلو اتفاقيتهم البائسة، والذين انقلبوا على انتخابات الـ2005 وشكلوا فرق الموت ونشرت مجلة " فانتي فير " الأمريكية فضائح مؤامراتهم مع " الجنرال الأمريكي دايتون " على حكومة الوحدة الوطنية.  فإن عدنا بعد هذا التطويح في الرد وإبراز الحقائق للإجابة عن السؤال: هل من تعارض بين الإسلامية كأيديولوجية عامة والوطنية كانتماء خاص.. أقول: ولماذا يقع وهم التعارض هذا أصلا؟ ألم تحتمل دولنا وشعوبنا وثقافتنا المعاصرة وجود الاتجاهات اليسارية والليبرالية والقومية داخلها وكلها اتجاهات أيديولوجية لها صبغة عمومية عالمية؟ ولماذا لم تتهم هذه الاتجاهات بعدم الوطنية بسبب تلك الصبغة؟ ولماذا يتهم باللاوطنية الإسلاميون فقط من دون كل الاتجاهات؟ ألأنها (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)، أم لأن خصومهم ينطلقون من كراهية الدين ذاته؟  الحقيقة أن الإسلاميين – إذا تجاوزنا عن حالات فردية وتمثلات شاذة - هم أكثر الناس والاتجاهات تقبلا للآخر الوطني واستعدادا للتقاسم معه.. رأينا ذلك في فلسطين يوم فازت حماس ونراه اليوم في مصر وفي تونس وفي المغرب ورأيناه من قبل في تركيا.. والأمر ليس مسايسة ومجاملة أو مجرد تكتيك؛ بل يتعدى ذلك ليكون مبادئ وأفكارا تسطر في الكتابات وتدبج في الاتفاقات وتتجسد في التحالفات وتؤصل في المناهج التي يتربى عليها الإسلاميون.  الحقيقة أيضا أن الخطر الحقيقي على الوطنية لا يأتي من الإسلاميين؛ ولكن ممن يدّعون الوطنية من عملاء الاحتلال ومتعقبي المقاومة الذين يتخلون عنها باسم الاعتدال ويذبحونها بدعوى الالتزامات الموقعة.  آخر القول: الحقيقة أن وضع الاتجاه الإسلامي في مناقضة متوهمة مع الوطنية أو مع الاعتدال أو مع الانفتاح أو مع خصوصيات الشعوب هو وضع لا يقوم على ساق ولا يستند لسياق، وبقدر ما إن على من يتهمون الإسلاميين ذلك أن يفهموا الإسلام والواقع والمصالح الكبرى للأمة وأن يحسنوا الظن وأن يلتزموا المنطق؛ فإن على بعض الإسلاميين ألا يعطوا بأقوالهم وبسارة فهمهم وعسارة مسلكهم الدليل على صحة هذا الوهم..

569

| 17 أكتوبر 2012

"مرسي الثورة" تكريمات بطعم الثورة

احتفالات مصر "الثورة" بالذكرى الـ39 لحرب العاشر من رمضان أكتوبر 1973 وتكريم الرئيس " مرسي " عائلتي الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلي وأن يزور السيد " مرسي " مدينة العريش على الحدود الجنوبية لفلسطين وقرب الجبهة مع العدو الصهيوني.. هذه رسالة بل رسائل منه " مرسي" واضحة وجدية للداخل المصري ثم للعدو الصهيوني ويجب أن يفهمها المحللون جيدا... أرى أن مصر لم تعد مصر التي عرفتها المنطقة والأحداث ولا التي خبرها (أو اخترقها) العدو منذ 33 سنة بعد معاهدة كامب ديفد.. الاحتفال بذكرى الحرب هذه المرة جاء مميزا ليس من حيث حجم الاستعراضات العسكرية فيه، ولا لأن الرئيس ظهر - كما فعل الساقط حسني - مزهوا بنفسه وبمكانه بين الرتب العليا أو مستعرضا ببزته التي صممتها دار الأزياء التي صممت بذلة الممثل الأمريكي الشهير " مايكل دوجلاس " التي تضمنت نقوشا لأحرف اسمه باللغة الإنجليزية، والتي بلغ سعرها 16 ألف دولار.. لربما بذلة الرئيس مرسي كبذلة أي مصري في مثل هذه المناسبة الرسمية..  وليس تذكر المناسبة ولا تكريم الأشخاص هو المميز فالمناسبات الوطنية والحربية والاحتفال بها وتكريم الرموز والعظماء كل ذلك تفعله الأمم والشعوب والدول كحق طبيعي وأصيل لمن يصنعون انتصاراتها ومن يشاركون في رسم مفاصل تاريخها ؛ من قائد فذ وبطل بارع ومخترع مبدع وأب معمر ومعاق صاحب عزيمة.. بهذا المعنى فالاحتفال لا جديد فيه ولا عجب..  لكن التميز الحقيقي والجديد المطلق هو أن يكرم الرئيس " مرسي " تحديدا شخص واسم وعائلة الرئيس السادات خصوصا.. فالرئيس " مرسي " ذو جذور إسلامية وتوجهاته التي لا يجهلها أحد إخوانية، أما السادات فهو الذي حارب الإخوان وهو الذي اشتد في عداوتهم واتهامهم والإشاعة عليهم.. ما فعله الرئيس "مرسي" هنا ورغم فرق القناعات وفرق الأيديولوجيات مع الرئيس الراحل ومع مواقفه وقراراته هو عنوان للالتزام بالجوامع المشتركة مع خصومه ولاحترام من يخدم البلد ومن يرى جهة الولاء والعداء بمنظور صحيح.. الأكيد أن السيد "مرسي" إنما كرم الحرب والقوة في صورة تكريم الرئيس الذي اتخذ قرارها.. وهنا ينفك الشخصي عن القيمي فتكريمه إنما جاء بمناسبة حرب العبور وليس بمناسبة اتفاقية كامب ديفد المشينة..  الحقيقة أن الرئيس " مرسي " قد سبح بعيدا وغاص عميقا في بحور الديمقراطية وفي معاني الموضوعية وأنه التزم الخصومة الشريفة التي تلتقي على حب الوطن وتسييجه بالوحدة.. وذلك يجب أن يرد الكثير مما أشيع ويشاع عن الإسلاميين عادة وعن الإخوان منهم على الخصوص من أنهم إن حكموا فلن يروا إلا أنفسهم، وأنهم سيكونون انقلابا على كل المنجزات الوطنية وعلى التاريخ، وأنهم في مصر تحديدا (حيبيعوا دم الثوار والثورة والشهداء، وحتبقى مصر تحت حكمهم طائفية مية المية، وحيجبروا الناس على اللي مش عاوزينه..) إلى آخر هذه التغريدات المأزومة التي ظلت تنعق بها أبواق الفلول داخل مصر والمخدوعون أو المعجبون بهم خارجها)..  التميز الحقيقي والجديد المطلق بل العجب أن يفطن لتكريم الفريق " سعد الدين الشاذلي " الذي هو رئيس أركان القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر رئيس مدني هو السيد " مرسي " في حين أن الساقط كان عسكريا وطالما ادعى أنه بطل الطلعة الجوية الأولى في تلك الحرب ومع ذلك لم يفطن لتكريمه ولم يقدر لرفقائه العسكريين قدرهم.. وعلى العكس من ذلك وجدناه يصر على سجن الفريق الشاذلي بحجة حكم غيابي سابق لثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة كان قد صدر بحقه ظلما وعدوانا، ووجدناه يصر على وضع أملاك الرجل تحت الحراسة، ويصر على حرمانه من التمثيل القانوني، وعلى تجريده من كل حقوقه السياسية رغم كل تدخلات وتوسطات زعماء العالم لا للعفو عنه ولا لتكريمه ولكن لمجرد إعادة محاكمته على أسباب حكم الذي يعلم الجميع أنه جاء مسيسا ومتصلا بموقفه من السادات واتهاماته له بأنه تسبب بقرارات خاطئة في تلك الحرب في حصار الجيش الثالث في سيناء وإخضاع مصر لشروط وقف قتال مذلة ومبددة لمكتسبات النصر فيها.. لذلك عبرت زوجة الفريق الشاذلي السيدة " شهدان " عن امتنانها للرئيس " مرسي " على تكريمه زوجها الذي وصفته بعلم وطني كان منسيا وأعربت عن أملها أن يكون ظهور حقائق ووثائق تلك الحرب التكريم التالي له..  هذا التكريم وبقدر ما جاء يعلي قيمة التسامح وتناسي الإساءات والأحقاد وبقدر ما يذكرنا بحادثة الصفح عن مشركي قريش ومقولة " اذهبوا فأنتم الطلقاء " وبقدر ما يثبت أن " الإسلاميين الصحاح " في دينهم وخلقهم وفهمهم هم الذين يرتفعون عن الجراح والأحقاد لصالح الوطن والمعركة الواحدة بقدر ما جاء يعلي قيمة القوة والاستقلال والتضحية وجاء يعيد للانتصار معناه وليحيي المناسبة بقدر من التحدي نسيه العدو ونام على حفاف نسيانه منذ معاهدة كامب ديفد التي وطأت له مصر وجعلتها مجرد ساحة مفتوحة لمناوراته وخبائثه يجرؤ أن يعلن على أرضها ومن عاصمتها الحرب على غزة أو على لبنان ثم يجد من قياداتها وزير خارجية - كأحمد أبو الغيط – يحمل مسؤولية العدوان وقتل وحرق وحصار أهل غزة للمقاومة الفلسطينية ولحماس، ويجد وزير مخابراتها – عمر سليمان – يستمر سنوات يهدد المقاومة بأنها إن لم تسلم " شاليط " بدون ثمن " فستحل عليها الرزايا وتحيق بها الخزايا..  آخر القول: الرسالة التي وجهها " مرسي " في ذكرى نصر أكتوبر 73 وصلت من وجهت لهم، والعدو تحديدا قرأها مليا وفهمها جيدا ؛ وفي سياق هذا الفهم يأتي تحككه بمصر بقصفه غزة دون مقدمات ولا مبررات، ثم بافتعال مسرحيته التي لا تخفى إلا على مغفل عندما يدعي أن طائرة استطلاع بدون طيار قادمة من جهة مجهولة – إشارة لمصر - دخلت أجواءه والهدف – طبعا - استلفات نظر حلفائه لتطورات مصر واستجاشة تعاطفهم معه وخوفهم عليه..

439

| 11 أكتوبر 2012

الانتخابات الأمريكية.. هل ندعو بفوز أوباما؟

في صغري صليت ذات مرة صلاة الفجر وراء أحد الأئمة " في فلسطين " فسمعته يدعو: اللهم انصر حزب العمل على الليكود!! يقصد الحزبين الصهيونيين المعروفين.. اليوم تذكرت هذا وأنا أرى على نفس الشاكلة مع الانتخابات الأمريكية كيف يجتهد محللون وينشط كتاب في رسم وتوقع مستقبل قضايانا الداخلية على ضوء نتائج تلك الانتخابات ولسان حالهم الدعاء بفوز أوباما على رومني!! البعض ربما يبررون هذا الغرق في الشأن الانتخابي الأمريكي بأن قضايانا هي حصيلة صراع تاريخي مع الغرب ؛ لأمريكا فيه دور وأثر وهي لاعب أساس فيه، وبأن لقضايانا بعدا محليا يتداخل فيه القومي والعالمي.. فكيف إذا تزامنت هذه " الانتخابات الأمريكية " مع الثورات العربية وصار الموقف من هذه الثورات ومن دعمها أو عدم دعمها جزءا من الدعاية الانتخابية للمرشحيْن؟!  وفي ضوء هذا الاهتمام غير العادي بقضية يفترض أنها تهم غيرنا، وأنها تبعد عن مضاربنا ومرابعنا، ويفترض أن لدينا ما يكفي من الهموم داخل بلادنا تكفي لأن ننشغل بها.. فإن القضية – في نظري - تدخل في باب " انحراف المفاهيم " واختراق الذاكرة الثقافية للأمة ما يقتضي ضرورة إعادة تقويم دور أمريكا الإستراتيجي من قضايانا لنبني تحليلاتنا على الحقائق وعلى السياقات الكبيرة لها لا على التوهمات والخطابات والإنشائيات.. وأرى ضرورة التذكير والتأكيد على جملة الحقائق الآتية:  الحقيقة ومن حيث المبدأ أن الشعب الأمريكي والناخب الأمريكي لا يهمه الشأن الخارجي – غير الأمريكي - لا العربي البعيد ولا " البنمي " القريب بالطبع إلا بقدر ما يؤثر على ميزان الدخل القومي والضرائب والبطالة والمعالجات اليومية الداخلية.. وبالتالي فقضايانا تصبح ثانوية بالنسبة له وليست في موضع اهتمام أو متابعة.. ولست أبالغ إن قلت إن نسبة كبيرة من الأمريكان لا يفرقون بين (أريبيان وكريبيان)..  قد يقال ولكن المرشحين الأمريكان كما هي العادة في كل انتخابات يتحدثون عن اهتمامات وقناعات بخصوص الصهيونية وعن وعود كبيرة لرعاية الكيان ما يجعل منطقتنا جزءا من معادلة التنافس.. وأقول: هذا صحيح ولكن لا بد من فهمه من ناحيتين ؛ الأولى أنه خطاب موجه لا لكل الشعب الأمريكي ولكن لفئة منه هي اللوبي الصهيوني وذلك لا يغير أصل فكرة أن الشعب الأمريكي لا يهتم بقضايانا، وثانيا: أن المتنافسين على الرئاسة الأمريكية يتنافسون على هذه الأصوات وأنهم مهما كان اتجاههم الشخصي الثقافي والعقدي فهم خاضعون لمعادلة التملق والنفاق.. وبالتالي فما قيمة أن يكون الرئيس من هذا الحزب أو من سواه ؛ وما قيمة اهتمامنا " الانتظاري الجامد " لفوز فلان أو فلان من المرشحين؟ بالأخص إذا كنا لا نتحمل مسؤولياتنا في الضغط على صانع القرار الأمريكي لموازنة ضغط اللوبي الصهيوني؟  حقيقة أيضا أن أكثر من 85 مليون أمريكي ينتسبون إلى الكنيسة الأنجليكانية التي ترى بالعين اليهودية والتي تقوم ثقافتها على التكامل والتوارث العقدي والرسالي معها.. وهذا يؤكد مرة أخرى انتفاء وجود فارق حقيقي بين الجمهوريين والديمقراطيين على صعيد الصراع الإستراتيجي في منطقتنا.. وإذا كنا نعترف ولا نختلف على وقاحة تبني الجمهوريين للمواقف الصهيونية ؛ فلا يجوز أن ننسى أن أوباما وهو الذكرى الأقرب والخطاب الأكثر قبولا في أسماعنا ومشاعرنا.. هو الذي منح باراك رسالة الضمانات قبل عامين وتعهد فيها أن يشتمل الحل النهائي على (دولة فلسطينية منزوعة السلاح وبدون مرتفعات ومعابر ومقسمة لكنتونات تربطها ممرات ضيقة وجسور معلقة، وأن يقتطع الاحتلال من أطراف الضفة الغربية مناطق يتراوح عرضها ما بين 10 و12 كم عرضي تبقى له وتسمى " عازلة ")    وحقيقة يجب أن يتذكرها كل الطامعين في موقف أمريكي متمايز عن الصهيوني في يوم من الأيام أن السياسة الأمريكية لا تفكر بطريقة الصداقات والمجاملات ولا هي مغرمة إلى هذا الحد بفعل الخيرات ؛ ولكنه منطق الصراع الدائم والقوة المستبدة.. هذه هي ثقافة أمريكا وهي أيضا كل الثقافة الغربية ؛ ودع عنك ما يقال إنشائيا ومجاملة وإعلاميا من الحرص على السلام فالصراع عندهم من أجل الوجود، والوجود عندهم من أجل الصراع، وأولئك أجدادهم القدماء - حتى مع وجود الرسالات السماوية بينهم – كانوا يتوهمون صراعا كونيا ينخرط فيه آلهة الخير وآلهة شر التي يتوهمون.. وتلك هما الحربان العامتان الأخيرتان في مطلع وأواسط القرن الماضي اللتان أكلتا الأخضر واليابس وقتلتا عشرات الملايين وشردتا وشوهتا أضعافهم وما ذلك إلا نموذج وحلقة من هذه الثقافة الصراعية لديهم.. وعليه فواهم من يتمنى فوز مرشح على آخر وأن ذلك سيعني انفراجا في قضية من قضايانا أو إنصافا في مظلمة من مظالمنا..  قد يرد علينا بأن أوروبا متوحدة في السوق والعملة النقدية وحلف الناتو وأن أمريكا اتحاد.. والحقيقة أن ذلك كله وعشرة أضعافه لا يغير صورة السلوك التاريخي ولا نصوص ومتون الفلسفة الغربية الصراعية ولكنه الاستثناء الذي له مبرراته وله أيضا معترضاته ومهدداته التي ليس الموضع للبحث في بيانها وتفصيلها..  وحقيقة أن أمريكا اليوم قد تبدلت أمورها وتنكر الزمان لها، وليس صحيحا أننا يجب أن نخافها وأن نخضع لها ونركع أمامها ونتجرع إهاناتها.. ربما كانت كذلك قبل أن يورطها " الأحمق " بوش في مستنقع العراق ومستنزف أفغانستان وقبل الأزمة المالية التي تعتصر خاصرتيها وتضيّق أنفاسها، وربما كان ذلك قبل أن تخسر هي وحليفاتها الحرب على حزب الله وحماس وطالبان والصومال والعراق.  حقيقة أيضا: أننا لسنا بين ثنائية إما أن نشن حربا على أمريكا – والغرب - أو أن نكون بين يديها كالميت بين يدي مغسله! ولكن للعمل والمواجهة مساحات كبيرة وكثيرة من خلال الشعوب والمؤسسات الأهلية والبرلمانات والضغوط والمقايضات.. كل ذلك ممكن.. وكله يجب أن يفضي لضرورة عقلية وفريضة شرعية هي أن نصبح فاعلين ومؤثرين وأن لا نبقى مجرد منتظرين ما تشرق به شمس اليوم التالي وما تجيء به الأحداث..  آخر القول: ما يجب أن نقوم نحن به لا يجوز أن ننتظره من غيرنا، وليس أي مرشح للرئاسة الأمريكية يستحق بعينه أن ندعو الله أن ينصره لينصرنا أيا كان حزبه ومهما كانت قناعاته.. ومن لم يكفه قرن كامل من الزمان والتجارب لفهم ذلك فلن يفهم أن مواقفنا هي التي تأتي بحقوقنا من أمريكا ومن سواها وهي الكفيلة بتغيير سياساتها الجافية ومواقفها الجائرة..

420

| 04 أكتوبر 2012

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5817

| 23 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

3825

| 29 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3114

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2229

| 23 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1071

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1053

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

924

| 29 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

756

| 23 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

642

| 27 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

636

| 29 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

492

| 25 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

456

| 27 سبتمبر 2026

أخبار محلية