رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أنتقل هذه الأيام كأغلب الناس من قناة تلفزيونية إلى أخرى ويدي على زر (الريموت) تكاد ترتعش من هول الأحداث المحيطة بنا: إبادة جماعية لشعب أعزل وأطفال أبرياء على المباشر ومشاهد مقاومة مشروعة يقوم بها شباب آمنوا بربهم انطلقوا للفعل لا لرد الفعل كما كان حال القيادات الفلسطينية طيلة العقود الماضية ثم تحركات دبلوماسية وسياسية تملأ الشاشات إما للتبرير وإما للتحرير وإما للتنوير. وذكرتني الأحداث بهذه الحكمة التي قالها العلامة عبد الرحمن بن خلدون منذ خمسة قرون وهو ينعت ممارسات الأمم وحكامها بالقول إنه إذا ساء التقدير وفسد التفكير ساء التدبير أي أن بعض الشعوب تخطئ تقدير حالتها وتلغي ملكة التفكير فيها يكون مصيرها سوء التدبير. فانظر حولك أيها القارئ الكريم ترى الشرق الأوسط يتخبط في معضلات رهيبة كللتها هذا الأسبوع عمليات الإبادة الجماعية التي تستمر بلا هوادة رغم تزامنها مع انعقاد محكمة العدل الدولية لمحاكمة مرتكبيها وجريمة اغتيال قيادات من الصف الحماسي الأول في بيروت الجنوبية وجرائم اغتيال الصحفيين في فلسطين وقصف عائلاتهم بالصواريخ حتى تحول البطل وائل الدحدوح الى أيقونة جهاد وصبر واحتساب دون أن توقع الدولة العبرية المارقة عن القانون الدولي جريمتها أو تعلن تبنيها وهي عملية خبيثة هدفها السياسي مبرمج مسبقاً تتسابق فيه حكومة نتنياهو مع الأحداث قبل أن يغادر حليفها الأكبر البيت الأبيض بأيام قليلة فيكون حسابها كالآتي: بلوغ مرحلة التطبيع مع المملكة السعودية وطبعا تحويل العداء التاريخي من إسرائيل المحتلة للأرض الى الجمهورية الإيرانية وتكتشف إيران أن مجتمعها مخترق من قبل الموساد على ضوء الانفجارات التي هزت بعض مواقعها الاستراتيجية الشهر الماضي وهو المجتمع الذي حصنه حكامه منذ 1979 بالحرس الثوري، لكن لعبة المخابرات الإقليمية والدولية لا تعترف بالحدود، ويمكن لها أن تضرب رأساً القمم العلمية والمواقع العسكرية في لحظة غفلة بينما الواقع يقتضي المزيد من الحيطة والحذر والعالم شاهد وسمع كيف أشار نفس رئيس حكومة إسرائيل إلى محسن فخري زاده بالاسم والصفة عام 2018 ووضعته مخابراتها على رأس قائمة المستهدفين كما استهدفت زملاء له من قبل بطرق مختلفة! وبعد سنوات ذكر المجاهد صالح العاروري ثم اغتالوه وذكر يحيى السنوار وندعو الله له النجاة ومواصلة المقاومة. هذا المخطط المبرمج إسرائيلياً مع حليفها القوي المؤقت هو جر إيران إلى رد الفعل بسرعة ربما بضرب جنود أمريكان في البحر الأحمر وقصف الحوثيين باعتبارهم جنود إيران وفي العراق قبل أن ينسحب الجيش الأمريكي كما تطالب الحكومة العراقية فتكون الولايات المتحدة مضطرة للحرب وقصف منشآت نووية إيرانية وتنتهي أخطر مرحلة من مراحل وضع اليد الإسرائيلية على كامل مقدرات الشرق الأوسط بعد تطبيع أنظمة عربية معها وفتح أبواب التعاون ثم التحالف معها على أسس جديدة تلغي قضايا العرب وتصفي نهائياً قضية فلسطين بما يسمى صفقة القرن قبل أن يدخل الرئيس المنتخب (جو بايدن) أو (ترامب) أو من ينوبهما من حزبيهما المكتب البيضوي ويشرع في ما أعلنته الإدارة الأمريكية من تصفية تركة المقاومة في جميع المجالات بدءاً من قضية فلسطين وانتهاء بملف النووي الإيراني على أساس المعاهدة الموقعة عام 2015 والمصادق عليها أممياً ودولياً وهي التي انسحب منها ترامب معوضاً إياها بفرض عقوبات عشوائية على إيران لم تزد إيران في الحقيقة إلا حرصاً على متابعة برنامجها النووي السلمي المدني!. وحين تعلن طهران أنها سترد على الجريمة بطريقة ذكية فهي تعني أنها تفطنت إلى المخطط الجهنمي المعد لها كفخ تاريخي قادر على تغيير كل قواعد اللعبة الدولية تماما وبأقل التكاليف ثم إن الأوضاع الإستراتيجية للدول الشرق أوسطية اليوم تنذر بإمكانية تطبيق المخطط فانظر إلى عقيدة بعض الأنظمة العربية التي تغيرت من اعتبار العدو التاريخي هو الاحتلال الإسرائيلي إلى اعتبار إيران هي العدو! بينما وراءنا احتلال أجزاء من مصر منذ العدوان الثلاثي 1956 عليها ثم احتل العدو الإسرائيلي سيناء وضفة قناة السويس وكاد بعد عبور رمضان عام 1973 أن يحتل نصف مصر فيما يسمى الكيلومتر 101 مهدداً بالاستيلاء على القاهرة بقيادة (أريال شارون) لو لم توافق مصر يومئذ على قرار وقف إطلاق النار! إنه التاريخ القريب ولم تنفرج أزمة مصر وأراضيها المحتلة إلا بانعراج محمد أنور السادات رحمة الله عليه نحو المخطط الأمريكي وزيارة الكنيست وعرض السلام على إسرائيل في كامب ديفيد! وبدأت عمليات السلام المغشوش بين الدولة العبرية وما تبقى من منظمة التحرير بمفاوضات أوسلو ثم مدريد واعترف الفلسطينيون بدولة إسرائيل مقابل لا شيء أو ما يقارب اللاشيء فالتجأ أبو عمار وصحبه إلى (حي المقاطعة برام الله) قبل أن يهدمه (تساحال) على رؤوسهم ثم يغتالون ياسر عرفات بالبولونيوم ويبدأ مخطط انكفاء الوجود الفلسطيني تدريجياً ببرامج توسيع المستوطنات وبناء الجدار العازل وقبول هدية ترامب إلى إسرائيل (بيت المقدس) كعاصمة أبدية وغير قابلة للتقسيم ولا للتفاوض لدولة يهودية كما خطط لها عام 1897 تيودور هرتزل في مؤتمر (بازل) بسويسرا في كتابه (الدولة اليهودية). وهكذا فإن سوء التقدير بالمعنى الخلدوني نجده أيضا في أوروبا وفي فرنسا بالذات التي تشهد نزول الجماهير الفرنسية للشوارع احتجاجاً على المنعرج اليميني المتطرف المبرمج في قانون الأمن الشامل مما ينذر بأخطار قادمة تهدد السلام الأوروبي بقدوم النزعات شبه الفاشية بخطى سريعة إلى دفة الحكم في الاتحاد الأوروبي وهي قضايا تهم العرب وتنعكس بالضرورة على البحر الأبيض المتوسط بحيرتنا المشتركة الخالدة. اليوم نقف على صدق الحكمة الخلدونية وهو الرائد في تفكيك المجتمعات الإنسانية واستخلص في كتابه الذي سماه بالعبر (جمع عبرة) كل ما يمكن الناس من إصلاح الرعية بدءا من إصلاح الراعي وقد صنف رحمه الله ملكة حسن التقدير على رأس حسن التدبير ولم يكن يعلم وهو في عصره المضطرب أن الاضطراب سيستمر حتى القرن الحادي والعشرين وأن نفس سوء التقدير في عصرنا ما هو سوى إعادة تاريخية لسوء تقدير الدولة العباسية التي قضى عليها التتار بقيادة هولاكو وأذن ذلك الحدث الجلل بدخول المسلمين في نفق الفرقة والتخلف ففقدوا الأندلس كما نكاد نفقد فلسطين لا قدر الله لولا فتية آمنوا بربهم ورفعوا لواء الإسلام والمقاومة.
1062
| 19 يناير 2024
شرعت أمس الخميس محكمة العدل الدولية في المداولات حول توجيه تهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية من قبل إسرائيل انطلاقا من ملف ثقيل تقدمت به افريقيا الجنوبية والتحقت بها الدول العربية وسنرى هل ستكون المحكمة لسان حق وعدل أم ستخضع لقوى غربية؟ وفي هذه الظروف العصيبة المؤلمة نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرا استعرضت فيه توقعاتها لسنة 2024 حول النزاعات الدولية وقالت المجلة في تقريرها الذي ترجمته «عربي21» إن الحروب آخذة في التزايد منذ سنة 2012 تقريبا بعد أن تراجعت وتيرتها في التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في البداية اندلعت الصراعات في كل من ليبيا وسوريا واليمن في أعقاب الثورات العربية لسنة 2011 ثم امتد عدم الاستقرار في ليبيا جنوبًا ما تسبّب في إشعال فتيل أزمة طويلة الأمد في منطقة الساحل. تلت ذلك موجة جديدة من المعارك الكبرى، على غرار الحرب بين أذربيجان وأرمينيا سنة 2020 حول ناغورنو كاراباغ، والقتال المروع في منطقة تيغراي شمال إثيوبيا والهجوم الروسي على أوكرانيا وهي الحرب الأكثر التحاما بالغرب لأنها هذه المرة تندلع في قلب أوروبا البعيدة عن الحروب منذ 1945 ثم حرب السودان وأخيرا منذ 7 أكتوبر أخطرها جميعا منذ تعرضت غزة الى حرب إبادة خارج القانون الدولي وخارج أخلاق الحرب وبلغت يومها المائة بعشرات الاف الشهداء الفلسطينيين واعتراف العالم بصمود المقاومة الحماسية وشرعية جهادها. وتمحورت الدبلوماسية حول إدارة التداعيات: التفاوض على وصول المساعدات الإنسانية أو تبادل الأسرى وتلاشت جهود صنع السلام هناك منذ سنوات بعد سقوط سلام أوسلو ومدريد وكامب ديفيد، وتجاهل زعماء العالم ذلك الصراع إلى حد كبير حتى أبرمت عدة حكومات عربيّة اتفاقيات تطبيع بوساطة أمريكية مع تل أبيب وتجاهلت في الغالب محنة الفلسطينيين. واستولى الاحتلال على المزيد من الأراضي الفلسطينية وأصبح المستوطنون يتصرفون بوحشية أكبر من أي وقت مضى ما حول الدولة العبرية الى ثكنة يسكنها ويغتصب أراضي الغير مستعمرون استيطانيون مسلحون يقتلون الأبرياء بحماية جيشهم! لكن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم يبدأ منذ هجوم حماس بل كانت عملية السابع من أكتوبر نتيجة طبيعية ليأس الفلسطينيين من حل سلمي لم يوجد منذ 1947 وأوضحت المجلة أن الهجوم الذي قادته حماس في السابع من أكتوبر وما تلاه من تدمير الاحتلال لغزة نقل الصراع المستمر منذ عقود من الزمن إلى فصل جديد مروع. وبعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر أصبح من الواضح على نحو متزايد أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لن تقضي على حماس باعتراف قادة مدنيين وعسكريين اسرائيليين مثلما يزعم نتنياهو وأن محاولة القيام بذلك قد تدمّر ما تبقى من غزة وتوسع نطق الحرب الى دول الجوار وهذا التوسع هو ما تخشاه الولايات المتحدة وعبر على لسانها وزير الخارجية أنتوني بلينكن في كل محطات زيارته الأخيرة الى إسرائيل وعواصم عربية أهمها الدوحة. بدأت الحملة الإسرائيلية في غزة وهو قطاع ساحلي مكتظ بالسكان تحكمه حماس بصفة شرعية إثر انتخابات شفافة عام 2007 وتحاصره «إسرائيل» بإعانة بعض جيرانها العرب منذ 16 سنة! ونذكر أنه بعد وقت قصير من هجوم السابع من أكتوبر حاصرت قوات الاحتلال القطاع لأسابيع قبل أن تسمح بدخول مساعدات محدودة وبداية القصف العنيف الوحشي مع الدعوات لسكان شمال القطاع بالإخلاء جنوبا وهي عمليات مهّدت الطريق أمام التحركات البريّة التي كانت غايتها ارتكاب جريمة التهجير القسري لشعب كامل كما وقع في النكبة الأولى عام 1948. ثم شهدت تطويق القوات والانتقال إلى مدينة غزة وفي أواخر نوفمبر شهدت فترة توقف قصيرة توسطت قطر بدعم من الولايات المتحدة ومصر في إنجاح صفقة إطلاق حماس سراح 105 أسرى (81 إسرائيليا و24 آخرين) وإطلاق تل أبيب سراح 240 فلسطينيا محتجزين في سجونها. وفي الأول من ديسمبر استؤنف الهجوم مع تنفيذ عمليات برية في جنوب غزة. ويستمر القصف العنيف والقتال في كافة أنحاء القطاع الى يوم نشر هذا المقال حيث كانت العمليات الإسرائيلية مدمّرة لمعظم أجزاء القطاع بحصيلة قتلى وصلت إلى 30 ألف فلسطيني، من بينهم 7000 طفل و4000 امرأة وقصف منازل سكنية لعائلات اعلاميين انتقاما منهم لإظهارهم صور المجازر للرأي العام العالمي وخاصة الجزيرة صوت الحق والمقاومة وترك أعداد لا حصر لها من الأطفال قتلى أو مشوهين أو يتامى! كان اخر هذه الجرائم المروعة اغتيال الصحفي حمزة الدحدوح نجل الصحفي المنكوب في كل أسرته وائل الدحدوح مراسل قناة الجزيرة وهكذا أحصت منظمة الأمم المتحدة ضحايا الإبادة الإسرائيلية من الصحفيين 110 في ظرف ثلاثة أشهر مع 170 موظفا أمميا من وكالة الغوث (الأونروا) و230 من كوادر طبية من أطباء وممرضين ومسعفين! أرقام مرعبة تسجلها الإنسانية لأول مرة في التاريخ الحديث! لقد أسقط الاحتلال حمولات ضخمة - بما في ذلك قنابل بوزن 2000 رطل - على مناطق مكتظة بالسكان. وتشير التقارير إلى أن التدمير كان بوتيرة وحجم لم يسبق لهما مثيل في التاريخ الحديث. كما غادر أكثر من 85 بالمائة من سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة منازلهم وذلك وفقاً للأمم المتحدة التي تحذر أيضاً من انهيار كل البنى التحتية وجميع مقومات الحياة وانتشار المجاعة والأمراض المعدية التي تقول وكالات الإغاثة إنها قد تودي قريبا بحياة عدد أكبر من الأرواح مقارنة بالعمليات العسكرية. وفرّ العديد من الفلسطينيين بعضهم نزحوا عدة مرات جنوبًا إلى مخيمات مؤقتة على طول الحدود المصرية ويأمل بعض المسؤولين الإسرائيليين أن تدفع الظروف في غزة الفلسطينيين إلى مغادرتها بينما ينفي الاحتلال أن تكون هذه سياسة رسمية و لا تزال واشنطن تكرر على لسان رئيسها ووزير خارجيتها نفس حجة (دفاع إسرائيل عن نفسها!) كأنما هوجمت إسرائيل وتم احتلال أراضيها من دولة غازية! بينما العكس هو الصحيح! دعمت الحكومة الأمريكية حتى اللحظة الراهنة دولة الاحتلال دون قيد أو شرط تقريبًا. وقد ساعدت الدبلوماسية الأمريكية في التوصل إلى وقف القتال في نوفمبر وربما خففت من بعض التكتيكات الإسرائيلية وفي المقابل لم يقدم نتنياهو سوى تفاصيل قليلة عن أهدافه النهائية في غزة باستثناء أن الاحتلال سيحتفظ بالسيطرة الأمنية على القطاع. وهو يرفض الفكرة التي تروّج لها واشنطن بأن السلطة الفلسطينية التي تحكم بعض أجزاء الضفة الغربية وتهيمن عليها فتح، المنافس الفلسطيني الرئيسي لحماس يمكن أن تلعب دورا في حكم غزة بعد الحرب وهو يؤكد أن تل أبيب ستقاتل حتى تقضي على حماس.! أوردت المجلة أنه يتعيّن على واشنطن الضغط بشكل أكثر إلحاحًا من أجل فرض هدنة أخرى تؤدي إلى إطلاق سراح جميع الأسرى الذين تحتجزهم حماس مقابل إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين. وربما ينتج عن الترتيبات المؤقتة لغزة، التي سيكون التفاوض بشأنها أكثر صعوبة، انسحاب القوات الإسرائيلية وتخفيف الحصار وضمان القوى الخارجية وقف إطلاق النار. في ظل الوضع الحالي، من المرجح أن تستمر العمليات الكبرى لأسابيع (وربما أشهر) أكثر، تليها حملة متواصلة وأقل كثافة ستبقى خلالها غزة طي النسيان. ويبدو أن الاحتلال العسكري الموسع أمر محتمل، حتى لو نفى نتنياهو أن هذه هي نيته. ستسيطر القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع وستواصل غاراتها بينما يتجمّع الفلسطينيون فيما يسمى بالمناطق أو المخيمات الآمنة التي تبقيها على قيد الحياة إلى أقصى حد ممكن من قبل الوكالات الإنسانية. ورغم تصميم مصر على إبقاء الفلسطينيين خارج حدودها ليس من المستغرب عبور اللاجئين الى مصر والأردن خاصة إذا استمرت الحملة وامتد الهجوم الإسرائيلي إلى العمليات البرية والقصف العنيف لمدينة رفح الحدودية.
564
| 12 يناير 2024
لا بد أولا من الاعتراف بالحق لأهل الحق، قلت وما زلت أقول منذ تأسيس قناة الجزيرة إن الشعار الذي رفعته (الرأي والرأي المخالف) هو في حد ذاته مشروع حضاري للأمة وأحمد الله تعالى أن أتاح لي فرصة مواكبة ذلك الحدث الفاصل الذي قطع مع تقاليد الرأي الواحد والعقل المعتقل، بل ساهم بقوة في تحرير المفكرين والإعلاميين والسياسيين العرب حين أظهر وجوههم على الشاشة وأوصل رأيهم لمواطنيهم وتعرفت عليهم شعوبهم (ومن بينهم وجهي ورأيي) وتعود العرب منذ نشأة الجزيرة على التعايش مع مناخ الحرية، جزى الله ألف خير تلك الكوكبة الجريئة من حكام دولة قطر والتي فتحت كوة في جدار سميك من التعتيم والقمع. كما يجدر بنا ذكر جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي وهي تكافئ سنويا أفضل الترجمات التي تساهم في تلاقح الثقافات وإحياء عمليات التعارف الحضاري بين الأمم. ومن جهة ثانية أذكر لكم أنه على مدى عقود مضت كنت من قراء أستاذنا الكاتب والمفكر المعتدل المصري فهمي هويدي على صفحات بعض الصحف العربية ونعرف جميعا أن الرجل لم يكن لا متطرفا ولا متعصبا ولا رافضا للحوار بل كان دائم التفتح للرأي المخالف وأتذكر أننا اشتركنا أنا وهو في تأسيس لجنة دولية لمناصرة المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي عام 1998 حين حوكم في باريس بتهمة مخالفة قانون (غايسو) بنشره لكتاب (الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل) وكان لنا سويا لقاء مطول مع جارودي في دبي حين دعتنا صحيفة البيان الإماراتية لتنشيط أمسية ثقافية حول حرية الرأي وعسف القانون الفرنسي. ثم وفجأة سكت فهمي هويدي عن الكلام المباح ولم ينشر مقالا أو تدوينة منذ 2013 تزامنا مع التغيير الذي طرأ على النظام آنذاك! 10 سنوات عجاف من صمت مفكر عربي بحجم فهمي هويدي أعتبره شخصيا ويعتبره قراؤه الكثيرون خسارة للثقافة العربية وانتصارا مؤقتا لمن أخرسوه أو اضطروه لقطع لسانه بنفسه إلى حين. ومنذ أيام زار فهمي هويدي الدوحة بدعوة كريمة من قناة الجزيرة ومن المركز القطري للصحافة وكان له مع جمهور قرائه القدامى الكثيرين لقاء منعش تميز بالحذر الشديد والبعد عن السياسة وتوخى زميلنا الكبير استعمال الإشارات والتلميح عوض التوضيح والتصريح! وعلق طبعا على طوفان الأقصى بما يراه من مواقف وطنية بعبارات منتقاة بدقة كأني بالرجل يسير على حبل في سرك ويمسك بعصا التوازن حتى تمنعه من السقوط يمنة أو يسرة! ولكني تدخلت بالقول إن سكوته الاختياري يعد هزيمة للفكر وللعقل وسيحرمنا من حوار حر حول مصير العرب فحظي كلامي بتصفيق تلقائي من كل الحاضرين لأنهم يوافقونني ويؤيدون تحليلي بل أثنى بعضهم على طرحي لهذه العلة العربية السائدة في أكثر من مجتمع عربي، أما أستاذنا فاكتفى بالقول إنه «سيعود إلى مصر... فلتراعوا عودته سليما إلى وطنه وشكرا على تفهم موقفي!». من جهة ثانية أعلن الكاتب والمعارض المصري، يحيى القزاز توقفه عن الكتابة بسبب ممارسات السلطات المصرية مع ابنه وحرمانه من السفر. وقال القزاز في منشور له عبر حسابه بموقع إكس: «قررت أن أخون نفسي وأتوقف عن الكتابة جبنا بعد منع ابني من السفر وحرمانه من عمله عقابا له على آراء أبيه. وفي الحقيقة لي شخصيا مع هذا الملف حكايات طويلة قاسية حين شهدت على إجهاض مواهب فكرية وأدبية واعدة وأصيلة كانت كتابات أقلامها منارات رائدة ثم انطفأت فجأة وبلا تفسير وطبعا ليس انطفاء نهائيا دائما بفعل قمع سياسي! بل اختار بعض الكتاب الموهوبين والواعدين الانحياز إلى وظيفة تعيله أو الركون إلى زوجة وعيال يسكن إليهم ويقيهم الفقر والعوز ويقرر طواعية تجنب وجع الرأس الذي لا شك يرتبط بالأدب والعقل منذ الإمام ابن حنبل إلى (غاليليو) مكتشف كروية الأرض وصولا إلى مفكر سوداني (محمود محمد طه) اتهم بما يسمى (الهرطقة) وانتهت به مسيرته إلى حبل مشنقة نصبها جعفر النميري وقبله المفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب على أيدي عبد الناصر وفي الثمانينيات أصيب شاعر تونس الملتزم (منور صمادح) الذي عرف سجون الاستعمار بمرض عقلي عضال أدخله مستشفى الرازي للأمراض العقلية إثر اضطهاده الطويل من قبل البوليس السياسي التونسي خاصة بعد قصيدته الرائعة والصادقة التي انتقد فيها الرئيس الحبيب بورقيبة وكان بورقيبة وحزبه الدستوري يرفعان دائما شعار (الصدق في القول والإخلاص في العمل) فجاء مطلع قصيدة الشاعر منور صمادح كالتالي: أمران في بلدي قد خيبا أملي الصدق في القول والإخلاص في العمل كان جنون الشاعر نتيجة لهشاشته النفسية المعروفة وهول الصدمة التي زلزلت عاطفته الرقيقة وحبه لوطنه حيث لوحق بوحشية وقصد البوليس زعزعة عقله ونجح في أن يحول الشاعر العبقري إلى شبه إنسان يهذي في الشوارع ويفقد ملكة التوازن وتأزمت إثر ذلك العلاقة بين الشاعر والسلطة خاصة بعد نظم منوّر قصيدة «عهدي به جدا فكان مزاحا»، والتي يقول فيها عن بورقيبة عهدي به جدا فصار مزاحا بدأ الضحية وانتهى سفاحا من حرر الأجساد من أصفادها عقل العقول وكبل الأرواحا وكنت أحرص على صداقة منور حتى وهو في تلك الحالة كما كان الأستاذ محمد مزالي رئيس الحكومة المثقف يرعى حالته ويصر على الاتصال به إلى أن توفاه الله يوم 28 ديسمبر 1998 في مسكن أشبه بالكوخ عن عمر 67 عاما قضى منها أكثر من 3 عقود بين مستشفى الأمراض العقلية والعزلة والوحدة جراء الآثار النفسية التي خلفتها الملاحقات والاستنطاقات القمعية والترويع. رحم الله شاعرا كان مناصرا لتحرير وطنه من الاستعمار الفرنسي ودخل سجون الاستعمار كما ناصر الشعب الفلسطيني والشعب الفيتنامي بقصائد ثورية وأدعو الله سبحانه أن يهدي بعض أصحاب الأمر ليرحموا أصحاب الفكر.
1032
| 05 يناير 2024
أحمد الله على أنه قيض لي بعض الساعات لأنعزل في ركن من أركان البيت أقرأ كتباً جديدة باللغتين العربية والفرنسية اقتنيتها من هنا وهناك ولم أفتحها إلا عندما أغلق الهواتف الذكية (وأستعمل الهواتف الغبية!) وأغلق الآيباد والحاسوب والتلفزيون وأمارس هوايتي القديمة في تلمس أوراق الكتاب ومطالعته بشغف وأجد بين دفتيه المعرفة وخفايا الأحداث وهو أداة الفكر الوحيدة التي تجعلك تفكر بهدوء في عالم ازدحمت فيه أدوات الاتصال السريعة الآنية التي تتلاعب بعقلك وتخرب ذبذباتها خلايا مخك وتقتل فيك ملكة التفكير بالرغم عنك. ولكن من حق القارئ الكريم أن يتساءل: «كيف تنعزل وأنت تعيش متوتراً بمشاهد حرب الإبادة الإرهابية التي يرتكبها الاحتلال ضد شعب غزة؟» والجواب عندي أن أكثر محطات العالم سواداً ومأساوية تضطر الإنسان إلى عدم الاكتفاء بالتأثر والاكتئاب بل التفكير في استنباط الحلول في كنف سكينة روحية ووقفة تأمل من أجل تحرير الفكر قبل تحرير الأرض. أقرأ هذه الأيام ستة كتب شديدة الاختلاف من حيث مؤلفيها ومناهج تحليلهم وانتماءاتهم الفكرية لكنها تتفق جميعاً في تعميق البحث حول معضلات العصر وتقلبات التاريخ فإذا بي أجد نفسي وأنا أقرأها أشد اطلاعاً على أسباب المصائب التي ابتلي بها العرب والمسلمون وأكثر إلماماً بحقائق خفيت عني وعن كل من يكتفي بالعابر من الملاحظات التويترية والسطحي من المواقف الفسبوكية. * الكتاب الأول من تأليف الباحث التونسي مصطفى بن تمسك وهو بعنوان (الحداثة الأوروبية مسارات التفكيك ونهاية الريادة) نشرته مؤسسة مؤمنون بلا حدود المغربية والعنوان يكفي لفهم حقيقة تمس العرب من قريب وهي إعلان موت ما يسمى بالحداثة الأوروبية التي يتغنى بها العلمانيون المتطرفون العرب نكاية بقيم الإسلام. * والكتاب الثاني بقلم المؤرخ الفرنسي (مارك فيرو) MARC FERRO وهو بعنوان (العمى: نحو تاريخ مختلف لعالمنا) نشرته مؤسسة (تالندييه) للنشر، وفيه تقديم لنظرية هذا المؤرخ الشهير التي تقول بأن الزعماء يصابون بنوع من العمى حين ينتصرون مؤقتا فيضلون ويعمون شعوبهم ولا يرون حقيقة الأحداث ولا يفقهون مجرى التاريخ فيقعون في مطبات كبرى تتحول بالنسبة لشعوبهم إلى كوارث أليمة وأزمات حادة وحروب عاصفة. ويحلل المؤرخ عمى هتلر وستالين وموسوليني وإمبراطور اليابان حين لم يتصوروا أنهم يأخذون قرارات خاطئة أثناء الحرب العالمية الثانية كما يحلل عمى زعماء الغرب في التعاطي مع الأزمات العربية منذ استقلال الشعوب العربية إلى ميلاد القاعدة وداعش واستفحال القضية الفلسطينية بدون رؤية حق أو قانون. * الكتاب الثالث هو للزميل الجامعي الفرنسي (جيل كيبيل) GILLES KEPEL بعنوان (الرعب في فرنسا) إصدار مؤسسة (غاليمار) وهو يروي قصة الهجمات الإرهابية على أهداف مدنية في باريس يوم 13 نوفمبر 2015 وقبلها على مجلة (شارلي هبدو) في يناير من السنة ذاتها. ويحاول هذا الجامعي المتخصص فك شفرات ما سماه (الجهادية الفرنسية) بالرجوع إلى رحمها الأول أي المجتمع الفرنسي والأوروبي عموما وهو مجتمع لم يوفق في دمج أقلية من الشباب العربي المسلم المولود في صلبه والذي تخرج في مؤسساته التعليمية فعدد الفرنسيين الملتحقين بالجهاد يبلغ أكثر من الألف قتل منهم 150 وما تزال أوروبا مهددة باعتداءات قادمة كما تبين من تفجيرات مطار ومترو بروكسل العاصمة السياسية للاتحاد الأوروبي. وأنا شخصيا حللت هذه الظاهرة في كتابي الأخير الصادر بالفرنسية بعنوان (ساعاتي قندهار) إصدار مؤسسة أركاديا للنشر. * أما الكتاب الرابع فهو (الحرب الصليبية الثانية: حرب الغرب المستعرة ضد الإسلام) تأليف المفكر الأمريكي John Feffer ومترجمه للعربية هو محمد هيثم نشواتي إصدار منتدى العلاقات العربية والدولية بقطر (مع العلم أني لم أسمع بهذا المنتدى من قبل، ويبدو أنه تابع للقرية الثقافية كتارا ولكني أبارك أعماله) يأتي الكتاب على وجوه الشبه في العمق بين الحملات الصليبية الأولى وهذه الحملات الجديدة التي تختلف أدواتها وأهدافها، كما يحلل مصادر المشاعر الغربية المعادية للإسلام التي تجسدت في الهجمات الصليبية منذ عام 1095 تاريخ انطلاق جحافل الصليبيين من أوروبا إلى بيت المقدس إلى اليوم تحت شعار مقاومة الإرهاب. رغم ضعف الترجمة العربية وافتقاد الكتاب أي تعريف بالمؤلف يبقى وثيقة تاريخية يحسن الاطلاع عليها. * الكتاب الخامس هو بالفرنسية بعنوان (نهاية الغرب: أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط) تأليف المحلل السياسي الفرنسي francois heisbourg وهو عمل أكاديمي يدين سياسات المحافظين الجدد الذين زيفوا تاريخ العلاقات الإسلامية الغربية وحددوا أهدافاً للحكومة الأمريكية وحلف الناتو في قلب العالم الإسلامي لضربها من أجل ما اعتقدوه حماية مصالح الغرب، ويدعو الكاتب أوروبا لسن سياسات سلمية حكيمة مرجعها القانون الدولي وحقوق المسلمين لتجنب حروب دموية قادمة. * الكتاب السادس بالفرنسية أيضا تأليف Richard Flecher بعنوان (الصليب والهلال) يؤرخ للعلاقات القديمة المعقدة بين الديانتين، حيث ساد اعتقاد أغلب المسيحيين منذ فجر الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما هو إلا عدو للمسيحية ومتمرد على منظومة الوثنية. ويؤكد المؤلف أن الإسلام انفرد في عصوره الذهبية بالعلوم والابتكار والتسامح ونشر دعوته مقابل مسيحية تجزأت إلى ملل ونحل متناسلة. يستعرض الباحث تاريخ بداية التوسع الإسلامي في مواجهة العالم المسيحي وما تبعه من فتوحات ثم من حروب صليبية ثم من استعمار وصولا إلى عصرنا الحديث الذي عمق الخلافات ونشأت فيه حركات التحرر الإسلامي والبحث عن توحيد الأمة. * الكتاب السابع الذي جعلته قريباً مني أنهل منه كلما تعبت من الجدية الأكاديمية للكتب الأخرى هو كتاب بالعربية من تأليف أستاذي طيب الذكر رحمة الله عليه مالك بن نبي المفكر والطبيب الجزائري الذي لم يأخذ حظه من التعريف به ودراسته وتدريسه لا في حياته ولا بعد وفاته. فهو الذي تتلمذنا عليه في الستينيات والسبعينيات وهو مؤلف عشرين كتاباً جمعها كلها تحت عنوان واحد هو (مشكلات الحضارة) وحلل فيها الظاهرة الاستعمارية، وهو واضع نظرية (قابلية الإنسان المسلم للاستعمار) والمحرض الأول على التمسك بالهوية الإسلامية لمقاومة الثقافة الدخيلة. عنوان الكتاب هو (الظاهرة القرآنية) قام فيه بتحديث وتحيين أهم رسالات الوحي القرآني. كتاب ينير عصرنا الحاضر المهدد لكياننا ووجودنا. رحمك الله أستاذنا وغفر لنا غفلتنا عن الاستفادة من صالح أعمالك.
753
| 29 ديسمبر 2023
بمناسبة ذكرى تأسيس قناة (تي أر تي) التركية يوم الجمعة الماضي ألقى الرئيس رجب طيب أردوغان أمام الإعلاميين والدبلوماسيين خطابا مشحونا بالحق. أولا حق العالم في أن يكتشف الحقيقة من وراء أحداث الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي ترتكبه سلطة اليمين العنصري المتطرف الإسرائيلي في قطاع غزة الشهيدة وثانيا حق المستضعفين من شهداء الظلم والاستكبار الإسرائيلي وآلة القتل الممنهج في أن يشهد الرأي العام العالمي على مأساتهم فتتحرك الضمائر لوقف الإبادة ونصرة الحق. ويلوم البعض عن حسن نية الرئيس أردوغان على البقاء عضوا في حلف الناتو ولكن الحقيقة أن الدبلوماسية التركية لا يمكنها التحرك الناجع لفائدة غزة إلا بواسطة انتمائها لهذا الحلف وآخر التحركات هي ما ورد من أنباء اللقاء بين وزيري خارجية تركيا والولايات المتحدة حيث دعا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، إلى استخدام نفوذ بلاده على إسرائيل لوقف هجماتها على غزة. وتم التأكيد على أهمية العمل بما يتناسب مع روح التحالف في العلاقات الأمريكية التركية كما أنه تم تقييم عضوية السويد في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومسألة طائرات «إف-16»، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية وجرت أيضا مناقشة التصعيد الإسرائيلي. ونعود الى إحياء ذكرى تأسيس قنوات (تي أر تي) حيث أشاد الرئيس التركي بالمبادرة الجريئة التي اتخذها الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السيد غوديريش والمتمثلة في استعماله للبند 99 من ميثاق المنظمة الذي استعمل لأول مرة منذ الخمسينات وهو الذي يدعو الأمين العام للفت نظر مجلس الأمن إلى كل ما يهدد السلم والأمن الدوليين وينذر بحرب تتجاوز الأزمة وهو عين ما فعله الأمين العام لأن الرجل يخشى أن يحسب عليه في التاريخ موقف المتفرج السلبي على الإبادة والاكتفاء بالعمل الإداري والدبلوماسي الروتيني! وأعتقد شخصيا أن ما قاله الرئيس التركي عن قناة (تي أر تي) ينطبق تماما على مجموعة الجزيرة المجاهدة بقنواتها الخمسة وبثها المباشر ومراسليها المجندين على مدى الـ 24 ساعة لمخاطبة الرأي العام العالمي بشتى لغاته ومقاومة قنوات التزوير والبهتان التي تبث الأكاذيب من عواصم الغرب والشرق. لقد ربحت المقاومة معركة الرأي العام فأدرك الناس في مختلف القارات هول الفاجعة ونية التهجير والقتل وبداية الإبادة الجماعية لشعب مسالم طالب بحقه في الحرية والاستقلال! وطبعا لا يفسر الهجوم العدواني على تركيا (وبشكل آخر على قطر) إلا بمواقف الحق والعدل التي استثنت هاتين الدولتين من جوقة التهليل والترحيب بكل أشكال الاستعمار الجديد أما تركيا فهي تستعد بقيادة زعيمها رجب طيب أردوغان لطي صفحة قرن العار الذي حدده لها الاستعمار القديم عام 1923 بمعاهدة لوزان المخزية التي انتقمت من القوة العثمانية موحدة الأمة الإسلامية بعد هزيمة الخلافة في حربها ضد التحالف اليهو/مسيحي أثناء الحرب العالمية الأولى (1914/1918). ونتذكر بعض محطات العدوان أيام عملية نبع السلام التي نفذتها تركيا لتصفية ما تبقى من جيوب الإرهاب المعروف باسم داعش وللجمهورية التركية تاريخ طويل مع محاولات الزعزعة وزرع الفتنة وبذر بذور الحرب الأهلية آخرها تلك المؤامرة الانقلابية في 15 يوليو 2016 حين عاش الشعب التركي ليلة عجيبة بطولية أجهض خلالها المواطنون الأتراك بأيديهم العزلاء مؤامرة انقلابية قام بها بعض الضباط الأتراك بتمويلات ثبت بعد ذلك من أين جاءت ومن أي دول مصادرها ومسالكها وكيف تسربت إلى أيدي كمشة من الخونة اعتقدوا أنه بإمكانهم لي ذراع الديمقراطية والمجتمع التركي المدني فباؤوا بفشل ذريع وسريع وعاد أردوغان أقوى مما كان ليواصل بشعبه مسيرة التقدم والنماء. وينتظر المسلمون موعد 2023 السنة التي سينتهي فيها مفعول معاهدة لوزان الموقعة في يوليو 1923 بين الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية والسلطات التركية لمدة قرن كامل ولكن بنودها لم تفعل إلا في أكتوبر 24 وهي معاهدة تصفد أيدي تركيا لمدة قرن كامل عقابا للسلطان العثماني على مشاركة تركيا في الحرب العالمية الأولى ضد الحلفاء، ومعاهدة لوزان (1923) هي المعاهدة النهائية للحرب العالمية الأولى، التي تم التوقيع عليها من قبل ممثلي تركيا (خليفة الإمبراطورية العثمانية) من جهة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان واليونان ورومانيا ومملكة الصرب والكروات والسلوفيين من جهة أخرى. ولكي نفهم كيف كبلت المعاهدة أيدي تركيا وسلبتها حقوقها يجب أن نسمع الرئيس أردوغان الذي ألقى خطابا في 29 سبتمبر 2016 هاجم خلاله معاهدة لوزان التي وقعتها تركيا مع الحلفاء عام 1923، وأفرزت ميلاد الجمهورية التركية الحديثة على أنقاض السلطنة العثمانية في خطابه قال أردوغان: «لقد حاولوا بيع لوزان لنا كانتصار سياسي لنا، وهو في الحقيقة انتصار لقوى الاستعمار وهزيمة وطنية لتركيا، حيث تخلينا عن جزر (بحر إيجة) القريبة منا لدرجة أنه يمكنك سماع صوتك عبرها جميعا إذا صرخت!. هل ذلك يعد نصرا؟ تلك الجزر كانت ملكنا وما تزال مساجدنا ومعالمنا وأضرحتنا هناك». ثم أضاف: «أولئك الذين جلسوا على طاولة المفاوضات في لوزان (يقصد الوفد الذي أرسله أتاتورك) لم يستطيعوا التوصل إلى أفضل اتفاق واليوم نحن نعاني من عواقب ذلك»، مختتما بتأكيده على أن معاهدة لوزان «ليست نصًا مقدسًا فنحن سوف نناقشها ونسعى للحصول على اتفاق أفضل والأهم حسب القانون الدولي لنا أن تنتهي بعد قرن أي عام 2023 وتستعيد بلادنا قوتها وعافيتها، فنحن عام 2020 مصنفون خامس قوة صناعية وتصديرية وسابع قوة عسكرية في العالم». فما هي معاهدة لوزان التي سوقها الغرب الاستعماري في شكل «اتفاق سلام» بينما هي إقرار الهيمنة على الشعب التركي وتكبيله بالأصفاد حيث تم توقيعه في مدينة لوزان السويسرية في الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1923 بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا من جانب وحكومة الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا من جانب آخر أي مصطفى كمال أتاتورك، وقد تم توقيع المعاهدة في أعقاب حرب الاستقلال التركية ضد الحلفاء، وتم من خلالها ما سمي بـ»تسوية أوضاع الأناضول والقسم التركي الأوروبي من أراضي الدولة العثمانية» وعلى كل لم يبق لمعاهدة لوزان وزن بعد قرن احترمت الجمهورية التركية خلاله بنودها حيث سيخرج المارد من القمقم وهو ما تخشاه قوى الشر وصفقة الشر وتتنادى إلى الإسراع بإسقاط أردوغان قبل موعده، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
1734
| 22 ديسمبر 2023
هي فرصة تاريخية إضافية أتاحتها الأزمات المؤسفة الأخيرة حتى يتأكد العالم من أن الرسالة التي تؤديها دولة قطر من أجل مستقبل أفضل وأسلم وأعدل هي رسالة الدبلوماسية القطرية القائمة على المبادئ والقيم الأخلاقية دون التفريط في مصالح الأمة وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة حسب القانون الدولي الحقيقي لا حسب أمزجة دول كبرى تكيل بمكيالين وتزن بميزانين وهو ما لخصته افتتاحية صحيفة الشرق ليوم الثلاثاء بقولها: «إن ريـــادة دولــة قـطـر فــي الـجـهـود الانـسـانـيـة لا تـأتـي فـقـط من استجابتها للظروف الطارئة والعاجلة بإرسال المساعدات لتخفيف المـعـانـاة عـن المتضررين مـن الأزمــات بشتى أنـواعـهـا حـول العالم وإنما أيضا من وساطاتها من أجل تحقيق السلام والاستقرار وآخرها الهدن الانسانية التي سمحت بدخول العديد من القوافل الاغاثية لسكان قطاع غزة» بهذه الأخلاق التي سادت منتدى الدوحة الحادي والعشرين تـفـضـل حــضــرة صــاحــب الـسـمـو الـشـيـخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد حفظه الله فشمل بـرعـايـتـه افـتـتـاح منتدى الدوحة 2023 تحت شعار (معا نحو بناء مستقبل مشترك) وذلك بحضور ثلة من رؤساء الدول الشقيقة والصديقة ومشاركة فعالة للسيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة وجمع كبير من قادة الرأي ورؤساء المنظمات المجتمعية الفاعلة مع العلم أن المنتدى مناسبة تتكرر منذ 21 عاما تؤكد حرص دولة قطر العريق في جمع كلمة مختلف الشعوب حول المواضيع المشتركة التي يستحيل على كل دولة على حدة البت فيها مثل مشاكل البيئة والأوبئة المتفشية وأزمات المناخ والحروب الأهلية العابرة للقارات. وفي كلمته على منبر المنتدى أكـــد حــضــرة صــاحــب الـسـمـو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد تـطـلـعـه إلــى أن يـسـهـم مـنـتـدى الــدوحــة 2023 فــي إثـــراء الــنــقــاش بين الـــقـــادة وصــنــاع الـــقـــرار بــمــا يــقــود إلــى مـقـتـرحـات وحــلــول مـلـمـوسـة لـلـتـحـديـات العالمية المعقدة. وبهذه المناسبة استقبل سموه سـعـادة السيد أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة حيث جرى بحث عدد من المستجدات الاقليمية والدولية وفي مقدمتها الوضع في منطقة الشرق الأوسط، خاصة تطورات الأوضاع في غزة والأراضـي الفلسطينية المحتلة وفي هذا الصدد أعرب سعادة الأمين العام عن شكره وتقديره لسمو الأمير على جهود ومساعي دولة قطر الناجحة في الوساطة الخيرة التي أدت الى اطلاق سراح بعض الرهائن وفتح المعبر للشاحنات المحملة بالإغاثة الإنسانية وفرض هدنة ولو مؤقتة لحقن الدماء وفي نفس السياق شهد معالي الشيخ محمد بـن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الــوزراء وزير الخارجية تدشين فعالية اللمحة الانسانية العالمية لعام 2024 ويؤكد التدشين الـذي يقام في الدوحة لأول مرة على ريادة دولة قطر في الجهود الإنسانية حيث أشاد السيد (مارتن غريفيث) وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الانسانية بالدور الانساني لدولة قطر ومساعيها الـدؤوبـة لتحقيق الـسـلام والاستقرار في المنطقة والعالم. وفي كلمته الافتتاحية للمنتدى قال معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية: إن ما يحدث في غزة من كارثة إنسانية غير مسبوقة يدفع الشعوب الحرة حـول العالم إلـى توجيه أسئلة مشروعة حول ماهية النظام الدولي وفاعلية أدواته الـقـانـونـيـة وصـــدق مــبــادئــه وهـــذه الأسـئـلـة تــزداد إلـحـاحـا مـع تـزايـد المـشـاهـد المـؤلمـة الـتـي ربـمـا نشيح بوجوهنا عنها مـن فظاعتها ولكنها واقــع يعيشه مليونان ونصف المليون من الفلسطينيين في قطاع غزة الشهيدة. وعبر معاليه عن أسـفـه بــأن تـكـون الــذرائــع الـتـي تساق حـول استهداف المدنيين الأبرياء مقبولة لـدى البعض وشدد على أن استهداف النساء والأطفال والأبــريــاء بشكل متعمد مـرفـوض تـحـت أي ذريـعـة مـضـيـفـا: «فــالــقــانــون الـــدولـــي وقـيـمـنـا الانـسـانـيـة والدينية تفرض حمايتهم وإدانتنا لقتلهم وحصارهم وتجويعهم وهو موقف مبدئي ثابت لا يتزعزع» وأكــد عـلـى أن هــذه الأزمـــة أظــهــرت بــوضــوح حجم الفجوة بين الشرق والغرب وبين الأجيال المتعاقبة وازدواجية المعايير في المجتمع الدولي حيث انقسم الـعـالـم إلـى مـطـالـب بـإنـهـاء هـذه الـحـرب وإيـقـاف آلـة الـقـتـل ومــتــردد حـتـى فــي مـجـرد الــدعــوة إلــى وقـف إطـلاق النار والأخطر هو من يريد أن يعيد صياغة الـصـراع على شكل حـرب دينية مؤكدا أن هـذا الصراع كان ولا يزال قضية احتلال ومطالبة بالحق المسلوب في تقرير المصير وعلى مر العقود كان خيار السلام مـطـروحـا ولـكـنـه كــان ضحية المـمـاطـلـة والـتـسـويـف، وعلينا أن نسأل من هو الطرف الذي واجه كل مبادرات السلام بوضع العراقيل أمامها والتصعيد لإفشالها لو كنا مخلصين حقا في العمل «معا نحو بناء مستقبل مشترك»، فالبداية هي الاعتراف الموجع بحقيقة الخلل فـي الـنـظـام الـعـاملـي هـذا الخلل الـذي يسمح بالقبول باستدامة الصراع وعدم الوصول إلى حل ولا يمكن لهذا الحل أن يكون مستداما الا إذا كان عادلا وشاملا. وألح في كلمته على تكثيف الجهود المخلصة في وضع تصورات جديدة للنظام الدولي تتناسب مع ظروف عالم اليوم والتخلي عن حسابات الماضي الـتـي خـرجـت مـن حيز الـواقـع والـبـدء مـن الـيـوم في بـنـاء المـسـتـقـبـل بـمـراجـعـة شـامـلـة لـلـنـظـام الـدولـي والانــســانــي مـراجـعـة تــؤســس لـنـظـام عــالمــي يـقـوم عـلـى أنـظـمـة وقــواعــد ومـؤسـسـات تـحـتـرم المــســاواة بين الشعوب لا امتيازات فيها للقوة ولا تمييز أو تفضيل فيها على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي. ومن جهته ثمن سـعـادة السيد أنطونيو غوتيريش الأمـيـــن الـــعـــام للأمــم المـــتـــحـــدة جــهــود الــوســاطــة الــتــي قــامــت بــهــا دولــــة قـطـر للتوصل إلى هدنة إنسانية في قطاع غزة والتي تضمنت وقفا لإطلاق النار وإدخال المـزيـد مـن المـسـاعـدات الانسانية للقطاع وإطلاق سراح عدد من الرهائن مشيرا إلى أن مجلس الأمن الذي يعتبر المنتدى الأول لفض النزاعات العالمية بـات مشلولا بفعل الانقسامات الجيواستراتيجية مما أدى إلـى عرقلة الــتــوصــل إلــــى حــلــول بــشــأن عــــدد مـن القضايا وقـــال الأمين الــعــام للأمــم المــتــحــدة: إن القصف الاسرائيلي العنيف لقطاع غزة قـوبـل بـالـصـمـت مــن قـبـل المـجـلـس وبـعـد أكــثــر مــن شـهـر صــدر قـــرار عــن المـجـلـس لــم يـتـم تـنـفـيـذه وهـــذا الـتـأخـيـر كــان له ثـمـن بــاهــظ مـمـا عــرض سـلـطـة المجـلـس ومصداقيته لأضرار كبيرة وهو ما اضطره كما قال لأول مرة منذ انتخابه الى استعمال البند 99 من الميثاق للفت أنظار المجلس للأخطار المهددة للسلام والأمن الدوليين.
606
| 15 ديسمبر 2023
اليوم تقف واشنطن والغرب دبلوماسيا وعسكريا وراء إسرائيل في عدوانها المدان دوليا على غزة، وكذلك تفعل الدول الأوروبية المنضوية تحت جناح الحماية الأمريكية، وطبعا يجب التفريق بين مواقف الحكومات ومواقف الشعوب، لأن المظاهرات المليونية الغاضبة خرجت في نيويورك وباريس ولندن وآخرها كوبنهاغن الثلاثاء الماضي، بينما توقع العالم أن أكبر المظاهرات ستخرج في رام الله وفي العواصم العربية الكبرى! وكان رجاء كل مواطن عربي ومسلم أن يحظى موضوع التلاعب بالقانون الدولي باهتمام قادة الخليج في قمتهم بالدوحة حتى جاءهم خطاب حضرة صاحب السمو أمير قطر الشيخ تميم حفظه الله فركز على أن جرائم الاحتلال كانت الدليل على المروق عن القانون الدولي والشرعية الدولية. هذه الشرعية التي أوجزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ديسمبر 1948، والذي ينص على المساواة بين كل الشعوب والأجناس والأديان في التمتع بكامل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بدون أي تمييز. ففي هذا الصدد تكلم الصحفي والكاتب الأمريكي المختص بقضايا الأمن القومي (سبنسر أكرمان) ليستخلص إحدى العبر الكبرى من حدث السابع من أكتوبر 2023 فقال: "إن ما يجري في غزة اليوم يوضح الفرق بين القانون الدولي الحقيقي والقانون المدلس لأن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام والذي أسس لما سميناه القانون الدولي وهو الموثق في ميثاق منظمة الأمم المتحدة والمعترف به كمرجع وحيد لتنظيم العلاقات الدولية والتأسيس لنظام سياسي إنساني متفق عليه هو الشرعي الوحيد منذ 1945 لكن ما ترتكبه إسرائيل من جرائم حرب بقتل الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ يؤكد أن هذا القانون الدولي لم يعد هو الأعلى لدى البشرية بل عوضته قوانين أمريكية جرى تسويقها كأنها دولية وهي وحدها التي تفرض الالتزام بالهيمنة القانونية الأمريكية كما أنها هي التي تحدد من بإمكانه أن يفعل أو لا يفعل - ومن يحق له أن ينتهك الحدود التي تقيد عنف الدول. وتزامن نشر المقال مع توقيع 600 إعلامي أمريكي على رسالة وجهوها إلى الرئيس بايدن ينددون فيها بقتل الجيش الإسرائيلي لزملائهم الفلسطينيين عن قصد وقال هؤلاء الإعلاميون: "لا تجعلونا شركاء في جريمة حرب إسرائيلية تمثلت هذه المرة في قتل الصحفيين". ونعود لمقال (سبنسر أكرمان) المنشور على موقع "ذا نيشن" قال (سبنسر): إنه بعد وصول الضحايا المدنيين في غزة إلى مستوى العشرين ألفا، بدأت تتعالى الأصوات التي تدعو واشنطن إلى انتقاد انتهاك إسرائيل للأعراف الدولية وإجبارها على حصر عملياتها العسكرية على الأهداف العسكرية "المشروعة فقط دون استهداف انتقامي لشعب قطاع غزة" وتابع صاحب كتاب "عهد الإرهاب": كيف زعزعت حقبة 11 سبتمبر استقرار أمريكا؟ وهو ما نشأ بعدها هذا الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل مما يبين حقيقة ذلك النظام الأمريكي الذي عوض النظام العالمي. فعلى الرغم من أنه قائم نظريا وشكليا على القواعد والأحكام يبدو كما لو كان "قانوناً دولياً"، إلا أنه في واقع الأمر استبدال للقانون الدولي بامتيازات الهيمنة! كتب (أكرمان) يقول: "مع تجاوز عدد وفيات الفلسطينيين مستوى العشرين ألفا حذر دبلوماسيان أمريكيان من أنه بسبب دعم الرئيس جو بادين لإسرائيل شهدنا انتهاكات إسرائيل للأعراف الدولية، مثل الإخفاق في قصر العمليات الهجومية على الأهداف العسكرية المشروعة". وكتبا في مذكرة سربت إلى مجلة (بوليتكو) يقولان إن حرب إسرائيل على غزة تنثر بذور "الارتياب بالنظام الدولي القائم على القواعد والأحكام، والذي طالما كنا رواده وأبطاله. هذا ويشكل الدبلوماسيان جزءاً من جوقة متنامية تتبنى موقفاً معارضاً للحصانة من المساءلة والمحاسبة التي لم تزل الولايات المتحدة تمنحها منذ وقت طويل لمن ينتهكون القانون الدولي بشكل لا لبس فيه. وهذا ما أشار إليه عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني حين قال إنه "في صراع آخر" - وهو الغزو الروسي لأوكرانيا - نددت الولايات المتحدة "بالهجوم على البنية التحتية المدنية وتعمد تجويع السكان وحرمانهم من الغذاء والماء والكهرباء والضرورات الأساسية" ومضى يقول إن القانون الدولي "يفقد كل قيمته إذا ما كان تطبيقه انتقائيا. أضاف الكاتب: "ما من شك في أن الدبلوماسيين على حق، فالضوء الأخضر الذي منحه بايدن لإسرائيل يشكك في شرعية "النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام" كما يبين حقيقة ذلك النظام الدولي. فعلى الرغم من أن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام يبدو كما لو كان "قانوناً دولياً"، إلا أنه في واقع الأمر استبدال للقانون الدولي بامتيازات الهيمنة والنفاق، إذ تدين الإدارة الأمريكية روسيا على أعمال قصف المدنيين وتجويعهم وهي نفس الجرائم إذا قامت بها إسرائيل أعلنت الإدارة الأمريكية عن دعمها لها! يقول الكاتب: "لنكن واضحين كثيرون داخل وخارج الحكومة الأمريكية عادة ما يتعاملون مع مصطلح "النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام" كما لو كان مرادفاً لعبارة "القانون الدولي". يُسعد أنصار فكرة النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام أن يستخدموا القانون الدولي أو يشيدوا به إذا كان في ذلك ما يخدم مصالح الغرب الاستعماري، مثلما حينما تسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى إلقاء القبض على فلاديمير بوتين على جرائم الحرب التي يرتكبها في أوكرانيا. ومع ذلك لا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة بالخضوع إلى المحكمة الجنائية الدولية. بل قامت الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بإلغاء توقيعها على المعاهدة التي بموجبها تأسست المحكمة الجنائية. وفي عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على عائلات قضاة المحكمة الجنائية الدولية ممن فتحوا تحقيقاً في جرائم الحرب المنسوبة إلى الولايات المتحدة في حربها داخل أفغانستان. وتلك هي الطريقة التي يعمل بها النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام. لا تجدها تستبدل آليات القانون الدولي، وإنما تضع علامات نجمية إلى جانبها. قد تلزم هذه القيود خصوم الولايات المتحدة، أما الولايات المتحدة وعملاؤها فبإمكانهم أن يتحللوا منها ومن جهة أخرى قالت السيدة (ماري إلين أوكونيل) خبيرة القانون الدولي والأستاذة في جامعة نوتردام في رسالة نشرتها الصحف الهولندية: "لا يمكن للنظام الدولي القائم على القواعد والأحكام أن يحل محل القانون الدولي - وذلك أن القانون الدولي متضمن في نفس مفهوم الدولة، والحدود الدولية، والمعاهدات وحقوق الإنسان. إلا أن النظام الدولي القائم على القواعد والأحكام يقوض المعرفة بنظام القانون الدولي ويقلل من احترام الآخرين له. كما أن قدرة القانون على دعم الحلول المطروحة للتعامل مع التحديات العالمية من الحرب والسلام إلى التغير المناخي والفقر تتآكل تحت وطأة منافسة هذا المفهوم الذي تعتريه العيوب والآن انظر إلى ذلك الذي تفعله إسرائيل حالياً في غزة. بحلول نوفمبر صارت تقتل ما يقرب من 180 طفلاً في اليوم الواحد. طالب الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين بالتخلي عن منازلهم في شمال غزة. ثم بعد أن انصاع لذلك مئات الآلاف منهم، قامت بمهاجمة الأماكن التي توجهوا إليها في جنوب غزة، والتي ساقتهم بنفسها نحوها بعد تجويع غزة وحرمانها من الأدوية وإغلاق وسائل الاتصال معها وقتل صحفييها وفرض الحصار بل وحتى مداهمة مستشفياتها والادعاء بأن الأماكن التي يلوذ بها اللاجئون بأعداد كبيرة ما هي سوى مواقع لحماس.
831
| 08 ديسمبر 2023
كل من شاهد وسمع السيدة لولوة الخاطر يوم الأحد الماضي حين تكلمت من قلب غزة وهي وزيرة الدولة في الخارجية القطرية بتلك اللغة الصادقة قائلة للشعب الفلسطيني ومقاومته (فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون والله معكم) كل من كان أمام شاشة الجزيرة ساعتها أيقن بأن تغييرا جوهريا يطرأ على الإنسان العربي وأن التاريخ ينعطف تدريجيا نحو فرض الحق. كما أن فقرة قصيرة من مقال الزميل عادل بن عبد الله صدر على صحيفة (عربي 21) السبت الماضي أعادت إلى ذاكرتي قضية (الإنسان الصفر) الفلسفية. كتب الزميل:» إن عملية «طوفان الأقصى» قد جاءت تطرح نفسها لحظةَ استئناف لمشروع التحرر من الاستعمار اليهو- مسيحي في شكله «الإحلالي»، أي لحظةَ قطيعة بين زمنين: زمن التطبيع والتذلل واتفاقيات السلام المخزية، وزمن المقاومة والعزة ومشروع استعادة الأرض بالقوة التي لا تنفصل عن مدد السماء (أي عن العقيدة).» تذكرت فجأة أنه في أواسط الستينيات كتب الروائي التونسي عز الدين المدني في مجلة (الفكر) الرائدة رواية سماها (الإنسان الصفر)، وهي في نفس السياق الفلسفي لأدب الكاتب الوزير محمود المسعدي في روايته التي قدمها ونقدها عميد الأدب العربي طه حسين إبان صدورها، والتي تحمل عنوان (السد) ثم أتبعها برواية (حدث أبو هريرة)، وأصبح الكتابان منذ الخمسينيات من كلاسيكيات الأدب العربي والفلسفة الحديثة في برنامج المدارس الثانوية العربية. أما (الإنسان الصفر) التي قرأناها وأحببناها فكانت قبل خمسين عاما استشرافا فكريا لما ستصبح عليه منزلة الإنسان بعد نصف قرن واليوم عام 2023 أستحضر ما جاء فيها من فقرات بقلم مبدعها لأننا بعد أن مررنا بمأساة فيروس كورونا والتي لم تكن لها في فداحتها سابقة على مدى جيلنا وأجيال قبلنا ندخل محطة السابع من أكتوبر والتي تشكل عودة الوعي الإسلامي لأمة الإسلام وقدرة الشعوب المستضعفة على التصدي للاستكبار العالمي الغربي الذي تقوده أيديولوجية المسيحية اليهودية المتطرفة العنصرية وندرك أن الأدب الحقيقي هو الذي يستشرف المصير بعيون المبدع ويتنبأ بالأحداث قبل وقوعها تماما كما فعل صاحب رواية (1984) الكاتب البريطاني (جورج أورويل) حين كتبها عام (1948) وكلتا الروايتين البريطانية (1984) والتونسية (الإنسان الصفر) تنطلقان من فكرة واحدة وهي أن هذا الإنسان الطاغي على الطبيعة والمتسلط بأجهزة الدولة الظالمة على غيره من البشر ما هو في الحقيقة سوى كائن هش يمكن أن يقع تحت سيطرة ما سماه (أورويل) بالأخ الأكبر (بيغ براذر) الذي بدعوة رعايته والحفاظ عليه يجعل منه عبدا مجهريا تحت الرقابة الشاملة لعدسة مكروسكوب يرصد كل تصرفاته وردود أفعاله وحتى أفكاره وأحلامه فيسارع (الأخ الأكبر) الى مصادرتها وتحويرها وتوجيهها الى خدمة مصالح المنظومة الرسمية الحاكمة في العالم (ما اصطلح على تسميتها بالنظام العالمي وهو نظام امتداد الاستعمار القديم بالاستعباد الجديد) تماما كما يقع اليوم في قطاع غزة أمام صمت أغلب الحكومات العربية والمسلمة المريب ماعدا ماليزيا بزعامة مهاتير محمد وباكستان حين حكم عمران خان وقطر بقيادتها منذ 1995 إلى اليوم ومعهم اليمن ولبنان والعراق (هذه الدول الثلاث فيها مجموعات مقاومة مستقلة عن الدولة الرسمية) وحسب الإنسان الصفر يبقى الإنسان صفرا بإرادته أو بدون إرادته وكذلك تتحكم فيه غرائزه البدائية وهو مستعد للقتل من أجل البقاء وفرض الاعتراف به في المجتمع وفي الأخير تلتقي الروايتان الإنجليزية والتونسية ليتحول المواطن الذي يعتقد أو يتوهم أنه حر إلى «إنسان صفر!». وتحاورت أنا مع زملاء مفكرين فرنسيين حين قضيت سبعة أشهر في بيتي مضطرا منعزلا بسبب إجراءات الحماية من تفشي وباء الكورونا في ضواحي باريس من مارس 2020 الى أكتوبر 2020 متسائلين عن «العبودية» المستجدة التي مارسها ضد إنسانية الإنسان مجرد فيروس صحيح أنه قاتل وحصد ملايين الأرواح منذ انتشاره الرهيب لكنه لا يعدو أن يكون فيروسا بإمكان المرء القضاء عليه بمجرد الماء والصابون العادي وعلق بعض المفكرين الفرنسيين بأن للوباء إلى جانب الكوارث قدرا من المضاعفات الإيجابية على أصعدة البيئة وإعادة الوعي بحتمية التضامن بين الشعوب وعلى الصعيد الفلسفي أيضا حيث وضع الإنسان في موضعه الحقيقي الهش وأعاد طرح الأسئلة الوجودية الأساسية عليه حتى يدرك أن سلم الأولويات الذي حدده الانسان المعاصر لحياته هو خطأ في حد ذاته فليس جمع الثروة أو مراكمة الأملاك أو المزيد من القوة والهيمنة على غيره من الناس هي التي تمنحه السعادة بل إن صحته هي أصل كل سعادة وقد تعود على إهدارها واعتبارها أمرا ثانويا أمام اللهاث وراء الربح السهل من الحلال والحرام كأنه المقصود في كتاب الله العزيز بالآية: «وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)» صدق الله العظيم. وقال الفيلسوف الفرنسي (ميشال هومفريه) معلقا على هذه الظاهرة: «استعباد الفيروس للبشرية جاء تأكيدا لحكمة الفلسفة الوجودية لدى (جون بول سارتر) منذ الحرب العالمية الثانية والتي أثبتت لسارتر ومدرسته الوجودية أن الإنسان الغربي همجي وبربري قاتل لم تسعفه قرون من التنوير وميثاق حقوق الإنسان لدى جدوده (فولتير) و(روسو) و(مونتسكيو)، فبمجرد انتشار النازية الهتلرية والفاشية الموسولينية والاستبداد الستاليني الشمولي (واليوم طغيان إسرائيل بدون ضوابط ولا أخلاق!) فاندلعت في قلب الغرب أي أوروبا الحرب العالمية الثانية وهي الحرب الضروس التي ارتكبت خلال سنواتها الست أبشع جرائم الإنسان ضد الإنسان وكل الإبادات الجماعية الشهيرة منها إبادة اليهود على أيدي النازية الهتلرية وفرنسا الفيشية «نسبة الى حكومة فيشي الموالية للألمان» أضيفوا لهذا كله فظائع الاستعمار الأوروبي في أفريقيا وآسيا وجرائم أمريكا في فيتنام وأفغانستان! وهو ما أنشأ أدب العبثية لدى (ألبير كامو) الفرنسي ولدى (فرانز كافكا) التشيكي! وهما أول من نظَّر (بتشديد الظاء) للإنسان الصفر الذي عشناه عام 2021 مع الوباء ومنذ 7 أكتوبر 2023 عاد لنا الأمل في نهاية الانسان الصفر العربي وفي قدرته على مواجهة تطرف عنصري يحكم في الدولة العبرية بلغ عدد ضحاياه حوالي 20 ألفا ثلثهم من الأطفال!
555
| 01 ديسمبر 2023
حين تقرأون هذا المقال يكون موعد انطلاق الهدنة المتفق عليها قد أعلن وتكون أرواح بريئة من أبناء فلسطين قد نجت ويكون رهائن حماس وسجناء الدولة العبرية قد وقع إطلاق سراحهم ويكون معبر رفح قد فتح والشاحنات المحملة بالإسعافات الطبية والغذائية قد وصلت للعالقين بين أنقاض غزة ينتظرون العون والغوث ويحاولون دفن موتاهم بينما تستمر كتائب الأقصى في الرد المشروع على تواصل القصف. وكما تعلمون أيها القراء الأعزاء فقد أعلنت دولة قطر نجاح جهود الوساطة المشتركة مع مصر والولايات المتحدة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية حماس بإقرار هدنة تستمر لمدة 4 أيام قابلة للتمديد ويشمل الاتفاق تبادل 50 من الأسرى من النساء المدنيات والأطفال في قطاع غزة في المرحلة الأولى مقابل إطلاق سراح عدد من النساء والأطفال الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية كما تسمح الهدنة بدخول عدد أكبر من القوافل الإنسانية والمساعدات الإغاثية بما فيها الوقود المخصص للاحتياجات الإنسانية وبهذا النجاح أصبحت وساطة الخير القطرية اليوم وبعد المجازر الإسرائيلية حديث جميع الأوساط الدبلوماسية والإعلامية حين تأكد العالم أن المقاومة الفلسطينية ثابتة على قيمها مستمرة في مواجهة عدو لا يعترف بأي قانون ولا أي أخلاق. نعم تغيرت مواقف الدول حتى الأكثر نصرة لما تسميه حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها أمام مشاهد لم تعد تحتمل من قتل الـ 6000 طفل بريء والاف النساء والشيوخ دون إصابة مقاوم مسلح واحد. وهنا يلجأ العالم الى الوساطة القطرية التي عززت دورها الناجع في أزمات أخرى وتوفقت بفضل حكمة قيادتها الى وضع حد لها آخرها حرب أفغانستان وتعالت أصوات كل الدول منذ الأربعاء لترحب بالوساطة القطرية المصرية الأمريكية وتصفق لنجاحها منها أصوات بايدن وبوتين وغوتيريتش وفاندر لاين ومحمود عباس وكل قادة الشرق الأوسط طبعا لأن بوادر حل أشمل وأبقى لقضية الاحتلال بدأت تتجلى للعيان إذا ما استخلص المحتل دروس المقاومة التي لا تضعف وتفاعل مع واقع جديد فرضته المقاومة الإسلامية يوم 7 أكتوبر وهنا أسوق تعليقا للصحفي الأمريكي النزيه (كريس هيدجز) الذي تساءل:»كيف تفكر إسرائيل في توفير الأمن لشعبها وهي تحتل أرض شعب آخر له حقوق مشروعة منذ 76 سنة و تعيش محاصرة من شعوب مسلمة ومسيحية تحيط بها من كل مكان؟؟» وفي هذا الصدد قالت «هيئة البث العبرية» مساء الاثنين إن حكومة نتنياهو أعطت ضوءا أخضر الى صفقة تبادل أسرى وتنتظر رد حركة حماس مبينة «أن حركة حماس نقلت خلال الأيام الأخيرة الماضية اقتراحا لإسرائيل وفي إسرائيل توصل السياسيون والعسكريون إلى تفاهمات حول قبول شروط ومطالب حماس واستدركت: «الآن انتقل القرار مرة أخرى إلى حماس وعليها أن تتحلى بالمسؤولية والجدية لتنفيذ الصفقة التي تعد هذه المرة أقرب من أي وقت مضى وأوضحت هيئة البث «أنه إذا تم تنفيذ الصفقة فسيكون وقف إطلاق النار لمدة خمسة أيام وقد يمتد لفترة أطول ونقلت عن مصدر مطلع قوله، إن «هناك نهجا بطيئا في سد الفجوات بين الطرفين وأن نقاط الخلاف الأساسية تتعلق بعدد أيام وقف إطلاق النار وعدد الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم ولم تتطرق الهيئة العبرية إلى عدد الأسرى من الجانبين المتوقع أن تشملهم الصفقة ومن جهته كان معالي رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني شرح غايات الاتفاق يوم الأحد مؤكدا أن انجاز اتفاق للإفراج عن رهائن تحتجزهم حماس منذ هجومها على إسرائيل قبل أكثر من شهر، يتوقف على قضايا بسيطة ولوجستية وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في الدوحة إن «التحديات المتبقية في المفاوضات بسيطة للغاية مقارنة بالتحديات الأكبر فهي لوجستية وعملية أكثر وأوضح أن المفاوضات حول الاتفاق تشهد «تقلبات بين الحين والآخر في الأسابيع القليلة الماضية وأضاف «أعتقد أنني الآن أكثر ثقة بأننا قريبون بما يكفي للتوصل إلى اتفاق يمكن أن يعيد الناس بأمان إلى منازلهم»، وتقود قطر جهود وساطة للإفراج عن رهائن والتوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في الحرب التي اندلعت إثر الهجوم المباغت الذي شنته حماس على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر والذي أوقع بحسب السلطات الإسرائيلية 1200 قتيل واحتجزت حماس في الهجوم 240 رهينة بينهم أجانب اقتادتهم إلى داخل غزة بحسب إسرائيل. يؤكد كل المراقبين والخبراء بأن الوساطة القطرية كانت الدينامو المحرك للمفاوضات التي أدت الى الاتفاق ونتذكر أن حضرة صاحب السمو أمير قطر كان زار الأسبوع الماضي كلا من أبو ظبي والقاهرة لمزيد ضمان النجاعة للاتفاق وإحاطته بكل عناصر النجاح وكان سموه الحريص كعهد العالم به على صيانة حقوق فلسطين في كنف الشرعية الدولية وحق تقرير المصير مع تيسير كل مسار سلمي يؤدي الى هذه النتيجة وكان التوفيق حليف قطر وحليف الحق وحليف السلام.
576
| 24 نوفمبر 2023
تداعت الدول العربية والإسلامية الى عقد قمة احتضنتها الرياض في وقت وصفه حضرة صاحب السمو أمير قطر بالحاسم حين قال: "تـأتـي هذه القمة فـي وقـت حـاسـم فـي تاريخ منطقتنا إذ تنعقد قمتنا الـيـوم وأشـقـاؤنـا الفلسطينيون في قطاع غـزة يمرون بما لا طاقة للبشر على تحمله مــن فـظـائـع آلـــة الــحــرب الاســرائــيــلــيــة وقـــد فـشـل المجتمع الـدولـي في تحمل مسؤولياته القانونية والاخــلاقــيــة واتــخــاذ مـا مـن شـأنـه إيـقـاف جـرائـم الحرب والمجازر المرتكبة باسم الدفاع عن النفس، ووضع حد لهذه الحرب العدوانية. ومنذ بداية الخطاب أدان سموه القوة المحتلة وحربها معلنا انها تنتهك الشرعية الدولية مرة أخرى وتقدم للرأي العام العالمي مشاهد رهيبة من قتل الأطفال والنساء والشيوخ متسائلا عن صمت العالم عن كل هذه الانتهاكات، وقال سمو الأمير:"وإذ تنفطر قلوبنا ألما لمشاهد قتل الاطفال والنساء والشيوخ بالجملة والمعاناة الانسانية نتساءل إلى متى سيبقى المجتمع الدولي يعامل إسرائيل وكأنها فـوق القانون الـدولـي وإلـى متى سيسمح لها بضرب كافة الـقـوانيـن الـدولـيـة عـرض الحائط فــي حـربـهـا الـشـعـواء الـتـي لا تـنـتـهـي عـلـى سـكـان البلاد الاصليين؟ مـــا يـــحـــدث فـــي غــــزة يــشــكــل خـــطـــرا عــلــى كــافــة المـســتــويــات فــثــمــة ســـوابـــق تــســجــل حــتــى عـلـى مـسـتـوى الـحـروب الـعـدوانـيـة. كـيـف أصـبـح قصف المـسـتـشـفـيـات أمـــرا عــاديــا؟ يــتــم إنــكــاره واتــهــام الضحايا بداية ثم يبرر بوجود أنفاق تحتها ثم يصبح أمــرا لا حـاجـة لـتـبـريـره بـعـد تبلد المشاعر وتــعــود العـيـن عـلـى مـشـاهـدة المــآســي." وحلل حضرة صاحب السمو ظاهرة عجيبة سماها بفقدان الشعور بالمسؤولية كأنما ارتفع منسوب المناعة لدى عديد الدول ضد التأثر الإنساني بمشاهد الترويع وإرهاب الدولة! وقال سموه: "هــذه أمــور غير مسبوقة وجـدنـا فـي هـذه الـحـرب أوقبل هذه الــحــرب أثــنــاء حـصـار غــزة ارتـفـاعـا مـلـحـوظـا في مــعــدلات المــنــاعــة لــدى بـعـض الـــدول الــتــي تـدعـي حماية القانون الدولي والنظام العاملي حيث رأينا مناعتهم تجاه مناظر القتل العشوائي للمدنيين الفلسطينيين سـواء كانوا أطفالا أو نساء وكذلك قـصـف المـسـتـشـفـيـات والملاجــئ أصـبـحـت لا تـؤثـر فـيـهـم ووصـلـت مـعـدلات المـنـاعـة لـديـهـم إلــى رؤيـة جثث الابرياء وهي تنهشها الكلاب لا تحرك لتلك الــدول ساكنا سبحان الـلـه قـوة المناعة فقط على أشقائنا الفلسطينيين. !" مشيرا الى أن الـنـظـام الـدولـي يـخـذل نفسه قبل أن يخذلنا حين يسمح بتبريرها! وتساءل صاحب السمو: "من كـان يتخيل أن المستشفيات سـوف تقصف علنا في القرن الـحـادي والعشرين؟ وأن عــائــلات بـأكـمـلـهـا سـتـمـسـح مــن الـسـجـلات بـالـقـصـف الـعـشـوائـي لأحياء سـكـنـيـة؟ وأن شعبا بأكمله سيجبر عـلـى الـنـزوح قـسـريـا بـوجـود مـخـطـطـات مـسـتـنـكـرة ومـرفـوضـة لـتـهـجـيـره؟ وكــل ذلــك عـلـى مــرأى ومـسـمـع الـعـالـم. ويــرافــق ذلــك تـصـريـحـات عـنـصـريـة سـافـرة لـقـادة إسرائيليين لا يستنكرها قادة الدول الحليفة لهم!" وأكد سمو الأمير ثبات دولة قطر على مواقفها التاريخية الـداعـمة لـصـمـود الـشـعـب الـفـلـسـطـيـنـي الـشـقـيـق وقـضـيـتـه العادلة واستمرار قطر مع شركائها في المنطقة والمجتمع الـــدولـــي فـــي تــقــديــم الـــعـــون الانــســانــي والــعــمــل عـلـى سـرعـة وصــولــه إلــى مـحـتـاجـيـه مشيرا الى الـتـعـنـت الاسرائيلي المستمر فـي إعاقته، وطالب سموه فـي هذا الصدد بفتح المعابر الانسانية الامنة بشكل دائم لإيصال المساعدات للمتضررين والمنكوبين دون أي عوائق أو شروط ورفض قطر رفضا قاطعا استخدام التعسف في إتاحة المساعدات الانسانية والتهديد بقصفها كـوسـيـلـة للضغط والابــتــزاز الـسـيـاسـي، مؤكدا سموه أن هذا كله أضعف الايمان وأقل ما يمكننا جميعا عمله قائلا:"كـــمـــا أنـــنـــا مــــاضــــون فــــي دعـــــم كـــافـــة الــجــهــود الدبلوماسية الاقليمية والدولية لخفض التصعيد وحـقـن الـدمـاء وحـمـايـة المـدنـييـن بما فـي ذلـك بذل الـجـهـود فــي الـوسـاطـة الانـسـانـيـة لإطلاق ســراح الـرهـائـن ونـأمـل فـي الـتـوصـل إلـى هـدنـة إنسانية فـي الـقـريـب الـعـاجـل تجنب الـقـطـاع تفاقم الكارثة الانسانية التي حلت به ونعيد التأكيد على موقفنا الثابت من إدانـة كافة أشــكــال اسـتـهـداف المـدنـييـن أيــا كـانـت خلفياتهم العرقية أو الدينية أو الـوطـنـيـة". وأعاد سمو الأمير التذكير بالموقف المبدئي والأخلاقي القطري من قضية الحق الفلسطيني فقال: "خـتـامـا، نـشـدد عـلـى أن الـحـل الـوحـيـد والمـسـتـدام لـهـذه القضية هـو الــذي يـرسـي أسـس الـعـدل وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وهـو الحل الـذي نـادى بـه المجتمع الـدولـي، والـذي نتمسك بـه إيـمـانـا مـنـا بـحـق الـشـعـب الفلسطيني فـي أن ينعم بالخير والـرفـاه وحـق تقرير المصير فــي دولــتــه المـسـتـقـلـة، ولأنــنــا نــؤمــن أن الـخـطـط الاسـرائـيـلـيـة لما بعد الـحـرب الإجـرامـيـة هـي تكرار لـسـيـاسـاتـهـا الاسـتـعـمـاريـة الــتــي أفـشـلـت جـمـيـع مــبــادرات الــسلام وحـتـى الاتـفـاقـيـات وقـــادت إلـى جــمــيــع هـــذه الأزمــــــات. والأســـــاس أنــهــا تــرفــض الاعـتـراف بـحـقـوق الـشـعـب الفلسطيني، ولا تفكر إلا بترتيبات أمنية مـع مواصلة عقلية المستعمر ومـمـارسـاتـه تـجـاه الـسـكـان الأصــلــيـيـن. وهنا أستشهد بشهادة الزميل الدكتور الكويتي عبد الله الشايجي فيما سماه (القوة القطرية الناعمة) فكتب في صحيفة الشرق: "تثبت سياسة قطر الخارجية خـلال العقدين الماضيين صـواب موقف قطر وصــواب تخطيط صـانـع الـقـرار فـي الـدوحـة لتحقيق سـيـاسـة خـارجـيـة نشطة ومتوازنة مكنتها من الانفتاح على الجميع لحل النزاعات. ونجح استثمار قطر طويل الأمد بجعلها اللاعب الوحيد في المنطقة بعلاقات مع جميع المتصارعين في المنطقة وفي داخل دولهم في السودان ولبنان والـيـمـن وأفـغـانـسـتـان بـكـونـهـا الـدولـة الـوحـيـدة الـتـي تـرتـبـط بـعـلاقـات مع جـمـيـع الأطــراف المـتـنـازعـة" ومنذ أربعة أيام ارتكب الاحتلال جريمة قصف مقر دبلوماسي قطري مخصص لإعادة إعمار غزة وحول هذه الجريمة جاءت افتتاحية (الشرق) يوم الثلاثاء تقول: " إن مثل هذه الجرائم والأفعال المنكرة لن تثني دولة قطر انطلاقا في موقفها الثابت الداعم للشعب الفلسطيني الشقيق وقضيته العادلة عن العمل مع كل الشركاء لدعم كافة الجهود الدبلوماسية لوضع حد لهذه الحرب العدوانية وما يرافقها من جرائم غير مسبوقة في تاريخ الحروب."
1752
| 17 نوفمبر 2023
منذ عقدين من الزمن العربي الإسلامي الصعب وأنا لم أكف عن متابعة ما يكتبه هذا الصحفي البريطاني الأمين (ديفيد هيرست) وهو الذي دعاه المركز القطري للصحافة للحديث عن طوفان الأقصى كما أن الجزيرة خصصت له حوارا ثريا والشكر للمركز وللقناة على اختيارهما لاعلامي بريطاني أمين وهي حقيقة تبينت لي وللرأي العام العربي المسلم لأن جميع تحاليله ورؤاه شديدة الاطلاع على خفايا السياسات الأمريكية والأوروبية تجاه حضارة الإسلام وهو الذي على موقعه الشهير (ميدل إست أي) يوميا يفضح مؤامرات الغرب وانخراط اليمين الإسرائيلي العنصري في لعبة خطيرة نسميها نحن (إخراج الإسلام من التاريخ وإبادة المسلمين فكرا وقيما وأخلاقا) فيما يشبه الحملات الصليبية السبعة التي انطلقت من كاتدرائية (كليرمون فيران) في فرنسا على أيدي بابا المسيحية الفرنسي (يوربان الثاني) واخترت أن نتابعه اليوم في محطة طوفان الأقصى مع التوجه بالشكر والتقدير لهذا الصوت النزيه ولموقع (عربي 21) المناضل الذي يترجم مقالات هيرست لجمهور القراء العرب خاصة وأنه اليوم يحذر إسرائيل من أن تهجير مليون فلسطيني من غزة بغاية وهمية هي تشكيل خارطة جديدة للشرق الأوسط ستكون بداية النهاية للدولة العبرية وفي هذا الصدد نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالا للكاتب البريطاني ديفيد هيرست، تحدث فيه عن النكبة الثانية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد أهالي قطاع غزة وشكك هيرست في قدرة الاحتلال على تغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بمجرد "القضاء على فصيل واحد". قال هيرست:"منذ اللحظة الأولى لهجوم حماس من داخل غزة، قطع رئيس الوزراء الإسرائيلي وعدا لم ينتبه له الكثيرون في حديثه مع عمد البلدات الحدودية قال إن رد إسرائيل "سوف يغير الشرق الأوسط". وعاد وكرر نفس الشيء في خطابه الموجه إلى الشعب المصدوم، حيث قال: "ما سنفعله بأعدائنا خلال الأيام القادمة، سوف يظل صداه يتردد معهم لأجيال قادمة". فما الذي يجول في خاطره؟ نعلم أنه انتظر طويلا رجاء أن يتمكن من ضرب مرافق إيران النووية بعد مرور ثلاث سنين على إحباط محاولته في عام 2010 قال في مقابلة مع سي بي إس: "لن أنتظر حتى يفوت الأوان." كما نعلم أيضا أنه يريد أن يجتث حزب الله وحماس، التي وصفها ذات يوم في حديث له معي (عندما كان في المعارضة)، إنهما بمنزلة حاملتي طائرات تعملان لإيران. لقد استخدم منذ الهجوم الذي شنه المقاتلون الفلسطينيون يوم السبت كلمات وعبارات مشابهة لتلك التي صدرت عن الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش ردا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر في أثناء مطاردة القاعدة في أفغانستان، كان نائب الرئيس السابق ديك تشيني القوة الحقيقية من وراء العرش يفكر بهجوم أكبر على العراق. هل يفكر نتنياهو باستغلال الدعم الهائل الذي يحظى به حاليا من المجتمع الدولي في تنفيذ حملته ضد غزة؟ من أجل تحقيق شيء أكبر، كما فعل بوش في 2001؟ ولقد أومأ زعيم المعارضة الإسرائيلية، بيني غانتز، هو الآخر إلى شيء أكبر، حين قال: "سوف ننتصر ونغير الواقع الأمني والاستراتيجي في المنطقة." إن إعادة احتلال غزة والقضاء على فصيل فلسطيني مسلح واحد، لن يغير الواقع الاستراتيجي في المنطقة، ولا تحتاج إلى جيش قوامه 360 ألف جندي حتى تستعيد احتلال غزة. يمثل ذلك أضخم عدد من الاحتياطيين يتم استدعاؤهم في تاريخ البلد. وبحسب مصادري، يوجد لدى حماس من الرجال المسلحين ستون ألفا كحد أقصى، وقد تتمكن بصعوبة بالتعاون مع الفصائل الأخرى من تشكيل قوة تعدادها ثلث ذلك العدد. وطبعا من الممكن أن يكون ذلك مجرد تبجح – من نمط اللغة العدوانية التي يتسم بها خطاب نتنياهو. لكم جاءت مثل هذه التعهدات بتغيير الشرق الأوسط على لسان مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين سابقين، وثبت أنها جوفاء. خذ على سبيل المثال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، الذي ألف كتابا يشرح فيه كيف ستعيد أوسلو تغيير شكل الشرق الأوسط. وكذلك وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، التي أشارت إلى تشكل “شرق أوسط مختلف"، عندما حثت إسرائيل على تجاهل المطالبات بوقف إطلاق النار بعد أحد عشر يوما من قصفها لحزب الله في جنوب لبنان في عام 2006. ولكن ماذا لو كان ذلك الذي يتم التخطيط له مشروعا أكبر من ذلك؟ على ماذا سوف ينطوي؟ وما هي الأخطار التي يشكلها على المنطقة ككل؟ أول وأوضح إجابة هي نكبة ثانية أو طرد جماعي لجزء كبير من سكان قطاع غزة الذين يبلغ تعدادهم 2.3 مليون نسمة وهو رقم يكفي لتغيير القنبلة الزمنية السكانية التي لا يغيب هاجسها عن ذهن كل واحد من الإسرائيليين. المقدم الإسرائيلي ريتشارد هيشت قال في حديث مع الصحفيين: إنه ينصح اللاجئين الفلسطينيين "بالخروج" من خلال معبر رفح على حدود غزة الجنوبية مع مصر. ثم اضطر مكتبه لأن "يوضح" ما قاله هيشت من خلال الإقرار بأن المعبر كان مغلقا. و من جهة أخرى أثار الأزهر الشريف أكبر مؤسسة دينية في مصر إمكانية أن تضطر مصر للسماح للاجئين المتدفقين من قطاع غزة بالعبور إليها – وهو نفس ما حدث بعد حربي عام 1948 وعام 1967 بين العرب والإسرائيليين. ودعا الأزهر الفلسطينيين إلى الصمود والثبات وحثهم على البقاء حيث هم. ما الذي سيدفع الأزهر إلى إصدار مثل هذا التصريح لولا أن إمكانية حدوث نزوح جماعي جديد قد تمت مناقشتها خلف الأبواب المغلقة. فمن شأن وصول مليون فلسطيني من غزة إلى سيناء وبدون أدنى مبالغة أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه بالنسبة لمصر وذلك بعد عقد من الانهيار الاقتصادي تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي. منذ فترة وأعداد غير مسبوقة من المصريين يركبون البحر في قوارب يدرك السيسي نفسه هذا الخطر ولذلك لم يكن منه إلا أن كرر الدعوة الصادرة عن الأزهر. لا يوجد أدنى شك فيما سيكون للطرد الجماعي للفلسطينيين من أثر على التوازن الدقيق بين الفلسطينيين وسكان الضفة الشرقية من الأردن الذي يشترك مع إسرائيل في أطول حدود وهي الحدود التي ماتزال حتى الآن على الأقل أهدأ الجبهات. ومن شأن النكبة الثانية أن تخلق أزمة وجودية لأول بلدين عربيين اعترفا بإسرائيل، وذلك أن مثل هذه الأزمة سوف تهدد قدرة كل واحد من النظامين على السيطرة على دولته. وعلى الرغم من ذلك، وكما هو جلي من تصريحات القيادة الإسرائيلية ومن أفعال طياريها، فإن الطرد الجماعي هو بالضبط ما قد تحاول إسرائيل حمل أهل غزة عليه في الوقت الراهن. وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت وصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"، وذلك تعليقا على مزاعم تقول؛ إن حماس قطعت رؤوس الأطفال، وهي مزاعم لم يمكن التحقق من صحتها بشكل مستقل، ولم تصدر عن الصحفيين الإسرائيليين عندما سمح لهم للوهلة الأولى برؤية آثار ما وقع داخل كفار عزا. ودعا عضو الكنيست ريفيتال غوتليف إسرائيل إلى التفكير باستخدام القنبلة النووية ضد غزة، وغرد قائلا: "فقط انفجار يهز الشرق الأوسط من شأنه أن يعيد للبلد كرامته وقوته وأمنه. آن لنا أن نرسلهم إلى الجحيم." ثم هذا غيورا إيلاند، الجنرال السابق، يقول: إنه يتوجب على إسرائيل "خلق أزمة إنسانية غير مسبوقة" في غزة، وهدد بنكبة أخرى قائلا: "فقط تعبئة عشرات الآلاف وصيحة المجتمع الدولي يمكن لهما أن يمارسا الضغط اللازم على غزة، لتختار بين أن تكون بلا حماس أو تكون بلا شعب. إننا في حرب وجودية". لقد حطم المقاتلون الفلسطينيون في غارة الفجر صبيحة يوم واحد الأسطورة التي نسجت حول مناعة إسرائيل وهي التي تمتعت بها منذ أن هزمت ثلاثة جيوش عربية في حرب الأيام الستة في عام 1967. بل حتى حرب 1973 لم تسبب صدمة تعادل تلك التي نجمت عن هجوم حماس. تقول إسرائيل الآن: إن هذه الحرب حرب وجودية. ولكنْ ثمة إحساس في الشارع بأن إسرائيل بلد لا وجود للسلطة فيه بلد يمكن للإسرائيليين أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم بلد راح المواطنون العاديون الذين لا يربطهم شيء لا بالمستوطنين ولا باليمين المتطرف يتجولون في الشوارع والطرقات وهم مسلحون. هذا هو ما وصل إليه المستوى العام من الكراهية والخوف، وما هي إلا مسألة وقت قبل أن يبدأ الفلسطينيون في الداخل يتعرضون للاعتداء. الخلاصة والعبرة هما: نعم حملة غزة التي تتطور إلى خطة يمكن أن تغير الشرق الأوسط، من الممكن أن ترتد عكسيا على الدولة العبرية وبشكل خطير جدا، وعلى مساندي المجزرة من الغرب والعرب وينبغي أن تتوقف قبل فوات الأوان وقبل أن ترسم للتاريخ صورة إبادة جماعية أكبر من الهولوكوست.
1812
| 03 نوفمبر 2023
مرة أخرى وبنفس الثقة في الله وفي الشرعية الدولية يصدع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني - حفظه الله بما يراه الحق بتناغم كامل مع ثبات الدبلوماسية القطرية على احترام المبادئ والقيم وعلى نصرة المقاومة الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر الى اليوم. نعم صدع سموه بعبارات الانتصار للحق رغم جعجعة الباطل من حولنا وتفاقم الشر في جرائم حرب وإبادة جماعية ترتكب على مرأى ومسمع الغرب الذي دلس الحقائق وغيب الضمائر وخدر العقول بالكلام المعسول المغشوش عن ميثاق حقوق الإنسان المنبثق عن ثورته عام 1792! صدع سمو الأمير بالحق ناصعا ساطعا لا تشوبه "تزويقات" إرضاء الغرب الظالم وشراء وده! جاءت هذه المواقف عند افـتـتـاح انــعــقــاد الدور الــعــادي الـثـالـث لمجلس الشورى: حيث بدأ خطابه السامي بقضية الأمة المركزية قضية فلسطين فـفال سموه: "أشـقـاؤنـا الفلسطينيون يعيشون ظروفا عصيبة تفوق التصور ولا يجوز السكوت عن القصف الهمجي غير المسبوق الذي يتعرض له المدنيون في قطاع غزة، إحدى أكثر المـنـاطـق اكـتـظـاظـا بـالـسـكـان فـي الـعـالـم، ولا تجاهل الأعـــداد المـهـولـة مـن ضـحـايـاه الأبــريــاء مـن الأطـفـال والنساء وتـعـلـمـون جـمـيـعـا أنــنــا دعـــاة ســـلام، وأنــنــا نتمسك بقرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية وأننا ضد التعرض للمدنيين الأبرياء من أي طرف، وأيا كانت جنسيتهم. ولكننا لا نقبل الكيل بمكيالين، ولا الـتـصـرف وكــأن حـيـاة الأطـفـال الفلسطينيين لا تـحـسـب، وكـأنـهـم بـلا وجــوه وبلا أســمــاء. مــا يـجـري خطير للغاية، بما في ذلك الـدوس على جميع القيم والأعـراف والشرائع الدينية والدنيوية، وليس على الـقـانـون الــدولــي فـحـسـب، والـتـصـريـح الاسـرائـيـلـي العلني بالنوايا غير الشرعية مثل التهجير وغيره. نحن نقول كفى. لا يجوز أن تمنح إسرائيل ضوءا أخضر غير مشروط وإجـازة غير مقيدة بالقتل ولا يـجـوز اسـتـمـرار تـجـاهـل واقــع الحــال والـحـصـار والاســتــيــطــان. ولا يـفـتـرض أن يـسـمـح فــي عـصـرنـا بـاسـتـخـدام قـطـع المــاء ومـنـع الــدواء والـغـذاء أسلحة ضد شعب بأسره. نحن ندعو إلى وقفة جادة إقليميا ودولــيــا أمــام هــذا الـتـصـعـيـد الـخـطـيـر الــذي نشهده والـذي يهدد أمـن المنطقة والعالم، وندعو إلـى وقف هذه الحرب التي تجاوزت كل الحدود، وحقن الدماء وتـجـنـيـب المدنـيـين تـبـعـات المــواجــهــات الـعـسـكـريـة، والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع. ونـــود أن نــســأل المـصـطـفيـن خـلـف الــحــرب، والــذيــن يعملون على إسكات أي رأي مخالف: ماذا بعد هذه الحرب؟ هل ستجلب الأمن والاستقرار للإسرائيليين والفلسطينيين؟ وأين سيذهب الفلسطينيون بعدها؟ الـشـعـب الفلسطيني بــاق، وكـذلـك مـعـانـاتـه فـي ظل الاحتلال والحصار والمصادرة والاستيطان. لا تقدم الـحـرب حـلا مـن أي نــوع. كـل مـا ســوف يـحـصـل هو تفاقم المعاناة وازدياد عدد الضحايا، وكذلك الشعور الـعـمـيـق بـالـغبـن. وســوف تـنـشـأ أجـيـال مـن الأطـفـال الذين مـروا بهذه التجربة المـروعـة، بما فيها صمت المجـتـمـع الــدولــي عـلـى قـتـل إخـوتـهـم وأتــرابــهــم. إن السبيل الوحيد لضمان الأمـن والاستقرار للشعبين هـو مـا يـتـم تجنبه حـتـى الآن، وهـو تحقيق الـسـلام الـعـادل والـدائـم وحـصـول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه المشروعة التي أقرتها الهيئات الدولية، بما فيها إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. في نفس السياق قامت بعض الأوساط الإسرائيلية باتهام قطر بما سمته (مناصرة إرهاب حماس!!!) وذلك كان رد فعل "طبيعيا" بعد نجاح قناة الجزيرة في فضح جرائم العنصرية الإسرائيلية المتطرفة ضد المدنيين العزل وارتكاب جرائم قتل أكثر من 2550 طفلا بريئا تحت أنقاض الأطنان من المساكن المدمرة فوق رؤوس الأبرياء. وجاء رد معالي رئيس مجلس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في المؤتمر الصحفي المشترك مع السيد وزير الخارجية التركي حيث قال:" ان اتهام قطر يدخل في آليات الابتزاز الإسرائيلي وهو مرفوض كأي ابتزاز آخر لأننا ندين قتل المدنيين مهما كانت أديانهم وأعراقهم ونتمسك بالقانون الدولي والشرعية الأممية وهي تمنح حق المقاومة لكل شعب محتلة أرضه وعبر معاليه عن تقدير قطر للموقف التركي المشرف داعيا المجتمع الدولي أن لا يكيل بمكيالين وأن يكون موقف الغرب من مظالم إسرائيل هو نفسه الذي وقفوه مع أوكرانيا حين تعرضت لما سموه العدوان الروسي. لا يمكن أن نختم مقالنا هذا دون أن نترحم على عائلة الزميل وائل الدحدوح مراسل قناة الجزيرة المناضلة والرائدة وهو الذي تلقى نبأ استشهاد زوجته وأبنائه على الهواء مباشرة وهؤلاء الشهداء الأبرار من بين الاف شهداء الهمجية المارقة عن القانون والأخلاق وتؤكد دولة قطر أنها السباقة لنصرة الحق والشرعية والمستضعفين من المؤمنين من مسلمين ومسيحيين والدولة التي تسير في اتجاه التاريخ لا ضد تياره بتوجيه من أميرها وقائد مسيرتها صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد حفظه الله ورعاه.
597
| 27 أكتوبر 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6540
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
972
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
810
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
795
| 16 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
609
| 16 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
483
| 19 فبراير 2026
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو...
474
| 13 فبراير 2026
تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...
474
| 13 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
468
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
468
| 17 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
459
| 20 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...
417
| 15 فبراير 2026
مساحة إعلانية