رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يُطلقون عليها وساطةً، لكن طالما هي ليست مدفوعةً الأجرـ فهي مساعٍ حميدة تلك التي تضطلع بها عن جدارة وما زالت دولة قطر، انطلاقاً من شعورها بالمسؤولية الأخلاقية ونزوعها المبدئي نحو السلام والعدل، ورغبتها في الإحسان ونصرة الضعفاء في العالم، ولا غرابة في ذلك فقد عرفت وهي كذلك بأنها (كعبة المضيوم)، تؤدي عملها بهدوء ولا تنتظر حمداً ولا شكوراً. وفي هذا المجال نجحت الدوحة أيما نجاح، إذ تركت سجلاً لا يُبارى وحققت اختراقات عميقة في تفكيك مشاكل دولية مستعصية، وفي ظروف صعبة بين أطراف وصلت علاقاتها إلى طريق مسدود، ومع ذلك تكفلت بها دولة قطر وأحكمت ادارتها ونجحت وظفر طرفا النزاع في النهاية بالجائزة وتنفس العالم الصعداء. ترافق ذلك مع ثناء وتقدير المجتمع الدولي للمساعي الحميدة التي تبذلها الدولة، وتقديره بالتميز الذي يحظى به فريق العمل من خصائص لم تتوفر لاي فريق عالمي آخر: المهنية العالية، الحيادية، والنزاهة، المقبولية الدولية، والمبدئية والإنسانية، والفاعلية والشجاعة مع الحكمة والثقة والمصداقية، وتفاصيل وثوابت كثيرة في هذا المجال لم تعد خافية على أحد. ** أصبحت قطر أيقونة، للوساطة الخالصة المجردة من أي منفعة أو مصلحة، وساعدها في ذلك الحضور الفعّال في المحافل الإقليمية والدولية خصوصا في ظل الأدوار الكبرى التي تلعبها بما يتعلق بصون السلم والأمن الدوليين وإرساء التنمية المستدامة وسياستها التي تهدف إلى تعزيز مجالات التعاون والشراكة في العالم. على هذا الأساس تركت قطر بصمة تاريخية في ملف الخلافات المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، بين الولايات المتحدة وطالبان، بين روسيا وأوكرانيا، بين الولايات المتحدة وفنزويلا …. والعشرات من ملفات خطف رهائن، كما توفقت في نوفمبر الماضي في إبرام هدنة مؤقتة بين حماس والكيان الصهيوني وتكللت جهودها في ايقاف النار المجنونة والعدوان الهمجي على غزة لمدة اسبوع ونجحت في اخلاء سبيل 100 محتجز اسرائيلي مقابل مسجونين فلسطينيين، والتمكين لتدفق المساعدات لغزة المحاصرة … كما نجحت في صفقة ادخال أدوية للأسرى الاسرائيليين مقابل مساعدات طبية لمشافي غزة... التي أصبح أغلبها بسبب العدوان أثراً بعد عين. لكن المحاولة الجديدة بالتنسيق والتعاون مع جمهورية مصر تعثرت، لا لقصور جهود الوساطة، ولا لفشل الفريق المفاوض، ولا حتى لتعنت الفصائل المسلحة بل حصراً لتقلب (نتنياهو) وتلاعبه بالمواقف سعياً منه تأخير إبرام اي اتفاق محتمل من أجل إطالة أمد الحرب بأي ثمن، إذ كان يريدها صفقةً صفرية، لا مكاسب ملموسة للطرف المقابل صاحب الحق، وشروط قاسية في تبادل المسجونين بالرهائن، لا انسحاب من القطاع، وتوقف غير دائم لإطلاق النار، ولا سماح لعودة النازحين لشمال القطاع، ولا تراجع عن اجتياح رفح، مع تقنين دخول شاحنات الإغاثة... الخ هذه بكلمة أخرى شروط إذعان، لا تستجيب حتى لمطالب اهالي الرهائن من الاسرائيليين الذين يطالبون حكوماتهم بالمرونة لأسباب إنسانية، فضلاً عن المطالب المشروعة لفصائل المقاومة بوقف العدوان، وقد بات مطلباً دوليا بعد أن صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الامن، إضافة إلى قرار محكمة العدل الدولية. ** رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو)، كان يحلم بموقف قطري منحاز، ضاغط على حركة حماس وإجبارها على اتخاذ موقف ليس في صالحها ولا في صالح أهلنا المُعتدى عليهم في غزة، ببساطة كان يريد أن تخرج قطر عن سكة الحياد الأخلاقي، وتنصر الظالم وتفرط بحق المظلوم، ولمّا لم يتحقق ذلك ووجد في قطر مبدئية غير قابلة للمساومة، تحركت الماكينة الإعلامية الصهيونية بالطعن في قطر والتشكيك بدورها في المفاوضات، وجاء ذلك على لسان (نتنياهو) ووزرائه من عتاة المتطرفين اضافة لأعضاء سابقين في الموساد !! غير أن الموقف الاغرب جاء من مشرعين في الكونغرس الأمريكي، والأبرز كان تصريح النائب الديمقراطي القيادي (ستيني هوير) الذي وجه تحذيرا لإدارة الرئيس بايدن بضرورة (اعادة تقييم العلاقة مع قطر !!)، على الرغم ان الادارة الأمريكية لم تتردد يوماً في التعبير عن الثناء والامتنان للدور القطري في جهود الوساطة، وجاء اخيراً تصريح وزارة الخارجية الأمريكية بقولها (لا يوجد بديل لدور دولة قطر في المفاوضات). مواقف مسيسة غرضها معلوم، ومضمونها إما أن تنحاز قطر لمطالبنا أو تنسحب، ما وضع مصداقية قطر ومبدئيتها في اختبار دقيق، ولأن مواقف قطر ليست بضاعة لمن يدفع اكثر، فقد قررت على الفور تعليق ومراجعة جهودها، وصدر عن وزارة الخارجية التصريح بانها سوف «تعيد تقييمها لجهود الوساطة التي تقوم بها بين السلطات الإسرائيلية وحركة حماس، لإنهاء الحرب، مع تأكيدها رفض المزايدات التي يقوم بها ساسة في تل أبيب ضد قطر». وفي هذا الصدد علق رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: بأنه «من المؤسف أن يتم استخدام الوساطة لأهداف سياسية، الأمر الذي حدا ببلاده إلى تقييم الوساطة بشكل عام»، لافتا إلى أن»المفاوضات أخذت وقتاً أطول مما يجب، بسبب التعقيدات، موضحا أن الوسيط دوره محدود، ولا يمكنه أن يتجاوز الواقع «. وأضاف رئيس الوزراء القطري أنه بالرغم من كافة الجهود المبذولة هناك مزايدات سياسية من «أصحاب الحسابات الضيقة وسجّل استياءه من إطلاق تصريحات هدامة ضد الدوحة». ** السؤال … لماذا هذا الانزعاج من موقف قطر؟ هل بخلت قطر بجهد؟ أم أن الأطراف الأخرى لم يرق لها مبدئية ونزاهة وموضوعية قطر؟ هذه المواصفات بالتأكيد ليس ما تتمنى إسرائيل او المؤيدون لها في الكونغرس الأمريكي، على الرغم من أن المصلحة الأمريكية تقتضي مواصلة قطر دورها المسؤول في جهود الوساطة، لهذا يتوجب على الإدارة الأمريكية أن تتخذ القرار المطلوب في هذه المسألة وتراعي مصالحها التي ثبت انها ليس بالضرورة نسخة من مصالح إسرائيل حسب منظور (نتنياهو)، والذي بسبب تفاوت الرؤى شق عصا الطاعة عن الادارة الامريكية، بل وأهان رئيسها وأحرجه في مناسبات عدة خلال الأشهر الستة الماضية. الحملة على قطر مسيسة، ذلك ان الوسيط لا يتحمل في العادة تبعات مواقف الأطراف المتصارعة، لانت أم تشددت!، بل إن دوره ينحصر في إقناع الطرفين من أجل الوصول إلى حل وسط يقبل به الطرفان، وفي هذا المجال قطر تبذل ما في وسعها، لكنها كوسيط تبقى غير مسؤولة عن حركة حماس ولا عن مواقفها رغم أن للحركة كل الحق، وهي حرة في الرد والتعامل مع العدوان بالطريقة التي تشاء، حالها حال أي طرف يتمتع بكامل الاستقلالية في تبني الموقف الذي يعتقد بصوابه وجدواه. هل استجاب نتنياهو لتحفظات وملاحظات الرئيس الأمريكي في إدارة الحرب؟ أم أنه وفريق لجنة الحرب لم يتوقفوا عن التصريح في كل مناسبة بان إسرائيل وليس الولايات المتحدة هي التي تقرر وليس أي طرف آخر على الرغم من العلاقة العضوية المتينة التي تربطهما! ** من حق دولة قطر أن تقرر على ما تراه مناسباً، لكن جهودها ستبقى مطلوبة، ولا بديل، خصوصاً والأوضاع في غزة لم تزل كارثية تستدعي حضورها الفاعل ومواصلة مساعيها الحميدة حتى النهاية. من جانب آخر، الحملة الظالمة على قطر ماهي إلا تزكية لها ولمواقفها المبدئية والإنسانية، لهذا كان ينبغي على الدول العربية والإسلامية والصديقة والمنظمات الإنسانية حول العالم ان تعلن موقفها الصريح في الوقوف معها بحزم ودفع الشبهات عنها، وإقناعها بمواصلة مساعيها الحميدة حتى النهاية. وبينما الأمين العام للأمم المتحدة يثني على دور دولة قطر، ويطالب بمواصلة مساعيها الحميدة، تلوذ الجامعة العربية بالصمت حالها حال مجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي... وكأن الأمر لا يعنيهم!! قطر تنادي (غزة لست وحدك)... فمتى نسمع عبارة (قطر لست وحدك) ؟؟؟
975
| 24 أبريل 2024
الحرب المجنونة على قطاع غزة، بعد مائة يوم من الوحشية والبربرية الصهيونية، والتي أخذت شكل إبادة جماعية، وحرب ضد الإنسانية، فإن حصادها مصاب، لوعة وألم، في البشر والحجر والشجر، لكن حصادها في الجانب الآخر، أكثر مرارة وألماً، وشتان بين ألم وألم، بين ألم يتحمله الإنسان تجملاً عن قناعة ويقين في جهاد يفضي إلى هدف نبيل سام، وبين مهووس بثقافة عنصرية شوفينية، وكراهية بلا حدود ومسح للآخر. لا يتحمل الالم، بل ينعكس عليه بسلوك عنيف وصدمة وخوف وقلق، وقد سجل الآلاف من افراد الجيش على لائحة العوق النفسي والعصبي الامر الذي استدعى ميزانية خاصة لمواجهة هذه النفقات!. بعد مائة يوم.. اسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق اهداف الحرب، تعرض الجيش لخسائر هائلة في الضباط والجنود، فقد ما يزيد على 1000 عجلة بين دبابة وناقلة جنود وجرافة وغيرها! رافقه فشل بتحرير حتى اسير واحد! أما هدف القضاء على حماس، فها هي اشتباكات مجاهديها من كتائب القسام على الارض مع جنود الاحتلال، تتكرر في اليوم الواحد مرات عدة دليل الفاعلية والجاهزية القتالية، فضلا عن المعنويات العالية، بالإضافة إلى صواريخ وقذائف القسام التي لم تتوقف رشقاتها نحو المدن والبلدات داخل الارض المحتلة، هي أكبر شاهد على حضورها وفعّاليتها في إدامة زخم المقاومة، أما الهدف الثالث المهم فيتعلق باستعادة «الردع» المفقود فقد تلاشى وغاب عن البيانات العسكرية ومن الخطاب السياسي، لأنه ببساطة سقط تحت ضربات كتائب القسام في صولتهم المباركة في السابع من أكتوبر، وبها تمزقت سردية «الجيش الذي لا يقهر»! وهي واحدة من الأكاذيب التي تراكمت على مدى عقود من الزمن، لكنها تهدمت خلال ساعات. أما الداخل الصهيوني فهو منقسم انقساماً حاداً، والفجوة تتسع بين الصهاينة المتطرفين وبين الاكثر تطرفاً، بين من يعتقد بأن مواصلة الحرب لا تخدم سوى تطلعات وطموحات رئيس الحكومة نتنياهو، وحاجته لتحقيق اختراق عسكري يستعيد ما فقده، او يلمع صورته الملطخة بالفساد، وبين من يعتقد بضرورة مواصلة الحرب مدفوعاً بكراهية لا قبل للبشرية بها، تقضي- فيما يتخيله- بمسح غزة عن بكرة أبيها من الوجود. لكن ربما الحدث الأبرز خلال هذه المائة يوم هو مثول إسرائيل ولأول مرة أمام محكمة العدل الدولية باتهام معزز بالأدلة والبراهين لارتكابها الابادة الجماعية. أتقن عرضها فريق محامين متمرس يرأسهم وزير العدل في دولة جنوب افريقيا. من جانب آخر، دمر جيش الكيان الصهيوني بالقصف العنيف كل وسيلة للحياة على ارض غزة، مركزاً على المنازل والمشافي والمدارس ومراكز الإيواء والمساجد والمخابز. حتى لم يعد فيها شبر آمن، ترافق ذلك مع قطع الغذاء والدواء والماء والكهرباء والوقود. مستهدفا حرمان أهل غزة من مقومات الحياة، والذي ينجو من القصف الوحشي يموت جوعاً او عطشاً أو مرضاً، لم يستثن من ذلك حتى الأطفال الخدج! والغرض واضح والنوايا الخبيثة معلومة، دفع السكان للهجرة بهدف إخلائها، لكن هيهات! فالشعب أبيٌّ وهو يأبى ان يهاجر او يُهجّر، ومقاومة باسلة مذهلة وتأييد شعبي عالمي لا نظير له، وصورة إسرائيل النمطية في العالم باتت في الحضيض، والعالم وخصوصاً شريحة الشباب تراقب وتتأمل مبهورة من صمود أهل غزة الأسطوري. ويصدحون بمشروعية المقاومة وحق فلسطين في الحرية والوجود، بل يرون الحل في ازالة اسرائيل وليس في «حل الدولتين» كما تعدى تأثر الشباب الى «الدين» الذي صنع إنساناً قادراً على الصمود بل والاستهانة بالألم والحمل الذي تنوء به الجبال، ترافق ذلك مع السمو الاخلاقي والتميز الراقي. أرادوا مسحها «غزة» فتحولت إلى أيقونة واصبحت مصدر إلهام لجميع شعوب الارض. ولكن حملناها نفوساً كريمةً تُحمّل ما لا يستطاع فتحملُ لم تعد الصورة المزورة (للضحية الوادعة الباحثة عن السلام تستجدي تحسين فرص الحياة والمهددة من جيران متوحشين) لم تعد هذه الصورة لتنطلي على أحد، واستبدلت بصورة مغايرة تماماً، هي صورة الصهيوني الفاشي السادي المتوحش. هكذا اقترنت افعالهم باقوالهم. فمن ينكر؟ حتى بروباغندا الهولوكوست والمحرقة - صحت أم كذبت - تهدمت تحت انقاض غزة. أمّا المحرقة الحقيقية فهي هنا في غزة وهي ماثلة اليوم للعيان وسارت بأخبارها الركبان فلا يسع احد ان ينكر الا من كان اعمى البصيرة ارمد العين. صحيفة يديعوت احرونوت اختصرت مشهد ما بعد مائة يوم من تراكم الخيبات والهزائم: (علينا ان نتعايش مع الهزيمة!) وقبل ايام في مقال آخر: (عندما تكون في حفرة توقف عن الحفر اكثر… اقتباساً من مقولة “ دينس هيلي / وزير دفاع بريطاني «. حرب لا نهاية لها.. تدفع ثمن حياة جنودنا ولا تقربنا من النصر). وبينما اختارت الولايات المتحدة الأمريكية الاصطفاف حد المشاركة الفعلية في الحرب على غزة والتحقت بها بريطانيا وألمانيا دون أدنى مراعاة للمصالح الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية مع الدول العربية والإسلامية، فإن المصلحة تقتضي مراجعة واعادة تقييم العلاقات معها، أما الاقربون من غزة من المحيط إلى المحيط، باستثناء قلّة، الغالبية من الأنظمة والحكومات فقد فضلت الصمت واختارت القعود والتفرج وربما الاكتفاء بالحوقلة: وشرُّ سلاح المرء دمعٌ يفيضه اذا الحرب شُبّت نارُها بالصوارم على ان المنازلة لم تنته بعد ومن يجد في نفسه خيرا فليفعل، ومن جاهد فلنفسه، ومن قعد فعليها، وللتاريخ لسان يذكر وعين تبصر. كلمة اخيرة، كيفما ستكون مآلات هذه الحرب، فإن دروسها ومضامينها ترسخت وقضي الأمر، ألخصها بمايلي: • البحث عن حل عاجل لمظلومية فلسطين بات مطلباً عالمياً ملحّاً. • ان القوة العسكرية مهما بلغت فإنها عاجزة عن كسر إرادة شعب يتطلع إلى الحياة بشرف وكرامة. • ان الايمان الصادق لا زال كما كان في فجر الاسلام صانع أعاجيب ومعجزات. • ان اسرائيل دولة مارقة، وحشية بربرية عنصرية، تشكل خطراً كبيراً على البشرية لابد ان يتصدى لها المجتمع الدولي. • ان رهان الاتفاقيات المذلة والتنازل عن الحقوق املاً في استعادتها لاحقاً خيار فاشل. • وأخيراً سقطت الحضارة الغربية، بما فيها من قيم وركائز، وثبت ان المنظمات والقوانين الأممية الضابطة مجرد ادوات بيد القوة الغاشمة تستخدمها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن متى شاءت، للتلاعب في مصائر ما يقرب من مائتي دولة في العالم، لهذا فإن البحث عن نظام جديد اكثر عدلاً بات مطلباً غير قابل للتأجيل والعالم حقاً اكبر من خمس.
1575
| 17 يناير 2024
صولة طوفان الأقصى في 7 اكتوبر وما تلاها من عدوان على غزة، أشغلت ولا زالت العالم كله في الداخل والخارج، والذي بات مأخوذا بحرفية المقاوم الغزاوي وبسالته وإنسانيته من جهة، ومصدوماً، متألماً، غاضباً على جيش أكد بفعله أنه، رغم بروباغندا تحسين السمعة المغرضة، ليس أكثر من جزار فاشل لم يقتن لا فن الحرب ولا إدارتها، بل تحول بساديته المفرطة إلى ثور مجنون أخذته المباغتة وصدمته الاهانة التي لحقت به ذلك اليوم، فقد السيطرة وبات يخبط خبط عشواء يعوض فشله وخسائره بالقصاص والانتقام الجماعي من أهل غزة مستهدفاً الأطفال والنساء بالمقام الاول اضافة للشيوخ والعجزة والمرضى … باختصار لقد ارتكب الكيان الصهيوني ابادة جماعية في غزة، حصادها حتى الان ما يزيد على واحد وعشرين الف شهيد وعشرات الالوف من الجرحى والمصابين اغلبهم أطفال ونساء … وبعد ثمانين يوماً من الحرب، بان الغرض الخبيث للعدوان، ويتلخص بتحويل القطاع إلى مكان ليس فقط غير آمن بل غير قابل للحياة او العيش أملاً في اجبار ما يزيد على 2 مليون إنسان على النزوح والهجرة قسراً إلى دول الجوار …. لكن المخطط المشؤوم يصطدم، قبل أي شيئ آخر، بجدار صلب غير قابل للاختراق، مواصفاته، الصبر والاحتمال والثبات ….هي باختصار التعبير الدقيق لسلوك شعبنا المحاصر والمعتدى عليه في غزة، وكلما زاد الالم، سما الغزاوي بصموده وتمسكه بأرضه ودفاعه عن قضيته. ومع هذا السمت الراقي في التعامل مع العدوان، هناك وجه آخر، لا يقل عظمة ولا أهمية ويعني بسلوك وتعامل الغزاوي مع نفسه وأخيه، في علاقته مع عائلته وجيرانه، مع المجتمع او مع السلطة، واجهزتها ومرافقها وخدماتها ….مع القانون والنظام، حيث تبرز للراصد قيم هذا الشعب، تربيته وأخلاقه التي ظهر سموها ورقيها في زمن شدة لم نشهد لها مثيلا …. رغم الالم وعظم المصاب والفجيعة، هل سمعتم غير (حسبنا الله ونعم الوكيل؟ ) ….هل سمعتم تذمرا او شكوى، هل رأيتم خرقاً للقانون والنظام ؟….. وكما هو معروف، يعيش هذا الشعب حرماناً من أبسط مقومات الحياة. محاصراً سبعة عشر عاماً ثم تضاعفت معاناته بعد ٧ أكتوبر، اذ أحيط بهم محاصرين براً وبحراً وجواً، فلا يكاد يجد الواحد منهم في اليوم ما يسد رمقه او يبل ريقه، يناشد من حوله من عرب ومن عجم قارورة ماء فتمنع عنه، طفلهم محروم من مذقة لبن، والعائلة من رغيف الخبز، مرضاهم وجرحاهم من حبة الدواء والمشافي المؤهلة، بل ضاقت حتى الارض في دفن الشهداء والموتى …وتردى نمط الحياة، وبلغت القلوب الحناجر … حالهم حال الاضطرار والضرورة التي يباح فيها اكل الميتة، حالة الضرورة إن سرق الشخص لا يقام عليه حد لشبهة الحاجة الملجئة، ظواهر معتاد ان تصاحب الناس في أوقات الفتن او الشدة البالغة والمصاب الكبير، حتى تتردى القيم وتهتز الثوابت، وتطغى الأنا … وينشط ضعاف النفوس - ولا يخلو منهم مجتمع - في العدوان والتجاوز على مافي أيدي غيرهم، يغريهم كون الأجهزة الشرطية معطلة والناس مشغولة بالنجاة من العدوان الذي لم يترك بقعة ولو صغيرة في غزة الصابرة …آمنة … لكن المفارقة اللافتة للنظر، وقد عبّر عنها معنيون بعلم الاجتماع، ان السمت الذي عرف به الغزيون ايام السلام لم يتغير ايام الحرب !! اذ من غير المعقول او المتوقع رغم شدة الحرب على غزة ومحدودية مساحتها ومواردها وكثافة المقيمين على ارضها وتراكم آثار الحصار عليها ….رغم كل ذلك ان لا تقع حادثة سرقة واحدة !! ان لا ينهب محل واحد وتكسر الأقفال وتستباح املاك الناس والمتاجر ولا تهاجم الشركات ولا بيوت الاغنياء الميسورين..هذا غير معقول ! بل المتوقع في مثل هذه الاحوال ان ينشغل رجل الشرطة صباح مساء بملاحقة الجرائم والمجرمين ….لكن الذي حصل هو العكس تماماً فالناس هناك متعاونون متكافلون يشد بعضهم أزر بعض، ويؤثر بعضهم بعضاً ليصدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: « ان الاشعريين (أهل اليمن) إذا أرملوا في الغزو، او قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم «وهكذا تجد أهل غزة صابرين إذا حلّ البلاء بهم، لا الصعب عندهم صعبٌ ولا المحال محال...يتقاسمون القليل المتاح، حامدين شاكرين ….ظاهرة ادهشت الغرب بل العالم أجمع وهم يجهلون السر في ذلك، وفي الذاكرة الفلتان الامني في اللحظة التي تسود فيها العتمة، حيث ينطلق الأفراد والجماعات والعصابات في تسونامي رهيب سلباً وسرقة واغتصاباً وتسوية حسابات ….قتلاً وخطفاً، لمجرد انقطاع الكهرباء لدقائق معدودة في مدن وعواصم كبرى كما حصل في نيويورك سنة ١٩٧٧م لتقبض الشرطة على ٣٧٠٠ شخص حيث قدرت الخسائر بحوالي مليار دولار ! ملاحظة اخرى، الكل يعلم المقاربة التي اعتمدها الكيان الصهيوني في تحقيق هدف الحرب (القضاء على حماس) …ان جيشه أجبن من ان يقارع المقاومة الباسلة وجهاً لوجه، المقاومة التي نذرت نفسها لله، وخيارها بين النصر والشهادة، بينما نذر جيش الاحتلال نفسه للشيطان، لهذا توجه العدو إلى الطبقة الهشة او الرخوة ليحيل حياتها إلى جحيم لا يطاق املاً في ان ينقلب الغزاوي على الحمساوي وتدور رحى حرب اهلية ينشغل بها الغزيون بعضهم ببعض، ويجري تفكيك اواصر الجبهة الداخلية، تنكسر بها شوكة المقاومة وتضعف، باشغالها بالداخل بدل الانصراف للرد على العدوان الصهيوني، وهذا سيكون كفيلاً بتحقيق هدف الحرب بأقل الخسائر … لكن ذلك لم يحصل أيضاً وصمد الناس وتحملوا العبء الأكبر من الاذى وبقيت الجبهة الداخلية متماسكة وانصرف المقاوم للتفنن في ملاحقة الغزاة، مطمئناً إلى ظهره، محمياً بحاضنته الشعبية مطمئناً لها ….. وهكذا أجهض الغزيون بصبرهم وثباتهم المساعي الخبيثة لدولة الاحتلال، وتعذر على جيشها تحقيق هدف الحرب. وثمة أمر آخر في أسطورة الشعب الغزاوي أن امراة من الاسرى الرهائن لدىٰ كتائب القسام، والقصف اشتد قريباً منها، تقول للحارس القسامي وهي ترتعد:أخشى ان أموت. فأجابها: لا يا خالة لا تخافي نحن بنموت قبل لا تموتوا. فقارن هذا الموقف الإنساني الرفيع مع ما يحصل للاسرى الفلسطينيين أو الفلسطينيات على أيدي الصهاينة المحتلين. ملكنا فكان العفو منا سجيةً ولما ملكتم سال بالدم أبطحُ وحللتمُ قتل الاسارى وطالما كنا عن الاسرى نمنّ ونصفحَ فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا وكل اناء بالذي فيه ينضحُ شعب، يثير العجب والإعجاب، كأنه صنعه الله على عينه، هو لا ينكسر، بل ينتصر او يموت … لا نزكي على الله أحدا، لكنها الحقيقة بدون رتوش، بقي أن نسأل عن السر وراء هذا السمت العالي … لا تعجبوا إنه «الإسلام …» أيها السادة.
1836
| 28 ديسمبر 2023
لولا العجز، لولا الاضطرار ما وافقت اسرائيل على الهدنة رغم انها مؤقتة! وصفها « نتن ياهو « بأنها قرار مؤلم للغاية لكنه الصح !! بمعنى لا خيار لدى اسرائيل في قبوله والظرف الذي تنوء تحت وطأته اسرائيل لاشك حاكم!! وللتأكيد دعونا نراجع أهداف الحرب التي سطرتها حكومة الحرب المصغرة ابتداء كرد فعل على صولة «طوفان الاقصى» المظفرة …. وتضمنت 3 محاور رئيسية شملت ما يلي: • ضمان عدم قدرة «حماس» على شن هجمات في المستقبل. • استعادة ثقة الإسرائيليين بقدرة حكومتهم وجيشهم على توفير الأمن لهم. • إعادة تأسيس قوة الردع الإسرائيلية بنظر الأصدقاء والخصوم في جميع أنحاء الشرق الأوسط. بينما وضع الجنرالات امامهم اهدافا آنية مباشرة في غزوهم البري الذي انطلق في 27 تشرين اول / اكتوبر كانت بإختصار: • القضاء على حركة حماس. • الوصول الى الاسرى وتحريرهم (يعتبرونهم مخطوفين ) … وعلى مدى 46 يوما من الحرب الوحشية على غزة ما يقرب من شهر على انطلاق الغزو البري عجزت اسرائيل عن تحقيق أي من الهدفين !! رغم أنها أسرفت في وحشيتها وبربريتها في توظيف الالة العسكرية وهي بالمناسبة أحدث ماعرفته التكنولوجيا، قتلت اكثر من 14000 انسان، 6000 تقريباً منهم من الاطفال، وما يزيد على 4000 من النساء …ناهيك عن الجرحى والمفقودين …وتدمير 50% من الوحدات السكنية واحكام الحصار على 2,2 انسان شمل الماء والطعام والدواء والكهرباء وبعد استهداف منهجي قصفا وتدميرا للمشافي الطبية، الجامعات والمدارس والجوامع والكنائس والمخابز والاسواق وسايلوات خزن الحبوب بل شملت حتى مراكز الايواء التي تديرها وكالة تشغيل اللاجئين الاونروا …رغم ذلك لم ترفع غزة «الراية البيضاء « ولا توقفت صواريخ القسام، ولا تلاشت المقاومة الباسلة للقوة الغازية على الارض …. والاهم من ذلك، فشل الغزو البري الذي انطلق منذ شهر تقريباً في الوصول الى اسير صهيوني واحد ! لم تفلح ما يزيد على قنبلتين نوويتين القاها الطيران الصهيوني على ارض مزدحمة بالسكان لاتزيد رقعتها على 360 كم مربع في كسر ارادة شعب ولا في ثنيه واجباره على المساومة على ثوابته …على حقه المشروع في الحرية، العيش بكرامة، وتقرير المصير …كنا ندرس في كلية الاركان معارك نموذجية للقتال داخل المدن …كانت ستالينغراد هي المثل !! اعتقد من الان فصاعداً سوف تنزوي ستالينغراد خجلاً امام اسطورية صمود غزة و بسالة القساّمين فيها لتصبح هي المثل الاعلى للشعوب في جهادها ودفاعها عن حقها في الحياة الحرة الكريمة. يقال بأن الضغوط على الحكومة الصهيونية في الداخل من طرف عوائل الاسرى، والضغط الخارجي الذي اوقع الغرب وفي المقدمة الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي في مأزق اخلاقي وقانوني فريد امام العالم اجمع، هذه الضغوط هي التي اجبرت اسرائيل على تجرع السم ! لكن يقيناً ماكان صاحب القرار الصهيوني ليلتفت لهذه الضغوط - وهو تغافل عنها كل هذه الفترة - لو حقق العدوان العسكري اهدافه على الارض حيث فشل فشلاً ذريعاً. اللواء أفرايم هليفي، الرئيس الأسبق للموساد يقول: إن «من المؤسف أن كثيراً ممن يتولون المسؤولية الآن لا يعرفون حماس بشكل حقيقي، ولا يعرفون غزة، ولا يجيدون قراءة خريطة الشرق الأوسط» ومضى قائلاً “ انصح بترك أسلوب التبجح والتهديدات الفارغة والامتناع عن الاجتياح «بشكل كثيف وشرس». وأكد: «نحن إزاء شيء جدي ويجب التعامل معه بمهنية. واتخاذ القرارات بتروٍ شديدٍ، ووضع أهداف سياسية واقعية». وأضاف: «من يتحدث عن سحق حماس، لا يعرف عما يتكلم. حماس تنظيم كبير وقوي ولديه عزم وإصرار. قوامه نحو 150 ألف عنصر، بينهم عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين بشكل مهني. وفي قيادته مجموعة لا بأس بها من الأفذاذ، الذين لا أحبهم وكلي غضب عليهم، ولكنني أعترف بأنهم ذوو قدرات عالية في القيادة وأذكياء واستراتيجيون. وأقترح على مَن اعتاد الاستخفاف بهم أن يكف عن ذلك. وهم ليسوا تنظيماً سياسياً وعسكرياً فحسب، بل فكر وقناعات. وإذا قضيت على قيادتهم وحتى على تنظيمهم كله، وهذا غير واقعي، فإنك لا تستطيع القضاء على فكرهم. وسينبزون لك من تحت أرض ما في وقت ما. لذلك يجب أن نضع أهدافنا بشكل واقعي وأقدامنا على الأرض». هذه هي حركة حماس كما يصفها مسؤول اسرائيلي كبير،، و يدعو فيها صاحب القرار الاسرائيلي الى اعادة النظر ومراجعة الكثير من القناعات الخاطئة. حركة حماس من جهتها حددت غرضين للحرب: • ردع العدو عن مواصلة جرائمه وعربدته في الاقصى والضفة. • التعجيل باطلاق سراح الفلسطينيين من السجون الصهيونية. وقد باتت اقرب الى تحقيق الهدفين مما كانت عليه قبل الصولة المباركة في 7 اكتوبر. كانت مرتاحة وقد عرضت اخلاء سبيل الاسرى منذ وقت مبكر لكن رئيس وزراء الكيان الصهيوني كان يراهن على القوة العسكرية الغاشمة في تحقيق اهداف الحرب، و هذا يعني انه هُزِم …، وان مقولة (الجيش الذي لا يقهر) والتي مزقتها حركة حماس ….باتت مسلمة يصعب انكارها. (للمقال صلة)
3456
| 23 نوفمبر 2023
نادى أردوغان: أيتها الأمة هبي مع الحق ومع الشرعية ردي على العدوان.. أجابت الأمة (لبيك أردوغان لبيك)... نداء وجهه الزعيم أردوغان مبكرا ليلة الخامس عشر والسادس عشر من يوليو الجاري إلى شعبه من خلال نافذة صغيرة هذا ما بقي لديه بعد أن حاصره الانقلابيون وحرموه من كل وسيلة اتصال وما أكثرها في هذه الأيام.. ورغم ذلك كانت النافذة كافية لقلب الطاولة على المتآمرين وزلزلة الأرض من تحت أقدامهم.. التفاتة ذكية ومنحة ربانية جاءت في اللحظة المناسبة كأنها قدر مكتوب وهي كذلك قطعا، مكنت الزعيم من الإطلال على شعبه، ظهر الزعيم في لحظة فارقة كان يحتاجها الشعب التركي ليطمئن أولا على سلامة زعيمه وليراه كما كان يلتقيه في كل مرة خطيبا مفوها، واثقا من نفسه متماسكا صارما عزوما وليستمع إلى توجيهاته ويتحرك بناء عليها ثانيا، وهذا ما حصل. قضى على الانقلاب الغادر في هذه اللحظة الفارقة ليس قبلها وليس بعدها، عندها استجاب الشعب التركي وخرج إلى الشوارع والساحات بقضه وقضيضه ملبيا نداء زعيمه المحبوب، خرج شعب تركيا بكافة أطيافه وتلاوينه وأحزابه عن بكرة أبيه وانضم إلى زعيمه مقتنعا ومدافعا عن الشرعية والاستقرار والتقدم، متصديا ومواجها بصدوره العارية دبابات الانقلابيين...خرج وهو يرفض دكتاتورية العسكر وقمعهم وتسلطهم المعهود طبقا لسجلهم الأسود في أربعة انقلابات عسكرية سابقة جرت الخراب والدمار على تركيا.هبة الشعب التركي واستجابته لنداء الزعيم كانت بمثابة استفتاء جديد للتصويت على خيارين: إما التقدم والاستقرار والديمقراطية وإما الاستبداد والتخلف والفوضى.. واختار الشعب ما هو بصالحه وليؤكد للزعيم مرة أخرى "نحن معك لإنجاز المهمة الناجحة التي بدأت بها عام 2002 وسنبقى معك حتى النهاية".. حتى إكمال المهمة وأمام الجميع بالطبع أهداف خطة طموحة لعام 2023 والتي لا يمكن اعتبارها إلا نقلة نوعية تاريخية لا مثيل لها ستشهدها تركيا في مختلف مجالات الحياة. الانقلاب الغادر ما كان عدوانا على شخص، بل كان عدوانا على القيم النبيلة التي يحملها هذا الزعيم، بل عدوانا على المبادئ السامية التي يبشر بها هذا الزعيم بل على المواقف الجريئة والمنصفة التي عرف بها الزعيم رجب طيب أردوغان على مدى عقد ونصف من الزمن والتي بسببها أصبح نصير المستضعفين وبموجبها كسب احترام وحب شعبه بل حب كافة شعوب العالم الإسلامي أجمع. العدوان كان كبيرا.. بل كبيرا جدا.. ورغم أنه فشل فشلا ذريعا لكن التصدي لآثاره وانعكاساته المحتملة مهمة لا ينبغي أن ينهض بها الشعب التركي وحده فحسب، بل ينبغي أن يشاطره العبء كافة المظلومين والمضطهدين في العالم أجمع وعلى وجه الخصوص أولئك الذين احتضنتهم تركيا وفتحت أمامهم أبوابها وأراضيها بأريحية نادرة ووقفت معهم ضد الاستبداد والقهر، بل وضحت بسبب ذلك بالكثير من المصالح والفرص.. إنها فوق ذلك مهمة الشرفاء في العالم أجمع دولا وشعوبا أن لا يترددوا بل يسجلوا موقفا تاريخيا مشرفا ويساندوا تركيا في هذا الظرف الدقيق بالذات.. وقد كانت دولة قطر سباقة في هذا المجال كما هو عهدنا بها.
1592
| 19 يوليو 2016
صدر تقرير لجنة شيلكوت حول العراق The Iraq Inqiryبعد انتظار سبع سنوات، وهو بالمناسبة التقرير الحكومي الأهم حتى الآن والذي قام بمراجعة ملف الحرب على العراق عام 2003 وأجرى تقييما لمبررات الحرب وضرورتها إلى جانب الطريقة التي اعتمدت في صناعة القرار السياسي وأخيرا النتائج التي ترتبت على الغزو. شمل التقرير على 2.6 مليون كلمة واحتوى على 1500 وثيقة وكان خلاصة دراسة سبع سنوات ولقاء 120 شاهدا، وقد كنت التقيت مع اللجنة مرتين الأولى في لندن والثانية في بغداد خلال زيارة اللجنة.اعتبر التقرير الحرب بأنها لم تكن ضرورية وبأن إدارة العراق ما بعد الغزو كانت فاشلة، كما تم شن الحرب في غياب التوافق الدولي وتجاهل متعمد لدور مجلس الأمن كما اتخذ القرار متأثرا مرة بتقارير استخبارية مظللة ومرة بتضخيم متعمد لقدرات العراق في أسلحة الدمار الشامل. لم نلتفت كثيرا للتقرير نحن أصحاب القضية في العراق وتعاملنا معه بالإحباط وخيبة الأمل، ليس فقط لأن ما يشغلنا أكثر هو الوضع الكارثي الذي بتنا عليه في العراق وهو بالمناسبة نتيجة مباشرة للغزو بل لأن التقرير أهتم بالشأن البريطاني أكثر بكثير من اهتمامه المفترض بالنتائج، بل إن صحيفة التايمز اعتبرت التقرير بمثابة "حرب بلير الشخصية" ولهذا أثار التقرير جدلا في بريطانيا كأي مسألة داخلية تستقطب في العادة اهتمام الأحزاب والشعب البريطاني، حيث اعتبرت صحيفة التلغراف التقرير بمثابة لائحة اتهام شاملة للسياسات البريطانية في الفترة التي سبقت الصراع وتداعياته.التقرير بإيجاز انتقد قرار الذهاب للحرب وسلط الضوء على القصور في الجوانب الإجرائية والخلل في أداء المؤسسة الحكومية المعنية بموضوع الحرب والغرض في رأيي كان ينصرف إلى تحسين وتطوير الأداء الحكومي فحسب، من خلال إصلاح المؤسسة الحكومية البريطانية من أجل تحصينها من مغبة الوقوع في خطأ مماثل في المستقبل، وفي حديثه في برنامج "بلا حدود" قال ترافيرس"إن تقرير تشيلكوت كان له أثر حتى قبل إعلانه، وهو ما جعل من غير المرجح مشاركة بريطانيا في حرب أو عمل عسكري مستقبلا، وبالتالي أدى إلى خسارة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون التصويت في البرلمان بشأن مشاركة عسكرية في سوريا"، إلى جانب ذلك تغافل التقرير نقد قرار الحرب من الناحية القانونية أو الشرعية أو تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك القرار. لقد ذكرت صحيفة الجارديان تقرير تشيلكوت بأن محصلته كانت: دولة دمرت (إشارة إلى العراق) وثقة تهدمت (إشارة إلى بريطانيا) وسمعة تحطمت (إشارة إلى بلير)، بمعنى أن الضحية في المقام الأول كان العراق ورغم ذلك فإن التقرير لم يول المسألة العراقية كما أسهب في المسائل الوطنية البريطانية.من وجهة نظرنا كعراقيين لقد كنا نتطلع أن ينصفنا التقرير في مسائل ثلاث: إدانة الغزو واعتبار الحرب لا شرعية ولا قانونية واعتبار توني بلير مجرم حرب ثم تحميل الدول الغازية كلفة إعادة البناء وتعويض الخسائر المادية والبشرية، لكن التقرير لم يشر إلى أي من هذه المسائل التي من دونها يبدو التقرير باهتا ومنحازا. مع ذلك نتمنى أن يحظى اقتراح جيرمي كوربين زعيم حزب العمال القاضي بإدانة توني بلير ومحاسبته بالدعم البريطاني المطلوب، واستثمار ذلك كنافذة يمكن من خلالها المطالبة بالتعويض. إن ما يهمنا أكثر هو تحميل الغزاة كامل المسؤولية عن نتائج الغزو ومآلاته وتحميلهم تبعات إعادة ترميم العراق وبنائه، وطالما أقر التقرير بفشل (الأجهزة الاستخبارية والجيش والقيادة السياسية) إذا لابد من تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على الغزو.وبالمناسبة كان بلير قد اعترف بأخطائه في مؤتمر صحفي عقده بعد نشر التقرير بقوله (أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي) وهو كان يشير إلى إدارة العراق في فترة ما بعد الغزو والخسائر التي تحملتها العوائل البريطانية "179 قتيل والمئات من الجرحى" إضافة بالطبع للخسارة الهائلة التي تحملها العراق وعلى هذا الأساس وبصرف النظر سواء كانت الأخطاء مقصودة أو غير مقصودة فإن بريطانيا تصبح مسؤولة عن مضامين تلك الأخطاء وترميم ما نتج عنها من خراب ودمار في مختلف جوانب الحياة والسيادة ومن بينها تحرير العراق من الغزو الإيراني. وربما يسأل البعض أين أخطأت الدول الغازية في العراق لو افترضنا فيها حسن النية في تنفيذ ما وعدت به؟ والجواب على ذلك ابتداء من قرار الحرب على العراق الذي لم يكن مبررا ذلك أن الحرب لم تكن ضرورية لأن العراق في ذلك الوقت لم يكن يشكل أساسا أي تهديد للمصالح البريطانية ولا الغربية ولا حتى الدول المجاورة، وحتى لو كان هذا هو الحال فقد كان أمام حكومة بلير خيارات سياسية لم تستنفذها عشية شن الحرب على العراق، هكذا خلص التقرير.حكومة بلير لم تستنفذ الوسائل السياسية والدبلوماسية وذهبت لحرب لم تكن ضرورية بل حتى لم تكن شرعية ولا قانونية، وعندما حصل الغزو فإنه تم عن قصد تجاوز الهدف المحدد والمعلن وهو إسقاط نظام إلى تدمير وتفكيك دولة قائمة، الغزاة وعدوا بشيء لكنهم نفذوا شيئا آخر.لقد أخطأت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا عندما قررتا الحرب على دولة ذات سيادة خلاف القانون الدولي وفي غياب قرار مجلس الأمن، كما أخطأتا لاحقا في إدارة العراق ما بعد الغزو، ولهذا كان الخطأ مضاعفا. أخطاء ما بعد الغزو - إن كانت حقا أخطاء ولم تكن جزءا من أجندة سرية – هي أخطاء لا حصر لها ولعل أبرزها النهب والتخريب المنظم بعد أيام من الغزو، تصفية الكوادر العلمية النادرة، تصفية قادة الجيش السابق وخيرة طياريه على وجه الخصوص، ثم حل الجيش وغياب العدالة الانتقالية وتسليم السلطة لأحزاب وشخصيات تم انتقاؤهم ليس على أساس الوطنية والكفاءة إلى جانب تأسيس نظام حكم على أساس المحاصصة والتنسيق السري مع إيران وإجبار العرب على الغياب عن المشهد العراقي، اعتذر توني بلير عن الأخطاء رغم أنه لم يعتذر عن الحرب نفسها، وطالما حصلت أخطاء فإنه لا مفر من محاسبة المخطئ إضافة لكذبه إذ اعتبرت التلجراف البريطانية أن الاتهام الرئيسي ضد بلير هو أنه كذب متعمدا على الشعب والبرلمان بشأن التهديد الذي يشكله صدام مباشرة لبريطانيا والغرب، وأضيف بل كذب على العالم أجمع في كل ما يتعلق بالحرب على العراق.أما نتائج الأخطاء التي مازالت ماثلة في المشهد العراقي فهي كثيرة ومتنوعة وتشمل مختلف الجوانب الأمنية والمؤسساتية والقيمية؟ إلا أن التحدي الأكبر هو الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والانقسام المجتمعي الحاد والفساد المستشري وشيوع حالة العنف والنفوذ التخريبي غير المسبوق لإيران.وفي هذا الصدد جاءت شهادة صحيفة "إندبندنت" بقولها، إن ذبح الأبرياء العراقيين، الذي تواطأت فيه بريطانيا، كان أكبر خطأ في التاريخ العالمي الحديث، ولا يمكن أن يُغفر أبدًا"، شهادة نحن بأمس الحاجة إليها لكن من حقنا أن نسأل وماذا بعد؟أمامنا كعراقيين فرصة البناء على الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير واستثمارها لغرض الحصول على قرار قضائي يجرم توني بلير وجورج بوش ويلزم الدولتين بالتعويض أولا وبمساعدتنا في بناء دولة حديثة مستدامة لكل العراقيين على أساس المواطنة ثانيا، لا أمل في مجلس الأمن، ولهذا الحاجة ماسة لفريق من المحامين الدوليين المتخصصين، ومتى ما تجاهلت الحكومة العراقية ذلك وهو المتوقع فلابد أن تتحمل المنظمات الحقوقية المعنية بحقوق الإنسان والمتعاطفة مع الشعب العراقي ذلك.الخراب والدمار، التحديات التي تواجهنا في العراق تثقل كاهل العراقيين وتتجاوز إمكاناتهم في إعادة البناء والتعمير لهذا لا مفر من دخول المجتمع الدولي على الخط ولاسيَّما الدولتين المعنيتين بحرب لم يكن لها مبرر كما ذكر التحقيق لإصلاح ما أفسدته. أخيرا، ربما يسأل البعض – وقد سئلت هذا السؤال كثيرا - رغم انتقاداتك لكنك شاركت في حكومة صنعها المحتل على عينه فكيف تبرر هذه المشاركة؟ لا أنكر ذلك وسبب مشاركتي كان يستند على قناعتي بأن المشاركة كانت ضرورية للعراقيين كي يعيدوا صناعة بلدهم الجديد بأيديهم كعراقيين ولا يتركون هذه المهمة للغزاة ولا يسمحون للآخرين وعلى وجه الخصوص إيران بالتدخل. النظرة كانت صحيحة في حينه على أساس القناعة بأن هناك فرصة حقيقية للعمل لكن ثبت بمرور الوقت أن المهمة تتجاوز إمكاناتنا وأن هذه القناعة لم تكن في محلها والفرصة لم تكن متاحة أصلا لبناء عراق.. الأمل، وهو أمر يدعو لأسف بالغ.
2068
| 13 يوليو 2016
يوم أمس انطلقت في إسطنبول فعاليات مهرجان "شكرا.. تركيا" والذي سيتواصل على مدى ثلاثة أيام في برنامج متنوع تشارك فيه الجالية العربية المقيمة في تركيا على تنوعها لتعلن عن امتنانها وشكرها لتركيا، رئيسا وحكومة وشعبا، اعترافا بالفضل وتعبيرا عن الوفاء وردا للجميل، وهو لا شك جميل لا يقدر بثمن، وهل هناك أغلى من الحرية والعيش الكريم وقد فقدتهما الملايين في أوطانها العربية بسبب القمع والاستبداد والتمييز وغياب العدالة، وعثرت عليها هنا في تركيا؟ التي اجتهدت بقدر ما تسمح به إمكاناتها وظروفها في تعويض اللاجئين المحرومين منهما في أوطانهم ودون مقابل. موقف ينطلق من مبادئ وقيم تميزت بها تركيا في عالم تطغى على سلوك دوله المصالح وحسابات الربح والخسارة، لهذا بات من الواجب أن نشكر تركيا وهو أقل ما ينبغي أن يقدمه المحرومون والمظلومون والمضطهدون. إلى جانب الملايين من العرب، هناك سبعمائة ألف عراقي مهجر من عموم العراق فروا بعد أن تعذرت الحياة طلبا للسلامة والعيش الكريم احتضنتهم تركيا، ولم تسألهم إلى أي عرق ينتمون، أو بأي دين يدينون، أو إلى أي طائفة ينتسبون؟ إنما قالت لهم "ادخلوها بسلام آمنين". وهم اليوم يتقاسمون مع إخوانهم الترك لقمة العيش وحبة الدواء ومقاعد الدراسة، جنبا إلى جنب مع بقية المهجرين من إخوانهم العرب المفجوعين بحكامهم وأنظمتهم، الذين جمعتهم مصائب تنهد منها الجبال وتشيب لهولها الولدان، وانقطعت بهم السبل وأعيتهم الحيل، وتلفتوا ذات اليمين وذات الشمال، فلم يجدوا غير هذه البلاد تفتح أبوابها، وتنفق عليهم من قوت شعبها ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار لتوفر لهم ما حرموا منه في أوطانهم. لقد أوفت تركيا بواجب الدين وبواجب التاريخ وبواجب الجوار، وتقدمت إلى العالم بتجربة إنسانية فريدة. نعم نجحت تركيا فيما فشل فيه الآخرون، ووفقت تركيا فيما تعثر فيه الآخرون، "فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا". لقد تأكد الآن الأمر للجميع بالفعل لا بالقول أو الادعاء الفارغ، وهناك الكثير من الدول صدعت رؤوسنا بحقوق الإنسان لكنها فشلت وتخلت في أول اختبار، وهكذا باتت مصداقية تركيا في الصدارة تعلو على غيرها في المبادئ والقيم وحقوق الإنسان ولا يعلو عليها أحد. ولهذا لا ينبغي أن يزايد عليها في هذا المجال وبعد الآن أحد. هذا الموقف ليس جديدا على تركيا وقد خبرت دورها ونبل مقاصدها في العراق منذ عام 2004، ولن أنسى جهودها الحقيقية في لم شمل العراقيين حول الهوية الوطنية العراقية وتشجيعهم على التعايش المشترك بل ومساعدتهم في التصدي للفتنة الطائفية لعن الله من أيقظها، والتي مزقت نسيجنا الاجتماعي بعد أن ظل متماسكا على مدى قرون من الزمن. لقد سجلت تركيا موقفا مشرفا في إغاثة النازحين، وفي توفير المئات من المنح في الجامعات التركية سنويا وفي استقبال الجرحى ضحايا العنف والإرهاب ومعالجتهم على نفقتها. وهكذا تستكمل تركيا اليوم دورها النبيل في توفير فرص الحياة الحرة والكريمة وتستقبل الملايين من المهجرين وتناديهم بألطف عبارة وأجمل اسم، فتقول لهم "أنتم أيها المهاجرون ضيوف، ونحن لكم أهل وأنصار"، مستلهمة بذلك مضامين الهجرة النبوية الشريفة، سعيدة مسرورة بهذا التشريف الرباني. حقا إنه التاريخ يعيد نفسه، موجات من المهاجرين تضطر للفرار بدينها وتهجر أوطانها قسرا وتلجأ إلى تركيا، إلى شعب الأنصار، بارك الله في الأنصار والمهاجرة. وهكذا في إطار هذا الخلق الإسلامي الرفيع تمتثل تركيا بقول الله عز وجل: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (9- الحشر)، وتعمل بالحديث الشريف: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". الشكر على المعروف فرض وواجب، ولكنه لا يكفي حتى يترجم هذا الشكر واقعا على الأرض، يجب أن نجتهد في أن نكون عونا لا عبئا، وأن يكون وجودنا على أرض تركيا سهلا لا صعبا، إن رد الجميل يتحقق في الانضباط وحسن السلوك في مراعاة القوانين والأنظمة والتكيف مع نمط الحياة، وعلينا أن نتذكر دوما أن تركيا مستهدفة من قوى الإرهاب والشر والاستبداد، تركيا مغضوب عليها لأنها فتحت الأبواب أمامنا واستقبلتنا وحمتنا، تركيا باتت قلعة للمظلومين والمحرومين والمضطهدين، ولسان حالهم ومحط آمالهم. لهذا ينبغي أن نكون عين تركيا الساهرة على الأمن، يد تركيا التي تحرك الاقتصاد، وفكر تركيا الذي يصنع الريادة والتقدم والابتكار، هذا هو البدل المطلوب.سنعود يوما إلى أوطاننا مرفوعي الرؤوس لأننا على الحق، شامخين بقاماتنا وإرثنا ومواقفنا ونهجنا رغم أنف الظلمة والفاسدين والمستبدين طال الزمن أو قصر، جولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة وسيعلم الذين ظلموا لمن عقبى الدار، وعندها سنتذكر هذه الأيام الجميلة التي قضيناها في ربوع تركيا الطيبة، بشعبها الكريم المعطاء ومن الوفاء أن يتواصل دعاؤنا لتركيا جيلا بعد جيل. رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات. في الختام، يأخذ البعض على الهاشمي انحيازه لتركيا، وفي هذا يصدقون وليس عندي ما أخفيه أو أتنصل منه، بل هو تزكية لموقفي أن تكون خياراتي موضوعية وليست عاطفية أو مصلحية، عندما أهوى دولة صديقة شقيقة لا لمصلحة شخصية بل أهواها لأنها ساعدت بلدي -ولا تزال- في تدارك آثار الغزو، في ضمان عراق حضاري موحد يتسع للجميع، أهواها لقيمها، لنواياها الطيبة، لأياديها البيضاء، لوقوفها بحزم وجرأة مع المظلومين والمحرومين، لحرصها ودأبها في صناعة نموذج للحياة فريد، وبالطبع لاعتزازها بإرثها وتاريخها وثقافتها الذي هو جزء أصيل في تاريخنا وإرثنا وحضارتنا. ولو كان انطباعي غير ذلك إذا لتغير الموقف. ولو سعى الآخرون كما سعت تركيا لكان موقفي منهم مشابها. ولهذا فإن هواي لا ينحصر في تركيا بل يمتد لدولة قطر وربما مستقبلا لغيرها.من جهة أخرى، أجد هذه الفعالية فريدة في نوعها، إذ حسب علمي لم يسبقها بل ربما حتى لم يفكر بها أحد، لكن الجالية العربية ذات خيال واسع تفتقت أذهانها لتكريم تركيا إزاء موقف إنساني كبير قل نظيره في الكلفة والجهد والتوقيت، وبالتالي بينما كانت الجالية جديرة بهذا الكرم والسخاء بسبب ما وقع عليها من ظلم وحرمان فإن تركيا جديرة بالشكر والثناء لأنها قدمت أفضل ما لديها عن أريحية وطيب خاطر، بل تقربا إلى الله سبحانه، احتفالية جاءت في زمانها لمن يستحق. شكرا للجالية... وشكرا لتركيا.
1226
| 24 أبريل 2016
الجدار الأسمنتي وحوله خندق يطوق بغداد من أقصاها إلى أقصاها، هو لاشك فكرة سيئة ارتبطت بذكريات إنسانية مخجلة لاحقت من ابتكرها أو عمل بها العار والشنار. في الماضي وحتى الحاضر استخدم الجدار لأغراض الفصل العنصري وعلى وجه الخصوص، في جنوب إفريقيا، وفي برلين، واليوم على أرض فلسطين الحبيبة... إلخ. أما في حالة العراق فقد عرفه العراقيون لأول مرة بعد الغزو عام 2003 حين نصبت جدرانا أسمنتية في بغداد وفي غيرها من المحافظات قطعت أوصال المدن والقرى وشوهت مناظرها وأوجدت لأول مرة ثقافة الجيتو في المجتمع العراقي الواحد. التاريخ يعيد نفسه، فقد نصب الجدار الأسمنتي بعد الغزو وبات قرينا للخطط الأمنية، واليوم يعاد العمل بالأسمنت باعتباره جزءا من ممارسة أمنية شائعة -رغم فشلها- ما يعني أن العراق لم يتحرر حتى اللحظة من تداعيات ذلك الغزو المشؤوم. بالطبع ما كان هناك من ضير لاستعادة التجربة وتنفيذها، بل ما كان يحق لأحد أن يرفع الكارت الأحمر بالرفض والاستنكار لو أن التجربة كانت ناجحة أو أنها حققت أغراضها، وهي لم تكن كذلك، والدليل تفاقم الوضع الأمني الذي نحن عليه اليوم.مضامين هذا القرار عديدة، أولها أن تكرار الاعتماد على وسائل عتيقة فاشلة هو ليس فقط إقرار بفشل إدارة الملف الأمني على مدى ثلاث عشرة سنة، بل هو مؤشر على عقم الثقافة الأمنية وجدبها في ابتكار الجديد، طالما أن التجربة الماضية كانت فاشلة أمنيا فنحن مقبلون على مرحلة فاشلة جديدة بكل ما فيها من خسائر وتضحيات. الإرهاب لا يستهدف بغداد فحسب، بل هو يناور ويضرب أينما توافرت له فرصة. إذًا ماذا يعني حماية بغداد وترك سائر العراق إن لم يكن المقصود هو حماية المنطقة الخضراء التي باتت بسبب عظم التحدي الأمني بحاجة لخط دفاعي أوسع وأشمل؟. الجدار الأسمنتي يوحي بأن من داخل بغداد بات آمنا، وأن جميع القاطنين داخل السور هم مسالمون وأن المشكلة تكمن في المناطق خارج بغداد، وهو تقدير خاطئ والدليل سعة انتشار المسلحين، وأغلبهم متطرفون ميالون للعنف والإرهاب، هم من يقف خلف جرائم لازالت تضرب أمن بغداد سواء بالسيارات الملغمة والعبوات الناسفة أو بفرق الموت والجريمة المنظمة. المخاوف هي أن يؤسس الجدار والخندق لمشروع تقسيم العراق، والأخبار المقلقة حول ضم الكرمة والنخيب وربما غدا الفلوجة إلى داخل الجدار، تثير مخاوف مشروعة من جانب العرب السنة، ليس هذا فحسب وإنما احتمال أن يوظف الجدار ونقاط السيطرة العديدة المنتشرة فيه لعزل الناس بل حتى العوائل والعشائر وحرمانهم من حقهم المشروع بالانتقال الحر وهو ما يتعارض والدستور، تجربتنا المرة وما كانت تعانيه العوائل في جسر بزيبز والرزازة لازالت في الذاكرة. التعدي على أملاك المواطنين مرفوض دستوريا إلا لمصلحة عامة، وصحيح أن السور والخندق يعبر عن مرفق عام وليس خاصا، لكن ماذا عن تعويض الناس؟ وكيف وبأي مقدار؟ لا أحد يجيب على هذه الأسئلة.إن جميع مشاريع الدولة أصابها الفساد، وهذا المشروع لن يكون استثناء، وكان من المفترض في مشروع مثير للجدل كهذا أن يدرس بعناية أمنيا وماليا ويشترك في النقاش حوله مجلس النواب بلجانه المتخصصة والصحافة ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني، وهذا لم يحدث. وأخيرا، حكومة العبادي تلتمس العدل بالفصل والعزل واستخدام القوة فحسب، نعم لا شك هيبة الدولة مطلوبة واستخدام القوة لا مفر منه، لكن الأمن لن يتحقق بهذه الوسائل، الأمن لا يضمنه جدار ولا تحققه عزلة ولا يحصنه خندق، ولا تفرضه قوة تفتقر للتربية الوطنية والكفاءة والمهنية، الأمن صناعة العدل والمساواة ونبذ التمييز، هو مخرج من مخرجات التنمية والعدالة في توزيع الثروات، وبالطبع هو أيضا نتاج المهنية العالية للأجهزة الأمنية الوطنية، الأمن هم مشترك للحاكم والمحكوم، ويتعاظم دور الناس في الملف الأمني ويصبح تعاونهم مع الأجهزة الأمنية لا مفر منه كلما زاد منسوب الخطورة، لكن من يسعى لتعاونهم عليه أن يبرهن أنه يمثلهم بل ويحميهم.بهذه الوسائل والأساليب يتحقق الأمن وليس بغيرها، هذه حقيقة يفترض أنها معروفة للجميع بل وأصبحت شائعة، والدليل تجربة الدول الآمنة وما أكثرها، لهذا نستبعد أن يكون الغرض وراء إقامة هذا الجدار هو الأمن، بل نخشى فعلا أن تكون وراءه مقاصد أخرى. لقد فشلت هذه التجربة في الماضي وستفشل في المستقبل، والموضوع ذكرني بوقفة عامل كسرى عند قدمي سيدنا الفاروق عمر (رض) وكيف صعق لمنظره وهو يقول*:وراع صاحب كسرى أن رأى عمــــرا ... بين الرعية عطلا وهو راعيهــــاوعهده بملوك الفرس أن لهـــــــا ... سورا من الجند والأحراس يحميهارآه مستغرقا في نومه فـــــــــرأى ... فيه الجلالة في أسمى معانيهـــــافوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا ... ببردة كاد طول العهد يبليهــــــافهان في عينه ما كان يكبــــــــره ... من الأكاسر والدنيا بأيديهـــــــاأمنت لما أقمت العدل بينهـــــــــم ... فنمت نوم قرير العين هانيهـــــا!رضي الله عنك.. العادل عمرالأمن حلم جميل، وأمل بات يتطلع إليه الجميع، ومن البديهي والملف الأمني لازال يمثل التحدي الأكبر أمام الاستقرار والتنمية والتقدم، أن يبحث الجميع عن مقاربات مناسبة من المفروض أنها تتبلور من خلال تجربة مؤلمة عمرها ثلاث عشرة سنة، ونخشى في ظل تكرار الخطأ وعدم استيعاب الدروس أنها تطول.* الشاعر المرحوم حافظ إبراهيم
1328
| 10 فبراير 2016
نعم هذا هو واقع الحال، والإشارة وردت على لسان السفير السعودي ثامر السبهان في لقاء له مع قناة فضائية عراقية، حقيقة، العرب السنة ليسوا غاضبين على السعودية فحسب لكنهم غاضبون على عموم العرب مع بعض الاستثناء، وإجابة السفير كانت ردا على اتهام النخبة الموالية لإيران للسعودية بأنها لم تكف عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي لصالح السنة في العراق وهو خلاف الواقع، ولو كان قد حصل ما غضب السنة، لكنه باختصار لم يحصل إطلاقا. وبدلا عن ذلك واظبت السعودية على الوقوف عند مسافة واحدة من جميع المكونات الاجتماعية رغم تبدل الظروف والأحوال.لم يبن السفير إن كان الغضب في محله، وله مسوغاته أم لا؟ وأجيب شخصيا بالنيابة عنه أن الغضب كان في محله وهو تحصيل حاصل لموقف عام لم يكن مناسبا في تصورنا للظرف السائد في أي حال من الأحوال. لكن المملكة كغيرها من الدول لديها رؤيتها ومصالحها وهي تتصرف بناء على ذلك وليس بالضرورة بناء على تطلعات مكون كان ينتظر موقفا مغايرا. اختار أغلب العرب الجلوس على التل ومراقبة المشهد المحزن عن بعد حتى بالنسبة للدول التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع العراق، ولكل أسبابه ومبرراته، ورغم أن النخبة الحاكمة كانت ظاهريا تشجع على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية فإن نظرة الشك والعداء للعرب لم تتغير، والكل يتذكر حادثة اختطاف وقتل السفير المصري المغفور له إيهاب الشريف عام 2005 وحديثا ردة الفعل المتشنجة للنخبة الحاكمة الموالية لإيران على تصريحات السفير في اللقاء المذكور، رغم تأكيده بأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قضت بأن ينظر السفير لجميع العراقيين بعين واحدة وقلب واحد وعقل واحد. وهو نفس الموقف الذي لمسته شخصيا من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اختار ألا يكون للمملكة من دور أو تأثير على مجرى الأحداث في فترة ما بعد غزو العراق، والسبب كما قال لي رحمه الله وغفر له في لقاء معه على انفراد في قصر الجنادرية عام 2010 أنه يريد للملكة دورا لكن بعين الوقت لا يجر على المملكة أي اتهامات أو شبهات بأنها تعمل لصالح هذا المكون أو ذاك، وهذا المطلب بعيد المنال إذ سينظر للمملكة مهما اجتهدت أن تكون محايدة بأنها متحيزة للعرب السنة لهذا اخترنا عدم التدخل. أجبته (نحن لا نبغي إحراجكم ولا نحملكم فوق ما لا تقدرون عليه إنما نتطلع إلى مساعدتنا في ردع الآخرين ومنعهم من التدخل) وأضفت (سياسة الباب المسدود على العراق تضرنا ولا تفيدنا ونأمل أن تعيدوا النظر بها وإعادة العلاقات الدبلوماسية هي خطوة نتطلع إليها ونشجعها رغم أوضاعنا الصعبة، المملكة لا يمكن أن تغيب عن الساحة....وهذا الغياب لا يصب في صالح أحد) أجاب رحمه الله (لن تفتح المملكة سفارتها في بغداد بعد أن كذب علينا نوري المالكي ونقض جميع تعهداته) فوجئت بهذا الرد لكني علقت (ربما حصل سوء فهم فيما طرحه المالكي أو تعهد به في حواره معكم) أجاب (لم يكن هناك مجال لسوء الفهم وما عرضه نوري المالكي كان تعهدا مكتوبا حول إدارة العراق وتحقيق العدل والمساواة بين العراقيين جميعا وألا يسمح لدولة ما بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، لكنه كذب علينا ونكل بالتزاماته ولذلك المملكة لن تعيد فتح سفارتها طالما بقي موجودا في السلطة.) استرسل المغفور له بإذن الله تعالى قائلا (العراق بلد عشائري وهو ملك للجميع، فيه شيعة وفيه سنة وفيه أكراد وتركمان ومسيحيون ومسلمون....الخ والمملكة لا ترغب أن تكون بجانب طرف ضد طرف بل نريد لكم العيش كأخوة في بلد واحد ولا تسمحوا بأن يتدخل أحد بينكم ونحن مستعدون أن نساعدكم على ذلك) علقت قائلا (أتمنى أن يسمع نوري المالكي والزمرة الحاكمة هذا الموقف النبيل وهو يتهمنا ويتهم المملكة بالطائفية والإرهاب صباح مساء) وأضفت (مع الأسف هذا الموقف النبيل من جانبكم لن يغير من موقف بغداد منكم أو منا لأن موقفهم مغرض...هم يتهمون المملكة أنها وراء تفشي العنف والإرهاب ونحن ضالعون في ذلك أي إرهابيون...)...عدت إلى بغداد لأفاجأ بنوري المالكي وقد علق لافتات ضخمة على محيط ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد مطبوع عليها صورتي إلى جنب صورة الملك عبد الله وبيننا العلم الإسرائيلي!! أرسلت نسخة من هذه الصور للمملكة تأكيدا لكلامي، بأن مجرد وقوفهم على الحياد دون تدخل لن ينقذهم من سوء الظن والاتهامات الباطلة. وللتأريخ أقول إن المملكة ليست فقط لم تتدخل بل كانت سباقة لإغاثة العراقيين منذ الأيام الأولى للغزو عندما أرسلت العديد من المستشفيات السيارة المتنقلة عن طريق الأنبار، كما أنها خصصت مليارا وربع دولار لم تستثمر حتى الآن لأغراض الإعمار والخدمات إضافة إلى مساهمتها بنصف مليار دولار عام 2013 خصصت لأغراض الإغاثة عن طريق الأمم المتحدة.....وهناك بالتأكيد الكثير من هذا القبيل. رغم ذلك فقد كانت الأمنيات أن تلعب المملكة دورا في العراق أكبر بكثير مما ذكر، دورا يوازي مكانتها من جهة ويكافئ أهمية العراق الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى.شيء من الذاكرة حول حقيقة التدخل السعودي، والحاصل فإن عدم التدخل أغضب العرب السنة لكنه بالتأكيد لم يرض النخبة الموالية لطهران، موقف أغضب الطرفين. تهيأت فرصتان فريدتان لدور عربي فاعل تمثلت الأولى بمؤتمر القاهرة عام 2005 واتفاقية مكة عام 2006 لكنهما ضاعتا بسبب عظم التحديات في الداخل إلى جانب قصور الجامعة العربية في المتابعة، باستثناء ذلك غاب العرب عن المشهد العراقي، هذه هي الحقيقة، وتركوا فراغا هائلا وظفته إيران لصالحها، وسواء جاء موقف العرب بناء على تفاهمات أو ضغوط دولية، أو قصر نظر وسوء تقدير، أو انعاكسا من مخاوف مزعومة قد تنشأ من عراق قوي، أم لأسباب اقتصادية تتعلق بحصة العراق من النفط الخام في إطار منظمة الأوبك، فإن مآلات هذا الموقف بناء على قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث كانت كارثية على المصلحة العربية، وليس على العرب السنة أو عموم العراقيين فحسب. الموضوع عميق وشائك، لكن الأهم منه هو الحاضر والمستقبل، فإذا كانت الأمة قد قصرت في الماضي بشأن العرق فهل تراها استوعبت الدرس وعقلت وتوكلت لتعويض ما فات وتدارك ما حصل؟؟ شخصيا لا أرى ضياء في نهاية النفق...وكل ما أخشاه عندما تتغير الظروف للأفضل أن تملي علينا وجهات نظر ومشاريع قد لا تصب هي الأخرى في مصلحتنا الوطنية أو العربية لأننا ببساطة لم نقدم البديل بل تقاعسنا عن ترتيب أوضاعنا في المستقبل.سنة العراق غاضبون....طارق الهاشمينعم هذا هو واقع الحال، والإشارة وردت على لسان السفير السعودي ثامر السبهان في لقاء له مع قناة فضائية عراقية، حقيقة، العرب السنة ليسوا غاضبين على السعودية فحسب لكنهم غاضبون على عموم العرب مع بعض الاستثناء، وإجابة السفير كانت ردا على اتهام النخبة الموالية لإيران للسعودية بأنها لم تكف عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي لصالح السنة في العراق وهو خلاف الواقع، ولو كان قد حصل ما غضب السنة، لكنه باختصار لم يحصل إطلاقا. وبدلا عن ذلك واظبت السعودية على الوقوف عند مسافة واحدة من جميع المكونات الاجتماعية رغم تبدل الظروف والأحوال.لم يبن السفير إن كان الغضب في محله، وله مسوغاته أم لا؟ وأجيب شخصيا بالنيابة عنه أن الغضب كان في محله وهو تحصيل حاصل لموقف عام لم يكن مناسبا في تصورنا للظرف السائد في أي حال من الأحوال. لكن المملكة كغيرها من الدول لديها رؤيتها ومصالحها وهي تتصرف بناء على ذلك وليس بالضرورة بناء على تطلعات مكون كان ينتظر موقفا مغايرا. اختار أغلب العرب الجلوس على التل ومراقبة المشهد المحزن عن بعد حتى بالنسبة للدول التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع العراق، ولكل أسبابه ومبرراته، ورغم أن النخبة الحاكمة كانت ظاهريا تشجع على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية فإن نظرة الشك والعداء للعرب لم تتغير، والكل يتذكر حادثة اختطاف وقتل السفير المصري المغفور له إيهاب الشريف عام 2005 وحديثا ردة الفعل المتشنجة للنخبة الحاكمة الموالية لإيران على تصريحات السفير في اللقاء المذكور، رغم تأكيده بأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قضت بأن ينظر السفير لجميع العراقيين بعين واحدة وقلب واحد وعقل واحد. وهو نفس الموقف الذي لمسته شخصيا من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اختار ألا يكون للمملكة من دور أو تأثير على مجرى الأحداث في فترة ما بعد غزو العراق، والسبب كما قال لي رحمه الله وغفر له في لقاء معه على انفراد في قصر الجنادرية عام 2010 أنه يريد للملكة دورا لكن بعين الوقت لا يجر على المملكة أي اتهامات أو شبهات بأنها تعمل لصالح هذا المكون أو ذاك، وهذا المطلب بعيد المنال إذ سينظر للمملكة مهما اجتهدت أن تكون محايدة بأنها متحيزة للعرب السنة لهذا اخترنا عدم التدخل. أجبته (نحن لا نبغي إحراجكم ولا نحملكم فوق ما لا تقدرون عليه إنما نتطلع إلى مساعدتنا في ردع الآخرين ومنعهم من التدخل) وأضفت (سياسة الباب المسدود على العراق تضرنا ولا تفيدنا ونأمل أن تعيدوا النظر بها وإعادة العلاقات الدبلوماسية هي خطوة نتطلع إليها ونشجعها رغم أوضاعنا الصعبة، المملكة لا يمكن أن تغيب عن الساحة....وهذا الغياب لا يصب في صالح أحد) أجاب رحمه الله (لن تفتح المملكة سفارتها في بغداد بعد أن كذب علينا نوري المالكي ونقض جميع تعهداته) فوجئت بهذا الرد لكني علقت (ربما حصل سوء فهم فيما طرحه المالكي أو تعهد به في حواره معكم) أجاب (لم يكن هناك مجال لسوء الفهم وما عرضه نوري المالكي كان تعهدا مكتوبا حول إدارة العراق وتحقيق العدل والمساواة بين العراقيين جميعا وألا يسمح لدولة ما بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، لكنه كذب علينا ونكل بالتزاماته ولذلك المملكة لن تعيد فتح سفارتها طالما بقي موجودا في السلطة.) استرسل المغفور له بإذن الله تعالى قائلا (العراق بلد عشائري وهو ملك للجميع، فيه شيعة وفيه سنة وفيه أكراد وتركمان ومسيحيون ومسلمون....الخ والمملكة لا ترغب أن تكون بجانب طرف ضد طرف بل نريد لكم العيش كأخوة في بلد واحد ولا تسمحوا بأن يتدخل أحد بينكم ونحن مستعدون أن نساعدكم على ذلك) علقت قائلا (أتمنى أن يسمع نوري المالكي والزمرة الحاكمة هذا الموقف النبيل وهو يتهمنا ويتهم المملكة بالطائفية والإرهاب صباح مساء) وأضفت (مع الأسف هذا الموقف النبيل من جانبكم لن يغير من موقف بغداد منكم أو منا لأن موقفهم مغرض...هم يتهمون المملكة أنها وراء تفشي العنف والإرهاب ونحن ضالعون في ذلك أي إرهابيون...)...عدت إلى بغداد لأفاجأ بنوري المالكي وقد علق لافتات ضخمة على محيط ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد مطبوع عليها صورتي إلى جنب صورة الملك عبد الله وبيننا العلم الإسرائيلي!! أرسلت نسخة من هذه الصور للمملكة تأكيدا لكلامي، بأن مجرد وقوفهم على الحياد دون تدخل لن ينقذهم من سوء الظن والاتهامات الباطلة. وللتأريخ أقول إن المملكة ليست فقط لم تتدخل بل كانت سباقة لإغاثة العراقيين منذ الأيام الأولى للغزو عندما أرسلت العديد من المستشفيات السيارة المتنقلة عن طريق الأنبار، كما أنها خصصت مليارا وربع دولار لم تستثمر حتى الآن لأغراض الإعمار والخدمات إضافة إلى مساهمتها بنصف مليار دولار عام 2013 خصصت لأغراض الإغاثة عن طريق الأمم المتحدة.....وهناك بالتأكيد الكثير من هذا القبيل. رغم ذلك فقد كانت الأمنيات أن تلعب المملكة دورا في العراق أكبر بكثير مما ذكر، دورا يوازي مكانتها من جهة ويكافئ أهمية العراق الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى.شيء من الذاكرة حول حقيقة التدخل السعودي، والحاصل فإن عدم التدخل أغضب العرب السنة لكنه بالتأكيد لم يرض النخبة الموالية لطهران، موقف أغضب الطرفين. تهيأت فرصتان فريدتان لدور عربي فاعل تمثلت الأولى بمؤتمر القاهرة عام 2005 واتفاقية مكة عام 2006 لكنهما ضاعتا بسبب عظم التحديات في الداخل إلى جانب قصور الجامعة العربية في المتابعة، باستثناء ذلك غاب العرب عن المشهد العراقي، هذه هي الحقيقة، وتركوا فراغا هائلا وظفته إيران لصالحها، وسواء جاء موقف العرب بناء على تفاهمات أو ضغوط دولية، أو قصر نظر وسوء تقدير، أو انعاكسا من مخاوف مزعومة قد تنشأ من عراق قوي، أم لأسباب اقتصادية تتعلق بحصة العراق من النفط الخام في إطار منظمة الأوبك، فإن مآلات هذا الموقف بناء على قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث كانت كارثية على المصلحة العربية، وليس على العرب السنة أو عموم العراقيين فحسب. الموضوع عميق وشائك، لكن الأهم منه هو الحاضر والمستقبل، فإذا كانت الأمة قد قصرت في الماضي بشأن العرق فهل تراها استوعبت الدرس وعقلت وتوكلت لتعويض ما فات وتدارك ما حصل؟؟ شخصيا لا أرى ضياء في نهاية النفق...وكل ما أخشاه عندما تتغير الظروف للأفضل أن تملي علينا وجهات نظر ومشاريع قد لا تصب هي الأخرى في مصلحتنا الوطنية أو العربية لأننا ببساطة لم نقدم البديل بل تقاعسنا عن ترتيب أوضاعنا في المستقبل.
1728
| 31 يناير 2016
تصاعدت حدة التوتر بين بغداد وأنقرة خلال الأيام القليلة الماضية، بدعوى الاحتجاج على قيام تركيا مؤخرا بإرسال وحدة عسكرية محدودة العدة والعدد لغرض حماية فريق تدريب عسكري يتواجد في ضواحي الموصل منذ سنة ونصف بناء على طلب من رئيس الوزراء حيدر العبادي، تصرفت تركيا في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب وهو تتولى منذ ما يزيد على السنة والنصف تأهيل مقاتلين وإعدادهم للمشاركة في تحرير الموصل، ألم تنشر الولايات المتحدة مؤخرا قوات (برية) خاصة من المارينز إضافة لحماية فرق التدريب الأمريكية غرضها القيام بعمليات سرية داخل الأراضي العراقية؟ لم نسمع أن أحدا اعترض!! كان من المفروض أن يكون غرض استقدام هذه القوات كافيا للتعاطي مع الحدث بذهن مفتوح، آخذين بنظر الاعتبار أن اتفاقية بين العراق وتركيا كانت أبرمت في تسعينيات القرن الماضي تسمح للجيش التركي بملاحقة إرهابيين داخل الأراضي العراقية، جددت في زمن نوري المالكي وطالب بتفعيلها حيدر العبادي وبناء عليها أرسلت تركيا منذ أسابيع معدات عسكرية عاجلة للعراق جوا عن طريق مطار بغداد الدولي.منذ سنة ونصف والقوات التركية متواجدة في بعشيقة لأغراض التدريب والكل على علم بذلك وإثارتها في هذا الوقت يتزامن والحملة التي تتعرض لها تركيا من جانب روسيا وإيران بسبب الموقف المبدئي التركي من نظام بشار الأسد، لهذا نعتبر الضجة مغرضة ومفتعلة حرضت عليها الدولتان من باب الشغب السياسي ودفع العراق للارتماء أكثر في حضن إيران وحرمان العراق من أي منفعة تجنيها من خلال علاقات طبيعية مع تركيا وهو ما دأبت عليه إيران منذ عام 2003 وحرصت عليه روسيا مذ تدخلت في سوريا.من جانب آخر لابد من التنويه على البعد الطائفي لهذا الموقف وهو واضح وضوح الشمس، ذلك أن النخبة الموالية لإيران والتي تصنع القرار السياسي لا تريد أن ترى السنة أقوياء حتى لو كان الغرض المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ولهذا تم عرقلة مشروع قانون الحرس الوطني، كما تمنع حكومة العبادي تسليح عشائر الأنبار، أما الصدام مع البشمركة (كرد سنة) في الطوز وآمرلي والتهديد بحرب ضروس في سنجار فلا تفسير له غير ذلك، وفي هذا الإطار تندرج الحملة الدعائية المغرضة على تركيا والسعودية وقطر.. أن تكون سنيا فأنت لا مكان لك في العراق الجديد، يتساوى في ذلك العربي السني والكردي والتركي.السيادة ومنع التدخل والنفوذ الأجنبي مبدأ لا يختلف عليه أحد، لكن السؤال هل هو موجود على أرض الواقع فعلا؟ الحقائق الماثلة على الأرض هي التي تجيب، ترى كيف نفسر صولات وجولات الجنرال قاسم سليماني في صلاح الدين وكركوك وديالى وحزام بغداد ومعه جنرالات الحرس الثوري الإيراني في إيران، وبماذا نفسر غزوات جنودها بذريعة الزيارة الأربعينية كما حصل عبر منذ الشلامجة/البصرة عام 2014 وعبر منذ زرباطية منذ أيام، بل بماذا نفسر نفوذ إيران التخريبي في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع وبالطبع في الأمن، وماذا بقي من سيادة للعراق والقوات الغربية لا تكتفي باستباحة المجال الجوي فحسب بل هي موجودة على الأرض سواء كانت قوات خاصة أو تقليدية عامة تتحرك وفق أجندتها بعلم أو بجهل القائد العام للقوات المسلحة، بل نقول هل حصل في دولة ذات سيادة أن تجبر على تعليق طيرانها المدني كي تسمح لصواريخ كروز الروسية أن تعبر مجالها الجوي إلى دولة مجاورة وبكل ما ينطوي عليه ذلك من أخطار!! وهل المليشيات الأعلى ضجيجا في الحديث عن السيادة قد أبقت من سيادة للدولة العراقية بل من سلطة لحكومة حيدر العبادي والكل يعلم أنها بحكم الدستور تشكيلات مارقة وخارجة عن القانون؟هل يملك العراق قراره السيادي؟؟ الإجابة على ذلك بالطبع كلا والأدلة لا تعد ولا تحصى رغم ذلك لم نسمع أحدا من النخبة السياسية الحاكمة أثار هذا الموضوع من قريب أو بعيد.. والسبب معلوم.لكن السؤال المحير، هو لماذا نام حيدر العبادي على كل هذه الخروقات وصحى فجأة على انتشار قطعات محدودة بالعدة والعدد وصنع منها حدث الساعة، تصوروا كيف كانت ردة الفعل لو تصرفت تركيا كما تتصرف إيران... لو أرسلت تركيا جنرالاتها للحرب في المحافظات الساخنة؟ تصوروا لو حشدت مئات الألوف من الأتراك وحرضتهم - كما فعلت إيران - للهجوم على منفذ إبراهيم الخليل؟ تصوروا لو أرسلت راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة لدعم مليشيات عميلة بحجة محاربة الإرهاب؟ تصوروا لو صرح مسؤولوها بأن تركيا استعادت ميراث الدولة العثمانية وبات العراق ولاية من ولاياتها كما صرح كبار المسؤولين في إيران؟ ترى كيف كان من المتوقع أن تكون ردة الفعل؟.. إن موقف حيدر العبادي فضيحة، والضجة مفتعلة ولا تصب في صالح العراق ومن غير المقبول توظيف العراق العظيم ليصبح مخلب قط تحركه أجندة إيران أو روسيا، العراق أكبر من ذلك، وهو الخاسر في تردي العلاقات مع تركيا التي يرتبط معها بمصالح إستراتيجية تتعلق بحياة العراقيين، لقد حافظت تركيا على علاقات متوازنة مع الجميع كما أنها أسهمت بفعالية في تنمية عراق ما بعد الغزو ومدت يد العون والمساعدة للعراقيين في أحلك الظروف، وهي تفعل الشيء ذاته ولم تغفل مسؤوليتها حتى في احتضان وإيواء مئات الألوف من المهجرين الهاربين من الموت.. ويبقى العراق بأمس الحاجة لتركيا ولتجربتها الناجحة وتفوقها اللافت للنظر في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، إن المصلحة الوطنية تقتضي تفعيل 48 مذكرة تفاهم تخدم العراق في السياسة والاقتصاد والبناء والإعمار والأمن والثقافة.. إلخ، ونكرر ليس من مصلحة العراق التفريط بذلك كله لمجرد واقعة منعزلة فيها الكثير من سوء الفهم والمقصد يمكن تطويقها بالحوار الهادف البناء، وعلى حكومة العبادي أن تحذر وتنأى بنفسها عن سياسة المحاور لأن العراق سيكون الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، والذين يدفعون الموقف السياسي باتجاه معاداة تركيا عليهم أن يراجعوا أنفسهم وسياستهم قصيرة النظر هذه، وأن يضعوا حدا لحملة التصعيد التي لا مبرر لها تمهيدا لتطبيع العلاقات على عجل. نقول ذلك لا دفاعا عن تركيا ولكن حرص على مصلحة العراق.رب ضارة نافعة، والفرصة باتت سانحة ولا ينبغي تضييعها بل استثمارها من أجل فتح الملف السيادي كاملا ومراجعة ممارسات الدول ذات الصلة وعلى وجه الخصوص إيران والتحالف الدولي وروسيا، من أجل حصر جميع التجاوزات والانتهاكات تمهيد لمعالجتها وفق مقتضيات السيادة، وهنا لابد من التذكير بتفادي المعايير المزدوجة باعتبار السيادة مسؤولية وشرف لا يمكن المساومة عليها مهما كان مستوى العلاقات مع هذه الدولة أو تلك، ومتى فعلت حكومة حيدر العبادي ذلك فإنها تكون قد قدمت الدليل على نزاهة توجهاتها. لكني أشك أنها قادرة على تحمل مسؤوليتها والسبب أن القرار السياسي العراقي مختطف كون العراق مع الأسف بات دولة فاقدة للسيادة.
1674
| 15 ديسمبر 2015
النظام الإيراني لا يتدخل بشؤون العراق فحسب، لا ينهب ثرواته فحسب، لا يصدر إليه الفوضى والعنف والإرهاب فحسب، لا يخرب نسيجه الاجتماعي وثقافته فحسب، لا يعمل على تشويه هويته وانتمائه فحسب، لا يجعل منه شوكة في خاصرة أشقائه العرب والخليجيين على وجه التحديد فحسب... بل هو يفعل كل ذلك ويزيد، وهو بذلك غير معني بحقوق الجيرة، ولا بسيادة دولة، ولا بأمن واستقرار المنطقة، وحجته واضحة (العراق بات ضيعة من ضياع الإمبراطورية الفارسية) كما صرح المستشار يوسفي، و(العراق كان لنا في الماضي وهو ملك إيران في الحاضر ومن حقنا أن ندخل العراق دون إذن من أحد) الجنرال الإيراني عطا الله صالحي، المعلوم أن النظام الإيراني في إطار أجندته المشؤومة لن يتوقف عن إيذاء العراق بشتى الطرق والأساليب ما استطاع لذلك سبيلا. في هذا الإطار يمكن أن نفهم عدوان إيران الغادر يوم الإثنين الماضي عندما دفعت عبر نقطة زرباطية الحدودية بما لا يقل عن 500 – 750 ألفا من رعاياها لاجتياح الحدود بحجة زيارة الأربعينية، دون جوازات سفر ولا سمات دخول ولا تدقيق أمني أو صحي أو......إلخ، هذه ليست المرة الأولى، بل سبقتها حوادث مماثلة في الماضي في استباحة كاملة لسيادة الدولة العراقية وكرامتها. الناطق باسم الحكومة الإيرانية حاول أن يبرئ ساحتها من المسؤولية عندما ذكر أن النظام عجز عن كبح جماح هذه الحشود وفقد السيطرة عليها يدفعها الحنين والشوق لزيارة كربلاء، وهو، أي النظام، سوف يحاسب الأشخاص بعد عودتهم إلى أرض الوطن. أفضل تعليق على هذا التصريح البائس والذي يدعو للسخرية (حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له)، النظام الإيراني لا يسمح في العادة بتجمع خمسة أشخاص دون إذن مسبق، فكيف تجمعت هذه الحشود الكبيرة دون موافقته، ولو افترضنا صحة ادعائه فأين ذهبت قوة البسيج والمليشيات المرتبطة بالخامنئي، ناهيك عن الوزارات والأجهزة الأمنية التي بسبب ممارساتها القمعية يصنف النظام الإيراني بأنه شمولي. سؤال آخر، هل يسمح النظام الإيراني لمواطن إيراني واحد ومهما كانت الذرائع والأسباب أن يعبر نقطة حدودية إيرانية دون جواز سفر أو سمة دخول للدولة المقصودة؟؟ فكيف تسنى للآلاف العبور من نقطة حدود الجانب الإيراني، إن لم يكن النظام نفسه هو من سهل ودفع وأعان على هذا الغزو المدبر. بالتأكيد لن يعود منهم أحد والمطلوب منهم الاستقرار والانتشار بين العراقيين تمهيدا لتجنيسهم في القريب العاجل كما جرى في السابق، محافظة ديالى المنكوبة ومناطق حزام بغداد وسامراء والنخيب مرشحة لاستقبالهم وإيوائهم، إن وظيفتهم هي العمل كطابور خامس مجند لخدمة مصالح إيران، وتأكيدا لذلك ذكر العديد من شهود العيان أن الغالبية العظمى من الغزاة إنما كانوا شبابا قادرين على حمل السلاح وأغلب الظن أنهم ينتمون لمليشيات الحرس الثوري وفيلق القدس، مع بعض المرضى للتمويه ولا نستبعد أن يكونوا مصابين بالأمراض الانتقالية، كنقص المناعة المكتسبة كمرض الإيدز، الذي حذرت من انتشاره وزارة الصحة الإيرانية مؤخرا ونبهت إلى أن ثلثي المصابين غير معروفين ولا مسجلين وهم بالتالي بمثابة وباء متنقل من شأنه أن يفتك بالعراقيين دون رحمة، ولاسيَّما في المناطق المتوقع أن ينتشر فيها هؤلاء. لا أعتقد أن إيرانيا يزور العراق دون أن يحمل معه كمية من المخدرات، إما لاستخدامه الشخصي أو للاتجار بها، وهذه طامة كبرى أخرى على الشعب العراقي. موقف حكومة العبادي، حيث اكتفت ببيان لا يقدم ولا يؤخر، هو التواطؤ وكان بمقدورها لو أرادت أن تتخذ إجراءات استباقية أو لاحقة، أن تعزز النقطة الحدودية بقوات عسكرية كافية لردع المعتدين حال ملاحظتها هذه التجمعات المشبوهة وهي لاشك كانت تراقب تعاظم حشودهم خلال الأيام القليلة الماضية، كما كان بمقدورها لاحقا أن تعمل على تطويقهم وإجبارهم على العودة بالقوة، لكنها لم تفعل، بينما نراها قد استخدمت القوة المفرطة مع المواطنين العراقيين النازحين من الأنبار، ألم تحاصر الآلاف وحتى اللحظة وتمنع عبور حتى المرضى والمسنين والمعوقين والنساء والأطفال من جسر بزيبزغرب بغداد، ألم تحرم مئات الألوف من العوائل النازحة من حقها في العودة إلى محافظاتها ومناطق سكناها بعد تحريرها من تنظيم الدولة داعش!. للتعتيم على هذا العدوان الصارخ، انبرت أفواه فقدت الحس الوطني ومعاني العزة والكرامة في خطاب متهافت يحاول حرف الانتباه عن هذا العدوان إلى حوادث مفتعلة، حيث انشغلت عن قصد وسائل الإعلام الممولة من ميزانية الفقراء والمحرومين من الشعوب الإيرانية للترويج لأخبار مفبركة عن استقدام مائة ألف مقاتل أمريكي وعربي وتركي للعراق.. متجاهلة حقيقة ماثلة على الأرض في نقطة الحدود، حيث ما زال فعل الغوغاء ماثلا من دمار وخراب. أعلم ليس إيران فحسب تستبيح سيادة وطني رغم أنها الأكبر والأخطر، ذلك لأن أبعاد مخططها إستراتيجي ولا يقتصر على ردود أفعال تكتيكية أو طارئة كما هو حاصل بالنسبة لتدخل الآخرين، وهو مرفوض بالطبع، والمعروف أن غزوها للعراق لم يتوقف منذ عام 2003 أما اليوم فمستشاروها وقياديوها في الحرس الثوري وفيلق القدس بقيادة قاسم سليماني يشاركون بفعالية مع المليشيات الموالية لها، جهارا نهارا، وما حصل عبر زرباطية إنما هو تهديد مضاف. إيران تخطط لما هو أعظم وهي تتحسب لقادم الأيام، وهي تعلم أن بقاء الحال من المحال، والفرصة قد لا تتكرر، إذ العالم مشغول اليوم بمحاربة الإرهاب ويغض الطرف عن تجاوزات خطيرة من هذا النوع كما هو موقفه المخزي من طاغية الشام ولا أمل في مخاطبة المجتمع الدولي ولا حتى القريب منا والبعيد، إذ يبدو أن ملف العراق مؤجل، ولا مفر من أن يتحمل العراقيون أنفسهم كامل المسؤولية في تحويل (عراق حديقة إيران الخلفية) إلى (عراق يكوي بناره أصابع إيران) حتى تكف أذاها عن شعب العراق، بل شعوب المنطقة أجمع.
1640
| 07 ديسمبر 2015
الانتخابات التركية المبكرة التي جرت في الفاتح من نوفمبر كانت كبيرة في كل شيء، لايقتصر الأمر على الانتخابات نفسها باعتبارها ممارسة ديمقراطية وقد كانت كبيرة في مهنيتها ودقة تنظيمها وشفافيتها بل في وعي المواطن التركي ونضجه الذي انعكس في حجم المشاركة، بل تجاوز ذلك إلى النتائج و امتد ليشمل الاستحقاقات المترتبة على تلك النتائج، والتي تفرض على الحزب الفائز العدالة والتنمية تحديات كبيرة في الداخل والخارج. باختصار خرجت تركيا من هذه الانتخابات وهي أكبر.لم يحلم أحد ولم يتوقع حتى الحزب الحاكم نفسه الحصول على تلك النتائج الكبيرة التي تحققت، إذ كان من الصعب بل ربما من المستحيل أن ينتزع الحزب 59 مقعدا من الأحزاب الرئيسة المعارضة الثلاثة ويرتفع رصيده من 258 في الانتخابات السابقة إلى 317 مقعدا عما حققه في يونيو الماضي وأن يقنع مايقارب خمسة ملايين ناخب للتصويت لصالحه بجدارة وحكمة بعد أن كانوا صوتوا في الانتخابات السابقة للمعارضة، حصل ذلك خلال فترة قياسية لم تتعد خمسة شهور في خضم خلافات وطنية حول ملفات هامة تعني بتعديل الدستور وملفات الاقتصاد والامن والعلاقات الدولية وتمتد للحريات والحقوق الأساسية وغيرها، في هذه الانتخابات خرج فقط العدالة والتنمية فائزا بينما خسرت أحزاب المعارضة جميعها ، بل اللافت للنظر أن العدالة والتنمية حصل على أصوات جديدة في جميع ولايات تركيا 81 دون استثناء، إنه في الواقع فوز كاسح كبير. حزب العدالة والتنمية حصد أكثر المقاعد، وأكثر الاصوات، وتقدم الصفوف بفارق كبير 183 مقعدا عن أقرب الفائزين وهو حزب الشعب الجمهوري.وكانت تركيا شهدت حالة من الفوضى انهار فيها سعر الليرة التركية وتراجع الاقتصاد وزادت هجمات تنظيم الدولة على البلاد خاصة بعد موافقة تركيا على فتح قواعدها الجوية لطيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما إنهارالسلام مع به كه كه ( حزب العمال الكردي ) وعاشت تركيا أجواء محنة وطنية كان المفروض أن تدفع بأحزاب المعارضة القبول بعرض العدالة والتنمية تشكيل حكومة تحالف وطني، لكنها بدل ذلك تصرفت في إطار منطلقاتها الحزبية وحساسياتها الشخصية وهو ماانعكس على الخطاب السياسي الذي انصرف للسجال والمماحكات السياسية بدل الدعوة لوحدة الصف وتوحيد الكلمة لمواجهة التحديات الوطنية.كانت حالة عدم الاستقراركابوسا لم يعهده الاتراك خلال مايزيد على قرن من الزمن بعد أن كانوا تفاخروا ومعهم الإسلاميون في العالم بأن تركيا الجديدة إنما تصنع النموذج المنتظر لنمط في الحكم ناجح، ركيزته بلد متماسك ينعم بإقتصاد مزدهر. وكانت الأجواء المشحونة والمتوترة هي التي دخل في ظلها الأتراك الانتخابات يوم الأحد الماضي الأول من نوفمبر / نوفمبر.رغم ذلك لم يؤثر هذا السجال الوطني حول مسائل جوهرية على نفسية الناخب التركي بل حصل العكس إذ شارك مايقارب 86 % ممن يحق لهم الانتخاب في هذه الانتخابات، وهذه ظاهرة تسجل لصالح وعي الشعب التركي ورغبته الأكيدة في رسم مستقبله السياسي والاقتصادي بنفسه، نسبة المشاركة هذه هي إحدى المعالم الكبرى للانتخابات.مع نضج سياسي شعبي مقترنا بذكاء حزب العدالة والتنمية في إدارة الحملة الانتخابية صوت الشعب التركي لتركيا أفضل، أمنا و إستقرارا وإزدهارا، وأستطاعت تركيا أن تخرج من تجربة الشهور الخمسة الماضية بكل مافيها من إرهاصات ومنغصات وهي أصلب عودا، مايؤهلها التصدي بنجاح لتحديات كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي. الشعب التركي صوت لتركيا قوية، بزعامة قوية، وحكومة قوية، وهو مطلب لن يتحقق دون حكومة يمكن أن يشكلها حزب واحد. وبعد أن استقر غبار المعركة وخفتت الاصوات وهدأت النفوس وقبلت النتائج رغم أنها ليست نهائية، راحت السكرة وحلت الفكرة، وحان وقت العمل، ربما خلال إسبوع حيث يشكل الحزب الفائز حكومة جديدة لوحده وعندها يكون قد أزف أجل السداد. لقد أصبحت الانتخابات البرلمانية الأخيرة جزءا من الماضي وتحولت الأنظار الآن إلى الوعود التي قطعها العدالة والتنمية على نفسه خلال الحملة الانتخابية ساعيا قيادته دفة الحكم منفردا وهذا ماتحقق.مكافحة الإرهاب وتكريس الأمن، تعزيز الاقتصاد وتحقيق المزيد من الرفاه ، التمحور حول الهوية الوطنية، معالجة ظاهرة الاستقطاب السياسي والانقسام الوطني الحاد، معالجة تداعيات وإنعكاسات حالة الفوضى والاضطراب في الدول المجاورة، سوريا والعراق، الدور المحوري الأقليمي المنتظر...تحديات ذات أسبقية على أجندة الحكومة المقبلة، هي بالتاكيد بحاجة الى حكومة قوية متماسكة وليست حكومة شركاء متشاكسون تضيع فيها مصالح الوطن والمواطن في جدل عقيم أوسجالات ومناكفات لانهاية لها، لكن طريقا سالكا دون مطبات تمضي فيه مسيرة الإصلاح بسلاسة وسرعة ويسر يبقى بحاجة لمشاركة الجميع، وهو ماأكده رئيس الوزراء التركي "أحمد داود أوغلو"، عن عزم حزب العدالة والتنمية العمل خلال الفترة المقبلة بنهج مختلف، خال من كافة أشكال الإقصاء والاستقطاب والعنف...حسب قوله. لكن المهمة تتجاوز إصلاح مافسد خلال الشهور الخمسة الى ماهو أكبر أي تغييرنمط نظام الحكم مايستدعي كتابة دستور جديد وهي المهمة التي كما ذكر نائب رئيس الحزب تحظى بالأهمية المطلقة.حيث أعرب جليك عن الحاجة الشديدة إلى دستور جديد في البلاد من أجل الاستجابة لنمو الاقتصاد والديمقراطية التركية، ومقارعة بعض التحديات في العالم المعاصر، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق حزب العدالة فقط، وإنما على كافة النواب الذين أوصلهم الشعب إلى البرلمان...على حد قوله.وهذا دليل شعور بالمسؤولية الوطنية وهومؤشر جديد على نية حزب العدالة والتنمية عدم الانفراد بالحكم رغم قدرته على تشكيل الحكومة منفردا. الأهداف التي سطرها حزب العدالة والتنمية كبيرة لكنها مع ذلك ليست طوباوية أو خيالية، إنها لم تصدر عن قيادة حالمة هدفها دغدغة عواطف الناخب بل هي أهداف واقعية ممكنة التنفيذ كانت إعتمدت بناءا على تحليل موضوعي وحاجة حقيقية، وتأتي في إطار المسيرة النهضوية لحزب العدالة والتنمية ورؤيته لتركيا عام 2023، ومن خلال العناوين الكبيرة الأربعة التي رفعها الرئيس أردوغان ( شعب واحد، علم واحد، وطن واحد، دولة واحدة ) لن يكون أمام تركيا مستحيل، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وما أكثر المتحقق منها على بحر الثلاث عشر سنة المنصرمة، بل ماأكثر ماسيتحقق منها حتى ذلك التأريخ.
828
| 12 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...
4743
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
2337
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
1494
| 30 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1455
| 30 يوليو 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...
1305
| 05 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
945
| 02 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
786
| 31 يوليو 2026
لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية...
573
| 01 أغسطس 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...
570
| 02 أغسطس 2026
في رثاء المغفور له الأمير الوالد الشيخ حمد...
516
| 02 أغسطس 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...
510
| 05 أغسطس 2026
كنت قد عاهدت نفسي منذ السابع من أكتوبر...
498
| 03 أغسطس 2026
مساحة إعلانية