رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ثقافة القطيع.. بين التبعية والتميز الضائع

مقال (لابوبو وعقلية القطيع) للكاتبة المبدعة سعدية مفرح المنشور على صفحات (الشرق) الغراء قبل أيام، حفزني ان ادلو بدلوي في ظاهرة مجتمعية مزعجة لم تزل تتنامى حتى باتت تهدد تميزنا وخصوصيتنا، تحول الفرد فينا إلى مجرد إمعّة، يعجبه ما يعجب الآخرين ويرفض ما يرفضونه، حيث يميل الناس إلى تقليد السائد والشائع واتباع الجماعة دون تمحيص أو تفكير نقدي. ظاهرة أصبحت أحد أبرز معوقات النهوض الحضاري، لأنها تقتل روح الابتكار والتميز في المجتمعات المعاصرة، في زمن يُفترض أن يكون الانفتاح والتنوع والإبداع سمته الأساسية، لا التقليد والاستنساخ دون وعي او ادراك. جون ستيوارت ميل (فيلسوف بريطاني) انتقد الظاهرة بقوله «إن التقليد هو العدو الأكبر للحرية العقلية، وما يُسمى بالرأي العام ليس إلا سلطة القطيع». ما ثقافة القطيع؟ مصطلح “ثقافة القطيع” يُستخدم مجازًا لوصف سلوك الأفراد الذين يندمجون في تيار عام أو توجه جماعي، ليس عن قناعة أو فهم، بل بدافع الانتماء، الخوف من العزلة، أو السعي وراء القبول الاجتماعي. يشبه هذا السلوك تصرفات الحيوانات التي تتحرك كجماعة دون وعي فردي، ويظهر في مجالات متعددة: من الموضة إلى الآراء والمواقف السياسية، ومن الخيارات المهنية إلى أنماط الاستهلاك، المحاكاة دون وعي او ادراك. لماذا يعزف الناس عن التميز؟ التميز يتطلب شجاعة، تفكيرًا مستقلًا، ومجهودًا مستمرًا. في المقابل، التقليد يمنح شعورًا بالأمان والانتماء، ويُجنب الفرد مشقة اتخاذ القرار أو احتمال الوقوع في الخطأ. وهنا تكمن جذور المشكلة: المجتمع أحيانًا يُكافئ الطاعة و”السير مع التيار” بينما يُعاقب المختلف أو المتميّز بتهم “الغرور” أو حتى «التمرد” او « الانغلاق». هنا تذكرت مقولة منسوبة إلى سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه «طريق الحق موحش لقلة سالكيه». كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تكريس ثقافة القطيع؛ حيث تُضخّم الاتجاهات السطحية والتافهة وتحولها إلى “ترندات” يتسابق الجميع لموكبتها ومحاكاتها والانخراط فيها، حتى وإن كانت خاوية لا دسم فيها من مغزى، أو قيمة أو معنى!. لكن ما آثار ثقافة القطيع على المجتمع؟ 1. قتل الإبداع: عندما يصبح التقليد هو القاعدة، يُهمّش كل ما هو جديد أو مختلف. 2. فقدان الهوية: يُصبح الفرد نسخة مكرّرة من الآخرين، ويفقد شخصيته ورأيه الخاص. 3. الجمود الثقافي والفكري: المجتمعات التي تتبنى “ثقافة القطيع” تتأخر في التقدم لأنها تعادي التغيير والابتكار. يقول مالك بن نبي (مفكر جزائري): «إن الجهل بالذات يُنتج عقلية التبعية، ويحول الفرد إلى نسخة مكررة من غيره». ويبقى السؤال كيف نواجه ثقافة القطيع؟ • تعزيز التفكير النقدي منذ الصغر، وتربية الأجيال على السؤال والتأمل والتقييم بدل الحفظ والتلقين. •تفهم “المختلف“ وربما الاحتفاء به بدل تسفيهه والتنمر عليه، سواء كان في الرأي، أو الذوق، أو نمط الحياة. •إعادة تعريف النجاح كمفهوم مرتبط «بالأصالة والإبداع» لا باستنساخ النموذج الدارج، •الوعي بدور الإعلام في تشكيل القناعات، والتمييز بين التأثير الإيجابي والتسويق الجماهيري المضلل. * اهمية التربية على صناعة القدوة في جميع مجالات الحياة. بسبب تخلفنا الحضاري، وتعرض أوطاننا للاستعمار، فُرضت علينا عادات وتقاليد ومفاهيم وأفكار وحتى مصطلحات وأسلوب حياة، ورغم اختلاف الكثير منها مع ما نملك من ثقافة او ارث او دين، وفيها الغث والسمين، فقد اعتبرناها، ودون تأمل او تمحيص. وكأنها مسلمات يقتدي بها فكرنا، ويهتدي بها اجتهادنا، ويستدل بها منطقنا، وينطبق عليها موقفنا. وتبقى الظاهرة ليست بالضرورة قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة تربية ومجتمع ومؤسسات تفضّل الراحة على المغامرة، والمألوف الدارج على المختلف المتميز، ورغم أن الطريق إلى التميز ليس سهلًا، فهو يبقى السبيل الوحيد لنهضة فردية وجماعية حقيقية، آن الأوان أن نتحرر من الخوف، ونجرؤ على أن نكون ذواتنا، ولا نكن إمعّة، وقد حذرنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه بقوله «لا تَكُونُوا ‌إِمَّعَةً»، تَقولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تحْسِنُوا، وَإنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا». رواه الترمذي

1818

| 11 يونيو 2025

إنما الأمور بخواتيمها.. وماذا بعد القمة؟

سؤال يطرحه النخبوي كما يطرحه رجل الشارع البسيط، يلتمس في العتمة ضوءاً في نهاية النفق، ويبحث بين الركام عن بصيص أمل، بينما العيون شاخصة والقلوب واجفة تراقب وتتابع عظم البلاء الذي حل بأهلنا في غزة. كما في الضفة، والأقصى بل في كل فلسطين، والكل بات يترقب معجزة، نصرا تكتحل به العيون، وفرجاً تستقر له النفوس. وفي خضم عجز غير مسبوق، أصاب امة العرب كما أصاب امة المليار ونصف المليار مسلم، انعقد مؤتمر القمة العربي في دورته 34 في بغداد واصدر بيانه (إعلان بغداد)، وكان موفقا في تغطية التحديات التي تواجه الأمة في وجودها، حيث استحوذت القضية الفلسطينية جل الاهتمام اذ خصصت لها 12 مادة، من مجموع مواد البيان البالغة 32، وتضمن البيان (إدانة واضحة للعدوان الاسرائيلي وطالب بوقفه فوراً، كما رفض رفضاً قاطعاً خطط ونوايا تهجير الشعب الفلسطيني، وأكد على مركزية القضية الفلسطينية، وحقوق شعب فلسطين في العودة والحرية وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ورفض سياسات الاحتلال من تهويد واستيطان وتجويع…. الخ". اللافت ان اللغة التي كتب بها البيان - كسابقاتها، لم تتجاوز عبارات: "يناشد، يؤكد، يثمن، يعرب، يطالب، يرحب، يدعو، يجدد …." عبارات تصلح لعرض الواقع، وبيان الموقف، اما اللافت فهو خلو البيان عن خطة للعمل، او بدائل فيما لو فشلت الخطةأ، كما لم ترد إشارة إلى آليات للتنفيذ والمتابعة، أو تشكيل فريق عمل من الدول الاعضاء تتكفل بالمهمة، ولا جدول زمني، ولا اشارة لأية اجراءات تعنى بتنفيذ مخرجات القمم العربية السابقة وعلى وجه الخصوص مقررات القمة العربية الإسلامية في الرياض (نوفمبر 2023) التي دعت إلى كسر الحصار وإدخال المساعدات فوراً. صحيح أن بيان الموقف مهم، صحيح أن وحدة الموقف العربي ضرورية وحيوية، لكن الأهم هو تنفيذ ما هو مقدور عليه والا باتت المقررات حبراً على ورق، لا قيمة لها على ارض الواقع. * والأمور انما تقاس بخواتيمها، ولا ادري ونحن نواجه ابادةً جماعية غير مسبوقة ومذابح وتجويعا حتى الموت، وتهجيرا، وحرمانا من جميع مقومات العيش، والمواطن الغزي بات لا يحتاج اكثر من ملاذ آمن داخل حدود القطاع، إلى لقمة عيش وشربة ماء وحبة دواء. فهل حقق البيان مطلباً واحداً فقط من هذه المطالب؟ بالتأكيد لا! إذا ما قيمة البيان؟ بل ما قيمة القمة نفسها؟ وهل من مبرر لعقد مؤتمر أقصى ما يمكن ان يذهب اليه هو اصدار بيان يكتفي بشرح الحالة ويحدد الموقف، لكنه يتغافل عن علاجها او تداركها؟، هو ببساطة بيان لا يغني ولا يسمن من جوع!. الذي حصل في مؤتمر قمة بغداد تجاوز هذه الظاهرة وهي مزمنة، إلى ما هو أسوأ ويتمثل في غياب اغلب قادة الدول العربية، وتكليف شخصيات بمستويات وظيفية أدنى لتمثيل بلدانهم وهذا ما حصل في تمثيل 15 دولة عربية، بينما شارك قادة خمس دول عربية بأنفسهم، إيماناً منهم بأهمية العمل العربي المشترك، على الرغم من تحفظات كثيرة. ليس فقط المواطن العربي هو من فقد الثقة بمؤتمرات القمة، بل يبدو حتى الزعماء العرب فقدوا الحماس في المشاركة. وضع مؤسف ينبغي تداركه في إطار خطط لإصلاح الجامعة العربية، وإحياء فاعليتها وقد كتب الكثير عن هذا الموضوع. * في هذا الصدد كتبت في صفحتي على الفيس بوك الرسالة التالية: "في الأزمات والكوارث كالتي نعيشها اليوم لا أقل من أن يظهر القادة العرب وهم موحدون أمام شعوبهم في الموقف والقرار، يلتقون، يتحاورون، يتعاتبون، لكنهم لا يقاطعون ولا يهجرون، عملا بالحكمة القائلة: ‏"نتعاون فيما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه". ‏مصائبنا لا تحل بالجفاء والقطيعة، بل بالمكاشفة والمصارحة. بالنصيحة والتذكرة. ويفترض بالمصائب أنها جامعة. ‏نعم البيان الختامي لا يقدم حلولا كافية لأزماتنا المستعصية، كما يفتقر إلى آليات التنفيذ، ولا يقدم ضمانات! مع ذلك "ما لا يدرك كله لا يترك جله". * من جهة أخرى، الملاحظ أن تمثيل الدول العربية المشاركة لم تكن بالمستوى المطلوب، وهذه رسالة للأطراف النافذة أن تفهم نظرة العرب للعراق، وعليها أن تدرك أن ⁧‫#العراق‬⁩ ما كان يوماً في تاريخه الحديث هكذا، بل كان قبلة الأنظار. من باب المقارنة، شارك رئيس الوزراء الإسباني السيد بيدرو سانشيز في أعمال القمة، ووجه خطابا تضمن إدانة للوحشية الاسرائيلية، واستنكارا للحصار والتجويع، وطالب بإيقاف دوامة العنف ولم يكتف بذلك بل قدم اربعة حلول ينوي العمل بموجبها: تبدأ من تصويت الأمم المتحدة على مشروع قرار جديد يطالب بوقف الهجمات وإنهاء الحصار، إلى تفعيل قرارات المحكمة الجنائية الدولية، واخيراً البحث عن حل دائم يستند إلى حل الدولتين في اطار منتدى دولي اقترحته فرنسا. ** ورغم ذلك، يبقى العمل العربي المشترك مطلوبا، كما تبقى الحاجة قائمة لمنظمة الجامعة العربية، حيث لا يسع الشعوب العربية الاستغناء عنها أبداً، وكل المطلوب هو تفعيل دور الجامعة، من خلال عملية إصلاح جذرية، كي يرتقي أداؤها ويتناسب وعظم التحديات التي تواجهنا في الحاضر والمستقبل، وتتحول الجامعة إلى ملاذ آمن تلجأ إليها الشعوب في ازماتها وتطلعاتها.

1020

| 20 مايو 2025

حكومة سورية جديدة.. أمام تحديات صعبة

"الانتصار مهم … لكن الأهم المحافظة عليه" ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بـ "النجاح" ولا نجاح دون تحول مؤسسي منهجي، حثيث، من ثقافة "الثورة" إلى إطار "الدولة"… وقد تحقق ذلك على الصعيد المؤسسي، وحديثي اليوم عن تشكيل حكومة سورية جديدة بعد أربعة أشهر فقط من يوم "الفتح" في 8 كانون أول / ديسمبر 2024. تشكلت الحكومة في ظل تحديات هائلة، بعضها تركة ثقيلة للغاية من تراكمات دولة قمعية فاشلة، والأخرى ردات فعل أطراف خارجية انتهازية مارقة تحسست من التغيير الحاصل، وبعضها يعنى بالخبرة والتجربة، وبعضها يعنى بالجانب النفسي ووعي المواطن …. وأخرى تعنى بالموقف الدولي… كل ذلك في ظل أوضاع معيشية خانقة، تحديات متنوعة تضع الحكومة الوليدة أمام امتحان عسير! حيث تتجه الأنظار إلى الفريق الوزاري ومدى قدرته على مواجهة تلك التحديات، ونظام الحكم ناشئ وهو بحاجة إلى سنوات من الخبرة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والعمرانية والسياسية والاجتماعية وغيرها، فإن التساؤلات تُطرح حول مدى قدرة الحكومة على تحقيق أي تقدم فعلي. لا شك أن النظام الجديد حريص جداً على تحقيق فارق ملموس وعلى جناح السرعة في الخدمات ومستوى المعيشة، وسوف يسعى جاهداً إلى عدم تضييع أية فرصة يمكن من خلالها استقطاب أية وسائل أو موارد متاحة لتحقيق هذا الغرض… أما المواطن على الجانب الآخر،، وبعد أن تمتع بالحرية واستعاد الكرامة لأول مرة بعد عقود من القمع والتمييز والنهب المنظم، ووضع ثقته بالنظام الجديد، فإنه يترقب اليوم التالي وقد أشرق على وضع جديد، لا تنقطع فيه الكهرباء، ولا يتوقف تدفق ماء الشرب، لقمة العيش كافية، وحبة الدواء متيسرة، وخدمات التعليم والصحة والبلديات متاحة، وهو لم يعد مضطراً للقلق على معيشته، صحته وأمنه، بل بات معنيا بالمشاركة في تحسين جودة الحياة، والانخراط في برامج العصرنة والتحديث…. آمال مشروعة، لكنها في حسابات الميدان يستحيل تحقيقها بين عشية وضحاها، ليس لقصور في الرؤى بل لسبب النقص الحاد في الإمكانيات، في الوسائل والأدوات…. دعونا نحلل التحديات ذات الصلة بهذا الحديث. * اقتصاد مدمر وشح في الموارد: • غلاء المعيشة وارتفاع معدلات التضخم. • ضعف الإنتاج المحلي، وعدم سيطرة الحكومة على عوائد النفط الخام. • الاعتماد على الحلفاء الخارجيين في ظل تراجع الدعم الدولي. • ازدياد الاعتماد على الأسواق السوداء. • انتشار الفساد الاقتصادي. • أما ما يتعلق بالخدمات الأساسية: • تفاقم أزمة الكهرباء والمياه والوقود. • انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية والمعدات الطبية. • انهيار النظام التعليمي. ولنا أن نتصور عظم التحدي الذي يواجه الحكومة الوليدة، وقد وجدت نفسها في بحر من الأزمات والمشاكل، ومطلوب منها أن تجد لها الحلول وتحدث الفارق في اليوم التالي!! وهي بذات الوقت تواجه رزمة من عقوبات اقتصادية قاسية ورثتها من النظام البائد! بالطبع هذا غير ممكن، إن لم يكن مستحيلا. لكني أقول إن الأزمات الحادة، عادة ما تصنع المعجزات، بالركون إلى وسائل مبتكرة وغير تقليدية، رؤية ثاقبة، إرادة صلبة، وقرارات صعبة، ونفس طويل، ومرونة عالية، يرافقها تفهم شعبي، لا ينتظر عصا موسى، ولا ملك سليمان، بل تدبير يوسف حيث نجح في الإفلات من سنوات القحط السبع، بحسن تدبيره، وجودة تخطيطه، ونظافة يده، بعد أن خزن حاصل سنوات الرخاء، واعتنى بالاستهلاك ورشّده، وعبر المرحلة، على قاعدة القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود. من الضروري أن تصل الصورة الحقيقية المجردة إلى الناس بكل شفافية وبلا رتوش، المواطن ليس بحاجة إلى شعارات رنانّة ولا وعود وردية زائفة، وفي هذا الوقت بالذات، حيث الـظرف حرج والزمن محدود لا نوظفه للتثقيف بالأيدولوجيات، لن يقتنع به الفقير المعدم ولا المريض ولا الطفل المشرد ولا العاطل عن العمل ولا المرأة الثكلى… (باختصار اعتماد مقاربة المفكر مهاتير محمد). * الواقع هو الذي يتكلم ومن غير الممكن حجب الشمس بغربال أمّا البديل؟ فالمصارحة ومشاركة الناس بالحقائق، في خطاب عقلاني لا مبالغة فيه ولا تهويل… إن إدراك المواطن لواقع الحال، وتفهمه لعظم التحديات، وتقديره للجهود المبذولة، من شأنه أن يعمق الصلة بالنظام، وهذا مطلوب لمسألتين، الأولى ترتبط بالوضع الأمني والحاجة الماسة إلى تعاون المواطن مع السلطة، والثانية بالمشاركة الطوعية مع الحكومة في تفكيك وحل الأزمات، وترميم وإعادة بناء الوطن لاحقاً. ندرة الموارد والإمكانيات تفاقمها العقوبات الاقتصادية، وعلى الرغم من أنها فقدت جدواها ومبرراتها بتغيير النظام، إلا أن الأطراف الدولية ذات الصلة ما زالت تصر على ديمومتها وتوظفها كورقة ضغط وابتزاز، وتحاول أن تقايض رفعها بتنازلات ربما مؤلمة من جانب النظام الجديد، والمطلوب ممارسة الحكمة وإستراتيجية النفس الطويل، والبحث عن أساليب وطرق مبتكرة يمكن من خلالها التخفيف عن آثارها، ولدينا في هذا المجال تجارب دول عديدة استطاعت بذكائها وصبرها ومثابرتها الالتفاف على عقوبات مشابهة أو حتى أقسى منها، لكني هنا لا أعفي الدول الحليفة لسوريا الجديدة أن تساهم بقوة في رفع هذه العقوبات بأسرع وقت ممكن. * لن تنجح الحكومة الجديدة، حتى تثبت لشعبها فعلاً أنها قادرة على المهمة، كما أنها تتمتع بسجل نزاهة نظيف، وهنا أوصي أن يشهر الرئيس وأعضاء الحكومة ذمتهم المالية أمام الشعب السوري، بحيث يجري تحديثها بإقرار سنوي، كما أوصي بإخضاع الأداء للرقابة والحوكمة، وقد تشكلت الحكومة في غياب مجلس نيابي منتخب، لهذا لابد من دعم تأسيس أجهزة فعّالة للرقابة، كالصحافة الحرة، منظمات مجتمع مدني، مراكز بحثية تعنى بالرأي العام، تجري استفتاء دوريا لقياس مدى رضا الناس وقناعتهم بإجراءات الحكومة، لكن المهم في تصوري هو تأسيس جهاز مستقل للرقابة يشكل من خارج الصندوق من حكماء ومفكرين وقامات متنوعة معروفة من المعارضة لم يشاركوا في الحكومة، لماذا لا يكون لهم موقع في الرقابة وممارسة الحوكمة باسم: (المنتدى الوطني السوري) …!! * ملاحظات آمل الإفادة منها، والحكومة الجديدة كما أعتقد ستبقى بحاجة للاستماع إلى تجاربي وتجارب غيري من أصحاب الخبرة في مختلف التخصصات والشعب السوري زاخر في هذا المجال، والأمل أن تنهض الحكومة بمهماتها على الوجه الأمثل، متوكلة على الله، ولا تستمع لمقولة (اتسع الفتق على الراتق) كذريعة للعجز أو الفشل. مرحلة صعبة، لكني على يقين بأن من صنع النصر يوم الثامن من كانون ثاني/ ديسمبر قادر على تطويره والمحافظة عليه.

1662

| 08 أبريل 2025

جدلية النصر والهزيمة في الحرب على غزة

تحديد المنتصر او المهزوم في الحروب عملية معقدة، تتجاوز في كثير من الأحيان، الحسابات المباشرة للخسائر البشرية والمادية، بل يُنظر إلى النصر أو الهزيمة بناءً على الأهداف الاستراتيجية التي يسعى كل طرف لتحقيقها، وعلى هذين الأساسين، وحالما توقف إطلاق النار في الـ 19 من يناير / كانون ثاني الجاري انطلقت سجالات لا تنتهي، وانقسم المحللون في تقييم نتائج الحرب على غزة، بين حركة حماس من جهة والكيان الصهيوني من جهة اخرى، ولابد ان يكون احدهما قد انتصر، لتكون حصة الآخر الهزيمة، وكانت لي مساهمة في هذا المجال. لكل حرب اهداف محددة، واضحة المعالم، قابلة للقياس، وفي هذا الاطار، وكان رئيس الوزراء نتنياهو قد اعلن في 8 اكتوبر 2023 ان الحرب على غزة أغراضها: *القضاء على حركة حماس كحركة سياسية وعسكرية. *تحرير الرهائن (الاسرى) لدى حماس. *ضمان أمن المدنيين. *استعادة الردع. لا نذهب بعيدا في التحليل بل يكفي ان نتوقف عند شروط الاتفاق الاخير حول وقف إطلاق النار وتبادل الاسرى لنرى دون لبس كيف خضع الكيان الصهيوني لمعظم شروط المقاومة التي كان يكابر في الإصرار على رفضها! وأليس المنتصر ولا غير، هو من يفرض شروطه على الاخر قبل ان يستقر غبار المعركة؟. ان أي مراجعة لمسرح العمليات في غزة تشير دون لبس ان إسرائيل فشلت في تحقيق أغراض الحرب! والبعض يعتبرها كانت طموحة جدًا، وانها لم تكن واقعية حيث يستحيل تحقيقها ويتعذر قياسها! بعد ان واجه جيش الاحتلال تحديات كبيرة على الأرض، تمثلت في صمود الغزيين الأسطوري وبرهنتهم على قدرتهم الهائلة بالتحمل، ناهيك عن بسالة المقاومة من جهة، واستعداد الحاضنة من جهة اخرى لرفدها بالمزيد من المقاتلين المدربين، بالرغم من الخسائر البشرية الكبيرة التي تعرضت لها كتائب عز الدين القسام والتي فقدت العديد من قيادات الخط الاول من السياسيين والعسكريين، لكن حماس رغم ذلك لم تنهر او تستسلم، وثبت لدى الجميع قدرتها المتميزة في التعويض عن الخسائر في وقت قياسي، لهذا لم يتراجع عدد المقاتلين اطلاقاً. وللدلالة على استمرار فاعلية فصائل كتائب عز الدين القسام، فإنه حتى قبل خمسة ايام اي في 13/1 من وقف اطلاق النار قامت الفصائل بتنفيذ عملية مركبة حيث تمكن مجاهدو القسام من الإغارة على مبنى تتحصن بداخله قوة صهيونية مكونة من 25 جنديا والتعامل معها بمختلف أنواع الأسلحة وإيقاع جميع افراد القوة بين قتيل وجريح. * من جهة اخرى، كان امن المدنيين الصهاينة، أحد الأهداف المعلنة والقصد كان إعادة الامن للمستوطنات الجنوبية التي تعرضت لهجوم مباشر واحتجاز رهائن من خلال صولة طوفان الأقصى. حيث سعى جيش الاحتلال من خلال العملية العسكرية للقضاء على تهديد الصواريخ والقذائف التي تطلقها حماس والفصائل المسلحة الأخرى في غزة. لكننا نتذكر انه في 3 /1 يناير، انطلقت رشقة صاروخية من طراز Q18 من غزة رداً على المجازر الصهيونية بحق المدنيين اطلقتها كتائب القسام على مغتصبة (نتيفوت) و3 صواريخ استهدفت مغتصبة (سيدروت). كما في اليوم 458 من العدوان على غزة اي في 6/1 اي قبل 12 يوما من وقف اطلاق النار واصلت المقاومة في غزة إطلاق رشقات صاروخية تجاه الكيان الصهيوني. دليل واضح على ان عدوان 15 شهرا لم يقضي على القدرة الصاروخية لكتائب القسام، وبالتالي لا أمان قد تحقق لمغتصبات غلاف غزة. * وبالنسبة للردع، فهل استعاده جيش الاحتلال بعد فضيحة 7 اكتوبر؟ سؤال كبير، ربما يفسر الهجمة المجنونة على غزة، والذي حصل بعد الهجوم الكبير الذي شنته كتائب عز الدين القسام في اطار طوفان الأقصى، واخترقت فيه الجدار الأمني وألحقت خسائر كبيرة، في صفوف فرقة غزة والأجهزة الامنية، ضمّن نتنياهو قائمة اهداف الحرب (استعادة قوة الردع) على المدى الطويل حيث شدد على ضرورة إعادة ترسيخ الهيبة العسكرية لجيش الاحتلال كقوة (لا تقهر) بالغة التفوق في المنطقة لتجنب تكرار مثل هذا الهجوم، لهذا أوغل الصهاينة وأسرفوا بالقتل والتخريب والتدمير، و في اغلب الاحوال دون حاجة تكتيكية ميدانية مباشرة، واستخدموا لذلك احدث ما بلغته التكنلوجيا العسكرية من أسلحة متقدمة ومتفجرات، لقد كان الغرض على الدوام استعادة الهيبة للجيش المهزوم، فهل حقق جيش الاحتلال غرضه؟ الجواب على ذلك كلا، 85 الف طن من القنابل والمتفجرات ألقيت على غزة على مدى 15 شهر، اي ما يعادل خمس إلى ست قنابل نووية، قتلت اكثر من 61 الف واصابت وجرحت ما يزيد على 110 الاف كما دمرت ما يزيد على 88% من غزة بين وحدة سكنية وجامع ومستشفى وصرف صحي ومدرسة ودائرة حكومية، خسائر تقدر بحوالي 38 مليار دولار، وعلى الرغم من التصعيد الإسرائيلي، لم ينجح الكيان الصهيوني في ترسيخ ردع دائم، حيث استمرت جولات التصعيد لاحقًا. كما اهتز الردع الإسرائيلي بسبب طول أمد الحرب والخسائر البشرية على الجانبين. مقابل ذلك استمرت المقاومة لآخر لحظة، بينما رفض الغزيون ان يتزحزحوا قيد انملة عن ارضهم وفضلوا الموت شهداء على الهجرة من جديد، فأين هو الردع المزعوم؟. * واخيراً، تحرير مئات الرهائن الذين أسرهم مقاتلو حماس خلال الهجوم على المستوطنات الإسرائيلية كان هدفًا رئيسيًا ومعلنًا، حيث وصفه نتنياهو بأنها أولوية قصوى تتطلب عمليات عسكرية واستخباراتية مكثفة. كانت الخطة التي لم يتنازل عنها نتنياهو على مدى 15 شهرا هي ان يقتل ويدمر أقصى ما يستطيع من غزة على امل ان ترضخ حماس لشروطه وتستجيب لإطلاق سراح الاسرى، ودون ثمن! لكن الذي حصل هو العكس، مفاوضات مباشرة مع حماس والتعامل معها ليس كفصيل مقاوم بل كدولة، واستجابة كاملة لشروطها، سواء في عدد المطلق سراحهم وما يقابلهم من أسرى فلسطينيين، او توقيتات ومراحل إطلاق سراح الاسرى، الصفقة الأخيرة والتي خرج بسببها العديد من الوزراء الصهاينة باكيا لا عتبارها (مذلّة)!. * في هذا السياق، فإن تمييز المنتصر من المهزوم في الحروب عملية معقدة تتجاوز الحسابات المباشرة للخسائر البشرية والمادية. وفي كثير من الأحيان، يُنظر إلى النصر أو الهزيمة بناءً على الأهداف الاستراتيجية التي يسعى كل طرف لتحقيقها، والمهزوم هو من يفشل في تحقيق أهدافه أو يضطر إلى تعديلها بشكل كبير أو التراجع عنها، وهذه حالة الكيان الصهيوني. من جهة اخرى، فإن عامل الخسائر مهم، لكنه ليس العامل الوحيد. أحيانًا، يتحمل الطرف المنتصر خسائر كبيرة لتحقيق أهدافه، مثل الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثاني، الحلفاء انتصروا عسكريًا لكن الاتحاد السوفيتي خرج بحصيلة مادية وبشرية كارثية رغم كونه (منتصرًا). وفي حرب فيتنام، الولايات المتحدة كانت متفوقة عسكريًا إلى حد كبير لكنها انسحبت دون تحقيق أهدافها السياسية، مما أدى لاعتبارها مهزومة. من جهة اخرى، تعرضت الجيوش العربية في 5 حزيران عام 1967 إلى هزيمة منكرة، انكسرت الجيوش وبقيت الإرادة، وترجمت في لاءات الرفض الثلاث التي توحد القادة العرب عليها في مؤتمر قمة الخرطوم العربية. * الكيان الصهيوني، لم يعجز عن تحقيق أهدافه فحسب، بل تحمل في هذا السبيل خسائر هائلة وغير مسبوقة، في القطاعين العسكري والمدني، والاهم من كل شيء ان جيشه فقد الردع كما فقد الكيان الامن، والسمعة والوجاهة في العالم اجمع، واهتزت امام الحلفاء قدرته كحام لمصالح الغرب، بعد ان ثبت انه دون حماية ودعم الولايات المتحدة واوروبا فإنه لا يستطيع ان ينهض بمتطلبات الامن لوحده للدفاع حتى عن نفسه، فضلاً عن كونه حاميا وضامناً لمصالحهم. هل هذا يعني ان حركة حماس انتصرت؟ الكيان الصهيوني قتل الالاف من المقاومين، والمدنيين العزل، نساء ورجالا، شيوخاً وأطفالاً وشباباً، كما دمر غزة كحاضرة، فاتورة ضخمة تلك التي دفعتها غزة، على أمل كسر (ارادة المقاومة) وفرض الاستسلام عليها، لكنه عجز واعترف، لهذا لم ترفع غزة الراية البيضاء ولم تستسلم، وهذا هو النصر بعينه، وهو بالتأكيد لا يشبه النصر التقليدي المعروف في الحروب، بالنظر لأن المنازلة فريدة، غاب فيها عامل التوازن بين الفريقين، وتفوق فيها جيش الاحتلال بشكل مطلق على ترسانة المقاومة وإمكانياتها، في هذه الحالة يكفي ان يكون (النصر على شكل حرمان العدو من تحقيق أهدافه من الحرب) وهذا ما حصل. الدكتور ميخائيل ميليشتاين الخبير بالشأن الفلسطيني قال: الدمار خاصة في منطقتي جباليا وبيت حانون غير مسبوق، وكان من المفترض نظرياً ان يدفع حركة حماس إلى التنازل او المرونة لكن هذا لم يحدث، اعتقد ان بعضنا حتى بعد 7 اكتوبر لم يفهن DNA الخاص بحركة حماس. ويبقى إلى جانب ما سبق، مسائل لابد من اخذها بنظر الاعتبار، وهي لازالت في علم الغيب، وتعني بالأوضاع المستقبلية في غزة وفي عموم الأراضي الفلسطينية، بكلمة اخرى فيما إذا كان طوفان الأقصى في 7 اكتوبر قد حقق اختراقا تاريخيا في القضية الفلسطينية على جميع الصعد، وهو الأرجح، ام ان القضية تراجعت بفعل الخسائر الهائلة التي تعرضت لها غزة والتي صمد ازاءها الغزي ولم يستسلم.

1278

| 02 فبراير 2025

الحرب على غزة .. فارقة في كل شيء!

وأخيرًا، سكتت مدافع الاحتلال، وتوقف أزيز الطائرات القاصفة، واستقر غبار المعركة، ونهضت العنقاء من بين الركام والرماد، حيّةً متعافية، بينما انكفأ المعتدي يجر أذيال الخيبة والهزيمة، يلاحقه العار، وتحاصره ارقام الخسائر الهائلة من كل حدب وصوب، وملاحقات قانونية، وسمعة دولية بلغت من الانحطاط الحضيض …وقد خاب من حمل ظلمًا. كانت مواجهة استثنائية بكل المقاييس، فريدة من نوعها في كل مراحلها، منذ انطلاق طوفان الأقصى إلى نهايتها بتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار التي دخلت حيز التنفيذ صباح الأحد أول أمس، معركة فارقة في مقدماتها ونتائجها، (فارقة ) في الفارق الهائل الكبير بين قوة المعتدي وتواضع ما لدى المعتدى عليه، (فارقة ) في منازلة ما حصلت في التاريخ يوما، شعب صغير محشور في شقة صغيرة من الارض يعيش تحت الحصار منذ سنوات يتصدى لتحالف دولي مشهود له بالتفوق المادي والعسكري والتقني يحاول ان يركّعه ويخضعه لارادته على مدى خمسة عشر شهراً لكنه يعجز !! لقد كانت (فارقة ) في جسامة الحملة الوحشية البربرية التي شنها جيش الاحتلال، مسخرًا كل أدوات القتل والتدمير. نعم هي ( فارقة ) في تضحيات أهل غزة وصمودهم وتحملهم. هذه الحرب لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل ملحمة إنسانية وشهادة على قدرة البشر على التحدي والصبر. عندما يُخير الغزّاوي بين النزوح الآمن خارج القطاع أو الموت، يختار الشهادة على الحياة الذليلة. مشهد يتكرر؛ الأبناء والأمهات، الأسر بأكملها، يختارون البقاء والصمود، يقفون في وجه العدوان متحدّين الموت بل كل محاولة تنال من إرادتهم وعزيمتهم. ليوثّق التاريخ هذا الإصرار العجيب في التشبث بالأرض. وليُبدع الشعراء والأدباء والمفكرون في تخليد هذه الملحمة، وليرسم الفنانون، وليتقمص الممثلون على خشبات المسرح ما شاءوا من أدوار. لكن مهما بلغت محاولاتهم، لن يتمكنوا من تجسيد تلك الاحاسيس الجياشة المرهفة لذلك الجد خالد النبهان الذي يخاطب جثمان حفيدته بين يديه بـ ( روح الروح ) …وماهي ايام حتى يلتحق بها شهيداً إلى الرفيق الأعلى، او مشهد الأم الغزّاوية وهي تنظر إلى جثامين أولادها الأربعة وزوجها الممددين أمامها على الارض، مخاطبة العالم بكل قوة وثبات: “افعلوا ما شئتم، نحن أصحاب الأرض. لن نرحل، لن نغادر. جذورنا عميقة….عميقة في هذه الأرض. الله مولانا ولا مولى لكم.” ما وصلنا من مشاهد عبر الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي لا يعكس سوى النزر القليل. أما القصة الكاملة لصمود غزة، فلم تُكتب بعد. وما خفي أعظم وأجلّ. في المعاهد العسكرية، هناك درس يُعرف بـالسَّوْق، يُعنى بإعداد الشعوب للحرب نفسيًا ومعنويًا، وتهيئتهم لتحمل المآسي والكوارث. بعد غزة، لم تعد الحاجة لمثل هذه الدروس أو الكتب والمؤلفات؛ فقد اختزلت غزة كل المعاني وكل العلوم. يكفي أن يُقال لمن يجهل صمود النفس وتحملها: “تعلّموا من غزة.” غزة باتت مدرسة تُدرّس الصبر والإرادة. في هذه الحرب، من هزم العدوان ليس بسالة المقاوم، بل في تصوري إرادة الغزاوي البسيط، بإيمانه وصموده الأسطوري. وفي المقابل، ترى ما الذي اجبر الاحتلال على الرضوخ، و نتنياهو على قبول صفقة التبادل ووقف إطلاق النار، وكان هو قد رفضها سابقًا، هل هناك من دافع غير الجبهة الداخلية المهترئة في كيان الاحتلال. انهيار هذه الجبهة، بما تحمله من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وحتى دينية وشبح الموت الذي يؤرق كل مستوطن، كان العامل الحاسم في القرار الذي تجرعه نتن ياهو كما يتجرع السم. تأملوا كلمات نتنياهو في خطابه: “هذه حرب القيامة التي تكبدنا فيها خسائر هائلة، لهذا فان القرارات نتخذها بناءً على اعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية لا أستطيع الإفصاح عنها!” لو كانت هذه الاعتبارات تحمل لهم نصرًا، لما توانى عن الإعلان عنها وتعظيمها. بهذا المعنى كتبت افتتاحيتها صحيفة هآرتس الاسرائيلية: « إنهم فعلا أصحاب الأرض ومن غير أصحاب الأرض يدافع عنها بنفسه وماله وأولاده بهذه الشراسة وهذا الكبرياء والتحدي… وانا كيهودي أتحدى أن تأتي دولة إسرائيل كلها بهذا الانتماء وهذا التمسك والتجذر بالأرض بعد أن أذقناهم ويلاتنا من قتل وسجن وحصار وفصل واغرقناهم بالمخدرات وغزونا أفكارهم بخزعبلات تبعدهم عن دينهم كالتحرر والإلحاد والشك …» هذه هي صفحة الصمود الأسطوري (الفارقة ) في سفر غزة، وهناك صفحة (فارقة) اخرى تنتظر العالم ستكون اكثر اثارة ودهشة وإعجاباً …هي صفحة اعادة البناء والإعمار … هكذا كانت غزة، وهكذا ستظل غزة …درسًا للعالم، وملحمة خالدة لا تنتهي. اما صفحة المساعي الحميدة (الفارقة) التي اقترنت بدولة قطر فلها موعد آخر ومقال آخر …

1335

| 21 يناير 2025

تفجير المراقد .. لماذا يلجأ الخصوم إلى شيطنة مخالفيهم؟

شيطنة الآخر ليست مجرد سلوك عفوي أو رد فعل طبيعي في النزاعات السياسية أو الدينية، بل هي وسيلة خبيثة وممنهجة، أشبه بصناعة متقنة، تستهدف تشويه صورة الخصوم وإلصاق التهم الباطلة بهم. ويكمن الخطر الأكبر في توظيف العنف ضد الرموز والمقدسات كوسيلة لإحداث صدمة عاطفية جماهيرية، تمهيدًا لتحريض شعبي واسع النطاق. * تفجير قبة الإمامين في سامراء: نموذج لصناعة الشيطنة: كان تفجير قبة الإمامين علي الهادي والحسن العسكري ( رض) في سامراء، في 22 فبراير 2006، أحد أخطر الأمثلة على هذا النهج. حيث صُدم العراقيون بسماع خبر هذا العمل الإجرامي، الذي نسبه حينها مستشار الأمن القومي موفق الربيعي إلى مجموعة تكفيرية مؤلفة من 5 عناصر اقتحمت المكان، قيدت 35 حارسا من مغاوير وزارة الداخلية، ثم فجرت القبة. لكن الأحداث التي التي أعقبت التفجير كشفت عن استغلال المخطط من اجل اثارة الفتنة الطائفية. فبدل أن يتوجه الغضب الشعبي نحو موقع الجريمة شمالًا، انطلقت جماعات مسلحة من مناطق محددة في بغداد، خصوصًا من الجانب الشرقي للمدينة، واستهدفت مساجد وممتلكات السنة في حملة ممنهجة من الحرق والتدمير والتخريب، أدت إلى تدمير اكثر من مائة مسجد ومقتل أكثر من ألف شخص خلال يومين منهم الكثير من خطباء وأئمة المساجد وحتى المؤذنين، وضباط متقاعدين وطيارين ووجهاء، وتشريد عائلات بغدادية عريقة. وفي مشهد لافت، تصرفت القوات الأمريكية المحتلة بلا مبالاة، تتفرج على الحدث المأساوي! ودون ان تتدخل! رغم أنها كانت مسؤولة عن الأمن وقادرة على إنفاذ القانون. * الخطاب السياسي والديني: أداة الشيطنة: قبل أن يكتمل التحقيق الرسمي، سارعت جهات سياسية ودينية محسوبة على الطائفة الشيعية إلى اتهام السنة بالجريمة، في خطاب تحريضي يهدف إلى تأجيج الكراهية وترسيخ الانقسام. حيث كانت الشيطنة هدفًا واضحًا منذ البداية، إذ إن المقدمات لا تُقرأ عادة إلا في ضوء النتائج. ولكن بعد سنوات من الصمت، وفي عام 2013، كشف الجنرال جورج كيسي، قائد قوات التحالف في ذلك الوقت، في مؤتمر في أريزونا، عن الدولة التي خططت ونفذت العملية بأكملها. * تفجير مقام السيدة زينب: التاريخ يعيد نفسه.. مؤخرًا، كشفت الاستخبارات السورية عن إحباط عملية إرهابية خطط لها عناصر تكفيرية لتفجير مقام السيدة زينب (رض) في ريف دمشق. الغرض كان واضحًا: توظيف جماعات ارهابية من اجل إثارة فتنة طائفية جديدة، وإلصاق التهمة بالسنّة، وشيطنة النظام السوري الجديد وإضعافه. اللافت أن الجماعات الإرهابية، مثل داعش، كانت نشطة قبل عام 2011 وبعده، لكنها لم تستهدف المقامات إلا في توقيتات محددة تخدم أجندات إقليمية. وهنا يظهر دور “داعش” بندقية للإيجار، تعمل لصالح جهات لم تخفِ غضبها بعد خسارتها نفوذها في سوريا، مهددة بشتى الوسائل لإضعاف النظام الجديد. * لماذا يلجأ الخصوم إلى الشيطنة؟ تلجأ الجهات السياسية أو الدينية إلى شيطنة الآخرين كوسيلة لتحقيق عدة أهداف: 1.تبرير العنف والتصفية: من خلال إلصاق التهم الباطلة بالخصوم لتبرير استهدافهم. 2.تفكيك النسيج الاجتماعي: إذ تعمل الشيطنة على تأجيج الكراهية الطائفية أو القومية. 3.إلهاء الشعوب عن القضايا الكبرى: بتحويل الأنظار إلى صراعات داخلية مفتعلة. 4.توظيف العاطفة الدينية: لإحداث صدمة شعبية تسهل عملية التعبئة الجماهيرية لتحقيق أغراض مشبوهة. ‎٥.إضعاف المجتمعات تمهيدا لاختراقاتها وبسط السيادة عليها. الدرس المستفاد إن صناعة الشيطنة ليست إلا أداة بيد الأنظمة أو القوى التي تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، دون اعتبار للكوارث الإنسانية والاجتماعية التي تترتب عليها. ومع تغير الزمن والمعطيات، أصبح من الضروري تحصين المجتمعات ومواجهة هذه المخططات الخبيثة بحكمة ووعي، لأن بقاء الحال من المحال، والعاقل هو من يتعلم من دروس الماضي بدل تكرارها.

906

| 13 يناير 2025

سقط المخلوع.. ودقت ساعة العمل

بعد سقوط نظام الطاغية المخلوع بشار، تكون قد دقت ساعة العمل لتسجل لحظة فارقة يجري الانتقال فيها من (الثورة إلى الدولة) وهي الصفحة التالية في التغيير الأكثر أهمية وتعقيداً بل وخطورة على الثورة، ولابد أن المعارضة قد تأملت في هذه الصفحة وفكرت ودبرت. تحديات متنوعة وكثيرة ستواجه الثورة منذ اليوم الأول وهي تمارس السلطة بحرية لكن يبقى التحدي الأبلغ في تصوري هو (أمن الثورة وتحصينها)، ولابد أن يحظى بالأولوية القصوى وقبل الانغماس في تفاصيل تحسين الخدمات أو إدارة الدولة. يتراوح تحصين الثورة بين توفير الحماية الذاتية الصارمة لقيادة المعارضة من جهة، وحصر رموز وقيادات النظام البائد (او لنقل من بقي منها داخل سوريا بعد الهروب الكبير إلى روسيا ودول الجوار !!) وإحكام السيطرة عليها ووضعها تحت المراقبة الدقيقة وتحديد الموقف منها ومراجعة ملفاتها، ومن ثبت تورطه بجرائم يقدم للقضاء، ومن لا تهمة عليه يبقى قيد المراقبة حتى تستقر الأوضاع وتتمكن المعارضة. وعند النظر بالتحدي الأمني، تبرز قضية الجيش والأجهزة الأمنية والبحث عن افضل الطرق في التعامل مع أفرادها ومنتسبيها، آخذين بنظر الاعتبار ان المؤسستين ما عادتا وطنيتين بل أصبحتا بمرور الوقت العمود الفقري لنظام قمعي فاسد ساهمتا في تكريس النظام البائد على مدى عقود من الزمن، وإذا كانت الضرورة تقتضي الشطب على الأجهزة الأمنية والمخابرات، وإعادة بنائها من القاع على أسس جديدة، فإن معالجة ملف الجيش يمكن أن تتم من خلال إعادة هيكلية المؤسسة العسكرية باستبعاد القيادات نزولا حتى مستوى الكتيبة أو الفوج باستثناء المتورطين منهم، ويجري التعويض عنها بالضباط المنشقين في الجيش الوطني السوري، مع ضرورة تأهيل بقية الضباط والمراتب بشكل تدريجي. في كل الأحوال يجب استبعاد نموذج بريمر سيئ الصيت والقاضي بحل الجيش وإعادة تشكيله كما حصل بعد غزو العراق 2003. وهنا تجدر الإشارة إلى ظاهرة اختفاء أزلام المخلوع من مختلف القيادات ومنها الجيش والمخابرات والأمن بالطبع وبشكل مفاجئ وشامل، وهو ما يدعو للشك والقلق، لهذا لابد من فريق عمل يتابع هذا الملف بعناية تامة. إلى جانب ذلك، يستدعي تحصين الثورة ضبط تصرفات وسلوك الأفراد الموالين الذين لابد أن اختيارهم جرى على أساس من الحس الأمني والانضباط الذاتي وحسن التصرف ودقة التنفيذ وسرعة التحرك، آخذين بنظر الاعتبار أن عيون العالم مفتوحة ترصد كل تجاوز أو خطأ وتلاحق وربما تضخم وتفضح بدون رحمة … ولكل طرف أغراضه وغاياته. لكن الشعب الذي ابتلي بإدارة فاشلة فاسدة على مدى عقود من الزمن، فإن كلّ ما ينتظره بعد أن يكون قد تنفس نسائم الحرية لأول مرة بعد 54 سنة من الحرمان، تغيير ملموس في قطاع الخدمات ومستوى المعيشة، وهو التحدي الأكبر التالي الذي سيواجه الثورة، وحسناً فعلت أنها استدعت الموظفين وطلبت منهم العودة إلى وظائفهم كما استعجلت الأمر في تشكيل حكومة مؤقتة على مدى ثلاثة اشهر، وباشرت في معالجة الاختناقات الحادة ووجه القصور في خدمات الكهرباء والصحة، واعتقد جازما أن خزينا من خبرات التكنوقراط السوريين المغتربين سيجد حلولا مناسبة وعاجلة لتحسين الخدمات، كما أن من المتوقع ان يبادر العالم بتقديم يد العون والمساعدة، وكانت دولة قطر كالعادة سبّاقة في هذا المجال، حيث وجّه سمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتسيير جسر جوي للمواد الإغاثية والصحية إلى سوريا على عجل، يترافق ذلك مع الموقف النبيل للدولة الذي انفرد دون العالم بالاعتراف بشرعية المعارضة والإبقاء على سفارتها وعلمها ذي الثلاثة نجوم ومنذ انطلاق الثورة 2011، يرفرف عاليا في سماء الدوحة. الاعتناء بالماكينة الإعلامية ربما يشكل تحديا خطرا آخر، والأطراف المعادية ستنشط دون شك في شيطنة الثورة وتشويه مقاصدها وتضخيم أخطاء أفرادها حتى العفوية منها … ولابد من فريق مهني متخصص يتجهز لهذه المهمة مدعوما بخبراء بالحرب النفسية لتنوير الرأي العام بالحقائق وتحصينه من الشائعات والبروبغندا المسمومة. من جهة أخرى، لابد أن تولي الثورة عناية خاصة بالدبلوماسية والعلاقات الخارجية وتنشّط جهاز الوزارة وتعمل عاجلاً على إعادة هيكلية السلك الدبلوماسي، من اجل أن تستعيد سوريا مكانتها اللائقة دوليا ويحظى النظام الجديد بتفهم ودعم وتأييد المجتمع الدولي. التحديات لا شك كثيرة، ولابد من الانتباه ان العناصر التي يمكن ان تشكل تهديداً حقيقياً للثورة تتراوح بين: الطابور الخامس، الدولة العميقة، التدخل الخارجي، والإعلام المضاد …. وسوء التقدير. نكتب ذلك وننصح به، إذ من المتوقع، ان النظام البائد وجميع المتضررين من الثورة والمتحفظين عليها، مهما تنوعت مشاربهم وغاياتهم بدأوا بالحرب على الثورة منذ 8 ديسمبر الماضي يوم تحرير سوريا، وسيحاولون جاهدين شيطنتها وإشغالها بحروب جانبية تمهيداً لإجهاضها.. لهذا لا مجال والحالة هذه للتراخي أو للعواطف، والحلول الوسط، وسوء التقدير.. والانشغال بقضايا فرعية بدل القضايا الأساسية على سلّم الأولويات، بل يقتضي الحال اليقظة والحذر، والحزم، وإبقاء الأصبع على الزناد وحتى إشعار آخر.. باختصار علينا أن نأخذ بالحكمة القائلة (لا قيمة لحق إن لم تحرسه أنياب وأظافر)

1275

| 13 ديسمبر 2024

عن «الديمقراطية» تحدث مالك بن نبي..

كتب المفكر طيّب الذكر مالك بن نبي في فصل “الديمقراطية في الإسلام“ كتاب «القضايا الكبرى» ما يلي: «ورثنا نحن معشر الشعوب الإسلامية، كما ورثت معنا وفي الظروف نفسها الشعوب الأفريقية والآسيوية التي خضعت مثلنا للدول الاستعمارية واحتكت بثقافتها وحضارتها في إطار الاستعمار، ورثنا من هذا الاتصال بحكم القانون الذي يفرض على المغلوب عادات الغالب وتقاليده ورثنا المقاييس المرتبطة بحياة العالم الغربي وبتجربته التاريخية وتقبلنا بعضها لنقيس بها الواقع الاجتماعي لدينا، ونقارن على ضوئها ماضينا بما يسحر أبصارنا في حاضر هذه الأمم الغربية، هذه الأمم التي فرضت علينا عاداتها ومفاهيمها ومصطلحاتها وأسلوب حياتها وهكذا رأينا هذه الأشياء مسلمات يقتدي بها فكرنا ويهتدي بها اجتهادنا ويستدل بها منطقنا، دون أن نحقق في درجتها من الصحة أو اتفاقها مع جوهر شخصيتنا وفلسفة حياتنا، وكان أثرها في تفكيرنا أن أصبحنا نتناول في كتاباتنا وفي أحاديثنا موضوعات جديدة مثل موضوع الحديث أي، الديمقراطية في الإسلام «. اعقب بالقول: يريد المفكر أن يقول إن الأصل هو ما لدينا، وما يأتينا، نأخذه، لا على علاّته، من الألف إلى الياء، بل بعد مراجعة، وغربلة، تمحيص وتأمل …، ما يأتينا وصفة قد تصلح لغيرنا لكنها قد لا تصلح بالضرورة لنا، كلاً او جزءاً، لهذا تقتضي المصلحة ان نأخذ منها ما يحقق مقاصد الشريعة، ما ينسجم مع إرثنا، مع جوهر شخصيتنا، وفلسفة حياتنا وتقاليدنا، رؤيتنا وحاجاتنا للحاضر والمستقبل …وما عدا ذلك من تفاصيل …. معذرة إلى ربكم ….

1026

| 04 نوفمبر 2024

أصرخ في القاعدين.. أما تعبتم من قعودكم !

مرت سنة على صولة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 3023 وما زال الموقف الرسمي العربي محزناً ومؤسفاً، لا يزيد على موقف اللامبالاة، بل قل التفرج على مأساة غزة، والتعاطي معها بلغة الإدانة والشجب والاستنكار لا أكثر، موقف إن لم يترافق مع العصا الغليظة فلا معنى له، ولن يترك أثراً على أرض الواقع وهذا ما هو حاصل، بل قل هو يغري الفاشين الجدد في الأرض المحتلة على مواصلة الجينوسايد وارتكاب أبشع الجرائم على قاعدة، من أمن العقاب ارتكب كل محرم، دون أي اعتبار أو التفات لأحد. والكل يعلم أن الموقف الرسمي العربي المدان وهو ليس بسر إنما يأتي في الواقع انعكاساً للموقف من صولة طوفان الأقصى بل وعلى وجه التحديد الموقف من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث يشيطنها البعض دون أدنى مسوغ، وهم في ذلك مخطئون وظالمون. هذا الموقف هو في الواقع صورة من صور النأي بالنفس التي عرف بها واشتهر رئيس الوزراء الميقاتي وتوافقت عليها الأنظمة العربية، وكأن سبب الصراع مع الصهاينة ليس أكثر من خلاف في قضية هامشية وليس قضية مصير أو وجود. سنة كاملة.. وكان خيارنا منذ البداية إما موقف اليهود مع سيدنا موسى وهو يدعوهم للاستعداد لقتال العماليق وردوا عليه (اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنّا ها هنا قاعدون) موقف الجبان المرعوب قصير النظر، وبين رد الصحابي الجليل سعد بن معاذ على رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه قبل أيام من غزوة بدر، وأراد أن يسمع من الخزرج نصرتهم لله ولرسوله وتأكيدهم على المشاركة في النزال ( …. فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله»، وكان من المتوقع أن يختار العرب مقولة سيدنا سعد.. والشجاعة والنخوة ونصرة المظلوم هي ليست ما تربينا عليه فحسب، وإنها ليست فقط نجوماً تزين تاريخ أمة ما زال ملهماً ومدعاة للفخر حتى الساعة رغم ما فيه من شوائب، بل هي قيم تأصلّت في الجينات وفي أواسط القلوب والوجدان.. اللهم إلا إذا كان عرب اليوم غيرهم عرب الأمس وما نحن ومعنا أمة سيدنا محمد إلا مجرد غثاء كغثاء السيل.. عندها نعترف ونقول معذرة إلى ربكم ولا داعي لتحميل الحمل الثقيل على بعير أعرج. وبعد أن اصطبغت غزة بالدماء، وتناثرت فيها الأشلاء، وانتشر فيها الموت، بالقتل أو بالجوع أو بالمرض أو بالتشرد، ما عاد المشهد في غزة والضفة ولبنان ”سياسياً “ حتى تتباين عنده المواقف والآراء والأحكام، ويتردد المسؤول في أي اتجاه يتحرك وأي موقف يتخذ، وما يراعي من ضغوط وما يسقط.. لم يعد ذلك كله ذا صلة، لأن الإنسانية باتت هي الطاغية وهنا لا يختلف الإنسان السوي عن غيره، والعاطفة والضمير والوجدان تصبح هي المحركات لبني الإنسان عقله ومواقفه، فكيف إذا سقطت كلها مرة واحدة.. تُرى ماذا نقول في إنسان تخلى عن إنسانيته ؟ بالله عليكم ماذا نسميه ونطلق عليه.. وهنا أسأل: أليس هذا هو حالنا بالضبط.. ماتت الضمائر في وطني العربي لكن المفارقة جاءت من شعوب بعيدة عنا، لم تزل ضمائرها حية، تحركت وتعاطفت مع شعب مظلوم، لا يرتبط معها بشيء اللهم سوى رابطة الإنسانية، تحركت لأنها لم تجد مسوغاً للظلم وقد وقع على أهلنا في غزة وفلسطين ولبنان لاحقاً، هي لم تجد من مبرر لقتل 41700 إنسان منهم.. 11500 امرأة، و16900 طفل، و1000 من الطواقم الطبية والمسعفين، و500 معلم وأستاذ جامعي، ولا مسوغ لحرمان وتجويع وتشريد مليوني إنسان وأكثر حد الموت.. ولا تدمير المستشفيات والجامعات والمدارس وهدم المساكن ودور الإيواء والمساجد والمخازن والمخابز والصرف الصحي.. هدمت غزة حجراً على حجر وقتل المدنيون الأبرياء وعذب المسجونون واغتصبت النساء وذبح الأطفال.. تحركت الشعوب البعيدة عنا، لكننا لم نتحرك، حتى ولو على استحياء أو حتى من باب إسقاط فرض!. سيقول البعض لا شيء في هذا الطرح سوى العاطفة! فأين المصلحة الراجحة التي تحكم الموقف السياسي وتوجهه، أقول أليس في الشوكة مصلحة ؟ وهل من دون الشوكة تتحقق المصلحة في عالم يعرف الحق لكنه لا يذعن إلا للأقوى، أليس من المصلحة أن يكون ظهيركم شعبا شهد له العالم بالشجاعة في التشبث بالأرض على مدى عام كامل وأكثر، وخيّر بين الهجرة أو الموت، فاختار الموت! بل أليس من المصلحة أن تضاف إلى جيوشكم النظامية، جيوش غير نظامية، استطاعت هي وليس جيوشكم إذلال جيش قيل إنه الجيش الذي لا يقهر؟ ألم تكن هي من أذلته وكسرت كبرياءه وجردته من ميزة «الردع» التي تغنى بها عقوداً من الزمن.. ووظفها في إرهاب العرب والمسلمين! بل أليس من المصلحة المصالحة مع شعوبكم الغاضبة عليكم لسبب موقفكم وهي تغلي كالمرجل وتنتظر متلهفة إشارة منكم كي تتحرك خلفكم نصرة لغزة. وإذا لم تكن المقاومة هي خياركم المفضل لديكم، فالأمل ألا يكون البديل هو التطبيع مع نظام هذا المخلوق الذي بات هو وجوقة الجزارين المجانين وبالاً على البشرية.. هذا المسمى نتن ياهو، الذي كان قد عرف كفاسد وكذاب، أماط عنه اللثام طوفان الأقصى فبان على حقيقته سادي جزار، لا يؤمن شره، ولا ينجز وعده، فهل تضمنون أن هذا المعتوه، إن خرج من هذه المنازلة منتصراً لا سمح الله، أن يكون عوناً لكم؟ لن ينازعكم حقاً أو ملكاً !! وهو بعد أن رفض حل الدولتين فإنه إنما يمهد للإعلان عن الخطوة اللاحقة (دولة إسرائيل ما بين الفرات والنيل)؟ ألم يبشر بشرق أوسط جديد، وترتيبات جيوسياسية جديدة ؟ هذا ليس بديلاً إنما هو شر وبيل وخطر كبير ينتظركم عند الباب، قد يغري هذا الكذاب ويسرف في وعوده، وهنا أذكركم بموقفه من ولي نعمته، والمسخر مصانعه وتقدمه التكنولوجي لإدامة تفوقه، وأقصد الولايات المتحدة الأمريكية، كيف تعامل مع رئيسها الحليف الأكبر جو بايدن وكيف أذلّه أمام العالم أجمع، عندما قدم صفقة المراحل الثلاث، وقال أمام العالم إنها خطة نتن ياهو، ليخرج الأخير في اليوم التالي ويتبرأ منها! ألم يعلن البيت الأبيض بأنه فوجئ مراراً بقرارات إسرائيل في الآونة الأخيرة ! ألم يشك الرئيس بايدن أن نتن ياهو أبقاه في الظلام وأنه يجهل كل نواياه في لبنان جملة وتفصيلا! والأمر يسري على أوروبا الحليفة التي قدمت له وما زالت كل ما يحتاجه الجزار وهو يواصل الإبادة الجماعية، ألم تشتك، نحن حلفاء إسرائيل ليس لدينا أي نفوذ على إسرائيل ونحن نتابع الأحداث كغيرنا دون تدخل. لا أظن أن الأنظمة العربية أحن على قلبه من الولايات المتحدة وأوروبا، وأنه سيصدق مع العرب وهو الكذاب مع أقرب حلفائه. لهذا أقول: دعونا نتخذ قراراً لمصلحتنا، لا نسيئ التقدير فيه ولا نندم عليه، لنمد الجسور مع المقاومة، ونحتضنها ونحسن الظن بها، بذلك تقوى شوكتنا ويهاب عدونا، عدا ذلك يحذركم الله نفسه: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) 38 محمد كلمة لا ابتغي منها إلا وجه الله …

1335

| 07 أكتوبر 2024

«البيجر» من جهاز اتصال إلى قنبلة موقوتة!! من غير إسرائيل؟

لا حدود أمام متلازمة القتل وسفك الدماء التي يعاني منها الصهاينة، لم يكتفوا باستخدام أنواع وسائل القتل والتدمير والتخريب، من أسلحة ومتفجرات «تقليدية « تلك التي أنتجتها المصانع الحربية في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث لم يتبق سوى «القنبلة النووية» والتي اقترح استخدامها وزير التراث الفاشي لقتل المزيد من اهالي غزة المحاصرين، لكن الجديد في سجل الجرائم التي يرتكبها الكيان الغاصب، هو ما حصل اول امس من تلاعب اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بأجهزة الاتصال البيجر (وهي مصممة لتلبي حاجة خدمات مدنية، الطبابة في المقدمة) وتحويلها إلى قنبلة موقوتة وتفجيرها في مناطق مختلفة من لبنان وسوريا، متى ما وجد صاحب القرار الصهيوني الفرصة لقتل أكبر عدد ممكن من البشر. وهنا، نظريتان تطغيان على السطح تفسيراً لحادثة تفجير المئات من اجهزة الاتصال (Pager بيجر) كانت قيد استخدام أفراد وقيادات من حزب الله في لبنان، وقبل الحديث عن تلك النظريتين لابد أن نذكر بأن «البيجرات» لا تُستخدم اليوم بشكل واسع، خلاف الماضي حيث كانت وسيلة اتصال مهمة، خاصة للمتنقلين أو العاملين في القطاعات الطبية والأمنية. «البيجر» (Pager) هو جهاز اتصال لاسلكي كان يُستخدم بشكل واسع قبل انتشار الهواتف المحمولة. يتيح إرسال واستقبال رسائل نصية قصيرة، أو إشارات للتواصل مع الشخص المستهدف. باختصار، أجهزة البيجر وفرت وسيلة اتصال موثوقة ورخيصة وفعالة، آمنة نسبيًا، وسريعة في ظروف حرب العصابات والصراع ضد إسرائيل. نعود إلى سبب تفجير اجهزة الاتصال موضوعة البحث، النظرية الاولى وتتحدث عن اختراق هذه الاجهزة وارسال إشارات لا سلكية أدت إلى تسخين بطارية (الليثيوم) ومن ثم تفجيرها، وهو احتمال ضعيف، ليس لان الإصابات كانت اكبر بكثير من تلك التي يمكن ان يسبّبها انفجار بطارية صغيرة وعادة ما تكون الإصابات سطحية تترافق مع حرائق محدودة، بل لان برنامج التجسس المشهور «بيغاسوس» (Pegasus) والذي يفترض ان يكون هو المتهم بالاختراق والذي طورته شركة NSO Group الاسرائيلية هو مجرد برنامج تجسس إلكتروني مخصص لاختراق الهواتف الذكية وجمع المعلومات، وليس أداة لتعطيل أو تفجير الأجهزة. تبقى النظرية الثانية وتعتمد عادة على تقنيات مختلفة، مثل زرع متفجرات أو عبوات ناسفة مرتبطة بتلك الأجهزة والتي يتم التحكم بها عن بعد. وقد ثبت الان ان هذه الأجهزة التي تحمل العلامة التجارية لشركة Gold Opolo التايوانية تم تجهيزها فعلا من قبل شركة مجرية بعد ان تم التلاعب فيها وحشر مادة متفجرة صغيرة إلى جانب البطارية يتراوح وزنها بين 30-50 جراما. هذه التقنيات عادةً ما تستخدم في إطار العمليات العسكرية أو الأمنية، وبالطبع للأجهزة الامنية والمخابراتية الاسرائيلية سجل متميز في مثل هذه العمليات، وقد تورطت إسرائيل فعلاً في عدة حوادث تتعلق باغتيال ناشطين فلسطينيين باستخدام أساليب مبتكرة في مقدمتها تفجير الهواتف النقالة. وربما كان الحادث الأبرز في مثل هذه العمليات اغتيال الشهيد يحيى عياش (1996) المعروف بـ «المهندس»، أحد أبرز قادة «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة حماس، وأحد مهندسي العمليات التفجيرية ضد إسرائيل. اغتيل عياش في يناير 1996 عن طريق تفجير هاتف محمول كان قد تم تزويده بمتفجرات مخفية. زرع جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد أو الشاباك) المتفجرات في هاتف الشهيد عبر عميل وتم التحكم في التفجير عن بُعد، مما أدى إلى استشهاده رحمه الله، لكن الحوادث من هذا القبيل كانت فردية ومحدودة، اما هذه المرة فقد بلغت من السعة (3 آلاف جهاز بيجر) ما تسبب وخلال نصف ساعة بإصابة 2750 ما يزيد على 180 منهم إصاباتهم حرجة وما يقرب من 19 قضوا بالتفجيرات، بينهم أطفال ونساء، وفي أماكن لم تقتصر على جنوب لبنان بل امتدّت لجنوب بيروت والبقاع وحتى الأراضي السورية. نحن أمام اختراق أمني هائل حققته المؤسسة المخابراتية الاسرائيلية (قيل تعاون بين الموساد والاستخبارات العسكرية)، وحدث تعرضي Offensive فريد غيّر من قواعد الاشتباك وفتح الباب على مصراعية امام حرب شاملة، من الصعب التكهن بنتائجها، بالنظر للمضامين الأمنية والعسكرية والأخلاقية بل والقانونية والتجارية والسياسية… الهجوم واسع النطاق وطال مدنيين لذا قد يرقى إلى جريمة حرب. حدث له ما بعده. والتوقيت له مغزى، وللمقال بقية وصلة.

1878

| 19 سبتمبر 2024

انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً... هم ونحن !

جون كيربي (منسق الأمن القومي الأمريكي) صرح قبل أيام: «نقلنا مقدرات كبيرة للمنطقة وسندافع عن إسرائيل في حال تعرضت للهجوم». جاء هذا التصريح، بعد تصريحات مشابهة صدرت عن الرئيس جو بايدن ووزير دفاعه أوستن … مضمون التصريح واضح لا لبس فيه، إن الولايات المتحدة سوف تقف إلى جانب إسرائيل في كل وقت ومهما فعلت !! ومن دون هذا الموقف، ما كانت دولة الاحتلال لتجرؤ على قتل حتى الذي تتفاوض معه!! وأقصد القائد الشهيد إسماعيل هنية… أو يتفاقم غلوها وإسرافها في القتل حتى تبلغ قائمة الضحايا قتل 40 ألف إنسان بريء و100 ألف جريح ومصاب ناهيك عن ضحايا ما زالت جثثهم تحت الأنقاض لا يعرف عددهم. ‏ الموقف ليس بجديد، بل تكرر منذ انطلاقة العدوان على غزة رداً على صولة طوفان الأقصى، ليؤكد للعالم أجمع أن الولايات المتحدة ليست وسيطة بل هي شريكة، بالقوة العسكرية، بالتسليح والتجهيز، بالجهد الاستخباراتي، العملياتي، وسلاسل الإمداد اللوجستي… ناهيك عن الدعم المالي وتوفير الغطاء السياسي لعربدتها وبلطجتها غير المحدودة… الولايات المتحدة اختارت أن تكون ظهيرا للمجرمين. نتن ياهو بخبثه ومكره يتلاعب بالولايات المتحدة، مستفيداً من موقفها الضبابي، ولا يستجيب لرغباتها حتى لو جرى تنسيق المواقف والتوافق عليها مبكرا!! وهذا ما جرى في مشروع المراحل الثلاث لوقف إطلاق النار، وحتى اللحظة الولايات المتحدة يبدو أنها غير جادة في لجم عربدته وبلطجيته، وتكتفي بخطاب مرتبك مغشوش يحتمل أكثر من تفسير، فيه من التمنيات أكثر من الحزم ! بينما عنصر الضغط الرئيسي المتاح بيدها (لو أرادت) هي المساعدات العسكرية، التي لم ينقطع تدفقها لجيش الاحتلال لحظة واحدة… حتى لو تعارض مع قوانينها ذات الصلة، ما يعني أن الولايات المتحدة لا تتمنى على إسرائيل وقف العدوان، وما حقيقة تصريحاتها سوى شكل من أشكال العلاقات العامة يحتاجها البيت الأبيض لتهدئة خواطر الغاضبين، المتعاطفين مع غزة في محنتها من أبناء الشعب الأمريكي والعالم. الولايات المتحدة تدرك يقيناً أن المحتل الإسرائيلي تجاوز حدود الظلم إلى الإبادة!! ومع ذلك هي لا تمنعه وهي على ذلك قادرة…. والمساعدات العسكرية، والقنابل الذكية والغبية … أداة فعّالة، لكنها تبقى بحاجة إلى رئيس فعّال وقرار شجاع ! في سابقة هي الأبلغ انحيازاً في العلاقات التي تراكمت بين الطرفين على مدى ما يزيد على سبعين عاماً… ‏هذه هي ⁧‫الولايات المتحدة الأمريكية‬⁩ التي لا يضارع طغيانها بشر !!….توظف قوتها للترخيص لإرهابي ظالم بالمزيد من القتل والدمار لأناس أبرياء … في ⁧‫غزة‬⁩ والضفة‬⁩ بدل أن تأخذ على يديه وتمنعه من ظلمه …!! وهي تتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية كونها ما زالت تتربع على قمة النظام العالمي، لا يعني لها شيئا قتل وإصابة 140 ألف إنسان مدني بريء … وتدمير وتجويع وتهجير لم تشهده البشرية منذ عقود. ‏بل لا تعني ⁧‫لها شيئا الإبادة الجماعية‬⁩ !! ولا قرار محكمة العدل الدولية ولا إدانة محكمة الجنايات الدولية. تذكرت الحديث الشريف قوله عليه الصلاة والسلام: (انْصُرْ أخاكَ ظالِماً أوْ مَظْلُوماً. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُوماً، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِماً، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ). ‏يا الله …. كم هي جليلة أخلاقنا وقيمنا، بل كم هو عظيم ديننا… ‏وهل من يضارعنا فيه أحد؟ صحيح أن الحديث الشريف يعبر عن قضية أخلاقية قيمية تعنى بالتعاملات الإنسانية… لكن الحديث يصلح كضابط للسلوك في العلاقات الدولية، يحد من العدوان ويمنع الفوضى. الحاصل، البون بيننا وبينهم شاسع عميق بل حتى في صغار الأمور …هو كبير.

1131

| 14 أغسطس 2024

المجرم.. احتفالية في الكابيتول بدل السجن!

كان من المأمول أن يكون في السجن لا أن يكون ضيفاً على مشرعين في أكبر جهاز تشريعي في العالم، والدعوة في نظر الكثيرين كانت سقطة واستفزازا للمشاعر، بل وصادمة للعالم أجمع. كما تضررت إلى حد كبير صورة (الكابيتول) وهو رمز لأعرق الديمقراطيات في التاريخ. الغرابة والاستهجان لا ينحصران في الدعوة بحد ذاتها وفي هذا الظرف بالذات وجريمة الابادة الجماعية والتهجير والتطهير العرقي تجري حتى الساعة ودون هوادة، بل في هذا الحماس المنقطع النظير والترحيب المبالغ فيه عمداً! بينما لا يستحق عنونة الخطاب بأفضل من (فن تزوير الوقائع وقلب الحقائق.. بلا حدود!). هذا هو الخطاب الرابع يلقيه نتن ياهو امام الكونغرس منذ ان تقلد منصب رئيس الوزراء، وقال لهم فيه باختصار (هذه رؤيتي وعليكم التكيف معها، وهؤلاء هم اعدائي وعليكم الاستعداد لهم). تضمن الخطاب وعلى مدى خمس وخمسين دقيقة، خمسا وخمسين كذبة قام لها المشرعون وقعدوا خمسا وخمسين مرة وصفقوا بحماس مفرط! وربما كانوا حريصين على ألا تفوتهم لقطة كاميرا او عين راصد ورضا منظمة (الآيباك) غاية وأمل ان لم تكن خوفا ورهبة!. وفي كل مرة كان التصفيق يدوي في ارجاء الصالة كانت الدماء تسيل على ارض غزة، اما لقتل طفل او امرأة او رجل او شيخ عجوز، لقد جاء لواشنطن ولم يسأله أحد: ترى كيف تركت غزة؟ كيف اهملت الاسرى كل هذه الفترة؟ وما تنوي فعله في اليوم التالي؟. غاب، وتعفف عن هذا الموقف المخجل، رغم الترغيب والترهيب، كوكبة من 124 عضوا احترموا انفسهم وقرروا النأي بالنفس ولم يشاركوا، أما كيف امتلأت مقاعد الصالة فالفضل يعود إلى امريكيين من العامة استدعوا على عجل للضرورة وما هم بأعضاء كونغرس!. مهما توسعنا في الحديث عن سلوك واخلاق نتن ياهو فلن نضيف جديداً، فقد عرفته الارض المحتلة بل والبشرية اجمع بأنه «الاكذب» والاوحش، والأبشع، والأرهب في ارتكاب جرائم الفصل العنصري والتهجير القسري والابادة وجرائم ضد الإنسانية. لكن السؤال يوجه لحفدة «الآباء المؤسسين» اولئك الذين كتبوا وثيقة الاستقلال والدستور الأمريكي وحرصوا ان تكون ركائزه: العدالة، والحرية، والمساواة، والحق في السعي وراء السعادة.. اين باتوا من هذه المبادئ الرفيعة؟ لقد حنثوا بقسمهم في الالتزام بالدستور الأمريكي والمبادئ التي كتب على اساسها، واعلنوا اصطفافهم وتأييدهم لجزار أعاد إلى الأذهان الهولوكوست / المحرقة ولكن بصورة أبشع، وما تشاهد بأم عينيك على مدار الساعة، غير ما تسمع او تقرأ. لقد اهتزت بقوة صورة الولايات المتحدة في العدوان على غزة امام العالم، ولن يكون من السهل ترميمها، وفي الذاكرة مغامرات فاشلة كالحرب على فيتنام (1955-1973) وافغانستان (2001-2021) والعراق (2003). وكان من المأمول ان تكون قد خرجت الدولة بعدها بدروس وعبر، تعينها على المراجعة وتصويب السياسات مستقبلاً. لكن يبدو ذلك لم يحصل، ومبدأ “شرعية القوة“ لا زال هو السائد في عقلية صانع القرار الأمريكي، التنفيذي منه والتشريعي، والموقف من العدوان على غزة كان منحازا عدوانياً بشكل صارخ، وكان الانطباع حتى الرابع والعشرين من الشهر الجاري ان عراب هذا الموقف هو الرئيس الأمريكي جو بايدن! ولكن بعد انضمام المشرعين تبين ان المشرعين لا يقلون تحيزاً ولا عدوانية عن ساكن البيت الأبيض، لقد صرح رئيس مجلس النواب مايك جونسون «إسرائيل لا تقف وحدها بل نقف معها كأقرب حلفائها في الشرق الأوسط»، وفي دعوة نتن ياهو (نحن نتطلع إلى الاستماع إلى وجهة نظر إسرائيل في كيفية الدفاع عن الديمقراطية، ومحاربة الإرهاب، وتكريس العدالة والسلام المستدام في المنطقة)! آمال تعلق على نتن ياهو بدل تقديمه للعدالة. كما صرح الشيخ الديمقراطي تشاك شومر (علاقتنا مع إسرائيل متينة للغاية مثل الحديد Ironic clad). وربما هذا الموقف الداعم بالمطلق هو الذي أوغر صدر نتن ياهو ودفعه للجنون والسادية المفرطة. لكن بالمقابل هل راعى نتن ياهو الحرج الكبير الذي تعاني منه الادارة الأمريكية وهو حتى اللحظة يرفض الاستجابة لقرار مجلس الامن ذي المراحل الثلاث والذي تبتنه الادارة الأمريكية، وتوقع الكثيرون انه خلال الخطاب سيبشر الأمريكيين وأهالي الاسرى في الداخل الاسرائيلي بموافقته على الصفقة لكنه لن يفعل، انسجاماً مع فهمه للعلاقة الخاصة بين اسرائيل والولايات المتحدة انها سالكة لكن على مسار واحد، اذ يتوجب على الأخيرة ان تدعم اسرائيل عسكريا وتحميها سياسياً، ودون مقابل، وسواء تلاقت مع المصالح الأمريكية ام افترقت عنها؟ مصلحة اسرائيل أولاً وبذلك تصبح اسرائيل مارقة دولياً متنمرة على صعيد العلاقة الثنائية، رغم ان العلاقة ما كانت يوماً هكذا بل سالكة على مسارين، لم يتوقف الدعم السياسي والعسكري والمالي يوماً لكن يسعنا ان نتذكر ان اسرائيل كانت تستجيب على الفور في كل مرة لرغبة واشنطن في وقف اطلاق النار، وهو ما تحقق فعلاً في العدوان على مصر عام 1956. وحرب الخامس من حزيران 1967، وحرب رمضان عام 1973 ناهيك طبعا عن الحروب اللاحقة على غزة. جاءت الزيارة، في ظل عزلة وانتقاد واسع النطاق اضافة إلى احتمال كبير ان يصدر النائب العام بالمحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتن ياهو كمجرم حرب. كما شكلت الحشود من المعارضين في الخارج مشكلة سياسية حاول المشرعون داخل القاعة تجنبها. اما خطابه الاستعراضي فلم يضف نتن ياهو أي شيء جديد إلى أكاذيبه السابقة، وحاول فقط إعادة إسرائيل إلى مركز الخريطة السياسية، وإعادة خلق إجماع بين الحزبين حول إسرائيل، ولم ينجح في ذلك». اما الصحافة الأمريكية فقد انتقدت خطاب نتنياهو، وقالت وكالة أسوشيتد برس على سبيل المثال، إن «نتنياهو الذي تزايدت الانتقادات ضده داخل إسرائيل يهدف إلى تصوير نفسه كرجل دولة لا زال يحظى باحترام الولايات المتحدة، اما العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل فما عادت ملتبسة ويخطئ من يظن ان إسرائيل ما هي إلا ولاية أمريكية! والعكس يبدو هو الصحيح والأسباب معروفة.

1314

| 29 يوليو 2024

العودة للمدارس خطأ !!
العودة للمدارس خطأ !!

كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...

5670

| 25 أغسطس 2026

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن
لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن

-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...

4776

| 23 أغسطس 2026

هل يمكن صناعة القادة؟
هل يمكن صناعة القادة؟

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...

2241

| 23 أغسطس 2026

حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية
حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية

بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...

1767

| 25 أغسطس 2026

الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟
الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟

هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...

1650

| 26 أغسطس 2026

جماهيرنا نبض المدرجات
جماهيرنا نبض المدرجات

اليوم تنطلق الجولة الثانية من دوري نجوم بنك...

969

| 27 أغسطس 2026

أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف
أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف

في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...

663

| 26 أغسطس 2026

إلى الرؤساء بالوزارات والهيئات.. من حق المجتمع أن يعرف
إلى الرؤساء بالوزارات والهيئات.. من حق المجتمع أن يعرف

هذه رسالة أوجهها إلى كل مسؤول أول في...

573

| 27 أغسطس 2026

يدي الفارغة!
يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...

564

| 23 أغسطس 2026

الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟
الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟

مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في...

492

| 24 أغسطس 2026

لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟
لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟

* يحل علينا في شهر ربيع الأول من...

492

| 26 أغسطس 2026

الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة
الأزمات فرصة لإعادة اكتشاف الحقيقة

يقول مصطفى السباعي رحمه الله: "وفي المآزق ينكشف...

462

| 22 أغسطس 2026

أخبار محلية