رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نادى أردوغان: أيتها الأمة هبي مع الحق ومع الشرعية ردي على العدوان.. أجابت الأمة (لبيك أردوغان لبيك)... نداء وجهه الزعيم أردوغان مبكرا ليلة الخامس عشر والسادس عشر من يوليو الجاري إلى شعبه من خلال نافذة صغيرة هذا ما بقي لديه بعد أن حاصره الانقلابيون وحرموه من كل وسيلة اتصال وما أكثرها في هذه الأيام.. ورغم ذلك كانت النافذة كافية لقلب الطاولة على المتآمرين وزلزلة الأرض من تحت أقدامهم.. التفاتة ذكية ومنحة ربانية جاءت في اللحظة المناسبة كأنها قدر مكتوب وهي كذلك قطعا، مكنت الزعيم من الإطلال على شعبه، ظهر الزعيم في لحظة فارقة كان يحتاجها الشعب التركي ليطمئن أولا على سلامة زعيمه وليراه كما كان يلتقيه في كل مرة خطيبا مفوها، واثقا من نفسه متماسكا صارما عزوما وليستمع إلى توجيهاته ويتحرك بناء عليها ثانيا، وهذا ما حصل. قضى على الانقلاب الغادر في هذه اللحظة الفارقة ليس قبلها وليس بعدها، عندها استجاب الشعب التركي وخرج إلى الشوارع والساحات بقضه وقضيضه ملبيا نداء زعيمه المحبوب، خرج شعب تركيا بكافة أطيافه وتلاوينه وأحزابه عن بكرة أبيه وانضم إلى زعيمه مقتنعا ومدافعا عن الشرعية والاستقرار والتقدم، متصديا ومواجها بصدوره العارية دبابات الانقلابيين...خرج وهو يرفض دكتاتورية العسكر وقمعهم وتسلطهم المعهود طبقا لسجلهم الأسود في أربعة انقلابات عسكرية سابقة جرت الخراب والدمار على تركيا.هبة الشعب التركي واستجابته لنداء الزعيم كانت بمثابة استفتاء جديد للتصويت على خيارين: إما التقدم والاستقرار والديمقراطية وإما الاستبداد والتخلف والفوضى.. واختار الشعب ما هو بصالحه وليؤكد للزعيم مرة أخرى "نحن معك لإنجاز المهمة الناجحة التي بدأت بها عام 2002 وسنبقى معك حتى النهاية".. حتى إكمال المهمة وأمام الجميع بالطبع أهداف خطة طموحة لعام 2023 والتي لا يمكن اعتبارها إلا نقلة نوعية تاريخية لا مثيل لها ستشهدها تركيا في مختلف مجالات الحياة. الانقلاب الغادر ما كان عدوانا على شخص، بل كان عدوانا على القيم النبيلة التي يحملها هذا الزعيم، بل عدوانا على المبادئ السامية التي يبشر بها هذا الزعيم بل على المواقف الجريئة والمنصفة التي عرف بها الزعيم رجب طيب أردوغان على مدى عقد ونصف من الزمن والتي بسببها أصبح نصير المستضعفين وبموجبها كسب احترام وحب شعبه بل حب كافة شعوب العالم الإسلامي أجمع. العدوان كان كبيرا.. بل كبيرا جدا.. ورغم أنه فشل فشلا ذريعا لكن التصدي لآثاره وانعكاساته المحتملة مهمة لا ينبغي أن ينهض بها الشعب التركي وحده فحسب، بل ينبغي أن يشاطره العبء كافة المظلومين والمضطهدين في العالم أجمع وعلى وجه الخصوص أولئك الذين احتضنتهم تركيا وفتحت أمامهم أبوابها وأراضيها بأريحية نادرة ووقفت معهم ضد الاستبداد والقهر، بل وضحت بسبب ذلك بالكثير من المصالح والفرص.. إنها فوق ذلك مهمة الشرفاء في العالم أجمع دولا وشعوبا أن لا يترددوا بل يسجلوا موقفا تاريخيا مشرفا ويساندوا تركيا في هذا الظرف الدقيق بالذات.. وقد كانت دولة قطر سباقة في هذا المجال كما هو عهدنا بها.
1562
| 19 يوليو 2016
صدر تقرير لجنة شيلكوت حول العراق The Iraq Inqiryبعد انتظار سبع سنوات، وهو بالمناسبة التقرير الحكومي الأهم حتى الآن والذي قام بمراجعة ملف الحرب على العراق عام 2003 وأجرى تقييما لمبررات الحرب وضرورتها إلى جانب الطريقة التي اعتمدت في صناعة القرار السياسي وأخيرا النتائج التي ترتبت على الغزو. شمل التقرير على 2.6 مليون كلمة واحتوى على 1500 وثيقة وكان خلاصة دراسة سبع سنوات ولقاء 120 شاهدا، وقد كنت التقيت مع اللجنة مرتين الأولى في لندن والثانية في بغداد خلال زيارة اللجنة.اعتبر التقرير الحرب بأنها لم تكن ضرورية وبأن إدارة العراق ما بعد الغزو كانت فاشلة، كما تم شن الحرب في غياب التوافق الدولي وتجاهل متعمد لدور مجلس الأمن كما اتخذ القرار متأثرا مرة بتقارير استخبارية مظللة ومرة بتضخيم متعمد لقدرات العراق في أسلحة الدمار الشامل. لم نلتفت كثيرا للتقرير نحن أصحاب القضية في العراق وتعاملنا معه بالإحباط وخيبة الأمل، ليس فقط لأن ما يشغلنا أكثر هو الوضع الكارثي الذي بتنا عليه في العراق وهو بالمناسبة نتيجة مباشرة للغزو بل لأن التقرير أهتم بالشأن البريطاني أكثر بكثير من اهتمامه المفترض بالنتائج، بل إن صحيفة التايمز اعتبرت التقرير بمثابة "حرب بلير الشخصية" ولهذا أثار التقرير جدلا في بريطانيا كأي مسألة داخلية تستقطب في العادة اهتمام الأحزاب والشعب البريطاني، حيث اعتبرت صحيفة التلغراف التقرير بمثابة لائحة اتهام شاملة للسياسات البريطانية في الفترة التي سبقت الصراع وتداعياته.التقرير بإيجاز انتقد قرار الذهاب للحرب وسلط الضوء على القصور في الجوانب الإجرائية والخلل في أداء المؤسسة الحكومية المعنية بموضوع الحرب والغرض في رأيي كان ينصرف إلى تحسين وتطوير الأداء الحكومي فحسب، من خلال إصلاح المؤسسة الحكومية البريطانية من أجل تحصينها من مغبة الوقوع في خطأ مماثل في المستقبل، وفي حديثه في برنامج "بلا حدود" قال ترافيرس"إن تقرير تشيلكوت كان له أثر حتى قبل إعلانه، وهو ما جعل من غير المرجح مشاركة بريطانيا في حرب أو عمل عسكري مستقبلا، وبالتالي أدى إلى خسارة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون التصويت في البرلمان بشأن مشاركة عسكرية في سوريا"، إلى جانب ذلك تغافل التقرير نقد قرار الحرب من الناحية القانونية أو الشرعية أو تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك القرار. لقد ذكرت صحيفة الجارديان تقرير تشيلكوت بأن محصلته كانت: دولة دمرت (إشارة إلى العراق) وثقة تهدمت (إشارة إلى بريطانيا) وسمعة تحطمت (إشارة إلى بلير)، بمعنى أن الضحية في المقام الأول كان العراق ورغم ذلك فإن التقرير لم يول المسألة العراقية كما أسهب في المسائل الوطنية البريطانية.من وجهة نظرنا كعراقيين لقد كنا نتطلع أن ينصفنا التقرير في مسائل ثلاث: إدانة الغزو واعتبار الحرب لا شرعية ولا قانونية واعتبار توني بلير مجرم حرب ثم تحميل الدول الغازية كلفة إعادة البناء وتعويض الخسائر المادية والبشرية، لكن التقرير لم يشر إلى أي من هذه المسائل التي من دونها يبدو التقرير باهتا ومنحازا. مع ذلك نتمنى أن يحظى اقتراح جيرمي كوربين زعيم حزب العمال القاضي بإدانة توني بلير ومحاسبته بالدعم البريطاني المطلوب، واستثمار ذلك كنافذة يمكن من خلالها المطالبة بالتعويض. إن ما يهمنا أكثر هو تحميل الغزاة كامل المسؤولية عن نتائج الغزو ومآلاته وتحميلهم تبعات إعادة ترميم العراق وبنائه، وطالما أقر التقرير بفشل (الأجهزة الاستخبارية والجيش والقيادة السياسية) إذا لابد من تحميل بريطانيا والولايات المتحدة النتائج الكارثية التي ترتبت على الغزو.وبالمناسبة كان بلير قد اعترف بأخطائه في مؤتمر صحفي عقده بعد نشر التقرير بقوله (أنا أتحمل كامل المسؤولية وأعبر عن ألمي وأسفي وأقدم اعتذاراتي) وهو كان يشير إلى إدارة العراق في فترة ما بعد الغزو والخسائر التي تحملتها العوائل البريطانية "179 قتيل والمئات من الجرحى" إضافة بالطبع للخسارة الهائلة التي تحملها العراق وعلى هذا الأساس وبصرف النظر سواء كانت الأخطاء مقصودة أو غير مقصودة فإن بريطانيا تصبح مسؤولة عن مضامين تلك الأخطاء وترميم ما نتج عنها من خراب ودمار في مختلف جوانب الحياة والسيادة ومن بينها تحرير العراق من الغزو الإيراني. وربما يسأل البعض أين أخطأت الدول الغازية في العراق لو افترضنا فيها حسن النية في تنفيذ ما وعدت به؟ والجواب على ذلك ابتداء من قرار الحرب على العراق الذي لم يكن مبررا ذلك أن الحرب لم تكن ضرورية لأن العراق في ذلك الوقت لم يكن يشكل أساسا أي تهديد للمصالح البريطانية ولا الغربية ولا حتى الدول المجاورة، وحتى لو كان هذا هو الحال فقد كان أمام حكومة بلير خيارات سياسية لم تستنفذها عشية شن الحرب على العراق، هكذا خلص التقرير.حكومة بلير لم تستنفذ الوسائل السياسية والدبلوماسية وذهبت لحرب لم تكن ضرورية بل حتى لم تكن شرعية ولا قانونية، وعندما حصل الغزو فإنه تم عن قصد تجاوز الهدف المحدد والمعلن وهو إسقاط نظام إلى تدمير وتفكيك دولة قائمة، الغزاة وعدوا بشيء لكنهم نفذوا شيئا آخر.لقد أخطأت الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا عندما قررتا الحرب على دولة ذات سيادة خلاف القانون الدولي وفي غياب قرار مجلس الأمن، كما أخطأتا لاحقا في إدارة العراق ما بعد الغزو، ولهذا كان الخطأ مضاعفا. أخطاء ما بعد الغزو - إن كانت حقا أخطاء ولم تكن جزءا من أجندة سرية – هي أخطاء لا حصر لها ولعل أبرزها النهب والتخريب المنظم بعد أيام من الغزو، تصفية الكوادر العلمية النادرة، تصفية قادة الجيش السابق وخيرة طياريه على وجه الخصوص، ثم حل الجيش وغياب العدالة الانتقالية وتسليم السلطة لأحزاب وشخصيات تم انتقاؤهم ليس على أساس الوطنية والكفاءة إلى جانب تأسيس نظام حكم على أساس المحاصصة والتنسيق السري مع إيران وإجبار العرب على الغياب عن المشهد العراقي، اعتذر توني بلير عن الأخطاء رغم أنه لم يعتذر عن الحرب نفسها، وطالما حصلت أخطاء فإنه لا مفر من محاسبة المخطئ إضافة لكذبه إذ اعتبرت التلجراف البريطانية أن الاتهام الرئيسي ضد بلير هو أنه كذب متعمدا على الشعب والبرلمان بشأن التهديد الذي يشكله صدام مباشرة لبريطانيا والغرب، وأضيف بل كذب على العالم أجمع في كل ما يتعلق بالحرب على العراق.أما نتائج الأخطاء التي مازالت ماثلة في المشهد العراقي فهي كثيرة ومتنوعة وتشمل مختلف الجوانب الأمنية والمؤسساتية والقيمية؟ إلا أن التحدي الأكبر هو الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والانقسام المجتمعي الحاد والفساد المستشري وشيوع حالة العنف والنفوذ التخريبي غير المسبوق لإيران.وفي هذا الصدد جاءت شهادة صحيفة "إندبندنت" بقولها، إن ذبح الأبرياء العراقيين، الذي تواطأت فيه بريطانيا، كان أكبر خطأ في التاريخ العالمي الحديث، ولا يمكن أن يُغفر أبدًا"، شهادة نحن بأمس الحاجة إليها لكن من حقنا أن نسأل وماذا بعد؟أمامنا كعراقيين فرصة البناء على الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير واستثمارها لغرض الحصول على قرار قضائي يجرم توني بلير وجورج بوش ويلزم الدولتين بالتعويض أولا وبمساعدتنا في بناء دولة حديثة مستدامة لكل العراقيين على أساس المواطنة ثانيا، لا أمل في مجلس الأمن، ولهذا الحاجة ماسة لفريق من المحامين الدوليين المتخصصين، ومتى ما تجاهلت الحكومة العراقية ذلك وهو المتوقع فلابد أن تتحمل المنظمات الحقوقية المعنية بحقوق الإنسان والمتعاطفة مع الشعب العراقي ذلك.الخراب والدمار، التحديات التي تواجهنا في العراق تثقل كاهل العراقيين وتتجاوز إمكاناتهم في إعادة البناء والتعمير لهذا لا مفر من دخول المجتمع الدولي على الخط ولاسيَّما الدولتين المعنيتين بحرب لم يكن لها مبرر كما ذكر التحقيق لإصلاح ما أفسدته. أخيرا، ربما يسأل البعض – وقد سئلت هذا السؤال كثيرا - رغم انتقاداتك لكنك شاركت في حكومة صنعها المحتل على عينه فكيف تبرر هذه المشاركة؟ لا أنكر ذلك وسبب مشاركتي كان يستند على قناعتي بأن المشاركة كانت ضرورية للعراقيين كي يعيدوا صناعة بلدهم الجديد بأيديهم كعراقيين ولا يتركون هذه المهمة للغزاة ولا يسمحون للآخرين وعلى وجه الخصوص إيران بالتدخل. النظرة كانت صحيحة في حينه على أساس القناعة بأن هناك فرصة حقيقية للعمل لكن ثبت بمرور الوقت أن المهمة تتجاوز إمكاناتنا وأن هذه القناعة لم تكن في محلها والفرصة لم تكن متاحة أصلا لبناء عراق.. الأمل، وهو أمر يدعو لأسف بالغ.
2020
| 13 يوليو 2016
يوم أمس انطلقت في إسطنبول فعاليات مهرجان "شكرا.. تركيا" والذي سيتواصل على مدى ثلاثة أيام في برنامج متنوع تشارك فيه الجالية العربية المقيمة في تركيا على تنوعها لتعلن عن امتنانها وشكرها لتركيا، رئيسا وحكومة وشعبا، اعترافا بالفضل وتعبيرا عن الوفاء وردا للجميل، وهو لا شك جميل لا يقدر بثمن، وهل هناك أغلى من الحرية والعيش الكريم وقد فقدتهما الملايين في أوطانها العربية بسبب القمع والاستبداد والتمييز وغياب العدالة، وعثرت عليها هنا في تركيا؟ التي اجتهدت بقدر ما تسمح به إمكاناتها وظروفها في تعويض اللاجئين المحرومين منهما في أوطانهم ودون مقابل. موقف ينطلق من مبادئ وقيم تميزت بها تركيا في عالم تطغى على سلوك دوله المصالح وحسابات الربح والخسارة، لهذا بات من الواجب أن نشكر تركيا وهو أقل ما ينبغي أن يقدمه المحرومون والمظلومون والمضطهدون. إلى جانب الملايين من العرب، هناك سبعمائة ألف عراقي مهجر من عموم العراق فروا بعد أن تعذرت الحياة طلبا للسلامة والعيش الكريم احتضنتهم تركيا، ولم تسألهم إلى أي عرق ينتمون، أو بأي دين يدينون، أو إلى أي طائفة ينتسبون؟ إنما قالت لهم "ادخلوها بسلام آمنين". وهم اليوم يتقاسمون مع إخوانهم الترك لقمة العيش وحبة الدواء ومقاعد الدراسة، جنبا إلى جنب مع بقية المهجرين من إخوانهم العرب المفجوعين بحكامهم وأنظمتهم، الذين جمعتهم مصائب تنهد منها الجبال وتشيب لهولها الولدان، وانقطعت بهم السبل وأعيتهم الحيل، وتلفتوا ذات اليمين وذات الشمال، فلم يجدوا غير هذه البلاد تفتح أبوابها، وتنفق عليهم من قوت شعبها ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار لتوفر لهم ما حرموا منه في أوطانهم. لقد أوفت تركيا بواجب الدين وبواجب التاريخ وبواجب الجوار، وتقدمت إلى العالم بتجربة إنسانية فريدة. نعم نجحت تركيا فيما فشل فيه الآخرون، ووفقت تركيا فيما تعثر فيه الآخرون، "فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا". لقد تأكد الآن الأمر للجميع بالفعل لا بالقول أو الادعاء الفارغ، وهناك الكثير من الدول صدعت رؤوسنا بحقوق الإنسان لكنها فشلت وتخلت في أول اختبار، وهكذا باتت مصداقية تركيا في الصدارة تعلو على غيرها في المبادئ والقيم وحقوق الإنسان ولا يعلو عليها أحد. ولهذا لا ينبغي أن يزايد عليها في هذا المجال وبعد الآن أحد. هذا الموقف ليس جديدا على تركيا وقد خبرت دورها ونبل مقاصدها في العراق منذ عام 2004، ولن أنسى جهودها الحقيقية في لم شمل العراقيين حول الهوية الوطنية العراقية وتشجيعهم على التعايش المشترك بل ومساعدتهم في التصدي للفتنة الطائفية لعن الله من أيقظها، والتي مزقت نسيجنا الاجتماعي بعد أن ظل متماسكا على مدى قرون من الزمن. لقد سجلت تركيا موقفا مشرفا في إغاثة النازحين، وفي توفير المئات من المنح في الجامعات التركية سنويا وفي استقبال الجرحى ضحايا العنف والإرهاب ومعالجتهم على نفقتها. وهكذا تستكمل تركيا اليوم دورها النبيل في توفير فرص الحياة الحرة والكريمة وتستقبل الملايين من المهجرين وتناديهم بألطف عبارة وأجمل اسم، فتقول لهم "أنتم أيها المهاجرون ضيوف، ونحن لكم أهل وأنصار"، مستلهمة بذلك مضامين الهجرة النبوية الشريفة، سعيدة مسرورة بهذا التشريف الرباني. حقا إنه التاريخ يعيد نفسه، موجات من المهاجرين تضطر للفرار بدينها وتهجر أوطانها قسرا وتلجأ إلى تركيا، إلى شعب الأنصار، بارك الله في الأنصار والمهاجرة. وهكذا في إطار هذا الخلق الإسلامي الرفيع تمتثل تركيا بقول الله عز وجل: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (9- الحشر)، وتعمل بالحديث الشريف: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، و"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". الشكر على المعروف فرض وواجب، ولكنه لا يكفي حتى يترجم هذا الشكر واقعا على الأرض، يجب أن نجتهد في أن نكون عونا لا عبئا، وأن يكون وجودنا على أرض تركيا سهلا لا صعبا، إن رد الجميل يتحقق في الانضباط وحسن السلوك في مراعاة القوانين والأنظمة والتكيف مع نمط الحياة، وعلينا أن نتذكر دوما أن تركيا مستهدفة من قوى الإرهاب والشر والاستبداد، تركيا مغضوب عليها لأنها فتحت الأبواب أمامنا واستقبلتنا وحمتنا، تركيا باتت قلعة للمظلومين والمحرومين والمضطهدين، ولسان حالهم ومحط آمالهم. لهذا ينبغي أن نكون عين تركيا الساهرة على الأمن، يد تركيا التي تحرك الاقتصاد، وفكر تركيا الذي يصنع الريادة والتقدم والابتكار، هذا هو البدل المطلوب.سنعود يوما إلى أوطاننا مرفوعي الرؤوس لأننا على الحق، شامخين بقاماتنا وإرثنا ومواقفنا ونهجنا رغم أنف الظلمة والفاسدين والمستبدين طال الزمن أو قصر، جولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة وسيعلم الذين ظلموا لمن عقبى الدار، وعندها سنتذكر هذه الأيام الجميلة التي قضيناها في ربوع تركيا الطيبة، بشعبها الكريم المعطاء ومن الوفاء أن يتواصل دعاؤنا لتركيا جيلا بعد جيل. رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات. في الختام، يأخذ البعض على الهاشمي انحيازه لتركيا، وفي هذا يصدقون وليس عندي ما أخفيه أو أتنصل منه، بل هو تزكية لموقفي أن تكون خياراتي موضوعية وليست عاطفية أو مصلحية، عندما أهوى دولة صديقة شقيقة لا لمصلحة شخصية بل أهواها لأنها ساعدت بلدي -ولا تزال- في تدارك آثار الغزو، في ضمان عراق حضاري موحد يتسع للجميع، أهواها لقيمها، لنواياها الطيبة، لأياديها البيضاء، لوقوفها بحزم وجرأة مع المظلومين والمحرومين، لحرصها ودأبها في صناعة نموذج للحياة فريد، وبالطبع لاعتزازها بإرثها وتاريخها وثقافتها الذي هو جزء أصيل في تاريخنا وإرثنا وحضارتنا. ولو كان انطباعي غير ذلك إذا لتغير الموقف. ولو سعى الآخرون كما سعت تركيا لكان موقفي منهم مشابها. ولهذا فإن هواي لا ينحصر في تركيا بل يمتد لدولة قطر وربما مستقبلا لغيرها.من جهة أخرى، أجد هذه الفعالية فريدة في نوعها، إذ حسب علمي لم يسبقها بل ربما حتى لم يفكر بها أحد، لكن الجالية العربية ذات خيال واسع تفتقت أذهانها لتكريم تركيا إزاء موقف إنساني كبير قل نظيره في الكلفة والجهد والتوقيت، وبالتالي بينما كانت الجالية جديرة بهذا الكرم والسخاء بسبب ما وقع عليها من ظلم وحرمان فإن تركيا جديرة بالشكر والثناء لأنها قدمت أفضل ما لديها عن أريحية وطيب خاطر، بل تقربا إلى الله سبحانه، احتفالية جاءت في زمانها لمن يستحق. شكرا للجالية... وشكرا لتركيا.
1157
| 24 أبريل 2016
الجدار الأسمنتي وحوله خندق يطوق بغداد من أقصاها إلى أقصاها، هو لاشك فكرة سيئة ارتبطت بذكريات إنسانية مخجلة لاحقت من ابتكرها أو عمل بها العار والشنار. في الماضي وحتى الحاضر استخدم الجدار لأغراض الفصل العنصري وعلى وجه الخصوص، في جنوب إفريقيا، وفي برلين، واليوم على أرض فلسطين الحبيبة... إلخ. أما في حالة العراق فقد عرفه العراقيون لأول مرة بعد الغزو عام 2003 حين نصبت جدرانا أسمنتية في بغداد وفي غيرها من المحافظات قطعت أوصال المدن والقرى وشوهت مناظرها وأوجدت لأول مرة ثقافة الجيتو في المجتمع العراقي الواحد. التاريخ يعيد نفسه، فقد نصب الجدار الأسمنتي بعد الغزو وبات قرينا للخطط الأمنية، واليوم يعاد العمل بالأسمنت باعتباره جزءا من ممارسة أمنية شائعة -رغم فشلها- ما يعني أن العراق لم يتحرر حتى اللحظة من تداعيات ذلك الغزو المشؤوم. بالطبع ما كان هناك من ضير لاستعادة التجربة وتنفيذها، بل ما كان يحق لأحد أن يرفع الكارت الأحمر بالرفض والاستنكار لو أن التجربة كانت ناجحة أو أنها حققت أغراضها، وهي لم تكن كذلك، والدليل تفاقم الوضع الأمني الذي نحن عليه اليوم.مضامين هذا القرار عديدة، أولها أن تكرار الاعتماد على وسائل عتيقة فاشلة هو ليس فقط إقرار بفشل إدارة الملف الأمني على مدى ثلاث عشرة سنة، بل هو مؤشر على عقم الثقافة الأمنية وجدبها في ابتكار الجديد، طالما أن التجربة الماضية كانت فاشلة أمنيا فنحن مقبلون على مرحلة فاشلة جديدة بكل ما فيها من خسائر وتضحيات. الإرهاب لا يستهدف بغداد فحسب، بل هو يناور ويضرب أينما توافرت له فرصة. إذًا ماذا يعني حماية بغداد وترك سائر العراق إن لم يكن المقصود هو حماية المنطقة الخضراء التي باتت بسبب عظم التحدي الأمني بحاجة لخط دفاعي أوسع وأشمل؟. الجدار الأسمنتي يوحي بأن من داخل بغداد بات آمنا، وأن جميع القاطنين داخل السور هم مسالمون وأن المشكلة تكمن في المناطق خارج بغداد، وهو تقدير خاطئ والدليل سعة انتشار المسلحين، وأغلبهم متطرفون ميالون للعنف والإرهاب، هم من يقف خلف جرائم لازالت تضرب أمن بغداد سواء بالسيارات الملغمة والعبوات الناسفة أو بفرق الموت والجريمة المنظمة. المخاوف هي أن يؤسس الجدار والخندق لمشروع تقسيم العراق، والأخبار المقلقة حول ضم الكرمة والنخيب وربما غدا الفلوجة إلى داخل الجدار، تثير مخاوف مشروعة من جانب العرب السنة، ليس هذا فحسب وإنما احتمال أن يوظف الجدار ونقاط السيطرة العديدة المنتشرة فيه لعزل الناس بل حتى العوائل والعشائر وحرمانهم من حقهم المشروع بالانتقال الحر وهو ما يتعارض والدستور، تجربتنا المرة وما كانت تعانيه العوائل في جسر بزيبز والرزازة لازالت في الذاكرة. التعدي على أملاك المواطنين مرفوض دستوريا إلا لمصلحة عامة، وصحيح أن السور والخندق يعبر عن مرفق عام وليس خاصا، لكن ماذا عن تعويض الناس؟ وكيف وبأي مقدار؟ لا أحد يجيب على هذه الأسئلة.إن جميع مشاريع الدولة أصابها الفساد، وهذا المشروع لن يكون استثناء، وكان من المفترض في مشروع مثير للجدل كهذا أن يدرس بعناية أمنيا وماليا ويشترك في النقاش حوله مجلس النواب بلجانه المتخصصة والصحافة ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني، وهذا لم يحدث. وأخيرا، حكومة العبادي تلتمس العدل بالفصل والعزل واستخدام القوة فحسب، نعم لا شك هيبة الدولة مطلوبة واستخدام القوة لا مفر منه، لكن الأمن لن يتحقق بهذه الوسائل، الأمن لا يضمنه جدار ولا تحققه عزلة ولا يحصنه خندق، ولا تفرضه قوة تفتقر للتربية الوطنية والكفاءة والمهنية، الأمن صناعة العدل والمساواة ونبذ التمييز، هو مخرج من مخرجات التنمية والعدالة في توزيع الثروات، وبالطبع هو أيضا نتاج المهنية العالية للأجهزة الأمنية الوطنية، الأمن هم مشترك للحاكم والمحكوم، ويتعاظم دور الناس في الملف الأمني ويصبح تعاونهم مع الأجهزة الأمنية لا مفر منه كلما زاد منسوب الخطورة، لكن من يسعى لتعاونهم عليه أن يبرهن أنه يمثلهم بل ويحميهم.بهذه الوسائل والأساليب يتحقق الأمن وليس بغيرها، هذه حقيقة يفترض أنها معروفة للجميع بل وأصبحت شائعة، والدليل تجربة الدول الآمنة وما أكثرها، لهذا نستبعد أن يكون الغرض وراء إقامة هذا الجدار هو الأمن، بل نخشى فعلا أن تكون وراءه مقاصد أخرى. لقد فشلت هذه التجربة في الماضي وستفشل في المستقبل، والموضوع ذكرني بوقفة عامل كسرى عند قدمي سيدنا الفاروق عمر (رض) وكيف صعق لمنظره وهو يقول*:وراع صاحب كسرى أن رأى عمــــرا ... بين الرعية عطلا وهو راعيهــــاوعهده بملوك الفرس أن لهـــــــا ... سورا من الجند والأحراس يحميهارآه مستغرقا في نومه فـــــــــرأى ... فيه الجلالة في أسمى معانيهـــــافوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا ... ببردة كاد طول العهد يبليهــــــافهان في عينه ما كان يكبــــــــره ... من الأكاسر والدنيا بأيديهـــــــاأمنت لما أقمت العدل بينهـــــــــم ... فنمت نوم قرير العين هانيهـــــا!رضي الله عنك.. العادل عمرالأمن حلم جميل، وأمل بات يتطلع إليه الجميع، ومن البديهي والملف الأمني لازال يمثل التحدي الأكبر أمام الاستقرار والتنمية والتقدم، أن يبحث الجميع عن مقاربات مناسبة من المفروض أنها تتبلور من خلال تجربة مؤلمة عمرها ثلاث عشرة سنة، ونخشى في ظل تكرار الخطأ وعدم استيعاب الدروس أنها تطول.* الشاعر المرحوم حافظ إبراهيم
1268
| 10 فبراير 2016
نعم هذا هو واقع الحال، والإشارة وردت على لسان السفير السعودي ثامر السبهان في لقاء له مع قناة فضائية عراقية، حقيقة، العرب السنة ليسوا غاضبين على السعودية فحسب لكنهم غاضبون على عموم العرب مع بعض الاستثناء، وإجابة السفير كانت ردا على اتهام النخبة الموالية لإيران للسعودية بأنها لم تكف عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي لصالح السنة في العراق وهو خلاف الواقع، ولو كان قد حصل ما غضب السنة، لكنه باختصار لم يحصل إطلاقا. وبدلا عن ذلك واظبت السعودية على الوقوف عند مسافة واحدة من جميع المكونات الاجتماعية رغم تبدل الظروف والأحوال.لم يبن السفير إن كان الغضب في محله، وله مسوغاته أم لا؟ وأجيب شخصيا بالنيابة عنه أن الغضب كان في محله وهو تحصيل حاصل لموقف عام لم يكن مناسبا في تصورنا للظرف السائد في أي حال من الأحوال. لكن المملكة كغيرها من الدول لديها رؤيتها ومصالحها وهي تتصرف بناء على ذلك وليس بالضرورة بناء على تطلعات مكون كان ينتظر موقفا مغايرا. اختار أغلب العرب الجلوس على التل ومراقبة المشهد المحزن عن بعد حتى بالنسبة للدول التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع العراق، ولكل أسبابه ومبرراته، ورغم أن النخبة الحاكمة كانت ظاهريا تشجع على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية فإن نظرة الشك والعداء للعرب لم تتغير، والكل يتذكر حادثة اختطاف وقتل السفير المصري المغفور له إيهاب الشريف عام 2005 وحديثا ردة الفعل المتشنجة للنخبة الحاكمة الموالية لإيران على تصريحات السفير في اللقاء المذكور، رغم تأكيده بأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قضت بأن ينظر السفير لجميع العراقيين بعين واحدة وقلب واحد وعقل واحد. وهو نفس الموقف الذي لمسته شخصيا من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اختار ألا يكون للمملكة من دور أو تأثير على مجرى الأحداث في فترة ما بعد غزو العراق، والسبب كما قال لي رحمه الله وغفر له في لقاء معه على انفراد في قصر الجنادرية عام 2010 أنه يريد للملكة دورا لكن بعين الوقت لا يجر على المملكة أي اتهامات أو شبهات بأنها تعمل لصالح هذا المكون أو ذاك، وهذا المطلب بعيد المنال إذ سينظر للمملكة مهما اجتهدت أن تكون محايدة بأنها متحيزة للعرب السنة لهذا اخترنا عدم التدخل. أجبته (نحن لا نبغي إحراجكم ولا نحملكم فوق ما لا تقدرون عليه إنما نتطلع إلى مساعدتنا في ردع الآخرين ومنعهم من التدخل) وأضفت (سياسة الباب المسدود على العراق تضرنا ولا تفيدنا ونأمل أن تعيدوا النظر بها وإعادة العلاقات الدبلوماسية هي خطوة نتطلع إليها ونشجعها رغم أوضاعنا الصعبة، المملكة لا يمكن أن تغيب عن الساحة....وهذا الغياب لا يصب في صالح أحد) أجاب رحمه الله (لن تفتح المملكة سفارتها في بغداد بعد أن كذب علينا نوري المالكي ونقض جميع تعهداته) فوجئت بهذا الرد لكني علقت (ربما حصل سوء فهم فيما طرحه المالكي أو تعهد به في حواره معكم) أجاب (لم يكن هناك مجال لسوء الفهم وما عرضه نوري المالكي كان تعهدا مكتوبا حول إدارة العراق وتحقيق العدل والمساواة بين العراقيين جميعا وألا يسمح لدولة ما بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، لكنه كذب علينا ونكل بالتزاماته ولذلك المملكة لن تعيد فتح سفارتها طالما بقي موجودا في السلطة.) استرسل المغفور له بإذن الله تعالى قائلا (العراق بلد عشائري وهو ملك للجميع، فيه شيعة وفيه سنة وفيه أكراد وتركمان ومسيحيون ومسلمون....الخ والمملكة لا ترغب أن تكون بجانب طرف ضد طرف بل نريد لكم العيش كأخوة في بلد واحد ولا تسمحوا بأن يتدخل أحد بينكم ونحن مستعدون أن نساعدكم على ذلك) علقت قائلا (أتمنى أن يسمع نوري المالكي والزمرة الحاكمة هذا الموقف النبيل وهو يتهمنا ويتهم المملكة بالطائفية والإرهاب صباح مساء) وأضفت (مع الأسف هذا الموقف النبيل من جانبكم لن يغير من موقف بغداد منكم أو منا لأن موقفهم مغرض...هم يتهمون المملكة أنها وراء تفشي العنف والإرهاب ونحن ضالعون في ذلك أي إرهابيون...)...عدت إلى بغداد لأفاجأ بنوري المالكي وقد علق لافتات ضخمة على محيط ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد مطبوع عليها صورتي إلى جنب صورة الملك عبد الله وبيننا العلم الإسرائيلي!! أرسلت نسخة من هذه الصور للمملكة تأكيدا لكلامي، بأن مجرد وقوفهم على الحياد دون تدخل لن ينقذهم من سوء الظن والاتهامات الباطلة. وللتأريخ أقول إن المملكة ليست فقط لم تتدخل بل كانت سباقة لإغاثة العراقيين منذ الأيام الأولى للغزو عندما أرسلت العديد من المستشفيات السيارة المتنقلة عن طريق الأنبار، كما أنها خصصت مليارا وربع دولار لم تستثمر حتى الآن لأغراض الإعمار والخدمات إضافة إلى مساهمتها بنصف مليار دولار عام 2013 خصصت لأغراض الإغاثة عن طريق الأمم المتحدة.....وهناك بالتأكيد الكثير من هذا القبيل. رغم ذلك فقد كانت الأمنيات أن تلعب المملكة دورا في العراق أكبر بكثير مما ذكر، دورا يوازي مكانتها من جهة ويكافئ أهمية العراق الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى.شيء من الذاكرة حول حقيقة التدخل السعودي، والحاصل فإن عدم التدخل أغضب العرب السنة لكنه بالتأكيد لم يرض النخبة الموالية لطهران، موقف أغضب الطرفين. تهيأت فرصتان فريدتان لدور عربي فاعل تمثلت الأولى بمؤتمر القاهرة عام 2005 واتفاقية مكة عام 2006 لكنهما ضاعتا بسبب عظم التحديات في الداخل إلى جانب قصور الجامعة العربية في المتابعة، باستثناء ذلك غاب العرب عن المشهد العراقي، هذه هي الحقيقة، وتركوا فراغا هائلا وظفته إيران لصالحها، وسواء جاء موقف العرب بناء على تفاهمات أو ضغوط دولية، أو قصر نظر وسوء تقدير، أو انعاكسا من مخاوف مزعومة قد تنشأ من عراق قوي، أم لأسباب اقتصادية تتعلق بحصة العراق من النفط الخام في إطار منظمة الأوبك، فإن مآلات هذا الموقف بناء على قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث كانت كارثية على المصلحة العربية، وليس على العرب السنة أو عموم العراقيين فحسب. الموضوع عميق وشائك، لكن الأهم منه هو الحاضر والمستقبل، فإذا كانت الأمة قد قصرت في الماضي بشأن العرق فهل تراها استوعبت الدرس وعقلت وتوكلت لتعويض ما فات وتدارك ما حصل؟؟ شخصيا لا أرى ضياء في نهاية النفق...وكل ما أخشاه عندما تتغير الظروف للأفضل أن تملي علينا وجهات نظر ومشاريع قد لا تصب هي الأخرى في مصلحتنا الوطنية أو العربية لأننا ببساطة لم نقدم البديل بل تقاعسنا عن ترتيب أوضاعنا في المستقبل.سنة العراق غاضبون....طارق الهاشمينعم هذا هو واقع الحال، والإشارة وردت على لسان السفير السعودي ثامر السبهان في لقاء له مع قناة فضائية عراقية، حقيقة، العرب السنة ليسوا غاضبين على السعودية فحسب لكنهم غاضبون على عموم العرب مع بعض الاستثناء، وإجابة السفير كانت ردا على اتهام النخبة الموالية لإيران للسعودية بأنها لم تكف عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي لصالح السنة في العراق وهو خلاف الواقع، ولو كان قد حصل ما غضب السنة، لكنه باختصار لم يحصل إطلاقا. وبدلا عن ذلك واظبت السعودية على الوقوف عند مسافة واحدة من جميع المكونات الاجتماعية رغم تبدل الظروف والأحوال.لم يبن السفير إن كان الغضب في محله، وله مسوغاته أم لا؟ وأجيب شخصيا بالنيابة عنه أن الغضب كان في محله وهو تحصيل حاصل لموقف عام لم يكن مناسبا في تصورنا للظرف السائد في أي حال من الأحوال. لكن المملكة كغيرها من الدول لديها رؤيتها ومصالحها وهي تتصرف بناء على ذلك وليس بالضرورة بناء على تطلعات مكون كان ينتظر موقفا مغايرا. اختار أغلب العرب الجلوس على التل ومراقبة المشهد المحزن عن بعد حتى بالنسبة للدول التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع العراق، ولكل أسبابه ومبرراته، ورغم أن النخبة الحاكمة كانت ظاهريا تشجع على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية فإن نظرة الشك والعداء للعرب لم تتغير، والكل يتذكر حادثة اختطاف وقتل السفير المصري المغفور له إيهاب الشريف عام 2005 وحديثا ردة الفعل المتشنجة للنخبة الحاكمة الموالية لإيران على تصريحات السفير في اللقاء المذكور، رغم تأكيده بأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قضت بأن ينظر السفير لجميع العراقيين بعين واحدة وقلب واحد وعقل واحد. وهو نفس الموقف الذي لمسته شخصيا من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اختار ألا يكون للمملكة من دور أو تأثير على مجرى الأحداث في فترة ما بعد غزو العراق، والسبب كما قال لي رحمه الله وغفر له في لقاء معه على انفراد في قصر الجنادرية عام 2010 أنه يريد للملكة دورا لكن بعين الوقت لا يجر على المملكة أي اتهامات أو شبهات بأنها تعمل لصالح هذا المكون أو ذاك، وهذا المطلب بعيد المنال إذ سينظر للمملكة مهما اجتهدت أن تكون محايدة بأنها متحيزة للعرب السنة لهذا اخترنا عدم التدخل. أجبته (نحن لا نبغي إحراجكم ولا نحملكم فوق ما لا تقدرون عليه إنما نتطلع إلى مساعدتنا في ردع الآخرين ومنعهم من التدخل) وأضفت (سياسة الباب المسدود على العراق تضرنا ولا تفيدنا ونأمل أن تعيدوا النظر بها وإعادة العلاقات الدبلوماسية هي خطوة نتطلع إليها ونشجعها رغم أوضاعنا الصعبة، المملكة لا يمكن أن تغيب عن الساحة....وهذا الغياب لا يصب في صالح أحد) أجاب رحمه الله (لن تفتح المملكة سفارتها في بغداد بعد أن كذب علينا نوري المالكي ونقض جميع تعهداته) فوجئت بهذا الرد لكني علقت (ربما حصل سوء فهم فيما طرحه المالكي أو تعهد به في حواره معكم) أجاب (لم يكن هناك مجال لسوء الفهم وما عرضه نوري المالكي كان تعهدا مكتوبا حول إدارة العراق وتحقيق العدل والمساواة بين العراقيين جميعا وألا يسمح لدولة ما بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، لكنه كذب علينا ونكل بالتزاماته ولذلك المملكة لن تعيد فتح سفارتها طالما بقي موجودا في السلطة.) استرسل المغفور له بإذن الله تعالى قائلا (العراق بلد عشائري وهو ملك للجميع، فيه شيعة وفيه سنة وفيه أكراد وتركمان ومسيحيون ومسلمون....الخ والمملكة لا ترغب أن تكون بجانب طرف ضد طرف بل نريد لكم العيش كأخوة في بلد واحد ولا تسمحوا بأن يتدخل أحد بينكم ونحن مستعدون أن نساعدكم على ذلك) علقت قائلا (أتمنى أن يسمع نوري المالكي والزمرة الحاكمة هذا الموقف النبيل وهو يتهمنا ويتهم المملكة بالطائفية والإرهاب صباح مساء) وأضفت (مع الأسف هذا الموقف النبيل من جانبكم لن يغير من موقف بغداد منكم أو منا لأن موقفهم مغرض...هم يتهمون المملكة أنها وراء تفشي العنف والإرهاب ونحن ضالعون في ذلك أي إرهابيون...)...عدت إلى بغداد لأفاجأ بنوري المالكي وقد علق لافتات ضخمة على محيط ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد مطبوع عليها صورتي إلى جنب صورة الملك عبد الله وبيننا العلم الإسرائيلي!! أرسلت نسخة من هذه الصور للمملكة تأكيدا لكلامي، بأن مجرد وقوفهم على الحياد دون تدخل لن ينقذهم من سوء الظن والاتهامات الباطلة. وللتأريخ أقول إن المملكة ليست فقط لم تتدخل بل كانت سباقة لإغاثة العراقيين منذ الأيام الأولى للغزو عندما أرسلت العديد من المستشفيات السيارة المتنقلة عن طريق الأنبار، كما أنها خصصت مليارا وربع دولار لم تستثمر حتى الآن لأغراض الإعمار والخدمات إضافة إلى مساهمتها بنصف مليار دولار عام 2013 خصصت لأغراض الإغاثة عن طريق الأمم المتحدة.....وهناك بالتأكيد الكثير من هذا القبيل. رغم ذلك فقد كانت الأمنيات أن تلعب المملكة دورا في العراق أكبر بكثير مما ذكر، دورا يوازي مكانتها من جهة ويكافئ أهمية العراق الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى.شيء من الذاكرة حول حقيقة التدخل السعودي، والحاصل فإن عدم التدخل أغضب العرب السنة لكنه بالتأكيد لم يرض النخبة الموالية لطهران، موقف أغضب الطرفين. تهيأت فرصتان فريدتان لدور عربي فاعل تمثلت الأولى بمؤتمر القاهرة عام 2005 واتفاقية مكة عام 2006 لكنهما ضاعتا بسبب عظم التحديات في الداخل إلى جانب قصور الجامعة العربية في المتابعة، باستثناء ذلك غاب العرب عن المشهد العراقي، هذه هي الحقيقة، وتركوا فراغا هائلا وظفته إيران لصالحها، وسواء جاء موقف العرب بناء على تفاهمات أو ضغوط دولية، أو قصر نظر وسوء تقدير، أو انعاكسا من مخاوف مزعومة قد تنشأ من عراق قوي، أم لأسباب اقتصادية تتعلق بحصة العراق من النفط الخام في إطار منظمة الأوبك، فإن مآلات هذا الموقف بناء على قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث كانت كارثية على المصلحة العربية، وليس على العرب السنة أو عموم العراقيين فحسب. الموضوع عميق وشائك، لكن الأهم منه هو الحاضر والمستقبل، فإذا كانت الأمة قد قصرت في الماضي بشأن العرق فهل تراها استوعبت الدرس وعقلت وتوكلت لتعويض ما فات وتدارك ما حصل؟؟ شخصيا لا أرى ضياء في نهاية النفق...وكل ما أخشاه عندما تتغير الظروف للأفضل أن تملي علينا وجهات نظر ومشاريع قد لا تصب هي الأخرى في مصلحتنا الوطنية أو العربية لأننا ببساطة لم نقدم البديل بل تقاعسنا عن ترتيب أوضاعنا في المستقبل.
1662
| 31 يناير 2016
تصاعدت حدة التوتر بين بغداد وأنقرة خلال الأيام القليلة الماضية، بدعوى الاحتجاج على قيام تركيا مؤخرا بإرسال وحدة عسكرية محدودة العدة والعدد لغرض حماية فريق تدريب عسكري يتواجد في ضواحي الموصل منذ سنة ونصف بناء على طلب من رئيس الوزراء حيدر العبادي، تصرفت تركيا في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب وهو تتولى منذ ما يزيد على السنة والنصف تأهيل مقاتلين وإعدادهم للمشاركة في تحرير الموصل، ألم تنشر الولايات المتحدة مؤخرا قوات (برية) خاصة من المارينز إضافة لحماية فرق التدريب الأمريكية غرضها القيام بعمليات سرية داخل الأراضي العراقية؟ لم نسمع أن أحدا اعترض!! كان من المفروض أن يكون غرض استقدام هذه القوات كافيا للتعاطي مع الحدث بذهن مفتوح، آخذين بنظر الاعتبار أن اتفاقية بين العراق وتركيا كانت أبرمت في تسعينيات القرن الماضي تسمح للجيش التركي بملاحقة إرهابيين داخل الأراضي العراقية، جددت في زمن نوري المالكي وطالب بتفعيلها حيدر العبادي وبناء عليها أرسلت تركيا منذ أسابيع معدات عسكرية عاجلة للعراق جوا عن طريق مطار بغداد الدولي.منذ سنة ونصف والقوات التركية متواجدة في بعشيقة لأغراض التدريب والكل على علم بذلك وإثارتها في هذا الوقت يتزامن والحملة التي تتعرض لها تركيا من جانب روسيا وإيران بسبب الموقف المبدئي التركي من نظام بشار الأسد، لهذا نعتبر الضجة مغرضة ومفتعلة حرضت عليها الدولتان من باب الشغب السياسي ودفع العراق للارتماء أكثر في حضن إيران وحرمان العراق من أي منفعة تجنيها من خلال علاقات طبيعية مع تركيا وهو ما دأبت عليه إيران منذ عام 2003 وحرصت عليه روسيا مذ تدخلت في سوريا.من جانب آخر لابد من التنويه على البعد الطائفي لهذا الموقف وهو واضح وضوح الشمس، ذلك أن النخبة الموالية لإيران والتي تصنع القرار السياسي لا تريد أن ترى السنة أقوياء حتى لو كان الغرض المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ولهذا تم عرقلة مشروع قانون الحرس الوطني، كما تمنع حكومة العبادي تسليح عشائر الأنبار، أما الصدام مع البشمركة (كرد سنة) في الطوز وآمرلي والتهديد بحرب ضروس في سنجار فلا تفسير له غير ذلك، وفي هذا الإطار تندرج الحملة الدعائية المغرضة على تركيا والسعودية وقطر.. أن تكون سنيا فأنت لا مكان لك في العراق الجديد، يتساوى في ذلك العربي السني والكردي والتركي.السيادة ومنع التدخل والنفوذ الأجنبي مبدأ لا يختلف عليه أحد، لكن السؤال هل هو موجود على أرض الواقع فعلا؟ الحقائق الماثلة على الأرض هي التي تجيب، ترى كيف نفسر صولات وجولات الجنرال قاسم سليماني في صلاح الدين وكركوك وديالى وحزام بغداد ومعه جنرالات الحرس الثوري الإيراني في إيران، وبماذا نفسر غزوات جنودها بذريعة الزيارة الأربعينية كما حصل عبر منذ الشلامجة/البصرة عام 2014 وعبر منذ زرباطية منذ أيام، بل بماذا نفسر نفوذ إيران التخريبي في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع وبالطبع في الأمن، وماذا بقي من سيادة للعراق والقوات الغربية لا تكتفي باستباحة المجال الجوي فحسب بل هي موجودة على الأرض سواء كانت قوات خاصة أو تقليدية عامة تتحرك وفق أجندتها بعلم أو بجهل القائد العام للقوات المسلحة، بل نقول هل حصل في دولة ذات سيادة أن تجبر على تعليق طيرانها المدني كي تسمح لصواريخ كروز الروسية أن تعبر مجالها الجوي إلى دولة مجاورة وبكل ما ينطوي عليه ذلك من أخطار!! وهل المليشيات الأعلى ضجيجا في الحديث عن السيادة قد أبقت من سيادة للدولة العراقية بل من سلطة لحكومة حيدر العبادي والكل يعلم أنها بحكم الدستور تشكيلات مارقة وخارجة عن القانون؟هل يملك العراق قراره السيادي؟؟ الإجابة على ذلك بالطبع كلا والأدلة لا تعد ولا تحصى رغم ذلك لم نسمع أحدا من النخبة السياسية الحاكمة أثار هذا الموضوع من قريب أو بعيد.. والسبب معلوم.لكن السؤال المحير، هو لماذا نام حيدر العبادي على كل هذه الخروقات وصحى فجأة على انتشار قطعات محدودة بالعدة والعدد وصنع منها حدث الساعة، تصوروا كيف كانت ردة الفعل لو تصرفت تركيا كما تتصرف إيران... لو أرسلت تركيا جنرالاتها للحرب في المحافظات الساخنة؟ تصوروا لو حشدت مئات الألوف من الأتراك وحرضتهم - كما فعلت إيران - للهجوم على منفذ إبراهيم الخليل؟ تصوروا لو أرسلت راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة لدعم مليشيات عميلة بحجة محاربة الإرهاب؟ تصوروا لو صرح مسؤولوها بأن تركيا استعادت ميراث الدولة العثمانية وبات العراق ولاية من ولاياتها كما صرح كبار المسؤولين في إيران؟ ترى كيف كان من المتوقع أن تكون ردة الفعل؟.. إن موقف حيدر العبادي فضيحة، والضجة مفتعلة ولا تصب في صالح العراق ومن غير المقبول توظيف العراق العظيم ليصبح مخلب قط تحركه أجندة إيران أو روسيا، العراق أكبر من ذلك، وهو الخاسر في تردي العلاقات مع تركيا التي يرتبط معها بمصالح إستراتيجية تتعلق بحياة العراقيين، لقد حافظت تركيا على علاقات متوازنة مع الجميع كما أنها أسهمت بفعالية في تنمية عراق ما بعد الغزو ومدت يد العون والمساعدة للعراقيين في أحلك الظروف، وهي تفعل الشيء ذاته ولم تغفل مسؤوليتها حتى في احتضان وإيواء مئات الألوف من المهجرين الهاربين من الموت.. ويبقى العراق بأمس الحاجة لتركيا ولتجربتها الناجحة وتفوقها اللافت للنظر في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، إن المصلحة الوطنية تقتضي تفعيل 48 مذكرة تفاهم تخدم العراق في السياسة والاقتصاد والبناء والإعمار والأمن والثقافة.. إلخ، ونكرر ليس من مصلحة العراق التفريط بذلك كله لمجرد واقعة منعزلة فيها الكثير من سوء الفهم والمقصد يمكن تطويقها بالحوار الهادف البناء، وعلى حكومة العبادي أن تحذر وتنأى بنفسها عن سياسة المحاور لأن العراق سيكون الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، والذين يدفعون الموقف السياسي باتجاه معاداة تركيا عليهم أن يراجعوا أنفسهم وسياستهم قصيرة النظر هذه، وأن يضعوا حدا لحملة التصعيد التي لا مبرر لها تمهيدا لتطبيع العلاقات على عجل. نقول ذلك لا دفاعا عن تركيا ولكن حرص على مصلحة العراق.رب ضارة نافعة، والفرصة باتت سانحة ولا ينبغي تضييعها بل استثمارها من أجل فتح الملف السيادي كاملا ومراجعة ممارسات الدول ذات الصلة وعلى وجه الخصوص إيران والتحالف الدولي وروسيا، من أجل حصر جميع التجاوزات والانتهاكات تمهيد لمعالجتها وفق مقتضيات السيادة، وهنا لابد من التذكير بتفادي المعايير المزدوجة باعتبار السيادة مسؤولية وشرف لا يمكن المساومة عليها مهما كان مستوى العلاقات مع هذه الدولة أو تلك، ومتى فعلت حكومة حيدر العبادي ذلك فإنها تكون قد قدمت الدليل على نزاهة توجهاتها. لكني أشك أنها قادرة على تحمل مسؤوليتها والسبب أن القرار السياسي العراقي مختطف كون العراق مع الأسف بات دولة فاقدة للسيادة.
1644
| 15 ديسمبر 2015
النظام الإيراني لا يتدخل بشؤون العراق فحسب، لا ينهب ثرواته فحسب، لا يصدر إليه الفوضى والعنف والإرهاب فحسب، لا يخرب نسيجه الاجتماعي وثقافته فحسب، لا يعمل على تشويه هويته وانتمائه فحسب، لا يجعل منه شوكة في خاصرة أشقائه العرب والخليجيين على وجه التحديد فحسب... بل هو يفعل كل ذلك ويزيد، وهو بذلك غير معني بحقوق الجيرة، ولا بسيادة دولة، ولا بأمن واستقرار المنطقة، وحجته واضحة (العراق بات ضيعة من ضياع الإمبراطورية الفارسية) كما صرح المستشار يوسفي، و(العراق كان لنا في الماضي وهو ملك إيران في الحاضر ومن حقنا أن ندخل العراق دون إذن من أحد) الجنرال الإيراني عطا الله صالحي، المعلوم أن النظام الإيراني في إطار أجندته المشؤومة لن يتوقف عن إيذاء العراق بشتى الطرق والأساليب ما استطاع لذلك سبيلا. في هذا الإطار يمكن أن نفهم عدوان إيران الغادر يوم الإثنين الماضي عندما دفعت عبر نقطة زرباطية الحدودية بما لا يقل عن 500 – 750 ألفا من رعاياها لاجتياح الحدود بحجة زيارة الأربعينية، دون جوازات سفر ولا سمات دخول ولا تدقيق أمني أو صحي أو......إلخ، هذه ليست المرة الأولى، بل سبقتها حوادث مماثلة في الماضي في استباحة كاملة لسيادة الدولة العراقية وكرامتها. الناطق باسم الحكومة الإيرانية حاول أن يبرئ ساحتها من المسؤولية عندما ذكر أن النظام عجز عن كبح جماح هذه الحشود وفقد السيطرة عليها يدفعها الحنين والشوق لزيارة كربلاء، وهو، أي النظام، سوف يحاسب الأشخاص بعد عودتهم إلى أرض الوطن. أفضل تعليق على هذا التصريح البائس والذي يدعو للسخرية (حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له)، النظام الإيراني لا يسمح في العادة بتجمع خمسة أشخاص دون إذن مسبق، فكيف تجمعت هذه الحشود الكبيرة دون موافقته، ولو افترضنا صحة ادعائه فأين ذهبت قوة البسيج والمليشيات المرتبطة بالخامنئي، ناهيك عن الوزارات والأجهزة الأمنية التي بسبب ممارساتها القمعية يصنف النظام الإيراني بأنه شمولي. سؤال آخر، هل يسمح النظام الإيراني لمواطن إيراني واحد ومهما كانت الذرائع والأسباب أن يعبر نقطة حدودية إيرانية دون جواز سفر أو سمة دخول للدولة المقصودة؟؟ فكيف تسنى للآلاف العبور من نقطة حدود الجانب الإيراني، إن لم يكن النظام نفسه هو من سهل ودفع وأعان على هذا الغزو المدبر. بالتأكيد لن يعود منهم أحد والمطلوب منهم الاستقرار والانتشار بين العراقيين تمهيدا لتجنيسهم في القريب العاجل كما جرى في السابق، محافظة ديالى المنكوبة ومناطق حزام بغداد وسامراء والنخيب مرشحة لاستقبالهم وإيوائهم، إن وظيفتهم هي العمل كطابور خامس مجند لخدمة مصالح إيران، وتأكيدا لذلك ذكر العديد من شهود العيان أن الغالبية العظمى من الغزاة إنما كانوا شبابا قادرين على حمل السلاح وأغلب الظن أنهم ينتمون لمليشيات الحرس الثوري وفيلق القدس، مع بعض المرضى للتمويه ولا نستبعد أن يكونوا مصابين بالأمراض الانتقالية، كنقص المناعة المكتسبة كمرض الإيدز، الذي حذرت من انتشاره وزارة الصحة الإيرانية مؤخرا ونبهت إلى أن ثلثي المصابين غير معروفين ولا مسجلين وهم بالتالي بمثابة وباء متنقل من شأنه أن يفتك بالعراقيين دون رحمة، ولاسيَّما في المناطق المتوقع أن ينتشر فيها هؤلاء. لا أعتقد أن إيرانيا يزور العراق دون أن يحمل معه كمية من المخدرات، إما لاستخدامه الشخصي أو للاتجار بها، وهذه طامة كبرى أخرى على الشعب العراقي. موقف حكومة العبادي، حيث اكتفت ببيان لا يقدم ولا يؤخر، هو التواطؤ وكان بمقدورها لو أرادت أن تتخذ إجراءات استباقية أو لاحقة، أن تعزز النقطة الحدودية بقوات عسكرية كافية لردع المعتدين حال ملاحظتها هذه التجمعات المشبوهة وهي لاشك كانت تراقب تعاظم حشودهم خلال الأيام القليلة الماضية، كما كان بمقدورها لاحقا أن تعمل على تطويقهم وإجبارهم على العودة بالقوة، لكنها لم تفعل، بينما نراها قد استخدمت القوة المفرطة مع المواطنين العراقيين النازحين من الأنبار، ألم تحاصر الآلاف وحتى اللحظة وتمنع عبور حتى المرضى والمسنين والمعوقين والنساء والأطفال من جسر بزيبزغرب بغداد، ألم تحرم مئات الألوف من العوائل النازحة من حقها في العودة إلى محافظاتها ومناطق سكناها بعد تحريرها من تنظيم الدولة داعش!. للتعتيم على هذا العدوان الصارخ، انبرت أفواه فقدت الحس الوطني ومعاني العزة والكرامة في خطاب متهافت يحاول حرف الانتباه عن هذا العدوان إلى حوادث مفتعلة، حيث انشغلت عن قصد وسائل الإعلام الممولة من ميزانية الفقراء والمحرومين من الشعوب الإيرانية للترويج لأخبار مفبركة عن استقدام مائة ألف مقاتل أمريكي وعربي وتركي للعراق.. متجاهلة حقيقة ماثلة على الأرض في نقطة الحدود، حيث ما زال فعل الغوغاء ماثلا من دمار وخراب. أعلم ليس إيران فحسب تستبيح سيادة وطني رغم أنها الأكبر والأخطر، ذلك لأن أبعاد مخططها إستراتيجي ولا يقتصر على ردود أفعال تكتيكية أو طارئة كما هو حاصل بالنسبة لتدخل الآخرين، وهو مرفوض بالطبع، والمعروف أن غزوها للعراق لم يتوقف منذ عام 2003 أما اليوم فمستشاروها وقياديوها في الحرس الثوري وفيلق القدس بقيادة قاسم سليماني يشاركون بفعالية مع المليشيات الموالية لها، جهارا نهارا، وما حصل عبر زرباطية إنما هو تهديد مضاف. إيران تخطط لما هو أعظم وهي تتحسب لقادم الأيام، وهي تعلم أن بقاء الحال من المحال، والفرصة قد لا تتكرر، إذ العالم مشغول اليوم بمحاربة الإرهاب ويغض الطرف عن تجاوزات خطيرة من هذا النوع كما هو موقفه المخزي من طاغية الشام ولا أمل في مخاطبة المجتمع الدولي ولا حتى القريب منا والبعيد، إذ يبدو أن ملف العراق مؤجل، ولا مفر من أن يتحمل العراقيون أنفسهم كامل المسؤولية في تحويل (عراق حديقة إيران الخلفية) إلى (عراق يكوي بناره أصابع إيران) حتى تكف أذاها عن شعب العراق، بل شعوب المنطقة أجمع.
1607
| 07 ديسمبر 2015
الانتخابات التركية المبكرة التي جرت في الفاتح من نوفمبر كانت كبيرة في كل شيء، لايقتصر الأمر على الانتخابات نفسها باعتبارها ممارسة ديمقراطية وقد كانت كبيرة في مهنيتها ودقة تنظيمها وشفافيتها بل في وعي المواطن التركي ونضجه الذي انعكس في حجم المشاركة، بل تجاوز ذلك إلى النتائج و امتد ليشمل الاستحقاقات المترتبة على تلك النتائج، والتي تفرض على الحزب الفائز العدالة والتنمية تحديات كبيرة في الداخل والخارج. باختصار خرجت تركيا من هذه الانتخابات وهي أكبر.لم يحلم أحد ولم يتوقع حتى الحزب الحاكم نفسه الحصول على تلك النتائج الكبيرة التي تحققت، إذ كان من الصعب بل ربما من المستحيل أن ينتزع الحزب 59 مقعدا من الأحزاب الرئيسة المعارضة الثلاثة ويرتفع رصيده من 258 في الانتخابات السابقة إلى 317 مقعدا عما حققه في يونيو الماضي وأن يقنع مايقارب خمسة ملايين ناخب للتصويت لصالحه بجدارة وحكمة بعد أن كانوا صوتوا في الانتخابات السابقة للمعارضة، حصل ذلك خلال فترة قياسية لم تتعد خمسة شهور في خضم خلافات وطنية حول ملفات هامة تعني بتعديل الدستور وملفات الاقتصاد والامن والعلاقات الدولية وتمتد للحريات والحقوق الأساسية وغيرها، في هذه الانتخابات خرج فقط العدالة والتنمية فائزا بينما خسرت أحزاب المعارضة جميعها ، بل اللافت للنظر أن العدالة والتنمية حصل على أصوات جديدة في جميع ولايات تركيا 81 دون استثناء، إنه في الواقع فوز كاسح كبير. حزب العدالة والتنمية حصد أكثر المقاعد، وأكثر الاصوات، وتقدم الصفوف بفارق كبير 183 مقعدا عن أقرب الفائزين وهو حزب الشعب الجمهوري.وكانت تركيا شهدت حالة من الفوضى انهار فيها سعر الليرة التركية وتراجع الاقتصاد وزادت هجمات تنظيم الدولة على البلاد خاصة بعد موافقة تركيا على فتح قواعدها الجوية لطيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما إنهارالسلام مع به كه كه ( حزب العمال الكردي ) وعاشت تركيا أجواء محنة وطنية كان المفروض أن تدفع بأحزاب المعارضة القبول بعرض العدالة والتنمية تشكيل حكومة تحالف وطني، لكنها بدل ذلك تصرفت في إطار منطلقاتها الحزبية وحساسياتها الشخصية وهو ماانعكس على الخطاب السياسي الذي انصرف للسجال والمماحكات السياسية بدل الدعوة لوحدة الصف وتوحيد الكلمة لمواجهة التحديات الوطنية.كانت حالة عدم الاستقراركابوسا لم يعهده الاتراك خلال مايزيد على قرن من الزمن بعد أن كانوا تفاخروا ومعهم الإسلاميون في العالم بأن تركيا الجديدة إنما تصنع النموذج المنتظر لنمط في الحكم ناجح، ركيزته بلد متماسك ينعم بإقتصاد مزدهر. وكانت الأجواء المشحونة والمتوترة هي التي دخل في ظلها الأتراك الانتخابات يوم الأحد الماضي الأول من نوفمبر / نوفمبر.رغم ذلك لم يؤثر هذا السجال الوطني حول مسائل جوهرية على نفسية الناخب التركي بل حصل العكس إذ شارك مايقارب 86 % ممن يحق لهم الانتخاب في هذه الانتخابات، وهذه ظاهرة تسجل لصالح وعي الشعب التركي ورغبته الأكيدة في رسم مستقبله السياسي والاقتصادي بنفسه، نسبة المشاركة هذه هي إحدى المعالم الكبرى للانتخابات.مع نضج سياسي شعبي مقترنا بذكاء حزب العدالة والتنمية في إدارة الحملة الانتخابية صوت الشعب التركي لتركيا أفضل، أمنا و إستقرارا وإزدهارا، وأستطاعت تركيا أن تخرج من تجربة الشهور الخمسة الماضية بكل مافيها من إرهاصات ومنغصات وهي أصلب عودا، مايؤهلها التصدي بنجاح لتحديات كبرى على الصعيدين الداخلي والخارجي. الشعب التركي صوت لتركيا قوية، بزعامة قوية، وحكومة قوية، وهو مطلب لن يتحقق دون حكومة يمكن أن يشكلها حزب واحد. وبعد أن استقر غبار المعركة وخفتت الاصوات وهدأت النفوس وقبلت النتائج رغم أنها ليست نهائية، راحت السكرة وحلت الفكرة، وحان وقت العمل، ربما خلال إسبوع حيث يشكل الحزب الفائز حكومة جديدة لوحده وعندها يكون قد أزف أجل السداد. لقد أصبحت الانتخابات البرلمانية الأخيرة جزءا من الماضي وتحولت الأنظار الآن إلى الوعود التي قطعها العدالة والتنمية على نفسه خلال الحملة الانتخابية ساعيا قيادته دفة الحكم منفردا وهذا ماتحقق.مكافحة الإرهاب وتكريس الأمن، تعزيز الاقتصاد وتحقيق المزيد من الرفاه ، التمحور حول الهوية الوطنية، معالجة ظاهرة الاستقطاب السياسي والانقسام الوطني الحاد، معالجة تداعيات وإنعكاسات حالة الفوضى والاضطراب في الدول المجاورة، سوريا والعراق، الدور المحوري الأقليمي المنتظر...تحديات ذات أسبقية على أجندة الحكومة المقبلة، هي بالتاكيد بحاجة الى حكومة قوية متماسكة وليست حكومة شركاء متشاكسون تضيع فيها مصالح الوطن والمواطن في جدل عقيم أوسجالات ومناكفات لانهاية لها، لكن طريقا سالكا دون مطبات تمضي فيه مسيرة الإصلاح بسلاسة وسرعة ويسر يبقى بحاجة لمشاركة الجميع، وهو ماأكده رئيس الوزراء التركي "أحمد داود أوغلو"، عن عزم حزب العدالة والتنمية العمل خلال الفترة المقبلة بنهج مختلف، خال من كافة أشكال الإقصاء والاستقطاب والعنف...حسب قوله. لكن المهمة تتجاوز إصلاح مافسد خلال الشهور الخمسة الى ماهو أكبر أي تغييرنمط نظام الحكم مايستدعي كتابة دستور جديد وهي المهمة التي كما ذكر نائب رئيس الحزب تحظى بالأهمية المطلقة.حيث أعرب جليك عن الحاجة الشديدة إلى دستور جديد في البلاد من أجل الاستجابة لنمو الاقتصاد والديمقراطية التركية، ومقارعة بعض التحديات في العالم المعاصر، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق حزب العدالة فقط، وإنما على كافة النواب الذين أوصلهم الشعب إلى البرلمان...على حد قوله.وهذا دليل شعور بالمسؤولية الوطنية وهومؤشر جديد على نية حزب العدالة والتنمية عدم الانفراد بالحكم رغم قدرته على تشكيل الحكومة منفردا. الأهداف التي سطرها حزب العدالة والتنمية كبيرة لكنها مع ذلك ليست طوباوية أو خيالية، إنها لم تصدر عن قيادة حالمة هدفها دغدغة عواطف الناخب بل هي أهداف واقعية ممكنة التنفيذ كانت إعتمدت بناءا على تحليل موضوعي وحاجة حقيقية، وتأتي في إطار المسيرة النهضوية لحزب العدالة والتنمية ورؤيته لتركيا عام 2023، ومن خلال العناوين الكبيرة الأربعة التي رفعها الرئيس أردوغان ( شعب واحد، علم واحد، وطن واحد، دولة واحدة ) لن يكون أمام تركيا مستحيل، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وما أكثر المتحقق منها على بحر الثلاث عشر سنة المنصرمة، بل ماأكثر ماسيتحقق منها حتى ذلك التأريخ.
780
| 12 نوفمبر 2015
برنامج الصندوق الأسود الذي بثته قناة الجزيرة الخميس قبل الماضي لم يعرض الصورة الكاملة لشخصية نوري المالكي، حتى فيما عرف عن سيرته الإرهابية، مع ذلك يبقى توثيق مثل هذه السير هاما للمتابعين للشأن العراقي في التعرف على واحدة من الشخصيات السياسية التي لعبت دورا تخريبيا مدمرا في فترة ما بعد الغزو. وقناة الجزيرة لاشك مشكورة في اهتمامها بذلك ونتمنى مواصلة هذا النهج لكشف المزيد من الغموض والألغاز التي رافقت العملية السياسية منذ عام 2003. في العادة (الصندوق الأسود) يحوي حقائق دامغة وأسرارا عادة ما تكون مفاجئة أو على الأقل غير متوقعة وربما باستثناء الشفرة السرية بين المالكي والمحتل الأمريكي والتي كشفت عنها وثائق ويكيلكس لم يعرض الصندوق الأسود للجزيرة شيئا جديدا، وإرث المالكي معروف للقاصي والداني باعتباره إرهابيا دوليا، وكان هو شخصيا اعترف به في مقابلات صحفية وبالطبع هو يصنفه (جهادا). المالكي مارس الإرهاب من بغداد إلى الكويت ولبنان سابقا وواصل نشاطه لاحقا في فترة عراق ما بعد الغزو عام 2003 واستهدف خيرة رجالات العراق من كبار ضباط الجيش السابق والطيارين والأطباء والعلماء والمهندسين.المعلومة الجديدة كما ذكرت ربما انحصرت في الكشف عن الشفرة السرية والتنسيق المباشر بين نوري المالكي القائد العام للقوات المسلحة المسؤول عن الملف الأمني حصرا بين عامي 2006 و2014 والذي ثبت وثائقيا أنه فعلا كان يقود فرق موت بنفسه بالتنسيق مع أجهزة الموساد الإسرائيلي والمخابرات المركزية الأمريكية وفيلق القدس الإيراني.. كأننا أمام فرق موت متعددة الجنسيات جمعها غرض واحد هو استهداف النخبة المثقفة والمؤهلة ينسق أنشطتها ويزودها بالمعلومات ويتستر على جرائمها نوري المالكي. شفرة سرية متفق عليها مع الاستخبارات المركزية الأمريكية أطلقت يد المجرم الإرهابي نوري المالكي في ارتكاب ما يشاء من جرائم إرهابية دون قيد أو شرط، وهو ما يميط اللثام عن العديد من الاغتيالات التي بقيت غامضة حتى اللحظة ولابد أنها نفذت تحت سمع القوات الأمريكية وبصرها لكنها لم تتدخل، بل وتجاهلتها، وللحقيقة والواقع فإن هذا الأمر لم يقتصر على حقبة نوري المالكي، بل حصل ذلك حتى في زمن إبراهيم الجعفري، وحادثة تفجير المرقدين العسكريين في سامراء عام 2006 وما تبعها غيض من فيض، حيث تجاهلت القوات الأمريكية المليشيات الإرهابية من جيش المهدي وهي تذبح مدنيين أبرياء في بغداد في حملة تطهير مفاجئة للعرب السنة انطلقت مباشرة بعد الحادثة، حينها لم تتدخل القوات الأمريكية وكانت قادرة لو أرادت على حماية أناس أبرياء لا علاقة لهم بالحادث من قريب أو بعيد، وتجاهلت نداءاتي ومناشداتي وكنت حينها أتقلد منصب الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، وهو دليل صارخ على وجود تفاهمات مسبقة.ومن باب العلم بالشيء، في عام 2009 قدم نوري المالكي ملفا إلى رئاسة الجمهورية احتوى على قصص عن جرائم مزعومة نسبها لي ولحماياتي رفضتها رئاسة الجمهورية واعتبرتها سردا قصصيا تافها، وحينها أسرني قيادي كردي بارز ساخرا من مزاعم نوري المالكي باتهاماته الباطلة لي قائلا (أي صفاقة يتصف بها المالكي في هذه الاتهامات الباطلة وهو من جاء إلى كردستان في شهر مارس من عام 2003 عارضا على الكرد خطة لتصفية البعثيين، خصوصا من العرب السنة بالتعاون بين حزب الدعوة والحزبين الكرديين الرئيسيين).يضيف القيادي الكردي قائلا: صدمنا بهذا العرض وكانت القيادات الكردية قد اتخذت قرارا بغلق ملف البعث واعتماد سياسة عفا الله عما سلف – حتى لمن أخطأ – وإطلاق مصالحة تستوعب جميع الكرد دون استثناء.. أجاب جواد المالكي وكان ما زال يعتمد اسمه الحركي في حينه، لكننا أي حزب الدعوة، سنمضي في هذا الاتجاه ولن نتأخر ونأمل أن لم تشاركونا أن تسهلوا مهمتنا.... أجاب القيادي الكردي بالاعتذار.. أعود للبرنامج، حيث لم يقدم صورة نوري المالكي الإرهابي كاملة، إذ كان المطلوب أن يكشف للرأي العام بالتفصيل عن الجهاز الأمني وأقصد فرق الموت التي كان يديرها الإرهابي المذكور وارتباطات هذا الجهاز بفرق موت تعود إلى أحزاب وتنظيمات موالية لإيران كفيلق بدر وفصائل الخزعلي وغيره في جيش المهدي، ومن كان المسؤول عن هذا الجهاز، وكيف تم تدريبه وتنظيمه وتجهيزه وتمويله وما هي الجرائم التي ارتكبها ومن هم الضحايا. وكما سلط البرنامج الضوء على جرائم إرهابية شارك فيها نوري المالكي إبان الثمانينيات من القرن الماضي كان من المفروض أن يكشف البرنامج بعضا من جرائمه في فترة ما بعد الغزو. لو اختار البرنامج جريمة واحدة من جرائم المالكي، وما أكثرها، وجرت متابعتها من ألفها إلى يائها، لكان أفضل في شد انتباه الجمهور ولسلط الضوء على شخصية المالكي الكاملة في كيفية إدارته لملف الإرهاب من خلال فرق الموت التابعة له. من جهة أخرى، الإرهاب لوحده لا يعبر عن شخصية المالكي، بل بعض منها، ومن أجل أن تكتمل الصورة كان لابد من تسليط الضوء على قيادته لمافيا الفساد ودوره في تبييض وغسيل الأموال، تفريطه بالسيادة ومصالح البلد العليا، مسؤوليته المباشرة في تضييع فرص التنمية وهدر الثروات.....إلخ، وكل منها ربما يصلح كحلقة جديدة في برنامج (الصندوق الأسود). ملاحظاتي بالطبع قابلة للنقاش وهي صحيحة تحتمل الخطأ، وهي في النهاية لن تؤثر على نجاح البرنامج الذي نأمل من قناة الجزيرة عرض المزيد منه.
1984
| 01 نوفمبر 2015
عندما تتعذر الحياة، ويفتقد المرء الأمن والكرامة والحرية، عندما تصبح الحقوق... مقعد التعليم أو فرصة العمل أو الزواج كأنها أحلام، عندما يحرم الإنسان من رغيف الخبز والدواء والسكن اللائق،... تصبح هذه الأرض التي يعيش عليها الفرد، أرض الآباء والأجداد والتي ترعرع فيها وعاش عليها حالما متأملا... ليست هي الوطن، وعندما يضطر الفرد للبحث عن وطن بديل.. فهوحقيقة لايبحث عن قطعة أرض في هذا العالم المترامي الأطراف بل يبحث عن ملاذ آمن، عن فرصة للعيش الكريم، حتى قال بنجامين فرانكلين (حيث تكون الحرية يكون الوطن) وهو في هذا التوصيف صادق ودقيق. الهجرة نشاط إنساني مشروع، والحياة اقترنت بالكرامة (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الآية 70 سورة الإسراء ومتى حصل الانفصال بين الحياة والكرامة باتت الهجرة مطلوبة بل مأمور بها (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..) الآية 97 سورة النساء.مع ذلك الهجرة خسارة صافية للوطن والأمة، بل هي كارثة إنسانية تنتظر الحل ولهذا ينبغي أن تتظافر الجهود وطنيا وإقليميا وعالميا من أجل الحد منها أولالكن متى حصلت لابد من تقديم المساعدة في توفير فرصة عيش ملائمة للآلاف من البشر الهائمين على وجوههم الهاربين من العنف، من القتل من الجوع من البرد من الظلم.. سمي التحديات كما تشاء. المنظمة السامية للاجئين التابعة للامم المتحدة تستغرق سنوات في التعامل مع طلبات اللجوء والرد عليها وليس من الضرورة أن تاتي بالموافقة مايدفع المشردين في البحث عن طرق غير مشروعة للهجرة خصوصا إلى أوروبا القارة الأقرب جغرافيا إلى المناطق الساخنة وعلى وجه الخصوص سوريا والعراق. وعادة ماتكون هذه الطرق محفوفة بالمخاطر ولازالت شاشات التلفاز تعرض يوميا أهوال ماتتعرض له عوائل مهاجرة في البحار أو في الوديان والجبال وهم يخاطرون حتى بأرواحهم في الوصول إلى بر آمن، جسد الطفل ليليان جاثيا على وجهه البريء وحيداعلى ساحل البحر ستبقى محفورة في الذاكرة لأجيال قادمة من الزمن تذكرنا بالهوان الذي بات عليه المواطن.وبعد أن أبدت تعاطفها دوائر السياسة والإعلام ونشطت المنظمات الإغاثية في فتح أبواب أوروبا لهذه العوائل واستبشر الناس خيرا وهتف المظلومون والمحرومون لألمانيا والنمسا ورفعوا صور المستشارة (القديسة!!) الألمانية ميركل في ساحات التحرير.... تبخرت الآمال عندما فرضت الدول الأوروبية المعنية ابتداء من المجر مرورا باليونان وبلغاريا والنمسا وألمانيا قيودا مشددة للغاية تصل إلى السجن لسنوات كعقوبة لمن يعبر الحدود من دون ترخيص أو ينتهك حرمة سياج... لاينبغي أن نشكو ونتذمر وننتقد، اذ لو فتحت دولنا العربية أبوابها لهؤلاء كما فعلت تركيا ما فضلوا الهجرة لدول لارابطة لهم بها اللهم إلا الأخوة الإنسانية.آخذين بنظر الاعتبار أن الغرب لم يغلق أبوابه أمام اللاجئين بل يسعى لتنظيم تدفقهم وإنتقاء المطلوب منهم لسوق العمل، وهنا أيضاً لانشكو ولا ننتقد ونتذكرأن الدول العربية فرطت بهم رغم أنها – أي هذه الدول - بأمس الحاجة للقوة العاملة الشابة والمتعلمة!!لاينبغي أن نضيع الوقت في جدل سياسي عقيم عن الجهة المسؤلة عن هذه الكارثة، والكل يعلم ماذا صنعت الثورة الإسلامية في تخريب الحياة في العراق وعلى هذا المنوال (المقاومة الإسلامية ومعها نظام المقاومة والممانعة) في سوريا بينما اللاجئ بات بأمس الحاجة لملاذ آمن وعلى وجه السرعة ولابد أن تنهض الأمم المتحدة بمسؤوليتها وتدعو لمؤتمر دولي عاجل بهدف وضع خطة طوارئ يجري من خلالها حصر وتحديد العبئ الإغاثي المتوقع ومن ثم تحديد وتوزيع الأولويات والمسؤوليات على الأطراف كافة، طرف يفتح أبوابه وآخر يساهم في الكلفة وثالث ينصرف لضبط تدفق اللاجئين بتوفير محطات انتقال وقتية ورابع يوفر وسائل النقل...الخ حلول لكارثة إنسانية باتت مطلوبة على عجل لكن الحل الامثل يكمن في معالجة أصل المشكلة أي الأزمات نفسها وليس تداعياتها أي في ايجاد حل مناسب للأحوال الشاذة في العراق وسوريا وهنا أيضا ورغم مسؤوليتها المباشرة فإن الأنظمة الاستبدادية أو القمعية لاتتحمل وحدها مسؤولية إطالة أمدها فحسب بل العالم أجمع الذي أسهم هو أيضا بتراخيه أو بتواطئه.
1386
| 17 سبتمبر 2015
(كذاب.. كذاب.. نوري المالكي كذاب) هذا هو نشيد الجماهير المنتفضة في ساحة التحرير قي قلب بغداد الحبيبة، وعندما يتحدث الكذاب فلا أحد يتوقع منه غير الكذب، لكن عندما يقترن الكذب بالغدر والخيانة والخسة، فعندها لا نتوقع من شخصية بهذه المواصفات وقد خبرتها شخصياً غير ما وصفه الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدا)، سورة الأعراف 58. نائب الرئيس العراقي المقال نوري المالكي صرح في طهران (سقوط الموصل كان نتيجة مؤامرة تم التخطيط لها في أنقرة) فرية لا يقبلها منطق ولا يدعمها دليل أو برهان، وهي لذلك من باب الهلوسة الذهنية المصاب بها نوري المالكي. هذه الكذبة لن تضيف كثيراً إلى سجله المليء بالكذب، ويليق بتركيا أن تترفع ولا ترد عليه، لكن لا تتركه، بل تقاضيه وتلاحقه قانونيا لعله يتأدب ويكف عن إطلاق التهم شرقا وغربا، ومن أمن العقاب أساء الأدب. في العاشر من يونيو من العام الفائت سقطت الموصل في قبضة تنظيم الدولة المتطرف (داعش) وحينها توفرت على الأرض ثلاث قوى، هي التي صنعت الحدث، الحكومة المحلية برئاسة المحافظ أثيل النجيفي وبإمرته بضعة مئات من الشرطة مجهزين بأسلحة خفيفة، جيش نظامي عصري يتكون من فرقتين عسكريتين بإمرة القائد العام للقوات المسلحة في ذلك الوقت نوري المالكي، أما القوة الثالثة فهي القوة الغازية ويمثلها تنظيم داعش. استطاع التنظيم بقوة لا تزيد على 400 مقاتل يتنقلون بسيارات رباعية الدفع تسللت من الرقة ودير الزور شرق سوريا ونجحت في احتلال الموصل خلال ساعات دون أدنى مقاومة. المفاضلة بين القوى الثلاث، لاشك، تضع الجيش النظامي بالتفوق المطلق كما وكيفا، عدة وعددا، حيث تيسر للقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي 132 ألف مقاتل وعدد غير قليل من ضباط الأركان المجربين من ذوي الخبرة من القادة والآمرين، وترسانة حديثة من الأسلحة والمعدات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة والعجلات المدرعة لنقل الجنود ومختلف صنوف المدفعية والهندسة وكتائب الدبابات...إلخ، فشلت في صد هجوم مقاتلين غير نظاميين، رغم انتشار الجيش وتموضعه خلف تحصينات من الطراز الأول ما يوفر للجيش الفرصة للقتال والصمود، بل وإفشال أي هجوم مهما كان نوعه وشدته. لكن ذلك لم يحصل، لسبب بسيط وهو أن القائد العام للقوات المسلحة - ولا أحد غيره يملك القيادة والسيطرة - أمر الجيش بعدم القتال، بل وترك الأسلحة والتجهيزات والهرب. ولو ترك نوري المالكي القرار لقادة الجيش لقاتل الجيش ولهزم تنظيم داعش، لا شك في ذلك، لكن أمرا عسكريا حازما صدر من جهة عليا وبناء عليه حصل الهروب الكبير، ما فسح المجال أمام المهاجمين للسيطرة على الموصل والاستحواذ على كامل الترسانة العسكرية الأمريكية الصنع. تصريحه بإبهام تركيا لن يغير من واقع الحال بعد أن اعتبرته اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في ملابسات سقوط الموصل المتهم رقم واحد، بناء على اعترافات جميع القادة والآمرين ذوي العلاقة الذين أكدوا استلامهم أمر الانسحاب وعدم القتال من القائد العام للقوات المسلحة المالكي مباشرة. الذي عرفته على مدى خمس سنوات طيلة وجودي في المنصب، أنه كان دائما ينسب النجاحات لنفسه، بينما يعلق فشله على الآخرين، ليس هو رجل الدولة الذي عند الكوارث الوطنية يواجه شعبه بشجاعة ويتحلى بالصدق ويعترف بفشله وعجزه. وفي هذه الحادثة حاول نوري المالكي أن ينسج كذبته بخيوط الافتراء والتدليس، لكن خيطه أهون من خيط العنكبوت، وكذبته فوق أنها تفتقر للمنطق، فإنها لم تنطلِ على أحد بفضل سجله المطبوع بالكذب وسيرته المحاطة بالشكوك والشبهات، ولقناعة الجميع بأن المالكي في تصريحاته، إنما يحاول جاهدا خلط الأوراق وحرف الانتباه عن خيانته العظمى بحكم تحميله مسؤولية سقوط الموصل، وهنا أسأل، هل لأجل عيون أبو بكر البغدادي تضحي تركيا بالحكومة المحلية والمحافظ من أقرب الأصدقاء لها، وهل من أخلاق القيادة في تركيا المعروفة بالصلاح والتقوى وسعيها في خدمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها زرع الفوضى في بلد جار كالعراق؟ وهل من المنطق أن تضحي تركيا بأمنها واستقرارها وهي تدرك ما يمكن أن يحصل من ارتدادات كارثية على الداخل التركي، من جار متطرف مرفوض في الأيديولوجية والسلوك ينشط على حدودها بما حرم الله من قتل وتخريب ودمار، أي تسطيح للحقائق هذا؟. نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق والقائد العام للقوات المسلحة وباعتراف وزير العدل حسن الشمري سهل تهريب 500 من قادة القاعدة من سجن أبو غريب في يوليو من عام 2013 وهو نفسه قام بتسليحهم وتجهيزهم بعد أن أمر الجيش في الموصل بالهرب وترك ترسانة جيش كاملة في متناول تنظيم داعش وهو الذي تجاهل التحذيرات التي وصلته من مصادر عدة وعمد إلى تمويل فرع البنك المركزي في الموصل بملايين الدولارات قبل أيام من سقوط الموصل، وهكذا حصل التنظيم دون معاناة على المال والسلاح... هذا هو باختصار دور نوري المالكي في تقوية تنظيم داعش، ما سمح له بالتمدد عراقياً.. أمّا الدافع فكان لإجهاض التحدي الأكبر الذي واجه نوري المالكي سلمياً على مدى عام من الزمن بين ديسمبر 2012-2013 وأقصد به الحراك السني وقد سعى لإرباكه بزرع تنظيمات داعش عنوة داخل صفوف الحراك، أملاً بإجهاضه بشيطنته تمهيداً لاتهامه بالإرهاب ومن ثم تأليب العالم ضده، وهذا ما حصل. ورغم ذلك ومع كل هذه الحقائق الدامغة، لن يخجل نوري المالكي باتهام تركيا وحاله هنا كحال التي (رمتني بدائها وانسلت). خلاصة القول: نوري المالكي وليس غيره في دائرة الاتهام.
1229
| 27 أغسطس 2015
المتظاهرون يستعجلون الإ صلاحات – وهم في ذلك محقون - لكن تنفيذها ليس بالأمر الهين ولا هو بالسهل، والمسؤول لوحده عاجز، والمهمة تتجاوز الإمكانات المتاحة، والوضع في غاية الحرج.... وماكان ليحصل ذلك لولا أن الفساد والعطب انتشر إلى درجة لا يمكن أن ينجح معها أي إصلاح....هل يعني ذلك أن العراق يواجه أفقا مسدودا؟ نعم ربما في الأمد القصير. مطالب المتظاهرين واضحة (القضاء على ظاهرة الفساد...ملاحقة الفاسدين) وهم بين فقير معدم، أو محروم وعاطل عن العمل قادر عليه أو مواطن يطالب الدولة بحقه في الخدمة فلا يجدها بالكلفة القادر على تحملها... والغرض لايزيد على المطالبة بتحسين ظروف الحياة، بمعنى خدمة أحسن ومستوى معيشة أفضل، ولتحقيق ذلك لابد من عدالة اجتماعية تحقق التوزيع الأمثل للثروات بين العراقيين من جهة، وسياسات تعمل على إيقاف الهدر والتبذير أي ترشد الإنفاق من خلال الارتقاء بالإدارة، كبح الفساد المستشري كالمرض، ثم وضع الشخص المناسب بالمكان المناسب. تلبية هذه المطالب في إطار دولة تعيش ظروفا طبيعية ومشكلتها تكمن أساسا في السياسات الاقتصادية أمر ممكن، لكن بالطبع ليس هذا هو الواقع الذي يعيش فيه العراق، وهو واقع فريد وصعب بكل المقاييس. ولهذا رغم أهميتها في تقليص نفقات لا ضرورة لها، فإن الرزمة الأولى والثانية من الإصلاحات والتي أطلقها العبادي والقاضية بدمج وزارات وإلغاء بعضها، إلى جانب الاستغناء عن مناصب هامة في الدولة وتجريدها من الحمايات الأمنية المرافقة هو بمثابة خطوة جريئة في سبيل الإصلاح، لكن التوفير مع ذلك لن يشكل إلا رقما صغيرا آخذين بنظر الاعتبار أن الحمايات سيجري تحويلهم للداخلية أو للدفاع ما يعني تضخيم ميزانية الحرب، ونفقاتها كما هو معروف ذات عائد صفري على التنمية والدخل القومي بينما إشكالية الاقتصاد العراقي تكمن في ارتفاع حصة النفقات الجارية (رواتب وأجور وإعانات وبدلات تقاعد) والتي تبلغ في حدود 78 بالمائة مقابل النفقات الاستثمارية التي تنحسر في حدود 22 – 25 بالمائة تقريبا وهي المعول عليها في التنمية ما يفضي إلى توفير فرص عمل للعاطلين وتحسين الخدمات وظروف الحياة، ورغم تدني النسبة فإن تخصيصاتها المالية التي تنصرف لبناء مشاريع جديدة أو تحديث وتطوير القائم منها فإنها في ظل الفساد الطاغي تستقطب اهتمام الفاسدين حيث يتنافسون حولها بشدة أيهم ينهب أكثر. حتى توفر لقمة العيش لجائع، أو حبة الدواء لمريض، أو المقعد المناسب لتلميذ، أو المسكن الصحي لعائلة مشردة، أو كوب الماء الصالح للشرب....إلخ فإنك بحاجة إلى سنوات من الأمن والاستقرار، والعمل الجاد في بناء ما دمر يتعهده أقوياء أمناء تتوفر بين أيديهم ميزانيات كافية توظف في إطار خطط وبرامج للتنمية المستدامة تترجم إلى سياسات فاعلة يسهر على تنفيذها جهاز حكومي يؤمن بأن الخدمة العامة شرف ومسؤولية بل أمانة وليست منة ولا وسيلة للارتزاق والإثراء بالسحت الحرام....نحن إذا بحاجة للاستقرار أولا، إلى جهاز حكومي كفء، موظف حكومي نزيه، خطط وسياسات مالية واقتصادية سليمة، أموال كافية تعوض ما فقدناه بالهدر أو بالفساد، جهاز قضاء عادل ومستقل....وإلى شعب منتج، صبور...إلخ لا يختلف اثنان أن ما ذكرته إنما هو الإطار النظري لأية تنمية ومن دونه يتعثر النمو والتقدم ويبقى العوز في المأكل والملبس والمسكن طاغيا لسنوات قادمة من الزمن، سيما وقد ضاعت على العراق والعراقيين فرص من الصعب تعويضها في المستقبل المنظور، دخلت ميزانية العراق منذ عام 2003 حتى عام 2014 ما مجموعه 800 مليار دولار!! صرفت إلى آخر دولار دون أن تترك أثرا يذكر وإن كان محدودا على مستوى معيشة المواطن أو تنمية البلد أو تقدمه، لاعجب في ذلك والتفسير الوحيد هو مابات يملكه أثرياء الصدفة من الفاسدين في الخارج. خذوا على سبيل المثال ميزانية عام 2014 والبالغة 140 مليار دولار قضى عليها المخلوع نوري المالكي عن بكرة أبيها حتى تركها خاوية حالها كحال قلب أم موسى. دون أن يرف له جف أو يوخزه ضمير...وهو فوق ذلك يرفض بإصرار تقديم أية إيضاحات أو كشف بالحسابات الختامية!! هذا هو حال العراق. العراق يعيش خراباً، على جميع الصعد وفي مختلف أوجه الحياة، لن تفلح معه ترقيعات هنا وترميمات هناك، الراتق اليوم حيدر العبادي وأمامه فتق كبير، والغالبية من الشركاء لاتتعاطف لأنها مستهدفة، والحرب قائمة، والخبرات قليلة، والموارد محدودة، والشعب منقسم، والقيم تلاشت، والسيادة مفقودة....وبالطبع المحروم لن ينتظر. الحاصل، العراق مريض، ومرضه خبيث، وهنا لا تنفع حبة دواء للتسكين، بل لابد أن يدخل عاجلاً غرفة الإنعاش.... العراق بحاجة لمقاربة جديدة، جريئة، فعالة ومدروسة.... لا نمطية ولا تقليدية تتعهد المراجعة والتغيير لتجربة عمرها ثلاثة عشر سنة.
1226
| 19 أغسطس 2015
مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1554
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1116
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1089
| 21 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...
738
| 24 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
729
| 20 مايو 2026
في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...
702
| 21 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
642
| 20 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
567
| 19 مايو 2026
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...
567
| 22 مايو 2026
في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...
555
| 19 مايو 2026
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...
549
| 23 مايو 2026
مساحة إعلانية