رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شيطنة الآخر ليست مجرد سلوك عفوي أو رد فعل طبيعي في النزاعات السياسية أو الدينية، بل هي وسيلة خبيثة وممنهجة، أشبه بصناعة متقنة، تستهدف تشويه صورة الخصوم وإلصاق التهم الباطلة بهم. ويكمن الخطر الأكبر في توظيف العنف ضد الرموز والمقدسات كوسيلة لإحداث صدمة عاطفية جماهيرية، تمهيدًا لتحريض شعبي واسع النطاق. * تفجير قبة الإمامين في سامراء: نموذج لصناعة الشيطنة: كان تفجير قبة الإمامين علي الهادي والحسن العسكري ( رض) في سامراء، في 22 فبراير 2006، أحد أخطر الأمثلة على هذا النهج. حيث صُدم العراقيون بسماع خبر هذا العمل الإجرامي، الذي نسبه حينها مستشار الأمن القومي موفق الربيعي إلى مجموعة تكفيرية مؤلفة من 5 عناصر اقتحمت المكان، قيدت 35 حارسا من مغاوير وزارة الداخلية، ثم فجرت القبة. لكن الأحداث التي التي أعقبت التفجير كشفت عن استغلال المخطط من اجل اثارة الفتنة الطائفية. فبدل أن يتوجه الغضب الشعبي نحو موقع الجريمة شمالًا، انطلقت جماعات مسلحة من مناطق محددة في بغداد، خصوصًا من الجانب الشرقي للمدينة، واستهدفت مساجد وممتلكات السنة في حملة ممنهجة من الحرق والتدمير والتخريب، أدت إلى تدمير اكثر من مائة مسجد ومقتل أكثر من ألف شخص خلال يومين منهم الكثير من خطباء وأئمة المساجد وحتى المؤذنين، وضباط متقاعدين وطيارين ووجهاء، وتشريد عائلات بغدادية عريقة. وفي مشهد لافت، تصرفت القوات الأمريكية المحتلة بلا مبالاة، تتفرج على الحدث المأساوي! ودون ان تتدخل! رغم أنها كانت مسؤولة عن الأمن وقادرة على إنفاذ القانون. * الخطاب السياسي والديني: أداة الشيطنة: قبل أن يكتمل التحقيق الرسمي، سارعت جهات سياسية ودينية محسوبة على الطائفة الشيعية إلى اتهام السنة بالجريمة، في خطاب تحريضي يهدف إلى تأجيج الكراهية وترسيخ الانقسام. حيث كانت الشيطنة هدفًا واضحًا منذ البداية، إذ إن المقدمات لا تُقرأ عادة إلا في ضوء النتائج. ولكن بعد سنوات من الصمت، وفي عام 2013، كشف الجنرال جورج كيسي، قائد قوات التحالف في ذلك الوقت، في مؤتمر في أريزونا، عن الدولة التي خططت ونفذت العملية بأكملها. * تفجير مقام السيدة زينب: التاريخ يعيد نفسه.. مؤخرًا، كشفت الاستخبارات السورية عن إحباط عملية إرهابية خطط لها عناصر تكفيرية لتفجير مقام السيدة زينب (رض) في ريف دمشق. الغرض كان واضحًا: توظيف جماعات ارهابية من اجل إثارة فتنة طائفية جديدة، وإلصاق التهمة بالسنّة، وشيطنة النظام السوري الجديد وإضعافه. اللافت أن الجماعات الإرهابية، مثل داعش، كانت نشطة قبل عام 2011 وبعده، لكنها لم تستهدف المقامات إلا في توقيتات محددة تخدم أجندات إقليمية. وهنا يظهر دور “داعش” بندقية للإيجار، تعمل لصالح جهات لم تخفِ غضبها بعد خسارتها نفوذها في سوريا، مهددة بشتى الوسائل لإضعاف النظام الجديد. * لماذا يلجأ الخصوم إلى الشيطنة؟ تلجأ الجهات السياسية أو الدينية إلى شيطنة الآخرين كوسيلة لتحقيق عدة أهداف: 1.تبرير العنف والتصفية: من خلال إلصاق التهم الباطلة بالخصوم لتبرير استهدافهم. 2.تفكيك النسيج الاجتماعي: إذ تعمل الشيطنة على تأجيج الكراهية الطائفية أو القومية. 3.إلهاء الشعوب عن القضايا الكبرى: بتحويل الأنظار إلى صراعات داخلية مفتعلة. 4.توظيف العاطفة الدينية: لإحداث صدمة شعبية تسهل عملية التعبئة الجماهيرية لتحقيق أغراض مشبوهة. ٥.إضعاف المجتمعات تمهيدا لاختراقاتها وبسط السيادة عليها. الدرس المستفاد إن صناعة الشيطنة ليست إلا أداة بيد الأنظمة أو القوى التي تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، دون اعتبار للكوارث الإنسانية والاجتماعية التي تترتب عليها. ومع تغير الزمن والمعطيات، أصبح من الضروري تحصين المجتمعات ومواجهة هذه المخططات الخبيثة بحكمة ووعي، لأن بقاء الحال من المحال، والعاقل هو من يتعلم من دروس الماضي بدل تكرارها.
765
| 13 يناير 2025
بعد سقوط نظام الطاغية المخلوع بشار، تكون قد دقت ساعة العمل لتسجل لحظة فارقة يجري الانتقال فيها من (الثورة إلى الدولة) وهي الصفحة التالية في التغيير الأكثر أهمية وتعقيداً بل وخطورة على الثورة، ولابد أن المعارضة قد تأملت في هذه الصفحة وفكرت ودبرت. تحديات متنوعة وكثيرة ستواجه الثورة منذ اليوم الأول وهي تمارس السلطة بحرية لكن يبقى التحدي الأبلغ في تصوري هو (أمن الثورة وتحصينها)، ولابد أن يحظى بالأولوية القصوى وقبل الانغماس في تفاصيل تحسين الخدمات أو إدارة الدولة. يتراوح تحصين الثورة بين توفير الحماية الذاتية الصارمة لقيادة المعارضة من جهة، وحصر رموز وقيادات النظام البائد (او لنقل من بقي منها داخل سوريا بعد الهروب الكبير إلى روسيا ودول الجوار !!) وإحكام السيطرة عليها ووضعها تحت المراقبة الدقيقة وتحديد الموقف منها ومراجعة ملفاتها، ومن ثبت تورطه بجرائم يقدم للقضاء، ومن لا تهمة عليه يبقى قيد المراقبة حتى تستقر الأوضاع وتتمكن المعارضة. وعند النظر بالتحدي الأمني، تبرز قضية الجيش والأجهزة الأمنية والبحث عن افضل الطرق في التعامل مع أفرادها ومنتسبيها، آخذين بنظر الاعتبار ان المؤسستين ما عادتا وطنيتين بل أصبحتا بمرور الوقت العمود الفقري لنظام قمعي فاسد ساهمتا في تكريس النظام البائد على مدى عقود من الزمن، وإذا كانت الضرورة تقتضي الشطب على الأجهزة الأمنية والمخابرات، وإعادة بنائها من القاع على أسس جديدة، فإن معالجة ملف الجيش يمكن أن تتم من خلال إعادة هيكلية المؤسسة العسكرية باستبعاد القيادات نزولا حتى مستوى الكتيبة أو الفوج باستثناء المتورطين منهم، ويجري التعويض عنها بالضباط المنشقين في الجيش الوطني السوري، مع ضرورة تأهيل بقية الضباط والمراتب بشكل تدريجي. في كل الأحوال يجب استبعاد نموذج بريمر سيئ الصيت والقاضي بحل الجيش وإعادة تشكيله كما حصل بعد غزو العراق 2003. وهنا تجدر الإشارة إلى ظاهرة اختفاء أزلام المخلوع من مختلف القيادات ومنها الجيش والمخابرات والأمن بالطبع وبشكل مفاجئ وشامل، وهو ما يدعو للشك والقلق، لهذا لابد من فريق عمل يتابع هذا الملف بعناية تامة. إلى جانب ذلك، يستدعي تحصين الثورة ضبط تصرفات وسلوك الأفراد الموالين الذين لابد أن اختيارهم جرى على أساس من الحس الأمني والانضباط الذاتي وحسن التصرف ودقة التنفيذ وسرعة التحرك، آخذين بنظر الاعتبار أن عيون العالم مفتوحة ترصد كل تجاوز أو خطأ وتلاحق وربما تضخم وتفضح بدون رحمة … ولكل طرف أغراضه وغاياته. لكن الشعب الذي ابتلي بإدارة فاشلة فاسدة على مدى عقود من الزمن، فإن كلّ ما ينتظره بعد أن يكون قد تنفس نسائم الحرية لأول مرة بعد 54 سنة من الحرمان، تغيير ملموس في قطاع الخدمات ومستوى المعيشة، وهو التحدي الأكبر التالي الذي سيواجه الثورة، وحسناً فعلت أنها استدعت الموظفين وطلبت منهم العودة إلى وظائفهم كما استعجلت الأمر في تشكيل حكومة مؤقتة على مدى ثلاثة اشهر، وباشرت في معالجة الاختناقات الحادة ووجه القصور في خدمات الكهرباء والصحة، واعتقد جازما أن خزينا من خبرات التكنوقراط السوريين المغتربين سيجد حلولا مناسبة وعاجلة لتحسين الخدمات، كما أن من المتوقع ان يبادر العالم بتقديم يد العون والمساعدة، وكانت دولة قطر كالعادة سبّاقة في هذا المجال، حيث وجّه سمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتسيير جسر جوي للمواد الإغاثية والصحية إلى سوريا على عجل، يترافق ذلك مع الموقف النبيل للدولة الذي انفرد دون العالم بالاعتراف بشرعية المعارضة والإبقاء على سفارتها وعلمها ذي الثلاثة نجوم ومنذ انطلاق الثورة 2011، يرفرف عاليا في سماء الدوحة. الاعتناء بالماكينة الإعلامية ربما يشكل تحديا خطرا آخر، والأطراف المعادية ستنشط دون شك في شيطنة الثورة وتشويه مقاصدها وتضخيم أخطاء أفرادها حتى العفوية منها … ولابد من فريق مهني متخصص يتجهز لهذه المهمة مدعوما بخبراء بالحرب النفسية لتنوير الرأي العام بالحقائق وتحصينه من الشائعات والبروبغندا المسمومة. من جهة أخرى، لابد أن تولي الثورة عناية خاصة بالدبلوماسية والعلاقات الخارجية وتنشّط جهاز الوزارة وتعمل عاجلاً على إعادة هيكلية السلك الدبلوماسي، من اجل أن تستعيد سوريا مكانتها اللائقة دوليا ويحظى النظام الجديد بتفهم ودعم وتأييد المجتمع الدولي. التحديات لا شك كثيرة، ولابد من الانتباه ان العناصر التي يمكن ان تشكل تهديداً حقيقياً للثورة تتراوح بين: الطابور الخامس، الدولة العميقة، التدخل الخارجي، والإعلام المضاد …. وسوء التقدير. نكتب ذلك وننصح به، إذ من المتوقع، ان النظام البائد وجميع المتضررين من الثورة والمتحفظين عليها، مهما تنوعت مشاربهم وغاياتهم بدأوا بالحرب على الثورة منذ 8 ديسمبر الماضي يوم تحرير سوريا، وسيحاولون جاهدين شيطنتها وإشغالها بحروب جانبية تمهيداً لإجهاضها.. لهذا لا مجال والحالة هذه للتراخي أو للعواطف، والحلول الوسط، وسوء التقدير.. والانشغال بقضايا فرعية بدل القضايا الأساسية على سلّم الأولويات، بل يقتضي الحال اليقظة والحذر، والحزم، وإبقاء الأصبع على الزناد وحتى إشعار آخر.. باختصار علينا أن نأخذ بالحكمة القائلة (لا قيمة لحق إن لم تحرسه أنياب وأظافر)
1164
| 13 ديسمبر 2024
كتب المفكر طيّب الذكر مالك بن نبي في فصل “الديمقراطية في الإسلام“ كتاب «القضايا الكبرى» ما يلي: «ورثنا نحن معشر الشعوب الإسلامية، كما ورثت معنا وفي الظروف نفسها الشعوب الأفريقية والآسيوية التي خضعت مثلنا للدول الاستعمارية واحتكت بثقافتها وحضارتها في إطار الاستعمار، ورثنا من هذا الاتصال بحكم القانون الذي يفرض على المغلوب عادات الغالب وتقاليده ورثنا المقاييس المرتبطة بحياة العالم الغربي وبتجربته التاريخية وتقبلنا بعضها لنقيس بها الواقع الاجتماعي لدينا، ونقارن على ضوئها ماضينا بما يسحر أبصارنا في حاضر هذه الأمم الغربية، هذه الأمم التي فرضت علينا عاداتها ومفاهيمها ومصطلحاتها وأسلوب حياتها وهكذا رأينا هذه الأشياء مسلمات يقتدي بها فكرنا ويهتدي بها اجتهادنا ويستدل بها منطقنا، دون أن نحقق في درجتها من الصحة أو اتفاقها مع جوهر شخصيتنا وفلسفة حياتنا، وكان أثرها في تفكيرنا أن أصبحنا نتناول في كتاباتنا وفي أحاديثنا موضوعات جديدة مثل موضوع الحديث أي، الديمقراطية في الإسلام «. اعقب بالقول: يريد المفكر أن يقول إن الأصل هو ما لدينا، وما يأتينا، نأخذه، لا على علاّته، من الألف إلى الياء، بل بعد مراجعة، وغربلة، تمحيص وتأمل …، ما يأتينا وصفة قد تصلح لغيرنا لكنها قد لا تصلح بالضرورة لنا، كلاً او جزءاً، لهذا تقتضي المصلحة ان نأخذ منها ما يحقق مقاصد الشريعة، ما ينسجم مع إرثنا، مع جوهر شخصيتنا، وفلسفة حياتنا وتقاليدنا، رؤيتنا وحاجاتنا للحاضر والمستقبل …وما عدا ذلك من تفاصيل …. معذرة إلى ربكم ….
870
| 04 نوفمبر 2024
مرت سنة على صولة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 3023 وما زال الموقف الرسمي العربي محزناً ومؤسفاً، لا يزيد على موقف اللامبالاة، بل قل التفرج على مأساة غزة، والتعاطي معها بلغة الإدانة والشجب والاستنكار لا أكثر، موقف إن لم يترافق مع العصا الغليظة فلا معنى له، ولن يترك أثراً على أرض الواقع وهذا ما هو حاصل، بل قل هو يغري الفاشين الجدد في الأرض المحتلة على مواصلة الجينوسايد وارتكاب أبشع الجرائم على قاعدة، من أمن العقاب ارتكب كل محرم، دون أي اعتبار أو التفات لأحد. والكل يعلم أن الموقف الرسمي العربي المدان وهو ليس بسر إنما يأتي في الواقع انعكاساً للموقف من صولة طوفان الأقصى بل وعلى وجه التحديد الموقف من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث يشيطنها البعض دون أدنى مسوغ، وهم في ذلك مخطئون وظالمون. هذا الموقف هو في الواقع صورة من صور النأي بالنفس التي عرف بها واشتهر رئيس الوزراء الميقاتي وتوافقت عليها الأنظمة العربية، وكأن سبب الصراع مع الصهاينة ليس أكثر من خلاف في قضية هامشية وليس قضية مصير أو وجود. سنة كاملة.. وكان خيارنا منذ البداية إما موقف اليهود مع سيدنا موسى وهو يدعوهم للاستعداد لقتال العماليق وردوا عليه (اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنّا ها هنا قاعدون) موقف الجبان المرعوب قصير النظر، وبين رد الصحابي الجليل سعد بن معاذ على رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه قبل أيام من غزوة بدر، وأراد أن يسمع من الخزرج نصرتهم لله ولرسوله وتأكيدهم على المشاركة في النزال ( …. فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله»، وكان من المتوقع أن يختار العرب مقولة سيدنا سعد.. والشجاعة والنخوة ونصرة المظلوم هي ليست ما تربينا عليه فحسب، وإنها ليست فقط نجوماً تزين تاريخ أمة ما زال ملهماً ومدعاة للفخر حتى الساعة رغم ما فيه من شوائب، بل هي قيم تأصلّت في الجينات وفي أواسط القلوب والوجدان.. اللهم إلا إذا كان عرب اليوم غيرهم عرب الأمس وما نحن ومعنا أمة سيدنا محمد إلا مجرد غثاء كغثاء السيل.. عندها نعترف ونقول معذرة إلى ربكم ولا داعي لتحميل الحمل الثقيل على بعير أعرج. وبعد أن اصطبغت غزة بالدماء، وتناثرت فيها الأشلاء، وانتشر فيها الموت، بالقتل أو بالجوع أو بالمرض أو بالتشرد، ما عاد المشهد في غزة والضفة ولبنان ”سياسياً “ حتى تتباين عنده المواقف والآراء والأحكام، ويتردد المسؤول في أي اتجاه يتحرك وأي موقف يتخذ، وما يراعي من ضغوط وما يسقط.. لم يعد ذلك كله ذا صلة، لأن الإنسانية باتت هي الطاغية وهنا لا يختلف الإنسان السوي عن غيره، والعاطفة والضمير والوجدان تصبح هي المحركات لبني الإنسان عقله ومواقفه، فكيف إذا سقطت كلها مرة واحدة.. تُرى ماذا نقول في إنسان تخلى عن إنسانيته ؟ بالله عليكم ماذا نسميه ونطلق عليه.. وهنا أسأل: أليس هذا هو حالنا بالضبط.. ماتت الضمائر في وطني العربي لكن المفارقة جاءت من شعوب بعيدة عنا، لم تزل ضمائرها حية، تحركت وتعاطفت مع شعب مظلوم، لا يرتبط معها بشيء اللهم سوى رابطة الإنسانية، تحركت لأنها لم تجد مسوغاً للظلم وقد وقع على أهلنا في غزة وفلسطين ولبنان لاحقاً، هي لم تجد من مبرر لقتل 41700 إنسان منهم.. 11500 امرأة، و16900 طفل، و1000 من الطواقم الطبية والمسعفين، و500 معلم وأستاذ جامعي، ولا مسوغ لحرمان وتجويع وتشريد مليوني إنسان وأكثر حد الموت.. ولا تدمير المستشفيات والجامعات والمدارس وهدم المساكن ودور الإيواء والمساجد والمخازن والمخابز والصرف الصحي.. هدمت غزة حجراً على حجر وقتل المدنيون الأبرياء وعذب المسجونون واغتصبت النساء وذبح الأطفال.. تحركت الشعوب البعيدة عنا، لكننا لم نتحرك، حتى ولو على استحياء أو حتى من باب إسقاط فرض!. سيقول البعض لا شيء في هذا الطرح سوى العاطفة! فأين المصلحة الراجحة التي تحكم الموقف السياسي وتوجهه، أقول أليس في الشوكة مصلحة ؟ وهل من دون الشوكة تتحقق المصلحة في عالم يعرف الحق لكنه لا يذعن إلا للأقوى، أليس من المصلحة أن يكون ظهيركم شعبا شهد له العالم بالشجاعة في التشبث بالأرض على مدى عام كامل وأكثر، وخيّر بين الهجرة أو الموت، فاختار الموت! بل أليس من المصلحة أن تضاف إلى جيوشكم النظامية، جيوش غير نظامية، استطاعت هي وليس جيوشكم إذلال جيش قيل إنه الجيش الذي لا يقهر؟ ألم تكن هي من أذلته وكسرت كبرياءه وجردته من ميزة «الردع» التي تغنى بها عقوداً من الزمن.. ووظفها في إرهاب العرب والمسلمين! بل أليس من المصلحة المصالحة مع شعوبكم الغاضبة عليكم لسبب موقفكم وهي تغلي كالمرجل وتنتظر متلهفة إشارة منكم كي تتحرك خلفكم نصرة لغزة. وإذا لم تكن المقاومة هي خياركم المفضل لديكم، فالأمل ألا يكون البديل هو التطبيع مع نظام هذا المخلوق الذي بات هو وجوقة الجزارين المجانين وبالاً على البشرية.. هذا المسمى نتن ياهو، الذي كان قد عرف كفاسد وكذاب، أماط عنه اللثام طوفان الأقصى فبان على حقيقته سادي جزار، لا يؤمن شره، ولا ينجز وعده، فهل تضمنون أن هذا المعتوه، إن خرج من هذه المنازلة منتصراً لا سمح الله، أن يكون عوناً لكم؟ لن ينازعكم حقاً أو ملكاً !! وهو بعد أن رفض حل الدولتين فإنه إنما يمهد للإعلان عن الخطوة اللاحقة (دولة إسرائيل ما بين الفرات والنيل)؟ ألم يبشر بشرق أوسط جديد، وترتيبات جيوسياسية جديدة ؟ هذا ليس بديلاً إنما هو شر وبيل وخطر كبير ينتظركم عند الباب، قد يغري هذا الكذاب ويسرف في وعوده، وهنا أذكركم بموقفه من ولي نعمته، والمسخر مصانعه وتقدمه التكنولوجي لإدامة تفوقه، وأقصد الولايات المتحدة الأمريكية، كيف تعامل مع رئيسها الحليف الأكبر جو بايدن وكيف أذلّه أمام العالم أجمع، عندما قدم صفقة المراحل الثلاث، وقال أمام العالم إنها خطة نتن ياهو، ليخرج الأخير في اليوم التالي ويتبرأ منها! ألم يعلن البيت الأبيض بأنه فوجئ مراراً بقرارات إسرائيل في الآونة الأخيرة ! ألم يشك الرئيس بايدن أن نتن ياهو أبقاه في الظلام وأنه يجهل كل نواياه في لبنان جملة وتفصيلا! والأمر يسري على أوروبا الحليفة التي قدمت له وما زالت كل ما يحتاجه الجزار وهو يواصل الإبادة الجماعية، ألم تشتك، نحن حلفاء إسرائيل ليس لدينا أي نفوذ على إسرائيل ونحن نتابع الأحداث كغيرنا دون تدخل. لا أظن أن الأنظمة العربية أحن على قلبه من الولايات المتحدة وأوروبا، وأنه سيصدق مع العرب وهو الكذاب مع أقرب حلفائه. لهذا أقول: دعونا نتخذ قراراً لمصلحتنا، لا نسيئ التقدير فيه ولا نندم عليه، لنمد الجسور مع المقاومة، ونحتضنها ونحسن الظن بها، بذلك تقوى شوكتنا ويهاب عدونا، عدا ذلك يحذركم الله نفسه: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) 38 محمد كلمة لا ابتغي منها إلا وجه الله …
1200
| 07 أكتوبر 2024
لا حدود أمام متلازمة القتل وسفك الدماء التي يعاني منها الصهاينة، لم يكتفوا باستخدام أنواع وسائل القتل والتدمير والتخريب، من أسلحة ومتفجرات «تقليدية « تلك التي أنتجتها المصانع الحربية في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث لم يتبق سوى «القنبلة النووية» والتي اقترح استخدامها وزير التراث الفاشي لقتل المزيد من اهالي غزة المحاصرين، لكن الجديد في سجل الجرائم التي يرتكبها الكيان الغاصب، هو ما حصل اول امس من تلاعب اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بأجهزة الاتصال البيجر (وهي مصممة لتلبي حاجة خدمات مدنية، الطبابة في المقدمة) وتحويلها إلى قنبلة موقوتة وتفجيرها في مناطق مختلفة من لبنان وسوريا، متى ما وجد صاحب القرار الصهيوني الفرصة لقتل أكبر عدد ممكن من البشر. وهنا، نظريتان تطغيان على السطح تفسيراً لحادثة تفجير المئات من اجهزة الاتصال (Pager بيجر) كانت قيد استخدام أفراد وقيادات من حزب الله في لبنان، وقبل الحديث عن تلك النظريتين لابد أن نذكر بأن «البيجرات» لا تُستخدم اليوم بشكل واسع، خلاف الماضي حيث كانت وسيلة اتصال مهمة، خاصة للمتنقلين أو العاملين في القطاعات الطبية والأمنية. «البيجر» (Pager) هو جهاز اتصال لاسلكي كان يُستخدم بشكل واسع قبل انتشار الهواتف المحمولة. يتيح إرسال واستقبال رسائل نصية قصيرة، أو إشارات للتواصل مع الشخص المستهدف. باختصار، أجهزة البيجر وفرت وسيلة اتصال موثوقة ورخيصة وفعالة، آمنة نسبيًا، وسريعة في ظروف حرب العصابات والصراع ضد إسرائيل. نعود إلى سبب تفجير اجهزة الاتصال موضوعة البحث، النظرية الاولى وتتحدث عن اختراق هذه الاجهزة وارسال إشارات لا سلكية أدت إلى تسخين بطارية (الليثيوم) ومن ثم تفجيرها، وهو احتمال ضعيف، ليس لان الإصابات كانت اكبر بكثير من تلك التي يمكن ان يسبّبها انفجار بطارية صغيرة وعادة ما تكون الإصابات سطحية تترافق مع حرائق محدودة، بل لان برنامج التجسس المشهور «بيغاسوس» (Pegasus) والذي يفترض ان يكون هو المتهم بالاختراق والذي طورته شركة NSO Group الاسرائيلية هو مجرد برنامج تجسس إلكتروني مخصص لاختراق الهواتف الذكية وجمع المعلومات، وليس أداة لتعطيل أو تفجير الأجهزة. تبقى النظرية الثانية وتعتمد عادة على تقنيات مختلفة، مثل زرع متفجرات أو عبوات ناسفة مرتبطة بتلك الأجهزة والتي يتم التحكم بها عن بعد. وقد ثبت الان ان هذه الأجهزة التي تحمل العلامة التجارية لشركة Gold Opolo التايوانية تم تجهيزها فعلا من قبل شركة مجرية بعد ان تم التلاعب فيها وحشر مادة متفجرة صغيرة إلى جانب البطارية يتراوح وزنها بين 30-50 جراما. هذه التقنيات عادةً ما تستخدم في إطار العمليات العسكرية أو الأمنية، وبالطبع للأجهزة الامنية والمخابراتية الاسرائيلية سجل متميز في مثل هذه العمليات، وقد تورطت إسرائيل فعلاً في عدة حوادث تتعلق باغتيال ناشطين فلسطينيين باستخدام أساليب مبتكرة في مقدمتها تفجير الهواتف النقالة. وربما كان الحادث الأبرز في مثل هذه العمليات اغتيال الشهيد يحيى عياش (1996) المعروف بـ «المهندس»، أحد أبرز قادة «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة حماس، وأحد مهندسي العمليات التفجيرية ضد إسرائيل. اغتيل عياش في يناير 1996 عن طريق تفجير هاتف محمول كان قد تم تزويده بمتفجرات مخفية. زرع جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد أو الشاباك) المتفجرات في هاتف الشهيد عبر عميل وتم التحكم في التفجير عن بُعد، مما أدى إلى استشهاده رحمه الله، لكن الحوادث من هذا القبيل كانت فردية ومحدودة، اما هذه المرة فقد بلغت من السعة (3 آلاف جهاز بيجر) ما تسبب وخلال نصف ساعة بإصابة 2750 ما يزيد على 180 منهم إصاباتهم حرجة وما يقرب من 19 قضوا بالتفجيرات، بينهم أطفال ونساء، وفي أماكن لم تقتصر على جنوب لبنان بل امتدّت لجنوب بيروت والبقاع وحتى الأراضي السورية. نحن أمام اختراق أمني هائل حققته المؤسسة المخابراتية الاسرائيلية (قيل تعاون بين الموساد والاستخبارات العسكرية)، وحدث تعرضي Offensive فريد غيّر من قواعد الاشتباك وفتح الباب على مصراعية امام حرب شاملة، من الصعب التكهن بنتائجها، بالنظر للمضامين الأمنية والعسكرية والأخلاقية بل والقانونية والتجارية والسياسية… الهجوم واسع النطاق وطال مدنيين لذا قد يرقى إلى جريمة حرب. حدث له ما بعده. والتوقيت له مغزى، وللمقال بقية وصلة.
1743
| 19 سبتمبر 2024
جون كيربي (منسق الأمن القومي الأمريكي) صرح قبل أيام: «نقلنا مقدرات كبيرة للمنطقة وسندافع عن إسرائيل في حال تعرضت للهجوم». جاء هذا التصريح، بعد تصريحات مشابهة صدرت عن الرئيس جو بايدن ووزير دفاعه أوستن … مضمون التصريح واضح لا لبس فيه، إن الولايات المتحدة سوف تقف إلى جانب إسرائيل في كل وقت ومهما فعلت !! ومن دون هذا الموقف، ما كانت دولة الاحتلال لتجرؤ على قتل حتى الذي تتفاوض معه!! وأقصد القائد الشهيد إسماعيل هنية… أو يتفاقم غلوها وإسرافها في القتل حتى تبلغ قائمة الضحايا قتل 40 ألف إنسان بريء و100 ألف جريح ومصاب ناهيك عن ضحايا ما زالت جثثهم تحت الأنقاض لا يعرف عددهم. الموقف ليس بجديد، بل تكرر منذ انطلاقة العدوان على غزة رداً على صولة طوفان الأقصى، ليؤكد للعالم أجمع أن الولايات المتحدة ليست وسيطة بل هي شريكة، بالقوة العسكرية، بالتسليح والتجهيز، بالجهد الاستخباراتي، العملياتي، وسلاسل الإمداد اللوجستي… ناهيك عن الدعم المالي وتوفير الغطاء السياسي لعربدتها وبلطجتها غير المحدودة… الولايات المتحدة اختارت أن تكون ظهيرا للمجرمين. نتن ياهو بخبثه ومكره يتلاعب بالولايات المتحدة، مستفيداً من موقفها الضبابي، ولا يستجيب لرغباتها حتى لو جرى تنسيق المواقف والتوافق عليها مبكرا!! وهذا ما جرى في مشروع المراحل الثلاث لوقف إطلاق النار، وحتى اللحظة الولايات المتحدة يبدو أنها غير جادة في لجم عربدته وبلطجيته، وتكتفي بخطاب مرتبك مغشوش يحتمل أكثر من تفسير، فيه من التمنيات أكثر من الحزم ! بينما عنصر الضغط الرئيسي المتاح بيدها (لو أرادت) هي المساعدات العسكرية، التي لم ينقطع تدفقها لجيش الاحتلال لحظة واحدة… حتى لو تعارض مع قوانينها ذات الصلة، ما يعني أن الولايات المتحدة لا تتمنى على إسرائيل وقف العدوان، وما حقيقة تصريحاتها سوى شكل من أشكال العلاقات العامة يحتاجها البيت الأبيض لتهدئة خواطر الغاضبين، المتعاطفين مع غزة في محنتها من أبناء الشعب الأمريكي والعالم. الولايات المتحدة تدرك يقيناً أن المحتل الإسرائيلي تجاوز حدود الظلم إلى الإبادة!! ومع ذلك هي لا تمنعه وهي على ذلك قادرة…. والمساعدات العسكرية، والقنابل الذكية والغبية … أداة فعّالة، لكنها تبقى بحاجة إلى رئيس فعّال وقرار شجاع ! في سابقة هي الأبلغ انحيازاً في العلاقات التي تراكمت بين الطرفين على مدى ما يزيد على سبعين عاماً… هذه هي الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يضارع طغيانها بشر !!….توظف قوتها للترخيص لإرهابي ظالم بالمزيد من القتل والدمار لأناس أبرياء … في غزة والضفة بدل أن تأخذ على يديه وتمنعه من ظلمه …!! وهي تتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية كونها ما زالت تتربع على قمة النظام العالمي، لا يعني لها شيئا قتل وإصابة 140 ألف إنسان مدني بريء … وتدمير وتجويع وتهجير لم تشهده البشرية منذ عقود. بل لا تعني لها شيئا الإبادة الجماعية !! ولا قرار محكمة العدل الدولية ولا إدانة محكمة الجنايات الدولية. تذكرت الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام: (انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُوماً، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِماً، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ). يا الله …. كم هي جليلة أخلاقنا وقيمنا، بل كم هو عظيم ديننا… وهل من يضارعنا فيه أحد؟ صحيح أن الحديث الشريف يعبر عن قضية أخلاقية قيمية تعنى بالتعاملات الإنسانية… لكن الحديث يصلح كضابط للسلوك في العلاقات الدولية، يحد من العدوان ويمنع الفوضى. الحاصل، البون بيننا وبينهم شاسع عميق بل حتى في صغار الأمور …هو كبير.
1014
| 14 أغسطس 2024
كان من المأمول أن يكون في السجن لا أن يكون ضيفاً على مشرعين في أكبر جهاز تشريعي في العالم، والدعوة في نظر الكثيرين كانت سقطة واستفزازا للمشاعر، بل وصادمة للعالم أجمع. كما تضررت إلى حد كبير صورة (الكابيتول) وهو رمز لأعرق الديمقراطيات في التاريخ. الغرابة والاستهجان لا ينحصران في الدعوة بحد ذاتها وفي هذا الظرف بالذات وجريمة الابادة الجماعية والتهجير والتطهير العرقي تجري حتى الساعة ودون هوادة، بل في هذا الحماس المنقطع النظير والترحيب المبالغ فيه عمداً! بينما لا يستحق عنونة الخطاب بأفضل من (فن تزوير الوقائع وقلب الحقائق.. بلا حدود!). هذا هو الخطاب الرابع يلقيه نتن ياهو امام الكونغرس منذ ان تقلد منصب رئيس الوزراء، وقال لهم فيه باختصار (هذه رؤيتي وعليكم التكيف معها، وهؤلاء هم اعدائي وعليكم الاستعداد لهم). تضمن الخطاب وعلى مدى خمس وخمسين دقيقة، خمسا وخمسين كذبة قام لها المشرعون وقعدوا خمسا وخمسين مرة وصفقوا بحماس مفرط! وربما كانوا حريصين على ألا تفوتهم لقطة كاميرا او عين راصد ورضا منظمة (الآيباك) غاية وأمل ان لم تكن خوفا ورهبة!. وفي كل مرة كان التصفيق يدوي في ارجاء الصالة كانت الدماء تسيل على ارض غزة، اما لقتل طفل او امرأة او رجل او شيخ عجوز، لقد جاء لواشنطن ولم يسأله أحد: ترى كيف تركت غزة؟ كيف اهملت الاسرى كل هذه الفترة؟ وما تنوي فعله في اليوم التالي؟. غاب، وتعفف عن هذا الموقف المخجل، رغم الترغيب والترهيب، كوكبة من 124 عضوا احترموا انفسهم وقرروا النأي بالنفس ولم يشاركوا، أما كيف امتلأت مقاعد الصالة فالفضل يعود إلى امريكيين من العامة استدعوا على عجل للضرورة وما هم بأعضاء كونغرس!. مهما توسعنا في الحديث عن سلوك واخلاق نتن ياهو فلن نضيف جديداً، فقد عرفته الارض المحتلة بل والبشرية اجمع بأنه «الاكذب» والاوحش، والأبشع، والأرهب في ارتكاب جرائم الفصل العنصري والتهجير القسري والابادة وجرائم ضد الإنسانية. لكن السؤال يوجه لحفدة «الآباء المؤسسين» اولئك الذين كتبوا وثيقة الاستقلال والدستور الأمريكي وحرصوا ان تكون ركائزه: العدالة، والحرية، والمساواة، والحق في السعي وراء السعادة.. اين باتوا من هذه المبادئ الرفيعة؟ لقد حنثوا بقسمهم في الالتزام بالدستور الأمريكي والمبادئ التي كتب على اساسها، واعلنوا اصطفافهم وتأييدهم لجزار أعاد إلى الأذهان الهولوكوست / المحرقة ولكن بصورة أبشع، وما تشاهد بأم عينيك على مدار الساعة، غير ما تسمع او تقرأ. لقد اهتزت بقوة صورة الولايات المتحدة في العدوان على غزة امام العالم، ولن يكون من السهل ترميمها، وفي الذاكرة مغامرات فاشلة كالحرب على فيتنام (1955-1973) وافغانستان (2001-2021) والعراق (2003). وكان من المأمول ان تكون قد خرجت الدولة بعدها بدروس وعبر، تعينها على المراجعة وتصويب السياسات مستقبلاً. لكن يبدو ذلك لم يحصل، ومبدأ “شرعية القوة“ لا زال هو السائد في عقلية صانع القرار الأمريكي، التنفيذي منه والتشريعي، والموقف من العدوان على غزة كان منحازا عدوانياً بشكل صارخ، وكان الانطباع حتى الرابع والعشرين من الشهر الجاري ان عراب هذا الموقف هو الرئيس الأمريكي جو بايدن! ولكن بعد انضمام المشرعين تبين ان المشرعين لا يقلون تحيزاً ولا عدوانية عن ساكن البيت الأبيض، لقد صرح رئيس مجلس النواب مايك جونسون «إسرائيل لا تقف وحدها بل نقف معها كأقرب حلفائها في الشرق الأوسط»، وفي دعوة نتن ياهو (نحن نتطلع إلى الاستماع إلى وجهة نظر إسرائيل في كيفية الدفاع عن الديمقراطية، ومحاربة الإرهاب، وتكريس العدالة والسلام المستدام في المنطقة)! آمال تعلق على نتن ياهو بدل تقديمه للعدالة. كما صرح الشيخ الديمقراطي تشاك شومر (علاقتنا مع إسرائيل متينة للغاية مثل الحديد Ironic clad). وربما هذا الموقف الداعم بالمطلق هو الذي أوغر صدر نتن ياهو ودفعه للجنون والسادية المفرطة. لكن بالمقابل هل راعى نتن ياهو الحرج الكبير الذي تعاني منه الادارة الأمريكية وهو حتى اللحظة يرفض الاستجابة لقرار مجلس الامن ذي المراحل الثلاث والذي تبتنه الادارة الأمريكية، وتوقع الكثيرون انه خلال الخطاب سيبشر الأمريكيين وأهالي الاسرى في الداخل الاسرائيلي بموافقته على الصفقة لكنه لن يفعل، انسجاماً مع فهمه للعلاقة الخاصة بين اسرائيل والولايات المتحدة انها سالكة لكن على مسار واحد، اذ يتوجب على الأخيرة ان تدعم اسرائيل عسكريا وتحميها سياسياً، ودون مقابل، وسواء تلاقت مع المصالح الأمريكية ام افترقت عنها؟ مصلحة اسرائيل أولاً وبذلك تصبح اسرائيل مارقة دولياً متنمرة على صعيد العلاقة الثنائية، رغم ان العلاقة ما كانت يوماً هكذا بل سالكة على مسارين، لم يتوقف الدعم السياسي والعسكري والمالي يوماً لكن يسعنا ان نتذكر ان اسرائيل كانت تستجيب على الفور في كل مرة لرغبة واشنطن في وقف اطلاق النار، وهو ما تحقق فعلاً في العدوان على مصر عام 1956. وحرب الخامس من حزيران 1967، وحرب رمضان عام 1973 ناهيك طبعا عن الحروب اللاحقة على غزة. جاءت الزيارة، في ظل عزلة وانتقاد واسع النطاق اضافة إلى احتمال كبير ان يصدر النائب العام بالمحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتن ياهو كمجرم حرب. كما شكلت الحشود من المعارضين في الخارج مشكلة سياسية حاول المشرعون داخل القاعة تجنبها. اما خطابه الاستعراضي فلم يضف نتن ياهو أي شيء جديد إلى أكاذيبه السابقة، وحاول فقط إعادة إسرائيل إلى مركز الخريطة السياسية، وإعادة خلق إجماع بين الحزبين حول إسرائيل، ولم ينجح في ذلك». اما الصحافة الأمريكية فقد انتقدت خطاب نتنياهو، وقالت وكالة أسوشيتد برس على سبيل المثال، إن «نتنياهو الذي تزايدت الانتقادات ضده داخل إسرائيل يهدف إلى تصوير نفسه كرجل دولة لا زال يحظى باحترام الولايات المتحدة، اما العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل فما عادت ملتبسة ويخطئ من يظن ان إسرائيل ما هي إلا ولاية أمريكية! والعكس يبدو هو الصحيح والأسباب معروفة.
1212
| 29 يوليو 2024
الحرب… شكل من أشكال السياسة تمارس بعنف، محكومة بتحقيق (غرض) محدد يصدره للمؤسسة العسكرية قائد سياسي في إطار توجيه مكتوب. وهو أي (غرض) الحرب من الأهمية بمكان، لأنه يرسم تفاصيل الخطط العملياتية واللوجستية ويعمل على توجيه الجهود بشكل فعال ويحقق التنسيق والتعاون الأمثل بين القطاعات على تنوعها، بل يمكن القول إن دقة تحديد (غرض) الحرب وقابليته على التحقق - الجانب العملي - هي من بين عوامل هامة أخرى - حاسمة في تحقيق نتائج العمليات العسكرية، نصراً أو هزيمة، لذلك الاعتناء به واجب. (السيوف الحديدية) هو الاسم الذي أطلقه الكيان الصهيوني على العمليات العسكرية على غزة، وكان الأجدر تسميتها (نزع السراويل !!) كما يقول الكاتب حاييم ليفنجستون في جريدة هآرتس، واختار لها رئيس الحكومة نتن ياهو غرضين: «القضاء على حماس، واستعادة الأسرى لدى كتائب الأقصى»، وبعد تسعة أشهر من العدوان تتلاشى آمال الصهاينة في تحقيقها على الرغم من حجم النيران التي فتحت على غزة المحاصرة أصلاً والإبادة الجماعية واسعة النطاق، وهو ما كان تنبأ به عدد غير قليل من المفكرين الإستراتيجيين انتقدوا وحذروا منذ البداية من العمل بنص التوجيه. بينما انتظر جنرالات جيش الاحتلال الصهيوني قتلة الأطفال ثمانية أشهر ليتذكروا أن أغراض الحرب على غزة وعلى وجه الخصوص (غرض القضاء على حماس) ليست غير منطقية فحسب، إنما غير عملية، أي لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيقها…!!! جاء ذلك في تصريحات المتحدث باسم الجيش دانيال هاغاري «بأن الحديث عن تدمير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ذر للرماد في عيون الإسرائيليين»، وأضاف في تصريح آخر للقناة 13 الإسرائيلية «فكرة أننا نستطيع تدمير حماس، أو جعلها تختفي فكرة مضللة للجمهور»، مبينا أن «حماس فكرة، ولا يمكننا القضاء على فكرة». الجنرالات تجاهلوا هذه التحذيرات وفضلوا المضي على عجل بالعدوان منذ اللحظة الأولى، بعد أن أخذتهم صدمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 من جهة، والشعور الطاغي بالقوة الجبارة (التي لا تقهر!!) تحت تصرفهم والدعم الأمريكي البريطاني غير المحدود من جهة ثالثة، حالهم حال مجنون أصابته هستيريا وبيده آلة قتل مدمرة، فهل سيفكر بالانتقام العاجل ويشفي غليله أم ينصرف لدراسة التوجيه ويتأمل فيه وفي مضامينه ومدى عقلانيته وإمكانية تحقيقه، بحكمة وروية، أكيد سيقع رهينة الاحتمال الأول، وهذا ما حصل بالفعل… جيش الاحتلال أخطأ في حساباته واكتشف بعد شهور أن حسابات الحقل غير حسابات البيدر! وأنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق (غرض) الحرب، لكن لأن الهزيمة يتيمة أو قل لقيطة لا أحد يشرفه أبوتها أو انتسابها له، ولكي يخلي رئيس الأركان هاليفي نفسه من مسؤولية الفشل، وجد أن أفضل طريقة هي في تحميلها رئيس حكومة الاحتلال! من خلال تعريضه المتأخر جداً بـ (غرض) الحرب والطريقة التي كان صاغها رئيس الوزراء على شكل توجيه يفتقر للوضوح والمنطق، وإمكانية التحديد والقياس، يريد أن يقول للإسرائيليين إن رئيس حكومتكم هذا ليس فقط جاهلا بل وغير مؤهل لإدارة حرب ناجحة وهو بالتالي يتحمل الإخفاق في تحقيق (غرض) الحرب. تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» وصف تصريحات الجيش الإسرائيلي بأنها «توبيخ مباشر نادر» لنتانياهو، الذي طالما يشدد على تحقيق ما يسميه بـ»الانتصار الكامل» من خلال ثنائية القضاء على حماس، وإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين. رئيس الحكومة نتن ياهو هو الآخر لم يتأخر بالرد على تشكيك المؤسسة العسكرية واعتبره بمثابة انقلاب على القيادة السياسية المعنية مباشرة بوضع (غرض) الحرب للمؤسسة العسكرية كي تعتمدها كمرشد ودليل لرسم تفاصيل خطط العمليات الحربية واللوجستية، لم ينتظر بل رد على الجيش الإسرائيلي بقوله إن «إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشا له دولة»، هو بالمناسبة لم يرد على ملاحظات الجيش حول عدم فاعلية (غرض) الحرب، بل ذهب إلى إدانة انضباط الجيش لا غير، بينما ترك ولده ومؤيدوه للطعن بكفاءة الجيش وقدراته على حسم المعركة لصالحه، بينما هو لم يكن يفوّت فرصة خلال الشهور الماضية لإلقاء اللوم على كبار قادة الجيش والاستخبارات بخصوص ما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حين شنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس معركة طوفان الأقصى. من الواضح أن القيادة في الكيان الصهيوني تعاني حالة استعصاء غير مسبوقة، وقد حل الشك محل الثقة المتبادلة بين السياسي والعسكري، وتعاظم الصراع بين المؤسستين وبات حقيقيا لا شكليا، لكن الطرفان مع ذلك تجمعهما الرغبة المشتركة في إطالة أمد الحرب، وكأن هذه الرغبة أصبحت بمثابة (الغرض) المستور أو غير المعلن من الحرب، والكل يراقب الفشل الذريع في تحقيق (غرض) الحرب المعلن لابد من كبش فداء، وعين نتن ياهو على المؤسسة العسكرية بينما عين الأخيرة لا تغادر شخصه، والطرفان يتطلعان إلى تصفية حسابات قديمة مستفيدين من ضبابية التوجيه للحرب. وهكذا أصبح غرض الحرب لا سيما المتعلق (بالقضاء على حركة حماس) وسيلة لا لإنجاز الحرب بوقت معقول بل إلى الدفع بحرب بلا أفق …. حرب لن تفضي إلى نصر …حرب بعد أشهر من اندلاعها لا يزال غرضها مثار جدل، يتبادل فيها العسكري والسياسي الاتهامات… مثل هكذا حرب لن يكتب لها الظفر خصوصا إذا ما تراكمت معها أسباب أخرى. كما يقول عاموس هارئيل المحلل بصحيفة هآرتس إن «سلسلة من المناقشات أجريت الأسابيع القليلة الماضية مع شخصيات رفيعة المستوى في مؤسسة الدفاع تشير بشكل متزايد إلى أن إسرائيل تتجه نحو فشل ذريع متعدد الأبعاد». لنا في التاريخ العسكري قصة نختم بها، ففي 23 يوليو 1942 أصدر هتلر التوجيه التالي لاحتلال ستالينغراد كغرض فرعي للحرب على روسيا (بربروسا): «الغرض الرئيسي هو السيطرة على مدينة ستالينغراد وتدمير الدفاعات السوفيتية في المنطقة وقطع خطوط الإمداد الرئيسية للعدو». توجيه واضح المعالم قابل للقياس، ومع ذلك تحول الهجوم على ستالينغراد إلى معركة استنزاف طويلة ودموية بين الجيش الألماني المهاجم والمدافعين عن المدينة. معركة ستالينغراد بدأت في 23 أغسطس 1942 وانتهت في 2 فبراير 1943، بهزيمة إستراتيجية للجيش الألماني الغازي. هذا الانتصار كان نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية، حيث أوقف تقدم القوات الألمانية وبدأ سلسلة من الهزائم التي انتهت في النهاية بسقوط الرايخ الثالث. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه حتى مع وضوح (الغرض) على أهميته فإنه لم يسعف هتلر ويمنع هزيمة جيشه، ذلك أن قتال الجيش النظامي في المدن والحضر (المناطق المبنية) مهمة شاقة والنصر فيها عزيز ونادر، خصوصا إذا كان الجيش قد درب على الحرب الخاطفة، وتصدت له مجاميع من مقاتلين تمترسوا خلف الأنقاض وداخل البيوت المهدمة والشوارع المحفورة وبين الخدمات والمرافق المخربة… مقاتلين بواسل يحملون أرواحهم على أكفهم، ينشدون الشهادة كما ينشد غيرهم زينة الحياة الدنيا… حتى لو كانت ذليلة. الحاصل، مسار الحرب في غزة ونتائجها حذر منه لواء الاحتياط بالجيش الإسرائيلي إسحاق بريك في مايو/أيار الماضي حين ذكر أن الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حركة حماس حتى لو طال أمد الحرب، مشيرا إلى أن إسرائيل إذا استمرت في الحرب ستتكبد خسائر جسيمة تتمثل في انهيار جيش الاحتياط الإسرائيلي خلال فترة وجيزة. المحتل الصهيوني يريدها حربا طويلة بلا أفق ولا غرض واضح، يقتل فيها كل يوم المزيد من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة ويدمر ويخرب فيها كل شيء، ونريدها بالمقابل (حرب استنزاف) تتفاقم فيها خسائره وتتحول فيها غزة إلى مأزق إستراتيجي يتعلم منه الغازي المحتل درس الحياة، ويعيد بموجبها حساباته ومن بينها صياغة (غرض) للحرب، يعبر عن واقع الحال، وهو أكثر وضوحاً ودقة: (القضاء على حماس غرض… يستحيل تحقيقه).
1407
| 27 يونيو 2024
يُطلقون عليها وساطةً، لكن طالما هي ليست مدفوعةً الأجرـ فهي مساعٍ حميدة تلك التي تضطلع بها عن جدارة وما زالت دولة قطر، انطلاقاً من شعورها بالمسؤولية الأخلاقية ونزوعها المبدئي نحو السلام والعدل، ورغبتها في الإحسان ونصرة الضعفاء في العالم، ولا غرابة في ذلك فقد عرفت وهي كذلك بأنها (كعبة المضيوم)، تؤدي عملها بهدوء ولا تنتظر حمداً ولا شكوراً. وفي هذا المجال نجحت الدوحة أيما نجاح، إذ تركت سجلاً لا يُبارى وحققت اختراقات عميقة في تفكيك مشاكل دولية مستعصية، وفي ظروف صعبة بين أطراف وصلت علاقاتها إلى طريق مسدود، ومع ذلك تكفلت بها دولة قطر وأحكمت ادارتها ونجحت وظفر طرفا النزاع في النهاية بالجائزة وتنفس العالم الصعداء. ترافق ذلك مع ثناء وتقدير المجتمع الدولي للمساعي الحميدة التي تبذلها الدولة، وتقديره بالتميز الذي يحظى به فريق العمل من خصائص لم تتوفر لاي فريق عالمي آخر: المهنية العالية، الحيادية، والنزاهة، المقبولية الدولية، والمبدئية والإنسانية، والفاعلية والشجاعة مع الحكمة والثقة والمصداقية، وتفاصيل وثوابت كثيرة في هذا المجال لم تعد خافية على أحد. ** أصبحت قطر أيقونة، للوساطة الخالصة المجردة من أي منفعة أو مصلحة، وساعدها في ذلك الحضور الفعّال في المحافل الإقليمية والدولية خصوصا في ظل الأدوار الكبرى التي تلعبها بما يتعلق بصون السلم والأمن الدوليين وإرساء التنمية المستدامة وسياستها التي تهدف إلى تعزيز مجالات التعاون والشراكة في العالم. على هذا الأساس تركت قطر بصمة تاريخية في ملف الخلافات المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، بين الولايات المتحدة وطالبان، بين روسيا وأوكرانيا، بين الولايات المتحدة وفنزويلا …. والعشرات من ملفات خطف رهائن، كما توفقت في نوفمبر الماضي في إبرام هدنة مؤقتة بين حماس والكيان الصهيوني وتكللت جهودها في ايقاف النار المجنونة والعدوان الهمجي على غزة لمدة اسبوع ونجحت في اخلاء سبيل 100 محتجز اسرائيلي مقابل مسجونين فلسطينيين، والتمكين لتدفق المساعدات لغزة المحاصرة … كما نجحت في صفقة ادخال أدوية للأسرى الاسرائيليين مقابل مساعدات طبية لمشافي غزة... التي أصبح أغلبها بسبب العدوان أثراً بعد عين. لكن المحاولة الجديدة بالتنسيق والتعاون مع جمهورية مصر تعثرت، لا لقصور جهود الوساطة، ولا لفشل الفريق المفاوض، ولا حتى لتعنت الفصائل المسلحة بل حصراً لتقلب (نتنياهو) وتلاعبه بالمواقف سعياً منه تأخير إبرام اي اتفاق محتمل من أجل إطالة أمد الحرب بأي ثمن، إذ كان يريدها صفقةً صفرية، لا مكاسب ملموسة للطرف المقابل صاحب الحق، وشروط قاسية في تبادل المسجونين بالرهائن، لا انسحاب من القطاع، وتوقف غير دائم لإطلاق النار، ولا سماح لعودة النازحين لشمال القطاع، ولا تراجع عن اجتياح رفح، مع تقنين دخول شاحنات الإغاثة... الخ هذه بكلمة أخرى شروط إذعان، لا تستجيب حتى لمطالب اهالي الرهائن من الاسرائيليين الذين يطالبون حكوماتهم بالمرونة لأسباب إنسانية، فضلاً عن المطالب المشروعة لفصائل المقاومة بوقف العدوان، وقد بات مطلباً دوليا بعد أن صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الامن، إضافة إلى قرار محكمة العدل الدولية. ** رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو)، كان يحلم بموقف قطري منحاز، ضاغط على حركة حماس وإجبارها على اتخاذ موقف ليس في صالحها ولا في صالح أهلنا المُعتدى عليهم في غزة، ببساطة كان يريد أن تخرج قطر عن سكة الحياد الأخلاقي، وتنصر الظالم وتفرط بحق المظلوم، ولمّا لم يتحقق ذلك ووجد في قطر مبدئية غير قابلة للمساومة، تحركت الماكينة الإعلامية الصهيونية بالطعن في قطر والتشكيك بدورها في المفاوضات، وجاء ذلك على لسان (نتنياهو) ووزرائه من عتاة المتطرفين اضافة لأعضاء سابقين في الموساد !! غير أن الموقف الاغرب جاء من مشرعين في الكونغرس الأمريكي، والأبرز كان تصريح النائب الديمقراطي القيادي (ستيني هوير) الذي وجه تحذيرا لإدارة الرئيس بايدن بضرورة (اعادة تقييم العلاقة مع قطر !!)، على الرغم ان الادارة الأمريكية لم تتردد يوماً في التعبير عن الثناء والامتنان للدور القطري في جهود الوساطة، وجاء اخيراً تصريح وزارة الخارجية الأمريكية بقولها (لا يوجد بديل لدور دولة قطر في المفاوضات). مواقف مسيسة غرضها معلوم، ومضمونها إما أن تنحاز قطر لمطالبنا أو تنسحب، ما وضع مصداقية قطر ومبدئيتها في اختبار دقيق، ولأن مواقف قطر ليست بضاعة لمن يدفع اكثر، فقد قررت على الفور تعليق ومراجعة جهودها، وصدر عن وزارة الخارجية التصريح بانها سوف «تعيد تقييمها لجهود الوساطة التي تقوم بها بين السلطات الإسرائيلية وحركة حماس، لإنهاء الحرب، مع تأكيدها رفض المزايدات التي يقوم بها ساسة في تل أبيب ضد قطر». وفي هذا الصدد علق رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: بأنه «من المؤسف أن يتم استخدام الوساطة لأهداف سياسية، الأمر الذي حدا ببلاده إلى تقييم الوساطة بشكل عام»، لافتا إلى أن»المفاوضات أخذت وقتاً أطول مما يجب، بسبب التعقيدات، موضحا أن الوسيط دوره محدود، ولا يمكنه أن يتجاوز الواقع «. وأضاف رئيس الوزراء القطري أنه بالرغم من كافة الجهود المبذولة هناك مزايدات سياسية من «أصحاب الحسابات الضيقة وسجّل استياءه من إطلاق تصريحات هدامة ضد الدوحة». ** السؤال … لماذا هذا الانزعاج من موقف قطر؟ هل بخلت قطر بجهد؟ أم أن الأطراف الأخرى لم يرق لها مبدئية ونزاهة وموضوعية قطر؟ هذه المواصفات بالتأكيد ليس ما تتمنى إسرائيل او المؤيدون لها في الكونغرس الأمريكي، على الرغم من أن المصلحة الأمريكية تقتضي مواصلة قطر دورها المسؤول في جهود الوساطة، لهذا يتوجب على الإدارة الأمريكية أن تتخذ القرار المطلوب في هذه المسألة وتراعي مصالحها التي ثبت انها ليس بالضرورة نسخة من مصالح إسرائيل حسب منظور (نتنياهو)، والذي بسبب تفاوت الرؤى شق عصا الطاعة عن الادارة الامريكية، بل وأهان رئيسها وأحرجه في مناسبات عدة خلال الأشهر الستة الماضية. الحملة على قطر مسيسة، ذلك ان الوسيط لا يتحمل في العادة تبعات مواقف الأطراف المتصارعة، لانت أم تشددت!، بل إن دوره ينحصر في إقناع الطرفين من أجل الوصول إلى حل وسط يقبل به الطرفان، وفي هذا المجال قطر تبذل ما في وسعها، لكنها كوسيط تبقى غير مسؤولة عن حركة حماس ولا عن مواقفها رغم أن للحركة كل الحق، وهي حرة في الرد والتعامل مع العدوان بالطريقة التي تشاء، حالها حال أي طرف يتمتع بكامل الاستقلالية في تبني الموقف الذي يعتقد بصوابه وجدواه. هل استجاب نتنياهو لتحفظات وملاحظات الرئيس الأمريكي في إدارة الحرب؟ أم أنه وفريق لجنة الحرب لم يتوقفوا عن التصريح في كل مناسبة بان إسرائيل وليس الولايات المتحدة هي التي تقرر وليس أي طرف آخر على الرغم من العلاقة العضوية المتينة التي تربطهما! ** من حق دولة قطر أن تقرر على ما تراه مناسباً، لكن جهودها ستبقى مطلوبة، ولا بديل، خصوصاً والأوضاع في غزة لم تزل كارثية تستدعي حضورها الفاعل ومواصلة مساعيها الحميدة حتى النهاية. من جانب آخر، الحملة الظالمة على قطر ماهي إلا تزكية لها ولمواقفها المبدئية والإنسانية، لهذا كان ينبغي على الدول العربية والإسلامية والصديقة والمنظمات الإنسانية حول العالم ان تعلن موقفها الصريح في الوقوف معها بحزم ودفع الشبهات عنها، وإقناعها بمواصلة مساعيها الحميدة حتى النهاية. وبينما الأمين العام للأمم المتحدة يثني على دور دولة قطر، ويطالب بمواصلة مساعيها الحميدة، تلوذ الجامعة العربية بالصمت حالها حال مجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي... وكأن الأمر لا يعنيهم!! قطر تنادي (غزة لست وحدك)... فمتى نسمع عبارة (قطر لست وحدك) ؟؟؟
936
| 24 أبريل 2024
الحرب المجنونة على قطاع غزة، بعد مائة يوم من الوحشية والبربرية الصهيونية، والتي أخذت شكل إبادة جماعية، وحرب ضد الإنسانية، فإن حصادها مصاب، لوعة وألم، في البشر والحجر والشجر، لكن حصادها في الجانب الآخر، أكثر مرارة وألماً، وشتان بين ألم وألم، بين ألم يتحمله الإنسان تجملاً عن قناعة ويقين في جهاد يفضي إلى هدف نبيل سام، وبين مهووس بثقافة عنصرية شوفينية، وكراهية بلا حدود ومسح للآخر. لا يتحمل الالم، بل ينعكس عليه بسلوك عنيف وصدمة وخوف وقلق، وقد سجل الآلاف من افراد الجيش على لائحة العوق النفسي والعصبي الامر الذي استدعى ميزانية خاصة لمواجهة هذه النفقات!. بعد مائة يوم.. اسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق اهداف الحرب، تعرض الجيش لخسائر هائلة في الضباط والجنود، فقد ما يزيد على 1000 عجلة بين دبابة وناقلة جنود وجرافة وغيرها! رافقه فشل بتحرير حتى اسير واحد! أما هدف القضاء على حماس، فها هي اشتباكات مجاهديها من كتائب القسام على الارض مع جنود الاحتلال، تتكرر في اليوم الواحد مرات عدة دليل الفاعلية والجاهزية القتالية، فضلا عن المعنويات العالية، بالإضافة إلى صواريخ وقذائف القسام التي لم تتوقف رشقاتها نحو المدن والبلدات داخل الارض المحتلة، هي أكبر شاهد على حضورها وفعّاليتها في إدامة زخم المقاومة، أما الهدف الثالث المهم فيتعلق باستعادة «الردع» المفقود فقد تلاشى وغاب عن البيانات العسكرية ومن الخطاب السياسي، لأنه ببساطة سقط تحت ضربات كتائب القسام في صولتهم المباركة في السابع من أكتوبر، وبها تمزقت سردية «الجيش الذي لا يقهر»! وهي واحدة من الأكاذيب التي تراكمت على مدى عقود من الزمن، لكنها تهدمت خلال ساعات. أما الداخل الصهيوني فهو منقسم انقساماً حاداً، والفجوة تتسع بين الصهاينة المتطرفين وبين الاكثر تطرفاً، بين من يعتقد بأن مواصلة الحرب لا تخدم سوى تطلعات وطموحات رئيس الحكومة نتنياهو، وحاجته لتحقيق اختراق عسكري يستعيد ما فقده، او يلمع صورته الملطخة بالفساد، وبين من يعتقد بضرورة مواصلة الحرب مدفوعاً بكراهية لا قبل للبشرية بها، تقضي- فيما يتخيله- بمسح غزة عن بكرة أبيها من الوجود. لكن ربما الحدث الأبرز خلال هذه المائة يوم هو مثول إسرائيل ولأول مرة أمام محكمة العدل الدولية باتهام معزز بالأدلة والبراهين لارتكابها الابادة الجماعية. أتقن عرضها فريق محامين متمرس يرأسهم وزير العدل في دولة جنوب افريقيا. من جانب آخر، دمر جيش الكيان الصهيوني بالقصف العنيف كل وسيلة للحياة على ارض غزة، مركزاً على المنازل والمشافي والمدارس ومراكز الإيواء والمساجد والمخابز. حتى لم يعد فيها شبر آمن، ترافق ذلك مع قطع الغذاء والدواء والماء والكهرباء والوقود. مستهدفا حرمان أهل غزة من مقومات الحياة، والذي ينجو من القصف الوحشي يموت جوعاً او عطشاً أو مرضاً، لم يستثن من ذلك حتى الأطفال الخدج! والغرض واضح والنوايا الخبيثة معلومة، دفع السكان للهجرة بهدف إخلائها، لكن هيهات! فالشعب أبيٌّ وهو يأبى ان يهاجر او يُهجّر، ومقاومة باسلة مذهلة وتأييد شعبي عالمي لا نظير له، وصورة إسرائيل النمطية في العالم باتت في الحضيض، والعالم وخصوصاً شريحة الشباب تراقب وتتأمل مبهورة من صمود أهل غزة الأسطوري. ويصدحون بمشروعية المقاومة وحق فلسطين في الحرية والوجود، بل يرون الحل في ازالة اسرائيل وليس في «حل الدولتين» كما تعدى تأثر الشباب الى «الدين» الذي صنع إنساناً قادراً على الصمود بل والاستهانة بالألم والحمل الذي تنوء به الجبال، ترافق ذلك مع السمو الاخلاقي والتميز الراقي. أرادوا مسحها «غزة» فتحولت إلى أيقونة واصبحت مصدر إلهام لجميع شعوب الارض. ولكن حملناها نفوساً كريمةً تُحمّل ما لا يستطاع فتحملُ لم تعد الصورة المزورة (للضحية الوادعة الباحثة عن السلام تستجدي تحسين فرص الحياة والمهددة من جيران متوحشين) لم تعد هذه الصورة لتنطلي على أحد، واستبدلت بصورة مغايرة تماماً، هي صورة الصهيوني الفاشي السادي المتوحش. هكذا اقترنت افعالهم باقوالهم. فمن ينكر؟ حتى بروباغندا الهولوكوست والمحرقة - صحت أم كذبت - تهدمت تحت انقاض غزة. أمّا المحرقة الحقيقية فهي هنا في غزة وهي ماثلة اليوم للعيان وسارت بأخبارها الركبان فلا يسع احد ان ينكر الا من كان اعمى البصيرة ارمد العين. صحيفة يديعوت احرونوت اختصرت مشهد ما بعد مائة يوم من تراكم الخيبات والهزائم: (علينا ان نتعايش مع الهزيمة!) وقبل ايام في مقال آخر: (عندما تكون في حفرة توقف عن الحفر اكثر… اقتباساً من مقولة “ دينس هيلي / وزير دفاع بريطاني «. حرب لا نهاية لها.. تدفع ثمن حياة جنودنا ولا تقربنا من النصر). وبينما اختارت الولايات المتحدة الأمريكية الاصطفاف حد المشاركة الفعلية في الحرب على غزة والتحقت بها بريطانيا وألمانيا دون أدنى مراعاة للمصالح الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية مع الدول العربية والإسلامية، فإن المصلحة تقتضي مراجعة واعادة تقييم العلاقات معها، أما الاقربون من غزة من المحيط إلى المحيط، باستثناء قلّة، الغالبية من الأنظمة والحكومات فقد فضلت الصمت واختارت القعود والتفرج وربما الاكتفاء بالحوقلة: وشرُّ سلاح المرء دمعٌ يفيضه اذا الحرب شُبّت نارُها بالصوارم على ان المنازلة لم تنته بعد ومن يجد في نفسه خيرا فليفعل، ومن جاهد فلنفسه، ومن قعد فعليها، وللتاريخ لسان يذكر وعين تبصر. كلمة اخيرة، كيفما ستكون مآلات هذه الحرب، فإن دروسها ومضامينها ترسخت وقضي الأمر، ألخصها بمايلي: • البحث عن حل عاجل لمظلومية فلسطين بات مطلباً عالمياً ملحّاً. • ان القوة العسكرية مهما بلغت فإنها عاجزة عن كسر إرادة شعب يتطلع إلى الحياة بشرف وكرامة. • ان الايمان الصادق لا زال كما كان في فجر الاسلام صانع أعاجيب ومعجزات. • ان اسرائيل دولة مارقة، وحشية بربرية عنصرية، تشكل خطراً كبيراً على البشرية لابد ان يتصدى لها المجتمع الدولي. • ان رهان الاتفاقيات المذلة والتنازل عن الحقوق املاً في استعادتها لاحقاً خيار فاشل. • وأخيراً سقطت الحضارة الغربية، بما فيها من قيم وركائز، وثبت ان المنظمات والقوانين الأممية الضابطة مجرد ادوات بيد القوة الغاشمة تستخدمها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن متى شاءت، للتلاعب في مصائر ما يقرب من مائتي دولة في العالم، لهذا فإن البحث عن نظام جديد اكثر عدلاً بات مطلباً غير قابل للتأجيل والعالم حقاً اكبر من خمس.
1542
| 17 يناير 2024
صولة طوفان الأقصى في 7 اكتوبر وما تلاها من عدوان على غزة، أشغلت ولا زالت العالم كله في الداخل والخارج، والذي بات مأخوذا بحرفية المقاوم الغزاوي وبسالته وإنسانيته من جهة، ومصدوماً، متألماً، غاضباً على جيش أكد بفعله أنه، رغم بروباغندا تحسين السمعة المغرضة، ليس أكثر من جزار فاشل لم يقتن لا فن الحرب ولا إدارتها، بل تحول بساديته المفرطة إلى ثور مجنون أخذته المباغتة وصدمته الاهانة التي لحقت به ذلك اليوم، فقد السيطرة وبات يخبط خبط عشواء يعوض فشله وخسائره بالقصاص والانتقام الجماعي من أهل غزة مستهدفاً الأطفال والنساء بالمقام الاول اضافة للشيوخ والعجزة والمرضى … باختصار لقد ارتكب الكيان الصهيوني ابادة جماعية في غزة، حصادها حتى الان ما يزيد على واحد وعشرين الف شهيد وعشرات الالوف من الجرحى والمصابين اغلبهم أطفال ونساء … وبعد ثمانين يوماً من الحرب، بان الغرض الخبيث للعدوان، ويتلخص بتحويل القطاع إلى مكان ليس فقط غير آمن بل غير قابل للحياة او العيش أملاً في اجبار ما يزيد على 2 مليون إنسان على النزوح والهجرة قسراً إلى دول الجوار …. لكن المخطط المشؤوم يصطدم، قبل أي شيئ آخر، بجدار صلب غير قابل للاختراق، مواصفاته، الصبر والاحتمال والثبات ….هي باختصار التعبير الدقيق لسلوك شعبنا المحاصر والمعتدى عليه في غزة، وكلما زاد الالم، سما الغزاوي بصموده وتمسكه بأرضه ودفاعه عن قضيته. ومع هذا السمت الراقي في التعامل مع العدوان، هناك وجه آخر، لا يقل عظمة ولا أهمية ويعني بسلوك وتعامل الغزاوي مع نفسه وأخيه، في علاقته مع عائلته وجيرانه، مع المجتمع او مع السلطة، واجهزتها ومرافقها وخدماتها ….مع القانون والنظام، حيث تبرز للراصد قيم هذا الشعب، تربيته وأخلاقه التي ظهر سموها ورقيها في زمن شدة لم نشهد لها مثيلا …. رغم الالم وعظم المصاب والفجيعة، هل سمعتم غير (حسبنا الله ونعم الوكيل؟ ) ….هل سمعتم تذمرا او شكوى، هل رأيتم خرقاً للقانون والنظام ؟….. وكما هو معروف، يعيش هذا الشعب حرماناً من أبسط مقومات الحياة. محاصراً سبعة عشر عاماً ثم تضاعفت معاناته بعد ٧ أكتوبر، اذ أحيط بهم محاصرين براً وبحراً وجواً، فلا يكاد يجد الواحد منهم في اليوم ما يسد رمقه او يبل ريقه، يناشد من حوله من عرب ومن عجم قارورة ماء فتمنع عنه، طفلهم محروم من مذقة لبن، والعائلة من رغيف الخبز، مرضاهم وجرحاهم من حبة الدواء والمشافي المؤهلة، بل ضاقت حتى الارض في دفن الشهداء والموتى …وتردى نمط الحياة، وبلغت القلوب الحناجر … حالهم حال الاضطرار والضرورة التي يباح فيها اكل الميتة، حالة الضرورة إن سرق الشخص لا يقام عليه حد لشبهة الحاجة الملجئة، ظواهر معتاد ان تصاحب الناس في أوقات الفتن او الشدة البالغة والمصاب الكبير، حتى تتردى القيم وتهتز الثوابت، وتطغى الأنا … وينشط ضعاف النفوس - ولا يخلو منهم مجتمع - في العدوان والتجاوز على مافي أيدي غيرهم، يغريهم كون الأجهزة الشرطية معطلة والناس مشغولة بالنجاة من العدوان الذي لم يترك بقعة ولو صغيرة في غزة الصابرة …آمنة … لكن المفارقة اللافتة للنظر، وقد عبّر عنها معنيون بعلم الاجتماع، ان السمت الذي عرف به الغزيون ايام السلام لم يتغير ايام الحرب !! اذ من غير المعقول او المتوقع رغم شدة الحرب على غزة ومحدودية مساحتها ومواردها وكثافة المقيمين على ارضها وتراكم آثار الحصار عليها ….رغم كل ذلك ان لا تقع حادثة سرقة واحدة !! ان لا ينهب محل واحد وتكسر الأقفال وتستباح املاك الناس والمتاجر ولا تهاجم الشركات ولا بيوت الاغنياء الميسورين..هذا غير معقول ! بل المتوقع في مثل هذه الاحوال ان ينشغل رجل الشرطة صباح مساء بملاحقة الجرائم والمجرمين ….لكن الذي حصل هو العكس تماماً فالناس هناك متعاونون متكافلون يشد بعضهم أزر بعض، ويؤثر بعضهم بعضاً ليصدق عليهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: « ان الاشعريين (أهل اليمن) إذا أرملوا في الغزو، او قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم «وهكذا تجد أهل غزة صابرين إذا حلّ البلاء بهم، لا الصعب عندهم صعبٌ ولا المحال محال...يتقاسمون القليل المتاح، حامدين شاكرين ….ظاهرة ادهشت الغرب بل العالم أجمع وهم يجهلون السر في ذلك، وفي الذاكرة الفلتان الامني في اللحظة التي تسود فيها العتمة، حيث ينطلق الأفراد والجماعات والعصابات في تسونامي رهيب سلباً وسرقة واغتصاباً وتسوية حسابات ….قتلاً وخطفاً، لمجرد انقطاع الكهرباء لدقائق معدودة في مدن وعواصم كبرى كما حصل في نيويورك سنة ١٩٧٧م لتقبض الشرطة على ٣٧٠٠ شخص حيث قدرت الخسائر بحوالي مليار دولار ! ملاحظة اخرى، الكل يعلم المقاربة التي اعتمدها الكيان الصهيوني في تحقيق هدف الحرب (القضاء على حماس) …ان جيشه أجبن من ان يقارع المقاومة الباسلة وجهاً لوجه، المقاومة التي نذرت نفسها لله، وخيارها بين النصر والشهادة، بينما نذر جيش الاحتلال نفسه للشيطان، لهذا توجه العدو إلى الطبقة الهشة او الرخوة ليحيل حياتها إلى جحيم لا يطاق املاً في ان ينقلب الغزاوي على الحمساوي وتدور رحى حرب اهلية ينشغل بها الغزيون بعضهم ببعض، ويجري تفكيك اواصر الجبهة الداخلية، تنكسر بها شوكة المقاومة وتضعف، باشغالها بالداخل بدل الانصراف للرد على العدوان الصهيوني، وهذا سيكون كفيلاً بتحقيق هدف الحرب بأقل الخسائر … لكن ذلك لم يحصل أيضاً وصمد الناس وتحملوا العبء الأكبر من الاذى وبقيت الجبهة الداخلية متماسكة وانصرف المقاوم للتفنن في ملاحقة الغزاة، مطمئناً إلى ظهره، محمياً بحاضنته الشعبية مطمئناً لها ….. وهكذا أجهض الغزيون بصبرهم وثباتهم المساعي الخبيثة لدولة الاحتلال، وتعذر على جيشها تحقيق هدف الحرب. وثمة أمر آخر في أسطورة الشعب الغزاوي أن امراة من الاسرى الرهائن لدىٰ كتائب القسام، والقصف اشتد قريباً منها، تقول للحارس القسامي وهي ترتعد:أخشى ان أموت. فأجابها: لا يا خالة لا تخافي نحن بنموت قبل لا تموتوا. فقارن هذا الموقف الإنساني الرفيع مع ما يحصل للاسرى الفلسطينيين أو الفلسطينيات على أيدي الصهاينة المحتلين. ملكنا فكان العفو منا سجيةً ولما ملكتم سال بالدم أبطحُ وحللتمُ قتل الاسارى وطالما كنا عن الاسرى نمنّ ونصفحَ فحسبكمُ هذا التفاوت بيننا وكل اناء بالذي فيه ينضحُ شعب، يثير العجب والإعجاب، كأنه صنعه الله على عينه، هو لا ينكسر، بل ينتصر او يموت … لا نزكي على الله أحدا، لكنها الحقيقة بدون رتوش، بقي أن نسأل عن السر وراء هذا السمت العالي … لا تعجبوا إنه «الإسلام …» أيها السادة.
1719
| 28 ديسمبر 2023
لولا العجز، لولا الاضطرار ما وافقت اسرائيل على الهدنة رغم انها مؤقتة! وصفها « نتن ياهو « بأنها قرار مؤلم للغاية لكنه الصح !! بمعنى لا خيار لدى اسرائيل في قبوله والظرف الذي تنوء تحت وطأته اسرائيل لاشك حاكم!! وللتأكيد دعونا نراجع أهداف الحرب التي سطرتها حكومة الحرب المصغرة ابتداء كرد فعل على صولة «طوفان الاقصى» المظفرة …. وتضمنت 3 محاور رئيسية شملت ما يلي: • ضمان عدم قدرة «حماس» على شن هجمات في المستقبل. • استعادة ثقة الإسرائيليين بقدرة حكومتهم وجيشهم على توفير الأمن لهم. • إعادة تأسيس قوة الردع الإسرائيلية بنظر الأصدقاء والخصوم في جميع أنحاء الشرق الأوسط. بينما وضع الجنرالات امامهم اهدافا آنية مباشرة في غزوهم البري الذي انطلق في 27 تشرين اول / اكتوبر كانت بإختصار: • القضاء على حركة حماس. • الوصول الى الاسرى وتحريرهم (يعتبرونهم مخطوفين ) … وعلى مدى 46 يوما من الحرب الوحشية على غزة ما يقرب من شهر على انطلاق الغزو البري عجزت اسرائيل عن تحقيق أي من الهدفين !! رغم أنها أسرفت في وحشيتها وبربريتها في توظيف الالة العسكرية وهي بالمناسبة أحدث ماعرفته التكنولوجيا، قتلت اكثر من 14000 انسان، 6000 تقريباً منهم من الاطفال، وما يزيد على 4000 من النساء …ناهيك عن الجرحى والمفقودين …وتدمير 50% من الوحدات السكنية واحكام الحصار على 2,2 انسان شمل الماء والطعام والدواء والكهرباء وبعد استهداف منهجي قصفا وتدميرا للمشافي الطبية، الجامعات والمدارس والجوامع والكنائس والمخابز والاسواق وسايلوات خزن الحبوب بل شملت حتى مراكز الايواء التي تديرها وكالة تشغيل اللاجئين الاونروا …رغم ذلك لم ترفع غزة «الراية البيضاء « ولا توقفت صواريخ القسام، ولا تلاشت المقاومة الباسلة للقوة الغازية على الارض …. والاهم من ذلك، فشل الغزو البري الذي انطلق منذ شهر تقريباً في الوصول الى اسير صهيوني واحد ! لم تفلح ما يزيد على قنبلتين نوويتين القاها الطيران الصهيوني على ارض مزدحمة بالسكان لاتزيد رقعتها على 360 كم مربع في كسر ارادة شعب ولا في ثنيه واجباره على المساومة على ثوابته …على حقه المشروع في الحرية، العيش بكرامة، وتقرير المصير …كنا ندرس في كلية الاركان معارك نموذجية للقتال داخل المدن …كانت ستالينغراد هي المثل !! اعتقد من الان فصاعداً سوف تنزوي ستالينغراد خجلاً امام اسطورية صمود غزة و بسالة القساّمين فيها لتصبح هي المثل الاعلى للشعوب في جهادها ودفاعها عن حقها في الحياة الحرة الكريمة. يقال بأن الضغوط على الحكومة الصهيونية في الداخل من طرف عوائل الاسرى، والضغط الخارجي الذي اوقع الغرب وفي المقدمة الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي في مأزق اخلاقي وقانوني فريد امام العالم اجمع، هذه الضغوط هي التي اجبرت اسرائيل على تجرع السم ! لكن يقيناً ماكان صاحب القرار الصهيوني ليلتفت لهذه الضغوط - وهو تغافل عنها كل هذه الفترة - لو حقق العدوان العسكري اهدافه على الارض حيث فشل فشلاً ذريعاً. اللواء أفرايم هليفي، الرئيس الأسبق للموساد يقول: إن «من المؤسف أن كثيراً ممن يتولون المسؤولية الآن لا يعرفون حماس بشكل حقيقي، ولا يعرفون غزة، ولا يجيدون قراءة خريطة الشرق الأوسط» ومضى قائلاً “ انصح بترك أسلوب التبجح والتهديدات الفارغة والامتناع عن الاجتياح «بشكل كثيف وشرس». وأكد: «نحن إزاء شيء جدي ويجب التعامل معه بمهنية. واتخاذ القرارات بتروٍ شديدٍ، ووضع أهداف سياسية واقعية». وأضاف: «من يتحدث عن سحق حماس، لا يعرف عما يتكلم. حماس تنظيم كبير وقوي ولديه عزم وإصرار. قوامه نحو 150 ألف عنصر، بينهم عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين بشكل مهني. وفي قيادته مجموعة لا بأس بها من الأفذاذ، الذين لا أحبهم وكلي غضب عليهم، ولكنني أعترف بأنهم ذوو قدرات عالية في القيادة وأذكياء واستراتيجيون. وأقترح على مَن اعتاد الاستخفاف بهم أن يكف عن ذلك. وهم ليسوا تنظيماً سياسياً وعسكرياً فحسب، بل فكر وقناعات. وإذا قضيت على قيادتهم وحتى على تنظيمهم كله، وهذا غير واقعي، فإنك لا تستطيع القضاء على فكرهم. وسينبزون لك من تحت أرض ما في وقت ما. لذلك يجب أن نضع أهدافنا بشكل واقعي وأقدامنا على الأرض». هذه هي حركة حماس كما يصفها مسؤول اسرائيلي كبير،، و يدعو فيها صاحب القرار الاسرائيلي الى اعادة النظر ومراجعة الكثير من القناعات الخاطئة. حركة حماس من جهتها حددت غرضين للحرب: • ردع العدو عن مواصلة جرائمه وعربدته في الاقصى والضفة. • التعجيل باطلاق سراح الفلسطينيين من السجون الصهيونية. وقد باتت اقرب الى تحقيق الهدفين مما كانت عليه قبل الصولة المباركة في 7 اكتوبر. كانت مرتاحة وقد عرضت اخلاء سبيل الاسرى منذ وقت مبكر لكن رئيس وزراء الكيان الصهيوني كان يراهن على القوة العسكرية الغاشمة في تحقيق اهداف الحرب، و هذا يعني انه هُزِم …، وان مقولة (الجيش الذي لا يقهر) والتي مزقتها حركة حماس ….باتت مسلمة يصعب انكارها. (للمقال صلة)
3363
| 23 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4470
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
4191
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
2085
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
1467
| 05 مايو 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
861
| 03 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
747
| 05 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
744
| 07 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
738
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
693
| 08 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
546
| 04 مايو 2026
تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...
543
| 03 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
540
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية